Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
وأبو رافع
- واسمه أسلم، وقيل؛ إبراهيم، وكان عبدا للعباس، فوهبه للنبى ﷺ ، فلما أسلم العباس بشّر أبو رافع رسول الله ﷺ بإسلامه، فأعتقه وزوّجه سلمى مولاته، فولدت له عبيد الله، وكان عبيد الله كاتبا لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه فى خلافته كلها، قيل: وخازنا أيضا.
ومات أبو رافع فى آخر خلافة عثمان بالمدينة، وقيل: فى خلافة علىّ، قيل:
وكان أبو رافع قبطيّا.
وأبو موبهبة
- وكان من مولّدى مزينة، اشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه.
ورافع «١»
- قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن ﵀: كان مولى لسعيد بن العاص، فورثه ولده، فأعتقه بعضهم وتمسّك بعضهم، فجاء رسول الله ﷺ يستعينه فوهب له، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ .
وقد حكى أبو عمر ذلك فى أحد القولين عن أبى رافع المقدّم ذكره. والله أعلم.
وفضالة
- وهو مذكور فى موالى رسول الله ﷺ ؛ قال ابن عبد البر: لا أعرفه بغير ذلك، قيل: إنه مات بالشام.
ومدعم
- أسود، وهبه لرسول الله ﷺ رفاعة بن زيد الجذامى، وهو الذى قتل بوادى القرى، وقال فيه رسول الله ﷺ : «إن الشّملة التى غلّها تشعل عليه نارا» «٢» » .
وكركرة «٣»
- وكان على بغلة النبى ﷺ وكان نوبيّا أهداه له هوذة ابن على فأعتقه.
стр. 6372
وزيد
- وهو جد «١» بلال بن يسار بن زيد.
وعبيد، وطهمان
- موليا رسول الله ﷺ ، واختلف فى طهمان، فقيل: طهمان، وقيل: طهوان، وقيل: ذكوان، وأما عبيد فروى عنه سليمان التّيمى.
ومابور
- أهداه إليه المقوقس، وقيل: كان خصيّا.
وواقد، وأبو واقد «٢» ، وهشام
، وهو الذى قال لرسول الله ﷺ :
يا رسول الله إن امرأتى لا تمنع يد «٣» لامس، قال: «طلقها» قال: إنها تعجبنى.
قال: «فاستمع بها» .
وأبو ضميرة
- قيل: اسمه سعد الحميرىّ، قال البخارى: وقيل فى اسمه غير ذلك. وكان مما أفاء الله على رسول الله ﷺ ، وهو جد حسين ابن عبد الله بن ضميرة، وقيل: وكان من العرب فأعتقه رسول الله ﷺ ، وكتب له كتابا يوصى به فهو بيد ولده، قال أبو عمر: وقدم حسين ابن عبد الله بن ضميرة على المهدى بكتاب رسول الله ﷺ بالإيصاء بأبى ضميرة وولده، فوضعه المهدى على عينيه، ووصله بثلاثمائة دينار.
وحنين
- قال أبو عمر بن عبد البر: كان عبدا وخادما للنبى ﷺ ، فوهبه لعمه العباس فأعتقه العباس قال: وقد قيل إنه مولى على بن أبى طالب، وعدّه الشيخ أبو محمد فى موالى رسول الله ﷺ .
стр. 6373
وأبو عسيب
- واسمه أحمر.
وأبو عبيدة «١» سفينة
- فكان عبد الأمّ سلمة زوج النبى ﷺ فأعتقته، واشترطت عليه أن يخدم رسول الله ﷺ مدّة حياته، فقال: لو لم تشترطى علىّ ذلك ما فارقته، وكان اسمه رباح، وقيل: عمير، وقيل: رومان.
وقيل: مهران. قال الوافدى: وقال أبو عمر: مهران مولى رسول الله ﷺ غير سفينة.
سمى رسول الله ﷺ سفينة بهذا الاسم؛ لأنه كان معه فى سفر؛ فكان كل من أعيا ألقى عليه متاعه سيفا أو ترسا، فمرّ النبى ﷺ به فقال: «أنت سفينة» وكان أسود من مولّدى الأعراب.
وأبو هند
- وهو الذى قال رسول الله ﷺ فى حقه زوجوا أبا هند وتزوجوا إليه، قال أبو محمد: ابتاعه رسول الله ﷺ منصرفه من الحديبية وأعتقه.
وأنجشة
- وكان حاديا للجمال، وهو الذى قال رسول الله ﷺ له «يا أنجشة رفقا بالقوارير «٢» » .
стр. 6374
وأنيسة
- وكان حبشيا فصيحا شهد بدرا، وأعتقه رسول الله ﷺ بالمدينة.
وأبو لبابة
- كان لبعض عمّات رسول الله ﷺ فأعتقه، وهو معدود فى موالى رسول الله ﷺ .
ورويفع
- سباه رسول الله ﷺ من هوازن فأعتقه.
وسعد
- وهو الذى روى عنه أبو عثمان النهدى. ذكره أبو عمر بن عبد البر.
هؤلاء المشهورون من موالى رسول الله ﷺ ، قال أبو محمد عبد المؤمن ﵀: وقد قيل إنهم أربعون، وزاد يوسف بن الجوزى:
أبا كندير، وسلمان الفارسى، وسالما، وسابقا- ذكره أبو عمر- خادم رسول الله ﷺ ، وزيد بن رصولا «١» ، وعبيد الله بن أسلم، ونبيه:
وقيل فيه: النّبيه، وقيل النّبيه، بضم النون وفتحها، ووردان.
وذكر أبو عمر بن عبد البر فى موالى رسول الله ﷺ جماعة أخر، منهم أبو الحمراء واسمه هلال بن الحارث، ويقال: هلال بن ظفر، وأفلح، وذكوان، وفى اسمه خلاف، وأبو عبيد، له رواية، وأبو لقيط، وأبو السّمح أياد «٢» ، وقيل: خادم رسول الله ﷺ ، وضميرة بن أبى ضميرة، قال أبو عمر:
مرّ رسول الله ﷺ بأمّ ضميرة وهى تبكى فقال: «ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية» ؟ فقالت: يا رسول الله، فرق بينى وبين ابنى، فقال رسول الله ﷺ : «لا يفرق بين والدة وولدها» ثم أرسل إلى الذى عنده ضميرة فابتاعه منه.
стр. 6375
وكيسان، أو مهران
- واسمه هرمز يكنى أبا كيسان، اختلف فيه على عطاء ابن السائب، فقيل: كيسان، وقيل: طهمان، وقيل: ذكوان، وأبو بكرة نفيع ابن مسروح، وهو ابن سميّة جارية الحارث بن كلدة الثّقفى، معدود فى موالى رسول الله ﷺ ؛ وذلك أن رسول الله ﷺ أعتقه لما نزل إليه من حصن الطّائف، وأسلم فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ فإن أبى الناس إلا أن ينسبونى فأنا نفيع بن مسروح، وكنّاه رسول الله أبا بكرة؛ لأنه تدلّى إليه من بكرة من الحصن.
وأبو سلمى
- راعى رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه حارث، فهؤلاء عشرة أخر لتكملة خمسين. والله أعلم.
ومن النساء ...
«١» : أمّ عياش «٢» ، وأميمة «٣» ؛ وأمّ رافع سلمى «٤» ، وبركة أمّ أيمن «٥» ، ومارية «٦» ، وريحانة «٧» ، وربيحة، وميمونة بنت [أبى «٨» ] عسيب، وخضرة «٩» ، ورضوى، وأمّ ضميرة «١٠» .
وذكر أبو عمر بن عبد البر أميمة لها رواية، وميمونة بنت أبى عنبسة غير ميمونة المذكورة آنفا، والله أعلم.
стр. 6376
ذكر حرّاس رسول الله ﷺ
فى غزواته، وهم ثمانية: سعد بن معاذ حرسه يوم بدر حين نام بالعريش، وذكوان بن عبد الله بن قيس، ومحمد بن مسلمة الأنصارى حرسه بأحد، والزّبير ابن العوّام حرسه يوم الخندق، وعبّاد بن بشر، وسعد بن أبى وقّاص، وأبو أيّوب الأنصارىّ حرسه بخيبر ليلة بنى بصفيّة، وبلال حرسه بوادى القرى. ولما أنزل الله تعالى: «يأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النّاس «١» » ترك عند ذلك الحرس.
ذكر كتّاب رسول الله ﷺ
وهم: أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبىّ بن كعب، وثابت بن قيس بن شمّاس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدى، وزيد بن ثابت، ومعاوية ابن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية وزيد يكتبان الوحى.
قال الشيخ الإمام الفاضل محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى الخزرجى الأندلسى ثم القرطبى رحمه الله تعالى فى كتاب الأعلام له: والعلاء بن الحضرمى، قال: وكان المداويم على الكتابة زيد ومعاوية، قال: ويقال إن معاوية لم يكتب له من الوحى شيئا، وإنما كان يكتب إلى الأطراف، وكتب له عبد الله بن سرح ثم ارتدّ، فلما كان يوم الفتح أسلم وحسن إسلامه، وذكر القضاعى: وكان الزبير ابن العوّام وجهم بن سعد يكتبان أموال الصدقة، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات.
стр. 6377
وذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية: أن كتابه ﵇ ينتهون إلى ستة وعشرين، والله أعلم.
قال: وقد قدّمنا ذكر رسله ﷺ .
ذكر رفقاء رسول الله ﷺ
النّجباء وهم اثنا عشر: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وعلىّ، وجعفر، وأبو ذرّ، والمقداد، وسلمان، وحذيفة، وابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وبلال بن رباح.
وكان على بن أبى طالب والزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة وعاصم بن «١» أبى الأقلح والمقداد، رضوان الله عليهم أجمعين يضربون الأعناق بين يديه ﷺ ، وحيث ذكرنا من سيرته ﷺ ما ذكرنا، فلنأخذ الآن فى ذكر صفاته الذاتية والمعنوية وأحواله ﷺ .
ذكر صفة رسول الله ﷺ الذاتية
قد وردت الأخبار الصحيحة والمشهورة من حديث علىّ بن أبى طالب وأنس ابن مالك وأبى هريرة والبراء بن عازب وعائشة أمّ المؤمنين وابن أبى هالة وأبى جحيفة وجابر بن سمرة وأمّ معبد «٢» وابن عباس، ومعرّض بن معيقيب وأبى الطّفيل، والعدّاء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام، وغيرهم رضوان الله عليهم: أنه كان ﷺ ربعة «٣» من القوم: لا بائن «٤» من طول، ولا تقتحمه «٥» عين من قصر،
стр. 6378
غصن بين غصنين، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مشرب حمرة، وفى رواية أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق «١» ، ولا بالآدم، له شعر رجل «٢» ، يبلغ شحمة أذنيه إذا طال، وإذا قصر إلى أنصافهما، لم يبلغ شيبه فى رأسه ولحيته عشرين شعره، كأن عنقه جيد «٣» دمية، فى صفاء الفضّة، وظاهر الوضاءة «٤» مبلج «٥» الوجه، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، حسن الخلق معتدله، لم تعبه ثجلة «٦» ولم تزر به صعلة «٧» ، وسيما قسيما «٨» ، فى عينيه دعج «٩» ، وفى بياضهما عروق رقاق حمر، وفى أشفاره غطف «١٠» ، وفى صوته صهل «١١» ، وروى صحل، وفى عنقه سطع «١٢» ، وفى لحيته كثاثة «١٣» ، إذا صمت فعليه الوقار «١٤» ، وإن تكلم سما «١٥» وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد،
стр. 6379
وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق «١» فصل: لا نزر ولا هذر «٢» كأنّ منطقه خرزات «٣» نظم ينحدرن، واسع الجبين «٤» ، أزجّ»
الحواجب فى غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى «٦» العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ «٧» ، سهل «٨» الخدّين، ضليع «٩» الفم، أشنب «١٠» ، مفلّج «١١» الأسنان، دقيق المسربة «١٢» ، من لبّته «١٣» إلى سرّته شعر يجرى كالقضيب، ليس فى بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، بادن «١٤» متماسك، سواء «١٥» سواء الصدر والبطن، سبيح «١٦» الصدر، ضخم الكراديس «١٧» ، أنور المتجرّد «١٨»
стр. 6380
عريض الصدر، طويل الزّندين، رحب الراحة، شثن «١» الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، سبط «٢» القصب، خمصان «٣» الأخمصين؛ مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا «٤» ، وفى رواية: إذا مشى يقلع- كناية عن قوّة الخطو كالذى يمشى فى طين- ويخطو تكفّيا «٥» ويمشى هونا، ذريع «٦» المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب «٧» ، وإذا التفت التفت جميعا، بين كتفيه خاتم النبوّة كأنه زرّ «٨» حجلة أو بيضة حمامة، لونه كلون جسده عليه خيلان «٩» ، كأن عرقه الّلؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر «١٠» ، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ ، قال البراء: ما رأيت من ذى لمّة «١١» في حلّة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ كأنّ الشمس تجرى فى وجهه، وإذا ضحك يتلألأ فى الجذر «١٢» ،
стр. 6381
وقال جابر بن سمرة، وقد قال له رجل كأنّ وجهه ﷺ مثل السيف، فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديرا، وكان عمر بن الخطاب ينشد قول زهير بن أبى سلمى فى هرم بن سنان:
لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المضىء لليلة «١» البدر
ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله ﷺ ، ولم يكن كذلك غيره. وفيه ﵇ يقول عمه العباس «٢» رضى الله عنه وأرضاه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل «٣»
تطيف به الهلّاك من آل هاشم ... فهم عنده فى نعمة وفضائل «٤»
وميزان حقّ لا يخيس شعيرة ... ووزّان عدل وزنه غير عائل «٥»
стр. 6382
ذكر صفة خاتم النبوّة الذى كان بين كتفى النبى ﷺ
روى عن جابر بن سمرة. وقد وصف النبى ﷺ ، فقال: ورأيت خاتمه عند كتيفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسمه، وعن أبى رمثة قال قال لى رسول الله ﷺ : «يا أبا رمثة ادن منّى امسح ظهرى» فدنوت منه «١» فمسحت ظهره، ثم وضعت أصابعى على الخاتم فغمزتها «٢» ، فقيل له: وما الخاتم؟
فقال: شعر مجتمع عند كتفيه. وعنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فالتفت فإذا خلف كتفيه مثل النّفّاخة «٣» ، قلت: يا رسول الله، إنى أداوى فدعنى حتى أبطّها «٤» وأداويها، قال: «طبّبها الذى خلقها» . وعنه من طريق آخر قلت: يا رسول الله إنى طبيب من أهل بيت أطبّاء، وكان أبى طبيبا فى الجاهلية، معروفا ذلك لنا فأذن لى فى التى بين كتفيك، فإن كانت سلعة «٥» بططتها فشفا الله نبيه؛ فقال: «لا طبيب لها إلا الله» وهى مثل بيضة الحمامة.
ذكر صفة شعر رسول الله ﷺ وطوله
روى عن أبى إسحق قال: سمعت البراء يصف شعر رسول الله ﷺ فقال: كان شعره إلى شحمة أذنيه. وعنه قال: سمعت البراء يقول:
ما رأيت أحدا من خلق الله أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله ﷺ ،
стр. 6383
إن جمّته لتضرب قريبا من منكبيه، وفى لفظ، من عاتقيه. وعن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: كان شعرا رجلا ليس بالسّبط ولا بالجعد بين أذنيه وعاتقه. وعن أنس: كان لا يجاوز شعره أذنيه، وعنه: كان إلى أنصاف أذنيه. وعن على رضى الله عنه قال:
كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة «١» ودون الجمّة. وعن أمّ هانئ قالت: رأيت فى رأس رسول الله ﷺ ضفائر أربعا. وعنها قالت:
رأيت رسول الله ﷺ قدم مكة وله أربع غدائر. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية «٢» . وعن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على قصاص «٣» شعره.
ذكر عدد شيب رسول الله ﷺ ومن قال إنه خضب
روى عن حميد الطويل قال: سئل أنس بن مالك هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: ما شانه الله بالشّيب، وما كان فيه من الشّيب ما يخضب، إنما كانت شعرات فى مقدّم لحيته، ولم يبلغ الشّيب الذى كان به عشرين شعرة.
وفى رواية عن أنس أيضا: ما كان فى رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة.
وعن جابر بن سمرة، وقد سئل عن شيب رسول الله ﷺ فقال:
كان إذا دهن رأسه لم يتبيّن، وإذا لم يدهنه تبيّن. وعن محمد بن واسع؛ قيل:
стр. 6384
يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشّيب، فقال: «شيبتنى الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
«١» وأخواتها» . وعن أبى سلمة؛ قيل: يا رسول الله، نرى فى رأسك شيبا، قال: «مالى لا أشيب وأنا أقرأ هودا وإذا الشّمس كوّرت «٢» » وفى رواية «وما فعل بالأمم قبلى» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال أبو بكر: أراك قد شبت يا رسول الله، قال: «شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشّمس كوّرت» ومن رواية «وأخواتها اقتربت السّاعة، والمرسلات وإذا الشّمس كوّرت» وفى رواية أخرى عن أنس قال قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه:
بأبى وأمى يا رسول الله، وما أخواتها «٣» ؟ قال: «الواقعة والقارعة وسأل سائل وإذا الشّمس كوّرت» هذا ما رأيناه مما ورد فى شيبه وسببه.
وأما من قال إنه خضب ﷺ
فقد روى عن عبد الله بن موهبة «٤» قال: دخلنا على أمّ سلمة رضى الله عنها، فأخرجت إلينا صرّة فيها شعر من شعر رسول الله ﷺ مخضوبا بالحنّاء والكتم «٥» . وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال: رأيت شعرا من شعره- يعنى النبى ﷺ فإذا هو أحمر، فسألت عنه فقيل لى: أحمر من الطّيب.
وعن أبى جعفر قال: شمط «٦» عارضا رسول الله ﷺ فخضبه بحنّاء وكتم،
стр. 6385
وعن أبى رمثة أنه وصف رسول الله ﷺ فقال: ذو وفرة وبها ردع «١» من حنّاء، وكان عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يصفّر لحيته بالخلوق «٢» ، ويحدّث أن رسول الله ﷺ كان يصفّر، وعن عبد الرحمن الثّمالى قال:
كان رسول الله ﷺ يغيّر لحيته بماء السّدر، ويأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم.
هذا ما أمكن إيراده من صفاته الذاتية، وسنذكر إن شاء الله بعد ذكر صفاته المعنوية، حديث هند بن أبى هالة؛ لجمعه بين صفاته الذاتية والمعنوية.
ذكر صفات رسول الله المعنوية ﷺ
وما ورد فى أكله وشربه، ونومه وضحكه وعبادته ونكاحه، وخلقه وحلمه واحتماله، وعفوه وصبره على ما يكره، وجوده وكرمه. وسخائه وسماحته، وشجاعته ومجدته، وحيائه وإغضائه، وحسن عشرته وأدبه، وبسط خلقه، وشفقته ورأفته ورحمته، ووفائه وحسن عهده، وصلته للرحم، وتواضعه وعدله وأمانته وعفّته، وصدق لهجته، ووقاره وصمته وتؤدته «٣» ، ومروءته، وحسن هديه وزهده وخوفه ربه تعالى، وطاعته له وشدة عبادته ﷺ تسليما كثيرا.
стр. 6386
فأما ما ورد فى أكله وشربه ونومه وضحكه وعبادته
فكان رسول الله ﷺ قد أخذ من الأكل والشرب بالأقل، واعتمد من ذلك على ما يمسك الرّمق ويسدّ الخلّة، وقد جاءت الأخبار الصحيحة بذلك، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما؛ لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النّهم والحرص والشّره، وقلة ذلك دليل على القناعة وملك النفس وقمع الشهوة. وقد روينا بإسناد متصل عن المقدام بن معدى كرب أن رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» . ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. وقد روى عنه ﵇ أنه كان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف؛ أى كثرة الأيدى «١» . وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لم يمتلئ جوف النبى ﷺ شبعا قط، وإنه كان فى أهله ولا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب.
قال أهل العلم: ولا يعترض على هذا بحديث بريرة، وقوله ﷺ :
«ألم أر البرمة فيها لحم» ؟ إذ لعل سبب سؤاله ظنّه اعتقادهم أنه لا يحل له، فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدّموا إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون به عليه، فصدق عليهم ظنه، وبين لهم ما جهلوه من أمره، بقوله: «هو لها صدقة ولنا هدية» . وكان جلوسه ﷺ للأكل جلوس المستوفز «٢» ، مقعيا، ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» . وفى حديث صحيح قوله ﷺ : «أما أنا فلا آكل متكئا» وليس معنى الاتّكاء
стр. 6387
عند المحققين الميل على شقّ، وإنما الاتكاء هو التمكن للأكل، والتقعدد فى الجلوس له، كالمترّبع وشبهه من تمكن الجلسات التى يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه، وكان ﷺ بخلاف ذلك.
وكان ﷺ إذا رفع الطّعام من بين يديه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين» . وفى رواية يقول: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودّع «١» ولا مستغنى عنه ربّنا» . وكان لا يأكل على خوان «٢» ، ولا يمتنع من مباح، ولا يتأنّق فى مأكل، يأكل ما وجد، إن وجد تمرا أكله، أو خبزا أكله أو شواء أكله، وإن وجد لبنا اكتفى به، ولم يأكل خبزا مرقفا «٣» ، وأكل ﷺ الخبز بالخل وقال: «نعم الإدام الخل» وأكل لحم الدجاج ولحم الحبارى «٤» .
وكان يحب الدّبّاء «٥» ويأكله، ويعجبه الذّراع من الشاة، وقال: «إن أطيب اللحم لحم الظّهر» وقال: «كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه من شجرة مباركة» وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهنّ، وأكل ﷺ خبز الشعير بالتمر، وقال:
«هذا أدم هذا» وأكل البطيخ بالرّطب والقثّاء بالرّطب والتّمر بالزّبد، وكان يحب الحلواء والعسل، وكان يشرب قاعدا، وربما شرب قائما، ويتنفس ثلاثا وإذا فضلت منه فضلة وأراد أن يسقيها بدأ بمن عن يمينه، وشرب ﷺ لبنا، وقال: «من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» وقال: «ليس شىء يجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن» .
стр. 6388
وأما نومه ﷺ
فكان قليلا، جاءت بذلك الآثار الصحيحة، وقال ﷺ : «إن عينىّ تنامان ولا ينام قلبى» وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم لأن النوم على الجانب الأيسر أهنأ؛ لهدوّ القلب وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة؛ لميلها إلى الجانب الأيسر، فيستدعى ذلك الاستثقال فيه والطول، وإذا نام النائم على الجانب الأيمن تعلق القلب وقلق، فأسرع الإفاقة ولم يغمره الاستغراق. وكان ﷺ ينام أول الليل ثم يقوم من السّحر، ثم يوتر ثم يأتى فراشه، فإذا سمع الأذان وثب، وكان إذا نام نفخ، ولا يغطّ غطيطا، وإذا رأى فى منامه ما يروعه قال: «هو الله لا شريك له» وإذا أخذ مضجعه وضع كفّه اليمنى تحت خدّه، وقال: «ربّ قنى عذابك يوم تبعث عبادك» وكان يقول: «اللهم باسمك أموت وأحيا» وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» .
وأما ضحكه ﷺ
فكان جلّه التّبسم، وربما ضحك من شىء معجب حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة ﷺ ، وأما عبارته ﷺ فكان أفصح الناس، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، يباريها فى منزع بلاغتها، وقد تقدم من كلامه فى كتبه إلى ملوك اليمن وغيرها ما يدل على ذلك، وإن كان ذلك لا يحتاج فيه إلى إقامة دليل بعد أن أنزل القرآن بلغته. وكان ﷺ إذا تكلم بيّن كلامه حتى يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه،
стр. 6389
ويخزن لسانه لا يتكلم فى غير حاجة، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، وكان يتمثّل بشىء من الشّعر ويتمثل بقوله «١» :
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وبغير ذلك، ﷺ .
وأما النكاح وما يتعلق به
فهو مما يكثر التّمدح بكثرته وذلك؛ لأنه دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية وسنة مأثورة، قال ابن عباس رضى الله عنهما: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. مشيرا إلى رسول الله ﷺ ، وقال ﷺ : «تناكحوا «٢» فإنى مباه بكم الأمم» وكان رسول الله ﷺ ممن أقدره الله تعالى على ذلك وحببه له، فكان ﷺ يدور على نسائه فى الساعة من الليل «٣» والنهار، وهنّ إحدى «٤» عشرة، رواه أنس، قال: وكنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين، خرّجه النّسائى. وعن طاوس: أعطى رسول الله ﷺ قوة أربعين رجلا فى الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم. وقالت سلمى مولاته: طاف النبى ﷺ ليلة على نسائه التسع، ويطهر من كل واحدة قبل أن يأتى الأخرى. وقال:
«هذا أطهر وأطيب» .
стр. 6390
وأما خلقه ﷺ
فقد قال الله فيه مخاطبا له ﷺ : «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»
«١» قالت عائشة رضى الله عنها: كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه، وقال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» قال علىّ وأنس رضى الله عنهما: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا. وكان ﷺ فيما ذكره المحققون- مجبولا على ذلك فى أصل خلقته وأوّل فطرته، لم يحصل ذلك له باكتساب ولا رياضة، إلا بجود إلهى وخصوصيّة ربانيّة، ومن طالع سيرته منذ صباه وإلى آخر عمره، حقّق ذلك وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
وأما حلمه واحتماله وعفوه
مع القدرة، والصبر على ما يكره، فقد جعلوا بين هذه الألقاب فرقا، فقالوا:
الحلم حالة توقير وثبات عند الأسباب المحرّكات، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر، ومعانيها متقاربة، وأما العفو فهو ترك المؤاخذة، وهذا كله مما أدّب الله تعالى به نبيه ﷺ فقال: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٢» »
روى أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها فقال له: حتى أسأل العالم، ثم ذهب فأتاه فقال: «يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك» . وقال تعالى مخاطبا له ﷺ : «وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ
стр. 6391
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «١» »
وقال: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٢» »
. وقد روى فى حلمه واحتماله وعفوه وصبره أحاديث كثيرة وقصص مشهورة، قد تقدم منها فى أخباره، فى أثناء هذه السيرة جملة كافية، ونحن نشير الآن فى هذا الموضع إليها، وننبّه فى هذه الترجمة عليها، منها قصة أحد حين ناله من أذى كفار قريش ما ناله مما قدمنا ذكره، فشق ذلك على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله، لو دعوت عليهم، فقال: «إنى لم أبعث لعّانا ولكنّى بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون» روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه قال فى بعض كلامه:
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: «ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين»
ديّارا» ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» . ومنها قصتا غورث «٤» بن الحارث، ودعثور بن الحارث حين أرادا أن يفتكا به، وأظفره الله بهما، وأمكنه منهما فعفا عنهما، كما تقدم ذكر ذلك فى غزوتى غطفان وذات الرّقاع، ومنها عفوه عن الذين هبطوا عليه فى عمرة الحديبية، وأرادوا قتله فأخذوا فأعتقهم ﷺ ، ومنها صفحه عن قريش حين أمكنه الله منهم يوم الفتح، وهم لا يشكون فى استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم؛ لما تقدم من أذاهم له، فمازاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون إنى فاعل بكم» قالوا: خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: «أقول كما قال أخى
стр. 6392
يوسف «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»
«١» . ومما لم نذكره فيما أتينا عليه من سيرته ﷺ ، ما ورد فى الحديث الصحيح من قول الرجل له: اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فلم يزده ﷺ فى جوابه إلا أن بين له ما جهله، ووعظ نفسه وذكّرها بما قال له، فقال: «ويحك فمن يعدل إن لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» ونهى من أراد قتله من أصحابه. ومنه ما روى عن أنس رضى الله عنه قال: كنت مع النبى ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابىّ بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد فى صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد، احمل لى على بعيرىّ هذين من مال الله الذى عندك، فإنك لا تحمل لى من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبىّ ﷺ ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده» ثم قال: «ويقاد «٢» منك يا أعرابى ما فعلت بى» ؟ قال: لا، قال «لم» ؟ قال:
لأنك لا تكافئ بالسّيئة السّيئة، فضحك النبى ﷺ ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر.
ومنه خبر زيد بن سعنة «٣» حين أتى رسول الله ﷺ قبل إسلامه، وكان من أحبار يهود، فجاءه يتقاضاه دينا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له، ثم قال: إنكم يا بنى عبد المطلب مطل «٤» فانتهره عمر بن الخطاب رضى الله عنه وشدّد له فى القول، والنبى ﷺ يتبسّم، فقال رسول الله
стр. 6393
صلى الله عليه وسلّم: «أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرنى بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضى» ثم قال: «لقد بقى من أجله ثلاث» وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روّعه، فكان سبب إسلامه؛ وذلك أنه كان يقول: ما بقى من علامات النبوّة شىء إلا وقد عرفتها فى محمد إلا اثنتين؟ لم أخبرهما؛ يسبق حلمه جهله «١» ، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلما؛ فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف. والحديث عن حلمه وصبره وعفوه كثير؛ روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ما لم تكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن مجاهد فى سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة. وجىء إليه برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له رسول الله ﷺ : «لن تراع «٢» لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلّط علىّ» ﷺ .
وأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته ﷺ
ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه- وسموه أيضا حرّية «٣» - وهو ضدّ النّذالة. والسّماحة: التّجافى عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس، وهو ضد الشّكاسة. والسّخاء: سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد، وهو الجود، وهو ضد التّقتير؛ فكان رسول الله ﷺ من ذلك بالمحل الأرفع، بهذا جاءت الأحاديث الصحيحة، منها ما رويناه فى صحيح البخارىّ عن ابن المنكدر
стр. 6394
قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ما سئل النبى ﷺ شيئا فقال لا.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: كان النبى ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما كان فى شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل ﵉ أجود بالخير من الرّيح المرسلة. وعن أنس أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى بلده وقال: أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى فاقة. وقد ذكرنا ما أعطاه ﷺ من غنائم هوازن.
وأخباره ﷺ فى ذلك كثيرة، وعطاياه فاشية، لو استقصيناها لطال بها التأليف، وكان لا يبيت فى بيته دينار ولا درهم. فإن فضل ولم يجد من يعطيه وفجئه «١» الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك فى سبيل الله، ثم يؤثر «٢» من قوت أهله حتى يحتاج قبل انقضاء العام؛ ﷺ تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
وأما شجاعته ونجدته ﷺ
فقد قالوا: الشّجاعة فضيلة قوة الغضب، وانقيادها للعقل، والنّجدة:
ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف؛ فكان النبى ﷺ منهما بالمكان الذى لا يجهل، قد شهد المواقف الصّعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، وقد قدّمنا من أخباره وثباته وحملاته فى يومى أحد وحنين ما تقف عليه هناك. وقد روينا بإسناد متّصل عن البراء، وقد سأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله
стр. 6395
صلى الله عليه وسلّم؟ قال: لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، ثم قال:
لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها، والنبى ﷺ يقول: «أنا النبىّ لا كذب» وزاد غيره «أنا ابن عبد المطلب» قيل: فمارىء يومئذ أحد كان أشد منه. وقال غيره: نزل النبى ﷺ عن بغلته.
وذكر مسلم عن العباس قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين «١» .
الحديث. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله ﷺ . وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: إنا كنا إذا حمى البأس- ويروى اشتدّ البأس- واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه، ولقد رأيتنى يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبى ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا.
وقيل: كان الشجاع الذى يقرب منه ﷺ إذا دنا العدوّ لقربه منه.
وعن أنس قال: كان النبىّ ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس؛ لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصّوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبراء «٢» الخبر، على فرس لأبى طلحة عرى «٣» ، والسّيف فى عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا» «٤» . وقال عمران ابن حصين: ما لقى رسول الله ﷺ كتيبة إلّا كان أول من يضرب.
стр. 6396
وأما حياؤه وإغضاؤه ﷺ
والحياء: رقّة تعترى وجه الإنسان عند فعل ما يتوقّع كراهته أو ما يكون تركه خيرا من فعله. والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته، وكان النبى ﷺ أشدّ الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء، وقد أخبر الله تعالى بحيائه فقال: «إنّ ذلكم كان يؤذى النّبىّ فيستحيى منكم» «١» وعن أبى سعيد الخدرىّ:
كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء فى خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه فى وجهه. وكان ﷺ لا يشافه أحدا بما يكره حياء وكرم نفس. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقول: «ما بال أقوام يصنعون- أو يقولون- كذا» ينهى عنه ولا يسمّى فاعله. وروى أنس رضى الله عنه أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة، فلم يقل له شيئا- وكان لا يواجه أحدا بما يكره- فلما خرج قال: «لو قلتم له يغسل هذا» ويروى «ينزعها» .
وروى عنه ﷺ أنه كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد، وأنه كان يكنى عما اضطره الكلام إليه مما يكره، ﷺ .
وأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه ﷺ
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس عشرة، وأكثرهم أدبا، وأبسطهم خلقا مع أصناف الخلق، انتشرت بذلك الأخبار الصحيحة، منها ما رويناه بسند متصل عن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله ﷺ وذكر قصة فى آخرها، فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا
стр. 6397
ووطّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ ، ثم قال سعد: يا قيس، أصحب رسول الله ﷺ ، قال قيس: فقال لى رسول الله ﷺ «اركب» فأبيت، فقال: «إما أن تركب وإما أن تنصرف» فانصرفت، وفى رواية أخرى: «اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدّمها» . وكان ﷺ لا يدع أحدا يمشى معه وهو راكب حتى يحمله، فإن أبى قال:
«تقدّمنى إلى المكان الذى تريد» وركب ﷺ حمارا عريا إلى قباء، وأبو هريرة معه، فقال: «يا أبا هريرة أحملك» ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» وكان فى أبى هريرة ثقل، فوثب ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ فوقعا جميعا، ثم ركب ﷺ فقال:
«يا أبا هريرة أحملك» ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» فلم يقدر على ذلك، فتعلق برسول الله ﷺ فوقعا جميعا، ثم قال:
«يا أبا هريرة أحملك» ؟ فقال: لا، والذى بعثك بالحق لا صرعتك ثالثا. وكان لا يدع أحدا يمشى خلفه ويقول: «خلوا ظهرى للملائكة» . وكان رسول الله ﷺ يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويعطى كلّ جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده فى الحق سواء، هكذا وصفه ابن أبى هالة، قال: وكان دائم البشر سهل الخلق ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب «١» ولا فحّاش،
стр. 6398
ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه. وكان ﷺ يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كراعا «١» ، ويكافئ عليها، قال أنس:
خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لى أفّ قطّ، وما قال لشىء صنعته لم صنعته، ولا لشىء تركته لم تركته، ومن رواية أخرى عنه قال: خدمته نحوا من عشر سنين فو الله ما صحبته فى سفر ولا حضر لأخدمه إلا وكانت خدمته لى أكثر من خدمتى له، وما قال لى أفّ قطّ، ولا قال لشىء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشىء لم أفعله ألّا فعلت كذا؟. وكان ﷺ فى بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة فقال رجل: يا رسول الله، علىّ ذبحها، وقال آخر: علىّ سلخها، وقال آخر: علىّ طبخها، فقال رسول الله ﷺ : «وعلىّ جمع الحطب» قالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك، فقال: «علمت أنكم تكفونى ولكنى أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه» وقام فجمع الحطب.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال: «لبيك» وكان يمازج أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم فى حجره، ويجيب دعوة الحرّ والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى فى أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر، قال أنس: ما التقم «٢» أحد أذن رسول الله ﷺ فينحّى رأسه حتى يكون الرجل هو الذى ينحّى رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدى جليس له، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم يرقط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيّق بهما على
стр. 6399
أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التى تحته، ويعزم عليه فى الجلوس عليها إن أبى، ويكنّى أصحابه، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوّز فيقطعه بنهى أو قيام، ويروى:
بانتهاء أو قيام، ويروى: أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفّف صلاته وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد، إلى صلاته، وكان أكثر الناس تبسّما، وأطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب.
وأما شفقته ورأفته ورحمته ﷺ لجميع الخلق
فقد أخبر الله تعالى بذلك ووصفه بهذه الأوصاف؛ فقال تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ «١» بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ»
وقال تعالى: «٢» وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين» فكان من شفقته على أمته ﷺ تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم؛ كقوله ﷺ : «لولا أن أشقّ على أمتى لأمرتهم بالسّواك مع كل وضوء» وخبر صلاة «٣» الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهيته دخول الكعبة لئلا يعنت «٤» أمّته، ورغبته لربه أن يجعل سبّه ولعنه لهم رحمة، وأنه كان يسمع بكاء الصّبى فيتجوّز «٥» فى صلاته. ومن شفقته ﷺ أن دعا ربه وعاهده فقال: «أيّما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة «٦» وطهورا وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» . ومن ذلك أنه لما كذّبه قومه أتاه جبريل ﵇ فقال له:
стр. 6400
إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلّم عليه، فقال: مرنى بما شئت، إن شئت أن أطبق «١» عليهم الأخشبين، قال النبى ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا» . وروى ابن المنكدر: أن جبريل ﵇ قال للنبى ﷺ : إن الله أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك، فقال: «أؤخّر عن أمتى لعل الله أن يتوب عليهم» . ومن ذلك ما روى أنه ﷺ قال: «لا يبلغنى أحد منكم عن أحد من أصحابى شيئا، فإنى أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» . وقال ابن مسعود: كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا «٢» بالموعظة مخافة السّآمة علينا، ﷺ تسليما كثيرا.
وأما وفاؤه وحسن عهده وصلته للرحم ﷺ
فكان ﷺ قد بلغ من ذلك الغاية التى لا يدرك شأوها، ولا يبلغ مداها، ولا يطمع طامع سواه بالاتّصاف بها، جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، من ذلك ما رويناه بإسناد متّصل عن عبد الله بن أبى الحمساء قال: بايعت النبى ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها فى مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو فى مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت علىّ أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» . وعن أنس رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ إذا أتى بهدية قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحبّ خديجة» . وعن عائشة
стр. 6401
أمّ المؤمنين رضى الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة؛ لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها «١» ، واستأذنت عليه أختها فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها، وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد «٢» من الإيمان» .
وقال رسول الله ﷺ : «إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء غير أن لهم رحما سأبلّها ببلالها «٣» » . وعن أبى قتادة قال: وفد وفد للنجاشى، فقام النبى ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال: «إنهم لأصحابنا مكرمين وإنى أحبّ أن أكافئهم» . ولما جىء بالشّيماء أخته من الرضاعة فى سبايا هوزان وتعرفت له، بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت أقمت عندى مكرّمة محبّة أو متّعتك ورجعت إلى قومك» فاختارت قومها فمتعها. وقال أبو الطّفيل: رأيت النبى ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت من هذه؟ قالوا: أمه التى أرضعته. وعن عمرو «٤» بن السائب أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرّضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه. وكان يبعث إلى ثوبية مولاة أبى لهب مرضعته بصلة وكسوة، فلما ماتت سأل من بقى من قرابتها فقيل: لا أحد. وفى حديث خديجة رضى الله عنها
стр. 6402
أنها قالت له ﷺ فى ابتداء النبوّة: أبشر فو الله لا يخزيك «١» الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ «٢» ، وتكسب «٣» المعدوم، وتقرى الضّيف، وتعين على نوائب «٤» الحقّ.
وأما تواضعه ﷺ مع علوّ منصبه ورفعة مرتبته
فكان ﷺ أشدّ الناس تواضعا، وأقلهم كبرا، وقد جاء أنه خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا، فاختار أن يكون نبيّا عبدا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشقّ الأرض عنه، وأول شافع. ومما رويناه بسند متّصل عن أبى أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكّئا على عصا، فقمنا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضا» . وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيث ما انتهى به المجلس جلس، وعن أنس: أن امرأة كان فى عقلها شىء جاءته فقالت: إن لى إليك حاجة، قال: «اجلسى يا أمّ فلان فى أى طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضى حاجتك» قال: فجلست فجلس النبى ﷺ إليها حتى فرغت من حاجتها. قال أنس: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ وعليه قطيفة ما تساوى أربعة دراهم، فقال:
стр. 6403
«اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» . هذا وقد أهدى فى حجه ذلك مائة بدنة، ولما فتحت عليه مكة دخلها وقد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد يمسّ قادمته تواضعا لله تعالى.
ومن تواضعه ﷺ أنه لما دخل مكة جاءه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه بأبيه ليسلم فقال: «لم عنّيت «١» الشيخ يا أبا بكر ألا تركته حتى أكون أنا آتيه فى منزله» وقد تقدّم ذكر ذلك فى الفتح. وعن عائشة والحسن وأبى سعيد وغيرهم رضى الله عنهم، فى صفته ﷺ ، وبعضهم يزيد على بعض، أنه كان ﷺ فى بيته فى مهنة «٢» أهله، يفلى «٣» ثوبه، ويحلب شاته، ويرقّع ثوبه، ويخصف «٤» نعله، ويخدم نفسه، ويقمّ «٥» البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه «٦» ، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ويحمل بضاعته من السّوق. وعن أنس:
أن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضى حاجتها. ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له: «هوّن عليك فإنى لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «٧» .
وعن أبى هريرة قال: دخلت السّوق مع النبى ﷺ فاشترى سراويل، وقال للوزّان «زن وأرجح» وذكر القصّة، قال: فوثب إلى يد النبى ﷺ يقبّلها فجذب يده، وقال: «هذا يفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما
стр. 6404
أنا رجل منكم» ثم أخذ السّراويل فذهبت لأحمله فقال: «صاحب الشىء أحق بشيئه أن يحمله» . وقد ذكر الأمين العاصمىّ بعض ذلك فى قصيدة له فقال:
يا جاعلا سنن النبى ... شعاره ودثاره «١»
متمسّكا بحديثه ... متتبّعا أخباره
سنن الشّريعة خذ بها ... متوسّما «٢» آثاره
وكذا الطريقة فاقتبس ... فى سبلها أنواره
قد كان يقرى «٣» ضيفه ... كرما ويحفظ جاره
ويجالس المسكين يؤ ... ثر قربه وجواره
الفقر كان رداءه ... والجوع كان شعاره
يلقى بغرّة «٤» ضاحك ... مستبشرا زوّاره
بسط الرّداء كرامة ... لكريم قوم زاره
ما كان مختالا ولا ... مرحا «٥» يجرّ إزاره
قد كان يركب بالرّدد ... فمن الخضوع حماره
فى مهنة «٦» هو أو صلا ... ة ليله ونهاره
فتراه يحلب شاة من ... زله ويوقد ناره
ما زال كهف مهاجري ... هـ ومكرما أنصاره
برّا بمحسنهم مقي ... لا للمسىء عثاره
يهب الذى تحوى يداه ... لطالب إيثاره
стр. 6405
زكّى عن الدنيا الدّن ... يّة ربّه مقداره
جعل الإله صلاته ... أبدا عليه نثاره «١»
فاختر من الأخلاق ما ... كان الرسول اختاره
لتعدّ سنّيّا وتو ... شك أن تبوّأ «٢» داره
وأما عدله وأمانته وعفّته وصدق لهجته ﷺ
فكان ﷺ أعدل الناس، وآمن الناس، وأعفّ الناس، وأصدق الناس لهجة منذ كان، وكان يسمى قبل نبوّته الأمين، وقد قال ﷺ :
«والله إنى لأمين فى السماء أمين فى الأرض» وقد صدّقه عداه فى مواطن كثيرة تقدّم ذكرها، وقد قدّمنا قوله ﷺ للرجل: «ويحك إن لم أعدل فمن يعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» . وقال ابن خالويه: جزّأ رسول الله ﷺ نهاره ثلاثة أجزاء: جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامّة، ويقول: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغى فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع أمّنه الله يوم الفزع الأكبر» . وعن الحسن قال: كان رسول الله ﷺ «لا يأخذ أحدا بقرف «٣» أحد ولا يصدّق أحدا على أحد» ﷺ ، ولم تمس يده امرأة قطّ لا يملك رقّها أو نكاحها أو تكون ذات محرم» .
стр. 6406
وأما وقاره وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه ﷺ
فقد روينا بإسناد متّصل عن خارجة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ أوقر الناس فى مجلسه لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه. وروى أبو سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس فى المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا «١» . وعن جابر بن سمرة: أنه تربّع، وربما جلس القرفصاء «٢» ، وكان كثير السّكوت، لا يتكلم فى غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسّما وكلامه فصلا «٣» لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم توقيرا له واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «٤» فيه الحرم، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطّير. وفى صفته: يخطو تكفّؤا «٥» ويمشى هونا «٦» كأنما ينحطّ من صبب. «٧»
وفى الحديث الآخر: «إذا مشى مشى مجتمعا، يعرف فى مشيته أنه غير غرض ولا وكل؛ أى غير ضجر ولا كسلان. وقال عبد الله بن مسعود: إنّ أحسن الهدى هدى محمد ﷺ . وعن جابر بن عبد الله: كان فى كلام رسول الله ﷺ ترتيل «٨» أو ترسيل، قال ابن أبى هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم،
стр. 6407
والحذر، والتقدير، والتفكر. وقالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يحدث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان ﷺ يحب الطّيب والرائحة الحسنة ويحض عليها ويقول: «حبّب إلى من دنياكم النّساء، والطّيب وجعلت قرّة عينى فى الصلاة» . ومن مروءته ﷺ نهيه عن النفخ فى الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلى، والأمر بالسّواك، وإنقاء البراجم «١» والرّواجب، واستعمال خصال الفطرة «٢» . ﷺ تسليما كثيرا أبدا دائما إلى يوم الدين، آمين.
وأما زهده فى الدنيا ﷺ
فحسبك من ذلك أنه ﷺ توفّى ودرعه مرهونة عند يهودىّ فى نفقة عياله، بعد أن فتح الله عليه من الفتوحات ما ذكرناه، وآتاه من الأخماس والصفايا «٣» ما قدمناه، فآثر «٤» بذلك كله، وكان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا «٥» » وسنذكر إن شاء الله تعالى فى أحواله ما ناله من شدّة العيش والجوع ما تقف عليه هناك.
قالت عائشة رضى الله عنها: لقد مات رسول الله ﷺ وما فى بيتى شىء يأكله ذو كبد إلا شطر «٦» شعير فى رفّ لى، وقال لى: «إنّى عرض علىّ أن تجعل لى
стр. 6408
بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا يا ربّ أجوع يوما وأشبع يوما، فأمّا اليوم الذى أجوع فيه فأتضرّع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذى أشبع فأحمدك وأثنى عليك» .
وفى حديث آخر: «إن جبريل ﵇ نزل عليه فقال له: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك حيثما كنت؟» فأطرق ساعة ثم قال: «يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لا عقل له» فقال له جبريل: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت.
ﷺ .
وأما خوفه ربّه، وطاعته له، وشدّة عبادته ﷺ
فكان ذلك على قدر علمه بربه ﵎؛ ولذلك قال فيما رويناه بسند متصل عن سعيد بن المسيّب: إن أبا هريرة كان يقول قال رسول الله ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . ومن رواية عن أبى عيسى الترمذىّ عن أبى ذرّ: «إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء «١» وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله واضع جبهته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذّذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات «٢» تجأرون إلى الله، لوددت أنى شجرة تعضد «٣» » . روى هذا الكلام: «وددت أنى شجرة تعضد» من قول أبى ذر
стр. 6409
نفسه وهو أصح. وفى حديث آخر: صلّى رسول الله عليه وسلّم حتى انتفخت قدماه. وفى رواية: كان يصلى حتى ترم قدماه، فقيل له أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟، قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» .
وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله ﷺ ديمة «١» ، وأيّكم يطيق ما كان يطيق. وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وكان ﷺ يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه فى شعبان. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام فصلى فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمرّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوّذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول: «سبحان ذى الجبروت والملكوت والعظمة» ثم سجد، وقال مثل ذلك، ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وعن حذيفة مثله، وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه، وقال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله بن الشّخّير قال: أتيت رسول الله ﷺ ولجوفه أزيز كأزيز «٢» المرجل. وقال ابن أبى هالة: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة. وقال ﷺ : إنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة، وروى سبعين مرة. وعن علىّ
стр. 6410
ابن أبى طالب رضى الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن سنته فقال: «المعرفة رأس مالى، والعقل أصل دينى، والحبّ أساسى، والشوق مركبى، وذكر الله أنيسى، والثقة كنزى، والحزن رفيقى، والعلم سلاحى، والصّبر زادى، والرّضا غنيمتى، والعجز فحرى، والزهد حرفتى، واليقين قوتى، والصدق شفيعى، والطاعة حسبى «١» ، والجهاد خلقى، وقرّة عينى فى الصلاة» . وفى حديث آخر: «وثمرة فؤادى فى ذكره، وغمّى لأجل أمتى، وشوقى إلى ربى» . ولنصل هذه الفصول التى شرحناها فى صفاته المعنوية ﷺ بما ورد من طيب ريحه، وعرقه، وما يجرى هذا المجرى.
ذكر نبذة مما ورد فى نظافة جسمه، وطيب ريحه، وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد ﷺ
كان رسول الله ﷺ قد خصّه الله من ذلك بخصائص لم توجد فى غيره، ومنحه منحا لم تكن فى سواه؛ من ذلك ما رويناه عن مسلم ابن الحجاج بإسناده، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ما شممت عنبرا قطّ ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ . وعن جابر ابن سمرة أنه ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنّما أخرجها من جونة «٢» عطّار. قال غيره: مسّها بطيب أو لم يمسّها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبىّ فيعرف من بين الصبيان بريحها. وروى أن رسول الله ﷺ نام فى دار أنس فعرق، فجاءت أمّ أنس بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله ﷺ عن ذلك
следующие страницы →