وقال أبو عمر ابن عبد البر [١] ﵀: أحسن ما رأيت فى صفته رضى الله عنه- أنه كان ربعة [٢] من الرجال، إلى القصر ما هو، أدعج [٣] العينين، حسن الوجه، كأنّه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن عريض المنكبين، شثن الكفّين [٤] ، أغيد [٥] ، كأنّ عنقه إبريق فضّة، أصلع ليس فى رأسه شعر إلّا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبيه مشاش [٦] كمشاش السبع الضارى، لا يبين [٧] عضده من ساعده، قد ادّمجت ادّماجا [٨] إذا مشى تكفّأ [٩] ، وإن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفّس، وهو إلى السّمن ما هو، شديد الساعد واليد، إذا مشى إلى الحرب هرول [١٠] ، ثبت الجنان [١١] قوىّ شجاع، منصور على من لاقاه، رضى الله عنه.
стр. 7072
ذكر نبذة من فضائله رضى الله تعالى عنه
هو- رضى الله عنه- أوّل من أسلم، عند بعضهم، على ما فى ذلك من الاختلاف فيه وفى أبى بكر، رضى الله عنهما، وأيّهما سبق إلى الإسلام ...
وقد ذكرنا ذلك كله فى ابتداء السيرة النبويّة، فى السّفر الرابع عشر من هذه النسخة [١] ، فلا فائدة فى إعادته، فلنذكر من فضائلة خلاف ذلك:
أجمعوا [٢] على أنه- رضى الله عنه- صلّى إلى القبلتين، وهاجر وشهد جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، إلّا غزوة تبوك [٣] ،
فإنّ رسول الله ﵊ خلّفة بالمدينة على عياله، وقال له: أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبىّ بعدى
. رواه جماعة من الصحابة [٤] .
وروى أنّ رسول الله ﷺ لمّا آخى بين المهاجرين، [ثم آخى بين المهاجرين والأنصار [٥]] ، قال فى كل واحد منهما لعلىّ: «أنت أخى فى الدنيا والآخرة» ، وآخى بينه وبين نفسه.
ولذلك قال علىّ لأصحاب الشّورى [٦] : أنشدكم [٧] الله، هل
стр. 7073
فيكم أحد آخى رسول الله ﷺ بينه وبينه- إذ آخى بين المسلمين- غيرى؟ قالوا: اللهمّ لا وربّنا. وكان يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيرى إلّا كذّاب.
وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كلّ منهم، عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم غدير خمّ [١] : «من كنت مولاه فعلىّ مولاه» وفى رواية بعضهم «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه»
. وقد ذكرنا [٢] فى غزوة خيبر أنّ رسول الله ﷺ قال: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار، يفتح الله على يديه»
وأنّه أعطى الراية لعلىّ، ففتح الله على يديه.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وهو شابّ، ليقضى بينهم، فقال: يا رسول الله إنّى لا أدرى ما القضاء؟ فضرب
стр. 7074
رسول الله ﵊ صدره بيده وقال: «اللهمّ اهد قلبه وسدّد لسانه [١] »
قال علىّ فو الله ما شككت بعدها فى قضاء بين اثنين.
ولما نزل قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
[٢]
دعا رسول الله ﷺ فاطمة وعليّا وحسنا وحسينا فى بيت أمّ سلمة وقال: اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس [٣] وطهّرهم تطهيرا [٤]
. قال أبو عمر:
وروت طائفة من الصحابة أنّ رسول الله ﷺ قال لعلىّ: لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق.
وقال له رسول الله ﵊: «يهلك [٥] فيك رجلان: محبّ مطر [٦] وكذّاب مفتر [٧] »
. وقال له: «تفترق فيك أمّتى كما افترقت بنو إسرائيل فى عيسى.
стр. 7075
وروى عن رسول الله ﷺ : «أنا مدينة العلم، وعلىّ بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه»
. وقال فى أصحابه: «أقضاهم علىّ» .
وقال عمر رضى الله عنه: «علىّ أقضانا» .
وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن [١] ! وقال علىّ فى التى وضعت لستّة أشهر [٢] ، فأراد عمر [٣] رجمها:
إن الله ﵎ يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
[٤] [ويقول وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
[٥]] [٦] .
وكان- رضى الله عنه- أعلم الناس بالفرائض [٧] ، وله فى ذلك أخبار.
منها ما رواه أبو عمر ابن عبد البر [٨] بسنده عن زرّ بن حبيش قال: جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجلّ، فسلّم،
стр. 7076
فقالا له: [اجلس] [١] للغداء. فجلس وأكل معهما، واستوفوا فى أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال خذا هذه عوضا ممّا أكلت لكما ونلّته من طعامكما. [فتنازعا،] [٢] وقال صاحب الخمسة الأرغفة: لى خمسة دراهم ولك ثلاثة. فقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين.
فارتفعا إلى أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، فقصّا عليه قصّتهما، فقال لصاحب الثلاثة [الأرغفة] [٣] : قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة. فقال: لا والله لا رضيت منه إلّا بمرّ الحق. فقال علىّ: ليس لك فى مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة. فقال الرجل: «سبحان الله يا أمير المؤمنين! هو يعرض علىّ ثلاثة فلم أرض وأشرت علىّ بأخذها فلم أرض، وتقول لى الآن: إنه لا يجب لك إلّا درهم واحد!» فقال له [علىّ] [٤] :
«عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، ولا يجب لك فى مر الحق إلا واحد.» فقال له الرجل:
فعرّفنى [٥] الوجه فى مر الحق حتّى أقبله. فقال: «أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا نعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقلّ، فتحملون [فى] [٦] أكلكم على السواء.» قال: بلى. قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، [وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث] ، [٧] وله خمسة
стр. 7077
عشر ثلثا، أكل منها ثمانية وتبقى [له] [١] سبعة، وأكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة [بسبعته] [٢] . فقال له الرجل: رضيت الآن!.
وأتته امرأة وهو على المنبر فقالت: ترك أخى ستّمائة دينار وأعطيت دينارا! (وتظلمت من ذلك) فقال: لعل أخاك ترك زوجة وأمّا وبنتين واثنى عشر أخا وأنت. قالت: نعم. فقال: قد أستوفيت حقّك [٣] . وهذه المسألة مشهورة مسطورة فى كتب الفقه، وتسمى «الدّيناريّه» و «المنبرية» [٤] وهو- رضى الله عنه- ممّن جمع القرآن على عهد النبى ﷺ ، هو وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة [٥] .
وعن [٥] محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر الصدّيق رضى
стр. 7078
الله عنه أبطأ [علىّ] [١] عن بيعته وجلس فى بيته، فبعث [٢] إليه أبو بكر: ما بطّأ بك عنّى؟ أكرهت إمارتى؟ فقال؛: ما كرهت إمارتك، ولكنّى آليت أن لا أرتدى ردائى- إلّا إلى صلاة- حتى أجمع القرآن!: قال ابن سيرين: فبلغنى أنه كتبه على تنزيله، ولو وجد ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.
وفى علىّ- رضى الله عنه- يقول إسماعيل بن محمد الحميرىّ من أبيات:
سائل قريشا بها إن كنت ذاعمه [٣] : ... من كان أثبتها فى الدّين أوتادا؟
من كان أقدمها سلما [٤] وأكثرها ... علما وأطهرها أهلا وأولادا؟
من وحّد الله إذ كانت مكذّبة ... تدعو مع الله أوثانا وأندادا؟
من كان يقدم فى الهيجاء إن نكلوا [٥] ... عنها وإن بخلوا فى أزمة جادا؟
стр. 7079
من كان أعدلها حكما وأبسطها ... علما وأصدقها وعدا وإيعادا؟
إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسن ... إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا!
إن أنت لم تلق أقواما ذوى صلف [١] ... ذوى [٢] عناد لحقّ الله جحّادا!
وفضائله- رضى الله عنه- ومآثره كثيرة، وفيما أوردناه منها وما نورده بعد- إن شاء الله- كفاية عن بسط ... فلنذكر بيعته رضى الله عنه.
ذكر بيعة على رضى الله تعالى عنه
بويع له- رضى الله عنه-[بالخلافة [٣]] يوم قتل عثمان [٤] وقيل:
بل بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من ذى الحجّة سنة خمس وثلاثين وقد اختلف فى كيفية بيعته:
فقيل: إنه لما قتل عثمان- رضى الله عنه- اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ ، من المهاجرين والأنصار، فأتوا عليّا،
стр. 7080
وقالوا [له] [١] : إنه لا بدّ للناس من إمام، فقال: لا حاجة لى فى أمركم، من اخترتم رضيته. قالوا: لا نختار غيرك. فقال:
لا تفعلوا، فإنى أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا. فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففى المسجد، فإنّ بيعتى لا تكون خفيا [٢] ، ولا تكون إلّا [عن رضا المسلمين.] [٣]
وكان فى بيته، وقيل: فى حائط [٤] لبنى عمرو بن مبذول، [٥] فخرج إلى المسجد يتوكّأ على قوس، فبايعه الناس.
وكان أوّل من بايعه طلحة بن عبيد الله، فنظر إليه حبيب بن ذؤيب، فقال: «إنّا لله [٦] ! أوّل من بدأ البيعة [٧] يد شلّاء! [٨] لا يتمّ هذا الأمر» . وبايعه الزّبير، فقال لهما: إن أحببتما أن تبايعانى وإن أحببتما بايعتكما. فقالا: بل نبايعك. وقالا بعد ذلك: إنّما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا، وعرفنا أنّه لا يبايعنا.
стр. 7081
وبايعه الناس، وجاءوا، بسعد بن أبى وقّاص [١] ، فقال له علىّ: بايع. فقال: «لا، حتّى يبايع الناس، والله ما عليك منّى باس» قال: خلوا سبيله.
وجاءوا بابن عمر [٢] ، فقال مثل قوله [٣] ، فقال: ائتنى بكفيل [٤] ، فقال: لا أرى كفيلا. قال الأشتر: دعنى أضرب عنقه! قال [علىّ] [٥] : «دعوه، أنا كفيله،- إنّك- ما علمت- سيّىء الخلق صغيرا وكبيرا!» .
وبايعه الأنصار إلا نفرا يسيرا، منهم حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلّد، وأبو سعيد الخدرى [٦] ومحمد بن مسلمة، والنّعمان بن بشير، وزيد بن ثابت ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، كانوا [٧] عثمانيّة.
ولم يبايع أيضا عبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وسلمة [٨]
стр. 7082
ابن سلامة بن وقش، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة ابن شعبة.
وأخذ النّعمان بن بشير قميص عثمان الّذى قتل فيه وأصابع امرأته نائلة [١] ، وسار بهم [٢] إلى الشام.
وقيل فى بيعته: إنّ عثمان لمّا قتل بقيت المدينة خمسة أيّام وأميرها الغافقى بن حرب، وهم يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، فأتى المصريّون عليّا فباعدهم، وأتى الكوفيّون الزّبير فباعدهم، واتى البصريّون طلحة فباعدهم؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلى الخلافة، فأرسلوا إلى سعد يطلبونه [٣] فقال: إنّى وابن عمر لا حاجة لنا فيها، وأتوا ابن عمر فلم يجبهم، فبقوا حيارى، وقال بعضهم لبعض: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمّة، فجمعوا أهل المدينة وقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشّورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه، ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم [٤] يومكم، فو الله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ [٥] عليّا وطلحة والزّبير وأناسا كثيرا. فغشى الناس عليا، فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى! فقال علىّ:
стр. 7083
«دعونى والتمسوا غيرى، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان، لا تقوم به القلوب، ولا تثبت عليه العقول» فقالوا: «ننشدك الله!، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام ألا ترى الفتنة؟ الا تخاف الله؟» قال: «قد أجبتكم، واعلموا أنّى إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتمونى فإنّما أنا كأحدكم [١] إلّا أنّى من أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه» ... ثمّ افترقوا على ذلك، واتعدوا الغد.
وتشاور الناس فيما بينهم، وقالوا إن دخل طلحة والزّبير فقد استقامت، فبعث البصريّون إلى الزّبير حكيم بن جبلة، ومعه نفر فجاءوا به يحدونه [٢] بالسّيف، [فبايع] [٣] . وبعثوا إلى طلحة الأشتر فى نفر، فأتاه فقال: دعنى أنظر ما يصنع الناس. فلم يدعه، فجاء به يتلّه تلّا [٤] عنيفا فبايع.. فكان الزبير يقول: جاءنى لصّ من لصوص عبد القيس فبايعت والسّيف على عنقى! وأهل مصر فرحون لما [٥] اجتمع عليه أهل المدينة، وقد خشع أهل الكوفة والبصرة أن صاروا تبعا لأهل مصر، وازدادوا بذلك على طلحة والزّبير غيظا.
стр. 7084
قال [١] : ولمّا أصبحو يوم البيعة- وهو يوم الجمعة- حضر الناس المسجد، وجاء علىّ رضى الله عنه، فصعد المنبر وقال: «أيّها الناس عن ملإ وإذن [٢] إنّ هذا أمركم، ليس لأحد فيه حقّ إلّا من أمّرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، وكنت كارها لأمركم، فأبيتم إلّا أن أكون عليكم، ألا وإنّه ليس لى دونكم إلّا مفاتيح مالكم معى وليس لى أن آخذ درهما دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلّا فلا أحدّ [٣] على أحد.» فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.
فقال: اللهمّ اشهد.
قال: ولما جاءوا بطلحة ليبايع قال: إنما أبايع كرها. فبايع ...
ثم جىء بالزّبير، فقال مثل ذلك وبايع، وفى الزّبير اختلاف..
ثم جىء بعده بقوم كانوا قد تخلّفوا، فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله فى القريب والبعيد والعزيز والذليل. فبايعهم ... ثمّ قام العامّة فبايعوا ... وتفرّقوا إلى منازلهم.
ورجع علىّ إلى بيته، فدخل عليه طلحة والزّبير فى عدد من الصحابة، فقالوا: «يا علىّ، إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا فى قتل هذا الرجل.» فقال: «يا إخوتاه، إنى لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟
стр. 7085
هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم [١] ، وثابت [٢] إليهم أعرابكم [٣] وهم خلالكم [٤] يسومونكم [٥] ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شىء ممّا تريدون؟» قالوا: لا. قال: «فلا والله لا أرى إلّا رأيا ترونه أبدا إلّا أن يشاء الله، إنّ هذا الأمر أمر جاهليّة، وإنّ لهؤلاء القوم مادّة [٦] . إنّ الناس من هذا الأمر- إن حرّك- على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتّى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق. فاهدءوا عنّى، وانظروا ماذا يأتيكم، ثم عودوا» .
واشتدّ علىّ على قريش، وحال بينهم وبين الخروج [وتركها] [٧] على حالها، وإنّما هيّجه على ذلك هرب بنى أميّة وتفرّق القوم.
وحكى أبو عمر ابن عبد البر [٨] قال: لمّا بايع الناس علىّ بن أبى طالب دخل عليه المغيرة بن شعبة [٩] ، فقال له: «يا أمير المؤمنين، إنّ لك عندى نصيحة» . قال: وما هى؟ قال: «إن
стр. 7086
أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة، والزّبير على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقرّت لك الخلافة فادرأهم [١] كيف شئت برأيك» . فقال [علىّ] [٢] : «أمّا طلحة والزّبير فسأرى رأيى فيهما، وأمّا معاوية فلا يرانى الله مستعملا له ولا مستعينا به مادام على حاله، ولكنّى أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس [٣] ، فإن أبى حاكمته إلى الله تعالى» . فانصرف عنه المغيرة مغضبا لمّا لم يقبل منه نصيحته..
فلمّا كان الغد أتاه فقال: «يا أمير المؤمنين، نظرت فيما قلت بالأمس وما جاوبتنى به، فرأيت أنّك قد وفّقت للخير وطلبت الحق» . ثم خرج [٤] عنه، فلقيه الحسن وهو خارج، فقال لأبيه: ما قال هذا الأعور؟ (يعنى المغيرة، وكان المغيرة قد أصيبت عينه يوم اليرموك) قال: أتانى أمس بكذا وأتانى اليوم بكذا. قال: نصحك والله [أمس] [٥] وخدعك اليوم. فقال له علىّ: إن أقررت معاوية على ما فى يده كنت متّخذ المضلّين عضدا [٦] .
стр. 7087
وقال المغيرة فى ذلك:
نصحت عليا فى ابن هند نصيحة ... فردّ [١] فلا يسمع لها الدهر ثانيه
وقلت له: أرسل إليه بعهده ... على الشام حتّى يستقرّ معاويه
ويعلم أهل الشام أن قد ملكته ... فأمّ ابن هند بعد ذلك هاويه
وتحكم [٢] فيه ما تريد فإنّه ... لداهية- فارفق به- وابن داهيه
فلم يقبل النّصح الّذى جئته به ... وكانت له تلك النصيحة كافيه
وروى [٣] عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- نحوه، إلّا أنّه قال «أتيت عليّا بعد قتل عثمان، عند [٤] عودى من مكّة [٥] ، فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به، فخرج من عنده، فقلت له: ما قال لك هذا؟ فقال: قال لى قبل مرّته هذه «إنّ لك حقّ الطاعة والنصيحة، وأنت بقيّة الناس، وإنّ الرأى اليوم يحرز [٦] به
стр. 7088
ما فى غد، وإن الضّياع اليوم يضيع به ما فى غد، أقرر معاوية وابن عامر وعمّال عثمان على أعمالهم، حتّى تأتيك بيعتهم [ويسكن الناس] [١] ثمّ اعزل من شئت» فأبيت عليه ذلك، وقلت: لا أداهن فى دينى ولا أعطى الدّنيّة فى أمرى [٢] . قال «فإن كنت أبيت علىّ فاعزل من شئت واترك معاوية، فإنّ فى معاوية جرأة، وهو فى أهل الشام يستمع منه، ولك حجة فى إثباته، فإنّ عمر بن الخطّاب [كان] [٣] قد ولّاه الشام» فقلت؛ لا والله لا أستعمل معاوية يومين. ثمّ انصرف من عندى وأنا أعرف فيه أنّه يرى أنّى مخطىء، ثم عاد إلىّ الآن فقال:
«إنّى أشرت عليك أوّل مرّة بالذّى أشرت، وخالفتنى فيه، ثمّ رأيت بعد ذلك أن تصنع الّذى رأيت، فتعزلهم وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله، وهم أهون شوكة ممّا كان» .. قال ابن عبّاس: فقلت لعلىّ: أمّا المرّة الأولى فقد نصحك، وأمّا المرّة الثانية فقد غشّك. قال: ولم نصحنى؟ قلت: لأنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا [٤] من ولى هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولوا «أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا» ويؤلبوا [٥] عليك، فينتقض عليك أهل الشام [وأهل العراق، مع أنّى لا آمن طلحة والزبير أن يكرّا عليك] [٦] وأنا أشير عليك أن تثبت
стр. 7089
معاوية، فإن بايع لك فعلىّ أن أقلعه من منزله. قال [علىّ] [١] :
والله لا أعطيه إلا السيف! ثم تمثّل:
وما ميتة إن متها غيّر عاجز [٢] ... بعار إذا ما غالت النفس غولها [٣]
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، لست صاحب رأى فى الحرب،
أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحرب خدعة» [٤] ؟
فقال: بلى. فقلت: أم [٥] والله لئن أطعتنى لأصدرنّهم بعد [٦] ورود، ولأتركنّهم ينظرون فى دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، فى غير نقصان عليك ولا إثم لك.
فقال: يا ابن عباس، لست من هنيّاتك [٧] ولا من هنيّات معاوية فى شىء، فقلت له: أطعنى، والحق بمالك بينبع [٨] ، وأغلق بابك
стр. 7090
عليك، فإنّ العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنّك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم [١] ليحمّلنّك الناس دم عثمان غدا! .. فأبى علىّ، وقال: تشير علىّ وأرى فإذا عصيتك فأطعنى قال: فقلت «أفعل، إنّ أيسر مالك عندى الطاعة» . فقال له علىّ: تسير إلى الشام فقد ولّيتكها. فقال ابن عباس: «ما هذا برأى، معاوية رجل من بنى أميّة، وهو ابن عم عثمان، وعامله، ولست آمن أن يضرب عنقى بعثمان، وإنّ أدنى ما هو صانع أن يحبسنى فيتحكّم علىّ لقرابتى منك. وإن كلّ ما حمل علىّ حمل عليك [٢] ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعده» . فقال: لا والله لا كان هذا أبدا! وخرج المغيرة فلحق بمكة.
ذكر تفريق على عماله وخلاف معاوية رضى الله عنهما
وفى سنة ست وثلاثين فرّق علىّ- رضى الله عنه- عمّاله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عبّاس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل [٣] بن حنيف على الشام.
فأما سهل فإنه خرج، حتى إذا كان بتبوك [٤] لقيته خيل [٥] فقالوا: من أنت؟ قال: أمير. قالوا: على أىّ شىء؟ قال: على
стр. 7091
الشام. قالوا: إن كان عثمان بعثك فحىّ هلا بك [١] ، وإن كان بعثك غيره فارجع. قال: أو ما سمعتم بالّذى كان؟ قالوا: بلى ...
فرجع إلى علىّ.
وأمّا عمارة فلمّا بلغ زبالة [٢] لقيه طليحة بن خويلد، وكان قد خرج يطلب بثأر عثمان، فقال له: ارجع فإنّ القوم لا يريدون بأميرهم بدلا، فإن أبيت ضربت عنقك ... فرجع إلى علىّ.
وأمّا قيس بن سعد فإنّه لما انتهى إلى أيله [٣] لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد. قالوا امض. فمضى حتى دخل [مصر] [٤] ، فافترق أهل مصر فرقا: فرقة دخلت فى الجماعة فكانوا معه، وفرقة اعتزلت بخرنبا، [٥] وقالوا: «إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم، وإلّا فنحن على جديلتنا [٦] حتّى نحرك [٧]
стр. 7092
أو نصيب حاجتنا» ، وفرقة قالت نحن مع علىّ ما لم يقد من إخواننا [١] وهم فى ذلك مع الجماعة ... فكتب قيس إلى علىّ بذلك.
وأمّا عثمان بن حنيف فسار حتّى دخل البصرة، ولم يردّه أحد ولا وجد لابن عامر [٢] فى ذلك رأيا ولا استقلالا بحرب، وافترق الناس بها: ففرقة دخلت فى الجماعة، وفرقة اتّبعت القوم، وقالت فرقة «ننظر ما يقول أهل المدينة فنصنع ما صنعوا» .
وأمّا عبيد الله بن عبّاس فانطلق إلى اليمن، فخرج يعلى بن منية [٣] بعد أن جمع المال- ولحق بمكة، وأنفق المال فى حرب الجمل.
قال [٤] : ولمّا رجع سهل بن حنيف دعا علىّ طلحة والزّبير فقال «إنّ الأمر الذى كنت أحذّركم قد وقع، وإنّ الّذى قد وقع لا يدرك إلّا بإماتة [٥] ، وإنّها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت اضطراما، واستثارت» . فقالا [٦] :- ائذن لنا نخرج من المدينة، فإما أن نكاثر، وإما أن تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ما أستمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكى!.
стр. 7093
وكتب إلى معاوية وإلى أبى موسى، فأجابه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة، وبيّن الكاره منهم [للذى كان] [١] والراضى ومن بين ذلك، حتى كان على [كأنّه] [٢] يشاهدهم.. وكان رسوله إلى أبى موسى معبد الأسلمى.
وكان رسوله إلى معاوية سبرة الجهنى، فلم يجبه معاوية بشىء وكلّما تنجّز جوابه لم يزده على قوله:
أدم إدامة حصن أو خذا [٣] بيدى ... حربا ضروسا تشبّ الجزل والضّرما [٤]
فى جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... نعاء [٥] شيّبت الأصداغ واللمما
أعيى المسود بها والسّيّدون فلم ... يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما
حتى إذا كان [الشهر الثالث من مقتل عثمان] [٦] فى صفر دعا معاوية رجلا من بنى عبس، اسمه قبيصة، فدفع إليه طومارا [٧] مختوما، عنوانه «من معاوية إلى علىّ» وقال له: إذا دخلت المدينة فاقبض
стр. 7094
على أسفل الطّومار. وأوصاه بما يقول، وأعاد رسول علىّ معه، فقدما المدينة فى شهر ربيع الأوّل، ودخل العبسىّ كما أمره معاوية، والناس تنظر إلى الطّومار، حتّى دفعه إلى علىّ، ففضّه، فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: وأنا آمن؟ قال: نعم، إن الرّسل لا تقتل: قال تركت قوما لا يرضون إلّا بالقود [١] . قال: ممّن؟
قال «من خيط رقبتك! وتركت ستّين ألف شيخ يبكى تحت قميص عثمان، وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق!» قال: «أمنّى يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورا بترة [٢] عثمان؟ اللهمّ إنّى أبرأ إليك من دم عثمان! نجا- والله- قتلة عثمان إلّا أن يشاء الله فإنه إذا أراد أمرا أصابه! اخرج.» قال وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسىّ، فقالوا [٣] : «هذا الكلب رسول الكلب! اقتلوه!» فنادى: يا آل مضر. يا آل قيس، الخيل والنبل، وبالله أقسم ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصىّ! فانظروا كم الفحول والركاب؟» وتعاووا [٤] عليه، فمنعته مضر، وجعلوا يقولون له: «اسكت» فيقول: «لا والله، والله لا يفلح هؤلاء أبدا، أتاهم ما يوعدون، لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم [٥] .
стр. 7095
قال: وأظهر علىّ العزم على قتال معاوية، وكتب إلى عمّاله أن ينتدبوا الناس إلى الشام.
ثم استأذنه طلحة والزبير فى العمرة، فأذن لهما.
ودعا علىّ ابنه محمد بن الحنفيّة، فدفع إليه اللواء، وولى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمرو بن أبى سلمة- أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد- ميسرته، وجعل أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح (ابن أخى أبى عبيدة) على مقدّمته، واستخلف على المدينة قثم بن العبّاس.
ذكر ابتداء وقعة الجمل
ومسير عائشة وطلحة والزبير ومن معهم إلى البصرة وما كان من الحرب إلى أن استقروا بها وإخراج عثمان بن حنيف عامل على رضى الله عنه كان ابتداء وقعة الجمل أنّ عائشة رضى الله عنها كانت قد خرجت إلى الحجّ وعثمان محصور- كما ذكرنا- فلمّا قضت الحجّ وعادت أتاها الخبر بقتله وخلافة علىّ، وهى يسرف [١] ، فرجعت إلى مكة وهى تقول: «قتل- والله- عثمان مظلوما! والله لأطلبنّ بدمه!» وطلبت مكة، فقصدت الحجر، فسمرت فيه، واجتمع الناس إليها، فقالت: «أيّها الناس، إنّ الغوغاء من أهل الامصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس، ونقموا [٢] عليه استعمال من حدثت سنّه، وقد استعمل أمثالهم
стр. 7096
من قبله، ومواضع من الحمى حماها لهم [١] ، [وهى أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها،] [٢] فتابعهم، ونزع [لهم] [٢] عنها (استصلاحا لهم) [٢] ، فلمّا لم يجدوا حجّة ولا عذرا بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، وأستحلّوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأخذوا المال الحرام، والله لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم! وو الله لو أنّ الّذى اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذّهب من خبثة أو الثّوب من درنه إذ ما صوه [٣] كما يماص الثّوب بالماء!» فقال عبد الله بن [عمرو بن] [٤] الحضرمى (وكان عامل عثمان على مكة) : «ها أنا [ذا] [٥] أوّل طالب» ، فكان أوّل مجيب، وتبعه [٦] بنو أميّة على ذلك، وكانوا قد هربوا من المدينة إلى مكة بعد قتل عثمان، وتبعهم سعيد بن العاص والوليد ابن عقبة.
стр. 7097
وقدم عليهم عبد الله بن عامر [١] من البصرة بمال كثير ويعلى ابن أميّة (وهو ابن منية) [٢] من اليمن ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف، فأناخ بالأبطح.
وقدم طلحة والزّبير من المدينة، فلقيا عائشة: فقالت:
ما وراءكما؟ فقالا: «إنّا تحمّلنا هرّابا [٣] من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقّا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم» ، فقالت: انهضوا إلى هذه الغوغاء. فقالوا:
نأتى الشام. فقال ابن عامر: «قد كفاكم معاوية الشام، فأتوا البصرة، فإنّ لى بها صنائع، ولهم فى طلحة هوى» ، قالوا:
«قبحك الله! فو الله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب، فهلّا أقمت كما أقام معاوية فنكتفى بك، ثم نأتى الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم مذاهبهم» . فلم يجدوا [٤] عنده جوابا مقبولا.
حتّى إذا استقام لهم الرأى على البصرة قالوا: «يا أمّ المؤمنين، دعى المدينة، فإنّ من معنا لا يطيق من بها من الغوغاء، [واشخصى [٥] معنا إلى البصرة، فإنّا] [٦] نأتى بلدا مضيعا، وسيحتجّون علينا [فيه] [٦] ببيعة علىّ فتنهضينهم [٧] كما أنهضت أهل مكة،
стр. 7098
فإن أصلح الله الأمر كان الذى أردنا، وإلّا دفعنا [عن هذا الأمر] [١] بجهدنا، حتّى يقضى الله ما أراد» . فأجابتهم إلى ذلك.
ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم، فأبى، وقال: «أنا رجل من أهل المدينة، أفعل ما يفعلون» . فتركوه.
وكان أزواج النّبى ﷺ مع عائشة على قصد المدينة، فلما تغيّر رأيها إلى البصرة تركن [٢] ذلك. وأجابتها حفصة على المسير معها، فمنعها أخوها عبد الله [٣] .
وجّهزهم يعلى بن منية بستّمائة ألف وستمائة بعير، وجهّزهم ابن عامر بمال كثير.
ونادى مناديها: «إنّ أمّ المؤمنين وطلحة والزّبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد إعزاز الإسلام وقتال المحلين [٤] والطلب بثأر عثمان وليس له مركب ولا جهاز فليأت» . فحملوا ستّمائة على ستمائة بعير، وساروا فى ألف- وقيل فى تسعمائة- من أهل المدينة ومكة، وتلاحقت بهم الناس، فكانوا فى ثلاثة آلاف رجل.
وأعان يعلى بن منية الزّبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين
стр. 7099
من قريش، وأعطى عائشة جملا، اسمه «عسكر» ، واشتراه بمائتى دينار، وقيل: بثمانين دينارا، وقيل: كان لرجل من عرينة، فابتيع منه بمهريّة [١] وأربعمائة درهم أو ستمائة درهم.
وخرجت عائشة من مكة ومعها أمّهات المؤمنين إلى ذات عرق [٢] فبكوا على الإسلام، فلم ير يوم [٣] كان أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم، وكان يسمّى «يوم النّحيب» ..
وكتبت أمّ الفضل [٤] بنت الحارث (أمّ عبد الله بن عبّاس) إلى علىّ بالخبر.
ولما خرجت عائشة من مكة أذّن مروان [٥] بن الحكم، ثم جاء حتّى وقف على طلحة والزّبير فقال: على أيّكما أسلّم [٦] بالإمرة وأؤذّن بالصلاة فقال عبد الله بن الزّبير: على أبى عبد الله (يعنى أباه) . وقال محمد ابن طلحة: على أبى محمد (يعنى أباه) . فأرسلت عائشة إلى مروان فقالت: أتريد أن تفرّق أمرنا، ليصلّ بالناس ابن أختى [٧] (تعنى
стр. 7100
عبد الله بن الزّبير) . وقيل بل صلّى بالناس عبد الرحمن [١] بن عتّاب بن أسيد حتّى قتل.
ولما انتهوا إلى ذات عرق لقى سعيد [٢] بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه [٣] فقال: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ (يعنى عائشة وطلحة والزّبير) اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم! فقالوا: نسير فعلّنا نقتل قتلة عثمان ... فخلا سعيد ابن العاص بطلحة والزّبير، فقال: اصدقانى إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ قالا: نجعله لأحدنا أيّنا اختاره الناس. قال: بل تجعلونه لولد عثمان فإنّكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم! قال: فلا أرانى أسعى إلّا لإخراجها من بنى عبد مناف [٤] فرجع، ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد [٥] ، فقال المغيرة بن شعبة: «الرأى ما قال سعيد، من كان ها هنا من ثقيف فليرجع» ، ورجع.
ومضى القوم، ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان، وكان دليلهم رجلا من عرينة، وهو الّذى ابتيع منه الجمل (على أحد الأقوال) ، قال العرنىّ: فسرت معهم، فلا أمرّ على واد إلّا
стр. 7101
سألونى عنه، حتى طرقنا الحوأب- وهو ماء [١]- فنبحتنا كلابه فقالوا: أىّ ماء هذا؟ قلت: هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها، واسترجعت [٢] وقالت: إنّى لهيه!
سمعت رسول الله ﷺ يقول لنسائه: «ليت شعرى أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب!»
ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وقالت:
«ردّونى! أنا والله صاحبة ماء الحوأب!» فأناخوا حولها يوما وليلة، فقال لها عبد الله بن الزّبير: «إنه كذب، وليس هو ماء الحوأب» ولم يزل بها وهى تمتنع حتّى قال لها: النّجاء النّجاء! قد أدرككم علىّ بن أبى طالب.» فارتحلوا نحو البصرة، فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمى فقال: (يا أمّ المؤمنين، أنشدك الله أن تقدمى اليوم على قوم لم تراسلى منهم أحدا، فعجّلى ابن عامر فإنّ له بها صنائع، فليذهب إليهم [٣] » فأرسلته.
وكتبت عائشة إلى رجال من أهل البصرة، وإلى الأحنف بن قيس وأمثاله، وأقامت بالحفير [٤] تنتظر الجواب.
ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الأسود الدّؤلىّ وقال: انطلقا إلى عائشة واعلما علمها وعلم من معها، فأتياها وقالا: إنّ أميرنا بعثنا إليك ليسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: «والله ما مثلى يسير بالأمر المكتوم
стр. 7102
إنّ الغوغاء من أهل الأمصار ونزّاع [١] القبائل غزوا حرم رسول الله ﵊ وأحدثوا فيه الأحداث [٢] ، وآووا فيه المحدثين [٣] ، فاستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلاتره [٤] ولا عذر، فاستحلّوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلّوا البلد الحرام والشهر الحرام، ومزّقوا الأعراض والجلود، وأقاموا فى دار قوم كارهين لمقامهم ضارّين مضرّين [٥] غير نافعين ولا منتفعين، لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت فى المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغى لهم أن يأتوا فى إصلاح هذه القصّة» وقرأت: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
[٦] [ثم قالت [٧] :] «نهض [٨] فى
стр. 7103
الإصلاح فيمن [١] أمر الله وأمر رسوله الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضّكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثّكم على تغييره فخرجا من عندها، فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان. فقالا: ألم تبايع عليّا؟ قال: «بلى، والسّيف على عنقى، وما أستقيل عليّا البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان» . ثم أتيا الزّبير فقالا له وقال مثل ذلك. فرجعا إلى عائشة فودّعاها، فودّعت عمران، وقالت يا أبا الأسود، إيّاك أن يقودك الهوى إلى النار كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
(الآية) [٢] . وسرّحتهما، ونادى مناديها بالرّحيل.
ومضيا حتّى أتيا عثمان بن حنيف، فبدر أبو الأسود عمران فقال:
يا ابن حنيف قد أتيت فانفر [٣] . ... وطاعن القوم وجالد واصبر
وابرز لهم مستلئما [٤] وشمّر
فاسترجع [٥] عثمان، وقال: دارت رحى الإسلام [٦] وربّ الكعبة! ونادى فى الناس، وأمرهم بلبس السلاح.
стр. 7104
وأقبلت عائشة فيمن معها حتّى انتهوا إلى المربد [١] ، فدخلوا من أعلاه، ووقفوا حتّى خرج عثمان بن حنيف فيمن معه، وخرج إلى عائشة من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، فاجتمع القوم كلّهم بالمربد: عائشة ومن معها فى ميمنته، وعثمان ومن معه فى ميصرته.
فتكلّم طلحة، فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان وفضله وما استحلّ منه [٢] ، ودعا إلى الطلب بدمه، وحثّهم عليه.
وتكلّم الزّبير بمثل ذلك. فقال من فى ميمنة المربد: صدقا وبرّا! وقال من فى ميسرته: «فجرا، وغدرا، وأمرا بالباطل! بايعا عليّا ثم جاءا يقولان ما يقولان!» وتحاثى [٣] الناس وتحاصبوا [٤] .
فتكلّمت عائشة، فحمدت الله وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنّون على عثمان، ويزرون [٥] على عماله، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون حسنا من كلامنا فى إصلاح بينهم، فننظر فى ذلك فنجده بريّا تقيّا وفيّا،
стр. 7105
ونجدهم فجرة غدرة كذبه، وهم يحاولون غير ما يظهرون، فلمّا قدروا على المكاثرة كاثروه، فاقتحموا عليه داره، واستحلّوا الدم الحرام والمال الحرام، والبلد الحرام، بلاترة [١] ولا عذر، ألا إنّ فيما ينبغى- لا ينبغى لكم غيره- أخذ قتلة عثمان، وإقامة كتاب الله، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
(الآية [٢] ) .
فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين: فقالت فرقة:
صدقت والله وبرّت وجاءت بالمعروف، وقالت فرقة خلاف ذلك.
فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا [٣] ، فلمّا رأت عائشة ذلك انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف، حتّى وقفوا فى المربد فى موضع الدبّاغين، وبقى أصحاب عثمان على حالهم، يتدافعون حتّى تحاجزوا، ومال بعضهم إلى عائشة [٤] .
وأقبل حكيم بن جبلة، وهو على خيل ابن حنيف، فأنشب القتال، فأشرع أصحاب عائشة رماحهم، وأمسكوا ليمسك [٥] ، فلم ينته ولم ينثن، وأصحاب عائشة كافّون [إلّا ما دافعوا عن أنفسهم [٦]] ثمّ اقتتلوا على فم السّكّة، وأشرف أهل الدّور ممن كان له فى أحد
стр. 7106
الفريقين هوى، فرموا فى الأخرى بالحجارة. وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا، حتّى انتهوا إلى مقبرة بنى مازن، فوقفوا بها مليّا [١] ، وثاب إليهم الناس، فحجز الليل بينهم. ورجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق [وباتوا يتأهبّون، وبات الناس يأتونهم، واجتمعوا بساحة دار الرزق [٢]] .
وأصبح عثمان فغاداهم [٣] ، وخرج حكيم، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زالت، وقد كثر القتل فى أصحاب ابن حنيف، وفشت الجراحة فى الفريقين، ومنادى عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكفّ، فيأبون، حتّى إذا مسّهم الشرّ وعضّتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم: وتداعوا [٤] وكتبوا بينهم كتابا [٥] على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة يسأل أهلها،
стр. 7107
فإن كان طلحة والزّبير أكرها على مبايعة علىّ خرج ابن حنيف عن البصرة وأخلاها لهم، وإن كانا لم يكرها على البيعة خرج طلحة والزّبير.
فسار كعب [١] بن سور حتّى أتى المدينة، فقدمها يوم جمعة فسأل أهلها هل أكره طلحة والزّبير على بيعة علىّ أم أتياها طائعين؟
فلم يجبه أحد إلا أسامة ابن زيد فإنه قال: اللهمّ إنّهما لم يبايعا إلّا وهما مكرهان. فواثبه سهل بن حنيف والناس، وثار صهيب وأبو أيّوب فى عدّة من الصحابة، منهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يقتل أسامة، فقالوا: اللهمّ نعم. فتركوه، وأخذ صهيب أسامة بيده إلى منزله.
وبلغ عليّا الخبر [٢] ، فكتب إلى عثمان بن حنيف أنّهما لم يكرها على البيعة.
فلمّا عاد كعب بن سور أمر عثمان بالخروج عن البصرة، فامتنع، واحتجّ بكتاب علىّ، فجمع طلحة والزّبير الرجال فى ليلة مظلمة ذات رياح ومطر، وقصدوا المسجد واقتتلوا، فقتل من أصحاب ابن حنيف أربعون رجلا، ودخل الرجال على ابن حنيف فأخرجوه [إليهما] [٣] ، فما وصل وفى جهه شعرة، فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة فى أمره، فأرسلت أن خلّوا سبيله، وبقى طلحة والزّبير بالبصرة ومعهما بيت المال والحرس، واستتر من لم يكن معهما.
وبلغ حكيم بن جبلة ما حلّ بعثمان [بن حنيف] [٤] فقال: لست
стр. 7108
أخاف الله إن لم أنصره. فجاء فى جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة- وكان بينه وبين عبد الله بن الزّبير محاورات [١]- ثمّ التقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكان حكيم بحيال طلحة، وذريح بحيال الزّبير، وابن المحرّش [٢] بحيال عبد الرحمن بن عتّاب، وحرقوص ابن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقتل حكيم وابنه وأخوه، وقتل ذريح، وأفلت حرقوص فى نفر من أصحابه وجىء إلى طلحة والزبير بمن كان فيهم ممن غزا المدينة، فقتلوا.
وكانت هذه الوقعة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر من السنة وبايع أهل البصرة طلحة والزّبير.
ذكر مسير على الى البصرة وما اتّفق له فى مسيره ومن انضمّ إليه ومراسلته أهل الكوفة
قال: وكان علىّ رضى الله عنه قد تجهّز لقصد الشام لقتال معاوية، لما أظهر الخلاف عليه، كما تقدم، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزّبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك وأنهم يريدون البصرة سرّه ذلك، وقال: إن الكوفة فيها رجال [من] [٣] العرب وبيوتاتهم. فقال له ابن عبّاس- رضى الله عنهما-:
стр. 7109
«إنّ الّذى سرّك من ذلك ليسوءنى، إنّ الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يزال فيها من يسمو إلى أمر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الّذى قد نال ما يريد، حتّى يكسر حدّته.» فقال علىّ: إنّ الأمر ليشبه ما تقول.
وتهيّأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة للمسير معه، فتثاقلوا فبعت إلى عبد الله بن عمر كميلا النّخعى [١] ، فجاء به، فدعاه إلى الخروج معه، فقال: «إنّما أنا من أهل المدينة، وقد دخلوا فى هذا الأمر، فدخلت معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم [وإن يقعدوا أقعد.» قال: فأعطنى كفيلا. قال: لا أفعل [٢]] . فقال له علىّ: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتنى! دعوه فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى أهل المدينة وهم يقولون: «والله ما ندرى كيف نصنع؟ إنّ الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتّى يضىء!» فخرج من تحت ليلته، وأخبر أمّ كلثوم (ابنة علىّ، وهى زوجة عمر) بالّذى سمع وأنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علىّ ما خلا النهوض [٣] . فأصبح علىّ فقيل له: حدث الليلة حدث هو أشدّ من أمر طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية! قال:
وما ذاك؟ قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام! فأتى السوق، وأعدّ
стр. 7110
الظّهر [١] [والرّحال، وأعدّ] [٢] لكل طريق طلّابا، وماج الناس، فسمعت أمّ كلثوم، فأتت عليّا فأخبرته الخبر [٣] ، فطابت نفسه، وقال: «انصرفوا، والله ما كذبت ولا كذب، وإنّه عندى ثقة» . فانصرفوا.
ثم أتى عليّا الخبر بمسير طلحة والزّبير وعائشة من مكة نحو البصرة، فدعا وجوه أهل المدينة وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إنّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلّا بما صلح أوّله، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم.» فتثاقلوا، فلمّا رأى زياد بن حنظله تثاقل الناس انتدب [٤] إلى علىّ رضى الله عنه وقال له:
من تثاقل عنك فإنّا نخفّ معك فنقاتل دونك. وقام أبو الهيثم [٥] ابن التّيّهان وخزيمة بن ثابت. قال ابن الأثير [٦] : «قال الحكم:
ليس بذى الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيّام عثمان رضى الله عنه» . وقال أبو عمر ابن عبد البر فى ترجمة [٧] خزيمة بن ثابت