← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب» من معشر سنّت لهم أباؤهم ... والعزّ لا يأتى بغير تطلّب يا أربد الخير الكريم جدوده ... أفردتنى أمشى بقرن أعضب «٢» وقال أيضا فيه: ما إن تعدّى المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد «٣» أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد «٤» يا عين هبلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم فى كبد «٥» فجّعنى الرّعد والصّواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النّجد «٦» قال: وأنزل الله فى هذه القصّة: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يعنى رسول الله ﷺ يَحْفَظُونَهُ يعنى تلك المعقبات مِنْ أَمْرِ اللَّهِ . ثم قال تعالى مشيرا لهذين: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ «٧» .

стр. 6197

أى ملجإ يلجئون إليه. وقد قيل: والٍ يلى أمرهم، ويمنع العذاب عنهم. ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً . قال: خَوْفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقّته. وَطَمَعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته. وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ «١» قال الحسن: شديد الحقد «٢» . وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: شديد الأخذ. وقد روى الثعلبىّ أيضا، عن إسحق الحنظلىّ، عن ريحان بن سعيد الشّامى، عن عبّاد بن منصور، قال سألت الحسن عن قوله : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ الآية. قال: كان رجل من طواغيت العرب، فبعث إليه النبىّ ﷺ نفرا ليدعوه إلى الله ورسوله أن يؤمن، فقال لهم: أخبرونى عن ربّ محمد هذا الذى تدعونى إليه ما هو؟ وممّ هو؟ من دهب أم فصّة أم حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته، وانصرفوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلا أكفر قلبا، ولا أعتى على الله منه! فقال رسول الله ﷺ : «ارجعوا إليه» فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى وأخبث، «٣» فقال رسول الله ﷺ : «ارجعوا إليه» فرجعوا، فبيناهم عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه، وهو يقول هذه المقالة؛

стр. 6198

إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم، فرعدت وبرقت فرمت بصاعقة فاحترق «١» الكافر وهم جلوس، فجاءوا يسعون ليخبروا النبىّ ﷺ فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا لهم: احترق صاحبكم. قالوا لهم: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى إلى النبىّ ﷺ الساعة: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ الآية. والله أعلم فى أيهما نزلت. ولنرجع إلى تتمة خبر وفد عامر بن صعصعة. قال محمد بن سعد فى طبقاته: وكان فى الوفد عبد الله بن الشّخّير، فقال: يا رسول الله، أنت سيدنا، وذو الطّول علينا. قال: «السيّد الله، لا يستهوينّكم الشيطان» . قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ علقمة بن علاثة بن عوف، وهوذة بن خالد بن ربيعة وابنه، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه جالسا إلى جنب رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «أوسع لعلقمة» فأوسع له، فجلس إلى جنبه، فقصّ عليه رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، وقرأ عليه قرآنا، فقال: يا محمد، إن ربّك لكريم، وقد آمنت بك، وبايعت على عكرمة بن خصفة أخى قيس، وأسلم هوذة وابنه وابن أخيه. وروى ابن سعد عن عون بن أبى جحيفة السّوائىّ عن أبيه قال: قدم وفد بنى عامر وكنت معهم إلى النبى ﷺ ، فوجدناه بالأبطح فى قبّة حمراء، فسلّمنا عليه، فقال: «من أنتم» ؟ قلنا: بنو عامر بن صعصعة. قال: «مرحبا بكم أنتم منّ وأنا منكم» .

стр. 6199

ذكر وفد ثقيف وإسلامها وهدم اللّات كان قدوم وفد ثقيف «١» على رسول الله ﷺ ، وإسلامها فى شهر رمضان سنة سبع من مهاجره «٢» . قال أبو عبد الله محمد بن إسحق، وأبو محمد عبد الملك بن هشام، وأبو عبد الله محمد بن سعد ﵏، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض: لمّا حاصر رسول الله ﷺ الطائف لم يحضر عروة بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة الحصار، بل كانا بجرش «٣» يتعلّمان صنعة العرّادات «٤» والمنجنيق والدّبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله ﷺ عن الطّائف، فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبّابات واعتدّا للقتال، ثم ألقى الله فى قلب عروة الإسلام، فخرج إلى رسول الله ﷺ يتبع أثره، حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : «إنّهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبكارهم. قال: فكرر علىّ رسول الله ﷺ ذلك ثلاثا، فقال: «إن شئت فاخرج» فخرج، وكان فيهم كذلك محبّبا مطاعا، فسار إلى الطائف، فسار خمسا

стр. 6200

فقدم عشاء، فدخل منزله، فجاء قومه يحيّونه بتحيّة الشّرك، فقال: عليكم بتحية أهل الجنة «السّلام» . ودعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به، فلمّا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذّن بالصلاة، فخرجت ثقيف من كل ناحية، فرماه رجل يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك- وقيل: بل هو وهب بن جابر رجل من الأحلاف- بسهم فأصاب أكحله «١» فلم يرقأ دمه، فقام أشراف قومه؛ وهم: غيلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ياليل، والحكم بن عمرو ابن وهب، ووجوه الأحلاف، فلبسوا السّلاح وحشدوا، فلما رأى عروة ذلك قال: قد تصدّقت بدمى على صاحبه؛ لأصلح بذلك بينكم، وهى كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلىّ. وقال: ادفنونى مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ ، ومات فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله ﷺ خبره فقال فيه: «إنّ مثله فى قومه لكمثل صاحب «يس» دعا قومه إلى الله فقتلوه» . قالوا: ولحق أبو المليح بن عروة، وقارب بن الأسود بن مسعود برسول الله ﷺ فأسلما، فقال لهم رسول الله ﷺ : «تولّيا من شئتما» فقالا: نتولّى الله ورسوله؛ فقال رسول الله ﷺ : «وخالكما أبا سفيان بن حرب» فقالا: وخالنا أبا سفيان. قال ابن إسحق: ثم أقامت ثقيف بعد ما قتل عروة أشهرا، ثم ائتمروا بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا. وكان

стр. 6201

مالك بن عوف قد أسلم كما قدّمنا فى غزوة حنين، وجعل يغير على سرحهم «١» . قال: وكان عمرو بن أمية أخا بنى علاج مهاجرا «٢» لعبد يا ليل «٣» بن عمرو، وكان من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن اخرج إلىّ، فاستعظم عبد ياليل مشيه إليه، وقال للرسول الذى جاءه: ويلك! أعمرو أرسلك إلىّ؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفا فى دارك، فقال: إن هذا لشىء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع فى نفسه من ذلك، وخرج إليه، فلمّا رآه رحّب به، فقال عمرو له: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة «٤» ، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا فى أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب «٥» ، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأجمعوا رأيهم أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا منهم، كما أرسلوا عروة بن مسعود، فعرضوا ذلك على عبد ياليل بن عمرو بن عمير، فأبى أن يفعل، وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: لست فاعلا حتى يرسلوا معى رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بنى مالك، فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب، ومن بنى مالك عثمان بن أبى العاص بن بشر أخا بنى يسار، وأوس بن عوف أخا بنى سالم،

стр. 6202

ونمير بن خرشة بن ربيعة أخا بنى الحارث، فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب «١» القوم وصاحب أمرهم. وقال ابن سعد: كانوا بضعة عشر رجلا، وهو أثبت. قال ابن إسحق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة «٢» ، ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانت رعيتها نوبا «٣» على أصحابه، فلما رآهم ترك الرّكاب عند الثّقفيين، وخرج يشتدّ «٤» ليبشّر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق رضى الله عنه قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ ، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله ﷺ ، حتى أكون أنا أحدّثه؛ ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ ، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فعلّمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. قال: ولما قدموا على رسول الله ﷺ ، ضرب عليهم قبّة فى ناحية مسجده- كما يزعمون «٥» -، وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشى بينهم وبين رسول الله ﷺ ، حتى كتبوا كتابهم، وكتبه خالد بيده، وهو:

стр. 6203

«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبىّ رسول الله، إلى المؤمنين: إنّ عضاه «١» وجّ «٢» وصيده [حرام «٣» ] لا يعضد «٤» ، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبىّ- محمدا ﷺ وأن هذا أمر النبىّ محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعدّه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ﷺ » . قال ابن إسحق: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم. قال: وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطّاغية وهى اللّات؛ لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمّى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا «٥» بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وألّا يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله ﷺ : «أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصّلاة فإنه لا خير فى دين لا صلاة فيه» . فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها وإن كانت دناءة. فلما أسلموا

стр. 6204

وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبى العاص، وكان من أحدثهم سنّا، وكان أحرصهم على التّفقّه فى الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر الصدّيق ذلك لرسول الله ﷺ . روى عن عثمان بن أبى العاص قال: كان من آخر ما عهد إلىّ رسول الله ﷺ حين بعثنى على ثقيف أن قال: «يا عثمان؛ تجاوز «١» في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصّغير والضّعيف وذا الحاجة» . قال ابن إسحق: ولما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان فأبى ذلك عليه، وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم «٢» ، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنو معتّب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، وخرج نساء ثقيف حسرا «٣» يبكين ويقلن: لتبكينّ دفّاع «٤» ... أسلمها الرّضّاع «٥» لم يحسنوا المصاع «٦»

стр. 6205

قال: ويقول أبو سفيان بن حرب، والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك! أهلا لك «١» ! فلما هدمها المغيرة بن شعبة وأخذ ما لها وحليّها، أرسل إلى أبى سفيان، وحلّيها مجموع، ومالها من الذّهب والجزع «٢» . وقد كان أبو مليح بن عروة سأل رسول الله ﷺ أن يقضى عن أبيه عروة بن مسعود دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال رسول الله ﷺ : «نعم» فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه،- وعروة والأسود أخوان لأب وأمّ- فقال رسول الله ﷺ : «الأسود مات مشركا» ، فقال قارب: يا رسول الله، لكن يصل مسلما ذا قرابة- يعنى نفسه- إنّما الدّين علىّ وأنا الذى أطلب به. فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضى دين عروة والأسود من مال الطّاغية؛ فلمّا جمع المغيرة مالها قال لأبى سفيان: إنّ رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقضى عن عروة والأسود دينهما. فقضى عنهما. قال المغيرة: فدخلت ثقيف فى الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب بنى أب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاما، ولا أبعد أن يوجد فيهم غشّ لله ولكتابه منهم. ذكر وفد عبد القيس «٣» قال محمد بن سعد: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل البحرين أن يقدم عليه منهم عشرون رجلا، فقدموا؛ رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ،

стр. 6206

وفيهم الجارود بن عمرو بن حنش، ومنقذ بن حبّان وهو ابن أخت الأشجّ، وكان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول الله، هؤلاء وفد عبد القيس، فقال: «مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس» . قال: ونظر رسول الله ﷺ إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا، فقال: «ليأتينّ ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الرّكاب، وأفنوا الزاد، بصاحبهم علامة، اللهمّ اغفر لعبد القيس، أتونى لا يسألون مالا، هم خير أهل المشرق» . قال: فجاءوا فى ثيابهم، ورسول الله ﷺ فى المسجد، فسلّموا عليه، فقال: «أيكم عبد الله الأشجّ» ؟ فقال: أنا يا رسول الله. وكان رجلا دميما، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقال: «إنه لا يستقى «١» في مسوك «٢» الرجال، إنما يحتاج من الرّجل إلى أصغريه لسانه وقلبه «٣» » . فقال رسول الله ﷺ : «فيك خصلتان يحبّهما الله تعالى» فقال عبد الله: وما هما؟ قال: «الحلم والأناة» «٤» . قال: أشىء حدث أم جبلت عليه؟. قال: «بل جبلت عليه» . قال: وكان الجارود نصرانيا، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ورغّبه فيه. قال ابن إسحق: فقال يا محمد، إنّى قد كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك: أفتضمن لى دينى؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم، أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه» . فأسلم وأسلم أصحابه.

стр. 6207

قال ابن سعد: وأنزل رسول الله ﷺ وفد عبد القيس فى دار رملة بنت الحارث، وأجرى عليهم ضيافة، وأقاموا عشرة أيام، وكان عبد الله الأشجّ يسائل رسول الله ﷺ عن الفقه والقرآن، وأمر لهم رسول الله ﷺ بجوائز، وفضّل عليهم عبد الله الأشجّ؛ فأعطاه اثنتى عشرة أوقية ونشّا، ومسح ﷺ وجه منقذ بن حبّان. ذكر وفد بكر بن وائل قال ابن سعد: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ ، وكان فى الوفد بشير بن الحصاصيّة «١» ، وعبد الله بن مرثد، وحسّان بن خوط؛ ولذلك يقول رجل من ولد حسّان «٢» : أنا ابن حسّان بن خوط وأبى ... رسول بكر كلّها إلى النّبى قالوا: وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله ﷺ بجراب من تمر، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة. وحيث ذكرنا وفد بكر بن وائل فلنذكر خبر الأعشى.

стр. 6208

ذكر خبر أعشى بنى قيس وامتداحه رسول الله ﷺ ورجوعه قبل لقائه قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثنى خلّاد بن قرّة بن خالد السّدوسىّ، وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم، أنّ أعشى «١» بنى قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علىّ بن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام، فقال يمدح رسول الله ﷺ : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السّليم مسهّدا «٢» وما ذاك من عشق النّساء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا «٣» ولكن أرى الدّهر الّذى هو خائن ... إذا أصلحت كفّاى عاد فأفسدا «٤» كهولا وشبّانا فقدت وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا «٥»

стр. 6209

وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع ... وليدا وكهلا حين شبت وأمردا «١» وأبتذل العيس المراقيل تغتلى ... مسافة ما بين النّجير فصرخدا «٢» ألا أيّهذا السّائلى أين يمّمت ... فإنّ لها فى أهل يثرب موعدا «٣» فإن تسألى عنّى فياربّ سائل ... حفىّ عن الأعشى به حيث أصعدا «٤» أجدّت برجليها النّجاء وراجعت ... يداها خنافا ليّنا غير أحردا «٥» وفيها إذا ما هجّرت عجرفيّة ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا «٦»

стр. 6210

وأمّا إذا ما أدلجت فترى لها ... رقيبين جديا ما يغيب وفرقدا «١» فآليت لا آوى لها من كلالة ... ولا من حفى حتّى تلاقى محمّدا «٢» متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندا «٣» نبىّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا «٤» له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا «٥» أجدّك لم تسمع وصاة محمد ... نبىّ الإله حيث أوصى وأشهدا «٦»

стр. 6211

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا «١» ندمت على ألّا تكون كمثله ... فترصد للأمر الذى كان أرصدا «٢» فإيّاك والميتات لا تقربنّها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا «٣» ولا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «٤» ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا «٥» وذا الرّحم القربى فلا تقطعنّه ... لعاقبة ولا الأسير المقيّدا «٦» وسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد الشّيطان والله فاحمدا «٧» ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبنّ المال للمرء مخلدا «٨»

стр. 6212

فلما كان بمكة أو قريبا منها، اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرّم الزّنى. فقال الأعشى له: والله إن ذلك لأمر مالى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير فإنه يحرّم الخمر. فقال: أمّا هذه فو الله إنّ فى النفس منها لعلالات «١» ، ولكنّى منصرف فأتروّى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم. فانصرف فمات من عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول الله ﷺ . ذكر وفد تغلب قال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى تغلب «٢» ، وهم ستة عشر رجلا مسلمين، ونصارى عليهم صلب الذّهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح ﷺ النّصارى على أن يقرّهم على ذمّتهم «٣» ، على ألّا يصبغوا أولادهم فى النّصرانية، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم. ذكر وفد حنيفة قالوا: قدم وفد بنى حنيفة «٤» على رسول الله ﷺ وهم بضعة عشر رجلا، فيهم رجّال «٥» بن عنقوة، وسلمى بن حنظلة، وطلق بن علىّ بن قيس،

стр. 6213

وحمران بن جابر، وعلىّ بن سنان، والأقعس بن مسلمة «١» ، وزيد بن عمرو «٢» ، ومسيلمة ابن حبيب، وهو الكذّاب. وعلى الوفد سلمى بن حنظلة، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث «٣» ، وأجريت عليهم ضيافة. فأتوا رسول الله ﷺ فى المسجد، فسلّموا عليه وشهدوا شهادة الحقّ، وخلّفوا مسيلمة فى رحالهم. وأقاموا أياما يختلفون إلى رسول الله ﷺ . وكان رجّال بن عنفوة يتعلّم القرآن من أبىّ بن كعب، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم، أمر لهم رسول الله ﷺ بجوائزهم: خمس أواق لكل رجل، فقالوا: يا رسول الله، خلّفنا صاحبا لنا فى رحالنا يبصرها لنا، وفى ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر لأصحابه. وقال: «ليس بشرّكم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم» . فقيل ذلك لمسيلمة فقال: عرف أنّ الأمر إلىّ من بعده. وأعطاهم رسول الله ﷺ إداوة من ماء فيها فضل طهوره، فقال: «إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم «٤» ، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا» ففعلوا، وصارت الإداوة عند الأقعس بن مسلمة، وصار المؤذّن طلق بن علىّ، فأذّن فسمعه راهب البيعة، فقال: كلمة حقّ. وهرب فكان آخر العهد به. ثم ادّعى مسيلمة الكذّاب بعد ذلك النبوّة، وشهد له الرّجّال «٥» أنّ رسول الله ﷺ أشركه فى الأمر، فافتتن الناس به، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى فى خلافة أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه.

стр. 6214

ذكر وفد شيبان قال: وقدم من بنى شيبان حريث «١» بن حسّان الشّيبانىّ، فبايع رسول الله ﷺ على الإسلام وعلى قومه، وصحبه فى مسيره إلى رسول الله ﷺ قيلة بنت مخرمة التّميميّة «٢» ، وهى التى أرعدت من الفرق «٣» لمّا أتت رسول الله ﷺ ، فقال لها: «يا مسكينة عليك السّكينة» [فهدأت «٤» ] . روى عن قيلة بنت مخرمة أنها قالت: إنّ حريث بن حسّان قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين بنى تميم بالدّهناء «٥» لا يجاوزها إلينا منهم إلّا مسافر أو مجاور. فقال رسول الله ﷺ : «يا غلام اكتب له بالدّهناء» ، قالت قيلة: فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها، قلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدّهناء «٦» عندك؛ مقيّد «٧» الجمل، ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك. فقال [رسول الله «٨» ] : «أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتّان «٩» » . فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه، ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: كنت أنا وأنت

стр. 6215

[كما قيل «١» ] : «حتفها تحمل ضأن بأظلافها» » فقلت: أما والله أن كنت لدليلا فى الظّلماء، جوادا بذى الرّحل، عفيفا عن الرّفيقة، حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، ولكن لا تلمنى على حظّى إذ سألت حظّك. فقال: وما حظّك فى الدّهناء لا أبا لك؟! قلت: مقيّد جملى تسأله لجمل امرأتك! قال: لا جرم، إنّى أشهد رسول الله ﷺ أنّى لك أخ ما حييت إذ أثبت «٣» هذا علىّ عنده. فقلت: [أما «٤» ] إذ بدأتها فلن أضيعها. وحديث قيلة فيه طول ليس هذا موضعه.

стр. 6216

ذكر وفادات أهل اليمن ذكر وفد طيّئ وخبر زيد الخيل وعدىّ بن حاتم قالوا: وفد على رسول الله ﷺ وفد طيّئ خمسة عشر رجلا، رأسهم، وسيّدهم زيد الخيل بن مهلهل، من بنى نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس «١» النّبهانىّ، وهو قاتل عنترة، وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيّئ، ومالك بن عبد الله بن خيبرى «٢» من بنى معن، وقعين «٣» بن خلف من جديلة «٤» ، ورجل من بنى بولان «٥» ، فدخلوا المدينة ورسول الله ﷺ فى المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا فدنوا من رسول الله ﷺ ، فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وأجازهم بخمس أواق فضة لكل رجل منهم، وأعطى زيد الخيل اثنتى عشرة أوقية ونشّا. وقال ﷺ : «ما ذكر لى رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لى إلّا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كلّ ما كان فيه» . وسمّاه رسول الله ﷺ «زيد الخير» وقطع له فيد «٦» وأرضين معه، وكتب له بذلك كتابا، فخرج مع قومه راجعا، فقال رسول الله صلّى الله

стр. 6217

عليه وسلّم: «إن ينج زيد من حمّى المدينة فإنّه «١» » ، فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له قردة «٢» أصابته الحمّى فمات، فعمدت امرأته إلى ما كان النبىّ ﷺ كتب له فحرقته بالنار. هذا ما كان من خبر زيد الخيل. وأمّا عدىّ بن حاتم فكان من خبره أنّ رسول الله ﷺ بعث علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الفلس «٣» - صنم طيّئ- ليهدمه ويشنّ الغارات، فخرج فأغار على حاضر آل حاتم، وأصابوا ابنة «٤» حاتم، كما قدّمنا ذكر ذلك فى الغزوات والسّرايا، فقدم بها على رسول الله ﷺ فى سبايا طيّئ. وقيل: إنما سباها من خيل رسول الله ﷺ خيل كان عليها خالد بن الوليد، وهرب عدىّ بن حاتم حتى لحق بالشام. حكى محمد بن إسحق ﵀ قال: كان عدىّ بن حاتم يقول- فيما بلغنى-: ما من رجل من العرب كان أشدّ كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به منّى، أمّا أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير

стр. 6218

فى قومى بالمرباع، أى آخذ منهم ربع مغانمهم التى يغنمونها، وكنت فى نفسى على دين، وكنت ملكا فى قومى لما كان يصنع بى، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، فقلت لغلام كان لى عربىّ، وكان راعيا لإبلى: لا أبا لك! أعدد لى من إبلى جمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا منّى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنىّ. ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدىّ، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرّب إلىّ أجمالى. فقرّبها فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النّصارى بالشام، فسلكت الجوشيّة- ويقال الحوشيّة «١» - وخلّفت بنتا لحاتم فى الحاضر، فلمّا قدمت الشام أقمت بها، وتخالفنى خيل لرسول الله ﷺ ، فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ فى سبايا طيّئ، وقد بلغ رسول الله ﷺ هربى إلى الشام، قال: فجعلت ابنة حاتم فى حظيرة «٢» بباب المسجد كانت السّبايا تحبس فيها، فمرّ بها رسول الله ﷺ ، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة «٣» ، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ، منّ الله عليك. قال: «ومن وافدك» ؟ قالت: عدىّ بن حاتم. قال: «الفارّ من الله ورسوله» ؟!. قالت: ثم مضى وتركنى، حتى إذا كان من الغد مرّ بى فقلت له مثل ذلك، فقال مثل ما قال بالأمس، قالت: حتى إذا كان بعد الغد مرّ بى وقد يئست، فأشار إلىّ رجل من خلفه أن قومى فكلّميه،

стр. 6219

قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ، منّ الله عليك. فقال: «قد فعلت فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى» فسألت عن الرجل الذى أشار إلىّ أن كلّميه، فقيل علىّ بن أبى طالب، قالت: فأقمت حتى قدم ركب من بلىّ أو قضاعة «١» ، قالت: وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومى، لى فيهم ثقة وبلاغ، قالت: فكسانى رسول الله ﷺ وحملنى وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام، قال عدىّ: فو الله إنّى لقاعد فى أهلى إذ نظرت إلى ظعينة تصوب «٢» إلىّ تؤمّنا، قال: قلت ابنة حاتم، فإذا هى هى، فلما وقفت علىّ انسلخت «٣» تقول: القاطع الظّالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقيّة والديك عورتك! قال: قلت: أى أخيّة! لا تقولى إلّا خيرا، فو الله ما لى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قالت: ثم نزلت فأقامت عندى، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين فى أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن نلحق به سريعا، فإن يكن الرّجل نبيا فللسّابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرّأى. فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلت عليه وهو فى مسجده، فسلمت عليه فقال: «من الرّجل» ؟ فقلت: عدى بن حاتم. فقام رسول الله ﷺ فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كسيرة

стр. 6220

فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه فى حاجتها، فقلت فى نفسى: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى حتى إذا دخل بى بيته تناول وسادة من أدم محشوّة ليفا فقذفها إلىّ فقال: «اجلس على هذه» قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل أنت» فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ بالأرض، فقلت فى نفسى: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: «إيه يا عدىّ بن حاتم ألم تك ركوسيا «١» ؟» قلت: بلى، قال: «أولم تك تسير فى قومك بالمرباع «٢» » ؟ قلت: بلى؛ قال: «فإنّ ذلك لم يك يحلّ لك فى دينك» . قال: قلت أجل والله، وعرفت أنه نبىّ مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: «لعلّك يا عدىّ إنما يمنعك من دخول فى هذا الدّين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوّهم، وقلّة عددهم، فو الله ليوشكن أن يسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان فى غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن يسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» . قال عدىّ: فأسلمت. فكان عدىّ يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكوننّ؛ قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكوننّ الثالثة؛ ليفيضنّ المال حتى لا يوجد من يأخذه.

стр. 6221

ذكر وفد تجيب قال ابن سعد: قدم وفد تجيب «١» على رسول الله ﷺ فى سنة تسع من مهاجره، وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فسّر رسول الله ﷺ بهم، وقال: «مرحبا بكم» وأكرم منزلهم وحيّاهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد، وقال: «هل بقى منكم أحد» قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنّا. قال: «أرسلوه إلينا» ، فأقبل الغلام إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنى امرؤ من بنى أبناء الرّهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم فاقض حاجتى، قال: «وما حاجتك» ؟ قال: تسأل الله أن يغفر لى ويرحمنى ويجعل غناى فى قلبى. فقال: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله ﷺ فى الموسم بمنى «٢» في سنة عشر، فسألهم رسول الله ﷺ عن الغلام، فقالوا: ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله.

стр. 6222

ذكر وفد خولان قال: قدم وفد خولان «١» على رسول الله ﷺ ، فى شعبان سنة عشر، وهم عشرة نفر، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدّقون برسوله، ونحن على من وراءنا من قومنا، وقد ضربنا إليك آباط الإبل. فقال رسول الله ﷺ : «ما فعل عمّ أنس» «٢» صنم لهم؛ فقالوا: بشرّ وعرّ «٣» ، أبدلنا الله به ما جئت به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه. وسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء من أمر دينهم، فجعل يخبرهم بها، وأمر من يعلّمهم القرآن والسّنن، وأنزلوا فى دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم الضيافة، ثم جاءوا بعد أيام يودّعونه، فأمر لهم بجوائز ثنتى عشرة أوقية ونشّ، ورجعوا إلى قومهم، فلم يحلّوا عقدة حتى هدموا عمّ أنس. وممن أسلم من خولان أبو مسلم الخولانىّ العابد «٤» ، واسمه عبد الله بن ثوب، ولم ير رسول الله ﷺ ، وإنما قدم المدينة بعد وفاته، وله خبر عجيب مع الأسود العنسىّ، نذكره فى أخباره فى خلافة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه.

стр. 6223

ذكر وفد جعفى قال ابن سعد: وفد إلى رسول الله ﷺ رجلان من جعفىّ «١» ، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل، وسلمة بن يزيد، وهما أخوان لأم، وأمهما مليكة بنت الحلو بن مالك، فأسلما فقال لهما رسول الله ﷺ : «بلغنى أنكم لا تأكلون القلب» وكانوا يحرّمون أكله، فقالا: نعم، قال: «فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله» ودعا بقلب فشوى، ثم ناوله سلمة فلما أخذه أرعدت يده فقال له: «كله» فأكله، وقال: على أنّى أكلت القلب كرها ... وترعد حين مسّته بنانى ثم قالا: يا رسول الله، إنّ أمّنا مليكة بنت الحلو كانت تفكّ العانى، وتطعم البائس، وترحم المسكين، وأنها ماتت وقد وأدت «٢» بنية لها صغيرة، فما حالها،؟ قال: «الوائدة والموءودة فى النار «٣» » فقاما مغضبين، فقال: «إلىّ فارجعا» فقال: «وأمّى مع أمّكما «٤» » فأبيا ومضيا، وهما يقولان: والله إنّ رجلا أطعمنا

стр. 6224

القلب، وزعم أنّ أمّنا فى النار لأهل ألّا يتّبع، فلما كان ببعض الطريق، لقيا رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، معه إبل من إبل الصّدقة، فأوثقاه وطردا الإبل، فبلغ ذلك النبى ﷺ فلعنهما فيمن كان يلعن فى قوله: «لعن الله رعلا وذكوان وعصيّة ولحيان «١» وابنا مليكة» . قال محمد بن سعد: وقدم أبو سبرة وهو يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفىّ على النبى ﷺ ومعه ابناه سبرة وعزيز «٢» فأسلموا. وسمى رسول الله ﷺ عزيزا عبد الرحمن. وقال له أبو سبرة: يا رسول الله: إن بظهر كفّى سلعة «٣» قد منعتنى من خطام راحلتى، فدعا بقدح، وجعل يضرب به على السّلعة. ويمسحها فذهبت، ودعا له رسول الله ﷺ ولابنيه، فقال: يا رسول الله، أقطعنى وادى قومى باليمن، وكان يقال له جردان «٤» ففعل، قال: وعبد الرحمن هذا هو أبو خيثمة عبد الرحمن. ذكر وفد مراد قالوا: قدم فروة بن مسيك «٥» المرادىّ «٦» على رسول الله ﷺ مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، وقال فى ذلك:

стр. 6225

لمّا رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرّجل خان الرّجل عرق نسائها «١» قرّبت راحلتى أؤمّ محمدا ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها «٢» وبايع النبىّ ﷺ ، ونزل على سعد بن عبادة، وكان يتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه، فأجازه رسول الله ﷺ باثنتى عشرة أوقية، وحمله على بعير وأعطاه حلّة من نسج عمان، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصّدقات، وكتب له كتابا فيه فرائض الصّدقة، فلم يزل على الصّدقة حتى توفى رسول الله ﷺ . ذكر وفد زبيد قال ابن سعد: قدم وفد عمرو بن معدى كرب «٣» الزّبيدىّ على رسول الله ﷺ المدينة، فى عشرة نفر من زبيد، فنزل على سعد بن عبادة فأكرمه سعد وراح به إلى رسول الله ﷺ فأسلم هو ومن معه، وأقام أياما، ثم أجازه رسول الله ﷺ ، وانصرف إلى بلاده، فأقام مع قومه على الإسلام، وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفّى رسول الله ﷺ ارتدّ، ثم رجع إلى الإسلام، وأبلى يوم القادسية وغيرها. قال محمد بن إسحق: كان عمرو بن معدى كرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادىّ حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ : يا قيس، إنك سيد

стр. 6226

قومك، وقد ذكر لنا أنّ رجلا من قريش يقال له محمد خرج بالحجاز، يقال إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس «١» ، فركب عمرو ابن معدى كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وتحطّم «٢» عليه، وقال: خالفنى وترك رأيى، فقال عمرو فى ذلك: أمرتك يوم ذى صنعا ... ء أمرا بيّنا رشده «٣» أمرتك باتّقاء الل ... هـ تأتيه وتتّعده «٤» فكنت كذى الحميّر غر ... ره ممّا به وتده «٥» تمنّانى على فرس ... عليه جالسا أسده «٦» علىّ مفاضة كالنّه ... ى أخلص ماءه حدده «٧»

стр. 6227

تردّ الرّمح مثنىّ السّ ... نان عوائرا قصده «١» فلو لاقيتنى للقي ... ت ليثا فوقه لبده «٢» تلاقى ضيغما شئن ال ... برائن ناشزا كتده «٣» يسامى القرن إن قرن ... تيمّمه فيعتضده «٤» فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده «٥» فيدمغه فيخطمه ... فيخضمه فيزدرده «٦» ظلوم الشّرك فيما أح ... رزت أنيابه ويده «٧» ذكر وفد كندة قالوا: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله ﷺ فى بضعة عشر راكبا من كندة «٨» . قاله ابن سعد- وقال ابن إسحق: فى ثمانين راكبا- فدخلوا على رسول الله ﷺ المسجد، وقد رجّلوا «٩» جممهم وتكحّلوا، عليهم جبب

стр. 6228

الحبرة «١» قد كففوها بالحرير، وعليهم الدّيباج ظاهر مخوّص «٢» بالذّهب، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ألم تسلموا» ؟ قالوا: بلى، قال: «فما بال هذا عليكم «٣» » قال: فشقّوه وألقوه، ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار «٤» . فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: «ناسبوا بهذا النّسب العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث» . قال: وكانا تاجرين، و [كانا «٥» ] إذا شاعا فى بعض العرب، فسئلا ممن هما، قالا: نحن بنو آكل المرار: يتعزّزان «٦» بذلك. وآكل المرار هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية، وقد تقدم خبره فى وقائع العرب. قال: ثم قال لهم رسول الله ﷺ : «لا، نحن بنو النّضر بن كنانة، لا نقفو «٧» أمّنا ولا ننتفى من أبينا» فقال الأشعث بن قيس: يا معشر كندة، والله لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. قال محمد بن سعد: فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشرة أواق، وأعطى الأشعث ثنتى عشرة أوقية.

стр. 6229

ذكر وفد الصّدف قال ابن سعد: وفد وفد الصّدف «١» على رسول الله ﷺ ، وهم بضعة عشر رجلا، على قلائص «٢» لهم، فى أزر وأردية، فصادفوا رسول الله ﷺ فيما بين بيته وبين المنبر، فجلسوا ولم يسلّموا فقال: «أمسلمون أنتم» ؟ قالوا: نعم. قال: «فهلّا سلّمتم» ، فقاموا فقالوا: السلام عليك أيّها النبىّ ورحمة الله، فقال: «وعليكم السلام، اجلسوا» فجلسوا، وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلوات فأخبرهم بها. ذكر وفد سعد هذيم قال ابن سعد يرفعه إلى أبى النعمان عن أبيه قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدا فى نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤمّ المسجد، فنجد رسول الله ﷺ يصلّى على جنازة فى المسجد، فانصرف فقال: «من أنتم» ؟ قلنا: من بنى سعد هذيم «٣» ، فأسلمنا وبايعنا، ثم انصرفنا إلى رحالنا، فأمر بنا فأنزلنا وضيّفنا فأقمنا ثلاثا، ثم جئناه نودّعه، فقال: «أمّروا عليكم أحدكم» وأمر بلالا، فأجازنا بأواق من فضّة، ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام.

стр. 6230

ذكر وفد بلىّ روى عن رويفع بن ثابت البلوىّ «١» قال: قدم وفد قومى فى شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم علىّ فى منزلى ببنى جديلة، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو جالس مع أصحابه فى بقية من الغداة «٢» ، فتقدم شيخ الوفد أبو الضّبيب «٣» ، فجلس بين يدى رسول الله ﷺ فتكلم وأسلم، وأسلم القوم، وسألوا رسول الله ﷺ عن الضّيافة، وعن أشياء من أمر دينهم فأجابهم، ثم رجعت بهم إلى منزلى، فإذا رسول الله ﷺ يأتى [منزلى «٤» ] يحمل تمرا يقول: «استعن بهذا التّمر» فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثا، ثم جاءوا رسول الله ﷺ يودّعونه، فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، ثم رجعوا إلى بلادهم. ذكر وفد بهراء قال ابن سعد: قدم وفد بهراء «٥» من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو ببنى جديلة فخرج إليهم، فرحّب بهم وأنزلهم، وأتوا النبىّ ﷺ فأسلموا وتعلّموا الفرائض وأقاموا أياما، ثم جاءوا يودّعونه فأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهلهم.

стр. 6231

ذكر وفد عذرة قالوا: قدم على رسول الله ﷺ وفد عذرة، فى صفر سنة تسع من مهاجره، وهم اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان العذرىّ، وسليم وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبى رياح، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا النبىّ ﷺ فسلّموا بسلام الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصىّ لأمه، ونحن الذين أخرجوا خزاعة وبنى بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله ﷺ : «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفنى بكم، ما منعكم من تحية الإسلام» ؟ قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا «١» . وسألوا النبىّ ﷺ عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، فأسلموا وأقاموا أياما، ثم انصرفوا إلى أهليهم، وأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، وكسا أحدهم بردا. قال: ووفد زمل «٢» بن عمرو العذرىّ على رسول الله ﷺ ، وأنشأ يقول حين وفد: إليك رسول الله أعلمت نصّها ... أكلّفها حزنا وقوزا من الرّمل «٣» لأنصر خير النّاس نصرا مؤزّرا ... وأعقد حبلا من حبالك فى حبلى «٤» وأشهد أنّ الله لا شىء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمى نعلى «٥»

стр. 6232

قال: وأخبر رسول الله ﷺ بما سمع من صنمه، فقال: «ذلك مؤمن الجن «١» » وعقد له رسول الله ﷺ لواء على قومه، فشهد به بعد ذلك صفّين «٢» مع معاوية، ثم شهد به المرج «٣» فقتل. ذكر وفد سلامان قال ابن سعد: وفد سبعة من سلامان «٤» على رسول الله ﷺ فى شوّال سنة عشر، فصادفوه وهو خارج من المسجد إلى جنازة؛ فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، قال: «وعليكم [السلام «٥» ] من أنتم» ؟ قالوا: نحن من سلامان، قدمنا لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فأمر ثوبان «٦» فأنزلهم حيث ينزل الوفد «٧» ، فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الظّهر جلس بين بيته وبين المنبر، فقدموا إليه فسألوه عن أشياء من أمر الصّلاة وشرائع الإسلام، وعن الرّقى «٨» فأجابهم وأسلموا، وأجاز كلّ رجل منهم خمس أواق، ورجعوا إلى بلادهم.

стр. 6233

ذكر وفد كلب قال محمد بن سعد بسنده إلى عبد بن «١» عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبىّ، «٢» قال: شخصت أنا وعصام «٣» - رجل من بنى رقاش من بنى عامر- حتى أتينا النبىّ ﷺ ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا. وقال بسند آخر إلى ربيعة بن إبراهيم الدمشقى قال: وفد حارثة بن قطن بن زابر بن «٤» حصن بن كعب بن عليم الكلبىّ، وحمل «٥» بن سعدانة بن حارثة بن مغفّل ابن كعب بن عليم إلى رسول الله ﷺ فأسلما، فعقد لحمل بن سعدانة لواء، فشهد به صفّين مع معاوية، وكتب لحارثة بن قطن كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله- ﷺ لأهل دومة الجندل «٦» وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لنا الضّاحية «٧»

стр. 6234

من البعل، ولكم الضّامنة من النّخل؛ على الجارية العشر، وعلى الغائرة «١» نصف العشر، لا يجمع سارحكم «٢» ، ولا تعدّ فاردتكم» ، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، [ولا يحظر «٤» عليكم] النّبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات «٥» ، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النّصح والوفاء، وذمّة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين» . ذكر وفد جرم قال ابن سعد: وفد على رسول الله ﷺ رجلان من جرم «٦» ، يقال لأحدهما: الأسقع «٧» بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح «٨» بن عوف بن عميرة بن الهون ابن أعجب بن قدامة بن جرم [بن ربّان «٩» ] بن حلوان بن عمران بن الحاف «١٠» بن قضاعة.

стр. 6235

والآخر: هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح، فأسلما وكتب لهما رسول الله ﷺ كتابا. وروى عن أبى يزيد- وقد قيل فيه بالباء الموحّدة أبو بريد- عمرو بن سلمة الجرمىّ أن أباه ونفرا من قومه، وفدوا إلى النبى ﷺ حين أسلم الناس، وتعلّموا القرآن وقضوا حوائجهم، فقالوا: يا رسول الله من يصلّى بنا؛ أو لنا؟ فقال: «ليصلّ «١» بكم أكثركم جمعا- أو أخذا- للقرآن» . قال: فجاءوا إلى قومهم فلم يجدوا فيهم أحدا أكثر أخذا، أو جمع من القرآن ما جمعت، أو أخذت، قال: وأنا يومئذ غلام علىّ شملة «٢» ، فقدّمونى فصلّيت بهم، فما شهدت مجمعا من جرم إلا وأنا إمامهم إلى يومى هذا. وعن عمرو بن سلمة أيضا قال: كنا بحضرة ماء ممرّ الناس عليه، وكنا نسألهم، ما هذا الأمر؟ فيقولون: رجل يزعم أنه نبىّ، وأنّ الله أرسله، وأنّ الله أوحى إليه كذا وكذا، فجعلت يومئذ لا أسمع شيئا من ذلك إلّا حفظته، كأنما يغرى «٣» في صدرى بغراء، حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا، وكانت العرب تلوّم «٤» بإسلامها الفتح، يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق، وهو نبىّ. فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبى بإسلام حوائنا ذلك، وأقام مع رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقيم، ثم أقبل فلمّا دنا منّا تلقّيناه، فقال: جئتكم والله من عند رسول الله ﷺ حقّا، ثم قال: إنه يأمركم بكذا وكذا،
следующие страницы →