← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

ذكر وفد عذرة قالوا: قدم على رسول الله ﷺ وفد عذرة، فى صفر سنة تسع من مهاجره، وهم اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان العذرىّ، وسليم وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبى رياح، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا النبىّ ﷺ فسلّموا بسلام الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصىّ لأمه، ونحن الذين أخرجوا خزاعة وبنى بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله ﷺ : «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفنى بكم، ما منعكم من تحية الإسلام» ؟ قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا «١» . وسألوا النبىّ ﷺ عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، فأسلموا وأقاموا أياما، ثم انصرفوا إلى أهليهم، وأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، وكسا أحدهم بردا. قال: ووفد زمل «٢» بن عمرو العذرىّ على رسول الله ﷺ ، وأنشأ يقول حين وفد: إليك رسول الله أعلمت نصّها ... أكلّفها حزنا وقوزا من الرّمل «٣» لأنصر خير النّاس نصرا مؤزّرا ... وأعقد حبلا من حبالك فى حبلى «٤» وأشهد أنّ الله لا شىء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمى نعلى «٥»

стр. 6232

قال: وأخبر رسول الله ﷺ بما سمع من صنمه، فقال: «ذلك مؤمن الجن «١» » وعقد له رسول الله ﷺ لواء على قومه، فشهد به بعد ذلك صفّين «٢» مع معاوية، ثم شهد به المرج «٣» فقتل. ذكر وفد سلامان قال ابن سعد: وفد سبعة من سلامان «٤» على رسول الله ﷺ فى شوّال سنة عشر، فصادفوه وهو خارج من المسجد إلى جنازة؛ فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، قال: «وعليكم [السلام «٥» ] من أنتم» ؟ قالوا: نحن من سلامان، قدمنا لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فأمر ثوبان «٦» فأنزلهم حيث ينزل الوفد «٧» ، فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الظّهر جلس بين بيته وبين المنبر، فقدموا إليه فسألوه عن أشياء من أمر الصّلاة وشرائع الإسلام، وعن الرّقى «٨» فأجابهم وأسلموا، وأجاز كلّ رجل منهم خمس أواق، ورجعوا إلى بلادهم.

стр. 6233

ذكر وفد كلب قال محمد بن سعد بسنده إلى عبد بن «١» عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبىّ، «٢» قال: شخصت أنا وعصام «٣» - رجل من بنى رقاش من بنى عامر- حتى أتينا النبىّ ﷺ ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا. وقال بسند آخر إلى ربيعة بن إبراهيم الدمشقى قال: وفد حارثة بن قطن بن زابر بن «٤» حصن بن كعب بن عليم الكلبىّ، وحمل «٥» بن سعدانة بن حارثة بن مغفّل ابن كعب بن عليم إلى رسول الله ﷺ فأسلما، فعقد لحمل بن سعدانة لواء، فشهد به صفّين مع معاوية، وكتب لحارثة بن قطن كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله- ﷺ لأهل دومة الجندل «٦» وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لنا الضّاحية «٧»

стр. 6234

من البعل، ولكم الضّامنة من النّخل؛ على الجارية العشر، وعلى الغائرة «١» نصف العشر، لا يجمع سارحكم «٢» ، ولا تعدّ فاردتكم» ، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، [ولا يحظر «٤» عليكم] النّبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات «٥» ، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النّصح والوفاء، وذمّة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين» . ذكر وفد جرم قال ابن سعد: وفد على رسول الله ﷺ رجلان من جرم «٦» ، يقال لأحدهما: الأسقع «٧» بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح «٨» بن عوف بن عميرة بن الهون ابن أعجب بن قدامة بن جرم [بن ربّان «٩» ] بن حلوان بن عمران بن الحاف «١٠» بن قضاعة.

стр. 6235

والآخر: هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح، فأسلما وكتب لهما رسول الله ﷺ كتابا. وروى عن أبى يزيد- وقد قيل فيه بالباء الموحّدة أبو بريد- عمرو بن سلمة الجرمىّ أن أباه ونفرا من قومه، وفدوا إلى النبى ﷺ حين أسلم الناس، وتعلّموا القرآن وقضوا حوائجهم، فقالوا: يا رسول الله من يصلّى بنا؛ أو لنا؟ فقال: «ليصلّ «١» بكم أكثركم جمعا- أو أخذا- للقرآن» . قال: فجاءوا إلى قومهم فلم يجدوا فيهم أحدا أكثر أخذا، أو جمع من القرآن ما جمعت، أو أخذت، قال: وأنا يومئذ غلام علىّ شملة «٢» ، فقدّمونى فصلّيت بهم، فما شهدت مجمعا من جرم إلا وأنا إمامهم إلى يومى هذا. وعن عمرو بن سلمة أيضا قال: كنا بحضرة ماء ممرّ الناس عليه، وكنا نسألهم، ما هذا الأمر؟ فيقولون: رجل يزعم أنه نبىّ، وأنّ الله أرسله، وأنّ الله أوحى إليه كذا وكذا، فجعلت يومئذ لا أسمع شيئا من ذلك إلّا حفظته، كأنما يغرى «٣» في صدرى بغراء، حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا، وكانت العرب تلوّم «٤» بإسلامها الفتح، يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق، وهو نبىّ. فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبى بإسلام حوائنا ذلك، وأقام مع رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقيم، ثم أقبل فلمّا دنا منّا تلقّيناه، فقال: جئتكم والله من عند رسول الله ﷺ حقّا، ثم قال: إنه يأمركم بكذا وكذا،

стр. 6236

وينهاكم عن كذا وكذا، وأن تصلوا صلاة كذا فى حين كذا، وصلاة كذا فى حين كذا، إذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنا. فنظر أهل حوائنا «١» فما وجدوا أحدا أكثر قرآنا منّى للّذى كنت أحفظه من الرّكبان، فقدّمونى بين أيديهم، فكنت أصلّى بهم وأنا ابن ستّ سنين «٢» ، وكان علىّ بردة كنت إذا سجدت تقلّصت «٣» عنّى، فقالت امرأة من الحىّ: ألا تغطون عنّا است قارئكم؟ فكسونى قميصا من معقّد «٤» البحرين، فما فرحت بشىء أشدّ من فرحى بذلك القميص. ومن رواية أخرى عنه: فعلّمونى الركوع والسجود، فكنت أصلّى بهم. ذكر وفد الأزد وأهل جرش قالوا: قدم صرد بن عبد الله الأزدىّ «٥» في بضعة عشر رجلا من قومه، وفدا إلى رسول الله ﷺ ، فنزلوا على فروة بن عمرو، وأتوا رسول الله ﷺ فأسلموا، وأقاموا عشرة أيام، وكان صرد أفضلهم، فأمّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه، من أهل الشّرك من قبائل اليمن؛ فخرج حتى نزل جرش «٦» وهى مدينة حصينة مغلقة، وبها

стр. 6237

قبائل من قبائل اليمن. وقد ضوت «١» إليهم خثعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصرهم صرد ومن معه فيها شهرا، ثم رجع قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظنّ أهل جرش أنه إنما ولّى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه حتى إذا أدركوه صفّ صفوفه، وحمل عليهم هو والمسلمون، ووضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا، وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا، فقاتلوهم عليها نهارا طويلا. وكان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران، فبينما هما عند رسول الله ﷺ عشية بعد العصر؛ إذ قال رسول الله ﷺ : «بأىّ بلاد الله شكر» ؟ فقام الجرشيّان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر، وكذلك نسميّه أهل جرش، فقال: «إنه ليس بكشر ولكنه شكر» ، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: «إنّ بدن الله لتنحر عنده الآن» قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر، أو إلى عثمان. «٢» فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله ﷺ الآن لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فسلاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ذلك. فقال: «اللهم ارفع عنهم» فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا من صرد فى اليوم الذى قال فيه رسول الله ﷺ ما قال فى تلك الساعة، فقصّا على قومهما القصّة، فخرج وفدهم حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، فقال: «مرحبا بكم،

стр. 6238

أحسن الناس «١» وجوها، وأصدقه لقاء، وأطيبه كلاما، وأعظمه أمانة، أنتم منى وأنا منكم» وجعل شعارهم مبرورا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام «٢» معلومة للفرس والراحلة وللمثيرة- بقرة الحرث- فمن رعاه من الناس فماله سحت «٣» . ذكر وفد غسّان قال محمد بن سعد بسنده إلى محمد بن بكير الغسّانىّ، عن قومه من «٤» غسّان، قالوا: قدمنا على رسول الله ﷺ فى شهر رمضان سنة عشر، المدينة ونحن ثلاثة نفر، فنزلنا دار رملة بنت الحارث، ثم أتينا رسول الله ﷺ فأسلمنا وصدّقنا، فأجازهم رسول الله ﷺ بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان مسلمين «٥» ، وأدرك الثالث عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقى أبا عبيدة فخبّره بإسلامه فأكرمه «٦» . ذكر وفد الحارث بن كعب وما كتب به رسول الله ﷺ إليهم قال ابن سعد: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فى أربعمائة من المسلمين، فى شهر ربيع الأوّل سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران «٧» ،

стр. 6239

وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا قبل أن يقاتلهم ففعل، فاستجاب له من هناك من بلحارث «١» بن كعب، ودخلوا فى الإسلام، ونزل خالد بن الوليد بين أظهرهم، فعلمهم الإسلام وشرائعه، وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فكتب رسول الله ﷺ إلى خالد: «أن بشّرهم وأنذرهم واقدم ومعك وفدهم» ، فقدم خالد ومعه وفدهم؛ فيهم قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المدان، وعبد الله بن عبد المدان، ويزيد بن المحجّل، وعبد الله بن قراد «٢» ، وشدّاد بن عبد الله القنانىّ، وعمرو بن عبد الله، وأنزلهم خالد عليه، ثم جاء بهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «من هؤلاء الذين كأنهم رجال الهند» ؟ فقيل: بنو الحارث بن كعب، فسلّموا على رسول الله ﷺ ، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأجازهم بعشر أواق، وأجاز قيس بن الحصين باثنتى عشرة أوقية ونشّ، وأمّره رسول الله ﷺ على بنى الحارث، ثم انصرفوا إلى قومهم فى بقية شوّال. هذا ما حكاه ابن سعد فى طبقاته. وقال ابن إسحق: لما وقفوا على رسول الله ﷺ سلّموا عليه، وقالوا: نشهد أنك لرسول الله، وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : «أنتم الذين إذا زجروا استقدموا «٣» » ؟ فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، فأعادها عليهم الثانية والثالثة، فلما أعادها الرابعة قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 6240

«لو أنّ خالدا لم يكتب إلىّ أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم» فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: «فمن حمدتم» ؟ قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله. قال: «صدقتم» ، ثم قال رسول الله ﷺ : «بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية» ؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: «بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم» قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: «صدقتم» . وأمّر رسول الله ﷺ على بنى الحارث قيس بن الحصين، وأجازهم بعشر أواق عشر أواق، وأجاز قيس بن الحصين باثنتى عشرة أوقية ونشّ، ثم انصرفوا إلى قومهم فى بقية شوّال، أو فى صدر ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله ﷺ . قال: وقد كان رسول الله ﷺ بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقّههم فى الدّين ويعلّمهم السّنة، ويعلّمهم «١» الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وكتب له كتابا وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٢» عهد من محمد النبى رسول الله- ﷺ لعمرو بن حزم حين

стр. 6241

بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله فى أمره كله ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القرآن ويفقّههم فيه، وينهى الناس، ولا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم، ويلين للناس فى الحق، ويشتدّ عليهم فى الظّلم، فإنّ الله كره الظّلم، ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، ويبشّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف «١» الناس حتى يفقّهوا فى الدّين، ويعلّم الناس معالم الحج وسنّته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: الحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة، وينهى الناس أن يصلّى أحد فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبى «٢» أحد فى ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن يعقص «٣» أحد شعر رأسه فى قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج «٤» عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا «٥» بالسّيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده

стр. 6242

لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، يغلّس بالصّبح، «١» ويهجّر بالهاجرة «٢» حين تميل الشّمس، وصلاة العصر والشمس فى الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخّر حتى تبدو النجوم فى السماء، والعشاء أوّل الليل، وأمر بالسّعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين فى الصّدقة من العقار «٣» عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٤» نصف العشر، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل عشرين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع «٥» : جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة «٦» وحدها شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين فى الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودىّ أو نصرانىّ إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل

стр. 6243

ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته، فإنه لا يردّ عنها، وعلى كل حالم «١» ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينار واف، أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» . ذكر وفد عنس قال محمد بن السّائب الكلبىّ: حدّثنا أبو زفر الكلبىّ عن رجل من عنس «٢» ، قال: كان منّا رجل وفد على النبى ﷺ فأتاه وهو يتعشّى، فدعا به إلى العشاء فجلس «٣» ، فلما تعشّى أقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «اشهد «٤» أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» فقال العنسىّ: اشهد أن لا أله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فقال: «أراغبا جئت أم راهبا» فقال: أمّا الرّغبة فو الله ما فى يديك مال، وأمّا الرّهبة فو الله إنى لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكنّى خوّفت فخفت، وقيل لى: آمن بالله فآمنت. فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: «ربّ خطيب من عنس» فمكث يختلف إلى رسول الله ﷺ ، ثم جاء يودّعه، فقال له رسول الله ﷺ : «اخرج» وبتّته «٥» ، أى أعطاه شيئا، وقال: «إن أحسست شيئا فوائل «٦» إلى أدنى «٧»

стр. 6244

قرية» . فخرج فوعك «١» في بعض الطريق، فوأل إلى أدنى قرية فمات ﵀، واسمه ربيعة «٢» . ذكر وفد الداريّين وما كتب لهم به رسول الله ﷺ وما اختصّ به تميم الدارىّ وإخوته قال محمد بن سعد بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله، وروح بن زنباع الجذامىّ عن أبيه قالا: قدم وفد الدّاريّين «٣» على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر؛ فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سود «٤» بن جذيمة «٥» ابن ذراع بن عدىّ بن الدّار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، ويزيد بن قيس ابن خارجة، والفاكه بن النّعمان بن جبلة بن صفّارة بن ربيعة بن ذراع بن عدىّ ابن الدّار، وجبلة بن مالك بن صفّارة، وأبو هند والطّيّب ابناذرّ- قال ابن [إسحق «٦» ] : برّ- وهو عبد الله بن ذرّ بن عمّيت بن ربيعة بن ذراع، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومرّة ابنا مالك بن سواد. «٧» قال ابن إسحق: عرفة. وقال ابن هشام: عزّة. وقال ابن إسحق فى مرّة: مروان «٨» . قال ابن سعد: فأسلموا وسمّى رسول الله ﷺ الطيب عبد الله، وسمّى عزيزا عبد الرحمن.

стр. 6245

قال: وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله ﷺ راوية خمر وأفراسا وقباء «١» مخوّصا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: «تنزع الذهب فتحليه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الدّيباج فتأخذ ثمنه» ، فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم. قال وقال تميم: لناجيرة من الرّوم، لهم قريتان يقال لأحداهما حبرى «٢» والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لى، قال: «فهما لك» فلما قام أبو بكر رضى الله عنه أعطاه ذلك، وكتب له به كتابا، وأقام وفد الدّاريّين حتى توفّى رسول الله ﷺ ، وأوصى لهم رسول الله ﷺ بجادّ «٣» مائة وسق من خيبر، هكذا حكى ابن سعد فى طبقاته. وشاهدت أنا عند ورثة الصاحب الوزير فخر الدين أبى حفص عمر، ابن القاضى المرحوم الرئيس مجد الدين عبد العزيز المعروف بابن الخليلى التميمىّ ﵀، كتابا يتوارثونه كابرا عن كابر، يقولون: هو كتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه لتميم الدارىّ وإخوته، وهو فى قطعة من أدم مربّعة دون الشّبر قد غلّفت بالأطلس «٤» الأبيض، يزعمون أن ذلك من خفّ كان لأمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد بقى بهذه القطعة الأدم آثار أحرف خافية، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمّل، وتحقيق النظر، وعلى هذه القطعة

стр. 6246

الأدم من الجلالة ولها من الموقع فى النفوس والمهابة ما يقوّى أنها صادرة عن المحل المنيف «١» ، وقرين هذه القطعة الأدم قرطاس أبيض قديم، يزعمون أن أسلافهم نقلوا ما فيه من الكتابة من كتاب رسول الله ﷺ ، قبل أن تزول حروفه. وفيه تسعة أسطر بما فى ذلك من البسملة، وقد رأينا أن نضع ذلك فى هذا الكتاب على هيئته فى العدد، وإن لم يوافق الخط، وهو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* هذا ما انطا «٢» محمد رسول الله لتميم الدارىّ واخوته حبرون والمرطوم «٣» وبيت عينون وبيت ابراهيم وما فيهن نطيه بتّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن اذاهم اذاه الله فمن اذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن ابو قحافة «٤» وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وكتب على بن ابو طالب وشهد.

стр. 6247

هكذا شاهدت تلك الورقة التى هى قرين الكتاب، والكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا؛ وهو العشر الآخر من ذى القعدة سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وهذه الضّياع الأربعة المذكورة بأيديهم إلى وقتنا هذا، لا ينازعون فيها. وكان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلى ﵀، إذا نابته نائبة، أو صودر أو أوذى بوجه من وجوه الأذى، توسّل إلى الله تعالى بكتاب نبيه ﷺ ، وأظهره للملوك، فكفوا عن طلبه، وأفرجوا عنه. ولنرجع إلى أخبار الوفود. ذكر وفد الرّهاويّين والرّهاويّون حىّ من مذحج «١» ، قال ابن سعد: وفد خمسة عشر رجلا من مذحج على رسول الله ﷺ سنة عشر، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فتحدّث عندهم طويلا. وأهدوا الرسول ﷺ هدايا؛ منها فرس يقال له المرواح، فأمر به فشوّر «٢» بين يديه فأعجبه. فأسلموا وتعلّموا القرآن والفرائض. وأجازهم كما يجيز الوفد؛ أرفعهم ثنتى عشرة أوقية ونسّا، وأخفضهم خمس أواق. ثم رجعوا إلى بلادهم. ثم قدم منهم نفر فحجّوا مع رسول الله ﷺ ، فأوصى لهم بجادّ مائة وسق من خيبر فى الكتيبة جارية عليهم، وكتب لهم بها كتابا، فباعوا ذلك فى زمن معاوية.

стр. 6248

ذكر وفد غامد قال: قدم وفد غامد «١» على رسول الله ﷺ فى شهر رمضان وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد «٢» ، ثم لبسوا من صالح ثيابهم، ثم انطلقوا إلى رسول الله ﷺ ، فسلّموا عليه وأقرّوا بالإسلام. وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فيه شرائع الإسلام، وأتوا أبىّ بن كعب فعلّمهم قرآنا. وأجازهم رسول الله ﷺ كما كان يجيز الوفد وانصرفوا. ذكر وفد النّخع قالوا: بعث النّخع «٣» رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ وافدين بإسلامهم، وهما أرطاة بن شراحيل بن كعب، من بنى حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع، والجهيش واسمه الأرقم، من بنى بكر بن عوف من النّخع، فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه وبايعا عن قومهما، فأعجب رسول الله ﷺ شأنهما، وحسن هيئتهما؛ فقال: «هل خلّفتما وراء كما من قومكما مثلكما» ؟ قالا: يا رسول الله، قد خلّفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفّذ الأشياء، ما يشار كوننا فى الأمر إذا كان، فدعا لهما رسول الله ﷺ ولقومهما بخير، وقال: «اللهمّ بارك فى النّخع» . وعقد لأرطاة لواء على قومه، وكان فى يده يوم الفتح، فشهد

стр. 6249

به القادسيّة فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد فقتل- رحمهما الله- فأخذه سيف ابن الحارث من بنى جذيمة، فدخل به الكوفة. قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمىّ، قال: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله ﷺ وفد النّخع، وقدموا من اليمن للنّصف من المحرم، سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا رسول الله ﷺ مقرّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، وكان فيهم زرارة بن عمرو. وحكى أبو عمر بن عبد البرفى ترجمة زرارة بن عمرو، والد عمرو بن زرارة، قال: قدم على رسول الله ﷺ فى وفد النّخع، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت فى طريقى رؤيا هالتنى. قال: «وما هى» ؟ قال: رأيت أتانا «١» خلّفتها فى أهلى ولدت جديا أسفع أحوى «٢» ، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى- يقال له عمرو- وهى تقول: لظى لظى، بصير وأعمى «٣» . فقال النبى ﷺ : «أخلّفت فى أهلك أمة مسرّة «٤» ولدا» . قال: نعم. قال: «فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك «٥» » قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منّى، أبك

стр. 6250

برص تكتمه» ؟ قال: والذى بعثك بالحق، ما علمه أحد قبلك. قال: «فهو ذاك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدى» . قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: يقتل الناس إمامهم، يشتجرون اشتجار أطباق الرأس «١» - وخالف بين أصابعه- دم المؤمن عند المؤمن أحلى من الماء، يحسب المسىء أنه محسن، إن متّ أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك» . قال: فادع الله لى ألّا تدركنى. فدعا له. قال: وكان قدوم زرارة بن عمرو هذا على رسول الله ﷺ فى النّصف من شهر رجب سنة تسع. وقال الطبرى: قدم على رسول الله ﷺ وفد النّخع وهم مائتا رجل، وفيهم زرارة بن قيس بن الحارث بن عدىّ بن الحارث بن عوف بن جشم ابن كعب بن قيس بن منقذ بن مالك بن النّخع فأسلموا. ذكر وفد بجيلة قال ابن سعد: قدم جرير بن عبد الله البجلىّ «٢» سنة عشر المدينة، ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا، فقال رسول الله ﷺ : «يطلع عليكم من هذا الفجّ من خير ذى يمن على وجهه مسحة «٣» ملك» فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا. قال جرير: فبسط رسول الله ﷺ يده فبايعنى، وقال: «على أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، ثم [تقيم «٤» ] الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتنصح للمسلم، وتطيع الوالى وإن كان عبدا حبشيا» فقال: نعم، فبايعه.

стр. 6251

وقدم قيس بن [أبى «١» ] غرزة الأحمسىّ- وقيل غرزة بن قيس البجلىّ- فى مائتين وخمسين رجلا من أحمس، فقال لهم رسول الله ﷺ : «من أنتم» ؟ فقالوا: نحن أحمس «٢» الله. وكان يقال لهم ذاك فى الجاهلية. فقال لهم: «وأنتم اليوم لله» . وقال رسول الله ﷺ لبلال: «أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيّين» ففعل. وسأل رسول الله ﷺ جرير ابن عبد الله «ما فعل ذو الخلصة «٣» » ؟ قال: هو على حاله، قد بقى والله، نريح منه إن شاء الله، فبعثه رسول الله ﷺ إلى هدمه، وعقد له لواء فقال: إنى لا أثبت على الخيل فمسح صدره، وقال: «اللهم اجعله هاديا مهديا» فخرج فى قومه وهم زهاء مائتين، فما أطال الغيبة حتى رجع؛ فقال له رسول الله ﷺ : «هدمته» ؟ قال: نعم، والذى بعثك بالحقّ، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار، فتركته كما يسوء من يهوى هواه، وما صدّنا عنه أحد. قال فبرّك «٤» رسول الله ﷺ يومئذ على خيل أحمس ورجالها. ذكر وفد خثعم قالوا: وفد عثعث بن زحر، وأنس بن مدرك، فى رجال من خثعم إلى رسول الله ﷺ بعد ما هدم جرير بن عبد الله ذا الخلصة، وقتل من قتل من خثعم، فقالوا: آمنا بالله ورسوله، وما جاء من عند الله، فاكتب لنا كتابا نتبع ما فيه؛ فكتب لهم كتابا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر.

стр. 6252

ذكر وفد حضرموت قالوا: قدم وفد حضر موت مع وفد كندة على رسول الله ﷺ وهم بنو وليعة ملوك حضر موت؛ جمد «١» ، ومخوس، ومشرح «٢» ، وأبضعة، فأسلموا، وقال مخوس: يا رسول الله، ادع الله أن يذهب عنى هذه الرّتّة «٣» من لسانى. فدعا له، وأطعمه طعمة من صدقة حضر موت. وقدم وائل بن حجر الحضرمىّ وافدا على رسول الله ﷺ ، وقال: جئت راغبا فى الإسلام والهجرة، فدعا له ومسح رأسه ونودى: «الصلاة جامعة» سرورا بقدوم وائل بن حجر. وأمر رسول الله ﷺ معاوية بن أبى سفيان أن ينزله بالحرّة، فمشى معه، ووائل راكب، فقال له معاوية: ألق إلىّ نعليك أتوقّى بهما الرّمضاء «٤» . قال: لا، إنى لم أكن لألبسهما وقد لبستهما. ومن رواية: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة «٥» لبس نعل ملك. قال: فأردفنى، قال: لست من أرداف الملوك، قال: إنّ الرمضاء قد أحرقت قدمى، قال: امش فى ظلّ ناقتى، كفاك به شرفا. ويقال: إن وائل بن حجر هذا وفد بعد ذلك إلى معاوية فى خلافته فأكرمه معاوية.

стр. 6253

قال: ولما أراد وائل بن حجر الشّخوص إلى بلاده، كتب له رسول الله ﷺ كتابا وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبى لوائل بن حجر قيل حضر موت، إنك أسلمت وجعلت لك ما فى يدك من الأرضين والحصون، وأن يؤخذ منك من كل عشرة واحد. ينظر فى ذلك ذوو «١» عدل وجعلت لك ألا تظلم فيها ما قام الذين. والنبى- ﷺ والمؤمنون عليه أنصار» . قال القاضى عياض بن موسى بن عياض- ﵀ وفيه: «إلى الأقيال «٢» العباهلة «٣» ، والأرواع «٤» المشابيب «٥» » . وفيه: «فى التّيعة «٦» شاة لا مقوّرة الألياط «٧» ولا ضناك «٨» ، وأنطوا الثّبجة «٩» ، وفى السّيوب «١٠» الخمس ومن زنى من امبكر «١١» فاصقعوه مائة واستوفضوه «١٢» عاما، ومن زنى من امثيّب

стр. 6254

فضرّجوه بالأضاميم «١» ، ولا توصيم فى الدّين «٢» ، ولا غمّة «٣» فى فرائض الله؛ وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفّل «٤» على الأقيال» . قال محمد بن سعد بسنده إلى أبى عبيدة من ولد عمّار بن ياسر قال: وفد مخوس ابن معدى كرب بن وليعة فيمن معه على رسول الله ﷺ ، ثم خرجوا من عنده فأصاب مخوس اللّقوة «٥» فرجع منهم نفر، فقالوا: يا رسول الله، سيّد العرب ضربته اللّقوة، فادللنا على دوائه، فقال رسول الله ﷺ : «خذوا مخيطا «٦» فأحموه فى النار، ثم اقلبوا شفر عينيه، ففيها شفاؤه، وإليها مصيره، فالله أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندى» . فصنعوه به فبرئ. ذكر وفد أزد عمان قالوا: أسلم أهل عمان «٧» ، فبعث إليهم رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمىّ ليعلّمهم شرائع الإسلام، ويصدّق أموالهم «٨» ، فخرج وفدهم إلى رسول الله

стр. 6255

صلى الله عليه وسلّم، فيهم أسد بن بيرح «١» الطاحىّ، فلقوا رسول الله ﷺ فسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخرمة «٢» العبدىّ واسمه مدرك بن خوط: ابعثنى إليهم فإن لهم علىّ منّة؛ أسرونى فى يوم جنوب «٣» فمنّوا علىّ. فوجّهه معهم إلى عمان، وقدم بعدهم سلمة بن عبّاد «٤» الأزدىّ فى ناس من قومه، فسأل رسول الله ﷺ عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبره رسول الله ﷺ ، فقال: ادع الله أن يجمع كلمتنا وألفتنا. فدعا لهم، وأسلم سلمة ومن معه. ذكر وفد غافق «٥» قالوا: وقدم جليحة بن شجّار بن صحار الغافقىّ، على رسول الله ﷺ فى رجال من قومه، فقالوا: يا رسول الله، نحن الكواهل «٦» من قومنا، وقد أسلمنا وصدقاتنا محبوسة بأفنيتنا. فقال: «لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فقال عوذ بن سرير الغافقىّ: آمنا بالله واتبعنا رسول الله. ذكر وفد بارق قالوا: قدم وفد بارق «٧» ، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله ﷺ :

стр. 6256

«هذا كتاب من محمد رسول الله- ﷺ لبارق ألا تجذّ ثمارهم، ولا ترعى بلادهم فى مربع «١» ولا مصيف إلا بمسألة من بارق. ومن مرّبهم من المسلمين فى عرك «٢» أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام. وإذا أينعت «٣» ثمارهم فلابن السّبيل اللّقاط «٤» بوسع بطنه من غير أن يقيه «٥» » . ثم شهد أبو عبيدة بن الجرّاح، وحذيفة بن اليمان، وكتب أبىّ بن كعب. ذكر وفد ثمالة «٦» والحدّان قالوا: قدم عبد الله بن غلس «٧» الثّمالىّ ومسلمة بن هاران «٨» الحدّانى على رسول الله ﷺ فى رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة فى أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شمّاس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد ابن مسلمة.

стр. 6257

ذكر وفد مهرة قالوا: قدم وفد مهرة «١» على رسول الله ﷺ ، عليهم مهرىّ «٢» بن الأبيض، فعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام فأسلموا، وكتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الكتاب من محمد رسول الله لمهرىّ بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألّا يؤكلوا» ولا يعركوا «٤» . وعليهم إقامة شعائر الإسلام، فمن بدّل فقد حارب، ومن آمن به فله ذمّة الله وذمّة رسوله. اللّقطة «٥» مؤدّاة، والسّارحة «٦» مندّاة، والتّفث «٧» السّيّئة، والرّفث «٨» الفسوق» . وكتب محمد بن مسلمة الأنصارى.

стр. 6258

قالوا: ووفد إلى رسول الله ﷺ رجل من مهرة، يقال له زهير «١» ابن قرضم بن الجعيل من الشّحر «٢» ، فكان رسول الله ﷺ يدنيه لبعد مسافته، فلما أراد الانصراف بتّته «٣» ، وحمله، وكتب له كتابا. ذكر وفد حمير قالوا: قدم على رسول الله ﷺ مالك بن مرارة «٤» الرّهاوى، رسول ملوك حمير بكتابهم وإسلامهم، وذلك فى شهر رمضان سنة تسع عند مقدمه من تبوك، وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنّعمان قيل ذى رعين، ومعافر، وهمدان. قال ابن إسحق: وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرّة الرّهاوىّ فكتب إليهم رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان- أما بعد ذلكم- فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو- أما بعد- فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأنّ الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم

стр. 6259

النبىّ وصفيّه «١» ، وما كتب على المؤمنين من الصّدقة، من العقار «٢» عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٣» نصف العشر، وإن فى الإبل الأربعين ابنة لبون، وفى ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفى كل خمس من الإبل شاة، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وأنّها فريضة الله التى فرض على المؤمنين فى الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدّى ذلك، وأشهد على إسلامه، وظاهر «٤» المؤمنين على المشركين، فهو من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم وله ذمّة الله وذمّة رسوله، وإنّه من أسلم من يهودىّ أو نصرانىّ فإنّه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد دينار واف، من قيمة المعافر «٥» أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك إلى رسول الله ﷺ فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منعه فإنه عدوّ لله ولرسوله ﷺ . أما بعد- فإن رسول الله محمدا النبىّ أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة ابن نمر، ومالك بن مرّة، وأصحابهم، وأن اجمعوا له ما عندكم من الصّدقة، والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسلى، وأنّ أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلا راضيا. أما بعد- فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنّه عبده ورسوله، ثم إن مالك ابن مرّة الرّهاوىّ قد حدّثنى أنك أسلمت من أوّل حمير وقتلت المشركين، فأبشر

стр. 6260

بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنّ رسول الله- ﷺ هو مولى غنيّكم وفقيركم، وأنّ الصّدقة لا تحلّ لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هى زكاة يزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وأن مالكا قد بلّغ الخبر، وحفظ الغيب وآمركم به خيرا، وأنّى أرسلت إليكم من صالحى أهلى وأولى دينهم وأولى علمهم، وآمركم بهم خيرا، فإنهم «١» منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» . ذكر وفد جيشان قال محمد بن سعد: قدم أبو وهب الجيشانىّ على رسول الله ﷺ فى نفر من قومه، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، فسمّوا له البتع «٢» من العسل، والمزر «٣» من الشّعير، فقال رسول الله ﷺ : «هل تسكرون منهما» قالوا: إن أكثرنا سكرنا، قال: «فحرام قليل ما أسكر كثيره» ، وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عمّا له، فقال: «كلّ مسكر حرام» . ذكر وفد سلول قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النّمرىّ ﵀: قدم قردة بن نفاثة السّلولىّ، من بنى عمرو بن مرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن على رسول الله ﷺ فى جماعة من بنى سلول، فأمّره عليهم بعد ما أسلم

стр. 6261

وأسلموا؛ فأنشأ يقول: بان الشّباب فلم أحفل به بالا ... وأقبل الشّيب والإسلام إقبالا وقد أروّى نديمى من مشعشعة «١» ... وقد أقلّب أوراكا وأكفالا الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا قال وقد قيل: إن البيت الثالث للبيد، قال أبو عبيدة: لم يقل لبيد فى الإسلام غيره، وكان قد عمّر مائة وخمسين سنة. قال أبو عمر: وقردة هذا هو الذى يقول: أصبحت شيخا أرى الشّخصين أربعة ... والشّخص شخصين لمّا مسّنى الكبر لا أسمع الصّوت حتّى أستدير له ... وحال بالسّمع دونى المنظر القصر «٢» وكنت أمشى على السّاقين معتدلا ... فصرت أمشى على ما تنبت الشّجر إذا أقوم عجنت الأرض متّكئا ... على البراجم حتّى يذهب النّفر «٣» ذكر وفد نجران وسؤالهم رسول الله ﷺ ، وما أنزل الله فيهم من القرآن قال محمد بن إسحق: قدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران ستّون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وهم: العاقب عبد المسيح، والسّيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس،

стр. 6262

ويزيد، ونبيه وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنّس. ومن هؤلاء الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، وهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذى لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. قال محمد بن سعد: هو رجل من كندة والسّيد ثمالهم «١» ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم «٢» وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم «٣» . قال ابن سعد: وكان من الأربعة عشر كوز وهو أخو الحارث بن علقمة، وأوس أخو السّيد. قال: فتقدمهم كوز وهو يقول: إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا فى بطنها جنينها «٤» مخالفا دين النّصارى دينها وقدم على النبى ﷺ ، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا [عليه «٥» ] المسجد، عليهم ثياب الحبرة «٦» وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلّون فى المسجد نحو الشّرق، فقال رسول الله ﷺ : «دعوهم» ، ثم أتوا النبىّ ﷺ ، فأعرض عنهم ولم يكلّمهم، فقال لهم عثمان: ذلك من أجل زيّكم هذا، فانصرفوا يومهم ذلك، ثم غدوا عليه، بزىّ الرّهبان فسلّموا عليه فردّ عليهم.

стр. 6263

قال محمد بن إسحق: وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن علمه فى دينهم، فكانت ملوك الرّوم من أهل النّصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده فى دينهم، فلما وجّهوا إلى رسول الله ﷺ من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له، وإلى جنبه أخوه كوز،- ويقال فيه كرز «١» - فعثرت بغلة أبى حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد، يريد رسول الله ﷺ ، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال: ولم يا أخى؟ قال: والله إنّه للنبىّ الذى كنا ننتظره. فقال له كوز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرّفونا وموّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلّا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها منه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك، فكان يحدّث عنه هذا الحديث. قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: وبلغنى أنّ رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم وأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبى ﷺ يمشى فعثر، فقال ابنه: تعس الأبعد- يريد النبىّ ﷺ فقال له أبوه: لا تفعل فإنه نبىّ واسمه فى الوضائع- يعنى الكتب- فلما مات لم يكن لابنه همّة إلا أن كسر الخواتم، فوجد فى الكتب ذكر النبىّ ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه فحجّ، وهو الذى يقول: إليك تعدو قلقا وضينها

стр. 6264

قال ابن إسحق: ولما قدموا صلّوا فى المسجد نحو الشّرق، وكلّم رسول الله ﷺ منهم الثلاثة نفر: العاقب، والسيّد، وأبو حارثة، وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف من أمرهم، يقولون فى المسيح: هو الله، ويقولون: هو ابن الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، فهم يحتجّون فى قولهم: هو الله بأنه كان يحيى الموتى، ويبرئ من الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا، ويحتجون فى قولهم إنه ابن الله بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم فى المهد، [وهذا «١» ] شىء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله. ويحتجون فى قولهم إنه ثالث ثلاثة، بقول الله فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت، ولكنه هو، وعيسى، ومريم. قال: فلما كلّم رسول الله ﷺ الحبران قال لهما: «أسلما» ، قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعا كما لله ولدا، وعبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير» قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ فلم يجبهما، فأنزل الله تعالى عليه فى اختلاف أمرهم كلّه صدر سورة آل عمران، إلى بضع وثمانين آية منها. فقال تعالى: (الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قال «٢» : افتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا وتوحيده، ليس معه شريك فى أمره: «الحىّ» أى الذى لا يموت، وقد مات عيسى وصلب فى قولكم. «القيّوم» القائم على مكانه من سلطانه

стр. 6265

فى خلقه لا يزول، وقد زال عيسى. ثم قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ أى بالصدق فيما اختلفوا فيه وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ أى الفصل بين الحقّ والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أى إنّ الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أى قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم فى عيسى؛ إذ جعلوه إلها وعندهم من علمه غير ذلك. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أى قد كان عيسى ممن صوّر فى الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صوّر غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل. ثم قال تعالى تنزيها لنفسه وتوحيدا لها: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أى «العزيز» فى انتصاره ممّن كفر به إذا شاء «الحكيم» فى حجته وعذره إلى عباده. ثم قال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أى فيهنّ حجة الربّ وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أى لهنّ تصريف وتأويل، ابتلى الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم فى الحلال والحرام، ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق. قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أى ميل عن الهدى. فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أى ما تصرّف منه؛ ليصدّقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا لتكون لهم حجّة وشبهة على ما قالوا «١» . ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أى اللّبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أى تأويل ذلك على

стр. 6266

ماركبوا من الضلالة فى قولهم: خلقنا وقضينا. يقول تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فكيف يختلف وهو قول واحد، من ربّ واحد. يقول: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أى فى مثل هذا. ثم قال تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ «١» . ثم قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ يشهدون بذلك. قائِماً بِالْقِسْطِ أى بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أى ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل. قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أى العلم الذى جاءك أنّ الله الواحد الذى ليس له شريك. ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ أى فيما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هى شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحقّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أى الذين لا كتاب لهم أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. ثم جمع تعالى أهل الكتابين من اليهود والنصارى فيما أحدثوا وابتدعوا، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ إلى قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ أى ربّ العباد والملك الذى لا يقضى فيهم غيره. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أى

стр. 6267

لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ أى بتلك القدرة. وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أى لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلّا أنت، أى إن كنت سلّطت عيسى على الأشياء التى بها يزعمون أنه إله، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق من الطّين، والإخبار عن الغيوب؛ لأجعله به آية للناس، وتصديقا له فى نبوّته التى بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطانى وقدرتى ما لم أعطه؛ «١» من إيلاج الليل فى النهار والنهار فى الليل، وإخراج الحىّ من الميّت، وإخراج الميت من الحىّ؛ ورزق من شئت من برّ أو فاجر بغير حساب، فكلّ ذلك لم أسلّط عيسى عليه، ولم أملّكه إياه، أفلم يكن لهم فى ذلك عبرة وبينة! أن لو كان إلها كان ذلك كلّه إليه، وهو فى قولهم يهرب من الملوك ويتنقل منهم فى البلاد، من بلد إلى بلد. ثم وعظ المؤمنين وحذّرهم فقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أى ما مضى من كفركم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يقول: أطيعوا الله والرسول فأنتم تعرفونه وتجدونه فى كتابكم، فَإِنْ تَوَلَّوْا أى على كفرهم. ثم استقبل أمر عيسى ﵇، وكيف كان بدء ما أراد الله تعالى به فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ثم ذكر أمر امرأة عمران فقال: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً أى جعلته عتيقا يعبد الله ، لا ينتفع به لشىء من الدنيا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِ

стр. 6268

إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [أى ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها محرّرا لك نذيرة «١» ] وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . يقول الله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أى كفلها بعد أبيها وأمها؛ يذكرها باليتم، ثم قصّ خبرها وخبر زكريا، وما دعا به وما أعطاه؛ إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم، وقول الملائكة لها، فقال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ قال الثعلبىّ: القائل من الملائكة جبريل وحده، «اصطفاك» بولادة عيسى ﵇ من غير أب، «وطهّرك» من مسيس الرجال. وقيل: كانت مريم ﵍ لا تحيض و «اصطفاك» بالتحرير فى المسجد «على نساء العالمين» قال: على عالمى زمانها، ولم تحرّر أنثى غيرها. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ قال الثعلبى: قوله «اقنتى» أطيعى وأطيلى الصلاة لربك، قال: كلّمتها الملائكة شفاها. قال الأوزاعىّ: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت فى الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا. ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ قال ابن إسحق: كفلها ها هنا جريج الراهب رجل من بنى إسرائيل نجّار، خرج السّهم عليه فحملها، وكان زكريّا قد كفلها قبل ذلك، فأصابت بنى إسرائيل أزمة شديدة، فعجز زكريا عن حملها، فاستهموا عليها، فخرج السّهم على جريح الراهب فكفلها. يقول تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أى ما كنت معهم إذ يختصمون فى كفالتها، فخبّره تعالى

стр. 6269

بخفىّ ما كتموا منه من العلم عندهم؛ لتحقيق نبوّته، والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه. ثم قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أى هكذا كان أمره، لا كما يقولون فيه. وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ «وجيها» أى شريفا ذا جاه وقدر «ومن المقرّبين» عند الله وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ يخبرهم بحالاته التى يتقلب فيها فى عمره؛ كنقلب بنى آدم فى أعمارهم صغارا وكبارا، إلّا أنّ الله تعالى خصّه بالكلام فى مهده آية لنبوّته وتنزيها لأمّه. وقوله: «وكهلا» قال مقاتل: إذا اجتمع «١» قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسين بن الفضل: «كهلا» بعد نزوله من السماء. وقال ابن كيسان: أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل. وقيل: يكلّم الناس فى المهد صبيّا وكهلا؛ بشّرها بنبوته، فلأمه فى المهد معجزة وفى الكهولة دعوة. وقال مجاهد: «وكهلا» أى حليما «٢» . قال تعالى إخبارا عن مريم: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ثم أخبرها بما يريد به فقال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قوله «الكتاب» أى الكتابة والخطّ. «والحكمة والتّوراة» التى كانت فيهم من عهد موسى قبله «والإنجيل» كتابا آخر أنزله الله إليه، لم يكن عندهم إلّا ذكره أنه كائن. يقول تعالى: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أى يحقّق بها نبوّتى أنّى رسول منه إليكم. أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ

стр. 6270

قال الثعلبىّ: قراءة العامة بالجمع؛ لأنه خلق طيرا كثيرة، وقرّاء أهل المدينة «طائرا» ذهبوا إلى أنه نوع واحد من الطّير؛ لأنه لم يخلق غير الخفّاش، قال: وإنما خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقا؛ ليكون أبلغ فى القدرة؛ لأن لها ثديا وأسنانا وهى تحيض وتطير، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا؛ ليتميز فعل الخلق من فعل الله ؛ وليعلم أن الكمال لله. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ «الأكمه» الذى يولد أعمى وجمعه كمه. وقيل: هو الأعمى وهو المعروف من كلام العرب؛ قال سويد بن أبى كاهل: كمهت عيناه حتّى ابيضّتا ... فهو يلحى نفسه حتى نزع «١» والأبرص الذى فيه وضح، قال: وإنما خصّ هذين؛ لأنهما عياءان وكان الغالب على زمن عيسى ﵇ الطّب؛ فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك. قال وهب: ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى فى اليوم الواحد خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى ﵇، وإنما كان يداويهم بالدعاء، على شرط الإيمان. وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ قال الثعلبىّ: أحيا أربعة أنفس العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى: إنّ أخاك العازر يموت فأته، وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقى بنا إلى قبره. فانطلقت معهم إلى قبره وهو فى صخرة مطبقة، فقال عيسى ﵇: «اللهمّ ربّ السموات السّبع، إنك أرسلتنى إلى بنى إسرائيل أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم أنى أحيى الموتى بإذنك، فأحى العازر» ، قال: فقام عازر وودكه يقطر، فخرج من قبره وبقى وولد له. وأحيا ابن العجوز، مرّ به ميتا على عيسى ﵇،
следующие страницы →