← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

وأما وقاره وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه ﷺ فقد روينا بإسناد متّصل عن خارجة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ أوقر الناس فى مجلسه لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه. وروى أبو سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس فى المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا «١» . وعن جابر بن سمرة: أنه تربّع، وربما جلس القرفصاء «٢» ، وكان كثير السّكوت، لا يتكلم فى غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسّما وكلامه فصلا «٣» لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم توقيرا له واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «٤» فيه الحرم، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطّير. وفى صفته: يخطو تكفّؤا «٥» ويمشى هونا «٦» كأنما ينحطّ من صبب. «٧» وفى الحديث الآخر: «إذا مشى مشى مجتمعا، يعرف فى مشيته أنه غير غرض ولا وكل؛ أى غير ضجر ولا كسلان. وقال عبد الله بن مسعود: إنّ أحسن الهدى هدى محمد ﷺ . وعن جابر بن عبد الله: كان فى كلام رسول الله ﷺ ترتيل «٨» أو ترسيل، قال ابن أبى هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم،

стр. 6407

والحذر، والتقدير، والتفكر. وقالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يحدث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان ﷺ يحب الطّيب والرائحة الحسنة ويحض عليها ويقول: «حبّب إلى من دنياكم النّساء، والطّيب وجعلت قرّة عينى فى الصلاة» . ومن مروءته ﷺ نهيه عن النفخ فى الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلى، والأمر بالسّواك، وإنقاء البراجم «١» والرّواجب، واستعمال خصال الفطرة «٢» . ﷺ تسليما كثيرا أبدا دائما إلى يوم الدين، آمين. وأما زهده فى الدنيا ﷺ فحسبك من ذلك أنه ﷺ توفّى ودرعه مرهونة عند يهودىّ فى نفقة عياله، بعد أن فتح الله عليه من الفتوحات ما ذكرناه، وآتاه من الأخماس والصفايا «٣» ما قدمناه، فآثر «٤» بذلك كله، وكان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا «٥» » وسنذكر إن شاء الله تعالى فى أحواله ما ناله من شدّة العيش والجوع ما تقف عليه هناك. قالت عائشة رضى الله عنها: لقد مات رسول الله ﷺ وما فى بيتى شىء يأكله ذو كبد إلا شطر «٦» شعير فى رفّ لى، وقال لى: «إنّى عرض علىّ أن تجعل لى

стр. 6408

بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا يا ربّ أجوع يوما وأشبع يوما، فأمّا اليوم الذى أجوع فيه فأتضرّع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذى أشبع فأحمدك وأثنى عليك» . وفى حديث آخر: «إن جبريل ﵇ نزل عليه فقال له: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك حيثما كنت؟» فأطرق ساعة ثم قال: «يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لا عقل له» فقال له جبريل: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت. ﷺ . وأما خوفه ربّه، وطاعته له، وشدّة عبادته ﷺ فكان ذلك على قدر علمه بربه ﵎؛ ولذلك قال فيما رويناه بسند متصل عن سعيد بن المسيّب: إن أبا هريرة كان يقول قال رسول الله ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . ومن رواية عن أبى عيسى الترمذىّ عن أبى ذرّ: «إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء «١» وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله واضع جبهته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذّذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات «٢» تجأرون إلى الله، لوددت أنى شجرة تعضد «٣» » . روى هذا الكلام: «وددت أنى شجرة تعضد» من قول أبى ذر

стр. 6409

نفسه وهو أصح. وفى حديث آخر: صلّى رسول الله عليه وسلّم حتى انتفخت قدماه. وفى رواية: كان يصلى حتى ترم قدماه، فقيل له أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟، قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» . وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله ﷺ ديمة «١» ، وأيّكم يطيق ما كان يطيق. وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وكان ﷺ يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه فى شعبان. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام فصلى فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمرّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوّذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول: «سبحان ذى الجبروت والملكوت والعظمة» ثم سجد، وقال مثل ذلك، ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وعن حذيفة مثله، وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه، وقال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله بن الشّخّير قال: أتيت رسول الله ﷺ ولجوفه أزيز كأزيز «٢» المرجل. وقال ابن أبى هالة: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة. وقال ﷺ : إنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة، وروى سبعين مرة. وعن علىّ

стр. 6410

ابن أبى طالب رضى الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن سنته فقال: «المعرفة رأس مالى، والعقل أصل دينى، والحبّ أساسى، والشوق مركبى، وذكر الله أنيسى، والثقة كنزى، والحزن رفيقى، والعلم سلاحى، والصّبر زادى، والرّضا غنيمتى، والعجز فحرى، والزهد حرفتى، واليقين قوتى، والصدق شفيعى، والطاعة حسبى «١» ، والجهاد خلقى، وقرّة عينى فى الصلاة» . وفى حديث آخر: «وثمرة فؤادى فى ذكره، وغمّى لأجل أمتى، وشوقى إلى ربى» . ولنصل هذه الفصول التى شرحناها فى صفاته المعنوية ﷺ بما ورد من طيب ريحه، وعرقه، وما يجرى هذا المجرى. ذكر نبذة مما ورد فى نظافة جسمه، وطيب ريحه، وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد ﷺ كان رسول الله ﷺ قد خصّه الله من ذلك بخصائص لم توجد فى غيره، ومنحه منحا لم تكن فى سواه؛ من ذلك ما رويناه عن مسلم ابن الحجاج بإسناده، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ما شممت عنبرا قطّ ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ . وعن جابر ابن سمرة أنه ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنّما أخرجها من جونة «٢» عطّار. قال غيره: مسّها بطيب أو لم يمسّها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبىّ فيعرف من بين الصبيان بريحها. وروى أن رسول الله ﷺ نام فى دار أنس فعرق، فجاءت أمّ أنس بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله ﷺ عن ذلك

стр. 6411

فقالت: نجعله فى طيبنا وهو من أطيب الطّيب. وذكر البخارى فى تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبىّ ﷺ يمرّ فى طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه. وذكر إسحق بن راهويه: أن تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ . وروى المزنىّ «١» عن جابر قال: أردفنى النبى ﷺ فالتقمت خاتم النبوّة بفمى وكان ينمّ علىّ مسكا. ونقل القاضى عياض بن موسى قال: حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله ﷺ أنه كان إذا أراد أن يتغوّط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة. وأسند محمد بن سعد فى هذا خبرا عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت للنبىّ ﷺ : إنك تأتى الخلاء ولا يرى منك شىء من الأذى. فقال: «يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شىء» قال القاضى عياض: وهذا الخبر وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة الحدثين منه ﷺ . ومن ذلك حديث علىّ بن أبى طالب فى الوفاة وسنذكره إن شاء الله تعالى. وقد جاء عن أمه آمنة أنها قالت: ولدته نظيفا ما به قذر. ﷺ . ولنختم هذه الفصول بحديث هند بن أبى هالة لجمعه بين صفاته ﷺ الذاتية والمعنوية. والله أعلم. ذكر حديث هند بن أبى هالة وما تضمن من أوصاف رسول الله ﷺ الذاتية والمعنوية حدّثنا الشيخان المحدّثان شرف الدّين أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن يعقوب الحلبىّ، وزين الدين أبو محمد عبد الحقّ بن قينان بن عبد المجيد القرشىّ- رحمهما الله- قراءة عليهما وأنا أسمع فى شهر رجب عام ثمانية وسبعمائة، قالا: حدّثنا الشيخ

стр. 6412

أبو الحسن محمد بن أبى علىّ الحسين بن عتيق بن رشيق الرّبعى المالكى سماعا فى شوّال سنة ثمان وستين وستمائة بمصر، وبقراءة الشيخ زين الدين الثانى على الشيخ نظام الدين الحسين بن محمد بن الحسن بن الخليلى، وبإجازتهما من الحافظ أبى الحسين يحيى ابن على بن عبد الله القرشىّ، وتاج الدين على بن أحمد بن القسطلانىّ، قالوا أخبرنا أبو الحسين محمد بن أبى جعفر أحمد بن جبير الكنانى، قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى التميمىّ إجازة، قال أخبرنا القاضى أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبىّ رحمه الله تعالى، قال ابن القسطلانىّ: وأخبرنا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء إجازة، قال أخبرنا أبو الفضل عياض إجازة، قال القاضى أبو الفضل حدّثنا القاضى أبو على الحسين بن محمد الحافظ ﵀ بقراءتى عليه سنة ثمان وخمسمائة، قال حدّثنا الإمام أبو القاسم عبد الله ابن طاهر التميمىّ، قال قرأت عليه: أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن الحسن النيسابورىّ، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدىّ، والقاضى أبو علىّ الحسن بن على بن جعفر الوخشىّ «١» ، قالوا: حدّثنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعىّ، قال أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشى، قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ؛ قال حدّثنا سفيان بن وكيع، قال حدّثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلىّ إملاء من كتابه، قال حدّثنى رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، يكنى أبا عبد الله عن ابن لأبى هالة عن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال سألت خالى هند بن أبى هالة. قال القاضى أبو علىّ ﵀: وقرأت على الشيخ أبى طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد بن خذاداذ الكرخى الباقلّانى، قال

стр. 6413

وأجاز لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، قالا أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسىّ، قراءة عليه، فأقرّ به، قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى ابن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب المعروف بابن أخى طاهر العلوى، قال حدّثنا إسمعيل بن محمد ابن إسحق بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، قال: حدّثنى على بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، عن أخيه موسى بن جعفر ابن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن على، عن على بن الحسين قال قال الحسن بن على- واللفظ لهذا السند-: سألت خالى هند بن أبى هالة عن حلية «١» رسول الله ﷺ ، وكان وصّافا، وأنا أرجو أن يصف لى منها شيئا أتعلق به، قال: كان رسول الله ﷺ فخما «٢» مفخّما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب «٣» ، عظيم الهامة «٤» ، رجل «٥» الشعر، إن انفرقت عقيقته «٦» فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفّر، أزهر «٧» اللون، واسع الجبين «٨» ، أزجّ «٩» الحواجب، سوابغ «١٠» من غير قرن، بينهما عرق

стр. 6414

يدرّه «١» الغضب، أقنى «٢» العرنين، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشمّ «٣» ، كثّ «٤» اللحية، أدعج «٥» ، سهل الخدّين، ضليع «٦» الفم، أشنب «٧» مفلّج «٨» الأسنان، دقيق المسربة «٩» ، كأنّ عنقه جيد دمية «١٠» في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، «١١» سواء البطن والصّدر، مشيح «١٢» الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس «١٣» ، أنور المتجرد «١٤» ، موصول ما بين اللّبّة والسّرة بشعر يجرى كالخطّ، عارى الثديين «١٥» ، ما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن «١٦» الكفّين والقدمين، سائل «١٧» الأطراف، أو قال سائن الأطراف، سبط القصب «١٨» ،

стр. 6415

خمصان «١» الأخمصين، مسيح «٢» القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال «٣» زال تقلّعا، ويخطو تكفّؤا «٤» ، ويمشى «٥» هونا، ذريع «٦» المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب «٧» ، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة «٨» ، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام. قلت: صف لى منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، وليست له راحة، ولا يتكلم فى غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه «٩» ، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا «١٠» لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا «١١» ليس بالجافى «١٢» ولا المهين، يعظّم النّعمة وإن دقّت، لا يذمّ شيئا لم يكن يذمّ ذواقا ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحقّ بشىء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلها، وإذا تعجب

стр. 6416

قلبها، وإذا تحدّث اتصل «١» بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح «٢» ، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم، ويفترّ «٣» عن مثل حبّ الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين بن على زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقنى إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول الله ﷺ ومخرجه ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا، قال الحسين: سألت أبى- ﵇ عن دخول رسول الله ﷺ ، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له فى ذلك، فكان إذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى، وجزء لأهله، وجزء لنفسه. ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيردّ ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته فى جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، قسمته على قدر فضلهم فى الدّين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذى ينبغى لهم، ويقول: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة» لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره. قال فى حديث سفيان بن وكيع: «يدخلون روّادا «٤» ، ولا يتفرّقون إلا عن ذواق «٥» ، ويخرجون أدلة «٦» » ، يعنى فقهاء، قلت: فأخبرنى عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، قال:

стр. 6417

كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلّفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم وبولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره وخلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عما فى الناس، ويحسّن الحسن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملّوا؛ لكل حال عنده عتاد «١» ، لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطّن «٢» الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهى به المجلس ويأمر بذلك، ويعطى كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا، وصاروا عنده فى الحقّ متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى. وفى الرواية الأخرى: صاروا عنده فى الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى «٣» فلتاته- وهذه الكلمة من غير الروايتين- يتعاطفون،

стр. 6418

بالتقوى متواضعين، يوقّرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، ويرفدون «١» ذا الحاجة ويرحمون الغريب. فسألته عن سيرته ﷺ فى جلسائه، فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب «٢» ولا فحاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أوّلهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة فى المنطق، ويقول: «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه» ولا يطلب الثناء «٣» إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام. هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع. وزاد الآخر؛ قلت: كيف كان سكوته ﷺ ؟ قال: كان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكّر، فأما تقديره ففى تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم ﷺ فى الصبر، فكان لا يغضبه شىء يستفزّه. وجمع له فى الحذر أربع: أخذه بالحسن، ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأى بما أصلح أمّته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. ﷺ . فهذه جملة كافية من أوصافه ﷺ ، فلنذكر أحواله.

стр. 6419

ذكر أحوال رسول الله ﷺ فى دنياه، وما ناله من شدّة العيش فيها، وما روى من أحواله فى تطيّبه ولباسه وفراشه، ووسادته، وتختّمه وتنعّله، وخفّيه. وسواكه، ومشطه، ومكحلته ومرآته وقدحه، وما ورد فى حجامته، وما ملكه من السّلاح والدّواب وغير ذلك. ﷺ أما ما ناله ﷺ من شدة العيش فى دنياه فقد تقدّم من صفاته المعنوية زهده فى الدنيا وتقلّله منها، وأحلنا هناك على ما نورده فى هذا الموضع. وسنورد منه ما تقف عليه إن شاء الله. فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ كان يبيت الليالى المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير. وعن أنس بن مالك أن فاطمة رضى الله عنها جاءت بكسرة خبز إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما هذه الكسرة» ؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسى حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام» . وعن أبى هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان يشدّ صلبه بالحجر من الغرث» «١» . وعن مسروق قال: بينهما عائشة تحدّثنى ذات يوم إذ بكت؛ فقلت: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ قالت: ما ملأت بطنى من طعام فشئت أن أبكى إلا بكيت؛ أذكر رسول الله ﷺ وما كان فيه من الجهد. وعنه قال: دخلت على عائشة أمّ المؤمنين وهى تبكى، فقلت: يا أمّ المؤمنين ما يبكيك؟ قالت: ما أشبع فأشاء أن أبكى إلا بكيت؛

стр. 6420

وذلك أن رسول الله ﷺ كان يأتى عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز برّ. وعنها رضى الله عنها قالت: ما شبع آل محمد غداء وعشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق بالله. ومن رواية عنها: ما رفع عن مائدته كسرة فضلا حتى قبض. وعن أبى هريرة قال: كان يمرّ بآل رسول الله ﷺ هلال، ثم هلال، ثم هلال، لا يوقد فى شىء من بيوته نار، لا لخبز ولا لطبيخ، قالوا: بأى شىء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: بالأسودين التمر والماء. قال: وكان له جيران من الأنصار- جزاهم الله خيرا- لهم منائح» يرسلون إليه بشىء من لبن. وعن الحسن قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «والله ما أمسى فى آل محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات» والله ما قالها استقلالا لرزق الله، ولكن أراد أن تأسّى به أمته. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ فى يوم مرتين حتى لحق بالله، ولا رفعنا له فضل طعام عن شبع حتى لحق بالله، إلا أن نرفعه لغائب. فقيل لها: ما كانت معيشتكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر. قالت: وكان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب «٢» يسقونا من لبنها؛ جزاهم الله خيرا. وعن ابن شهاب: أن أبا هريرة كان يمرّ بالمغيرة بن الأخنس وهو يطعم الطعام، فقال: ما هذا الطعام؟ قال: خبز النّقىّ «٣» واللحم السّمين، قال: وما النّقىّ؟ قال: الدقيق. فتعجب أبو هريرة ثم قال: عجبا لك يا مغيرة! رسول الله ﷺ قبضه

стр. 6421

الله ، وما شبع من الخبز والزيت فى يوم مرتين، وأنت وأصحابك تهذرون «١» ها هنا الدنيا بينكم. وعن قتادة قال: كنا نأتى أنس بن مالك وخبّازه قائم، فقال يوما: كلوا فما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّفا «٢» حتى لحق بربه، ولا شاة سميطا «٣» قطّ. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما اجتمع فى بطن النبىّ ﷺ طعامان فى يوم قطّ، إن أكل لحما لم يزد عليه، وإن أكل تمرا لم يزد عليه، وإن أكل خبزا لم يزد عليه. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: أرسل أبو بكر رضى الله عنه قائمة شاة ليلا فقطعت، وأمسك علىّ رسول الله ﷺ ، أو قطع رسول الله ﷺ وأمسكت عليه، فقيل لها: على غير مصباح؟ قالت عائشة: لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به، كان يأتى على آل محمد شهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا. وعن عمران بن زيد المدينى قال: حدّثنى والدى، قال: دخلنا على عائشة، فقلنا: سلام عليك يا أمّاه، قالت: وعليك، ثم بكت، فقلنا: ما بكاؤك يا أمّاه؟ قالت: بلغنى أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء، فذكرت نبيكم ﷺ ، فذلك الذى أبكانى، خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه فى يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وإن شبع من الخبز لم يشبع من التمر، فذلك الذى أبكانى. وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ توفّى يوم توفّى، ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود يوسق من شعير. وسئل سهل بن سعد:

стр. 6422

أكانت المناخل على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: ما رأيت منخلا فى ذاك الزمان، وما أكل رسول الله ﷺ الشعير منخولا حتى فارق الدنيا. فقيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نطحنها ثم ننفخ قشرها، فيطير ما طار ويستمسك ما استمسك. وعن الأعرج، عن أبى هريرة أن النبىّ ﷺ كان يجوع، قال قلت لأبى هريرة: وكيف ذلك الجوع؟ قال: لكثرة من يغشاه وأضيافه، وقوم يلزمونه لذلك، فلا يأكل طعاما أبدا إلا ومعه أصحابه وأهل الحاجة يتتبعون من المسجد، فلما فتح الله تعالى خيبر اتّسع الناس بعض الاتساع، وفى الأمر بعد «١» ضيق، والمعاش شديد فى بلاد ظف «٢» ، لا زرع فيها، إنما طعام أهلها التمر وعلى ذلك أقاموا. قال مخرمة بن سليمان: وكانت جفنة سعد تدور على رسول الله ﷺ منذ يوم نزل المدينة فى الهجرة إلى يوم توفّى، وغير سعد بن عبادة من الأنصار يفعلون ذلك. وكان أصحاب رسول الله ﷺ كثيرا يواسون، ولكن الحقوق تكثر والعدّام «٣» يكثرون، والبلاد ضيقة ليس فيها معاش، إنما تخرج ثمرتهم من ماء ثمد «٤» يحمله الرجال على أكتافهم، أو على الإبل، والإبل أقل ذلك، وربما أصاب نخلهم القشام «٥» فتذهب ثمرتهم تلك السنة، والقشام: شىء يصيب البلح مثل الجدرى فينتثر؛ فهذه كانت حاله ﷺ فى عيشه فى غالب أوقاته، وهى سنّة الأنبياء صلوات الله عليهم.

стр. 6423

وأما تطيبه ﷺ فكان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب، وكان يتطيب بالغالية «١» وبالمسك، حتى يرى وبيصه «٢» في مفارقه، ويتبخّر بالعود ويطرح معه الكافور، وكان يعرف فى الليلة المظلمة بطيب ريحه ﷺ . وأما لباسه ﷺ وما روى من ألوانه وأصنافه وطوله وعرضه فقد روى أنه ﷺ كان يتجمّل لأصحابه، فضلا عن تجمّله لأهله، ويقول: «إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّا لهم ويتجمّل» ولبس ﷺ من الثياب البياض والحمرة والصّفرة والخضرة والسّواد. أما البياض وما جاء فيه- فقد روى عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بالبياض من الثياب فليلبسها أحياؤكم وكفّنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم» وفى رواية عنه «البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا فيها موتاكم» . وعن أبى قلابة قال قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أحبّ ثيابكم إلى الله البياض، فصلّوا فيها وكفّنوا فيها موتاكم» . وأما الثياب الحمر- فروى عن البراء قال: ما رأيت أحدا كان أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله ﷺ . وعنه: ما رأيت من ذى لمّة «٣» أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله ﷺ . وعن عون بن أبى جحيفة عن أبيه

стр. 6424

قال: أتيت النبىّ ﷺ بالأبطح، وهو فى قبّة حمراء، فخرج وعليه جبّة له حمراء وحلّة عليه حمراء. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يلبس يرده الاحمر «١» في العيدين والجمعة. وعن أبى جعفر محمد بن علىّ أن رسول الله ﷺ كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر؛ ويعتمّ «٢» يوم العيدين، ﷺ تسليما كثيرا. وأما الثياب الصّفر- فقد روى عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له غسلا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسيّة «٣» فاشتمل بها، فكأنى أنظر إلى أثر الورس على عكنه «٤» . وعن بكر بن عبد الله المزنى قال: كانت لرسول الله ﷺ ملحفة مورّسة، فإذا دار على نسائه رشّها بالماء. وعن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: ربما صبغ لرسول الله ﷺ قميصه ورداؤه وإزاره بزعفران وورس، ثم يخرج فيها. وعن عبد الله بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه بالزعفران: قميصه ورداءه وعمامته. وعن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه رداء وعمامة مصبوغين بالعبير «٥» ، والعبير عندهم الزّعفران. وعن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة.

стр. 6425

وأما الثياب الخضر- فقد روى أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثياب الخضر. وعن أبى رمثة قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه بردان أخضران. والله المنعم. وأما السّواد وما ورد فيه- فقد روى عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء. وعن حريث عن أبيه أن النبى ﷺ خطب الناس، وعليه عمامة سوداء، هذا ما وقفنا عليه من ألوان لباسه ﷺ . فأما أصناف لباسه ﷺ وطولها وعرضها، فإنه ﵊ لبس الصوف والحبرة والقطن، ولبس السّندس «١» والحرير، ثم تركه، وورد فى ذلك أخبار نذكر منها ما أمكن. أما الصوف وما ورد فيه- فقد روى عن أبى بردة قال: دخلت على عائشة رضى الله عنها فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه الملبّدة، فأقسمت أن رسول الله ﷺ قبض فيهما. وعنها رضى الله عنها قالت: جعل للنبىّ ﷺ بردة سوداء من صوف فلبسها. وعن سهل بن سعد: قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فيها حاشيتاها. قال سهل: وتدرون ما البردة؟ قالوا: الشّملة، قال: نعم، هى الشّملة، فقالت: يا رسول الله، نسجت هذه البردة بيدى فجئت بها أكسوكها، قال: فأخذها رسول الله ﷺ محتاجا إليها، فخرج علينا وإنها لإزاره، فحسّنها فلان- لرجل من القوم سماه- فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه البردة!

стр. 6426

أكسنيها، فقال: «نعم» فجلس ما شاء الله فى المجلس ثم رجع، فلما دخل رسول الله ﷺ طواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، كسيها رسول الله ﷺ محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد علمت أنه لا يرد سائلا! فقال الرجل: والله ما سألته إياها لألبسها، ولكن لتكون كفنى يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه. وأما الحبرة وهى من برود اليمن فيها حمرة وبياض فكانت من أحبّ اللباس إلى رسول الله ﷺ . وروى عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك: أىّ اللباس كان أحبّ وأعجب إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: الحبرة. وعن محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبى ﷺ من حبرة له حاشيتان. وأما السّندس والحرير- فإن رسول الله ﷺ لبس ذلك ثم تركه. روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله ﷺ مستقة «١» من سندس فلبسها، فكأنّى أنظر إلى يديها تذبذبان «٢» من طولها. فجعل القوم يقولون: يا رسول الله، أنزلت عليك من السماء؟ فقال: «وما تعجبون منها، فو الذى نفسى بيده إن منديلا من مناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها» ثم بعث بها إلى جعفر بن أبى طالب فلبسها، فقال النبى ﷺ : «إنى لم أعطكها لتلبسها» قال: فما أصنع بها؟ قال: «ابعث بها

стр. 6427

إلى أخيك النجاشى» . وعن عقبة بن عامر قال: أهدى إلى رسول الله ﷺ فرّوج- يعنى قباء حرير- فلبسه، ثم صلّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له، ثم قال: «لا ينبغى هذا للمتقين» . وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ صلّى فى خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما سلّم قال: «اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم فإنها ألهتنى آنفا عن صلاتى وأتونى بأنجبانىّ «١» أبى جهم» . وأما القطن وما ورد فى أطوال ثياب رسول الله ﷺ وعرضها فروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كنت يوما أمشى مع رسول الله ﷺ وعليه برد بحرانىّ «٢» غليظ الحاشية. وعنه: كان قميص رسول الله ﷺ قطنيا قصير الطول قصير الكمّين. وعن بديل «٣» قال: كان كمّ رسول الله ﷺ إلى الرّسغ. وعن عروة بن الزبير رضى الله عنهما: أن طول رداء النبى ﷺ أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر.

стр. 6428

وعنه: أن ثوب رسول الله ﷺ الذى كان يخرج فيه إلى الوفد- ورداؤه حضرمىّ- طوله أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق، فطووه بثوب يلبسونه يوم الأضحى والفطر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يلبس قميصا قصير اليدين والطول. وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: كنت مع عمر، فى حديث رواه عنه قال فقال: رأيت أبا القاسم وعليه جبّة شاميّة ضيقة الكمّين. ذكر صفة إزرة رسول الله ﷺ وما كان يقوله إذا لبس ثوبا جديدا روى عن يزيد بن أبى حبيب أن رسول الله ﷺ كان يرخى الإزار من بين يديه، ويرفعه من ورائه. وعن عكرمة مولى ابن عباس، قال: رأيت ابن عباس إذا ائتزر أرخى مقدّم إزاره، حتى تقع حاشيتاه على ظهر قدميه؛ ويرفع الإزار مما وراءه، فقلت له: لم تأتزر هكذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يأتزر هذه الإزرة. وعن أبى سعيد الخدرىّ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوبا سمّاه باسمه؛ قميصا أو إزارا أو عمامة، ويقول: «اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» . وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: كان رسول الله ﷺ «إذا لبس ثوبا- أو قال- إذا لبس أحدكم ثوبا فليقل الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى، وأتجمّل به فى حياتى» . وكان ﷺ يلبس الكساء الصوف وحده فيصلى فيه، وربما ليس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفيه بين كتفيه يصلى فيه. وكان يلبس القلانس

стр. 6429

تحت العمائم، ويلبسها دونها [ويلبس العمائم «١» دونها] ويلبس القلانس ذات الآذان فى الحرب، وربما نزع قلنسوته، وجعلها سترة بين يديه وصلّىّ إليها، وربما مشى بلا قلنسوة ولا عمامة ولا رداء، راجلا يعود المرضى كذلك فى أقصى المدينة. وكان يعتمّ ويسدل طرف عمامته بين كتفيه. وعن علىّ أنه قال: عمّمنى رسول الله ﷺ بعمامة، وسدل طرفها على منكبى، وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين» . ذكر فراش رسول الله ﷺ ووسادته روى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، قالت: دخلت امرأة من الأنصار علىّ فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنيّة، فانطلقت فبعثت إلىّ «٢» بفراش حشوه صوف، فدخل رسول الله ﷺ علىّ فقال: «ما هذا» ؟ قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصارية، دخلت علىّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت هذا. فقال: «ردّيه» فلم أردّه، وأعجبنى أن يكون فى بيتى، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: «والله يا عائشة لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» . وعنها: أنها كانت تفرش لرسول الله ﷺ عباءة باثنتين «٣» فجاء ليلة وقد ربّعتها فنام عليها، فقال: «يا عائشة ما لفراشى الليلة ليس كما كان يكون» ؟ قالت قلت: يا رسول الله، ربّعتها، قال: «فأعيديه كما كان» . وعنها قالت: كان لرسول الله ﷺ وسادة من أدم محشوّة ليفا، ودخل عمر بن الخطاب رضى الله عنه على رسول الله ﷺ وهو على سرير

стр. 6430

مرمول «١» بشريط، وتحت رأسه مرفقة «٢» من أدم محشوّة بليف، وقد أثّر الشّريط بجنبه، فبكى عمر، فقال: «ما يبكيك» ؟ قال: يا رسول الله، ذكرت كسرى وقيصر يجلسون على سرر الذّهب ويلبسون السّندس والإستبرق، فقال: «أما ترضون أن تكون لكم الآخرة ولهم الدنيا» . وعن عبد الله بن مسعود قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر الحصير بجلده، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه وأقول: يا رسول الله، ألا آذنتنا نبسط لك على هذا الحصير شيئا يقيك منه؟ فقال رسول الله ﷺ : «مالى وللدنيا، وما أنا والدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ، وعن المغيرة ابن شعبة قال: كان لرسول الله ﷺ فروة، وكان يستحب أن تكون له فروة مدبوغة يصلى عليها، وكان رسول الله ﷺ يصلى على الحصير والخمرة «٣» ، كما روى فى الصحيحين. ذكر ما لبسه رسول الله ﷺ من الخواتم، ومن قال لم يتختّم قد قدّمنا أن رسول الله ﷺ اتخذ الخاتم فى سنة سبع من الهجرة عند ما بعث رسله إلى الملوك، وختم به الكتب التى سيّرها إليهم؛ فلنذكر هنا ما لبسه من الخوانم. وقد روى أنه تختم بالذهب والفضة والحديد الملوىّ عليه الفضة، على ما نذكر ذلك من أقوالهم.

стр. 6431

روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يجعل فصّه فى بطن كفه إذا لبسه فى يده اليمنى؛ فصنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس رسول الله ﷺ على المنبر فنزعه، وقال: «إنى كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصّه من باطن كفى» فرمى به، وقال: «والله لا ألبسه أبدا» ونبذ النبى ﷺ الخاتم، فنبذ الناس خواتيمهم. ثم اتخذ خاتما من فضّة فصّه منه، ونقش عليه «محمد رسول الله» ثلاثة أسطر، كان يختم به الكتب إلى الملوك. وقد روى أن خاتمه كان من حديد، ملوىّ عليه فضّة، وقيل: إنه رآه فى يد عمرو بن سعيد بن العاص حين قدم من الحبشة فقال: «ما هذا الخاتم فى يدك يا عمرو» ؟ قال: هذه حلقة يا رسول الله، قال: «فما نقشها» ؟ قال: محمد رسول الله، فأخذه رسول الله ﷺ منه فتختمه، فكان فى يده حتى قبض، ثم فى يد أبى بكر حتى قبض، ثم فى يد عمر حتى قبض، ثم فى يد عثمان ستّ سنين، وفى السابعة وقع فى بئر أريس «١» . قال أنس ابن مالك: فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام فلم نقدر عليه. وروى عن ابن سيرين: أن نقشه كان «بسم الله، محمد رسول الله» . وقد روى محمد بن سعد فى طبقاته قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقىّ، قال حدّثنا عطّاف بن خالد، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبى فروة، عن سعيد بن المسيّب، قال: ما تختم رسول الله ﷺ حتى لقى الله، ولا أبو بكر حتى لقى الله، ولا عمر حتى لقى الله، ولا عثمان حتى لقى الله، هكذا روى. والصحيح أنه تختّم ﷺ ، وتختموا رضوان الله عليهم أجمعين كما ذكرنا.

стр. 6432

ذكر نعل رسول الله ﷺ وخفّيه روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه: أن النبى ﷺ كان لنعله قبالان «١» . وعن عبد الله بن الحارث قال: كان نعل رسول الله ﷺ لها رمالان «٢» شراكهما مثنىّ فى العقدة. وعن سلمة عن هشام بن عروة قال: رأيت نعل رسول الله ﷺ مخصّرة «٣» معقّبة ملسّنة لها قبالان. وعن عبيد ابن جريح قال قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، أراك تستحب هذه النّعال السّبتيّة «٤» ، قال: إنى رأيت رسول الله ﷺ يلبسهما ويتوضأ فيهما. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن صاحب الحبشة أهدى إلى رسول الله ﷺ خفّين ساذجين «٥» فمسح عليهما، وفى رواية: أن النجاشى أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين أسودين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما. ذكر سواك رسول الله ﷺ ، ومشطه، ومكحلته، ومرآته، وقدحه، وغير ذلك من أثاثه روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان لا يرقد ليلا ولا نهارا فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوضأ. وعن قتادة عن

стр. 6433

عكرمة قال: استاك رسول الله ﷺ بجريد رطب وهو صائم، فقيل لقتادة: إن أناسا يكرهونه، فقال: استاك والله رسول الله ﷺ بجريد رطب وهو صائم. وعن ابن جريج قال: كان لرسول الله ﷺ مشط عاج «١» يمتشط به. وعن ثور عن خالد «٢» بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ يسافر بالمشط والمرآة والدّهن والمكحل «٣» والسّواك. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه، ويسّرح لحيته بالماء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت لرسول الله ﷺ مكحلة «٤» يكتحل بها عند النوم ثلاثا فى كل عين. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يكتحل فى عينه اليمنى ثلاث مرات، واليسرى مرتين. وعن أبى رافع قال: كان رسول الله ﷺ يكتحل بالإثمد وهو صائم. وعن عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- قال قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، وإنه من خير أكحالكم» . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أهدى المقوقس إلى رسول الله ﷺ قدح زجاج، كان يشرب فيه. وعن عطاء قال: كان لرسول الله ﷺ قدح زجاج، فكان يشرب فيه. وعن حميد قال: رأيت قدح

стр. 6434

النبى ﷺ عند أنس فيه فضّة، أو شدّ بفضّة. وقد جاء أنه ﷺ كان له ربعة «١» فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض «٢» وسواك. وكان له قدح مضبّب «٣» بثلاث ضبّات من فضّة- وقيل من حديد- وفيه حلقة يعلّق بها، وهو أكبر من نصف المدّ وأصغر من المدّ، وكان له قدح آخر يدعى الرّيّان، وتور «٤» من حجارة يدعى المخضب. ومخضب «٥» من شبه «٦» يكون فيه الحنّاء والكتم «٧» توضع عند رأسه إذا وجد فيه حرا، ومغسل من صفر «٨» ، وقصعة، وصاع يخرج به فطرته، ومدّ، وكان له سرير، وقطيفة، وكان له كساء أسود كساه فى حياته، وكان له ثوبان للجمعة، غير سائر ثيابه التى يلبسها فى سائر الأيام، وكان له منديل يمسح به وجهه من الوضوء، وربما مسح بطرف ردائه ﷺ . ذكر ما ورد فى حجامة رسول الله ﷺ وحجّامه روى عن أنس بن مالك قال: احتجم رسول الله ﷺ ، وحجمه أبو طيبة، وأمر له بصاعين؛ وأمرهم أن يخفّفوا عنه من ضريبته. واختلف فى اسم أبى طيبة، فقيل: دينار، وقيل: نافع، وقيل: ميسرة، وهو مولى

стр. 6435

بنى حارثة. وعن جابر بن عبد الله قال: أخرج «١» إلينا أبو طيبة المحاجم لثمان عشرة من شهر رمضان نهارا، فقلت: أين كنت؟ قال: كنت عند رسول الله ﷺ أحجمه. وعن أنس قال: احتجم رسول الله ﷺ ، حجمه أبو طيبة مولى كان لبعض الأنصار، فأعطاه صاعين من طعام، وكلّم أهله أن يخفّفوا عنه من ضريبته، وقال: «الحجامة من أفضل دوائكم» . وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم، فغشى عليه يومئذ، فلذلك: كرهت الحجامة للصائم. وعن سمرة بن جندب قال: كنت عند رسول الله ﷺ فدعا حجّامه فحجمه بمحاجم من قرون، وجعل يشرطه بطرف شفرة، فدخل أعرابىّ فرآه ولم يكن يدرى الحجامة، ففزع وقال: يا رسول الله، علام تعطى هذا يقطع جلدك؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا الحجم» قال: يا رسول الله، وما الحجم؟ قال: «هو خير ما تداوى به الناس» . وعن عطاء وابن عباس- رضى الله عنهم- قالا: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم من وجع. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحتجم ثلاثا، على الأخدعين «٢» ثنتين، وعلى الكاهل واحدة. وعن سعد ابن أبى وقاص: أنه وضع يده على المكان الناتئ من الرأس فوق اليافوخ، فقال: هذا موضع محجم رسول الله ﷺ الذى كان يحتجم، وجاء أن رسول الله ﷺ كان يسميها المغيثة. وكان خالد بن الوليد يحتجم

стр. 6436

على هامته وبين كتفيه، فقيل له: ما هذه الحجامة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ كان يحتجمها، وقال: «من أهراق منه هذه الدماء فلا يضره ألّا يتداوى بشىء لشىء» . وروى: أن الأقرع بن حابس دخل على النبىّ ﷺ وهو يحتجم فى القمحدوة: وهى آخر الرأس، فقال: لم احتجمت وسط رأسك؟ قال: «يابن حابس إن فيها شفاء من وجع الرأس والأضراس والنعاس والمرض» وشك الراوى فى الجنون. وعن أنس قال قال رسول الله ﷺ : «الحجامة فى الرأس هى المغيثة أمرنى بها جبريل حين أكلت طعام اليهودية» . وعنه قال قال رسول الله ﷺ : «ليلة أسرى بى ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا يا محمد مر أمتك بالحجامة» . وعن معقل بن يسار قال قال رسول الله ﷺ : «الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة فى الشهر دواء لداء السّنة» . وقد كان ﷺ يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين. وعن الأوزاعى، عن هرون بن رئاب: أن رسول الله ﷺ احتجم، ثم قال لرجل: «ادفنه لا يبحث عنه كلب» . ذكر ما ملكه رسول الله ﷺ من السلاح كان لرسول الله ﷺ تسعة أسياف: ذو الفقار تنفّله «١» يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا فى غزوة أحد، وكان قبل رسول الله ﷺ لمنبّه بن الحجاج السّهمى، وثلاثة أسياف، أصابها من سلاح بنى قينقاع، سيف

стр. 6437

قلعىّ «١» ، وسيف يدعى البتّار «٢» ، وسيف يدعى الحتف «٣» ، وسيفان أصابهما من الفلس «٤» ، سيف يدعى المخذم «٥» ، وآخر يدعى الرّسوب «٦» ، وسيف ورثه من أبيه «٧» ، وسيف يقال له العضب «٨» ، أعطاه إياه سعد بن عبادة، وآخر يدعى القضيب «٩» ، وهو أوّل سيف تقلّد به رسول الله ﷺ ، قال أنس: كان نعل سيف رسول الله ﷺ فضّة، وقبيعته فضّة «١٠» ، وما بين ذلك حلق الفضّة. وكان له ﷺ أربعة أرماح، ثلاثة أصابها من سلاح بنى قينقاع، وواحد يقال له المثنىّ. وكان له عنزة: وهى حربة دون الرّمح يمشى بها فى يده، وتحمل بين يديه فى العيدين، حتى تركز أمامه فيتخذها سترة يصلى إليها. وكان له أربعة «١١» قسى: قوس من شوحط «١٢» تدعى الرّوحاء، وأخرى من شوحط تدعى البيضاء، وأخرى

стр. 6438

من نبع «١» تدعى الصّفراء، وقوس تدعى الكتوم «٢» كسرت يوم بدر. وكان له جعبة «٣» تدعى الكافور، وكان له مخصرة «٤» تسمى العرجون، وكان له محجن «٥» قدر الذراع أو نحوه يتناول به الشىء، وهو الذى استلم به الرّكن «٦» في حجة الوداع، وكان له درعان أصابهما من سلاح بنى قينقاع: درع يقال لها السّعدية «٧» ، وأخرى يقال لها فضة. وعن محمد بن مسلمة قال: رأيت على رسول الله ﷺ يوم أحد درعين، درعه ذات الفضول، ودرعه فضّة، ورأيت عليه يوم حنين درعين، ذات الفضول والسّعدية، ويقال: كانت عنده درع داود ﵇ التى لبسها لما قتل جالوت، وكان له مغفر يقال له السّبوغ «٨» ، وكان له ﷺ ترس؛ روى محمد بن سعد فى طبقاته قال: أخبرنا عتّاب بن زياد، قال حدّثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال سمعت مكحولا يقول: كان لرسول الله ﷺ ترس فيه تمثال رأس كبش، فكره رسول الله ﷺ مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى. وفى رواية أخرى: كان له ﷺ ترس عليه تمثال عقاب، أهدى له فوضع يده عليه فأذهبه الله، وكان له منطقة من أديم مبشور «٩» فيها ثلاث حلق من

стр. 6439

فضّة، والإبزيم «١» من فضّة، والطّرف من فضّة، وكان له راية سوداء مخملة، يقال لها العقاب، ولواء أبيض وربما جعل الألوية من خمر نسائه ﷺ ، ورضى عنهنّ. ذكر دوابّ رسول الله ﷺ من الخيل والبغال والحمير أما خيله ﷺ ، فقد ذكرنا فى الباب الأول من القسم الثالث من الفنّ الثالث من كتابنا هذا، وهو فى السّفر التاسع من هذه النّسخة، أن خيل رسول الله ﷺ التى ملكها، على ما ظهر من مجموع الروايات التى أوردناها هناك تسعة عشر فرسا: وهى السّكب «٢» ، والمرتجز «٣» ، والبحر «٤» ، وسبحة «٥» ، وذو اللّمّة «٦» ، وذو العقال «٧» ، والّلحيف «٨» ، ويقال فيه: الّلخيف بالخاء المعجمة، وقيل: النّحيف بالنون، واللّزاز «٩» ، والظّرب «١٠» ، والورد «١١» ، والسّجل «١٢» ، والشّحّا «١٣» ، والسّرحان «١٤» ،

стр. 6440

والمرتجل «١» ، والأدهم «٢» ، وملاوح «٣» ، والعيسوب «٤» ، واليعبوب «٥» ، والمرواح «٦» ، وقد يكون الأدهم هو السّكب أو البحر، فتكون ثمانية عشر فرسا. وذكرنا هناك أخبار هذه الخيل ومن ذكرها. وذهب بعضهم إلى أن خيله ﷺ كانت عشرة أفراس: السّكب، والمرتجز، ولزاز، واللّخيف، والظّرب، والورد، والضّرس «٧» ، وملاوح، وسبحة، والبحر، ولم يذكر ما عداها، والله أعلم. وأما بغلات رسول الله ﷺ وحمره فقد ذكرنا أيضا فى الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثالث فى السفر التاسع من كتابنا هذا، أن بغلات رسول الله ﷺ اللاتى ملكهنّ كنّ سبعا، على ما ظهر من مجموع الروايات التى ذكرناها هناك، وهنّ دلدل التى أهداها له المقوقس، وفضّة التى أهداها له فروة بن عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيليّة التى أهداها له ابن العلماء «٨» صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل،

стр. 6441

وبغلة أهداها له يوحنّا بن روزيه «١» ، وبغلة أهداها له النجاشى صاحب الحبشة، وفى البغلة التى ذكر أن كسرى أهداها له ﷺ نظر، لما قدمناه من أنه مزّق كتاب رسول الله ﷺ ولم يجبه. ومن أهل العلم من ذهب إلا أنهنّ كنّ ثلاثة: دلدل التى أهداها له المقوقس، وفضة وهبها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وبغلة أهداها له صاحب أيلة. وكان له ﷺ من الحمر: يعفور، وعفير، وقد ذكرناهما فى الباب المقدّم ذكره فى السّفر التاسع. ذكر نعم رسول الله ﷺ كان لرسول الله ﷺ عشرون لقحة «٢» بالغابة، يراح له منها كل ليلة بقربتين عظيمتين من اللّبن، وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له الضحّاك ابن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له مهريّة «٣» أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، وكانت له القصواء «٤» ، وهى التى هاجر عليها، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحى غيرها، وهى العضباء «٥» ، والجدعاء «٦» ، وقيل: العضباء غير القصواء، وقد ذكرنا فى الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث نعمه بأبسط من هذا.

стр. 6442

وكان له ﷺ مائة من الغنم. وكانت له سبع منائح «١» : عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورشة «٢» ، وأطلال. وأطراف، وكانت أمّ أيمن ترعاهنّ، وكانت له شاة يختصّ بشرب لبنها، تدعى غيثة، وكان له ديك أبيض، هذا ما أمكن إيراده فى هذه الفصول، وهو بحسب الاختصار. وقد آن أن نأخذ فى ذكر معجزاته ﷺ ، وإنما أخّرنا ذكر المعجزات إلى هذه الغاية لأمور: منها أنّ معجزاته ﷺ كانت فى مدة حياته، تقع خلال غزواته، وغالب أوقاته، فلو ذكرناها قبل نهاية ذكر أحواله ﷺ ، لكنّا قد قدّمنا منها شيئا قبل وقته الذى وقع فيه. ومنها أنّا لمّا ذكرنا صفاته ﷺ فيما تقدّم، استلزم إيراد أحواله تلو صفاته، وصار الكلام يتلو بعضه بعضا، ولو ذكرنا المعجزات فى خلال ذلك لانقطع الكلام وانفرط النظام، وأهمّ الأسباب فى تأخير ذكر المعجزات إلى هذه الغاية، أنا أردنا أن تكون معجزاته ﷺ خاتمة لهذه السّيرة الشريفة، وتالية لهذه المناقب المنيفة «٣» لا يجعل بعدها من أخباره ﷺ إلا أخبار وفاته ﵇. ذكر معجزات رسول الله ﷺ ومعنى المعجزة أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، ولا تكون معجزة إلا مع وجود التّحدى بالنبوّة، وأما مع عدم التحدى فهى كرامة، كأحوال الأولياء. والمعجزة على ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عن الإتيان بمثله؛ كالقرآن على رأى من رأى أن من قدرة البشر أن يأتوا بمثله، ولكن الله تعالى

стр. 6443

صرفهم عن ذلك، فعجزوا عنه، وكصرف يهود عن تمنّى الموت، ونحو ذلك. وضرب هو خارج عن قدرة البشر كإحياء الموتى، وتسبيح الحصى، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام، وحبس الشمس، وردّها بعد غروبها. وها نحن نورد فى هذا الفصل من مشاهير معجزاته، وباهر آياته، ما تقف إن شاء الله تعالى عليه، وقد تقدم من معجزاته ﷺ فى اثناء هذه السيرة ما تقدم، مما ننبّه عليه فى هذا الفصل، ونحيل عليه فى مواضعه، ونشرح ونبين ما أدمجناه قبل إن شاء الله تعالى. ومعجزاته ﷺ كثيرة: منها القرآن العظيم، وهو أكبرها آية، وأعظمها دلالة على صدق نبوته ﷺ ، ومنها انشقاق القمر، وحبس الشمس، وردّها، وتفجير الماء وانبعاثه ونبعه من بين أصابعه وتكثير الطعام، وكلام الشّجر، وسعيها إليه، وحنين الجذع، وتسبيح الطعام والحصى، وكلام الجمادات، وشهادة الحيوانات له ﷺ بالنبوة، وكلام الموتى، وإبراء المرضى، وإجابة الدعاء، وانقلاب الأعيان، وما أطلعه الله تعالى عليه من علم الغيوب، والإخبار بما كان ويكون، وما جمع له من المعارف والعلوم ومصالح الدنيا والدين، وسياسة العالم، والعصمة من الناس، وغير ذلك مما نشرحه ونبيّنه إن شاء الله تعالى. فأما القرآن العظيم وما انطوى عليه من المعجزات ، فمعجزاته كثيرة نحصرها فى عشرة أوجه:

стр. 6444

الوجه الأوّل- حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة «١» العرب، وذلك أنهم خصّوا من البلاغة والحكم ما لم يخصّ به غيرهم من الأمم، وحسبك أن القرآن أنزل بلغتهم، ومع ذلك فقد قرعهم رسول الله ﷺ به، ووبّخهم وسفّه أحلامهم، وسبّ آلهتهم، وذمّ آباءهم، وشتت نظامهم، وفرّق جماعتهم، وأنزل الله تعالى فيهم ما أنزل من قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٣» وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٤» وغير ذلك، فنكصوا عن معارضته، وأحجموا عن مماثلته، ورضوا بقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ* وفِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٥» . ولا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٦» . واعترف فصحاؤهم عند سماعه أنه ليس من كلام البشر؛ كالوليد بن المغيرة وعتبة ابن ربيعة، على ما قدّمنا ذكر ذلك. الوجه الثانى من إعجازه- صورة نظمه العجيب ، المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، وسجعها ورجزها «٧» وهزجها «٨» وقريضها «٩» ، ومبسوطها «١٠»

стр. 6445

ومقبوضها «١» ، كما قال الوليد بن المغيرة لقريش عند اجتماعهم كما قدمناه، ومن ذلك جمعه بين الدليل والمدلول، وذلك أنه احتجّ بنظم القرآن، وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالتّالى له يفهم موضع الحجّة والتّكليف معا من كلام واحد. الوجه الثالث من إعجازه- ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد ، كما جاء فى قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٢» . وقوله فى الروم: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «٣» . وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ* «٤» . وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «٥» الآية. وقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٦» السورة، فكان جميع ذلك: فتح الله مكة، وغلبت الروم فارس، وأظهر الله رسوله، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، واستخلف الله المؤمنين فى الأرض، ومكّن دينهم وملّكهم أقصى المشارق والمغارب، وما فيه من الإخبار بحال المنافقين واليهود، وكشف أسرارهم، وغير ذلك. الوجه الرابع- ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة والشرائع الداثرة «٧» ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا من مارس العلوم من أهل الكتاب، واطلع على الكتب المنزلة القديمة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر وذى القرنين ولقمان وابنه وبدء الخلق، وغير ذلك مما فى كتبهم القديمة مما اعترف بصحته العلماء من أحبار يهود، فمنهم من آمن به، ومنهم من صدّ عنه مع عدم إنكارهم لصحته، قال الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «٨» .
следующие страницы →