بذلك، فأعاد عليه الجواب بذكر يزيد، فقام مروان فى الناس فقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده.
فقام عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما فقال:
«كذبت والله يا مروان، وكذب معاوية، ما الخيّار أردتما لأمّة محمد ﷺ ، ولكنكم أردتم أن تجعلوها هرقليّة، كلما مات هرقل قام هرقل!» . فقال مروان: هذا الذى أنزل الله فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
الآية [١] . فسمعت عائشة رضى الله عنها مقالته، فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا مروان! فأنصت الناس وأقبل مروان يوجهه، فقالت: «إن القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن كذب، والله ما هو فيه، ولكنه فلان بن فلان، ولكنك أنت فضض من لعنة نبى الله ﵊» .
وقام الحسين بن على رضى الله عنهما فأنكر ذلك، وفعل مثله عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير.
فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فأوجب ذلك مسيره إلى الحجاز بعد أن أخذ بيعة أهل العراق والشام!.
стр. 7422
ذكر من وفد الى معاوية من أهل الأمصار فى شأن البيعة. وما تكلم به بعضهم وبيعة أهل العراق والشام ليزيد
قال: وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه، وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو [١] بن حزم من المدينة، والأحنف بن قيس فى وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: إن كل راع مسئول عن رعيته فانظر من تولّى أمر أمة محمد ﷺ ، فأخذ معاوية يهتز [٢] حتى جعل يتنفّس فى يوم شات [٣] ، ثم وصله وصرفه.
وأمر معاوية الأحنف بن قيس أن يدخل على يزيد فدخل عليه، فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا.
ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهرى لما اجتمع الوفود عنده: إنى متكلم فإذا سكتّ فكن أنت الذى تدعو إلى بيعة يزيد وتحثنى عليها، فلما جلس معاوية للناس تكلمّ فعظّم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها، وما أمر الله تعالى به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرض ببيعته.
فعارضه الضحاك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أمير
стр. 7423
المؤمنين، إنه لا بد للناس من وال بعدك وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبيل، وخيرا فى العافية، والأيام عوج [١] رواجع، والله كل يوم فى شأن، ويزيد بن أمير المؤمنين فى حسن هديه وقصد سيرته [٢] على ما علمت، وهو من أفضلنا علما وحلما، وأبعدنا رأيا، فولّه عهدك، واجعله لنا علما بعدك، ومفزعا نلجأ إليه ونسكن إلى ظله» .. وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من [٣] ذلك.
ثم قام يزيد بن المقنّع العذرىّ فقال: هذا أمير المؤمنين (وأشار إلى معاوية) فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) ومن أبى فهذا (وأشار إلى سيفه) فقال معاوية: اجلس فأنت سيّد الخطباء.
وتكلم من حضر من الوفود، فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: «نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذّبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد فى ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذه الأمة رضى فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا، وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا» .. وقام رجل
стр. 7424
من أهل الشام فقال: «ما ندرى ما تقول هذه المعدّيّة [١] العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف [٢] .
فافترق الناس يحكون قول الأحنف [٣] .
قال: وكان معاوية يعطى المقارب، ويدارى المباعد ويلطف به، حتى استوثق له أكثر الناس، وبايعوه، فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز.
ذكر مسير معاوية الى الحجاز وكيف أخذ البيعة ليزيد على أهل الحجاز
قال: وفى هذه السّنة اعتمر معاوية فى شهر رجب، وسار إلى الحجاز فى ألف فارس، فلما دنا من المدينة لقيه الحسن بن على رضى الله عنهما أول الناس، فلما نظر إليه معاوية قال: «لا مرحبا ولا أهلا! بدنة يترقرق دمها والله مهريقه!» قال: مهلا فإنى لست بأهل لهذه المقالة. قال:
بلى ولشرّ منها.
ثم لقيه عبد الله بن الزّبير فقال له: «لا مرحبا ولا أهلا! خبّ ضبّ، تلعة يدخل رأسه فيضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدقّ ظهره، نحّياه عنى» فضرب وجه راحلته.
ثم لقيه عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق فقال له معاوية:
«لا مرحبا ولا أهلا! شيخ قد خرف وذهب عقله» ثم أمر بضرب وجه راحلته: ثم فعل بابن عمر نحو ذلك.
стр. 7425
فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتّى دخل المدينة، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم، ولم يروا منه ما يحبون، فخرجوا إلى مكة، فأقاموا بها.
وخطب معاوية بالمدينة، فذكر يزيد فمدحه، وقال: «من أحق منه بالخلافة فى فضله وعقله؟ وموضعه؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى يصيبهم بوائق تجتثّ أصولهم، ولقد أنذرت إن أغنت النّذر، ثم أنشأ متمثلا:
قد كنت حذّرتك آل المصطلق ... وقلت يا عمرو أطعنى وانطلق
إنّك إن كلّفتنى ما لم أطق ... ساءك ما سرّك منّى من خلق
دونك ما استسقيته فاحس وذق ثم دخل على عائشة رضى الله عنها وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه، فقال: «لأقتلنهم إن لم يبايعوا» فشكاهم إليها، فوعظته عائشة وقالت: بلغنى أنك تتهدّدهم بالقتل، فقال: «يا أم المؤمنين، هم أعزّ من ذلك، ولكنى بايعت ليزيد، وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض بيعة قد تمت؟» . قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحبّ إن شاء الله. قال: أفعل. وكان فى قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخى ما فعلت؟ تعنى محمدا فقال لها: كلّا يا أم المؤمنين إنى فى بيت أمن. قالت: أجل.
ومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله، ثم خرج إلى مكة، فلقيه
стр. 7426
الناس، فقال أولئك النفر: نتلقّاه لعله قد ندم على ما كان منه، فلقوه فى بطن [١] مرّ، فكان أول من لقيه الحسين رضى الله عنه، فقال له معاوية: مرحبا وأهلا بابن رسول الله وسيّد شباب المسلمين.
وأمر له بدابّة وركب وسايره، ثم فعل بالباقين مثل ذلك [٢] ، وأقبل يسايرهم ولا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة، فكانوا أول داخل عليه وآخر خارج، ولا يمضى يوم إلا ولهم منه صلة، ولا يذكر لهم شيئا، حتّى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره، فقال بعضهم لبعض: «لا تخدعوا فما صنع هذا لحبّكم، وما صنعه إلا لما يريد أن يفعل، فأعدوا له جوابا» فاتفقوا على أن يكون المخاطب له عبد الله ابن الزبير.
فأحضرهم معاوية وقال: «قد علمتم سيرتى فيكم، وصلتى لأرحامكم وحملى ما كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وأردت أن تقدّموه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تولّون وتعزلون وتؤمّرون، وتجبون المال وتقسمونه، ولا يعارضكم فى شىء من ذلك» . فسكتوا، فقال: ألا تجيبون؟ مرّتين.
ثم أقبل على عبد الله بن الزبير ثم قال: هات فلعمرى إنك خطيبهم. قال: نعم، نخيّرك بين ثلاث خصال. قال: اعرضهنّ. قال:
تصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، أو كما صنع أبو بكر، أو كما صنع عمر رضى الله عنهما، قال معاوية: ما صنعوا؟ قال: قبض
стр. 7427
رسول الله ﷺ ولم يستخلف أحدا، فارتضى الناس أبا بكر. قال: ليس فيكم مثل أبى بكر وأخاف الاختلاف. قالوا:
«صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر، فإنه عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بنى تيم [١] فاستخلفه، أو كما صنع عمر، جعل الأمر شورى فى ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بنى أبيه» .
قال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: لا، قال: فأنتم؟ قالوا:
قولنا قوله: قال «فإنى أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، إنى كنت أخطب، فيقوم إلى القائم منكم فيكذّبنى على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإنّى قائم لمقالة فأقسم بالله لئن ردّ علىّ أحد منكم كلمة فى مقامى هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتّى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلا على نفسه!» .
ثم دعا صاحب حرسه حضرتهم فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علىّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما.
ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«إن هؤلاء الرّهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبرم [٢] أمر دونهم ولا يقضى إلّا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على
стр. 7428
اسم الله» . فبايع الناس وكانوا يتربّصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب معاوية رواحله وانصرف إلى المدينة.
فلقى الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلمّا أرضيتم وأعطيتم بايعتم! قالوا: والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردّوا على الرجل؟ قالوا: كادنا [١] وخفنا القتل.
وبايعه أهل المدينة، ثم انصرف إلى الشام، وجفا بنى هاشم، فأتاه ابن عبّاس فقال له: ما بالك جفوتنا؟ قال: إن صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه. فقال: «يا معاوية، إنى لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل، فأقيم به، ثم أنطلق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك» . قال يا أبا العباس تعطون وترضون وترادّون [٢] !.
وقيل: إن ابن عمر قال لمعاوية: «أبايعك على أنى داخل فيما تجتمع عليه الأمة، فو الله لو اجتمعت على حبشى لدخلت معها» . ثم عاد إلى منزله، فأغلق بابه، فلم يأذن لأحد.
وقد ذكرنا وفاة عبد الرحمن بن أبى بكر فى سنة ثلاث وخمسين، والمشهور أنه كان فى هذه الحادثة باق [٣] ، وقد ورد خبره مع مروان ابن الحكم وما قالته عائشة رضى الله عنها فى الصحيح [٤] .
стр. 7429
ذكر استعمال سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان وغزوه
فى هذه السنة استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان وعزل ابن زياد عنها، وكان سبب ذلك أنه سأل معاوية أن يستعمله على خراسان، فقال: إن بها عبيد الله بن زياد. فقال: «والله لقد اصطنعك أبى حتّى بلغت باصطناعه المدى الذى لا تجارى إليه ولا تسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته [بآلائه] [١] ، وقدّمت [علىّ] هذا- يعنى يزيد- وبايعت له، والله لأنا خير أبا وأمّا ونفسا!» فقال معاوية:
أمّا بلاء أبيك فقد يحقّ علىّ الجزاء به، وقد كان من شكرى لذلك أنّى طلبت بدمه، وأمّا فضل أبيك على أبيه فهو والله خير منّى، وأمّا فضل أمّك على أمّه فلعمرى امرأة من قريش خير من امرأة من كلب [٢] ، وأمّا فضلك عليه فو الله ما أحبّ أن الغوطة [٣] ملئت به رجالا مثلك!» فقال له يزيد: «يا أمير المؤمنين، ابن عمّك، وأنت أحقّ من نظر فى أمره، قد عتب عليك فأعتبه [٤] » . فولّاه حرب خراسان، وولّى إسحاق ابن طلحة [٥] خراجها، فمات إسحاق بالرّىّ فولّى سعيد حربها وخراجها.
стр. 7430
فلمّا قدم خراسان قطع النهر إلى سمرقند، فخرج إليه [أهل] [١] الصّغد، فتواقفوا يوما إلى الليل ولم يقتتلوا، ثمّ اقتتلوا من الغد، فهزمهم سعيد، وحصرهم فى مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهنا منهم خمسين غلاما من أبناء عظمائهم، فسار إلى التّرمذ ففتحها صلحا، ولم يف لأهل سمرقند، وجاء بالغلمان معه إلى المدينة.
وفى هذه الغزوة قتل قثم بن العبّاس بن عبد المطّلب.
وحج بالناس فى هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان
سنة سبع وأربعين
فى هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة، واستعمل الوليد بن عتبة بن أبى سفيان. وقيل: لم يعزل مروان فى هذه السنة [٢] .
وحج بالناس الوليد بن عتبة.
سنة ثمان وأربعين
فى هذه السنة توفّيت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وتوفى عميرة بن يثربىّ قاضى البصرة، فاستقضى مكانه هشام بن هبيرة.
وحج بالناس الوليد بن عتبة.
стр. 7431
ذكر عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم وطرده عنها واستعماله على مصر وطرده عنها أيضا
فى هذه السنة عزل معاوية الضحّاك بن قيس عن الكوفة، واستعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفى، وهو ابن أم الحكم، وأم الحكم أخت معاوية، فخرج الخوارج بالكوفة فى ولايته على ما قدمناه من خبرهم.
ثم طرد أهل الكوفة عبد الرحمن لسوء سيرته، فلحق بخاله معاوية، فولاه مصر، فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر، فقال له: ارجع إلى خالك فلعمرى لا تسير فينا سيرتك فى إخواننا من أهل الكوفة، فرجع.
ثم وفد معاوية بن حديج إلى معاوية، وكان إذا قدم زيّنت له الطرق [بقباب الرّيحان] [١] تعظيما لشأنه، فدخل على معاوية وعنده أخته أمّ الحكم فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال:
«بخ بخ [٢] ! هذا معاوية بن حديج!» فقالت: «لا مرحبا! تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه [٣] . فسمعها ابن حديج، فقال: «على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلى ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار فى إخواننا من أهل الكوفة، ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل لضربناه ضربا يطأطئ
стр. 7432
منه ولو كره هذا القاعد!» يعنى معاوية، فالتفت إليها معاوية فقال:
كفى. فكفّت.
سنة تسع وخمسين
فى هذه السنة استعمل معاوية النّعمان بن بشير الأنصارى على الكوفة، بعد ابن أم الحكم.
واستعمل معاوية عبد الرحمن بن زياد على خراسان فبقى عليها إلى أن قتل الحسين، ثم قدم على يزيد ومعه عشرون ألف ألف درهم، فقال له يزيد: «إن شئت حاسبناك وأخذنا ما معك ورددناك إلى عملك، وإن شئت أعطيناك ما معك وعزلناك، وتعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم» قال: بل تعطينى ما معى وتعزلنى. ففعل، وأرسل عبد الرحمن إلى ابن جعفر بألف ألف، وقال: هذه خمسمائة ألف من يزيد وخمسمائة ألف منى.
ذكر عزل عبيد الله بن زياد عن البصرة وعوده إليها
وفى هذه السنة عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن البصرة وأعاده إليها ولم يولّ غيره.
وسبب ذلك أن ابن زياد وفد على معاوية فى وجوه أهل البصرة وفيهم الأحنف بن قيس، وكان ابن زياد لا يكرمه، فلما دخلوا على معاوية رحبّ بالأحنف وأجلسه معه على سريره، فأحسن الوفد الثناء على عبيد الله بن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ما بالك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال: إن تكلمت خالفت القوم. فقال معاوية:
стр. 7433
انهضوا، عزلته عنكم واطلبوا واليا ترضونه، فلم يبق من القوم رجل إلا أتى رجلا من بنى أميّة أو من أهل الشام، والأحنف لم يبرح من منزله ولم يأت أحدا، فلبثوا أيّاما، ثم جمعهم معاوية، وقال لهم: من اخترتم فاختلفت كلمتهم [١] ، والأحنف ساكت، فقال [٢] : مالك لا تتكلم؟
فقال: «إن ولّيت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا، وإن ولّيت غيرهم فانظر فى ذلك» . فردّه معاوية عليهم، وأوصاه بالأحنف وقبح رأيه فى مباعدته.
وحج بالناس فى هذه السنة عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وفيها توفى سعيد بن العاص.
سنة ستين ذكر وفاة معاوية بن أبى سفيان وما أوصى به عند وفاته
كانت وفاته بدمشق فى شهر رجب من هذه السّنة، قيل: فى مستهلّه، وقيل: فى النصف منه، وقيل: لأربع بقين منه، وقيل:
فى يوم الخميس لثمان بقين من شهر رجب سنة تسع وخمسين [٣] قال [٤] : وكان معاوية قد خطب الناس قبل موته فقال: «إنى
стр. 7434
لزرع [١] مستحصد [٢] وقد طالت إمرتى عليكم حتى مللتكم ومللتمونى، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقى، لن يأتيكم بعدى إلا من أنا خير منه، كما أن من كان قبلى كان خيرا منى، وقد قيل:
من أحب لقاء الله أحب لله لقاءه، اللهم إنى أحببت لقاءك فأحبب لقائى وبارك لى فيه» . فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه الذى مات فيه.
قال [٣] ولمّا مرض [٤] دعا ابنه يزيد وقال: «يا بنى إنى قد كفيتك الشّدّ والتّرحال، ووطّأت لك الأمور، وذللت الأعداء، وأخضعت؛ لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك [٥] ، فإن رابك [٦] من عدوّك شىء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغيرها تغيرت أخلاقهم، وإنى لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلّا أربعة نفر من قريش: الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن أبى بكر، فأمّا ابن عمر فرجل قد
стр. 7435
وقذته [١] العبادة، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأمّا الحسين فإنه رجل خفيف، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد ﷺ ، وأمّا ابن أبى بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله [٢] ليست له همّة إلّا فى النساء واللهو، وأما الذى يجثم لك جثوم الأسد، ويرواغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعه إربا إربا، واحقن دماء قومك ما استطعت» .. هكذا فى هذه الرواية [٣] ذكر عبد الرحمن بن أبى بكر، والصحيح أنه مات [٤] قبل معاوية.
وقيل إن يزيد كان غائبا فى مرض أبيه وموته، وأن معاوية أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المرّىّ وأمرهما أن يؤديّا عنه هذه الرسالة إلى يزيد ابنه. وصححه ابن الأثير.
قيل: ولما اشتدّت علّته وأرحف به قال لأهله؛: احشوا عينى إثمدا وادهنوا رأسى، ففعلوا وبرّقوا وجهه [٥] ، ثم مهّد له مجلس
стр. 7436
وأذن للناس، فدخلوا وسلموا قياما ولم يجلس أحد، فلما خرجوا تمثل بقول الأول وهو الهذلى [١] :
وتجلّدى للشّامتين أريهمو ... أنّى لريب الدهو لا أتضعضع
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة [٢] لا تنفع
ومات فى يومه.
وكان يتمثّل- وقد احتضر [٣]-:
فهل من خالد إمّا هلكنا؟ ... وهل بالموت يا للنّاس عار؟
وروى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت الشافعىّ رضى الله عنه يقول: لمّا ثقل معاوية كان يزيد غائبا، فكتب إليه بحاله فلمّا أتاه الرسول أنشأ يقول:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به [٤] ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل! ماذا فى صحيفتكم ... قال: الخليفة أمسى مثبتا [٥] وجعا
стр. 7437
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأنّ ثهلان [١] من أركانه انقلعا
أودى ابن هند [٢] وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعا وظلّا يسريان معا
لا يرفع الناس ما أوهى [٣] وإن جهدوا ... أن يرفعوه، ولا يوهون ما رفعا
أغرّ أبلج [٤] يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
والبيتان [٥] الأخيران للأعشى.
قال: فلمّا وصل إليه وجده مغمورا فأنشأ يقول:
لو عاش حىّ إذا لعاش إما ... م الناس لا عاجز ولا وكل [٦]
الحوّل القلّب الأريب [٧] ولن ... يدفع ريب المنيّة الحيل
стр. 7438
قال فأفاق معاوية وقال: يا بنى إنّى صحبت رسول الله ﷺ فخرج لحاجته، فاتبعته بإداوة [١] ، فكسانى أحد ثوبيه الذى يلى جلده، فخبّأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله ﵊ من أظافره وشعره ذات يوم، فأخذته وخبّأته لهذا اليوم، فإذا أنا متّ فاجعل ذلك القميص دون كفنى ممّا يلى جلدى، وخذ ذلك الشعر والأظافر فاجعله فى فمى وعلى عينى ومواضع السجود منى، فإن نفع شى فذاك، وإلّا فإن الله غفور رحيم.
وهذه الرواية تدل على أن يزيد أدركه قبل وفاته، وقد قيل: إنه أوصى بها غير يزيد [٢] والله أعلم.
قال ابن الأثير: وتمثل معاوية عند موته بشعر الأشهب بن زميلة [٣] النّهشلى [٤] :
стр. 7439
إذا متّ مات الجود وانقطع النّدى ... من الناس إلّا من قليل مصرّد [١]
وردّت أكفّ السائلين وأمسكوا ... من الدّين والدنيا بخلف مجدّد [٢]
فقالت إحدى بناته: كلّا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك.
فقال متمثّلا:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها......
(البيت) وقال لأهله:
اتّقوا الله فإنه لا واقى لمن لا يتّقى الله! ثمّ قضى [٣] وأوصى أن يردّ نصف ماله إلى بيت المال [٤] .
وأنشد لما حضرته الوفاة:.
إن تناقش يكن نقاشك يا ربّ ... ب عذابا، ولا طوق لى بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب صفوح ... عن مسيىء ذنوبه كالتراب
قال: ولمّا مات خرج الضحّاك بن قيس حتّى صعد المنبر، وأكفان معاوية على يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ معاوية كان
стр. 7440
عود [١] العرب، وحدّ [٢] العرب، وجدّ [٣] العرب، قطع الله به الفتنة، وملّكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات، وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلّون بينه وبين عمله، ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة! فمن كان يريد أن يشهده فعند الأولى» .. قال: وصلى عليه الضحاك لغيبة يزيد، وكان بحوّارين [٤] فقدم بعد دفنه فصلّى على قبره.
وكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأيّاما تقريبا منذ خلص له الأمر.
وكان عمره خمسا وسبعين سنة، وقيل: ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل توفى وهو ابن خمس وثمانين سنة.
وكان أوّل من اتخذ الخدام الملازمة [٥] فى الإسلام. وأوّل من علّق الستور واتخذ الحرس وأرباب الشّرط. واستخدم الحجاب وركب الهماليج [٦] ، وقيدت بين يديه الجنائب [٧] ولبس الخزّ والوشى الخفيف، وعمل الطّراز بمصر واليمن والرّها والإسكندرية.
стр. 7441
وأوّل من قتل مسلما صبرا، قتل حجر بن عدىّ وأصحابه كما تقدم.
وهو أول من اقتنى الضّياع، وأحدث فى أيامه ديوان الخاتم، وكان سبب ذلك أنه أمر لعمرو [١] بن الزّبير بمائة ألف درهم، وكتب له بها على زياد، فصيرّ [٢] عمرو المائة مائتين، فلما [رفع] [٣] حساب زياد أنكرها معاوية، وأخذ عمرا بردّها [٤] ، فوفّاها عنه أخوه عبد الله. ثم أمر معاوية بختم الكتب وحزمها.
وزاد فى منبر رسول الله ﷺ ، فجعله ثمانى درجات، وأول من جعل درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، واتخذ المقصورة [٥] فى المسجد.
وأول خليفة بايع لابنه، وأول من وضع البريد، وأول من سمى الغالية التى يطيّب بها «غالية» .
وكان يقول: أنا أول الملوك.
ذكر شىء من سيرته وأخباره
كان يضرب بحلم معاوية المثل، ولم يعرف له زلّة تنافى الحلم إلّا قتل حجر بن عدىّ وأصحابه.
وقد نقل من كلامه ألفاظ، منها أنه قال: إننى لأرفع نفسى أن يكون ذنب أعظم من عفوى، وجهل أكثر من حلمى، وعورة لا أواريها بسترى، أو إساءة أكثر من إحسانى..
стр. 7442
وقال: العقل والحلم أفضل ما أعطى العبد، فإذا ذكّر ذكر، وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز..
قال عبد الله [١] بن عمير: أغلظ رجل لمعاوية، فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إنى لا أحول بين الناس وألسنتهم.
ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا.
وروى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن قال: أخبرنا المسور ابن مخرمة أنه وفد على معاوية، قال: فلمّا دخلت عليه سلّمت، فقال: ما فعل طعنك على الأمة يا مسور؟ قلت: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، قال: والله لتكلمنى يذات نفسك. قال فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلّا أخبرته به. فقال: «لا أبرأ من الذنوب! أفمالك يا مسور ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟» قلت: بلى.
قال: «فما جعلك أحقّ بأن ترجو المغفرة منّى؟ فو الله لما أنا [٢] ألى من الإصلاح بين الناس وإقامة الحدود والجهاد فى سبيل الله والأمور العظام التى ليست [٣] أحصيها ولا تحصيها أكثر ممّا تلى. وإنى لعلى دين يتقبّل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيّئات، وو الله لعلى [٤] ذلك ما كنت لأخيرّ بين الله وبين ما سواه إلا اخترت الله على ما سواه.
قال المسور: ففكرّت حين قال ما قال فعرفت أنه خصمنى! قال: فكان
стр. 7443
إذا ذكر بعد ذلك دعا له بخير. قال أبو عمر [١] : هذا الخبر من أصحّ ما يروى عن ابن شهاب.
وقد نسب معاوية إلى بخل مع كثرة عطاياه، فمن ذلك ما حكى أن عبيد الله بن أبى بكرة دخل على معاوية، ومعه ولد له، فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله، فأراد أن يغمز ابنه [فلم يمكنه] [٢] فلم يرفع رأسه حتى فرغ من أكله، ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه، فقال معاوية ما فعل ابنك التّلقامة [٣] ؟ [قال:
اشتكى] [٤] .
ذكر صفة معاوية وأولاده وأزواجه وكتّابه وقضاته وحجّابه وشرطه وعمّاله
كان معاوية طويلا أبيض اللون إذا ضحك تقلّصت شفته العليا، وكان يخضب بالحنّاء والكتم.
وأما نساؤه وولده: فمن نسائه ميسون ابنة بحدل بن أنيف الكلبية، وهى أم يزيد، وقيل، ولدت له بنتا اسمها «أمة ربّ المشارق» فماتت صغيرة.
ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، ولدت له عبد الرحمن وعبد الله، وكان عبد الله أحمق، وعبد الرحمن مات صغيرا.
стр. 7444
ومنهن نائلة ابنة عمارة الكلبية، تزوجها وقال لميسون: انظرى إليها، فنظرت إليها وقالت: «رأيتها جميلة، ولكنى رأيت تحت سرّتها خالا، ليوضعن رأس زوجها فى حجرها» فطلقها معاوية، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهرى، ثم خلف عليها بعده النّعمان ابن بشير، فقتل ووضع رأسه فى حجرها [١] .
ومنهن كتوة [٢] ابنة قرظة، أخت فاختة، غزا قبرس [٣] وهى معه فماتت هناك.
وأما كتابه فكان كاتبه وصاحب أمره سرجون الرومى، وكتب له عبيد الله بن أويس الغسّانى.
وقضاته. كان على القضاء فضالة بن عبيد الأنصارى، فمات فاستقضى أبا إدريس الخولانى.
وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميرىّ، ونقش خاتمه «لكل عمل ثواب» ، وقيل: كان نقشه «لا حول ولا قوة إلا بالله» .
وحاجبه سعد مولاه، ثم صفوان مولاه.
وكان على شرطته قيس بن حمزه الهمدانى ثم عزله، واستعمل زمل [٤] ابن عمرو العذرىّ، وقيل: السكسكىّ.
стр. 7445
وكان على حرسه رجل من الموالى يقال له الختار، وقيل: أبو المخارق مالك مولى حمير.
وأما عمّاله فقد تقدم ذكرهم، وكان العمّال عند وفاته: على المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، على مكة عمرو بن سعيد الأشدق، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى الكوفة النّعمان بن بشير، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سجستان عبّاد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور، وعلى مصر مسلمة ابن مخلّد الأنصارى، وكان القاضى بمصر سليمان بن عمير عشرين سنة.
ذكر بيعة يزيد بن معاوية
هو أبو خالد يزيد بن معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية.
وهو الثانى من ملوك بنى أميّة، بويع له بعد وفاة أبيه فى شهر رجب سنة ستين.
فكان أول ما بدأ به يزيد أن كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وهو عامل المدينة، يخبره بموت معاوية [١] ، وكتابا آخر
стр. 7446
صغيرا فيه: «أمّا بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمرو ابن الزبير بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة حتّى يبايعوا والسلام» .
فلما أتاه نعىّ معاوية استدعى [١] مروان بن الحكم، وكان قبل ذلك قد صارمه وانقطع عنه [٢] ، فلما جاءه وقرأ عليه الكتاب بموت معاوية استرجع [٣] وترحّم عليه، واستشاره الوليد كيف يصنع، قال: «أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كلّ رجل بناحية، وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، أمّا ابن عمر فلا يرى القتال، ولا يحبّ أن يلى على الناس إلّا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا» .
стр. 7447
ذكر ارسال الوليد بن عتبة إلى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير، وما كان بينهم فى أمر البيعة وخروجهما إلى مكة رضى الله عنهما
قال [١] وأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو غلام حدث، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما فى المسجد، فأتاهما فى ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس، فقال: أجيبا الأمير فقالا: انصرف الآن نأتيه.
فقال ابن الزبير للحسين: ما تراه بعث إلينا فى هذه الساعة التى لم يكن يجلس فيها؟ فقال الحسين رضى الله عنه: أظن طاغيتهم هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو فى الناس الخبر. فقال: وأنا ما أظن غيره، فما تريد أن نصنع؟ قال الحسين:
أجمع فتيانى الساعة ثم أمشى إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه. قال:
فإنى أخاف عليك إذا دخلت. قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع.
فقام الحسين رضى الله عنه فجمع إليه أصحابه وأهل بيته، ثم أقبل إلى باب الوليد، وقال لأصحابه: «إنى داخل، فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتى قد علا فادخلوا علىّ بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم» .
ثم دخل فسلّم ومروان عنده، فقال الحسين: «الصّلة خير من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، أصلح الله ذات بينكما» وجلس، فأقرأه الوليد الكتاب،
стр. 7448
ونعى إليه معاوية، ودعاه إلى البيعة، فاسترجع الحسين وترحّم على معاوية، وقال: «أما البيعة فإن مثلى لا يبايع سرا، ولا تجتزى بها منى سرا، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم فكان الأمر واحد» فقال له الوليد- وكان يحب العافية- انصرف.
فقال له مروان: «لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينك وبينه، احبسه، فإن بايع وإلّا ضربت عتقه» . فوثب الحسين عند ذلك وقال: «يا ابن الزرقاء أنت، تقتلنى [١] أو هو؟ كذبت والله ولؤمت [٢] ! ثم خرج حتّى أتى منزله.
فقال مروان للوليد: عصيتنى! لا والله لا يملك من نفسه يمثلها أبدا، فقال الوليد: «ويح [٣] غيرك يا مروان!، والله ما أحب أن لى ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنى قتلت حسينا إن قال لا أبايع! والله إنى لأظن أمرأ يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة!» قال مروان: قد أصبت بقولك هذا [يقول] [٤] وهو غير حامد له على رأيه.
وأمّا ابن الزّبير فإنه أتى داره وجمع أصحابه واحترز، فألّح الوليد فى طلبه وهو يقول «أمهلونى» . فبعث الوليد إليه مواليه فشتموه، وقالوا له: يا ابن الكاهلية لتأتينّ الأمير أو ليقتلنّك
стр. 7449
فقال لهم: والله لقد استربت لكثرة الإرسال، فلا تعجلونى حتّى أبعث إلى الأمير من يأتينى برأيه. فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال له: «رحمك الله، كفّ عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته [١] ، وهو يأتيك غدا إن شاء الله تعالى، فمر رسلك فلينصرفوا عنا» فبعث إليهم، فانصرفوا وخرج ابن الزبير من ليلته هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث فسارا نحو مكة [٢] فسرح الوليد الرجال فى طلبه فلم يدركوه، فرجعوا، وتشاغلوا به عن الحسين يومهم.
ثم أرسل الوليد الرجال إلى الحسين [٣] فقال لهم: أصبحوا ثم ترون ونرى. فكفّوا عنه، فسار من ليلته [٤] نحو مكة، وأخذ معه بنيه وإخوته وبنى أخيه وجلّ أهل بيته إلّا محمد بن الحنفية فإنه قال للحسين رضى الله عنهما: «يا أخى أنت أحب الناس إلىّ وأعزّهم علىّ، ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحقّ بها منك، تنح ببيعتك [٥] عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إنى أخاف أن تأتى مصر وجماعة من الناس فيختلفون عليك، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون لأول الأسنّة، فإذا
стр. 7450
خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما، أضيعها دما وأذلّها أهلا!» قال الحسين: فأين أذهب يا أخى؟ قال: «انزل مكة، فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال [١] وخرجت من بلد إلى أخرى، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، ويفرق لك الرأى، فإنك أصوب ما تكون رأيا وأخرمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا، ولا تكون الأمور أبدا أشكل منها حين تستدبرها!» قال: قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا إن شاء الله.
ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرّغ:
لا ذعرت السّوام فى شفق [٢] الصّبح ... مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المهابة [٣] ضيما ... والمنايا يرصدننى أن أحيدا
ثم خرج نحو مكة وهو يتلو فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[٤] ، ولما دخل مكة قرأ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
[٥]
стр. 7451
قال: وأمّا ابن عمر فإنّ الوليد أرسل إليه ليبايع، فقال: إذا بايع الناس بايعت. فتركوه، وكانوا لا يخافونه.
وقيل: إن ابن عمر كان بمكة هو وابن عبّاس، فعادا إلى المدينة، فلقيا الحسين وابن الزّبير، فقالا لهما: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية وبيعة يزيد، قال ابن عمر: لا تفرّقا جماعة المسلمين. وقدم هو وابن عبّاس المدينة، فلما بايع الناس بايعا.
قال: ودخل ابن الزّبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فقال: أنا عائذ بالبيت. ولم يكن يصلى بصلاتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، وكان يقف هو وأصحابه ناحية.
ذكر استعمال عمرو بن سعيد على المدينة
وإرسال عمرو بن الزّبير بالجيش إلى مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزّبير وهزيمة جيشه، ووفاة عمرو بن الزّبير تحت السّياط وفى هذه السنة عزل يزيد بن معاوية الوليد ابن عتبة عن المدينة، واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها فى رمضان، واستعمل على شرطته عمرو بن [١] الزّبير، لما كان بينه وبين أخيه من البغضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا: لهواهم فى أخيه عبد الله، منهم أخوه المنذر بن الزّبير وابنه محمد بن المنذر وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ومحمد بن عمار بن ياسر، وغيرهم [٢] ، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين.
стр. 7452
فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزّبير فيمن يرسله إلى أخيه فقال: لا توجّه إليه رجلا أنكأ له منى، فجهز معه سبعمائة فيهم أنيس بن عمرو الأسلمى.
فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له: «لا تغز مكة، واتق الله ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزّبير فقد كبر، له ستون سنة» فقال عمرو بن الزبير: والله لنغزونّه فى جوف الكعبة على رغم أنف من رغم.
وأتى أبو شريح [١] الخزاعى إلى عمرو فقال له: لا تغز مكة فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنّما أذن لى فى القتال فيها ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس»
فقال له عمرو:
نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ [٢] .
فسار عمرو بن الزبير وسار أنيس فى مقدمته.
وقيل إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد أن يرسل عمرو بن
стр. 7453
الزبير إلى أخيه عبد الله، فأرسله ومعه جيش نحو ألفى رجل، فنزل أنيس بذى طوى [١] ، ونزل عمرو بالأبطح [٢] ، فأرسل عمرو إلى أخيه: برّ يمين يزيد- وكان قد حلف أنه لا يقبل بيعته إلّا أن يؤتى به فى جامعة [٣]- تعالى حتّى أجعل فى عنقك جامعة من فضة لا ترى، ولا يضرب الناس بعضهم ببعض، فإنك فى بلد حرام.
فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه، فهزمه بذى طوى، وقتل أنيس.
وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزّبير، فتفرق عن عمرو أصحابه، فدخل دار ابن علقمة، فأتاه أخوه عبيدة فأجاره، ثم أتى عبد الله فقال: قد أجرت عمرا. فقال: «أتجير من حقوق الناس هذا ما لا يصلح، وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحلّ لحرمات الله!» . ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا، ومات عمرو بن الزبير تحت السياط.
ولنرجع إلى أخبار الحسين رضى الله عنه.
ذكر مقدم الحسين إلى مكة
وما ورد عليه من كتب أهل الكوفة، وإرساله مسلم بن عقيل إليهم وما كان فى خلال ذلك قال: لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع، فقال له: جعلت فداك أين تريد؟ قال: أمّا الآن فمكة وأمّا بعد
стр. 7454
فإنى أستخير الله. فقال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإيّاك أن تقرب الكوفة فإنها بلد مشئومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه، الزم فإنك سيّد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب، ولا تفارق الحرم فداك عمى وخالى، فو الله لئن هلكت لنسترقّنّ بعدك!» .
فأقبل حتّى نزل مكة، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزّبير يأتى إليه ويشير عليه بالرأى، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بمكة.
قال: ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمرو ابن الزّبير رضى الله عنهم من البيعة، أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشّيعة فى منزل سليمان بن صرد، فذكروا مسير الحسين رضى الله عنه إلى مكة، وكتبوا إليه عن نفر منهم: سليمان بن صرد [١] والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد وحبيب بن مظهر [٢] : «بسم الله الرحمن الرحيم، وسلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو،
стр. 7455
أمّا بعد فالحمد لله الذى قصم عدوّك الجبار العنيد الذى انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وإنه ليس علينا إمام، فأقبل، لعل الله يجعلنا بك على الحق، والنّعمان بن بشير فى قصر الإمارة لسنا نجتمع معه فى جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» . وسيّروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمدانى وعبد الله بن وائل [١] .
ثم كتبوا إليه كتابا آخر وسيّروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثّونه على المسير إليهم، ثم كتب إليه شبث بن ربعىّ وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة بن قيس [٢] وعمرو بن الحجاج الزّبيدى ومحمد بن عمير التميمى بذلك.
فلما اجتمعت كتبهم عنده كتب إليهم: «أمّا بعد فقد فهمت كلّ الذى اقتصصتم، وقد بعثت إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إلىّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلىّ أنه قد اجتمع رأى ملئكم وذوى الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله تعالى،
стр. 7456
فلعمرى ما الإمام إلا العالم [١] بالكتاب، والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام» .
وقدم على الحسين رضى الله عنه من البصرة يزيد بن أبى نبيط [٢] وابناه عبد الله وعبيد الله إلى مكة، فكانوا معه حتى قتل وقتلوا معه.
ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيّره إلى الكوفة، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل إليه بذلك.
فسار مسلم إلى المدينة، فصلى فى مسجد النبى ﷺ وسلم، وودع أهله، وسار حتى بلغ الكوفة، فنزل فى دار المختار وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فيبكون ويعدونه النصرة والقتال، فبلغ النّعمان بن بشير أمير الكوفة ذلك، فصعد المنبر فقال: «أمّا بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال» ثم قال: «إنى لا أقاتل من لم يقاتلنى، ولا أثب على من لا يثب علىّ ولا أنبّه نائمكم [٣] ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظّنّة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذى لا إله إلا هو لأضربنّكم بسيفى ما دام [٤] قائمه فى يدى، ولو لم يكن لى منكم ناصر ولا معين.
أما إنى لأرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرد به الباطل»
стр. 7457
فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمى حليف بنى أمية فقال: «إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذى أنت عليه رأى المستضعفين» . فقال: لأن أكون من المستضعفين فى طاعة الله أحبّ إلىّ من أن أكون من الأعزّين فى معصية الله» . ثم نزل.
وكان حليما ناسكا يحب العافية. وقيل: إنه لم يقل ذلك، وإنما قال:
يا أهل الكوفة إن ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلى من ابن بنت بحدل.
ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على الكوفة وقدومه إليها وخبره مع هانى بن عروة
قال: ولما تكلم النعمان بن بشير بما تكلم به، كتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ومبايعة الناس له، ويقول: «إن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك فى عدوّك، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعّف» ثم كتب إليه بعده عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر بن سعد بن أبى وقّاص بنحو ذلك.
فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية، فأقرأه الكتب، واستشاره فيمن يولّيه أمر الكوفة، وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد، فقال له سرجون: أرأيت لو نشر لك معاوية أكنت تأخذ برأيه؟ قال: نعم. فأخرج له عهد عبيد الله على الكوفة، فقال: هذا رأى معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب، فأخذ يزيد برأيه، وجمع له بين الكوفة والبصرة، وكتب له بعهده
стр. 7458
وسيّره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلىّ والد قتيبة، وأمره بطلب مسلم بن عقيل وقتله أو نفيه.
فلمّا وصل كتابه إلى عبيد الله تجهز ليسير من الغد.
وكان الحسين قد كتب إلى أشراف البصرة، منهم مالك بن مسمع، والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمر بن عبيد الله بن معمر. يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن السنة قد ماتت، والبدعة قد أحييت، فكلهم كتم كتابه إلا المنذر بن الجارود، فإنه خشى أن يكون دسيسا من بن زياد، فأتاه بالرسول والكتاب، فضرب عنق الرسول، وخطب الناس ثم قال فى آخر كلامه: «يا أهل البصرة، إن أمير المؤمنين ولّانى الكوفة، وأنا غاد إليها بالغد، وقد استخلفت عليكم أخى عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف، فو الله لئن بلغنى عن رجل منكم خلاف لأقتلنّه وعريفه ووليّه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا ولا يكون فيكم خلاف ولا شقاق [١] إنى أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطىء الحصى، فلم ينتزعنى شبه خال ولا ابن عمّ!» .
ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلىّ وشريك ابن الأعور الحارثى وحشمه وأهل بيته، وكان شريك شيعيا. وقيل:
كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه، وكان أول من سقط شريك، ورجوا أن يقف عليهم فيسبقه الحسين إلى الكوفة، فلم يقف على أحد منهم حتّى دخل الكوفه وحده، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكّون أنه
стр. 7459
الحسين بن علىّ فيقولون: مرحبا بك يا ابن رسول الله، وهو لا يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم، فساءه ما رأى منهم.
وسمع به النعمان، فأغلق عليه الباب، وهو لا يشكّ أنه الحسين، وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون، فقال له النعمان: «أنشدك الله إلا تنحيت عنى، فو الله ما أنا مسلم إليك أمانتى، ومالى فى قتالك من حاجة!» فدنا منه عبيد الله وقال: «افتح لا فتحت!» فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس فقال: إنه ابن مرجانة [١] !» ففتح له النعمان فدخل، وأغلقوا الباب وتفرق الناس.
وأصبح فجلس على المنبر، وقيل بل خطبهم من يومه، فقال:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين ولّانى مصركم وثغركم وفيئكم وأمرنى بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشّدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفى وسوطى على من ترك أمرى وخالف عهدى فليبق امرؤ على نفسه» .
ثم نزل.
وأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا، وقال: «اكتبوا إلى الناس الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشّقاق، فمن كتبهم لى فقد برئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما فى عرافته لا يخالفنا فيهم مخالف، ولا يبغى علينا منهم باغ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمّة، وحلال
стр. 7460
لنا ماله ودمه، وأيّما عريف وجد فى عرافته أحد من بغية أمير المؤمنين لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافيه من العطاء وسيّر إلى موضع بعمان» . ثم نزل.
قال: وسمع مسلم ابن عقيل بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادى فدخل بابه واستدعاه، فخرج إليه، فلما رآه كره مكانه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرنى وتضيفنى.
فقال هانئ. «- لقد كّلفتنى شططا، ولولا دخولك دارى لأحببت أن تنصرف عنى، غير أنه يأخذنى من ذلك ذمام [١] ، ادخل!» فآواه، واختلفت الشيعة إليه فى دار هانىء.
قال ومرض هانئ، فأتاه عبيد الله يعوده، فقال له عمارة بن عمير [٢] السلولىّ: دعنا نقتل هذا الطاغية، فقد أمكن الله منه، فقال هانئ ما أحب أن يقتل فى دارى، وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج، فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، وكان قد نزل على هانىء، وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيع، فأرسل إليه ابن زياد: إنى رائح إليك العشية.
فقال لمسلم ابن عقيل: «إن هذا الفاجر عائدى العشية فإذا جلس فاقتله ثم اقصد القصر ليس أحد يحول بينك وبينه، فإن بريت من وجعى سرت إلى من بالبصرة فكفيتك أمرهم» . فلمّا كان من العشىّ أتاه عبيد الله فقام مسلم بن عقيل ليدخل، فقال له شريك لا يفوتنّك إذا جلس.
فقال هانىء بن عروة: إنى لا أحبّ أن يقتل فى دارى. وجاء عبيد