← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

ماركبوا من الضلالة فى قولهم: خلقنا وقضينا. يقول تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فكيف يختلف وهو قول واحد، من ربّ واحد. يقول: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أى فى مثل هذا. ثم قال تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ «١» . ثم قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ يشهدون بذلك. قائِماً بِالْقِسْطِ أى بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أى ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل. قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أى العلم الذى جاءك أنّ الله الواحد الذى ليس له شريك. ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ أى فيما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هى شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحقّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أى الذين لا كتاب لهم أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. ثم جمع تعالى أهل الكتابين من اليهود والنصارى فيما أحدثوا وابتدعوا، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ إلى قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ أى ربّ العباد والملك الذى لا يقضى فيهم غيره. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أى

стр. 6267

لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ أى بتلك القدرة. وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أى لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلّا أنت، أى إن كنت سلّطت عيسى على الأشياء التى بها يزعمون أنه إله، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق من الطّين، والإخبار عن الغيوب؛ لأجعله به آية للناس، وتصديقا له فى نبوّته التى بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطانى وقدرتى ما لم أعطه؛ «١» من إيلاج الليل فى النهار والنهار فى الليل، وإخراج الحىّ من الميّت، وإخراج الميت من الحىّ؛ ورزق من شئت من برّ أو فاجر بغير حساب، فكلّ ذلك لم أسلّط عيسى عليه، ولم أملّكه إياه، أفلم يكن لهم فى ذلك عبرة وبينة! أن لو كان إلها كان ذلك كلّه إليه، وهو فى قولهم يهرب من الملوك ويتنقل منهم فى البلاد، من بلد إلى بلد. ثم وعظ المؤمنين وحذّرهم فقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أى ما مضى من كفركم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يقول: أطيعوا الله والرسول فأنتم تعرفونه وتجدونه فى كتابكم، فَإِنْ تَوَلَّوْا أى على كفرهم. ثم استقبل أمر عيسى ﵇، وكيف كان بدء ما أراد الله تعالى به فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ثم ذكر أمر امرأة عمران فقال: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً أى جعلته عتيقا يعبد الله ، لا ينتفع به لشىء من الدنيا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِ

стр. 6268

إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [أى ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها محرّرا لك نذيرة «١» ] وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . يقول الله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أى كفلها بعد أبيها وأمها؛ يذكرها باليتم، ثم قصّ خبرها وخبر زكريا، وما دعا به وما أعطاه؛ إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم، وقول الملائكة لها، فقال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ قال الثعلبىّ: القائل من الملائكة جبريل وحده، «اصطفاك» بولادة عيسى ﵇ من غير أب، «وطهّرك» من مسيس الرجال. وقيل: كانت مريم ﵍ لا تحيض و «اصطفاك» بالتحرير فى المسجد «على نساء العالمين» قال: على عالمى زمانها، ولم تحرّر أنثى غيرها. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ قال الثعلبى: قوله «اقنتى» أطيعى وأطيلى الصلاة لربك، قال: كلّمتها الملائكة شفاها. قال الأوزاعىّ: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت فى الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا. ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ قال ابن إسحق: كفلها ها هنا جريج الراهب رجل من بنى إسرائيل نجّار، خرج السّهم عليه فحملها، وكان زكريّا قد كفلها قبل ذلك، فأصابت بنى إسرائيل أزمة شديدة، فعجز زكريا عن حملها، فاستهموا عليها، فخرج السّهم على جريح الراهب فكفلها. يقول تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أى ما كنت معهم إذ يختصمون فى كفالتها، فخبّره تعالى

стр. 6269

بخفىّ ما كتموا منه من العلم عندهم؛ لتحقيق نبوّته، والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه. ثم قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أى هكذا كان أمره، لا كما يقولون فيه. وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ «وجيها» أى شريفا ذا جاه وقدر «ومن المقرّبين» عند الله وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ يخبرهم بحالاته التى يتقلب فيها فى عمره؛ كنقلب بنى آدم فى أعمارهم صغارا وكبارا، إلّا أنّ الله تعالى خصّه بالكلام فى مهده آية لنبوّته وتنزيها لأمّه. وقوله: «وكهلا» قال مقاتل: إذا اجتمع «١» قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسين بن الفضل: «كهلا» بعد نزوله من السماء. وقال ابن كيسان: أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل. وقيل: يكلّم الناس فى المهد صبيّا وكهلا؛ بشّرها بنبوته، فلأمه فى المهد معجزة وفى الكهولة دعوة. وقال مجاهد: «وكهلا» أى حليما «٢» . قال تعالى إخبارا عن مريم: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ثم أخبرها بما يريد به فقال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قوله «الكتاب» أى الكتابة والخطّ. «والحكمة والتّوراة» التى كانت فيهم من عهد موسى قبله «والإنجيل» كتابا آخر أنزله الله إليه، لم يكن عندهم إلّا ذكره أنه كائن. يقول تعالى: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أى يحقّق بها نبوّتى أنّى رسول منه إليكم. أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ

стр. 6270

قال الثعلبىّ: قراءة العامة بالجمع؛ لأنه خلق طيرا كثيرة، وقرّاء أهل المدينة «طائرا» ذهبوا إلى أنه نوع واحد من الطّير؛ لأنه لم يخلق غير الخفّاش، قال: وإنما خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقا؛ ليكون أبلغ فى القدرة؛ لأن لها ثديا وأسنانا وهى تحيض وتطير، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا؛ ليتميز فعل الخلق من فعل الله ؛ وليعلم أن الكمال لله. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ «الأكمه» الذى يولد أعمى وجمعه كمه. وقيل: هو الأعمى وهو المعروف من كلام العرب؛ قال سويد بن أبى كاهل: كمهت عيناه حتّى ابيضّتا ... فهو يلحى نفسه حتى نزع «١» والأبرص الذى فيه وضح، قال: وإنما خصّ هذين؛ لأنهما عياءان وكان الغالب على زمن عيسى ﵇ الطّب؛ فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك. قال وهب: ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى فى اليوم الواحد خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى ﵇، وإنما كان يداويهم بالدعاء، على شرط الإيمان. وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ قال الثعلبىّ: أحيا أربعة أنفس العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى: إنّ أخاك العازر يموت فأته، وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقى بنا إلى قبره. فانطلقت معهم إلى قبره وهو فى صخرة مطبقة، فقال عيسى ﵇: «اللهمّ ربّ السموات السّبع، إنك أرسلتنى إلى بنى إسرائيل أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم أنى أحيى الموتى بإذنك، فأحى العازر» ، قال: فقام عازر وودكه يقطر، فخرج من قبره وبقى وولد له. وأحيا ابن العجوز، مرّ به ميتا على عيسى ﵇،

стр. 6271

وهو يحمل على سرير، فدعا الله تعالى عيسى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السّرير على عنقه، ورجع إلى أهله، فبقى وولد له، وابنة العاشر «١» قيل له: أتحييها وقد ماتت بالأمس؟ فدعا الله فعاشت وبقيت وولدت، وسام بن نوح ﵉، ودعا عيسى باسم الله الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا، ولكنّى دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت، قال: بشرط أن يعيذنى الله من سكرات الموت، فدعا الله سبحانه ففعل. قال الكلبىّ: كان يحيى الأموات ب «يا حىّ يا قيّوم» . قال [تعالى «٢» ] : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أى آية لكم أنى رسول من الله إليكم. يقول [تعالى] : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أى لما سبقنى منها. وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أى أخبركم أنه كان عليكم حراما فتركتموه، ثم أحلّه لكم تخفيفا عنكم، فتصيبون يسره وتخرجون من تباعته «٣» . يقول [تعالى] : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أى هذا الهدى قد حملتكم عليه وجئتكم به. يقول تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ

стр. 6272

فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أى هكذا كان قولهم وإيمانهم، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجّونك، ثم ذكر تعالى رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ قال أهل المعانى: المكر السّعى بالفساد فى ستر ومداجاة. وقال الفرّاء: المكر من المخلوقين الخبّ والخديعة والحيلة، وهو من الله استدراجه العباد. ثم أخبرهم تعالى، وردّ عليهم فيما أقرّوا به لليهود من صلبه، وأنّ الله عصمه منهم، ورفعه إليه، فقال تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ قال الثعلبىّ: اختلفوا فى معنى التوفى ها هنا؛ فقال كعب والحسن والكلبىّ ومطر الورّاق ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريح وابن زيد: معناه إنى قابضك ورافعك من الدنيا إلىّ من غير موت. قال: وعلى هذا القول تأويلان: أحدهما- إنى رافعك إلىّ وافيا لم ينالوا منك شيئا؛ من قولهم توفّيت هذا، واستوفيته أى أخذته تامّا. والآخر- إنى مسلّمك؛ من قولهم توفّيت منه كذا أى تسلّمته. وقال الربيع ابن أنس: معناه إنى منيمك ورافعك إلىّ فى نومك؛ ويدل عليه قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أى ينيمكم؛ لأنّ النوم أخو الموت. وقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الآية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إنى مميتك. ويدل عليه قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ* قال: وله على هذا القول تأويلان: أحدهما- ما قال وهب: توفّى الله تعالى

стр. 6273

عيسى ﵇ ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه إليه. وقال ابن إسحق: النصارى يزعمون أنّ الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. والآخر- ما قال الضحاك وجماعة من أهل المعانى: إنّ فى الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إنّى رافعك إلىّ ومطهّرك من الذين كفروا، ومتوفّيك بعد أن أنزلك من السماء. وقال أبو بكر بن محمد بن موسى الواسطىّ: معناه «إنّى متوفّيك» عن شهواتك وحظوظ نفسك. قال: وذلك أنه لمّا رفع إلى السماء صار حاله حال الملائكة. وقوله: «ورافعك إلىّ» قال البنانىّ والشّيبانىّ: كان عيسى ﵇ على طور زيتا فهبّت ريح، فهرول عيسى، فرفعه الله فى هرولته، وعليه مدرعة من شعر. وقيل: معناه ورافعك بالدرجة فى الجنة، ومقرّبك إلىّ بالإكرام. وقوله: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أى مخرجك من بينهم ومنجيك منهم. وقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال قتادة والربيع والشّعبىّ ومقاتل والكلبىّ: هم أهل الإسلام الذين اتبعوا دينه وسنّته من أمّة محمد ﷺ ، فو الله ما اتبعه من دعاه ربّا. «فوق الّذين كفروا» ظاهرين قاهرين بالعزّ والمنعة والدليل والحجّة. وقال الضحاك وعلىّ ومحمد بن أبان: يعنى الحواريين فوق الذين كفروا. وقيل: هم الرّوم. وقال ابن زيد: وجاعل النصارى فوق اليهود، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود، واليهود مستدلّون مقهورون. قال: وعلى هذين القولين يكون معنى الاتباع: الادّعاء والمحبة لا اتباع الدّين والملّة. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أى فى الآخرة. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أى من الدّين وأمر عيسى.

стр. 6274

قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل والسّبى والجزية والذّلّة. وَالْآخِرَةِ بالنار. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ . قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الآية ظاهرة المعنى. قوله: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أى هذا الذى ذكرته لك، قال النبىّ ﷺ : «هو القرآن» . وقيل: هو اللّوح المحفوظ، وهو معلّق بالعرش، من درّة بيضاء، و «الحكيم» هو المحكم من الباطل؛ قاله مقاتل. وقال ابن إسحق: أى القاطع الفاصل، الحقّ الذى لا يخالطه الباطل، من الخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرا غيره. فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أى قد جاءك الحقّ فلا تمترينّ فيه، وإن قالوا خلق عيسى من غير [ذكر «١» ] ، فقد خلقت آدم [من تراب «٢» ] بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر؛ فكان لحما ودما وعظما وشعرا وبشرا، كما كان عيسى، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا. ثم قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أى من بعد ما قصصت عليك من خبره فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ قوله: «نبتهل» أى نتضرع فى الدعاء. وقيل: نخلص فى الدعاء. وقيل: نجتهد ونبالغ فنقول لعن الله الكاذب منّا ومنكم. قال ابن إسحق: إِنَّ هذا الذى جئت به من الخبر عن عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ من أمره. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا أى إن أعرضوا عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ أى الذين يعبدون غير الله تعالى، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله.

стр. 6275

ثم قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ فدعاهم إلى النّصف، وقطع عنهم الحجّة، قال: فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله عن عيسى، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمره به من ملاعتهم إن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر فى أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمدا لنبىّ مرسل، لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيّا قطّ فبقى كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألّا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك، ترضاه لنا، يحكم بيننا فى أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا. فقال رسول الله ﷺ : «ائتونى العشيّة أبعث معكم القوىّ الأمين» فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّى إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فخرجت إلى الظّهر مهجّرا «١» ، فلمّا صلّى بنا رسول الله ﷺ الظهر، سلّم ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له ليرانى، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح فدعاه له، وذلك قبل الهجرة.

стр. 6276

فقال: «اخرج فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه» قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة. هذا ما رواه ابن هشام عن ابن إسحق. وقال محمد بن سعد فى طبقاته: إن رسول الله ﷺ لما عرض عليهم المباهلة انصرفوا عنه، ثم أتاه عبد المسيح ورجلان من ذوى رأيهم، فقال: قد بدا لنا ألا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك. فصالحهم على ألفى حلّة: ألف فى شهر رجب، وألف فى صفر، أو قيمة كل حلّة من الأواقى، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا وثلاثين بعيرا، وثلاثين فرسا: إن كان باليمن كيد «١» . ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبىّ رسول الله، على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، لا يغيّر أسقف من سقّيفاه «٢» ، ولا راهب من رهبانيّة، ولا واقف من وقفانيّته «٣» ، وفى بعض الروايات لا يغيّر «٤» وافه من وفهيّته، ولا قسيس من قسّيسيّته. والوافه: قيّم الكنيسة. قال: وأشهد على ذلك شهودا. منهم أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة، ورجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيّد والعاقب إلّا يسيرا حتى رجعا إلى النبىّ ﷺ ، فأسلما وأنزلهما فى دار أبى أيوب الأنصارىّ،

стр. 6277

وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به رسول الله ﷺ حتى قبضه الله تعالى. ثم ولّى أبو بكر فكتب بالوصاة بهم عند وفاته، ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب من أرضهم، وكتب لهم: «هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران. من سار منهم إنه آمن بأمان الله، لا يضرّهم أحد من المسلمين؛ وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله ﷺ وأبو بكر- أما بعد- فمن وقعوا «١» به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسعهم من جريب «٢» الأرض، ما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة، وعقبة لهم بمكان أرضهم، لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم- أمّا بعد- فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم، فإنهم أقوام لهم الذّمّة. وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن يقدموا، ولا يكلّفوا إلّا من ضيعتهم «٣» ، غير مظلومين ولا معنوف «٤» عليهم. شهد عثمان بن عفان ومعيقيب بن أبى فاطمة. قال: فوقع ناس منهم بالعراق، فنزلوا النّجرانيّة التى هى ناحية الكوفة. وحيث ذكرنا وفادات العرب، فلا بأس أن نصل هذا الفصل بما يناسبه من خبر الجنّ فى إسلامها، ونلحق ذلك بما يتعلق به من إخبار الجنّ أصحابهم بأمر رسول الله ﷺ ، ومن أسلم بسبب ذلك، فإنا عند ذكرنا للمبشّرات برسول الله ﷺ ، ذكرنا من ذلك طرفا، وأخّرنا بقيته لنذكره فى هذا الفصل، ونبهنا عليه هناك.

стр. 6278

ذكر خبر إسلام الجنّ ودعائهم قومهم إلى الإيمان عند سماعهم القرآن قال الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «١» . وكان من خبر الجنّ ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: انطلق رسول الله ﷺ فى طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشّهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشّهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلّا ما قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذى قد حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذى حال بينهم وبين خبر السماء، وانطلق الذين توجّهوا إلى نحو تمامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة «٢» وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلّى بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن تسمّعوا «٣» له فقالوا: هذا

стр. 6279

الذى حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً «١» . وأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ وإنما أوحى إليه قول الجنّ، رواه البخارىّ فى صحيحه عن موسى بن إسمعيل، عن أبى عوانة، عن أبى بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وذهب محمد بن سعد إلى أن استماع الجنّ كان بنخلة، عند عود رسول الله ﷺ من الطّائف، لما توجّه يدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا له، وذلك قبل الهجرة. وقال الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ فى كتابه المترجم «بدلائل النبوّة، ومعرفة أحوال صاحب الشريعة» بعد أن ساق حديث البخارىّ قال: وهذا الذى حكاه عبد الله بن عباس إنما هو فى أول ما سمعت الجنّ قراءة النبىّ ﷺ ، وعلمت بحاله، وفى ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعى الجنّ مرّة أخرى، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد الله ابن مسعود. وقد روى البيهقىّ بسنده إلى عبد الله بن مسعود خبر الجنّ فى القصّتين: أمّا الأولى فإنه قال: هبطوا على النبى ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا- قالوا صه- وكانوا سبعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا إلى قوله: أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وعن ابن مسعود أن النبى ﷺ آذنته بالجنّ شجرة؛ رواه البخارىّ ومسلم فى الصحيحين.

стр. 6280

وأما القصة الثانية، فرواها عن الشّعبىّ عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجنّ منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منّا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان فى وجه الصّبح أو قال فى السّحر، إذا نحن به يجىء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذى كانوا فيه، فقال: «إنه أتانى داعى الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم» قال: فانطلق فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، قال: وقال الشّعبىّ فسألوه الزّاد، وقال ابن أبى زائدة: قال عامر سألوه ليلتئذ الزّاد، وكانوا من جنّ الجزيرة، فقال: «كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى أيديكم أوفر ما كان لحما، وكلّ بعرة أوروثة علف لدوابّكم- قال- فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجنّ» رواه مسلم فى صحيحه. وكان فيما قرأ رسول الله ﷺ عليهم: «الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ» السورة؛ ويدل على ذلك ما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ رسول الله ﷺ «الرّحمن» على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا، فقال رسول الله ﷺ : «للجنّ كانوا أحسن جوابا منكم لمّا قرأت عليهم «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» * قالوا لا «١» ولا بشىء من آلاء ربّنا نكذّب» . ومن رواية أخرى عنه: «قالوا ولا بشىء من نعمك ربّنا نكذّب فلك الحمد» . وعن أبى المليح الهذلىّ أنه كتب إلى عبيدة بن عبد الله بن مسعود: أين قرأ رسول الله ﷺ على الجنّ؟ فكتب إليه: إنه قرأ عليهم بشعب يقال له المحجون. وروى عن عبد الله بن مسعود عن النبى ﷺ «أنّ نفرا

стр. 6281

من الجنّ خمسة عشر بنى إخوة وبنى عمّ يأتوننى الليلة فأقرأ عليهم القرآن» . وقيل: كانوا أكثر من هذا. وقد جاء عنه: أنه ذهب إلى موضعهم، قال: فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا. ولما رأى عبد الله بن مسعود رجال الزّطّ «١» قال: ما رأيت شبههم إلا الجنّ ليلة الجنّ، وكانوا مستنفرين يتبع بعضهم بعضا. ذكر إخبار الجنّ أصحابهم بأمر رسول الله ﷺ وإسلامهم بسبب ذلك روى أبو عبد الله محمد بن إسمعيل البخارى ﵀ فى صحيحه، بسنده عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضى الله عنه لشىء قطّ يقول، إنى لأظنّه كذا إلا كان كما يظنّ «٢» ؛ بينا عمر جالس إذ مرّ رجل جميل «٣» ، فقال: لقد أخطأ ظنى أو إنّ هذا على دينه فى الجاهلية «٤» ، ولقد كان كاهنهم؛ علىّ الرجل، فدعى له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظنّى أو إنّك على دينك فى الجاهلية أو لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإنى أعزم عليك «٥» إلا ما أخبرتنى. قال: كنت كاهنهم فى الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنّيتك؟ قال: بينا أنا يوما فى سوق جاءتنى أعرف فيها الفزع، قالت:

стр. 6282

ألم تر الجنّ وإبلاسها ... ويأسها بعد وإبلاسها «١» ولخوقها بالقلاص وأحلاسها ... ويأسها بعد من أنساكها «٢» قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخا قطّ أشدّ صوتا منه يقول: يا جليح «٣» ، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله، فقلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله. فقمت فما نشبت أن قيل هذا نبىّ. قال البيهقىّ: ظاهر هذه الرواية يوهم أنّ عمر رضى الله عنه بنفسه سمع الصّارخ يصرخ من العجل الذى ذبح، وكذلك هو صريح فى رواية ضعيفة عن عمر فى إسلامه، وسائر الروايات تدل على أن الكاهن أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله تعالى أعلم. ذكر خبر سواد بن قارب روى البيهقىّ رحمه الله تعالى بسنده عن البراء، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه يخطب الناس على منبر النبىّ ﷺ ؛ إذ قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السّنة، فلما كانت السّنة المقبلة،

стр. 6283

قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد ابن قارب؟ فقال: إنّ سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا! قال: فبينا نحن كذلك؛ إذ طلع سواد بن قارب، فقال له عمر: يا سواد، أخبرنى ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد: فإنّى كنت نازلا بالهند وكان لى رئىّ من الجنّ، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم؛ إذ جاءنى فى منامى ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤىّ بن غالب، ثم أنشأ يقول: عجبت للجنّ وأنجاسها ... وشدّها العيس بأحلاسها «١» تهوى إلى مكّة تبغى الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها فانهض إلى الصّفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى راسها ثم أنبهنى وأفزعنى، وقال: يا سواد بن قارب، إنّ الله بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان فى الليلة الثانية أتانى فأنبهنى، ثم أنشا يقول كذلك: عجبت للجنّ وتطلابها ... وشدّها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ليس قداماها كأذنابها «٢» فانهض إلى الصّفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى نابها «٣»

стр. 6284

فلما كان فى الليلة الثالثة أتانى فأنبهنى، ثم قال كذلك: عجبت للجنّ وتخبارها ... وشدّها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ليس ذوو الشّرّ كأخيارها «١» فانهض إلى الصّفود من هاشم ... ما مؤمنو الجنّ ككفّارها قال: فلما سمعته يكرر ليلة بعد ليلة وقع فى قلبى حبّ الإسلام من أمر النبىّ ﷺ ما شاء الله، فانطلقت إلى رحلى فشددته على راحلتى، فما حللت نسعة «٢» ولا عقدت أخرى حتى أتيت النبىّ ﷺ ، فإذا هو بالمدينة والناس عليه كعرف الفرس «٣» ، فلما رآنى قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك» قال قلت: يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه منى، قال سواد فقلت: أتانى رئيىّ بعد ليل وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب «٤» ثلاث ليال قوله كلّ ليلة ... أتاك نبىّ من لؤىّ بن غالب فشمّرت عن ساقى الإزار ووسّطت ... بى الذّعلب الوجناء عند السّباسب «٥»

стр. 6285

فأشهد أنّ الله لا شىء غيره ... وأنّك مأمون على كلّ غائب وأنّك أدنى المرسلين شفاعة ... إلى الله يابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذّوائب «١» فكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب «٢» قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه «٣» ، وقال لى: «أفلحت يا سواد» فقال عمر: هل يأتيك رئيّك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتنى، ونعم العوض كتاب الله من الجنّ. قال البيهقىّ: ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن، الذى لم يذكر اسمه فى الحديث الصحيح، وهو الحديث الذى ذكرناه آنفا قبل خبر سواد. وقد روى أيضا عن سواد بن قارب، من رواية سعيد بن جبير بنحو هذا، إلا أنه قال: كان سواد فى جبل من جبال الشّراة «٤» ، وقال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بمكة، وقد ظهر، فأخبرته الخبر، وبايعته. قال البيهقىّ ﵀: وقوله أتيت مكة أقرب إلى الصّحة [مما رويناه فى الروايتين الأوليين «٥» ] . والله تعالى أعلم.

стр. 6286

ذكر خبر خفاف بن نضلة الثّقفىّ روى أبو بكر البيهقىّ ﵀ بسنده إلى ذابل بن طفيل بن عمرو الدّوسىّ، أن النبىّ ﷺ قعد فى مسجده ذات يوم، فقدم عليه خفاف بن نضلة ابن عمرو بن بهدلة الثّقفىّ، فأنشد رسول الله ﷺ : كم قد تحطّمت القلوص بى الدّجى ... فى مهمة قفر من الفلوات «١» فلّ من التّوريس ليس بقاعه ... نبت من الإسنات والأزمات «٢» إنّى أتانى فى المنام مساعد ... من جنّ وجرة كان لى وموات «٣» يدعو إليك لياليا ولياليا ... ثمّ احزألّ وقال لست بآت «٤» فركبت ناجية أضرّ بنيّها ... جمر تخبّ به على الأكمات «٥» حتّى وردت إلى المدينة جاهدا ... كيما أراك فتفرج الكربات قال: فاستحسنها رسول الله ﷺ ، وقال: «إنّ من البيان كالسّحر، وإنّ من الشّعر كالحكم» .

стр. 6287

ومن ذلك ما روى عن علىّ بن حسين، قال: أول خبر قدم المدينة، أن امرأة من أهل يثرب تدعى فاطمة «١» ، كان لها تابع من الجنّ فجاءها يوما فوقع على جدارها، فقالت: مالك لا تدخل؟ فقال: إنه قد بعث نبىّ يحرّم الزّنى، فحدثت بذلك المرأة عن تابعها من الجنّ، وكان أول خبر يحدّث به بالمدينة عن رسول الله ﷺ . وعن جابر قال: أول خبر قدم المدينة عن النبى ﷺ ، أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع، فجاء فى صورة طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل نخبرك وتخبرنا، قال: لا، إنه بعث بمكة نبىّ منع منا القرار، وحرّم علينا الزّنى. ومنه ما روى عن محمد بن عمر بن واقد، عن تميم الدّارىّ أنه قال: سرت إلى الشّام فأدركنى الليل، فأتيت واديا فقلت: أنا فى جوار عظيم هذا الوادى اللّيلة، فلما أخذت مضجعى إذا قائل لا أراه يقول: عذ بالله الأحد، فإنّ الجنّ لا تجير على الله أحدا، وأنه قد بعث رسول الأمّيّين، وصلّينا خلفه بالحجون، وأسلمنا واتبعناه، وآمنا به وصدّقناه، فأسلم تسلم. قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب «٢» ، فسألت راهبه عما سمعت من الهاتف، فقال: صدق. وكان ذلك سبب إسلام تميم. ومنه ما روى عن أبى خريم «٣» فاتك أنه قال: خرجت فى الجاهلية أطلب إبلا

стр. 6288

أضللتها، فلما كنت بأبرق «١» العزّاف، عقلت ناقتى وتوسّدت ذراعها، وقلت: أعوذ بعظيم هذا المكان، فسمعت هاتفا يقول: تعوّذن بالله ذى الجلال ... ووحّد الله ولا تبالى ما هوّل الجنّ «٢» من الأهوال قال فقلت: بيّن لى يرحمك الله، فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات ... يدعو إلى الجنّة والنّجاة يأمر بالصّوم وبالصّلاة قال: فوقع فى قلبى الإسلام، فقلت: من أنت أيها الهاتف؟ فقال: أنا مالك بن مالك، إن أردت الإسلام فأنا أكفيك طلب ضالّتك حتى أردّها إلى أهلك، قال: فركبت راحلتى وقصدت المدينة، فقدمتها فى يوم جمعة، فأتيت المسجد فإذا رسول الله ﷺ يخطب، فأنخت بباب المسجد قلت ألبث حتى يفرغ من خطبته، وإذا أبو ذرّ قد خرج فقال لى: إنّ رسول الله ﷺ أرسلنى إليك وهو يقول لك: «مرحبا قد بلغنى إسلامك فادخل فصلّ مع الناس» قال: فتطهرت ودخلت فصلّيت، ثم دعانى رسول الله ﷺ ، فبايعنى وأخبرنى بالخبر قبل أن أذكره له، وقال لى: «أمّا إبلك فقد بلغت أهلك، وقد وفى لك صاحبك» فقلت: جزاه الله خيرا ورحمه، فقال رسول الله ﷺ : «آمين» .

стр. 6289

ومنه ما روى عن مالك بن نفيع أنه قال: ندّ بعير لى، فركبت نجيبة وطلبته، حتى ظفرت به، فأخذته وانكفأت راجعا إلى أهلى، فأسريت ليلة حتى كدت أصبح، فأنخت النّجيبة والجمل وعقلتهما، واضطجعت فى ذرى كثيب رمل، فلما كحلنى الوسن سمعت هاتفا يقول: يا مالك، يا مالك، لو فحصت عن مبرك العود «١» البارك، لسرّك ما هنالك، قال: فثرت وأثرت البعير عن مبركه، واحتفرت «٢» ، وإذا صنم بصورة امرأة، من صفاة صفراء كالورس، مجلوة كالمرآة، فآستخرجتها ومسحتها بثوبى ونصبتها، فاستوت قائمة، فما تمالكت أن خررت ساجدا لها، ثم قمت فنحرت البعير لها ورششتها بدمه، وسميتها غلاب، ثم حملتها على النّجيبة وأتيت بها أهلى، فحسدنى كثير من قومى عليها، وسألونى نصبها لهم ليعبدوها معى، فأبيت عليهم، فانفردت بعبادتها، وجعلت لها على نفسى كل يوم عتيرة «٣» ، وكانت لى ثلّة من الضأن فأتيت على آخرها، وأصبحت يوما وليس لى ما أعتره، وكرهت الإخلاف بنذرى، فأتيتها فشكوت إليها ذلك، فإذا هاتف من جوفها يقول: يا مال يا مال «٤» ، لا تأس على المال، سر إلى طوىّ «٥» الأرقم، فخذ الكلب الأسحم، الوالغ فى الدّم، ثم صد به نعم «٦» . قال مالك: فخرجت من فورى إلى طوىّ الأرقم، فإذا كلب أسحم هائل المنظر، قد وثب على قرهب- يعنى ثورا وحشيا- فصرعه وأنا أنظر إليه، ثم بقر بطنه، وجعل يلغ فى دمه، قال: فتهيبته، ثم أقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته لم يلتفت إلىّ، فشددت فى عنقه حبلا، ثم جذبته فتبعنى، فأتيت راحلتى فأثرتها، وقدتها إلى

стр. 6290

القرهب، فأنختها وجررته وحملته عليها، ثم قدتها قاصدا إلى الحىّ، والكلب يلوذ بى فعنّت لى ظبية، فجعل الكلب يثب ويجاذبنى المرس» ، فتردّدت فى إرساله ثم أرسلته، فمرّ كالسهم حتى اختطفها، فأتيته فجاذبته إياها فأرسلها فى يدى، فاستفزنى السّرور، وأتيت أهلى فعترت الظبية لغلاب، ووزعت لحم القرهب، وبتّ بخير ليلة، ثم باكرت به الصّيد، فلم يفته حمار، ولا ما طله ثور، ولا اعتصم منه وعل، ولا أعجزه ظبى، فتضاعف سرورى به، وبالغت فى إكرامه، وسميته سحاما، فلبث بذلك ما شاء الله، فإنى لذات يوم أصيد به، فبصرت بنعامة على أدحيّها «٢» ، وهى قريبة منى، فأرسلته عليها، فأجفلت أمامه، واتّبعتها على فرس جواد، فلما كاد الكلب يثب عليها، انقضّت عليه عقاب من الجوّ فكر راجعا نحوى فصحت به فما كذّب «٣» ، وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها، ونزلت العقاب أمامى على صخرة، وقالت: سحام، قال الكلب: لبّيك، قالت: هلكت الأصنام، وظهر الإسلام، فأسلم تنج بسلام، وإلا فليست بدار مقام. ثم طارت العقاب، وتبصّرت سحاما فلم أره، وكان آخر عهدى به. ومنه مما يشبه هذه القصة ما روى عن قتادة عن عبد الله بن أبى ذباب «٤» عن أبيه، أنه قال: كنت مولعا بالصيد، وكان لنا صنم اسمه فرّاض، كنت كثيرا

стр. 6291

ما أذبح له، ولم أكن أتخذ جارحا للصيد إلّا رمى بآفة، قلّما أدخل الحىّ صيدا حيّا؛ لأنى كنت لا أدركه إلا وقد أشفى على الهلاك، فلمّا طال بى ذلك أتيت فرّاضا، فعترت له عتيرة، ولطّخته من دمها، وقلت: فرّاض أشكو نكد «١» الجوارح ... من طائر ذى مخلب ونابح وأنت للأمر الشّديد الفادح «٢» ... فافتح فقد أسهلت المفاتح فأجابنى مجيب من الصّنم؛ فقال: دونك كلبا جارحا مباركا ... أعدّ للوحش سلاحا شابكا «٣» يفر حزون الأرض والدّ كادكا «٤» قال: فانقلبت إلى خبائى، فوجدت به كلبا خلاسيّا «٥» بهيما «٦» عظيما؛ أهرت «٧» الشّدقين، شابك الأنياب، شئن «٨» البراثن، أشعر مهول المنظر، فصفرت به فأتانى، فلاذ بى وبصبص «٩» ، فسميته حياضا «١٠» ، فاتخذت له مربطا بإزاء فراشى وأكرمته، ثم خرجت به إلى الصيد، فإذا هو أبصر بالصّيد منّى، وكان لا يثبت له شىء من الوحش، فقلت فيه: حياض إنك مأمول منافعه ... وقد جعلتك موقوفا لفرّاض

стр. 6292

وكنت أعتر لفرّاض من صيده، وأقرى الضّيف، فلم أزل به من أوسع العرب رحلا «١» ، وأكثرها ضيفا، إلى أن ظهر رسول الله ﷺ ، فنزل بى ضيف كان زار رسول الله ﷺ ، وسمع منه القرآن، فحدّثنى عنه، ورأيت حياضا كأنه ينصت لحديثه، ثم إنّى غدوت أقتنص بحياض، فجعل يجاذبنى ويأبى أن يتبعنى فأجذبه وأمسحه، إلى أن عنّ لى تولب- يعنى جحشا من حمير الوحش- قال: فأرسلته عليه فقصده، حتى إذا قلت قد أخذه حاد عنه، فساءنى ذلك، ثم أرسلته على رأل- يعنى فرخ نعامة- فصنع مثل ذلك، ثم أرسلته على بقرة، ثم على خشف «٢» ، كل ذلك لا يأتى بخير، فقلت: ألا ما لحياض يحيد كأنما ... رأى الصّيد ممنوعا بزرق اللهاذم «٣» قال: فأجابنى هاتف لا أراه: يحيد لأمر لو بدا لك عينه ... لكنت صفوحا عاذلا غير لائم قال: فأخذت الكلب وانكفأت راجعا، فإذا شخص إنسان عظيم الخلق، قد ركب حمارا وحشيا، فتربع على ظهره، وهو يساير شخصا مثله راكبا على قرهب، وخلفهما عبد أسود يقود كلبا عظيما بساجور «٤» ، فأشار أحد الراكبين إلى حياض وأنشد: ويلك يا حياض لم تصيد ... اخنس وحد عمّا حوته البيد «٥» الله أعلى وله التوحيد ... وعبده محمد السّديد سحقا لفرّاض وما يكيد ... قد ظلّ لا يبدى ولا يعيد

стр. 6293

قال: فملئت رعبا، وذلّ «١» الكلب فما يرفع رأسا، وأتيت أهلى مغموما كاسف البال، فبتّ أتململ على فراشى، ثم خفتّ من آخر الليل فإذا نغمة «٢» ، ففتحت عينى فرأيت الكلب الذى كان الأسود يقوده، وإذا حياض يقول له: أحسب صاحبى يقظان، قال: فتناومت، ثم قصدنى فتأمّلنى ورجع إليه، فقال: قد نام، فلا عين ولا سمع، قال: أرأيت العفريتين؟ وسمعت ما قالا، قال حياض: نعم، قال: إنهما قد أسلما واتبعا محمدا، وقد سلّطا على شياطين الأوثان، فما يتركان لوثن شيطانا، وقد عذّبانى عذابا شديدا، وأخذا علىّ موثقا ألّا أقرب وثنى، وأنا خارج إلى جزائر الهند، فما رأيك لنفسك؟ قال حياض: ما أمرنا إلا واحد، وذهبا، فقمت أنظر فلا عين ولا أثر، فلما أصبحت أخبرت قومى بما رأيت وسمعت، وقلت لهم: تخيروا من ينطلق معى إلى هذا النبى من حلمائكم وخطبائكم؛ فقالوا لى: أترغب عن دين آبائك؟ فقلت لهم: إذا كرهتم شيئا كرهته، فما أنا إلا واحد منكم، ثم انسللت منهم فكسرت الصنم، ثم قصدت المدينة فأتيتها ورسول الله ﷺ يخطب، فجلست بإزاء منبره فعقّب خطبته بأن قال: «بإزاء منبرى رجل من سعد العشيرة، قدم علينا راغبا فى الإسلام، ولم يرنى ولم أره إلا ساعتى هذه، ولم أكلّمه ولم يكلّمنى قطّ، وسيخبركم خبرا عجيبا» ونزل فصلّى، ثم قال: «ادن يا أخا سعد العشيرة» فدنوت فقال: «أخبرنا عن حياض وفرّاض وما رأيت وسمعت» قال: فقمت على قدمىّ وقصصت القصّة، والمسلمون يسمعون، فسرّ النبىّ ﷺ ، ودعانى إلى الإسلام، وتلا علىّ القرآن فأسلمت، وقلت فى ذلك: تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى ... وخلّفت فرّاضا بدار هوان شددت عليه شدّة فتركته ... كأن لم يكن والدّهر ذو حدثان

стр. 6294

رأيت له كلبا يقوم بأمره ... فهدّد بالتّنكيل والرّجفان ولما رأيت الله أظهر دينه ... أجبت رسول الله حين دعانى وأصبحت للإسلام ما عشت ناصرا ... وألقيت فيه كلكلى وجرانى فمن مبلغ سعد العشيرة أننى ... شريت الذى يبقى بما هو فانى وقد تقدم فى خبر وفد سعد العشيرة ذكر هذه الأبيات، وأنها لذباب، وأنه الذى كسر الصّنم، إلا أنه لم يذكر البيت الذى فيه ذكر الكلب «١» ، والله تعالى أعلم. ومنه: ما روى أن ربيعة بن أبى براء، قال أخبرنى خالى فقال: لما أظهر الله علينا رسوله ﷺ بحنين انشعبنا فى كل مشعب، لا يلوى حميم على حميم، فبينا أنا فى بعض الشّعاب، رأيت ثعلبا قد تحوّى «٢» عليه أرقم، والثعلب يعدو عدوا شديدا، فانتحيت «٣» له بحجر فما أخطأه، وانتهيت إليه، فإذا الثعلب قد سبقنى بنفسه- أى هلك قبل أن أصل إليه- وإذا الأرقم قد تقطّع وهو يضطرب، فقمت لأنظر إليه، فهتف هاتف ما سمعت أفظع «٤» من صوته يقول: تعسا لك وبؤسا، فقد قتلت رئيسا، وورثت بئيسا «٥» ، ثم قال: يا داثر يا داثر، فأجابه مجيب من العدوة «٦» الأخرى بلبّيك لبّيك، فقال: بادر بادر، إلى بنى العذافر، وأخبرهم بما صنع الكافر، فناديت: إنى لم أشعر، وأنا عائذ بك فأجرنى. قال: كلّا، والحرم الأمين، لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد غير ربّ العالمين. قال: فناديت؛ إنّى أسلم، فقال: إن أسلمت سقط عنك القصاص، وألبثك «٧» الخلاص،

стр. 6295

وإلّا فلا مناص. قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، فقال: نجوت وهديت، لولا ذاك لرديت «١» ، فارجع من حيث جيت. قال: فرجعت أقفو أدراجى «٢» ، فإذا هو يقول: امتط السّمع «٣» الأزلّ، يعل بك التّلّ، فهناك أبو عامر «٤» يتبع الفلّ «٥» . قال: فالتفت فإذا سمع كالأسد النّهد «٦» ، فركبته ومرّ ينسل «٧» ، حتى انتهى إلى تلّ عظيم، فتوقّل «٨» فيه إلى أن تسنّمه، فأشرفت منه على خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوّبت الحدور «٩» نحوهم، فلما دنوت منهم خرج إلىّ فارس، كالفالج «١٠» الهاتج، فقال: ألق سلاحك لا أمّ لك، فألقيت سلاحى. فقال: ما أنت؟ قلت: مسلم، قال: فسلام عليك ورحمة الله، قلت: وعليك السلام والرحمة والبركة، من أبو عامر؟ قال: أنا هو، قلت: الحمد لله، قال: لا بأس عليك؛ هؤلاء إخوانك المسلمون، أما رأيتك بأعلى التّل فارسا فأين فرسك؟ قال: فقصصت عليه القصّه، فأعجبه ما سمع منى: وسرت مع القوم أقفو بهم آثار هوازن حتى بلغوا من ذلك ما أرادوه. والأخبار فى مثل ذلك كثيرة، وقد أتينا منها بما نكتفى به، فنلذكر خلاف ذلك من سيرة سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 6296

ذكر رسل رسول الله ﷺ الذين بعثهم إلى الملوك وغيرهم، وما كتب به إليهم، وما أجابوا به كانت رسل رسول الله ﷺ ، على ما أورده الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطى ﵀، أحد عشر رجلا؛ وهم: عمرو بن أمية الضّمرىّ، ودحية بن خليفة الكلبىّ، وعبد الله بن حذافة السّهمىّ، وحاطب بن أبى بلتعة اللحمىّ، وعمرو بن العاص، وسليط بن عمرو العامرىّ، وشجاع بن وهب الأسدىّ، والمهاجرين أبى أمية المخزومىّ، والعلاء بن الحضرمىّ، وأبو موسى الأشعرىّ، ومعاذ بن جبل. هؤلاء الذين أثبتهم. وقد ورد أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدى إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة «١» قتله شرحبيل بن عمرو الغسّانىّ، وبسبب قتله بعث رسول الله ﷺ سريّة مؤتة على ما قدمنا ذكره. ولعل الشيخ ﵀، إنما أثبت من الرسل من بلّغ الرسالة. وهذا لم يمهل حتى يبلّغها، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره. وقد ورد أن رسول الله ﷺ بعث غير هؤلاء، ممن نذكرهم إن شاء الله تعالى. فكان أوّل ما بعث رسول الله ﷺ الرسل فى المحرم، سنة سبع من مهاجره؛ أرسل ستّة من هؤلاء الرسل إلى ستّة ملوك، وذلك أنه ﷺ لما رجع من الحديبية فى ذى الحجة سنة خمس جهّز الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبا، فقيل له: يا رسول الله، إن الملوك لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله ﷺ يومئذ خاتما من

стр. 6297

فضّة فصّه منه، نقشه ثلاثة أسطر: «محمد» سطر «رسول» سطر «الله» سطر. وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم فى يوم واحد وذلك فى المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه رسول الله ﷺ إليهم؛ حكاه محمد بن سعد فى طبقاته بسنده. وقال أبو عبد الله محمد بن إسحق بن يسار: حدّثنى يزيد بن أبى حبيب المصرىّ أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله ﷺ إلى البلدان، وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزّهرىّ، فعرفه، وفيه: إن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه فقال لهم: «إن الله بعثنى رحمة وكافة، فأدّوا عنّى يرحمكم الله، ولا تختلفوا علىّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم» قالوا: يا رسول الله، وكيف كان اختلافهم؟ قال: «دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأمّا من قرّب «١» به فأحبّ وسلّم، وأمّا من بعّد «٢» به فكره وأبى، فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجّه إليهم» . قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثنى من أثق به عن أبى بكر الهذلىّ، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه. وساق نحو الحديث ذكر إرسال عمرو بن أمية الضّمرىّ إلى النّجاشى ملك الحبشة وإسلامه بعثه رسول الله ﷺ إلى النجاشىّ، وكتب معه كتابين، يدعوه فى أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ النجاشىّ كتاب رسول الله ﷺ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض، ثم أسلم

стр. 6298

وشهد شهادة الحقّ، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، وكتب إلى رسول الله ﷺ بإجابته، وتصديقه وإسلامه على يدى جعفر بن أبى طالب لله رب العالمين. وكان جعفر ممن هاجر إلى الحبشة كما قدّمنا ذكر ذلك. وفى الكتاب الثانى، يأمره أن يزوّجه أمّ حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدىّ، فتنصر هناك ومات، وأمره رسول الله ﷺ أن يبعث إليه من قبله من أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة وأن يحملهم، ففعل، وزوّج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة، وأصدقها أربعمائة دينار، وأمر بجهاز المسلمين وما يصلحهم، وحملهم فى سفينتين مع عمرو بن أمية، وجعل كتابى رسول الله ﷺ فى حقّ من عاج، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها. ذكر إرسال دحية بن خليفة الكلبىّ إلى قيصر ملك الروم بعثه رسول الله ﷺ إليه، وكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى- أما بعد- فإنّى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسين «١» ، ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.

стр. 6299

وبإسنادنا المتقدّم، إلى أبى عبد الله محمد بن إسمعيل بن إبراهيم البخارىّ، قال: حدّثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، قال حدّثنا شعيب، عن الزهرىّ، قال أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره، أنّ هرقل أرسل إليه فى ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، فى المدّة التى كان رسول الله ﷺ مادّ فيها أبا سفيان وكفّار قريش «١» ، فأتوه وهم بإيليا، فدعاهم فى مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبىّ؟ قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال: أدنوه منى، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إنى سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبنى فكذّبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا علىّ كذبا لكذبت عنه «٢» . ثم كان أوّل ما سألنى عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك «٣» ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطة «٤» لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر «٥» ؟ قلت: لا، ونحن منه فى مدّة «٦» لا ندرى ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمكنّى كلمة

стр. 6300

أدخل فيها شيئا «١» غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال «٢» ، ينال منا وننال منه «٣» ، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة، فقال لترجمانه: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت «٤» : لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسى «٥» بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أأشراف الناس اتّبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يريدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمّ، وسألتك أيرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإن كان ما يقول حقّا، فسيملك موضع قدمىّ هاتين، وقد

стр. 6301

كنت أعلم أنه خارج «١» ، لم أكن أظنّ أنّه منكم، فلو أنى أعلم أنّى أخلص إليه لتجشّمت «٢» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه «٣» . ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، الذى بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم» وذكره كما تقدّم. قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصّخب، وارتفعت الأصوات «٤» ، وأخرجنا، فقلت لأصحابى حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة «٥» ، إنه ليخافه ملك بنى الأصفر «٦» ، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علىّ الإسلام. قال: وكان ابن النّاطور صاحب «٧» إيلياء وهرقل أسقفا «٨» على نصارى الشام يحدّث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس «٩» ، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، فقال ابن الناطور، وكان هرقل حزّاء «١٠» : ينظر فى النّجوم، فقال لهم حين سألوه: إنى رأيت الليلة حين نظرت فى النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنّك شأنهم،

стр. 6302

واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، إذ أتى هرقل برجل، أرسل به ملك غسّان، يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا، فنظروا إليه، فحدّثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية «١» ، وكان نظيره فى العلم، وسار هرقل إلى حمص «٢» ، فلم يرم «٣» حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأى هرقل على خروج النبى ﷺ ، وأنه نبىّ، فأذن هرقل لعظماء الروم فى دسكرة «٤» له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلّقت، ثم اطّلع فقال: يا معشر الروم هل لكم فى الفلاح والرّشد؟ وأن يثبت ملككم فتبايعوا لهذا النبىّ، فحاصوا حيصة «٥» حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردّوهم علىّ، وقال: إنى قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم فقد رأيت «٦» . فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزّهرى. وقد قدّمنا من خبر هرقل فى شأن رسول الله ﷺ ، وتحقيق نبوءته عنده، فى فصل من بشّر برسول الله ﷺ ما تقف عليه هناك.

стр. 6303

ذكر إرسال عبد الله بن حذافة السّهمىّ إلى كسرى ملك الفرس بعثه رسول الله ﷺ إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا؛ قال عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ ، فقرئ عليه ثم أخذه فمزّقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «اللهم مزّق ملكه» . وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن: أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذى بالحجاز، فليأتيا بخبره. فبعث باذان قهرمانه «١» ، ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا، فقدما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى رسول الله ﷺ ، فتبسم رسول الله ﷺ ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد، وقال: «ارجعا عنى يومكما هذا حتى تأتيانى الغد فأخبركما بما أريد» فجاءاه الغد، فقال لهما: «أبلغا صاحبكما أن ربّى قد قتل ربّه كسرى فى هذه الليلة لسبع «٢» ساعات مضت منها- وهى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة- وأن الله تعالى سلّط عليه ابنه شيرويه فقتله» فرجعا إلى باذان بذلك، فأسلم هو والأبناء «٣» الذين باليمن.

стр. 6304

ذكر إرسال حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط، واسمه جريج بن مينا بعثه رسول الله ﷺ إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا فأتاه، وأوصل إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرأه، وقال خيرا، وجعل الكتاب فى حقّ من عاج، وختم عليه ودفعه إلى جاريته، وكتب إلى رسول الله ﷺ : قد علمت أن نبيا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعث إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وقد أهديت لك كسوة وبغلة تركبها. ولم يزد على هذا، ولم يسلم المقوقس، فقبل رسول الله ﷺ هديّته، وأخذ الجاريتين، وهما مارية أمّ إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وأختها شيرين، وبغلة بيضاء، لم يكن فى العرب يومئذ غيرها، وهى دلدل، وقال رسول الله ﷺ فى المقوقس: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه «١» » . قال حاطب: كان المقوقس مكرما لى فى الضّيافة، وقلّة اللّبث ببابه، وما أقمت عنده إلا خمسة أيام. وقال أبو عمر بن عبد البر: إن المقوقس أهدى لرسول الله ﷺ خصيّا اسمه مأبور، وذكر ذلك فى ترجمة مارية، ويقال: هو ابن عمّ مارية، والله أعلم. وقد ذكرنا فى (الحجّة البالغة، والأجوبة الدّامغة) ما كان بينهما من المحاورات، وذلك فى الباب الرابع عشر، من القسم الخامس، من الفنّ الثانى، فى السّفر الثّامن من هذه النسخة.

стр. 6305

ذكر إرسال شجاع بن وهب «١» الأسدى إلى الحارث بن أبى شمر قالوا: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب الأسدى، إلى الحارث بن أبى شمر الغسّانى، ملك البلقاء من أرض الشام، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا، قال شجاع: فأتيته وهو بغوطة دمشق، وهو مشغول بتهيئة الأنزال «٢» والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إنى رسول رسول الله ﷺ إليه، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا. وجعل حاجبه- وكان روميّا اسمه مرى «٣» - يسألنى عن رسول الله ﷺ ، فكنت أحدّثه عن صفته، وما يدعو إليه، فيرقّ حتى يغلبه البكاء، ويقول: إنى قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبىّ بعينه، فأنا أو من به وأصدّقه، وأخاف من الحارث أن يقتلنى، وكان يكرمنى ويحسن ضيافتى، وخرج الحارث يوما فجلس، ووضع التّاج على رأسه، فأذن لى عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه ثم رمى به، وقال: من ينتزع منّى ملكى؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، علىّ بالناس! فلم يزل يفرض «٤» حتى قام، وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى. وكتب إلى قيصر يخبره خبرى وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر: ألا تسير إليه، واله عنه، ووافنى بإيلياء. فلما جاءه جواب كتابه دعانى فقال لى: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدا، فأمر لى بمائة مثقال ذهب، ووصلنى مرى،
следующие страницы →