Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
فانطلق فأضاء له العرجون، ووجد السواد فضربه حتى خرج. ومن ذلك أنه ﷺ زوّد أصحابه سقاء من ماء بعد أن أوكأه ودعا فيه، فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وفى فمه زبدة. رواه حمّاد بن سلمة.
ومما يلتحق بهذا الفصل
أنه ﷺ ركب فرسا لأبى طلحة، كان يقطف «١» - أو- به قطاف، فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحرا، فكان بعد لا يجارى. ونخس «٢» جمل جابر بن عبد الله، وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه، وقد تقدم خبره. وخفق فرس جعيل الأشجعى بمخفقه «٣» معه وبرّك عليها فلم يملك رأسها نشاطا، وباع من بطنها باثنى عشر ألفا. وركب ﷺ حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فرده هملاجا «٤» لا يساير.
ومن ذلك بركة يده ﷺ فيما لمسه كقصة سلمان فى كتابته، وما غرس له ﷺ من الودىّ «٥» فأطعمت كلها من عامها، والذّهب الذى أعطاه، وقد تقدم ذكر ذلك فى إسلام سلمان. ومنه أنه ﷺ مسح على رأس عمير بن سعد وبرّك فمات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب. وكذلك السّائب ابن يزيد، ومدلوك «٦» ، وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه، وذلك أن رسول الله ﷺ مسح بيده على بطنه وظهره. ومسح على
стр. 6477
رأس قيس بن زيد الجذامىّ، ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة، ورأسه أبيض، وموضع كفّ النبى ﷺ وما مرّت يده عليه من شعره أسود، فكان يدعى الأغرّ. وروى مثل ذلك لعمرو بن ثعلبة الجهنىّ. ومسح وجه آخر فما زال على وجهه نور. ومسح وجه قتادة بن ملحان، فكان لوجهه بريق، حتى كان ينظر فيه كما ينظر فى المرآة. ونضح فى وجه زينب بنت أمّ سلمة نضحة من ماء، فما نعرف كان فى وجه امرأة من الجمال ما بها. ومسح على رأس صبى به عاهة فبرأ واستوى شعره، وعلى غير واحد من الصبيان المرضى والمجانين فبرءوا. وأتاه رجل به أدرة «١» فأمره أن ينضحها بماء من عين مجّ «٢» فيها ففعل فبرأ. وعن طاوس:
لم يؤت النبى ﷺ بأحد به مسّ فصكّ فى صدره إلا ذهب. والمس:
الجنون. ومجّ فى دلو من بئر ثم صبّ فيها ففاح منها ريح المسك. وشكا إليه أبو هريرة النسيان فأمره أن يبسط ثوبه، وغرف بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسى شيئا بعد. ومن ذلك درور الشياه الحوائل «٣» باللبن الكثير؛ كقصة شاة أمّ معبد، وأعنز معاوية بن ثور، وشاة أنس، وغنم حليمة، وشارفها «٤» ، وشاة عبد الله بن مسعود، وشاة المقداد، والله أعلم.
ومن معجزاته ﷺ ما أخبر به من الغيوب، وما يكون قبل وقوعه، فكان كما أخبر به ﷺ ؛ روى عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه «٥» ، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابى هؤلاء،
стр. 6478
وإنه ليكون منه الشىء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال حذيفة: ما أدرى أنسى أصحابى أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضى الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. وقال أبو ذرّ: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه فى السماء إلا ذكرنا منه علما «١» .
ومما أخبر به ﷺ مما يكون فكان، ما أخرجه أهل الصحيح والأئمة، مما وعد به رسول الله ﷺ أصحابه من الظّهور على أعدائه، وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن «٢» المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن المدينة ستغزى «٣» ، وتفتح خيبر على يدى علىّ فى غد يومه، وما يفتح الله على أمته من الدنيا، وما يؤتون من زهرتها «٤» ، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وما يحدث بينهم من الفتون «٥» والاختلاف والأهواء، وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، وأنه ستكون لهم أنماط «٦» ، ويغدو أحدهم فى حلّة ويروح فى أخرى، وتوضع بين يديه صحفة «٧» وترفع أخرى، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة، ثم قال آخر الحديث:
«وأنتم اليوم خير منكم يومئذ» وأنهم إذا مشوا المطيطاء «٨» ، وخدمتهم بنات
стр. 6479
فارس والروم، ردّ الله بأسهم بينهم، وسلّط شرارهم على خيارهم، وما أخبر به ﷺ من قتالهم التّرك والخزر والرّوم، وذهاب كسرى وفارس، حتى لا كسرى ولا فارس بعده، وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده، وأن الروم ذات قرون إلى آخر الدهر، وأخبر بذهاب الأمثل فالأمثل من الناس، وتقارب الزمان، وقبض العلم، وظهور الفتن والهرج، وقوله ﷺ :
«زويت «١» لى الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» فكان كذلك؛ امتدت فى المشارق والمغارب، ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة «٢» حيث لا عمارة وراءه، ولم تمتدّ فى الجنوب والشمال مثل ذلك. وقوله ﷺ : «ويل للعرب من شرّ قد اقترب» .
وقوله: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة» ذهب ابن المدينى إلى أنهم العرب؛ لأنهم المختصّون بالسّقى بالغرب وهو الدّلو، وقيل:
بل هم أهل المغرب، ومن رواية أبى أمامة: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» . وأخبر ﷺ بملك بنى أمية، وولاية معاوية، ووصاه، واتخاذ بنى أمية مال الله دولا «٣» .
وأخبر بخروج ولد العباس بالرايات السود، وملكهم أضعاف ما ملكوا، وأخبر بقتل علىّ رضى الله عنه، وأن أشقاها الذى يخضب هذه من هذه؛ أى لحيته من رأسه. وقال: يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف، وأن الله عسى أن
стр. 6480
يلبسه قميصا، وأنهم يريدون خلعه، وأنه سيقطر دمه على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
«١» . وأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيّا، وأخبر بمحاربة الزبير لعلىّ، ونباح كلاب الحوأب «٢» على بعض أزواجه، وأنه يقتل حولها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت، وأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، وقال لعبد الله بن الزبير: «ويل للناس منك، وويل لك من الناس» وقال فى قزمان «٣» وقد أبلى بلاء حسنا مع المسلمين: «إنه من أهل النار» فقتل نفسه. وقال ﷺ : «يكون فى ثقيف كذّاب ومبير «٤» » فكان الكذاب المختار بن أبى عبيد، والمبير الحجاج بن يوسف. وأخبر بالردّة، وأن الخلافة بعده ثلاثون، ثم ملكا، وقال: «إن هذا الأمر بدأ نبوّة ورحمة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم يكون ملكا عضوضا «٥» ، ثم يكون عتوّا وجبروّة وفسادا فى الأئمة» فكان كل ذلك كما أخبر. وأخبر أن سيكون فى أمته ثلاثون كذّابا فيهم أربع نسوة، وفى حديث آخر: «ثلاثون دجالا كذّابا آخرهم الدّجّال الكذّاب كلهم يكذب على الله ورسوله» . وقال ﷺ : «يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم «٦» ، ويضربون رقابكم» فكان كذلك. وقال: «لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان» «٧» . وقال: «هلاك أمتى على يدى أغيلمة من قريش» قال أبو هريرة راوى الحديث: لو شئت سميتهم لكم،
стр. 6481
بنو فلان وبنو فلان. وأخبر بظهور القدريّة والرافضة، وسبّ آخر هذه الأمة أوّلها. وأخبر بشأن الخوارج وصفتهم، والمخدج «١» الذى فيهم، وأن سيماهم التّحليق «٢» .
وقال: «خيركم قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتى بعد ذلك قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون» . وقال: «لا يأتى زمان إلا والذى بعده شر منه» . وأخبر ﷺ بالموتان «٣» الذى يكون بعد فتح المقدس. وما وعد من سكنى البصرة، وأن أمته يغزون فى البحر كالملوك على الأسرّة؛ فكان فى زمن يزيد بن معاوية. وقال: «إن الدّين لو كان منوطا «٤» بالثريا لناله رجال من ابناء فارس» . وقال ﷺ فى الحسن بن على رضى الله عنهما: «إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين» . وأخبر بقتل الحسين بالطّف «٥» ، وأخرج بيده تربة، وقال: فيها مضجعه. وقال فى زيد بن صوحان: يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده فى الجهاد. وقال لسراقة:
«كيف بك إذا لبست سوارى كسرى» فلما أتى بهما لعمر ألبسهما إياه، وقال:
الحمد لله الذى سلبهما كسرى وألبسهما سراقة. وقال: «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربّل والصّراة «٦» تجبى إليها خزائن الأرض يخسف بها» . فبنيت بغداد.
وقال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل طائفتان دعواهما واحدة» . وقال لعمر فى سهيل بن عمرو: «عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر» فقام بمكة مقام أبى بكر يوم بلغهم موت النبى ﷺ ، وخطب بنحو خطبته، وثبّت الناس
стр. 6482
وقوّى بصائرهم، وقال لخالد حين وجهه إلى أكيدر: «إنك بحده يصيد البقر» فكان كذلك. وقد تقدّم خبره. وأخبر ﷺ بوقائع نحن نترقب وقوعها؛ كقوله: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينيّة» . وأخبر بغير ذلك من الأمور التى وقعت فى حياته فى أماكن بعيدة، وأخبر بها حال وقوعها كموت النجاشى، وقتل أمراء مؤته، وغير ذلك ﷺ .
ومن معجزاته عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته إياه مع كثرة أعدائه وتحزبهم واجتماعهم على أذاه
قال الله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
«١» . وقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
«٢» . وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
«٣» . وقال:
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
«٤» . وقال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
«٥» . روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبّة، فقال لهم:
«يأيها الناس انصرفوا فقد عصمنى الله ربى » . وقيل: كان النبى ﷺ يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية استلقى، ثم قال: «من شاء فليخذلنى» . وقد تقدم من عصمة الله له وكفايته قصتا دعثور وغورث، وخبر
стр. 6483
حمّالة الحطب، وأخذ الله تعالى على بصرها حين أرادته بالفهر «١» ، وخبر أبى جهل حين أراده بالحجر، وغير ذلك.
وها نحن نورد فى هذا الموضع من ذلك خلاف ما قدّمناه؛ فمن ذلك ما روى عن الحكم بن العاص أنه قال: تواعدنا على النبى ﷺ ، حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقى بتهامة أحد، فوقعنا مغشيا علينا، فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى، فخرجنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: تواعدنا أنا وأبو جهم بن حذيفة ليلة قتل «٢» رسول الله ﷺ ، فجئنا منزله فسمعنا له، فافتتح وقال: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
إلى: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
«٣» فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال: انج، وفرّا هاربين، فكانت من مقدّمات إسلام عمر. ومن ذلك خروجه ﷺ على قريش حين اجتمعوا لقتله، فأخذ الله على أبصارهم حتى ذرا «٤» التراب على رءوسهم وخلص منهم.
وقصة الغار، وأخذ الله على أبصارهم، وخبر سراقة بن مالك بن جعشم، وقد تقدّم ذكر ذلك. وفى خبر آخر أنّ راعيا عرف خبر رسول الله ﷺ وأبى بكر حين هاجرا، فخرج يشتدّ «٥» ليعلم قريشا بشأنهما، فلما دخل مكة ضرب على قلبه فما يدرى ما يصنع، وأنسى ما خرج له حتى رجع إلى موضعه. وذكر السّمرقندىّ:
أن رجلا من بنى المغيرة أتى النبى ﷺ ليقتله، فطمس الله بصره فلم
стр. 6484
ير النبى ﷺ وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه ولم يرهم حتى نادوه، وذكر أنّ فيه وفى أبى جهل نزلت: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
«١» .
وقد روى عن أبى هريرة أن أبا جهل وعد قريشا: لئن رأى محمدا- ﷺ يصلّى ليطأنّ رقبته، فلما صلّى النبى ﷺ أعلموه فأقبل، فلما قرب منه ولّى هاربا ناكصا على عقبيه متّقيا بيديه، فسئل فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوى فيه، وأبصرت هولا عظيما، وخفق أجنحة قد ملأت الأرض. فقال رسول الله ﷺ : «تلك الملائكة لودنا لا ختطفته عضوا عضوا» ثم أنزل على رسول الله ﷺ : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
«٢» إلى آخر السورة. وقد ذكرنا أيضا قصة شيبة بن عثمان بن أبى طلحة فى غزوة حنين. وعن فضّالة بن عمرو قال: أردت قتل النبى ﷺ عام الفتح وهو يطوف بالبيت، فلما دنوت منه قال: «أفضالة» ؟ قلت: نعم، قال: «ما كنت تحدّث به نفسك» ؟ قلت: لا شىء، فضحك واستغفر لى ووضع يده على صدرى فسكن قلبى، فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إلىّ منه.
ومنه خبر عامر بن الطّفيل، وأربد بن قيس، وقد تقدم ذكر قصتهما «٣» .
ومن معجزاته ﷺ ما جمعه الله تعالى له من المعارف والعلوم، وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين، ومعرفته بأمور الشرائع وغير ذلك، كاطلاعه ﷺ على أخبار من سلف من الأمم، وقصص الأنبياء والرسل، وأخبار الجبابرة والقرون
стр. 6485
الماضية، وحفظ شرائعهم، وسرد أنبائهم، وأيّام الله فيهم، ومعارضة كل فرقة من أهل الكتاب بما فى كتبهم، وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها، وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيّروه، واحتوائه ﷺ على لغات العرب وغريب ألفاظها، والحفظ لأيامها وأمثالها وحكمها، ومعانى أشعارها، وما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم، وما علمه من ضروب العلوم وفنون المعارف؛ كالطبّ والعبارة «١» والفرائض والحساب والأنساب وغير ذلك، مما جعل أهل هذه العلوم كلامه ﷺ فيها قدوة وحجة وأصولا يرجعون إليها فى علومهم؛ كقوله ﵇: «الرؤيا لأوّل عابر وهى على رجل طائر» وقوله: «الرؤيا ثلاث؛ رؤيا حق، ورؤيا يحدّث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» . وقوله: «إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» .
وقوله: «أصل كل داء البردة «٢» » وقوله: «المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة» وقوله: «خير ما تداويتم به السّعوط «٣» ، واللّدود «٤» ، والحجامة، والمشىّ «٥» ، وخير الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، وفى العود «٦» الهندى سبعة أشفية» وقوله: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه» . وقوله لكاتبه:
«ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملى» . وقد وردت آثار بمعرفته حروف
стр. 6486
الخطّ، وحسن تصويرها؛ كقوله: «لا تمدّوا بسم الله الرحمن الرحيم» رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس، وقوله فى الحديث الآخر الذى يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه- ﷺ فقال له: «ألق «١» الدّواة، وحرّف القلم، وأقم الباء، وفرّق السين، ولا تعوّر «٢» الميم، وحسّن الله، ومدّ الرحمن، وجوّد الرحيم» وإن لم تصح الرواية أنه ﷺ كتب، فلا يبعد أن يكون قد رزق علم الخطّ، ومنع الكتابة والقراءة. وكذلك حفظه ﷺ لكثير من لغات الأمم؛ كقوله ﷺ : «سنه سنه «٣» » وهى حسنة بالحبشية، وقوله: و «يكثر الهرج» وهو القتل بها، وقوله فى حديث أبى هريرة: «اشكنب «٤» دردم» أى وجع البطن بالفارسية، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا من دارس العلوم، ومارس الكتب، وداوم المطالعة، وعكف على الاشتغال. وكان ﷺ بخلاف ذلك لا يقرأ ولا يكتب؛ كما أخبر الله تعالى عنه بقوله :
«وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» «٥» وفى هذا أكبر آية، وأعظم دلالة، وأبين حجة، وأبهر معجزة له ﷺ .
وقد رأينا أن نختم هذه الفصول بذكر القصيدة التى ابتسمت ثغورها بوصف معجزاته ،
وتحلّت نحورها بجواهر صفاته، ورفلت فى حلل الفخار من باهر آياته، وسحبت ذيول الافتخار بإشارات إلى غزواته، وفاح أرجها فأخجل المسك الدّارىّ «٦» ، وأشرقت أنوارها على النيرين
стр. 6487
فما ظنك بالدرارىّ، وهى قصيدة الشيخ الإمام العلامة أبى محمد عبد الله بن زكريا الشّقراطيسىّ «١» رحمه الله تعالى، وإنما اقتصرنا عليها وصرفنا الرغبة دون غيرها إليها لاشتمالها على جمل من أخباره السنية، ونكت من آثاره التى هى بكل خير ملية، وهى:
الحمد لله منّا باعث الرسل ... هدى بأحمد منّا أحمد السّبل «٢»
خير البرية من بدو ومن حضر ... وأكرم الخلق من حاف ومنتعل «٣»
توراة موسى أتت عنه فصدّقها ... إنجيل عيسى بحقّ غير مفتعل «٤»
أخبار أحبار أهل الكتب قد وردت ... عما رأوا ورووا فى الأعصر الأول
ضاءت لمولده الآفاق وانصلت ... بشرى الهواتف فى الإشراق والطّفل «٥»
وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقاض منكسر الأرجاء ذا ميل «٦»
ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرّت لمبعثه الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشهب ترمى الجنّ بالشّعل
ومنطق الذئب بالتصديق معجزة ... مع الذراع ونطق العير والجمل «٧»
وفى دعائك بالأشجار حين أتت ... تسعى بأمرك فى أغصانها الذّلل
وقلت عودى فعادت فى منابتها ... تلك العروق بإذن الله لم تمل
стр. 6488
والسّرح بالشام لما جئتها سجدت ... شمّ الذوائب فى أغصانها الخضل «١»
والجذع حنّ لأن فارقته أسفا ... حنين ثكلى شجتها لوعة الثّكل «٢»
ما صبر من صار من عين على أثر ... وحال من حال من حال إلى عطل «٣»
حيى فمات سكونا ثم مات لدن ... حيى حنينا فأضحى غاية المثل
والشاة لمّا مسحت الكفّ منك على ... جهد الهزال بأوصال لها قحل «٤»
سحّت ودرّت بشكر الضرع حافلة ... فروّت الركب بعد النّهل بالعلل «٥»
وآية الغار إذ وقّيت فى حجب ... عن كل رجس لرجس الكفر منتحل «٦»
وقال صاحبك الصّدّيق كيف بنا ... ونحن منهم بمرأى الناظر العجل
فقلت لا تحزن ان الله ثالثنا ... وكنت فى حجب ستر منه منسدل
حمّت لديك حمام الوحش جاثمة ... كيدا لكل غوىّ القلب مختبل «٧»
والعنكبوت أجادت حوك حلّتها ... فما يخال خلال النّسج من خلل
قالوا: وجاءت إليه سرحة سترت ... وجه النبىّ بأغصان لها هدل»
стр. 6489
وفى سراقة آيات مبنيّة ... إذ ساخت الحجر فى وحل بلا وحل «١»
عرجت تخترق السبع الطّباق إلى ... مقام زلفى كريم قمت فيه عل «٢»
عن قاب قوسين أو أدنى هبطت ولم ... تستكمل الليل بين المرّ والقفل «٣»
دعوت للخلق عام المحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل «٤»
صعّدت كفّيك إذ كفّ الغمام فما ... صوّبت إلّا بصوب الواكف الهطل «٥»
أراق بالأرض ثجّا صوب ريّقه ... فحلّ بالأرض نسجا رائق الحلل «٦»
زهر من النّور حلّت روض أرضهم ... زهرا من النّور ضافى النبت مكتهل «٧»
من كل غصن نضير مورق خضر ... وكل نور نضيد مونق خضل «٨»
تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد المضرة تروى السّبل بالسّبل «٩»
دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل
стр. 6490
ويوم زورك بالزّوراء إذ صدروا ... من يمن كفّك عن أعجوبة مثل «١»
والماء ينبع جودا من أناملها ... وسط الإناء بلا نهر ولا وشل «٢»
حتى توضأ منه القوم واغترفوا ... وهم ثلاث مئين جمع محتفل
أشبعت بالصاع ألفا مرملين كما ... رؤيت ألفا ونصف الألف من سمل «٣»
وعاد ما شبع الألف الجياع به ... كما بدوا فيه لم ينقص ولم يحل
أعجزت بالوحى أصحاب البلاغة فى ... عصر البيان فضلّت أوجه الحيل
سألتهم سورة فى مثل حكمته ... فتلّهم عنه حين العجز حين تلى «٤»
ورام رجس كذوب أن يعارضه ... بعىّ غىّ فلم يحسن ولم يطل «٥»
مثبّج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزرىّ الزّور والخطل «٦»
يمجّ أول حرف منه سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل «٧»
كأنّه منطق الورهاء شذّبه ... لبس من الخبل أو مسّ من الخبل «٨»
أمرّت البئر واغورّت لمجّته ... فيها وأعمى بصير العين بالتّفل «٩»
стр. 6491
وأيبس الضّرع منه شؤم راحته ... من بعد إرساله بالرّسل منهمل «١»
برئت من دين قوم لا قوام لهم ... عقولهم من وثاق الغىّ فى غلل «٢»
يستخبرون خفىّ الغيب من حجر ... صلد ويرجون غوث النصر من هبل «٣»
نالوا أذّى منك- لولا حلم خالقهم ... وحجّة الله بالإنذار لم تنل «٤»
واستضعفوا أهل دين الله فاصطبروا ... لكل معضل خطب فادح جلل «٥»
لاقى بلال بلاء من أميّة قد ... أحلّه الصبر فيه أكرم النّزل
إذ أجهدوه بضنك الضّنك وهو على ... شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل «٦»
ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقد ... عالوا عليه صخورا جمّة الثّقل «٧»
فوحّد الله إخلاصا وقد ظهرت ... بظهره كنده ب الطّلّ فى الطّلل «٨»
إن قدّ ظهر ولىّ الله من دبر ... قد قدّ قلب عدوّ الله من قبل «٩»
نفرت فى نفر لم ترض أنفسهم ... إذ نافروا الرّجس إلّا القدس من نفل «١٠»
стр. 6492
بأنفس بدّلت فى الخلد إذ بذلت ... عن صدق بذل ببدر أكرم البدل
قالوا: محمد قد حلّت كتائبه ... كالأسد تزأر فى أنيابها العصل «١»
فويل مكّة من آثار وطأته ... وويل أمّ قريش من جوى الهبل «٢»
فجدت عفوا بفضل العفو منك ولم ... تلمم ولا بأليم اللّوم والعذل
أضربت بالصّفح صفحا عن طوائلهم ... طولا أطال مقيل القوم فى المقل»
رحمت واشج أرحام أتيح لها ... تحت الوشيج نشيج الرّوع والوجل «٤»
عاذوا بظل كريم العفو ذى لطف ... مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل «٥»
أحبب بخيل من التّكوين قد جنبت ... لجانب عن جناب الحقّ معتزل «٦»
أعميت جيشا بكفّ من حصى فجثوا ... وعطّلوا عن حراك النّفل بالنّقل «٧»
ودعوة بفناء البيت صادقة ... غدا أميّة منها شرّ منخزل «٨»
стр. 6493
غادرت جهل أبى جهل بمجهلة ... وشاب شيبة قبل الموت من وجل «١»
وعتبة الشّرّ لم يعتب فتعطفه ... منك العواطف قبل الفوت فى مهل «٢»
وعقبة الغمر عقباه لشقوته ... قد ظلّ من غمرات الغىّ فى ظلل «٣»
وكلّ أشوس عاتى القلب منقلب ... جعلته بقليب البئر كالجعل «٤»
وجاثم بمثار النّقع مشتغل ... بجاحم من أوار النار مشتعل «٥»
عقدت بالحزى فى عطفى مقلّدهم ... طوق الحمامة باق غير منتقل «٦»
أمسى خليل صغار بعد نخوته ... بالأمس فى خيلاء الخيل والخول «٧»
دام يديم زفيرا فى جوانحه ... جنح من الشّكّ لم يجنح ولم يمل «٨»
يقاد فى القدّ خنقا مشربا حنقا ... يمشى به الذّعر مشى الشارب الثّمل «٩»
стр. 6494
أوصاله من صليل الغلّ فى علل ... وقلبه من غليل الغلّ فى غلل «١»
يظلّ يحجل ساجى الطرف خافضه ... بمسكة الحجل لا من مسكة الحجل «٢»
أرحت بالسيف ظهر الأرض من نفر ... أزحت بالصدق منهم كاذب العلل «٣»
تركت بالكفر صدعا غير ملتئم ... وآب منك بقرح غير مندمل «٤»
وأفلت السيف منهم كلّ ذى أسف ... على الحمام حماه آجل الأجل «٥»
قد أعتقته عتاق الخيل وهو يرى ... به إلى رقّ موت رقّة الغزل «٦»
فكم بمكة من باك وباكية ... بفيض سجل من الآماق منسجل «٧»
وكاسف البال بالى الصبر جدت له ... بوابل من وبال الخزى متّصل «٨»
فؤاده من سعير الغيظ فى غلل ... وعينه من غزير الدمع فى غلل «٩»
стр. 6495
قد أسعرت منه صدرا غير مصطبر ... وحمّلت منه قلبا غير محتمل «١»
ويوم مكة إذ أشرفت فى أمم ... يضيق عنها فجاج الوعر والسّهل «٢»
خوافق ضاق ذرع الخافقين بها ... فى قاتم من عجاج الخيل والإبل «٣»
وجحفل قذف الأرجاء ذى لجب ... عرمرم كزهاء الليل منسدل «٤»
وأنت- صلى عليك الله- تقدمهم ... فى بهو إشراق نور منك مكتمل «٥»
ينير فوق أغرّ الوجه منتجب ... متوّج بعزيز النصر مقتبل «٦»
تسمو أمام جنود الله مرتديا ... ثوب الوقار لأمر الله ممتثل
خشعت تحت لواء العزّحين سمت ... بك المهابة فعل الخاضع الوجل «٧»
وقد تباشر أملاك السماء بما ... ملّكت إذ نلب منه غاية الأمل
والأرض ترجف من زهو ومن فرق ... والجوّ يزهر إشراقا من الجذل «٨»
والخيل تختال ميلا فى أعنّتها ... والعيس تنثال رهوا من ثنى الجدل «٩»
стр. 6496
لولا الذى خطّت الأقلام من قدر ... وسابق من قضاء غير ذى حول
أهلّ ثهلان بالتهليل من طرب ... وذاب يذبل تكبيرا من الذّبل «١»
الملك لله هذا عزّ من عقدت ... له النبوّة فوق العرش فى الأزل
شعبت صدع قريش بعد ما قذفت ... بهم شعوب شعاب السّهل والقلل «٢»
من كل مهتصر لله منتصر ... بالسيف مختصر بالرّمح معتقل «٣»
يمشى إلى الموت عالى الكعب معتقلا ... أظمى الكعوب كمشى الكاعب الفضل «٤»
قد قاتلوا دونك الأقيال عن جلد ... وجالدوا بجلاء البيض والجدل «٥»
وصلتهم وقطعت الأقربين معا ... فى الله لولاه لم تقطع ولم تصل
وجاء جبريل فى جند لهم عدد ... لم يبتذلها أكفّ الخلق بالعمل
بيض من العون لم تستلّ من عمد ... خيل من الكون لم تستنّ فى طيل «٦»
стр. 6497
أزكى البرية أخلاقا وأطهرها ... وأكثر الناس صفحا عن ذوى الزّلل
زان الخشوع وقار منه فى خفر ... أرقّ من خفر العذراء فى الكلل «١»
وطفت فى البيت محبورا وطاف به ... من كان عنه قبيل الفتح فى شغل
والكفر فى ظلمات الرّجس مرتكس ... ثاو بمنزلة البهموت من زحل «٢»
حجزت بالأمن أقطار الحجاز معا ... وملت بالخوف عن خيف وعن ملل «٣»
وحلّ أمن ويمن منك فى يمن ... لما أجابت إلى الإيمان فى عجل
وأصبح الدين قد حفّت جوانبه ... بعزة النصر واستعلى على الملل «٤»
قد طاع منحرف منهم لمعترف ... وانقاد منعدل منهم لمعتدل
أحبب بخلّة أهل الحقّ فى الخلل ... وعزّ دولته الغرّاء فى الدول
أمّ اليمامة يوم منه مصطلم ... وحلّ بالشام شؤم غير مرتحل «٥»
تعرّقت منه أعراق العراق ولم ... يترك من التّرك عظما غير منتثل «٦»
стр. 6498
لم يبق للفرس ليث غير مفترس ... ولا من الحبش جيش غير منجفل «١»
ولا من الصّين صون غير مبتذل ... ولا من الروم مرمى غير منتضل «٢»
ولا من النّوب جذم غير منجذم ... ولا من الزّنج جذل غير منجذل «٣»
ونيل بالسّيف سيف النّيل واتصلت ... دعوى الجنود فكلّ بالجلاد صلّى «٤»
وسلّ بالغرب غرب السيف إذ شرقت ... بالشرق قبل صدور البيض والأسل «٥»
وعاد كل عدوّ عزّ جانبه ... قد عاذ منك ببذل منه مبتذل «٦»
بذمّة الله والإيمان متّصل ... أو من شبا النّصل بالأموال منتصل «٧»
يا صفوة الله قد صافيت فيك صفا ... صفو الوداد بلا شوب ولا دخل «٨»
ألست أكرم من يمشى على قدم ... من البرية فوق السهل والجبل
وأزلف الحلق عند الله منزلة ... إذ قيل فى مشهد الأشهاد والرسل
قم يا محمد فاشفع فى العباد وقل ... تسمع وسل تعط واشفع عائدا وسل
والكوثر الحوض يروى الناس من ظمأ ... برح وينقع منه لاعج الغلل «٩»
стр. 6499
أصفى من الثلج إشراقا مذاقته ... أحلى من اللبن المضروب بالعسل
نحلتك الودّ علىّ إذ نحلتكه ... أحبى بفضلك منه أفضل النّحل «١»
فما لجلدى بنضج النار من جلد ... ولا لقلبى بهول الحشر من قبل
يا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمت ... يداى وجهى من حوب ومن زلل «٢»
واصحب وصلّ وواصل كلّ صالحة ... على صفيّك فى الإصباح والأصل
ﷺ وقد آن أن نأخذ فى ذكر أخبار وفاة رسول الله ﷺ ، ونبدأ من ذلك بما أنزل عليه عند اقتراب أجله، ثم نذكر ابتداء وجعه والحوادث التى انفقت فى أثناء مرضه إلى حين وفاته ﷺ .
ذكر ما أنزل على رسول الله ﷺ عند اقتراب أجله، وما كان يقوله مما استدل به على اقترابه
كان مما استدل به على اقتراب أجل رسول الله ﷺ ، نزول سورة الفتح، وتتابع الوحى، وتكرار عرض القرآن على جبريل، واستغفار رسول الله ﷺ لأهل البقيع والشهداء. روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سأل عن قول الله : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً
«٣» فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا الله وفتح علينا. وقال بعضهم: فتح المدائن والقصور. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، قال عمر: كذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو
стр. 6500
أجل رسول الله ﷺ أعلمه له؛ قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وذاك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
«١» فقال عمر رضى الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما صلّى النبى ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
إلا يقول فيها: «سبحانك ربّنا وبحمدك اللهم اغفرلى» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
داع من الله ووداع من الدنيا.
وعنه رضى الله عنه قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
دعا رسول الله ﷺ فاطمة فقال: «إنه نعيت إلىّ نفسى» قالت: فبكيت، فقال: «لا تبكى فإنك أوّل أهلى بى لحوقا» فضحكت. وروى محمد بن سعد بسنده إلى أنس بن مالك: أن الله ﵎ تابع الوحى على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتى توفّى، وأكثر ما كان الوحى فى يوم توفّى رسول الله ﷺ . وروى ابن سعد أيضا بسنده إلى عكرمة قال قال العباس:
لأعلمنّ بقاء رسول الله ﷺ فينا، فقال له: يا رسول الله، لو اتخذت عرشا فإن الناس قد آذوك، قال: «والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعونى رداتى ويصيبنى غبارهم حتى يكون الله يريحنى منهم» قال العباس: فعرفنا أن بقاء رسول الله ﷺ فينا قليل. وعن واثلة بن الأسقع قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «أتزعمون أنى من آخركم وفاة، ألا وإنى من أوّلكم وفاة، وتتبعونى أفنادا «٢» يهلك بعضكم بعضا» . وعن أبى صالح قال: كان جبريل يعرض القرآن كل سنة مرة على رسول الله ﷺ ، فلما كان العام الذى
стр. 6501
قبض فيه عرضه عليه مرتين. وكان رسول الله ﷺ يعتكف فى شهر رمضان العشر الأواخر، فلما كانت السنة التى قبض فيها اعتكف عشرين يوما.
وعن عائشة وابن عباس رضى الله عنهم نحوه.
ذكر استغفار رسول الله ﷺ لأهل بقيع الغرقد «١» والشّهداء، وما روى من تخييره بين البقاء ولقاء الله تعالى، واختياره لقاء ربه
روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: قام رسول الله ﷺ ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج، فأمرت جاريتى بريرة فتبعته، حتى إذا جاء البقيع وقف فى أدناه ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتنى فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت ذلك له فقال: «إنى بعثت لأهل البقيع لأصلى عليهم» . وعنها رضى الله عنها قالت: افتقدت النبىّ ﷺ من الليل فتبعته فإذا هو البقيع فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط،»
وإنابكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم» قالت: ثم التفت إلىّ فقال:
«ويحها لو تستطيع ما فعلت» . وعنها رضى الله عنها قالت: وثب رسول الله ﷺ من مضجعه من جوف الليل، فقلت: إلى أين بأبى أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: «أمرت أن أستغفر لأهل البقيع» قالت: فخرج وخرج معه مولاه أبو رافع، وكان أبو رافع يحدّث قال: استغفر رسول الله ﷺ لهم طويلا ثم انصرف، وجعل يقول: «يا أبا رافع إنى خيّرت بين خزائن
стр. 6502
الدنيا والخلد ثم الجنة وبين لقاء ربى والجنة فاخترت لقاء ربى» . وعن أبى مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال قال لى رسول الله ﷺ من جوف الليل: «يا أبا مويهبة إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معى» فخرج وخرجت معه حتى جاء البقيع فاستغفر لأهله طويلا، ثم قال: «ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شر من الأولى» ثم أقبل علىّ فقال: «يا أبا مويهبة إنى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة» فقلت: بأبى أنت وأمى، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال: «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة» ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف. والجمع بين هذه الأحاديث كلها غير مناف؛ لأن رسول الله ﷺ ربما استغفر لأهل البقيع ليالى، ويؤيد هذا ويعضده ما رواه عطاء بن يسار عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتانا وإياكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» . وعن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ أتى فقيل له:
اذهب فصلّ على أهل البقيع، ففعل ذلك ثم رجع فرقد، فقيل له اذهب فصلّ على الشهداء، فذهب إلى أحد فصلى على قتلى أحد، فرجع معصوب الرأس، فكان بدوّ الوجع الذى مات فيه ﷺ .
وعن عقبة بن عامر الجهنىّ: أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إنى بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإنى لأنظر إليه وأنا فى مقامى هذا، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنانسوها» .
стр. 6503
ذكر ابتداء وجع رسول الله ﷺ واستئذانه نساء أن يمرض فى بيت عائشة رضى الله عنها
كان ابتداء وجع رسول الله ﷺ فى يوم الأربعاء، قيل: لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: لليلة بقيت من صفر.
روى عن ابن شهاب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود- دخل حديث أحدهما فى حديث الآخر- عن عائشة رضى الله عنها قالت: بدا برسول الله ﷺ شكوة الذى توفّى فيه وهو فى بيت ميمونة، فخرج فى يومه ذلك حتى دخل علىّ، قال ابن مسعود عنها: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وارأساه، فقال: «بل أنا يا عائشة وارأساه» قالت ثم قال، «وما ضرّك لو متّ قبلى فقمت عليك وكفّنتك وصليت عليك ودفنتك» قالت قلت: والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ، وتتامّ «١» به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى استعزّ «٢» به وهو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرّض فى بيتى فأذنّ له، قالت: فخرج يمشى بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، عاصب رأسه تخطّ قدماه حتى دخل بيتى، قال عبيد الله: فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عباس فقال: هل تدرى من الرجل الآخر؟ قال قلت: لا، قال: على بن أبى طالب قالت عائشة: ثم غمر «٣» رسول الله ﷺ ، واشتدّ به وجعه، فقال:
стр. 6504
«هريقوا علىّ من سبع قرب من آبار شتّى» وفى رواية: «لم تحلل أو كيتهنّ «١» لعلى أعهد إلى الناس» قالت: فأجلسناه فى مخضب «٢» لحفصة بنت عمر، ثم طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ، ثم خرج إلى الناس وصلّى بهم وخطبهم ﷺ .
ذكر خطبة رسول الله ﷺ وما أمر به من سدّ الأبواب التى تشرع إلى مسجده إلا باب أبى بكر الصديق ووصيته بالأنصار
روى عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه، قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله» فبكى أبو بكر فقلت فى نفسى: ما يبكى هذا الشيخ أن يكون رسول الله ﷺ يخبرنا عن عبد خيّر فاختار؟ قال: وكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به، قال فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر لا تبك، أيها الناس، إنّ أمنّ الناس علىّ فى صحبته وما له أبو بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلا كان أبو بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقين فى المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبى بكر» . وعن قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد؛ أن النبى ﷺ قال: «إن أعظم الناس علىّ منّا فى صحبته وذات يده أبو بكر، فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة كلها فى المسجد إلا باب أبى بكر» قال قتيبة: قال الليث بن سعد، قال معاوية ابن صالح، فقال ناس: أغلق أبوابنا وترك باب خليله، فقال رسول الله صلّى الله
стр. 6505
عليه وسلّم: «قد بلغنى الذى قلتم فى باب أبى بكر، وإنى أرى على باب أبى بكر نورا، وأرى على أبوابكم ظلمة» رواه محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى. وروى بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ فى مرضه الذى مات فيه عاصبا رأسه فى خرقة، فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
«إنه ليس أحد أمنّ علىّ فى نفسه وماله من أبى بكر بن أبى قحافة، ولو كنت متّخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلّة الإسلام أفضل، سدّوا عنى كلّ خوخة فى هذا المسجد غير خوخة أبى بكر» وعن أبى الحويرث قال:
لما أمر رسول الله ﷺ بالأبواب تسدّ إلا باب أبى بكر، قال عمر:
يا رسول الله، دعنى أفتح كوّة أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : «لا» . وعن أبى البدّاح بن عاصم بن عدىّ، قال قال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، ما بالك فتحت أبواب رجال إلى المسجد، ومالك سددت أبواب رجال؟ فقال: «يا عباس، ما فتحت عن أمرى ولا سددت عن أمرى» قالت عائشة رضى الله عنها فى حديثها: وأوصى رسول الله ﷺ بالأنصار، فقال: «يا معشر المهاجرين، إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار لا تزيد على هيئنها [التى هى عليها «١» ] اليوم، هم عيبتى «٢» التى أويت إليها، أكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» . ومن رواية: «احفظونى فيهم؛ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» .
стр. 6506
ذكر ما قاله رسول الله ﷺ لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وفيه
روى عن أبى أمامة، عن كعب بن مالك قال: إنّ أحدث عهدى بنبيّكم ﷺ قبل وفاته بخمس، فسمعته [يقول «١» ] ويحرّك كفّه «إنه لم يكن نبىّ قبلى إلا وقد كان له من أمته خليل، ألا وإنّ خليلى أبو بكر، إنّ الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» . وعن أبى مليكة قال قال النبى ﷺ فى مرضه الذى مات فيه: «ادعوا إلىّ أبا بكر» فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل يغلبه البكاء، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب، قال: «ادعوا إلىّ أبا بكر» قالت: إن أبا بكر يرقّ، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب. فقال: «إنكنّ صواحب يوسف، ادعوا إلىّ أبا بكر وابنه «٢» ، فليكتب «٣» أن يطمع فى أمر أبى بكر طامع أو يتمنّى متمنّ «٤» » ثم قال:
«يأبى الله ذلك والمؤمنون، يأبى الله ذلك والمؤمنون» قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون، فأبى الله ذلك والمؤمنون. وروى محمد بن سعد بسنده إلى عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد، كلهم يحدّث عن عائشة رضى الله عنها- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض- قالت: بدئ برسول الله ﷺ «٥» في بيت ميمونة فدخل علىّ وأنا أقول: وارأساه، فقال: «لو كان ذلك وأنا حىّ فأستغفر لك وأدعو لك وأكفّنك وأدفنك» فقلت:
واثكلاه، فو الله إنك لتحبّ موتى، ولو كان ذلك لظلمت يومك معرّسا ببعض
стр. 6507
أزواجك. فقال النبى ﷺ : «بل أنا وارأساه لقد هممت- أو أردت- أن أرسل إلى أبيك وإلى أخيك فأفضى أمرى، وأعهد عهدى، فلا يطمع فى الأمر، طامع ولا يقول القائلون: أو يتمنى المتمنون» . وقال بعضهم فى حديثه:
«وبأبى الله إلا أبا بكر» . وعن محمد بن جبير قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ يذاكره فى الشىء، فقال: إن جئت فلم أجدك؟ قال: «فأت أبا بكر» .
وعن عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: ابتاع النبى ﷺ بعيرا من رجل إلى أجل فقال: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك؟ يعنى بعد الموت، قال: «فأت أبا بكر» ، قال: فإن جئت فلم أجد أبا بكر، بعد الموت؟ قال: «فأت عمر» ، قال: فإن جئت فلم أجد عمر؟ قال: «إن استطعت أن تموت إذا مات عمر فمت» .
ذكر أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلّى
بالناس فى مرضه، وخروج رسول الله ﷺ وما كلّم به الناس، وكم صلّى أبو بكر بالناس صلاة، وما روى من أن رسول الله ﷺ ائتم بأبى بكر رضى الله عنه عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر يصلى بالناس» فقلت لحفصة: قولى له إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال:
«إنكنّ لأتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلى بالناس» فلما دخل أبو بكر
стр. 6508
فى الصلاة وجد رسول الله ﷺ فى نفسه خفة فقام يهادى «١» بين رجلين، ورجلاه تخطّان فى الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب أبو بكر يتأخّر، فأوما إليه رسول الله ﷺ ، فجاء النبى ﷺ حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله ﷺ يصلى قاعدا؛ يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبى بكر. رواه البخارى فى صحيحه. وروى محمد ابن سعد بسنده عن عبيد بن عمير الليثى نحوه. وقال: فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر: أى رسول الله، أراك أصبحت بحمد الله صالحا، وهذا يوم ابنة خارجة- امرأة لأبى بكر من الأنصار- فأذن له رسول الله ﷺ ، وجلس رسول الله ﷺ فى مصلّاة أو إلى جنب المنبر، فحذّر الناس الفتن، ثم نادى بأعلى صوته، حتى إن صوته ليخرج من باب المسجد، فقال: «إنى والله لا يمسك الناس علىّ بشىء؛ لا أحلّ إلا ما أحلّ الله فى كتابه، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله فى كتابه» ثم قال: «يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله فإنى لا أغنى عنكما من الله شيئا» ثم قام من مجلسه ذلك، فما انتصف النهار حتى قبضه الله تعالى. وعن سعيد بن المسيّب قال قال رسول الله ﷺ : «يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا، سلونى ما شئتم» . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال:
دخلت على عائشة فقلت لها حدّثينى عن مرض رسول الله ﷺ ، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ فقال: «أصلّى الناس» ؟ فقلت:
стр. 6509
لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» قالت:
ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء «١» فأغمى عليه ثم أفاق، فقال: «أصلّى الناس» ؟ فقلت:
لا، هم ينتظرونك، فقال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» قالت: ففعلنا فذهب فاغتسل فقال: «أصلّى الناس» ؟ قلت: لا، هم ينتظرونك، والناس عكوف فى المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، قالت:
فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلّى بالناس، فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا-: يا عمر، صلّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقّ بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبىّ ﷺ وجد فى نفسه خفّة فخرج بين رجلين أحدهما العباس، فصلى الظهر وأبو بكر يصلّى بالناس، قالت: فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبىّ ﷺ ألّا يتأخر، وقال لهما:
«أجلسانى إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبى بكر فجعل أبو بكر يصلى، وهو قائم بصلاة النبىّ ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبى بكر، والنبىّ ﷺ قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له:
ألا أعرض عليك ما حدّثتنى به عائشة عن مرض رسول الله ﷺ ؟
قال: هات، فعرضت [حديثها «٢» ] عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سمّت لك الرجل الذى كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو علىّ بن أبى طالب.
وروى محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزيّة عن محمد بن إبراهيم قال قال رسول الله ﷺ وهو مريض لأبى بكر: «صلّ بالناس» فوجد رسول الله صلّى الله
стр. 6510
عليه وسلّم خفّة فخرج وأبو بكر يصلّى بالناس، فلم يشعر حتى وضع رسول الله ﷺ يده بين كتفيه، فنكص أبو بكر، وجلس النبىّ ﷺ عن يمينه، فصلّى أبو بكر وصلّى رسول الله ﷺ بصلاته، فلما انصرف قال:
«لم يقبض نبىّ قطّ حتى يؤمّه رجل من أمته» . وروى نحوه عن أبى معشر، عن محمد ابن قيس. وعن أمّ سلمة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كان فى وجعه إذا خف عنه ما يجد خرج فصلّى بالناس، وإذا وجد ثقله قال: «مروا الناس فليصلّوا» فصلّى بهم ابن أبى قحافة يوما الصبح فصلّى ركعة، ثم خرج رسول الله ﷺ فجلس إلى جنبه فأتمّ بأبى بكر، فلما قضى أبو بكر الصلاة أتمّ رسول الله ﷺ ما فاته. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ صلّى فى مرضه بصلاة أبى بكر ركعة من الصبح ثم قضى الركعة الباقية. قال الواقدى: ورأيت هذا الثّبت عند أصحابنا؛ أن رسول الله ﷺ صلّى خلف أبى بكر. وروى محمد بن سعد بسنده إلى عبد الله بن زمعة بن الأسود قال:
عدت رسول الله ﷺ فى مرضه الذى توفّى فيه، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال لى رسول الله ﷺ : «مر الناس فليصلوا» قال عبد الله:
فخرجت فلقيت ناسالا أكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه، وكان أبو بكر غائبا فقلت له: صلّ بالناس يا عمر، فقام عمر فى المقام وكان عمر رجلا مجهرا، فلما كبّر سمع رسول الله ﷺ صوته، فأخرج رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته، فقال: «لا، لا، لا، ليصل بهم ابن أبى قحافة» قال: يقول ذلك رسول الله ﷺ مغضبا، قال: فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة:
يابن أخى أمرك رسول الله ﷺ أن تأمرنى؟ قال فقلت: لا، ولكنى لما رأيتك لم أبغ من وراءك، فقال عمر: ما كنت أظنّ حين أمرتنى
стр. 6511
إلا أن رسول الله ﷺ أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صلّيت بالناس، فقال عبد الله: لمّا لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصلاة. وعن عبد الله ابن عباس قال: حضرت الصلاة فقال النبىّ ﷺ : «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» فلما قام أبو بكر مقام النبىّ ﷺ اشتدّ بكاؤه وافتتن، واشتدّ بكاء من خلفه، لفقد نبيهم ﷺ ، فلما حضرت الصلاة جاء المؤذّن إلى النبىّ ﷺ فقال: قولوا للنبىّ ﷺ يأمر رجلا يصلّى بالناس، فإن أبا بكر قد افتتن من البكاء والناس خلفه، فقالت حفصة زوج النبىّ ﷺ : مروا عمر يصلى بالناس حتى يرفع الله رسوله، قال: فذهب إلى عمر فصلّى بالناس، فلما سمع النبىّ ﷺ تكبيره قال: «من هذا الذى أسمع تكبيره» ؟ فقال له أزواجه: عمر بن الخطاب، وذكروا له ما قاله المؤذّن، وما قالت حفصة، فقال رسول الله ﷺ :
«إنكنّ لصواحب يوسف، قولوا لأبى بكر فليصلّ بالناس» قال: فلو لم يستخلفه ما أطاع له الناس. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: لم يزل رسول الله ﷺ فى وجعه إذا وجد خفّة خرج، وإذا ثقل وجاءه المؤذّن قال:
«مروا أبا بكر يصلى بالناس» فخرج من عنده يوما الآمر يأمر الناس يصلون وابن أبى قحافة غائب، فصلى عمر بن الخطاب بالناس فلما كبّر قال رسول الله ﷺ : «لا، لا، أين ابن أبى قحافة» ؟ قال: فانتقضت الصفوف وانصرف عمر، قال: فما برحنا حتى طلع ابن أبى قحافة وكان بالسّنح «١» فتقدّم فصلّى بالناس. وعن أنس بن مالك: أن أبا بكر- رضى الله عنهما- كان يصلى بهم فى وجع رسول الله ﷺ الذى توفّى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين
стр. 6512
وهم صفوف فى الصلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثم تبسّم رسول الله ﷺ ضاحكا ونحن فى الصلاة من الفرح. قال: ونكص أبو بكر على عقبيه، فأشار إليهم رسول الله ﷺ «أن أتموا صلاتكم» قال: ثم دخل وأرخى الستر، فتوفّى من يومه ﷺ . وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبى سبرة: كم صلّى أبو بكر بالناس؟ قال: صلّى بهم سبع عشرة صلاة، قلت: من حدّثك ذلك؟ قال قال: حدّثنى أيوب بن عبد الرحمن ابن صعصعة، عن عبّاد بن تميم، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: صلّى بهم أبو بكر ذلك.
ذكر ما اتفق فى مرض رسول الله ﷺ
خلاف ما ذكرناه، من الّلدود الذى لدّ به، والكتاب الذى أراد أن يكتبه، والوصية التى أمر بها، والدنا نير التى قسمها، والسواك الذى استنّ به ﷺ .
فأمّا الّلدود «١» الذى لدّ به ﷺ وما قال فيه- روى عن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: تخوّفنا على رسول الله ﷺ ذات «٢» الجنب وثقل فلددناه، فوجد خشونة اللّدّ فأفاق، فقال: «ما صنعتم بى» ؟ قالوا: لددناك، قال: «بماذا» ؟ قلنا: بالعود الهندى، وشىء من ورس وقطرات زيت، فقال:
«من أمركم بهذا» ؟ قالوا: أسماء بنت عميس، قال: «هذا طبّ أصابته بأرض الحبشة، لا يبقى أحد فى البيت إلا التدّ إلا ما كان من عمّ رسول الله
стр. 6513
صلى الله عليه وسلّم» يعنى العباس، ثم قال: «ما الذى كنتم تخافون علىّ» ؟ قالوا:
ذات الجنب، قال: «ما كان الله ليسلطها علىّ» . وفى رواية عن أمّ بشر بن البراء؛ قال: «ما كان الله ليسلطها على رسوله، إنها همزة من الشيطان، ولكنها من الأكلة التى أكلتها أنا وابنك، هذا أوان قطعت أبهرى» «١» . ومن حديث عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فجعل بعضهم يلدّ بعضا. وعن هشام «٢» قال:
كانت أمّ سلمة وأسماء بنت عميس هما لدّتاه، قال: فالتدّت يومئذ ميمونة وهى صائمة؛ لقسم النبى ﷺ ، قال: وكان منه عقوبة لهم.
وأما الكتاب الذى أراد رسول الله ﷺ أن يكتبه ثم تركه لما وقع عنده من التازع
فقد اختلفت الروايات فى هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وغيره، فمن رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم أنه قال: اشتكى النبى ﷺ يوم الخميس فجعل- يعنى ابن عباس- يبكى ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد بالنبى ﷺ وجعه فقال: «ايتونى بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا «٣» بعده أبدا» قال فقال بعض من كان عنده:
إنّ نبىّ الله هجر «٤» ، قال فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: «أو بعد ماذا» ؟
فلم يدع به. ومن طريق آخر عن سليمان «٥» بن أبى مسلم عن سعيد بن جبير قال:
فتنازعوا ولا ينبغى عند نبىّ تنازع. فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا
стр. 6514
يعيدون عليه. فقال: «دعونى فالذى أنا فيه خير مما تدعوننى إليه» . قال:
وأوصى بثلاث، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» وسكت عن الثلاثة، فلا أدرى قالها «١» فنسيتها، أو سكت عنها عمدا؟. ومن رواية طلحة بن مصرّف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ : «ايتونى بالكتف والدّواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا» . قال فقالوا: إنما يهجر رسول الله ﷺ . هذه الروايات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما. وروى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: لما حضرت رسول الله ﷺ الوفاة، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : «هلّم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول ما قال عمر؛ فلما كثر اللّغط والاختلاف وغمر «٢» رسول الله ﷺ قال: «قوموا عنى» . قال عبيد الله:
فكان ابن عباس يقول: إن الرّزيّة كلّ الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. وعن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال فى مرضه: «ايتونى بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» . فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من لفلانة وفلانة- من مدائن الروم- إن رسول الله ﷺ لن يموت حتى يفتتحها، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى؛
стр. 6515
فقالت زينب زوج النبىّ ﷺ : ألا تسمعون للنبىّ ﷺ يعهد إليكم؟ فلغطوا فقال: «قوموا» فلما قاموا قبض النبىّ ﷺ مكانه. وعن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: لما كان فى مرض رسول الله ﷺ الذى توفّى فيه، دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتابا لا يضلون ولا يضلّون، فكان فى البيت لغط وكلام، وتكلم عمر بن الخطاب، قال: فرفضه النبىّ ﷺ .
وعن محمد بن عمر الواقدىّ عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، وبيننا وبين النساء حجاب، فقال رسول الله ﷺ :
«اغسلونى بسبع قرب وأتونى بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» فقال النسوة: ايتوا رسول الله ﷺ بحاجته. قال عمر فقلت:
اسكتن فإنكن صواحبه إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صح أخذتن بعنقه.
فقال رسول الله ﷺ : «هنّ خير منكم» .
هذا ما وقفنا عليه من الروايات المسندة فى هذا الحديث، وقد تذرّعت به طائفة من الروافض، وتكلموا فيه وطعنوا على من لغط عند رسول الله ﷺ حتى امتنع من الكتابة.
وقد تكلم القاضى أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض ﵀ على هذا الحديث، وذكر أقوال العلماء وما أبدوه من الاعتذار عن عمر رضى الله عنه فيما قال، فقال رحمه الله تعالى، قال أتمنا فى هذا الحديث: النبىّ ﷺ غير معصوم من الأمراض، وما يكون من عوارضها من شدّة وجع وغشى ونحوه، مما يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك
следующие страницы →