فلعمرى ما الإمام إلا العالم [١] بالكتاب، والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام» .
وقدم على الحسين رضى الله عنه من البصرة يزيد بن أبى نبيط [٢] وابناه عبد الله وعبيد الله إلى مكة، فكانوا معه حتى قتل وقتلوا معه.
ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيّره إلى الكوفة، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل إليه بذلك.
فسار مسلم إلى المدينة، فصلى فى مسجد النبى ﷺ وسلم، وودع أهله، وسار حتى بلغ الكوفة، فنزل فى دار المختار وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فيبكون ويعدونه النصرة والقتال، فبلغ النّعمان بن بشير أمير الكوفة ذلك، فصعد المنبر فقال: «أمّا بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال» ثم قال: «إنى لا أقاتل من لم يقاتلنى، ولا أثب على من لا يثب علىّ ولا أنبّه نائمكم [٣] ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظّنّة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذى لا إله إلا هو لأضربنّكم بسيفى ما دام [٤] قائمه فى يدى، ولو لم يكن لى منكم ناصر ولا معين.
أما إنى لأرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرد به الباطل»
стр. 7457
فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمى حليف بنى أمية فقال: «إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذى أنت عليه رأى المستضعفين» . فقال: لأن أكون من المستضعفين فى طاعة الله أحبّ إلىّ من أن أكون من الأعزّين فى معصية الله» . ثم نزل.
وكان حليما ناسكا يحب العافية. وقيل: إنه لم يقل ذلك، وإنما قال:
يا أهل الكوفة إن ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلى من ابن بنت بحدل.
ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على الكوفة وقدومه إليها وخبره مع هانى بن عروة
قال: ولما تكلم النعمان بن بشير بما تكلم به، كتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ومبايعة الناس له، ويقول: «إن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك فى عدوّك، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعّف» ثم كتب إليه بعده عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر بن سعد بن أبى وقّاص بنحو ذلك.
فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية، فأقرأه الكتب، واستشاره فيمن يولّيه أمر الكوفة، وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد، فقال له سرجون: أرأيت لو نشر لك معاوية أكنت تأخذ برأيه؟ قال: نعم. فأخرج له عهد عبيد الله على الكوفة، فقال: هذا رأى معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب، فأخذ يزيد برأيه، وجمع له بين الكوفة والبصرة، وكتب له بعهده
стр. 7458
وسيّره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلىّ والد قتيبة، وأمره بطلب مسلم بن عقيل وقتله أو نفيه.
فلمّا وصل كتابه إلى عبيد الله تجهز ليسير من الغد.
وكان الحسين قد كتب إلى أشراف البصرة، منهم مالك بن مسمع، والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمر بن عبيد الله بن معمر. يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن السنة قد ماتت، والبدعة قد أحييت، فكلهم كتم كتابه إلا المنذر بن الجارود، فإنه خشى أن يكون دسيسا من بن زياد، فأتاه بالرسول والكتاب، فضرب عنق الرسول، وخطب الناس ثم قال فى آخر كلامه: «يا أهل البصرة، إن أمير المؤمنين ولّانى الكوفة، وأنا غاد إليها بالغد، وقد استخلفت عليكم أخى عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف، فو الله لئن بلغنى عن رجل منكم خلاف لأقتلنّه وعريفه ووليّه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا ولا يكون فيكم خلاف ولا شقاق [١] إنى أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطىء الحصى، فلم ينتزعنى شبه خال ولا ابن عمّ!» .
ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلىّ وشريك ابن الأعور الحارثى وحشمه وأهل بيته، وكان شريك شيعيا. وقيل:
كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه، وكان أول من سقط شريك، ورجوا أن يقف عليهم فيسبقه الحسين إلى الكوفة، فلم يقف على أحد منهم حتّى دخل الكوفه وحده، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكّون أنه
стр. 7459
الحسين بن علىّ فيقولون: مرحبا بك يا ابن رسول الله، وهو لا يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم، فساءه ما رأى منهم.
وسمع به النعمان، فأغلق عليه الباب، وهو لا يشكّ أنه الحسين، وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون، فقال له النعمان: «أنشدك الله إلا تنحيت عنى، فو الله ما أنا مسلم إليك أمانتى، ومالى فى قتالك من حاجة!» فدنا منه عبيد الله وقال: «افتح لا فتحت!» فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس فقال: إنه ابن مرجانة [١] !» ففتح له النعمان فدخل، وأغلقوا الباب وتفرق الناس.
وأصبح فجلس على المنبر، وقيل بل خطبهم من يومه، فقال:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين ولّانى مصركم وثغركم وفيئكم وأمرنى بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشّدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفى وسوطى على من ترك أمرى وخالف عهدى فليبق امرؤ على نفسه» .
ثم نزل.
وأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا، وقال: «اكتبوا إلى الناس الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشّقاق، فمن كتبهم لى فقد برئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما فى عرافته لا يخالفنا فيهم مخالف، ولا يبغى علينا منهم باغ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمّة، وحلال
стр. 7460
لنا ماله ودمه، وأيّما عريف وجد فى عرافته أحد من بغية أمير المؤمنين لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافيه من العطاء وسيّر إلى موضع بعمان» . ثم نزل.
قال: وسمع مسلم ابن عقيل بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادى فدخل بابه واستدعاه، فخرج إليه، فلما رآه كره مكانه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرنى وتضيفنى.
فقال هانئ. «- لقد كّلفتنى شططا، ولولا دخولك دارى لأحببت أن تنصرف عنى، غير أنه يأخذنى من ذلك ذمام [١] ، ادخل!» فآواه، واختلفت الشيعة إليه فى دار هانىء.
قال ومرض هانئ، فأتاه عبيد الله يعوده، فقال له عمارة بن عمير [٢] السلولىّ: دعنا نقتل هذا الطاغية، فقد أمكن الله منه، فقال هانئ ما أحب أن يقتل فى دارى، وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج، فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، وكان قد نزل على هانىء، وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيع، فأرسل إليه ابن زياد: إنى رائح إليك العشية.
فقال لمسلم ابن عقيل: «إن هذا الفاجر عائدى العشية فإذا جلس فاقتله ثم اقصد القصر ليس أحد يحول بينك وبينه، فإن بريت من وجعى سرت إلى من بالبصرة فكفيتك أمرهم» . فلمّا كان من العشىّ أتاه عبيد الله فقام مسلم بن عقيل ليدخل، فقال له شريك لا يفوتنّك إذا جلس.
فقال هانىء بن عروة: إنى لا أحبّ أن يقتل فى دارى. وجاء عبيد
стр. 7461
الله فجلس عند شريك وأطال، فلما رأى شريك أن مسلما لا يخرج خشى أن يفوته، فأخذ يقول: «ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها! اسقونيها [١] وإن كانت فيها نفسى!» يقول ذلك مرّتين أو ثلاثا، فقال عبيد الله: «ما شأنه؟ ترونه يخلط!» فقال هانئ: «نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتّى ساعته هذه» . فانصرف.
وخرج مسلم، فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: «أمران:
أحدهما كراهية هانئ أن يقتل فى منزله، والثانى حديث
حدّثه علىّ [٢] رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ : «الإيمان قيد [٣] الفتك فلا يفتك مؤمن»
. فقال هانئ: لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا!.
ومات شريك بعد ذلك بثلاث، فصلّى عليه عبيد الله، فلمّا علم أنه كان يحرّض مسلما على قتله قال: والله لا أصلّى على جنازة عراقى أبدا!.
قال: وكان عبيد الله بن زياد قد أعطى مولى [٤] له ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يتلطّف فى الدخول على مسلم بن عقيل وأصحابه،
стр. 7462
[وقال] [١] : أعطهم هذا المال وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم.
ففعل، وأتى مسلم بن عوسجة الأسدىّ [٢] فقال له: «يا عبد الله، إنى امرؤ من أهل الشام، أنعم الله علىّ بحبّ أهل البيت، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغنى أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ﷺ ، وقد سمعت نفرا يقولون:
إنك تعرف أمر هذا البيت، وإنى أتيتك ليقبض المال وتدخلنى على صاحبك أبايعه، وإن شئت أخذت بيعتى له قبل لقائه» .
فقال: «لقد سرّنى لقاؤك إيّاى لتنال الذى تحبّ، وينصر الله بك أهل [بيت نبيه] [٣] وقد ساءنى معرفة الناس هذا الأمر من قبل أن يتم، مخافة هذا الطاغية وسطوته» فأخذ بيعته ولمواثيق المعظمة ليناصحنّ وليكتمنّ.
واختلف إليه أيّاما، حتى أدخله على مسلم بن عقيل، فأخذ بيعته وقبض ماله، وذلك بعد موت شريك، وجعل يختلف إليهم ويعلم أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد.
وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض، فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث وابن أسماء [٤] بن خارجة، وعمر بن الحجاج الزّبيدىّ، فسألهم عن هانئ وانقطاعه، فقالوا إنه مريض. قال:
стр. 7463
بلغنى أنه يجلس على باب داره وقد برئ، فأتوه فمروه لا يدع ما عليه فى ذلك [من الحق] [١] .
فأتوه فقالوا له: «الأمير قد سأل عنك، وقال: لو أعلم أنه شاك لعدته، وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك، وقد استبطأك، والجفا لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لمّا ركبت معنا» . ففعل فلما دنا من القصر أحسّت نفسه بالشر، فقال لحسّان بن أسماء ابن خارجة: يابن أخى إنى لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال ما أتخوف عليك شيئا، فلا تجعل على نفسك سبيلا، ولا يعلم أسماء [٢] مما كان شيئا.
قال: فدخل القوم على ابن زياد، فلما رأى هانىء بن عروة قال لشريح القاضى: أتتك بحائن رجلاه [٣] . فلما دنا منه قال عبيد الله [٤] :
اريد حياته [٥] ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد
стр. 7464
فقال له هانئ وما ذاك؟ فذكر له خبر مسلم بن عقيل، وأنه فى داره، فأنكر ذلك، وطال بينهما النزاع، فاستدعى عبيد الله مولاه الذى كان يأتيهم، فجاء فوقف بين يديه، فقال: أتعرف هذا فقال نعم. وعلم هانئ أنه كان عينا عليهم، فسقط فى يده ساعة، ثم راجعته نفسه فقال: «اسمع منى وصدقنى، فو الله لا أكذبك، والله ما دعوته ولا علمت بشىء من أمره حتى رأيته [جالسا] [١] على بابى يسألنى النزول علىّ، فاستحييت من ردّه ودخلنى من ذلك ذمام، فأدخلته دارى وضفته، وقد كان من أمره الذى بلغك، فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن إليه، ورهينة تكون فى يدك حتّى أنطلق وأخرجه من دارى وأعود إليك» فقال: لا والله لا تفارقنى أبدا حتّى تأتينى به. قال: لا آتيك بضيفى لتقتله أبدا، فقال ابن زياد: والله لتأتينّى به أو لأضربنّ عنقك. قال إذا والله تكثر البارقة [٢] حول دارك. فقال: أبالبارقة تخوفنى؟!.
وقيل إن هانئا لما رأى ذلك اللعين قال: أيها الأمير إنه قد كان الذى بلغك، ولم أضيع يدك عندى، فأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت، فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران [٣] قائم على رأسه، فقال وا ذلاه! هذا الحائك يؤمنك فى سلطانك! فقال: خذه، فأخذ مهران ضفيرتى هانئ، وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخديه حتى كسر أنفه، وسيّل الدّماء على ثيابه، ونثر لحم
стр. 7465
خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطى وجبذه فمنع منه، فقال عبيد الله: أحرورى [١] ! أحللت بنفسك وحل لنا قتلك، ثم أمر به فألقى فى بيت وأغلق، فقام إليه أسماء بن خارجة وقال: «يا غادر أرسله؛ أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه، وسيّلت دمه، وزعمت أنك تقتله» . فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع [٢] ثم ترك فجلس [٣] .
وأما ابن الأشعث فقال: رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أو علينا.
وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل، فأقبل [فى [٤]] مذحج حتّى أحاطوا بالقصر، ونادى: «أنا عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها، لم نخلع طاعة، ولم نفارق جماعة. فقال ابن زياد لشريح القاضى: «ادخل على صاحبهم، فانظر إليه، ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حى [لم يقتل وأنك قد رأيته [٥]] فدخل عليه، وخرج إليهم فقال. قد نظرت إلى صاحبكم وأنه حىّ لم يقتله، فقالوا: إذ لم يقتله فالحمد لله، ثم انصرفوا.
стр. 7466
ذكر ظهور مسلم بن عقيل
واجتماع الناس عليه، ومحاصرته عبيد الله بن زياد بالقصر وكيف خذله من اجتمع إليه وتفرقوا عنه وخبر مقتله ومقتل هانئ بن عروة قال [١] : ولما أتى الخبر مسلم بن عقيل خرج من دار هانئ، ونادى فى أصحابه: «يا منصور أمت» [٢] وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفا، وحوله فى الدور أربعة آلاف، فاجتمع إليه ناس كثير، فعقد لعبد الله بن عزير الكندىّ على ربع كندة، وقال: سر أمامى. وعقد لمسلم بن عوسجة على ربع مذحج وأسد، وعقد لأبى ثمامة الصائدىّ على ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلىّ على ربع المدينة، وأقبل نحو القصر.
فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز بالقصر وأغلق الباب، وأحاط مسلم بالقصر، وامتلأ المسجد والسوق بالناس، وما زالوا يجتمعون حتّى المساء، وضاق بعبد الله أمره، وليس معه فى القصر الإثلاثون رجلا من الشّرط، وعشرون من الأشراف وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون [ابن زياد] [٣] من قبل الباب الذى يلى دار الروميين، والناس يسبون ابن زياد وأباه.
فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثى، وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيخذّل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنده وحضرموت فيرفع راية
стр. 7467
الأمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذّهلى، وشبث بن ربعى التميمى، وحجّار بن أبحر العجلى، وشمر بن ذى جوشن الضبابىّ [١] وترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم، لقلة من معه.
وخرج أولئك النفر على الناس من القصر، فمنوا أهل الطاعة، وخوّفوا أهل المعصية، فلما سمع الناس مقالة أشرافهم تفرقوا، حتّى إن المرأة لتأتى ابنها وأخاها، فتقول: «انصرف، الناس يكفونك» ، ويفعل الرجل مثل ذلك.
فما زالوا يتفرقون حتى بقى مسلم بن عقيل فى المسجد فى ثلاثين رحلا [٢] ، فلما رأى ذلك خرج نحو أبواب كندة، فلما وصل إلى الباب لم يبق معه أحد، فمضى فى أزقّة الكوفة لا بدرى أين يذهب.
فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة (أم ولد كانت للأشعث، فأعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمىّ، فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس، وهى تنتظره) فسلّم عليها، وطلب منها ماء فسقته، فجلس، فقالت: يا عبد الله ألم تشرب؟! قال: بلى؛ فقالت، فاذهب إلى أهلك؛ فسكت، فكررت ذلك عليه ثلاثا فلم يبرح؛ فقالت: سبحان الله! إنى لا أحلّ لك الجلوس على بابى. فقال: ليس لى فى هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك فى أجر معروف، ولعلّى أكافئك به بعد اليوم. قالت وما ذاك؟ قال:
стр. 7468
أنا مسلم بن عقيل، كذبنى هؤلاء القوم وغرّونى. قالت: ادخل؛ فأدخلته بيتا فى دارها [غير البيت الذى تكون فيه] [١] وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول فى ذلك البيت، فسألها، فلم تخبره، فألحّ عليها، فأخبرته، واستكتمته وأخذت عليه الأيمان بذلك.
قال [٢] : وأمّا ابن زياد، فلما سكنت [٣] الأصوات قال لأصحابه:
انظروا هل ترون منهم أحدا؟ فنظروا فلم يروا أحدا، فنزل إلى المسجد قبل العتمة [٤] ، وأجلس أصحابه حول المنبر، وأمر فنودى:
«برئت الذمة من رجل من الشّرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلّى العتمة [٥] إلا فى المسجد، فامتلأ المسجد، فصلّى بالناس، ثم قام فحمد ثم قال: «أمّا بعد، فإن ابن عقيل السّفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشّقاق، فبرئت الذمّة من رجل وجدناه فى داره، ومن أتانا به فله ديته» وأمرهم بالطاعة ولزومها، وأمر الحصين ابن تميم أن يمسك أبواب السكك، ثم يفتش الدّور.
وأصبح ابن زياد فجلس، فأتى بلال إلى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث وأخبره بمكان ابن عقيل، فأتى عبد الرحمن أباه وهو عند ابن زياد فسارّه بذلك، فأخبر محمد ابن الأشعث ابن زياد، فقال له: قم فأتنى به الساعة؛ وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس
стр. 7469
السّلمى فى سبعين من قيس، فأتوا الدار، فخرج ابن عقيل إليهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا، وضربه بكر بن حمران الأحمرىّ فقطع شفته العليا وسقط سنّتاه، وضربه مسلم على رأسه وثنّى بأخرى على حبل العاتق فكادت تطلع على جوفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت، وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار فى القصب ويلقونها عليه، فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم فى السكة، فقال له محمد بن الأشعث.
لك الأمان فلا تقتل نفسك؛ فأقبل يقاتلهم ويقول:
أقسمت لا أقتل إلّا حرّا ... وإن رأيت الموت شيئا نكرا
ويخلط البارد سخنا مرا ... رد شعاع النفس مستقرّا [١]
كلّ امرىء يوما ملاق شرّا ... أخاف أن أكذب أو أغرّا
فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تخدع، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وكان قد أثخن بالحجارة، وعجز عن القتال، وأسند ظهره إلى حائط تلك الدار، فأمّنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السّلمى فإنه قال: لا ناقتى فيها ولا جملى [٢] .
وأتى ببغلة فحمل عليها، وانتزعوا سيفه، فكأنه أيس من نفسه فدمعت عيناه وقال: هذا أول الغدر. قال محمد: أرجو ألا يكون عليك بأس.
قال: وما هو إلا الرجاء! أين أمانكم! ثم بكى، فقال له عمرو بن عبيد الله:
стр. 7470
من يطلب الذى تطلب إذا نزل به مثل الذى نزل بك لم يبك، فقال:
ما أبكى لنفسى، ولكن أبكى لأهلى المنقلبين إليكم: أبكى للحسين وآل الحسين. ثم قال لمحمد بن الأشعث: «إنى أراك تعجز [١] عن أمانى، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالى، ويقول له عنى: ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذى كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؟» فقال ابن الأشعث: والله لأفعلنّ. وفعل [٢] وأبى الحسين الرجوع.
قال: وجاء محمد بمسلم إلى القصر فأجلسه على بابه [٣] ودخل هو إلى ابن زياد فأخبره بأمانه، فقال له: ما أنت والأمان! ما أرسلناك لتؤمنه، إنما أرسلناك لتأتينا به.
قال: ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرّة فيها ماء بارد فقال اسقونى من هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو الباهلى:
أتراها ما أبردها! والله لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم فى نار جهنّم! فقال له ابن عقيل: من أنت؟ قال: «أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته، ونصح الأمة وإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته، أنا مسلم بن عمرو. فقال له ابن عقيل: لأمك الثّكل،
стр. 7471
ما أجفاك وأفظّك وأقسى قلبك وأغلظك! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود فى نار جهنم منى!» قال: فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصبّ له فى قدح، فأخذ يشرب فامتلأ القدح دما: فعل ذلك ثلاثا، ثم قال: لو كان من الرّزق المقسوم لشربته.
وأدخل على ابن زياد، فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال له الحرسى:
ألا تسلّم على الأمير. فقال: إن كان يريد قتلى فما سلامى عليه! وإن كان لا يريده فليكثرنّ تسليمى عليه. فقال ابن زياد: لعمرى لتقتلنّ. قال: فدعنى أوصى إلى بعض قومى. قال: افعل. فقال لعمر بن سعد بن أبى وقّاص: «إن بينى وبينك قرابة، ولى إليك حاجة وهى سر» . فلم يمكنه من ذكرها، فقال له ابن زياد: لا تمتنع من حاجة ابن عمك. فقام معه، فقال: «إن علىّ بالكوفة دينا استدنته [١] أنفقته: سبعمائة درهم، فاقضها عنّى، وانظر جثّتى فاستوهبها فوارها، وابعث إلى الحسين فاردده» . فقال عمر لابن زياد: أتدرى ما سارّنى؟ فقال: أكثرتم على ابن عمك؛ فقال: الأمر أكبر من هذا.
قال: اكتم على ابن عمك: قال الأمر أكبر من هذا، وأخبره بما قال.
فقال ابن زياد لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن. أمّا مالك فهو لك تصنع به ما شئت، وأمّا حسين فإن لم يردنا لم نرده:
وإن أرادنا لم نكفّ عنه، وأمّا جشّته فإنا لا نشفّعك فيها» وقيل:
إنه قال: وأمّا جثته فإذا قتلناه لا نبالى ما صنع بها.
ثم قال: يا ابن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة
стр. 7472
لتشتيت بينهم، وتفريق كلمتهم. قال: «كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل، وندعو إلى حكم الكتاب. فقال وما أنت وذاك؟ ثم كانت بينهما مقاولة قال له ابن زياد فى آخرتها:
قتلنى الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد فى الإسلام، فقال: «أما إنك أحقّ من أحدث فى الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السّيرة ولؤم الغلبة لأحد من الناس أحقّ بها منك!» فشتمه ابن زياد وشتم حسينا وعليّا وعقيلا ولم يكلّمه مسلم.
ثم أمر به، فأصعد فوق القصر وهو يستغفر الله تعالى ويسبّح، وأشرف به على موضع الحدادين [١] فضربت عنقه، وكان الذى قتله بكير بن حمران، ثم أتبع رأسه جسده.
قال وقام محمد بن الأشعث فكلّم ابن زياد فى هانئ بن عروة، وقال قد عرفت منزلته من المصر وبيته، وقد علم قومه أنى أنا وصاحبى.
سقناه إليك، فأنشدك الله لمّا وهبته، فإنى أكره عداوة قومه!» فوعد أن يفعل، ثم بدا له فأمر به حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه.
وبعث عبيد الله بن زياد برأسيهما إلى يزيد، فكتب إليه يزيد يشكره، ويقول له: «قد بلغنى أن الحسين بن علىّ توجه نحو العراق، فضع المراصد والمسالح واحترس، واحبس على التّهمة، وخذ بالظّنّة، غير ألّا تقتل إلا من قاتلك» .
стр. 7473
قال: وكان مخرج [مسلم بن [١]] عقيل بالكوفة [٢] لثمان ليال مضين من ذى الحجّة سنة ستين. وقيل: لتسع [٣] مضين منه.
وكان فيمن خرج معه المختار [٤] بن أبى عبيد، وعبد الله [٥] بن الحارث بن نوفل، وطلبهما ابن زياد وحبسهما.
وكان فيمن قاتل مسلما محمد بن الأشعث، وشبث بن ربعىّ- وهو أحد من كتب إلى الحسين- والقعقاع بن شور، وجعل شبث يقول: انتظروا بهم إلى [٦] الليل يتفرقوا. فقال له القعقاع: إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم، فافرج لهم يتفرقوا.
وحج بالناس فى هذه السنة عمرو بن سعيد الأشدق، وهو عامل مكة والمدينة. وفيها مات أبو أسيد الساعدى [٧] ، واسمه مالك ابن ربيعة، وهو آخر من مات من البدريّين [٨] ، وقيل: مات سنة خمس وستين. ومات حكيم بن حزام [٩] وله مائة وعشرون سنة، ستون
стр. 7474
فى الجاهلية وستون فى الإسلام. ومات جماعة ممن لهم صحبة فى هذه السنة.
سنة أحدى وستين ذكر مسير [١] الحسين بن على رضى الله عنهما وخبر من نهاه عن المسير
كان مقتله بالطّف على شاطئ الفرات من أرض كربلاء، وذلك فى يوم الجمعة لعشر خلون من المحرّم من هذه السنة.
ولنبدأ بخبر مسيره من مكة شرّفها الله تعالى، وسبب مسيره ومن أشار عليه بالمقام بمكة وترك المسير إلى الكوفة، ثم نذكر ما كان من خبره فى مسيره إلى أن قتل رضى الله عنه، فنقول:
كان مسيره من مكّة لقصد الكوفة يوم التّروية، وكان سبب مسيره إلى الكوفة ما ورد عليه من كتب أهلها كما تقدم، ثم أكّد ذلك عنده وحمله عليه وقوّى عزمه ورود كتاب مسلم بن عقيل بن أبى طالب عليه يخبره أنه بايعه بالكوفة ثمانية عشر ألفا، ويستحثّه على المسير إليها، وكان هذا من مسلم فى ابتداء أمره [٣] .
стр. 7475
قال [١] : ولما عزم الحسين رضى الله عنه على المسير إلى الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: «إنى أتيتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك تستنصحنى قلتها وأدّيت ما على من الحق فيها، وإن ظننت أنك لا تستنصحنى كففت عمّا أريد!» فقال له: قل فو الله ما أستغشك ولا أظنك بشىء من [٢] الهوى. قال: «قد بلغنى أنك تريد العراق، وإنى مشفق عليك أنك تأتى بلدا فيه عمّاله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، والناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممّن يقاتلك معه!» فقال له الحسين رضى الله عنه:
جزاك الله خيرا يا ابن عمّ، فقد علمت أنك مشيت بنصح، وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندى أحمد مشير، وأنصح ناصح.
وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لى ما أنت صانع فقال له: قد أجمعت السير فى أحد يومىّ هذين إن شاء الله تعالى. فقال له ابن عباس: «فإنى أعيذك بالله من ذلك؛ خبّرنى رحمك الله، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوّهم؟ فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعمّاله تجبى بلادهم، فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك، فيكونوا
стр. 7476
أشدّ الناس عليك!» فقال الحسين: فإنى أستخير الله وأنظر ما يكون.
فخرج ابن عباس.
وأتاه عبد الله بن الزّبير فحدّثه ساعة، ثم قال: «ما أدرى ما تركنا هؤلاء القوم، وكفّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم؛ خبّرنى ما تريد أن تصنع؟!» فقال الحسين: «لقد حدّثت نفسى بإتيانى الكوفة، ولقد كتب إلىّ شيعتى بها، وأشراف الناس وأستخير الله» . فقال ابن الزبير: أما إنه لو كان لى بها مثل شيعتك ما عدلت عنها. ثم خشى أن يتهمه، فقال أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحناك. فقال له الحسين رضى الله عنه: «إن ابى حدثنى أن لها كبشا به تستحل حرمتها، فما أحبّ أن أكون [١] ذلك الكبش!» قال: فأقم إن شئت وتولينى أنا الأمر فتطاع ولا تعصى، قال:
ولا أريد هذا الأمر أيضا. ثم إنهما أخفيا كلامهما، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا قال: فإنه يقول قم فى هذا المسجد أجمع لك الناس، ثم قال الحسين: «والله لأن أقتل خارجا منها بشبر أحبّ إلىّ من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحبّ إلىّ من أن أقتل خارجا منها بشبر، ويم الله، لو كنت فى جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجونى حتى يقضوا فىّ حاجتهم، والله ليعتدنّ [على [٢]] كما اعتدت اليهود فى السّبت!» فقام ابن الزّبير وخرج من عنده.
стр. 7477
فلما كان من العشىّ أو من الغد أتاه ابن عبّاس فقال: «يا ابن عم، إنى أتصبر ولا أصبر، إنى أتخوّف عليك فى هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر [١] فلا تنفر إليهم [٢] ، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم لينفوا عاملهم وعدوّهم، ثم قدم عليهم، فإن أبيت إلّا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا، وهى أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت على الناس فى [٣] عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبثّ دعاتك، فإنى أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحبّ فى عافية!» فقال له الحسين: «يا ابن عم، إنى والله لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت المسير!» فقال ابن عباس: «فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيانك، فإنى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه!» ثم قال له ابن عباس: «لقد أقررت عين ابن الزّبير بالخروج من الحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، والله لو أعلم أنى إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتّى يجتمع علينا الناس أطعتنى فأقمت لفعلت ذلك!» . ثم خرج من عنده.
فمرّ بابن الزّبير فقال: قرّت عينك يا ابن الزبير، ثم قال [٤] :
стр. 7478
يا لك من قبّرة بمعمر [١] ... خلا لك الجوّ فبيضى واصفرى [٢]
ونقّرى ما شئت أن تنقرى [٣]
هذا حسين يخرج إلى العراق ويخلّيك والحجاز.
قال وخرج حسين من مكة يوم التّروية [٤] ، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد مع أخيه يحيى يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، وسار فمر بالتنعيم [٥] فرأى عيرا قد أقبلت من اليمن، بعث بها بحير
стр. 7479
ابن ريسان الحميرى عامل اليمن إلى يزيد، وعليها الورس [١] والحلل، فأخذها الحسين ثم سار، فلما انتهى إلى الصّفاح [٢] لقيه الفرزدق الشاعر [٣] فقال له الحسين: بين لى خبر الناس خلفك فقال: «الخبير سألت، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء!» فقال الحسين صدقت، لله الأمر يفعل ما يشاء، وربّنا كل يوم فى شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، هو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد [٤] من كان الحق نيته، والتقوى سريرته.
قال وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد يقول: «أمّا بعد، فإنى أسألك بالله لمّا انصرفت حين تقرأ كتابى هذا فإنى مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت الآن طفئ نور الأرض فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير، فإنى فى إثر كتابى، والسلام!» .
وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد وقال: «اكتب للحسين كتابا تجعل له فيه الأمان، وتمنيه فيه البرّ والصّلة، وترفق
стр. 7480
فى كتابك، وتسأله [١] الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو اكتب ما شئت، وأتنى به حتى أختمه. فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثم أتى به عمر بن سعيد: فقال: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى فإنه أحرى أن تطمئن به نفسه، ويعلم أنه الجدّ منك ففعل.
وكان مضمون الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن على، أما بعد، فإنى أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك. بلغنى أنك قد توجهت إلى العراق، وإنى أعيذك بالله من الشّقاق، فإنى أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله ابن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إلىّ معهما، فإن لك عندى الأمان والصلة والبر وحسن الجوار، لك الله علىّ بذلك شهيد وكفيل، وراع ووكيل، والسلام عليك» .
فأخذا الكتاب ولحقا حسينا، فأقرأه يحيى الكتاب. وكان ممّا اعتذر به أن قال: إنى رأيت رؤيا، رأيت فيها رسول الله ﷺ وأمرت بأمر أنا ماض له، فقالا له: ما تلك الرؤيا؟
قال: ما حدّثت أحدا بها ولا أنا محدّث أحدا بها حتّى ألقى ربّى.
وكتب الحسين إلى عمرو بن سعيد: «أمّا بعد، فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين، وقد دعوت إلى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن بالله يوم القيامة من لم يخفه فى الدنيا، فنسأل الله مخافة فى
стр. 7481
الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتى وبرى فجزيت خيرا فى الدنيا والآخرة، والسلام» .
قال [١] : ولمّا بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين ابن نمير [٢] التّميمى صاحب شرطته، فنزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفّان [٣] ، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع.
وأقبل الحسين حتى إذا بلغ الحاجز من بطن الرّمة بعث قيس بن مسهر الأسدىّ ثم الصّيداوى إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن على إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو.
أمّا بعد؛ فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءنى يخبرنى فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنع، وأن يشيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجّة يوم التّروية، فإذا قدم عليكم رسولى فانكمشوا [٤] فى أمركم وجدوا، فإنى قادم عليكم فى أيامى هذه إن شاء الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله» .
стр. 7482
وكان مسلم بن عقيل قد كتب إلى الحسين قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، أمّا بعد؛ فإن الرائد لا يكذب أهله، إن جميع [١] أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابى والسلام.
قال: وأقبل قيس بن مسهر بكتاب الحسين إلى أهل الكوفة، فلما بلغ القادسية أخذه الحصين بن نمير [٢] فبعث به إلى ابن زياد، فقال له عبيد الله: اصعد [القصر] [٣] فسبّ الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن على. فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، إن هذا الحسين بن علىّ رضى الله عنهما خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجز فأجيبوه» ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلىّ، فأمر به عبيد الله فرمى من فوق القصر فتقطع فمات.
قال [٤] : ثم أقبل الحسين رضى الله عنه يسير نحو الكوفة، فانتهى إلى ماء مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوىّ فلما رأى الحسين قام إليه، فقال: بأبى أنت وأمى يا ابن رسول الله، ما أقدمك؟ واحتمله فأنزله فقال له الحسين: إنه كان من موت معاوية ما قد بلغك، فكتب إلىّ أهل العراق يدعوننى إلى أنفسهم. فقال: «أذكرك بالله [٥] يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله
стр. 7483
فى حرمة قريش [١] ، أنشدك الله فى حرمة العرب، فو الله لئن طلبت ما فى أيدى بنى أميّة ليقتلنّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعد أحدا أبدا، والله إنها لحرمة الاسلام تنتهك، فلا تفعل، ولا تأت الكوفة، ولا تعرّض نفسك لبنى أمية!» فأبى إلّا أن يمضى.
فلما نزل بزرود [٢] أتاه الخبر بقتل مسلم ابن عقيل وهانئ ابن عروة، فاسترجع [٣] مرارا، فقال له عبد الله بن سليم والمذرى ابن المشمعلّ الأسديان، وكانا قد لحقاه حين قضيا حجهما: «ننشدك الله فى نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك!» فوثب بنو عقيل فقالوا لا: والله لا نبرح حتّى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا. فقال الحسين رضى الله عنه: لا خير فى العيش بعد هؤلاء، فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. فانتظر الحسين حتى إذا كان السّحر قال لفتيانة وغلمانه: أكثروا من الماء. فاستقوا فأكثروا، ثم ارتحلوا حتّى انتهوا إلى زبالة [٤] .
وقيل: كان الحسين لا يمرّ بماء إلا اتبعه أهل ذلك الماء، حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرّضاعة عبد الله بن بقطر،
стр. 7484
وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق، وهو لا يدرى أنه أصيب فأخذه الحصين بالقادسية، فبعث به إلى زياد فقال له: اصعد فوق القصر فالعن الكذابّ ابن الكذّاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيى، فصعد فلما أشرف على الناس قال: «أيها الناس، إنى رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ إليكم، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدّعى!» فأمر به عبيد الله فألقى من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت عظامه وبقى به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمى [١] فذبحه، فلمّا عيب عليه ذلك قال: إنما أردت أن أريحه.
فلمّا بلغ الحسين الخبر قال لأصحابه: من أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرج، ليس عليه منا ذمام؛ فتفرق الناس عنه حتى بقى فى أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة.
قال: وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنت أنه يأتى بلدا قد استقامت له طاعة أهله، فأراد أن يعلموا علام يقدمون.
قال ثم ارتحل الحسين وسار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها، فأتاه بعض الأعراب فسأله عن مقصده فأخبره، قال: «إنّى أنشدك الله لمّا انصرفت، فو الله ما تقدم إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطّئوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأيا، فأما على هذه الحال التى تذكر فإنى
стр. 7485
لا أرى لك أن تفعل!» فقال الحسين: يا عبد الله، إنه ليس يخفى علىّ ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره!.
ثم ارتحل منها وقد استهلّت إحدى وستين، وسار حتّى نزل شراف [١] فلما كان فى السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا، ثم ساروا منها صدر يومهم حتّى انتصف النهار، فكبّر رجل من أصحابه فكبر الحسين، وقال: ممّ كبّرت؟ قال: رأيت النخل، فقال عبد الله بن سليم والمذرى ابن المشمعل الأسديان: والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط، قال: فما تريان. قالا: نراه والله [رأى] [٢] هوادى [٣] الخيل. فقال الحسين: وأنا والله أرى ذلك، ما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله فى ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقيل له:
«بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد، فمال إليه، فما كان بأسرع من أن طلعت هوداى الخيل، فلما رأوهم قد عدلوا عن الطريق عدلوا عنها إلى قصدهم، فسبق الحسين إلى ذى حسم، فنزل وأمر بأبنية [٤] فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس عليهم الحرّ بن يزيد التميمى، فجاءوا حتى وقفوا مقابل الحسين رضى الله عنه: وكان مسير الحر ومن معه من القادسية من قبل الحصين بن نمير [٥] التميمى.
стр. 7486
فلم يزل الحرّ مواقفا حسينا حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفى أن يؤذن، فأذن، فلما حضرت الإقامه خرج الحسين رضى الله عنه، فى إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيّها الناس، معذرة إلى الله وإليكم، إنى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم، وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، إن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطونى ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه إليكم» فسكتوا عنه، وقال للمؤذن: أقم.
فأقام الصلاة، فقال الحسين للحر: أتريد أن تصلى بأصحابك؟ فقال:
لا، بل صلّ أنت ونصلى بصلاتك، فصلّى بهم الحسين، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه.
وانصرف الحر فدخل خيمة قد ضربت له، واجتمع عليه جماعة من أصحابه، وعاد بعض أصحابه إلى صفّهم الذى كانوا فيه، ثم أخذ كل رجل بعنان دابته وجلس فى طلبها.
فلما كان وقت العصر أمر الحسين أصحابه أن يتهيئوا للرحيل ففعلوا، ثم خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقام، وصلى الحسين بالقوم جميعا، ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أمّا بعد؛ أيها الناس، فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا وكان رأيكم غير ما أتتنى به
стр. 7487
كتبكم، وقدمت علىّ به رسلكم، انصرفت عنكم» ، فقال له الحر:
إنّا والله ما ندرى ما هذه الكتب والرسل التى تذكر. فأمر الحسين رضى الله عنه بإخراج كتبهم، فأخرجت فى خرجين مملوءين، فنثرهما بين أيديهم، فقال الحر: إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. فقال له الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال لقومه: قوموا فاركبوا، وركب نساؤهم.
فلما أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين المسير، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمّك! ما تريد؟ قال له: «أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التى عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان، ولكن والله ما إلى ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه» ، فقال له الحسين: ما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد. فقال له الحسين: إذا والله لا أتبعك فقال الحر:
إذا والله لا أدعك. فترادّا القول ثلاث مرات، فلما كثر الكلام بينهما قال الحر: «إنى لم أومر بقتالك، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة يكون بينى وبينك نصفا، حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله إن شئت، فلعل الله أن يرزقنى العافية من أن أبتلى بشىء من أمرك!» قال:
فتياسرعن [١] طريق العذيب والقادسية، وبينه حينئذ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا. ثم سار والحرّ يسايره.
стр. 7488
قال [١] :
ثم إن الحسين خطبهم [٢] فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ قال: «من رأى سلطانا جائرا، مستحلّا لحرم الله، ناكثا لعهده، مخالفا لسنة رسول الله- ﷺ يعمل فى عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقّا على الله أن يدخله مدخله»
. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفىء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحق من غيرى [٣] ، وقد أتتنى كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلمونى ولا تخذلونى، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، نفسى مع أنفسكم، وأهلى مع أهلكم، فلكم بى أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدى وخلعتم بيعتى فلعمرى ما هى لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبى وأخى وابن عمى مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغنى الله عنكم، والسلام.
فقال له الحر: إنى أذكّرك الله فى نفسك، فإنى أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ، فقال الحسين رضى الله عنه: أبالموت تخوّفنى؟! وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلونى! وما أدرى ما أقول لك؟! ولكنى أقول
стр. 7489
كما قال أخو الأوس لابن عمه، [لقيه] [١] وهو يريد نصرة النبى ﷺ ، [له] [٢] فقال أين تذهب فإنك مقتول؟! فقال:
سأمضى وما بالموت عار على الفتى ... إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه ... وفارق مثبورا وخالف مجرما
فإن عشت لم أندم وإن متّ لم ألم ... كفى بك ذلّا أن تعيش وترغما
قال: فلما سمع الحرّ ذلك تنحى عنه، فكان يسير ناحية عنه، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات [٣] ، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل، ومعهم دليلهم الطّرمّاح وهو يقول:
يا ناقتا لا تذعرى من زجرى ... وشمّرى قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر ... حتّى تجلّى بكريم النحر
الماجد الحر رحيب الصّدر ... أتى به الله لخير الأمر
ثمّت أبقاه بقاء للدهر فلما انتهوا إلى الحسين رضى الله عنه والتحقوا به، فقال الحر: إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبلوا معك، وأنا حابسهم أو رادّهم؛ فقال الحسين رضى الله عنه: «لأمنعنهم
стр. 7490
مما أمنع منه نفسى، إنما هؤلاء أعوانى وأنصارى، وقد كنت أعطيتنى ألا تعرض لى حتى يأتيك كتاب من ابن زياد» ؛ قال: أجل ولكن هؤلاء لم يأتوا معك [١] .
فقال: «هم أصحابى، وهم بمنزلة من جاء معى، فإن تممت على ما كان بينى وبينك وإلا ناجزتك» . فكفّ عنهم الحر.
وسألهم الحسين عن خبر أهل الكوفة، فقال له مجمّع بن عبد الله العائذى- وهو أحد الأربعة-: «أمّا أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، فهب إلب [٢] واحد عليك، وأمّا سائر الناس بعد فإن أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك!» .
فقال: هل لكم برسولى إليكم علم؟ فقالوا: من هو؟ قال: قيس ابن مسهر الصيداوى. قالوا: نعم؛ وأخبروه بمقتله، فترقرقت عينا حسين ولم يملك دمعه، ثم قال: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [٣]
اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلا، واجمع بيننا وبينهم فى مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك.
قال: ودنا الطّرماح من الحسين، فقال له: «والله إنى لأنظر فما أرى معك أحدا، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفوا لهم [٤] ، وقد رأيت قبل خروجى من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناى فى صعيد واحد جمعا أكثر
стр. 7491
منه، فسألت عنهم، فقيل: اجتمعوا ليعرضوا ثم يسيّروا إلى الحسين، فأنشدك الله إن قدرت على ألا تقدم إليهم شبرا إلا فعلت، وإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتّى أنزلك مناع جبلنا الذى [١] امتنعنا به من ملوك غسّان وحمير ومن النّعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر، فأسير معك حتّى أنزلك القرية، ثم لتبعث إلى الرجال ممّن بأجأ وسلمى [٢] من طيّىء، فو الله لا يأتى عليك عشرة أيام حتّى يأتيك طيىء رجالا وركبانا، ثم أقم فينا ما بدالك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائىّ يضربون بين يديك بأسيافهم، وو الله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف!» .
فقال له: جزاك الله وقومك خيرا، إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندرى علام تتصرف بنا وبهم الأمور!.
قال الطّرمّاح: فودّعته وقلت: «إنى قد امترت لأهلى ميرة، ومعى نفقة لهم فآتيهم فأصنع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فو الله لأكوننّ من أنصارك» . فقال لى: فإن كنت فاعلا فعجّل رحمك الله.
قال الطّرمّاح: فلما بلغت إلى أهلى وضعت عندهم ما يصلحهم،
стр. 7492
وأوصيت، وأخبرتهم بما أريد، وأقبلت حتى دنوت من عذيب الهجانات [١] ، فأتانى نعى الحسين هناك [٢] !.
قال المؤرّخ [٣] : ثم مضى الحسين إلى قصر بنى مقاتل [٤] ، فنزل به. قال عقبة بن سمعان: فلمّا كان آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمرنا بالرحيل، ففعلنا، فلمّا سرنا ساعة خفق [٥] الحسين برأسه خفقة فقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الحمد لله رب العالمين» يعيدها مرّتين أو ثلاثا، فأقبل عليه ابنه علىّ بن الحسين، فاسترجع وحمد الله وقال: «يا أبت، جعلت فداك، ممّ حمدت الله واسترجعت؟» . قال: «يا بنىّ، إنى خفقت برأسى خفقة، فعنّ لى فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم. فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا!» قال: يا أبت ألسنا على الحق؟ قال: بلى والّذى إليه مرجع العباد. قال: يا أبت إذن لا نبالى أن نموت محقّين. فقال له: جزاك الله خير ما يجزى ولدا عن والده.
فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجّل الركوب، وسار حتّى انتهى إلى نينوى، والحرّ ومن معه يسايرونه فإذا راكب على نجيب عليه السلاح يمسك قوسا مقبل من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه،
стр. 7493
فلما انتهى إليهم سلم على الحرّ وأصحابه، ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد: «أمّا بعد، فجعجع [١] بالحسين حين يبلغك كتابى ويقدم عليك رسولى، فلا تنزله إلّا بالعراء فى غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولى أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتينى بإنفاذك أمرى، والسلام» .
فقال الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد، يأمرنى فيه أن أجعجع بكم فى المكان الذى يأتينى فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره ألّا يفارقنى حتى أنفذ رأيه وأمره.
قال: فأخذهم الحرّ بالنزول فى ذلك المكان على غير ماء ولا قرية، فقالوا: دعنا ننزل فى هذه القرية (يعنون نينوى) أو هذه القرية (يعنون الغاضريّة) أو هذه الأخرى (يعنون شفيّة) . فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل بعث عينا علىّ.
فقال زهير بن القين للحسين: «يا ابن بنت رسول الله ﷺ ، قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمرى ليأتينّا من بعد ما نرى ما لا قبل لنا به!» فقال له الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال. فقال له زهير: «سرّ بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها فإنها حصينة وعلى شاطىء الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجىء بعدهم» . فقال له الحسين: أيّة قرية هى؟ قال: العقر. فقال الحسين: اللهم إنى
стр. 7494
أعوذ بك من العقر! [١] ثم نزل، وذلك يوم الخميس الثانى من المحرّم سنة إحدى وستين.
فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقّاص من الكوفة. وكان سبب مسيره لقتال الحسين أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة، يسير بهم إلى دستبى، وكانت الدّيلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب ابن زياد له عهده على الرّىّ، وأمره بالخروج، فخرج وعسكر بالناس، فلما كان من أمر الحسين ما كان، دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال: سر إلى الحسين فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك. فاستعفاه، فقال: نعم، على أن تردّ علينا عهدنا. فلما قال له ذلك قال: أمهلنى اليوم حتّى انظر. فاستشار عمر نصحاءه، فكلّهم نهاه، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة- وهو ابن أخته- فقال له: «أنشدك الله يا خالى ألّا تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك! فو الله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها- لو كان لك- خير من أن تلقى الله بدم الحسين!» فقال: أفعل إن شاء الله. وبات ليلته مفكرا فى أمره فسمع وهو يقول:
أأترك ملك الرّىّ والرّىّ رغبتى ... أم أرجع مذموما بقتل حسين
وفى قتله النار التى ليس دونها ... حجاب، وملك الرى قرّة عين
стр. 7495
ثم أتى ابن زياد فقال له: إنك قد ولّيتنى هذا العمل وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لى ذلك وتبعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى ولا أجزأ عنك فى الحرب منه- وسمّى له أناسا-؛ فقال له ابن زياد: لا تعلمنى بأشراف الكوفة، فلست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا؛ قال: فإنى سائر. فأقبل فى ذلك الجيش حتى نزل بالحسين فلما نزل به بعث إليه عزرة [١] بن قيس الأحمسى، فقال له:
ائته فاسأله: ما الذى جاء بك؟ وماذا تريد؟ وكان عزرة ممّن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض عمر ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلّهم أباه وكرهه.
فقام إليه كثير بن عبد الله، وكان فارسا شجاعا، فقال: أنا أذهب إليه وو الله إن شئت لأفتكنّ به. فقال عمر: ما أريد أن يفتك به ولكن أن تسأله: ما الذى جاء به؟ فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائدى قال للحسين: أصلحك الله، قد جاءك شرّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه. فقام إليه، فقال له: ضع سيفك. قال لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول فإن سمعتم أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم. فقال له رجل: فإنى آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك. قال: لا والله لا تمسّه. فقال له: أخبرنى ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنك فاجر. فاستبّا، ثم انصرف إلى عمر فأخبره الخبر.