← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

وبغلة أهداها له يوحنّا بن روزيه «١» ، وبغلة أهداها له النجاشى صاحب الحبشة، وفى البغلة التى ذكر أن كسرى أهداها له ﷺ نظر، لما قدمناه من أنه مزّق كتاب رسول الله ﷺ ولم يجبه. ومن أهل العلم من ذهب إلا أنهنّ كنّ ثلاثة: دلدل التى أهداها له المقوقس، وفضة وهبها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وبغلة أهداها له صاحب أيلة. وكان له ﷺ من الحمر: يعفور، وعفير، وقد ذكرناهما فى الباب المقدّم ذكره فى السّفر التاسع. ذكر نعم رسول الله ﷺ كان لرسول الله ﷺ عشرون لقحة «٢» بالغابة، يراح له منها كل ليلة بقربتين عظيمتين من اللّبن، وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له الضحّاك ابن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له مهريّة «٣» أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، وكانت له القصواء «٤» ، وهى التى هاجر عليها، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحى غيرها، وهى العضباء «٥» ، والجدعاء «٦» ، وقيل: العضباء غير القصواء، وقد ذكرنا فى الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث نعمه بأبسط من هذا.

стр. 6442

وكان له ﷺ مائة من الغنم. وكانت له سبع منائح «١» : عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورشة «٢» ، وأطلال. وأطراف، وكانت أمّ أيمن ترعاهنّ، وكانت له شاة يختصّ بشرب لبنها، تدعى غيثة، وكان له ديك أبيض، هذا ما أمكن إيراده فى هذه الفصول، وهو بحسب الاختصار. وقد آن أن نأخذ فى ذكر معجزاته ﷺ ، وإنما أخّرنا ذكر المعجزات إلى هذه الغاية لأمور: منها أنّ معجزاته ﷺ كانت فى مدة حياته، تقع خلال غزواته، وغالب أوقاته، فلو ذكرناها قبل نهاية ذكر أحواله ﷺ ، لكنّا قد قدّمنا منها شيئا قبل وقته الذى وقع فيه. ومنها أنّا لمّا ذكرنا صفاته ﷺ فيما تقدّم، استلزم إيراد أحواله تلو صفاته، وصار الكلام يتلو بعضه بعضا، ولو ذكرنا المعجزات فى خلال ذلك لانقطع الكلام وانفرط النظام، وأهمّ الأسباب فى تأخير ذكر المعجزات إلى هذه الغاية، أنا أردنا أن تكون معجزاته ﷺ خاتمة لهذه السّيرة الشريفة، وتالية لهذه المناقب المنيفة «٣» لا يجعل بعدها من أخباره ﷺ إلا أخبار وفاته ﵇. ذكر معجزات رسول الله ﷺ ومعنى المعجزة أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، ولا تكون معجزة إلا مع وجود التّحدى بالنبوّة، وأما مع عدم التحدى فهى كرامة، كأحوال الأولياء. والمعجزة على ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عن الإتيان بمثله؛ كالقرآن على رأى من رأى أن من قدرة البشر أن يأتوا بمثله، ولكن الله تعالى

стр. 6443

صرفهم عن ذلك، فعجزوا عنه، وكصرف يهود عن تمنّى الموت، ونحو ذلك. وضرب هو خارج عن قدرة البشر كإحياء الموتى، وتسبيح الحصى، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام، وحبس الشمس، وردّها بعد غروبها. وها نحن نورد فى هذا الفصل من مشاهير معجزاته، وباهر آياته، ما تقف إن شاء الله تعالى عليه، وقد تقدم من معجزاته ﷺ فى اثناء هذه السيرة ما تقدم، مما ننبّه عليه فى هذا الفصل، ونحيل عليه فى مواضعه، ونشرح ونبين ما أدمجناه قبل إن شاء الله تعالى. ومعجزاته ﷺ كثيرة: منها القرآن العظيم، وهو أكبرها آية، وأعظمها دلالة على صدق نبوته ﷺ ، ومنها انشقاق القمر، وحبس الشمس، وردّها، وتفجير الماء وانبعاثه ونبعه من بين أصابعه وتكثير الطعام، وكلام الشّجر، وسعيها إليه، وحنين الجذع، وتسبيح الطعام والحصى، وكلام الجمادات، وشهادة الحيوانات له ﷺ بالنبوة، وكلام الموتى، وإبراء المرضى، وإجابة الدعاء، وانقلاب الأعيان، وما أطلعه الله تعالى عليه من علم الغيوب، والإخبار بما كان ويكون، وما جمع له من المعارف والعلوم ومصالح الدنيا والدين، وسياسة العالم، والعصمة من الناس، وغير ذلك مما نشرحه ونبيّنه إن شاء الله تعالى. فأما القرآن العظيم وما انطوى عليه من المعجزات ، فمعجزاته كثيرة نحصرها فى عشرة أوجه:

стр. 6444

الوجه الأوّل- حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة «١» العرب، وذلك أنهم خصّوا من البلاغة والحكم ما لم يخصّ به غيرهم من الأمم، وحسبك أن القرآن أنزل بلغتهم، ومع ذلك فقد قرعهم رسول الله ﷺ به، ووبّخهم وسفّه أحلامهم، وسبّ آلهتهم، وذمّ آباءهم، وشتت نظامهم، وفرّق جماعتهم، وأنزل الله تعالى فيهم ما أنزل من قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٣» وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٤» وغير ذلك، فنكصوا عن معارضته، وأحجموا عن مماثلته، ورضوا بقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ* وفِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٥» . ولا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٦» . واعترف فصحاؤهم عند سماعه أنه ليس من كلام البشر؛ كالوليد بن المغيرة وعتبة ابن ربيعة، على ما قدّمنا ذكر ذلك. الوجه الثانى من إعجازه- صورة نظمه العجيب ، المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، وسجعها ورجزها «٧» وهزجها «٨» وقريضها «٩» ، ومبسوطها «١٠»

стр. 6445

ومقبوضها «١» ، كما قال الوليد بن المغيرة لقريش عند اجتماعهم كما قدمناه، ومن ذلك جمعه بين الدليل والمدلول، وذلك أنه احتجّ بنظم القرآن، وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالتّالى له يفهم موضع الحجّة والتّكليف معا من كلام واحد. الوجه الثالث من إعجازه- ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد ، كما جاء فى قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٢» . وقوله فى الروم: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «٣» . وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ* «٤» . وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «٥» الآية. وقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٦» السورة، فكان جميع ذلك: فتح الله مكة، وغلبت الروم فارس، وأظهر الله رسوله، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، واستخلف الله المؤمنين فى الأرض، ومكّن دينهم وملّكهم أقصى المشارق والمغارب، وما فيه من الإخبار بحال المنافقين واليهود، وكشف أسرارهم، وغير ذلك. الوجه الرابع- ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة والشرائع الداثرة «٧» ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا من مارس العلوم من أهل الكتاب، واطلع على الكتب المنزلة القديمة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر وذى القرنين ولقمان وابنه وبدء الخلق، وغير ذلك مما فى كتبهم القديمة مما اعترف بصحته العلماء من أحبار يهود، فمنهم من آمن به، ومنهم من صدّ عنه مع عدم إنكارهم لصحته، قال الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «٨» .

стр. 6446

الوجه الخامس- الرّوعة التى تلحق قلوب سامعيه، وأسماعهم عند سماعه ، والهيبة التى تعتريهم عند تلاوته؛ قال الله : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «١» ، وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٢» هذا فى حق المؤمنين به، وأما من كذّب به فكانوا يستثقلون سماعه، ويودّون انقطاعه؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : «القرآن صعب مستصعب على من كرهه، وهو الحكم» وقد تقدّم أن عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن من رسول الله ﷺ وبلغ قوله: صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ «٣» أمسك على فى «٤» النبىّ ﷺ وناشده الرّحم أن يكفّ. الوجه السادس- كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا ، وقد تكفل الله تعالى بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٥» . وقال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٦» وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العزيز باق منذ أنزله الله تعالى وإلى وقتنا هذا، وما بعده إن شاء الله إلى آخر الدهر، حجته قاهرة، ومعارضته ممتنعة. الوجه السابع- أن قارئه لا يملّ قراءته، وسامعه لا تمجّه مسامعه ، بل الإكباب على تلاوته وترديده يزيده حلاوة ومحبة، لا يزال غضّا طريا، وغيره من الكلام ولو بلغ ما عساه أن يبلغ من البلاغة والفصاحة يملّ مع الترديد، ويسأم إذا

стр. 6447

أعيد، وكذلك غيره من الكتب «١» لا يوجد فيها ما فيه من ذلك، وقد وصف رسول الله ﷺ القرآن «أنه لا يخلق «٢» على كثرة الردّ ولا تنقضى عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفضل ليس بالهزل» . الوجه الثامن- أن الله تعالى يسر حفظه لمتعلّميه، وقرّبه على متحفّظيه ، قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* «٣» فلذلك إن سائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منها، وإن لازم قراءتها، ودوام مدارستها، لم يسمع بذلك عن أحد منهم، والقرآن قد يسر الله تعالى حفظه على الغلمان فى المدّة القريبة والنّسوان، وقد رأينا من حفظه على كبر سنه، وهذا من معجزاته. الوجه التاسع- مشاكلة بعض أجزائه بعضا، وحسن ائتلاف أنواعها ، والتئام أقسامها، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه، وانقسام السورة الواحدة على أمر ونهى، وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وإثبات نبوّة وتوحيد، وتقرير وترغيب وترهيب، إلى غير ذلك، دون خلل يتخلل فصوله، والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوّته، ولانت جزالته، وقلّ رونقه، وتقلقلت ألفاظه، وهذا من الأمور الظاهرة التى لا يحتاج عليها إقامة دليل، ولا تقرير حجة، ولا بسط مقال. الوجه العاشر- جمعه لعلوم ومعارف لم تعهدها العرب، ولا علماء أهل الكتاب ، ولا اشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والردّ على فرق الأمم بالبراهين الواضحة، والأدلة البينة السهلة الألفاظ، الموجزة المقاصد؛ لقوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 6448

السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ «١» وقوله: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ «٢» وقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «٣» إلى غير ذلك مما اشتمل عليه من المواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب، وغير ذلك مما لا يحصيه وآصف، ولا يعده عاد، قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٤» ، وقال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ* «٥» وقال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أنزل علىّ القرآن آمرا وزاجرا، وسنّة خالية، ومثلا مضروبا، فيه نبأكم وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرّدّ، ولا تنقضى عجائبه، هو الحقّ ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج «٦» ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنّور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشّفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوج فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرّدّ» . وفى الحديث: «قال الله تعالى لمحمد- ﷺ إنى منزّل عليك توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا، وفيها ينابيع العلم، وفهم الحكمة، وربيع القلوب» . وقد عدّوا فى إعجازه وجوها كثيرة غير ما ذكرناه فلا نطوّل بسردها. وأما انشقاق القمر، وحبس الشمس ورجوعها - فكان ذلك من معجزات رسول الله ﷺ ؛ قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.

стр. 6449

وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «١» . وقد رويت قصة انشقاق القمر عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله ابن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم رضى الله عنهم، قال ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا» قال ابن مسعود: حتى رأيت الجبل بين فرجتى القمر، وفى بعض طرقه: ومن رواية مسروق عنه أنه كان بمكة، وزاد: فقال كفّار قريش سحركم ابن أبى كبشة، فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان قد سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فآسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا؟ فأتوا فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك. وحكى السّمرقندى عن الضحاك نحوه. وقال: فقال أبو جهل هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى ينظروا أرأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا، فقالوا- يعنى الكفار-: هذا سحر مستمر. وقال على رضى الله عنه، من رواية أبى حذيفة الأرحبى: انشق القمر، ونحن مع النبى ﷺ . وعن أنس: سأل أهل مكة النبى ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين، حتى رأوا حراء بينهما، وفى رواية معمر، وغيره عن قتادة عنه: أراهم القمر مرتين انشقاقه «٢» ، فنزلت الآية اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ . وحكى الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمىّ «٣» الجرجانىّ

стр. 6450

فى منهاجه قال: رأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقّا بنضفين، عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت أنظر إليهما حتى اتصلا، ثم لم يعودا كما كانا، ولكنهما صارا فى شكل أترجّة، ولم أمل طرفى عنهما إلى أن غاب، قال: وكان معى ليلتئذ جماعة كثيفة، من بين شريف وفقيه وكاتب وغيرهم من طبقات الناس، وكلّ رأى ما رأيت. قال: وأخبرنى من وثقت به، وكان خبره عندى كعيانى أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقا بنصفين، قال: وإذا كان هكذا، ظهر أن قول الله : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إنما هو على الانشقاق الذى هو من أشراط الساعة، دون الانشقاق الذى جعله الله تعالى آية لرسوله ﷺ ، وحجة على أهل مكة. وبالله التوفيق. وأما رجوع الشّمس - فقد روى عن أسماء بنت عميس أن النبىّ ﷺ كان يوحى إليه ورأسه فى حجر علىّ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ : «أصليت يا على» ؟ قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم إنه كان فى طاعتك وطاعة رسولك فآردد عليه الشمس» قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقفت على الجبال والأرض، وذلك بالصّهباء فى خيبر. خرّجه الطحاوى فى مشكل الحديث عن أسماء من طريقين، قال وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغى لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوّة. وأما حبسها - فقد روى يونس بن بكير فى زيادة المغازى عن ابن إسحق: أن رسول الله ﷺ لما أسرى به، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التى فى العير، قالوا: متى تجىء؟ قال: «يوم الأربعاء» فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولّى النهار ولم يجئ، فدعا رسول الله ﷺ فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس ﷺ .

стр. 6451

وأما نبع الماء من بين أصابعه ﷺ فقد روى عن أنس بن مالك، وجابر، وعبد الله بن مسعود؛ قال أنس من رواية إسحق بن عبد الله بن أبى طلحة: رأيت رسول الله ﷺ ، وقد حانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء «١» فلم يجدوه، فأتى رسول الله ﷺ بوضوء «٢» ، فوضع رسول الله ﷺ فى ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم. ورواه أيضا عن أنس قتادة، وقال: بإناء فيه ماء ما يغمر أصابعه، ولا يكاد يغمر «٣» ، قال: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثمائة، وفى رواية عنه: وهم بالزّوراء عند السوق. وأما ابن مسعود، ففى الصحيح عنه من رواية علقمة: بينهما نحن مع رسول الله ﷺ ، وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله ﷺ : «اطلبوا من معه فضل ماء» فأتى بإناء فصبه فى إناء، ثم وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ . وفى الصحيح عن سالم بن أبى الجعد عن جابر قال: «عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة «٤» فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا: ليس عندنا ماء، إلا ما فى ركوتك، فوضع النبى ﷺ يده فى الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، وفيه: فقلت كم كنتم؟ قالوا: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وفى صحيح مسلم

стр. 6452

فى ذكر غزوة بواط «١» ، قال جابر قال لى رسول الله ﷺ : «يا جابر ناد الوضوء» وذكر الحديث بطوله: وأنه لم يحد إلا قطرة فى عزلاء «٢» شجب، فأتى به النبى ﷺ فغمزه «٣» ، وتكلم بشىء لا أدرى ما هو، وقال: «ناد بجفنة «٤» الرّكب» فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبى ﷺ بسط يده فى الجفنة، وفرق أصابعه، وصبّ جابر عليه، وقال: «بسم الله» قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت «٥» : هل بقى أحد له حاجة؛ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهى ملأى. هذا مختصر ما روى من تفجير الماء من بين أصابعه ﷺ . وأما تفجيره وانبعاثه وتكثيره ببركته ودعائه ﷺ فمن ذلك ما رواه مالك بن أنس ﵀ فى الموطأ، عن معاذ بن جبل فى قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين، وهى تبضّ «٦» بشىء من ماء مثل الشّراك «٧» ، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع فى شىء، ثم غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 6453

فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس. وفى حديث ابن إسحق: فانحرق «١» من الماء ما له حسّ كحسّ الصواعق، ثم قال: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا» . ومنه قصة «٢» الحديبية، وقد تقدّم ذكرها فى الغزوات. ومن ذلك خبر صاحبة المزادتين، وهو مما روى عن عمران بن حصين، قال: أصاب النبى ﷺ وأصحابه عطش فى بعض أسفارهم، فوجّه رجلين من أصحابه، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، الحديث «٣» . فوجداها وأتيا بها النبى ﷺ ، فجعل فى إناء من مزادتها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء فى المزادتين، ثم فتحت عزاليهما، وأمر الناس فملأوا أ؟؟؟ قيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملأوه، قال عمران: ويخيل لى أنهما لم تزدادا إلا امتلاء، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها، وقال: «اذهبى فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقانا» . وعن عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبى ﷺ وهو رديفه بذى المجاز: عطشت وليس عندى ماء، فنزل النبى ﷺ وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: «اشرب» . وعن سلمة بن الأكوع؛ قال نبىّ الله ﷺ : «هل من وضوء؟» فجاء رجل بإداوة «٤» فيها نطفة «٥»

стр. 6454

فأفرغها فى قدح فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة أربع عشرة «١» مائة. وفى حديث غزوة تبوك، وما أصاب الناس من العطش، ودعا رسول الله ﷺ ، وأن الله تعالى أرسل سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، وقد تقدّم ذكره. ومن طريق آخر فى هذه القصة عن عمر: وذكر ما أصابهم من العطش فى جيش العسرة، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر رضى الله عنه إلى النبىّ ﷺ فى الدّعاء، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت «٢» السماء، فانسكبت فملأوا ما معهم من آنية، ولم يجاوز العسكر. والحديث فى هذا الباب كثير. وأما تكثير الطعام ببركته ودعائه ﷺ فقد روينا من ذلك أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة متّصلة، رأينا حذفها هاهنا اختصارا لاشتهارها وانتشارها، منها ما رويناه عن جابر رضى الله عنه: أن رجلا أتى النبىّ ﷺ يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبى ﷺ فأخبره فقال: «لو لم تكله لأكلتم منه وقام بكم» . ومن ذلك حديث أبى طلحة المشهور، وإطعام رسول الله ﷺ ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت يده- أى إبطه- فأمر بها ففتّت، وقال فيها ما شاء الله أن يقول. وحديث جابر- رضى الله عنه- فى إطعام رسول الله ﷺ يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير، وعناق «٣» ، قال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا» ، وإن

стр. 6455

برمتنا لتغطّ «١» كما هى، وإن عجيننا ليخبز، وكان رسول الله ﷺ يصق فى العجين والبرمة وبارك. ومن ذلك حديث أبى أيوب الأنصارى: أنه صنع لرسول الله ﷺ ولأبى بكر رضى الله عنه من الطعام زهاء «٢» ما يكفيهما، فقال له النبى الله ﷺ : «ادع ثلاثين من أشراف الأنصار» فدعاهم فأكلوا حتى تركوه، ثم قال: «ادع ستين» فكان مثل ذلك، ثم قال: «ادع سبعين» فأكلوا حتى تركوا، وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع، قال أبو أيوب: فأكل من طعامى مائة وثمانون رجلا. وعن سمرة بن جندب قال: أتى النبىّ ﷺ بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون. ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما قال: كنا مع النبىّ ﷺ ثلاثين ومائة، وذكر فى الحديث: عجن صاع من طعام، وصنعت شاة فشوى سواد «٣» بطنها، قال: وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا وقد حزّله حزّة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتان فأكلنا أجمعون، وفضل فى القصعتين فحملته على البعير. ومن ذلك حديث عمر بن الخطاب، وأبى هريرة وسلمة بن الأكوع رضى الله عنهم، فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبىّ ﷺ فى بعض مغازيه، فدعا ببقية الأزواد، فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك، وأعلاهم الذى أتى بالصّاع من التمر، فجمعه على نطع، قال سلمة: فحزرته كربضة «٤» البعير، ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقى فى الجيش وعاء إلا ملأوه وبقى منه. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أدعو له أهل الصّفّة فتتّبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهى مثلها

стр. 6456

حين وضعت، إلا أن فيها أثر الأصابع. وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: جمع رسول الله ﷺ بنى عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق «١» فصنع لهم مدّا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا وبقى كما هو، ثم دعا بعسّ «٢» فشربوا حتى رووا وبقى كأنه لم يشرب. وقال أنس ابن مالك: إن النبىّ ﷺ لما ابتنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سمّاهم، وكل من لقيت حتى امتلأ البيت والحجرة، وقدّم إليهم تورا «٣» فيه قدر مدّ من تمر جعل حيسا «٤» ، فوضعه قدّامه وغمس ثلاث أصابعه، وجعل القوم يتغدّون ويخرجون، وبقى التور نحوا مما كان، وكان القوم أحدا أو اثنين وسبعين. وفى رواية أخرى فى هذه القصة أو مثلها: أن القوم كانوا زهاء ثلاثمائة، وأنهم أكلوا حتى شبعوا، وقال لى: «ارفع» فلا أدرى حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. وفى حديث جعفر بن محمد عن آله، عن على رضى الله عنهم أن فاطمة رضى الله عنها طبخت قدرا لغدائها، ووجهت عليّا إلى النبى ﷺ ليتغدّى معها، فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة، ثم له ﵇ ولعلىّ، ثم لها، ثم رفعت القدر، وإنها لتفيض، قالت: فأكلنا منها ما شاء الله. ومن ذلك أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يزوّد أربعمائة راكب من أحمس، فقال: يا رسول الله، ما هى إلا أصوع، قال: «اذهب» فذهب فزوّدهم منه، وكان قدر الفصيل الرّابض من التمر وبقى بحاله.

стр. 6457

ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه فى دين أبيه، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ما له فلم يقبلوه، ولم يكن فى ثمرها سنين كفاف دينهم، فأمره النبى ﷺ بجذّها وجعلها بيادر «١» في أصولها، ثم جاءه فمشى فيها ودعا، فأوفى جابر غرماء أبيه من ذلك، وفضل مثل ما كانوا يجذّون كل سنة. وفى رواية: مثل ما أعطاهم. قال: وكان الغرماء يهودا فعجبوا من ذلك. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أصاب الناس مخمصة فقال لى رسول الله ﷺ «هل من شىء» ؟ قلت: نعم، شىء من التمر فى المزود، قال: «فأتنى به» فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها، ودعا بالبركة، ثم قال: «ادع لى عشرة» فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك، حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا، قال: «خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبّه» فقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت منه «٢» حياة رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر، إلى أن قتل عثمان فانتهب منى فذهب. وفى رواية: فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق فى سبيل الله. وذكر مثل هذه الحكاية فى غزوة تبوك، وأن التمر كان بضع عشرة تمرة. ومنه أيضا حديث أبى هريرة رضى الله عنه حين أصابه الجوع، فاستتبعه النبى ﷺ فوجد لبنا فى قدح قد أهدى إليه، وأمره أن يدعو أهل الصّفّة، قال فقلت: ما هذا اللبن «٣» فيهم! كنت أحقّ أن أصيب منه شربة أتقوّى بها، فدعوتهم، وذكر أمر النبى ﷺ له أن يسقيهم، قال: فجعلت أعطى الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يأخذ الآخر حتى روى جميعهم، فأخذ النبى

стр. 6458

صلى الله عليه وسلّم القدح وقال: «بقيت أنا وأنت اقعد فاشرب» فشربت ثم قال: «اشرب» وما زال يقولها وأشرب حتى قلت: لا والذى بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكا، فأخذ القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة، ﷺ . وأما كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وانقيادها إليه وإجابتها دعوته ﷺ فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر فدنا منه أعرابىّ، فقال: «يا أعرابى أين تريد» ؟ قال: إلى أهلى، قال: «هل لك إلى خير» ؟ قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه الشجرة السّمرة» «١» وهى بشاطئ الوادى، فأقبلت تخدّ «٢» الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها. وعن بريدة قال: سأل أعرابى النبى ﷺ آية فقال له: «قل لتلك الشجرة رسول الله- ﷺ يدعوك» قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها، ثم جاءت تخد الأرض، تجرّ عروقها مغيرة «٣» حتى وقفت بين يدى رسول الله ﷺ ، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابى: مرها فلترجع إلى منبتها فاستوت، فقال الأعرابى: إيذن لى أسجد لك، قال: «لو أمرت أحدا

стр. 6459

أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» قال: فأذن لى أقبّل يديك ورجليك، فأذن له. ومن ذلك ما روى فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله قال: ذهب رسول الله ﷺ يقضى حاجته فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادى، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من غصانها فقال: «انقادى علىّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «١» الذى يصانع قائده. وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك، حتى إذا كان بالمنصف «٢» بينهما قال: «التئما علىّ بإذن الله» فالتأمتا. وفى رواية أخرى؛ فقال: «يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله- ﷺ الحقى بصاحبتك حتى أجلس خلفكما» ففعلت فرجعت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما، فخرجت أحضر «٣» ، وجلست أحدّث نفسى، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مقبل «٤» والشجرتان قد افترقثا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول الله ﷺ وقفة فقال «٥» برأسه- هكذا- يمينا وشمالا. وروى أسامة بن زيد نحوه، قال قال لى رسول الله ﷺ فى بعض مغازيه: «هل» «٦» ؟ يعنى مكانا لحاجة رسول الله- ﷺ فقلت:

стр. 6460

إن الوادى ما فيه موضع بالناس «١» ، فقال: «هل ترى من نخل أو حجارة» ؟ قلت: أرى نخلات متقاربات، فقال: «انطلق وقل لهن إن رسول الله ﷺ يأمركنّ أن تأتين لمخرج رسول الله ﷺ وقل للحجارة مثل ذلك» فقلت ذلك لهنّ، فو الذى بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهنّ، فلما قضى حاجته قال لى: «قل لهنّ يفترقن» فو الذى نفسى بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهنّ. وعن ابن مسعود مثله فى غزاة حنين. وعن يعلى بن مرة- وهو ابن سيّابة «٢» - وذكر أشياء رآها من رسول الله ﷺ فذكر أن طلحة- أو سمرة- جاءت فأطافت به، ثم رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله ﷺ : «إنها استأذنت أن تسلم علىّ» . وفى حديث ابن مسعود: آذنت «٣» النبىّ ﷺ بالجنّ ليلة استمعوا له شجرة. وذكر أبو بكر بن فورك أن رسول الله ﷺ سار فى غزوة الطّائف ليلا وهو وسن، «٤» فآعترضته سدرة فانفرجت له نصفين، حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، وهى هناك معروفة. وقد روى فى مثل ذلك أحاديث كثيرة. ومن ذلك قصّة حنين الجذع، والخبر بذلك مشهور منتشر خرّجه أهل الصحيح، ورواه جماعة من الصحابة رضى الله عنهم، قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبى ﷺ إذا خطب يقوم على جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار «٥» ، وفى رواية أنس:

стр. 6461

حتى ارتجّ المسجد بخواره «١» . وفى رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء الناس لما رأوا به. وفى رواية المطلب بن أبى وداعة: حتى تصدّع وانشقّ، حتى جاء النبى ﷺ فوضع يده عليه فسكت. وزاد غيره: فقال النبىّ ﷺ «إن هذا بكى لما فقد من الذّكر» . وزاد غيره «٢» : «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه «٣» لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزّنا على رسول الله» ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن تحت المنبر. وفى حديث أبىّ بن كعب: فكان إذا صلّى النبى ﷺ صلّى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبىّ فكان عنده إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا. وذكر الإسفراينىّ: أن النبىّ ﷺ دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفى حديث بريدة فقال النبىّ ﷺ : «إن شئت أردك إلى الحالط الذى كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكتمل خلقك ويجدّد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك» ، ثم أصغى له النبى ﷺ يستمع ما يقول فقال: بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون فى مكان لا أبلى فيه. فسمعه من يليه «٤» ، فقال النبى ﷺ : «قد فعلت- ثم قال- اختار دار البقاء على دار الفناء» . ومن معجزاته ﷺ نطق الجمادات كتسبيح الطعام فى جوفه، وتسبيح الحصى فى كفّه وكفّ من صبّه فى كفّه من أصحابه، وسلام الجبال والأحجار والأشجار عليه، وسجودها له، وغير ذلك مما يلتحق به على ما نشرحه إن شاء الله تعالى.

стр. 6462

فمن ذلك ما رويناه بإسناد متصل عن البخارىّ بسنده، عن علقمة [عن «١» ] عبد الله قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفى غير هذه الرواية عن عبد الله ابن مسعود قال: كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيحه. وقال أنس بن مالك: أخذ النبى ﷺ كفّا من حصى فسبّحن فى يد رسول الله ﷺ حتى سمعنا التسبيح، ثم صبهنّ فى يد أبى بكر فسبحن، ثم فى أيدينا فما سبحن. وروى أبو ذرّ مثله، وذكر أنهنّ سبحن فى كفّ عمر وعثمان. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: كنا بمكة مع رسول الله ﷺ فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. وعن جابر بن سمرة عنه ﷺ أنه قال: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ» قيل: إنه الحجر الأسود. وعن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، عنه ﷺ أنه قال: «لما استقبلنى جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله» . وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن ﷺ يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. وفى حديث العباس بن عبد المطلب إذ اشتمل «٢» عليه النبى ﷺ وعلى بنيه بملاءته فأمّنت أسكفّة «٣» الباب وحوائط البيت آمين آمين. وعن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: مرض النبى ﷺ فأتاه جبريل بطبق فيه رمّان وعنب، فأكل منه ﷺ فسبّح. وعن أنس رضى الله عنه قال: صعد

стр. 6463

النبى ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا فرجف بهم فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبىّ وصديق وشهيدان» ، ومثله عن أبى هربرة فى حراء «١» ، وزاد فيه: ومعه علىّ وطلحة والزّبير، وقال: «إنما عليك نبىّ أو صدّيق أو شهيد «٢» » ، والخبر فى حراء أيضا عن عثمان قال: ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم، وزاد عبد الرحمن وسعدا، قال: ونسيت الاثنين. وقد روى أنه ﷺ حين طلبته قريش قال له ثبير «٣» : اهبط يا رسول الله، فإنى أخاف أن يقتلوك على ظهرى فيعذبنى الله، فقال حراء: إلىّ يا رسول الله. وقد تقدّم ذكر خبر الأصنام، وسقوطها عند ما أشار إليها بالقضيب، حين فتح الله تعالى مكة عليه، ﷺ تسليما كثيرا أبدا دائما. ومن معجزاته ﷺ كلام الحيوانات وسكونها وثباتها إذا رأته ؛ كقصة الدّاجن «٤» ، وكلام الضّبّ والذّئب، والطائر والظّبية، وسجود الغنم والبعير، وخبر سفينة مولاه مع الأسد، وخبر العنز، وغير ذلك مما نورده إن شاء الله تعالى. فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان عندنا داجن، فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قرّ وثبت مكانه، فلم يجىء ولم يذهب، فإذا خرج رسول الله ﷺ جاء وذهب. ومنه ما روى عن عمر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان فى محفل من أصحابه إذ جاء أعرابى قد صاد ضبّا فقال: من هذا؟ قالوا: نبىّ

стр. 6464

الله، فقال: واللّات والعزّى لا آمنت بك أو يؤمن «١» هذا الضّبّ. وطرحه بين يدى النبىّ ﷺ ، فقال النبى ﷺ : «يا ضبّ» فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: «من تعبد» ؟ قال: الذى فى السماء عرشه، وفى الأرض سلطانه، وفى البحر سبيله، وفى الجنة رحمته، وفى النار عقابه، قال: «فمن أنا» ؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين؛ وقد أفلح من صدّقك، وخاب من كذّبك. فأسلم الأعرابىّ. ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبى سعيد الخدرىّ قال: بينا راع يرعى غنما له، عرض الذئب لشاة منها فأخذها الراعى منه، فأقعى الذئب وقال للراعى: ألا تتّقى الله، حلت بينى وبين رزقى! قال الراعى: العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؛ رسول الله بين الحرّتين يحدّث الناس بأنباء «٢» ما قد سبق، فأتى الراعى النبى ﷺ فأخبره، فقال النبى ﷺ : «قم فحدّثهم» ؛ ثم قال: «صدق» . وروى حديث الذئب عن أبى هريرة. وفى بعض الطرق عنه قال الذئب: أنت أعجب! واقفا على غنمك، وتركت نبيا لم يبعث الله نبيّا قطّ أعظم منه عنده قدرا، قد فتحت له أبواب الجنة، وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلا هذا الشّعب فتصير فى جنود الله، قال الراعى: من لى بغنمى؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبى ﷺ يقاتل، فقال له النبى ﷺ : «عد إلى غنمك تجدها بوفرها «٣» » فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها.

стр. 6465

وروى أن أهبان بن أوس هو صاحب القصة ومكلّم الذئب. وروى أيضا أن صاحب القصة سلمة بن عمرو بن الأكوع، وأنها سبب إسلامه. وحكى أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة رافع بن عميرة الطائى أنه كلمه الذئب، وهو فى ضأن له يرعاها، فدعاه إلى رسول الله ﷺ واللحاق به. قال: وزعموا أن رافع بن عميرة قال فى كلام الذئب إياه. رعيت الضّأن أحميها بكلبى ... من الضّبع الحفىّ وكل ذيب «١» فلمّا أن سمعت الذئب نادى ... يبشّرنى بأحمد من قريب سعيت إليه قد شمّرت ثوبى ... على السّاقين قاصدة الرّكيب فألفيت النّبىّ يقول قولا ... صدوقا ليس بالقول الكذوب يبشّرنى بدين الحقّ حتى ... تبيّنت الشّريعة للمنيب «٢» وأبصرت الضّياء يضىء حولى ... أمامى إن سعيت ومن جنوبى فى أبيات أخر. وروى ابن وهب: أن مثل هذه القصة وقع لأبى سفيان بن حرب، وصفوان ابن أمية مع ذئب وجداه قد أخذ ظبيا، فدخل الظّبى الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: واللّات والعزّى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنا خلوفا «٣» . وقد روى أيضا مثل هذا الخبر، وأنه جرى لأبى جهل وأصحابه.

стр. 6466

وعن عباس بن مرداس السّلمىّ أنه لمّا تعجّب من كلام صنمه ضمار، وإنشاده الشعر الذى ذكرناه، فإذا طائر سقط، فقال: يا عباس، أتعجب من كلام ضمار، ولا تعجب من نفسك؟ إن رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام، وأنت جالس! وعن أنس رضى الله عنه قال: دخل النبىّ ﷺ وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار حائط «١» أنصارىّ، وفى الحائط غنم، فسجدت له فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسجود لك منها ... الحديث. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: دخل النبى ﷺ حائطا فجاء بعير فسجد له، وذكر مثله. ومثله فى الجمل عن ثعلبة بن مالك، وجابر بن عبد الله، ويعلى بن مرّة، وعبد الله بن جعفر قال: «٢» وكان لا يدخل أحد الحائط إلا شدّ عليه الجمل، فلما دخل عليه النبى ﷺ دعاه، فوضع مشفره فى الأرض وبرك بين يديه فحطمه؛ وقال: «ما بين السماء والأرض شىء إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصى الجنّ والإنس» . وفى حديث آخر: أن النبى ﷺ سألهم عن شأنه فأخبروه أنهم أرادوا ذبحه. وفى رواية: أن النبى ﷺ قال لهم: «إنه اشتكى كثرة العمل وقلة العلف» . وفى رواية: «إنه شكا إلىّ أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه فى شاقّ العمل من صغره» فقالوا: نعم. وقد روى فى قصة العضباء وكلامها النبى ﷺ ، وتعريفها له بنفسها، ومبادرة العشب إليها فى الرّعى، وتجنّب الوحوش عنها، وندائهم لها أنّك لمحمد، وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت. ذكره الإسفرائنى. وروى ابن وهب: أن حمام مكة أظلت

стр. 6467

النبى ﷺ يوم فتحها، فدعا لها بالبركة. وقد ذكرنا قصة الغار وخبر الحمامتين والعنكبوت. وعن عبد الله بن قرط قال: قرّب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمس أو ستّ أو سبع لينحرها يوم عيد، فازدلفن «١» إليه بأيّتهنّ يبدأ. وعن أمّ سلمة قالت: كان النبىّ ﷺ فى صحراء فنادته ظبية: يا رسول الله، قال: «ما حاجتك» ؟ قالت: صادنى هذا الأعرابىّ ولى خشفان فى ذلك الجبل، فأطلقنى حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: «وتفعلين» ؟ قالت: نعم، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها، فانتبه الأعرابى. فقال: يا رسول الله، ألك حاجة؟ قال: «تطلق هذه الظّبية» فأطلقها، فخرجت تعدو فى الصحراء وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ومنه ما روى من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله ﷺ إذ وجّهه إلى معاذ باليمن، فلقى الأسد فعرّفه أنه مولى رسول الله ﷺ ومعه كتابه، فهمهم وتنحّى عن الطريق، وذكر فى منصرفه مثل ذلك. وفى رواية أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به، فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد؛ قال فقلت: أنا مولى رسول الله ﷺ فجعل يغمزنى بمنكبه حتى أقامنى على الطريق. وروى أنه ﷺ أخذ بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلّاها، فصار لها ميسما، وبقى ذلك الأثر فيها وفى نسلها. وقد روى عن إبراهيم بن حمّاد بسنده كلام الحمار الذى أصابه بخيبر، وقال له:

стр. 6468

[ما اسمك «١» قال] : اسمى يزيد بن شهاب، فسماه النبى ﷺ يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم، وأن النبى ﷺ لما مات، تردّى فى بئر جزعا وحزنا فمات. وخبر الناقة التى شهدت عند النبى ﷺ لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه. وخبر العنز التى أتت رسول الله ﷺ فى عسكره، وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء وهم زهاء ثلاثمائة، فحلبها رسول الله ﷺ فأروى الجند، ثم قال لرافع: «املكها وما أراك «٢» » فربطها فوجدها قد انطلقت. رواه ابن قانع وغيره، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «إن الذى جاء بها هو الذى ذهب بها» . وقال ﵇ لفرسه، وقد قام إلى الصلاة فى بعض أسفاره: «لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا» وجعله قبلته «٣» فما حرّك عضوا حتى فرغ من صلاته ﷺ . ومن معجزاته ﷺ ما روى من كلام الأموات والأطفال وشهادتهم له بالنبوّة. فمن ذلك ما روى عن فهد «٤» بن عطية: أن النبى ﷺ أتى بصبىّ قد شبّ لم يتكلم قطّ، فقال له: «من أنا» ؟ فقال: رسول الله. وعن معرّض بن معيقيب قال: رأيت من النبى ﷺ عجبا، جىء

стр. 6469

بصبىّ يوم ولد، فذكر مثله، وهو حديث مبارك اليمامة، ويعرف بحديث شاصونه «١» اسم راويه، وفيه؛ فقال له النبى ﷺ : «صدقت بارك الله فيك» ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شبّ، فكان يسمى مبارك اليمامة، وكانت هذه القصة بمكة فى حجة الوداع. وعن الحسن رضى الله عنه: أتى رجل النبىّ ﷺ فذكر له أنه طرح بنيّة له فى وادى كذا، فانطلق معه إلى الوادى وناداها باسمها «يا فلانة احيى بإذن الله» فخرجت وهى تقول: لبّيك وسعديك، فقال لها: «إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردّك عليهما» قالت: لا حاجة لى فيهما، وجدت الله خيرا لى منهما. وعن أنس رضى الله عنه أن شابا من الأنصار توفّى وله أمّ عجوز عمياء قال: فسجّيناه وعزّيناها فقالت: مات ابنى؟ قلنا: نعم، قالت: اللهم إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعيننى على كل شدّة، فلا تحمّلنّ علىّ هذه المصيبة «٢» ، قال: فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا. وروى عن عبد الله بن عبيد الله الأنصارى قال: كنت فيمن دفن ثابت بن قيس ابن شمّاس- وكان قتل باليمامة- فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمد رسول الله، أبو بكر الصدّيق، عمر الشهيد، وعثمان البرّ الرحيم «٣» ، فنظرنا فإذا هو ميّت. وذكر عن النعمان بن بشير: أن زيد بن خارجة خرّ «٤» ميتا فى بعض أزقة

стр. 6470

المدينة، فرفغ وسجّى إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول: أنصتوا أنصتوا، فحسر عن وجهه، فقال: محمد رسول الله، النبىّ الأمىّ، وخاتم النبيين، كان ذلك فى الكتاب الأوّل، ثم قال: صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم عاد ميتا. ومن ذلك قصة الذّراع وقول رسول الله ﷺ لأصحابه: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة. وقد تقدّم خبر الذراع. والله منجى المتقين ووليهم. ومن معجزاته ﷺ إبراء المرضى وذوى العاهات، كردّ عين قتّادة، وكشف بصر الضرير، وتفله ﷺ على جراحات فبرأت، وغير ذلك مما نشرحه إن شاء الله تعالى. أما عين قتادة بن النعمان فقد روينا بإسناد متّصل عن سعد بن أبى وقّاص: أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه. وذكر الأصمعى عن أبى معشر المدنى قال: أوفد أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، بديوان المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلا من ولد قتادة بن النعمان، فلما قدم عليه قال له: ممن الرجل؟ قال: أنا ابن الذى سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرد «١» فعادت كما كانت لأوّل أمرها ... فياحسن ما عين ويا حسن ما ردّ «٢» فقال عمر بن عبد العزيز: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا «٣»

стр. 6471

حكاه ابن عبد البر. وروى النّسائىّ عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لى عن بصرى. قال «١» : «فانطلق فتوضأ ثم صلّ ركعتين، ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيّى «٢» محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجّه بك إلى ربك أن يكشف عن بصرى اللهم شفعه فىّ» قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره. وروى أن ابن ملاعب «٣» الأسنّة أصابه استسقاء فبعث إلى النبى ﷺ ، فأخذ بيده حثوة من الأرض فنقل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجبا- يرى أنه قد هزئ به- فأتاه بها وهو على شفا فشربها «٤» فشفاه الله. وذكر العقيلىّ عن حبيب بن فديك- ويقال فويك «٥» - أن أباه ابيضّت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله ﷺ فى عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الخيط فى الإبرة وهو ابن ثمانين. وأتنه امرأة من خثعمّ معها صبىّ به بلاء «٦» لا يتكلم، فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إباه وأمرها بسقيه ومسّه به، فبرأ الغلام، وعقل عقلا، يفضل عقول الناس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاءت امرأة بابن لها به جنون، فمسح رسول الله ﷺ صدره فثع» ثعّة فخرج

стр. 6472

من جوفه مثل الجرو الأسود فشفى. وكانت فى كفّ شرحبيل الجعفى سلعة، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها إلى النبىّ ﷺ ، فما زال يطحنها بكفّه حتى رفعها ولم يبق لها أثر. وسألته جارية طعاما وهو يأكل، فناولها من بين يديه، وكانت قليلة الحياء، فقالت: إنما أريد من الذى فى فيك، فناولها ما فى فيه، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه، فلما استقر فى جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشدّ حياء منها. وأما الجراحات التى تفل عليها فبرأت فكثير منها أنه ﷺ بصق على أثر سهم فى وجه أبى قتادة، فى يوم ذى قرد «١» ، قال: فما ضرب علىّ، ولا قاح «٢» . ومنها أن كلثوم بن الحصين رمى يوم أحد فى نحره، فبصق رسول الله ﷺ فيه فبرأ، وتفل على شجّة عبد الله ابن أنيس فلم تمدّ «٣» . وتفل فى رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب حين قتل ابن الأشرف فبرئت، وعلى ساق على بن الحكم يوم الخندق، إذ انكسرت فبرئ مكانه وما نزل عن فرسه. وقطع أبو جهل يد معوّذ بن عفراء «٤» في يوم بدر، فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقت. رواه ابن وهب، ومن روايته: أن خبيب «٥» بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله ﷺ بضربة على عاتقه حتى مال شقّه، فردّه رسول الله صلّى الله عليه

стр. 6473

وسلّم، ونفث عليه حتى صح. ونفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرئت. وتفل فى عينى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارثا. واشتكى علىّ مرة فجعل يدعو، فقال النبىّ ﷺ : «اللهم اشفه أو عافه «١» » ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد ذلك. ومن معجزاته ﷺ إجابة دعائه وهذا فصل متسع جدّا، نذكر منه ما اشتهر وانتشر، وتواترت به الأخبار وتداولته الرّواة، ونقله أصحاب السّير، ولا شك ولا خلاف بين أحد من الأمة فى إجابة دعائه ﷺ ؛ وقد روى عن حذيفة أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده. روى عن أنس بن مالك قال: قالت أمى يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له؛ قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته» قال أنس: فو الله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليعادّون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدى هاتين مائة من ولدى، لا أقول سقطا ولا ولد ولد. ودعا ﷺ لعبد الرحمن بن عوف بالبركة، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهبا، ولما مات حفر الذهب من تركته بالفؤس حتى مجلت «٢» فيه الأيدى، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا، وكنّ أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إجداهن- لأنه طلقها فى مرضه- على نيف وثمانين ألفا، وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية فى حياته. ودعا لمعاوية بالتمكين فى البلاد فنال الخلافة. ولسعد بن أبى وقّاص أن

стр. 6474

يجيب الله دعوته، فما دعا على أحد إلا استجيب له. ودعا أن يعزّ الله الإسلام بعمر أو بأبى جهل فاستجيب له فى عمر رضى الله عنه؛ قال ابن مسعود: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر. وقال لأبى قتادة: «أفلح وجهك، اللهم بارك له فى شعره وبشره «١» » فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنّه ابن خمس عشرة. وقال للنابغة: «لا يفضض «٢» الله فاك» قال: فما سقطت له سنّ، وكان، أحسن الناس ثغرا «٣» ، إذا سقطت له سنّ نبتت له أخرى، وعاش عشرين ومائة سنة، وقيل: أكثر. ودعا لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: «اللهم فقّهه فى الدين وعلمه التأويل» فسمى بعد الحبر وترجمان «٤» القرآن. ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة فى صفقة «٥» يمينه؛ فما اشترى شيئا إلا ربح فيه. ودعا للمقداد بالبركة؛ فكان عنده غرائر من المال. ودعا كذلك لعروة بن أبى الجعد، قال: فلقد كنت أقوم بالكناسة «٦» فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا. ودعا لعلىّ أن يكفى الحرّ والقرّ، فكان يلبس فى الشتاء ثياب الصيف، وفى الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبه حرّ ولا برد. ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا. وتقدم خبره فى دعائه فى الاستسقاء والاستضحاء «٧» . ودعا على كسرى أن يمزّق ملكه فلم يبق له باقية، ولم تعد لفارس مملكة. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعت» «٨» فلم يرفعها إلى فيه بعد. وقال فى عتبة بن أبى لهب: «اللهم سلّط

стр. 6475

عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد كما تقدم. ودعا على مجلّم بن جثّامة، فمات لسبع فلفظته الأرض ثم ووروى فلفظته، فألقوه فى صدّين ورضموا «١» عليه بالحجارة، والصّدّ جانب الوادى. ودعواته ﷺ كثيرة عليه أفضل الصلاة والسلام. ومن معجزاته ﷺ انقلاب الأعيان فيما لمسه أو باشره؛ كسيف عكاشة بن محصن، وعبد الله بن جحش، وغير ذلك، وكان من خبر عكاشة أن سيفه انكسر يوم بدر فأعطاه رسول الله ﷺ جذل «٢» حطب، وقال: «اضرب به» فعاد فى يده سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد فى قتال أهل الردّة، وكان هذا السيف يسمى العون. ودفع لعبد الله بن جحش- وقد ذهب سيفه يوم أحد- عسيب «٣» نخل فرجع فى يده سيفا. ومن ذلك أنه ﷺ مرّ على ماء «٤» فسأل عنه، فقيل له اسمه بيسان وماؤه ملح، فقال: «بل هو نعمان وماؤه طيّب» فكان كذلك. ومنه أنه ﷺ أعطى قتادة بن النعمان- وكان قد صلّى معه العشاء فى ليلة مظلمة مطيرة- عرجونا، وقال: «انطلق به فإنه سيضىء لك من بين يديك عشرا، ومن خلفك عشرا «٥» ، فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه به حتى يخرج فإنه الشيطان»

стр. 6476

فانطلق فأضاء له العرجون، ووجد السواد فضربه حتى خرج. ومن ذلك أنه ﷺ زوّد أصحابه سقاء من ماء بعد أن أوكأه ودعا فيه، فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وفى فمه زبدة. رواه حمّاد بن سلمة. ومما يلتحق بهذا الفصل أنه ﷺ ركب فرسا لأبى طلحة، كان يقطف «١» - أو- به قطاف، فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحرا، فكان بعد لا يجارى. ونخس «٢» جمل جابر بن عبد الله، وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه، وقد تقدم خبره. وخفق فرس جعيل الأشجعى بمخفقه «٣» معه وبرّك عليها فلم يملك رأسها نشاطا، وباع من بطنها باثنى عشر ألفا. وركب ﷺ حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فرده هملاجا «٤» لا يساير. ومن ذلك بركة يده ﷺ فيما لمسه كقصة سلمان فى كتابته، وما غرس له ﷺ من الودىّ «٥» فأطعمت كلها من عامها، والذّهب الذى أعطاه، وقد تقدم ذكر ذلك فى إسلام سلمان. ومنه أنه ﷺ مسح على رأس عمير بن سعد وبرّك فمات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب. وكذلك السّائب ابن يزيد، ومدلوك «٦» ، وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه، وذلك أن رسول الله ﷺ مسح بيده على بطنه وظهره. ومسح على

стр. 6477

رأس قيس بن زيد الجذامىّ، ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة، ورأسه أبيض، وموضع كفّ النبى ﷺ وما مرّت يده عليه من شعره أسود، فكان يدعى الأغرّ. وروى مثل ذلك لعمرو بن ثعلبة الجهنىّ. ومسح وجه آخر فما زال على وجهه نور. ومسح وجه قتادة بن ملحان، فكان لوجهه بريق، حتى كان ينظر فيه كما ينظر فى المرآة. ونضح فى وجه زينب بنت أمّ سلمة نضحة من ماء، فما نعرف كان فى وجه امرأة من الجمال ما بها. ومسح على رأس صبى به عاهة فبرأ واستوى شعره، وعلى غير واحد من الصبيان المرضى والمجانين فبرءوا. وأتاه رجل به أدرة «١» فأمره أن ينضحها بماء من عين مجّ «٢» فيها ففعل فبرأ. وعن طاوس: لم يؤت النبى ﷺ بأحد به مسّ فصكّ فى صدره إلا ذهب. والمس: الجنون. ومجّ فى دلو من بئر ثم صبّ فيها ففاح منها ريح المسك. وشكا إليه أبو هريرة النسيان فأمره أن يبسط ثوبه، وغرف بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسى شيئا بعد. ومن ذلك درور الشياه الحوائل «٣» باللبن الكثير؛ كقصة شاة أمّ معبد، وأعنز معاوية بن ثور، وشاة أنس، وغنم حليمة، وشارفها «٤» ، وشاة عبد الله بن مسعود، وشاة المقداد، والله أعلم. ومن معجزاته ﷺ ما أخبر به من الغيوب، وما يكون قبل وقوعه، فكان كما أخبر به ﷺ ؛ روى عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه «٥» ، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابى هؤلاء،

стр. 6478

وإنه ليكون منه الشىء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال حذيفة: ما أدرى أنسى أصحابى أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضى الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. وقال أبو ذرّ: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه فى السماء إلا ذكرنا منه علما «١» . ومما أخبر به ﷺ مما يكون فكان، ما أخرجه أهل الصحيح والأئمة، مما وعد به رسول الله ﷺ أصحابه من الظّهور على أعدائه، وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن «٢» المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن المدينة ستغزى «٣» ، وتفتح خيبر على يدى علىّ فى غد يومه، وما يفتح الله على أمته من الدنيا، وما يؤتون من زهرتها «٤» ، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وما يحدث بينهم من الفتون «٥» والاختلاف والأهواء، وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، وأنه ستكون لهم أنماط «٦» ، ويغدو أحدهم فى حلّة ويروح فى أخرى، وتوضع بين يديه صحفة «٧» وترفع أخرى، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة، ثم قال آخر الحديث: «وأنتم اليوم خير منكم يومئذ» وأنهم إذا مشوا المطيطاء «٨» ، وخدمتهم بنات

стр. 6479

فارس والروم، ردّ الله بأسهم بينهم، وسلّط شرارهم على خيارهم، وما أخبر به ﷺ من قتالهم التّرك والخزر والرّوم، وذهاب كسرى وفارس، حتى لا كسرى ولا فارس بعده، وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده، وأن الروم ذات قرون إلى آخر الدهر، وأخبر بذهاب الأمثل فالأمثل من الناس، وتقارب الزمان، وقبض العلم، وظهور الفتن والهرج، وقوله ﷺ : «زويت «١» لى الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» فكان كذلك؛ امتدت فى المشارق والمغارب، ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة «٢» حيث لا عمارة وراءه، ولم تمتدّ فى الجنوب والشمال مثل ذلك. وقوله ﷺ : «ويل للعرب من شرّ قد اقترب» . وقوله: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة» ذهب ابن المدينى إلى أنهم العرب؛ لأنهم المختصّون بالسّقى بالغرب وهو الدّلو، وقيل: بل هم أهل المغرب، ومن رواية أبى أمامة: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» . وأخبر ﷺ بملك بنى أمية، وولاية معاوية، ووصاه، واتخاذ بنى أمية مال الله دولا «٣» . وأخبر بخروج ولد العباس بالرايات السود، وملكهم أضعاف ما ملكوا، وأخبر بقتل علىّ رضى الله عنه، وأن أشقاها الذى يخضب هذه من هذه؛ أى لحيته من رأسه. وقال: يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف، وأن الله عسى أن

стр. 6480

يلبسه قميصا، وأنهم يريدون خلعه، وأنه سيقطر دمه على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «١» . وأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيّا، وأخبر بمحاربة الزبير لعلىّ، ونباح كلاب الحوأب «٢» على بعض أزواجه، وأنه يقتل حولها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت، وأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، وقال لعبد الله بن الزبير: «ويل للناس منك، وويل لك من الناس» وقال فى قزمان «٣» وقد أبلى بلاء حسنا مع المسلمين: «إنه من أهل النار» فقتل نفسه. وقال ﷺ : «يكون فى ثقيف كذّاب ومبير «٤» » فكان الكذاب المختار بن أبى عبيد، والمبير الحجاج بن يوسف. وأخبر بالردّة، وأن الخلافة بعده ثلاثون، ثم ملكا، وقال: «إن هذا الأمر بدأ نبوّة ورحمة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم يكون ملكا عضوضا «٥» ، ثم يكون عتوّا وجبروّة وفسادا فى الأئمة» فكان كل ذلك كما أخبر. وأخبر أن سيكون فى أمته ثلاثون كذّابا فيهم أربع نسوة، وفى حديث آخر: «ثلاثون دجالا كذّابا آخرهم الدّجّال الكذّاب كلهم يكذب على الله ورسوله» . وقال ﷺ : «يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم «٦» ، ويضربون رقابكم» فكان كذلك. وقال: «لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان» «٧» . وقال: «هلاك أمتى على يدى أغيلمة من قريش» قال أبو هريرة راوى الحديث: لو شئت سميتهم لكم،
следующие страницы →