منه، فسألت عنهم، فقيل: اجتمعوا ليعرضوا ثم يسيّروا إلى الحسين، فأنشدك الله إن قدرت على ألا تقدم إليهم شبرا إلا فعلت، وإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتّى أنزلك مناع جبلنا الذى [١] امتنعنا به من ملوك غسّان وحمير ومن النّعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر، فأسير معك حتّى أنزلك القرية، ثم لتبعث إلى الرجال ممّن بأجأ وسلمى [٢] من طيّىء، فو الله لا يأتى عليك عشرة أيام حتّى يأتيك طيىء رجالا وركبانا، ثم أقم فينا ما بدالك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائىّ يضربون بين يديك بأسيافهم، وو الله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف!» .
فقال له: جزاك الله وقومك خيرا، إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندرى علام تتصرف بنا وبهم الأمور!.
قال الطّرمّاح: فودّعته وقلت: «إنى قد امترت لأهلى ميرة، ومعى نفقة لهم فآتيهم فأصنع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فو الله لأكوننّ من أنصارك» . فقال لى: فإن كنت فاعلا فعجّل رحمك الله.
قال الطّرمّاح: فلما بلغت إلى أهلى وضعت عندهم ما يصلحهم،
стр. 7492
وأوصيت، وأخبرتهم بما أريد، وأقبلت حتى دنوت من عذيب الهجانات [١] ، فأتانى نعى الحسين هناك [٢] !.
قال المؤرّخ [٣] : ثم مضى الحسين إلى قصر بنى مقاتل [٤] ، فنزل به. قال عقبة بن سمعان: فلمّا كان آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمرنا بالرحيل، ففعلنا، فلمّا سرنا ساعة خفق [٥] الحسين برأسه خفقة فقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الحمد لله رب العالمين» يعيدها مرّتين أو ثلاثا، فأقبل عليه ابنه علىّ بن الحسين، فاسترجع وحمد الله وقال: «يا أبت، جعلت فداك، ممّ حمدت الله واسترجعت؟» . قال: «يا بنىّ، إنى خفقت برأسى خفقة، فعنّ لى فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم. فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا!» قال: يا أبت ألسنا على الحق؟ قال: بلى والّذى إليه مرجع العباد. قال: يا أبت إذن لا نبالى أن نموت محقّين. فقال له: جزاك الله خير ما يجزى ولدا عن والده.
فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجّل الركوب، وسار حتّى انتهى إلى نينوى، والحرّ ومن معه يسايرونه فإذا راكب على نجيب عليه السلاح يمسك قوسا مقبل من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه،
стр. 7493
فلما انتهى إليهم سلم على الحرّ وأصحابه، ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد: «أمّا بعد، فجعجع [١] بالحسين حين يبلغك كتابى ويقدم عليك رسولى، فلا تنزله إلّا بالعراء فى غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولى أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتينى بإنفاذك أمرى، والسلام» .
فقال الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد، يأمرنى فيه أن أجعجع بكم فى المكان الذى يأتينى فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره ألّا يفارقنى حتى أنفذ رأيه وأمره.
قال: فأخذهم الحرّ بالنزول فى ذلك المكان على غير ماء ولا قرية، فقالوا: دعنا ننزل فى هذه القرية (يعنون نينوى) أو هذه القرية (يعنون الغاضريّة) أو هذه الأخرى (يعنون شفيّة) . فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل بعث عينا علىّ.
فقال زهير بن القين للحسين: «يا ابن بنت رسول الله ﷺ ، قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمرى ليأتينّا من بعد ما نرى ما لا قبل لنا به!» فقال له الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال. فقال له زهير: «سرّ بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها فإنها حصينة وعلى شاطىء الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجىء بعدهم» . فقال له الحسين: أيّة قرية هى؟ قال: العقر. فقال الحسين: اللهم إنى
стр. 7494
أعوذ بك من العقر! [١] ثم نزل، وذلك يوم الخميس الثانى من المحرّم سنة إحدى وستين.
فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقّاص من الكوفة. وكان سبب مسيره لقتال الحسين أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة، يسير بهم إلى دستبى، وكانت الدّيلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب ابن زياد له عهده على الرّىّ، وأمره بالخروج، فخرج وعسكر بالناس، فلما كان من أمر الحسين ما كان، دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال: سر إلى الحسين فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك. فاستعفاه، فقال: نعم، على أن تردّ علينا عهدنا. فلما قال له ذلك قال: أمهلنى اليوم حتّى انظر. فاستشار عمر نصحاءه، فكلّهم نهاه، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة- وهو ابن أخته- فقال له: «أنشدك الله يا خالى ألّا تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك! فو الله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها- لو كان لك- خير من أن تلقى الله بدم الحسين!» فقال: أفعل إن شاء الله. وبات ليلته مفكرا فى أمره فسمع وهو يقول:
أأترك ملك الرّىّ والرّىّ رغبتى ... أم أرجع مذموما بقتل حسين
وفى قتله النار التى ليس دونها ... حجاب، وملك الرى قرّة عين
стр. 7495
ثم أتى ابن زياد فقال له: إنك قد ولّيتنى هذا العمل وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لى ذلك وتبعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى ولا أجزأ عنك فى الحرب منه- وسمّى له أناسا-؛ فقال له ابن زياد: لا تعلمنى بأشراف الكوفة، فلست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا؛ قال: فإنى سائر. فأقبل فى ذلك الجيش حتى نزل بالحسين فلما نزل به بعث إليه عزرة [١] بن قيس الأحمسى، فقال له:
ائته فاسأله: ما الذى جاء بك؟ وماذا تريد؟ وكان عزرة ممّن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض عمر ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلّهم أباه وكرهه.
فقام إليه كثير بن عبد الله، وكان فارسا شجاعا، فقال: أنا أذهب إليه وو الله إن شئت لأفتكنّ به. فقال عمر: ما أريد أن يفتك به ولكن أن تسأله: ما الذى جاء به؟ فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائدى قال للحسين: أصلحك الله، قد جاءك شرّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه. فقام إليه، فقال له: ضع سيفك. قال لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول فإن سمعتم أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم. فقال له رجل: فإنى آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك. قال: لا والله لا تمسّه. فقال له: أخبرنى ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنك فاجر. فاستبّا، ثم انصرف إلى عمر فأخبره الخبر.
стр. 7496
فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظلى، فقال له: ويحك يا قرة، الق حسينا فاسأله: ما جاء به؟ وماذا يريد؟ فأتاه فأخبره رسالة ابن سعد، فقال له الحسين: كتب إلىّ أهل مصركم أن أقدم عليهم، فأمّا إذ كرهتمونى فإنى أنصرف عنهم. فانصرف قرّة إلى عمر فأخبره الخبر، فقال عمر: إنى لأرجو أن يعافينى الله من حربه وقتاله.
ثم كتب إلى عبيد الله بن زياد: « [١] أما بعد، فإنى حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولى، فسألته عمّا أقدمه وماذا يطلب وماذا يسأل، فقال: كتب إلىّ أهل هذه البلاد وأتتنى رسلهم فسألونى القدوم ففعلت، فأمّا إذ كرهونى وبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم فأنا منصرف عنهم» .
فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال:
الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين مناص
وكتب إلى عمر بن سعد: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد فقد بلغنى كتابك وفهمت ما ذكرت» فاعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية أمير المؤمنين هو وجميع أصحابه، فإذا هو فعل رأينا والسلام» فلما قرأ عمر الكتاب قال: قد أحسست ألّا يقبل ابن زياد العافية.
قال: وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد: «أمّا بعد، فحل
стр. 7497
بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقىّ الزكىّ المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفّان» .
فبعث عمر عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشّريعة، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ومنعوهم أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.
وناداه عبد الله بن أبى حصين الأزدى: «يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا!» . فقال الحسين: «اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا!» . قال أبو جعفر الطبرى فى تاريخه [١] : قال حميد بن مسلم «والله لقد عدته بعد ذلك فى مرضه، فو الله الذى لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتّى يبغر [٢] ، ثم يقىء، ثم يعود فيشرب حتّى يبغر، فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته» (يعنى نفسه) .
قال: فلمّا اشتدّ على الحسين ومن معه العطش دعا أخاه العبّاس ابن علىّ، فبعثه فى ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، وبعث معهم بعشرين قربة، فدنوا من الماء، وقاتلوا عليه، حتّى ملئوا القرب وعادوا بها إلى الحسين.
قال: ثم بعث الحسين إلى عمر بن سعد أن القنى الليلة بين عسكرى وعسكرك. وكان رسوله إليه عمرو بن قرظة بن كعب
стр. 7498
الأنصارى [١] ، فخرج عمر فى نحو من عشرين فارسا، وأقبل الحسين فى مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الحسين أصحابه أن يتنحّوا عنه، وأمر عمر بمثل ذلك، فتكلما، فأطالا حتّى ذهب من الليل جانب، ثم انصرف كل منهما إلى عسكره.
قال: وتحدّث الناس فيما بينهم ظنا يظنّونه أن الحسين قال لعمر ابن سعد: اخرج معى إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين. فقال له عمر: إذن تهدم دارى. قال: إذن أبنيها لك. قال: إذن تؤخذ ضياعى. قال: إذن أعطيك خيرا منها بالحجاز. فكره ذلك عمر بن سعد.. فتحدث الناس بذلك من غير أن يكونوا سمعوه.
قال: وذكر جماعة من المحدّثين أن الحسين قال: اختاروا منى خصالا ثلاثا: إما أن أرجع إلى المكان الذى أقبلت منه، وإما أن أضع يدى فى يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بينى وبينه رأيه، وإما أن أن أسير إلى أىّ ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لى ما لهم وعلى ما عليهم.
وأنكر عقبة بن سمعان هذه المقالة وقال: «صحبت الحسين، فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا فى الطريق ولا بالعراق ولا فى عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ويزعمون من أن يضع يده فى يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيّره إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعونى
стр. 7499
أرجع إلى المكان الذى أقبلت منه، أو دعونى أذهب فى هذه الأرض العريضة حتى ننظر: إلى م يصير أمر الناس؟.
وقيل: التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا أو أربعا، فكتب عمر إلى عبيد الله بن زياد: «أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة [١] وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمّة، هذا الحسين قد أعطانى أن يرجع إلى المكان الذى منه أتى، أو أن نسيره إلى ثغر من الثغور شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتى يزيد أمير المؤمنين فيضع يده فى يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفى هذا لكم رضى وللأمة صلاح» .
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه، نعم، قد قبلت.
فقام إليه شمر بن ذى الجوشن [٢] فقال: «أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك، والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده فى يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت ولىّ العقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك، والله لقد بلغنى أن الحسين وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل» .
стр. 7500
فقال له ابن زياد: «نعم ما رأيت، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد، فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمى، فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلى برأسه» .
وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد: «أمّا بعد، فإنى لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندى شافعا، انظر، فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلىّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنهم لذلك مستحقّون، فإن قتل الحسين فأوطىء الخيل صدره وظهره، فإنه عاقّ مشاق قاطع ظلوم، فإن أنت، مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر وبين العسكر، فانّا قد أمرناه بأمرنا، والسلام» .
فأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد، فقرأه، فقال له عمر: «ما لك؟ ويلك! لا قرّب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علىّ! والله إنى لأظنّك أنت الذى ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، أفسدت علينا أمرا كنا نرجو أن يصلح، لا يستسلم والله حسين أبدا، والله إن نفسا أبيّة لبين جنبيه!» .
فقال له شمر: أخبرنى ما أنت صانع: أتمضى لأمر أميرك وتقاتل عدوّه وإلّا فخلّ بينى وبين الجند والعسكر؟ فقال: لا، ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولّى ذلك.
стр. 7501
فنهض إليه عشيّة الخميس لتسع مضين من المحرّم.
وكان شمر لمّا قبض كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد قام هو وعبد الله بن أبى المحلّ، وكانت عمّته أمّ البنين ابنة حزام عند علىّ بن أبى طالب فولدت له العبّاس وعبد الله وجعفرا وعثمان. قال عبد الله: «أصلح الله الأمير، إنّ بنى أختنا مع الحسين، فإن رأيت أن تكتب لهم أمانا فعلت» . فقال: نعم ونعمة عين [١] فأمر كاتبه فكتب لهم أمانا.
فلمّا نهض عمر إلى الحسين جاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العبّاس وعبد الله وجعفر وعثمان بنو على، فقالوا: ما لك؟ وما تريد؟ قال: أنتم يا بنى أختى آمنون، فقالوا له: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمّننا وابن رسول الله لا أمان له! قال: ثمّ إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبى وابشرى.
فركب الناس، ثم زحف بهم نحوهم بعد صلاة العصر، والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته الصيحة، فدنت منه فأيقظته وقالت: أما تسمع الأصوات قد اقتربت! فرفع الحسين رأسه فقال: إنى رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقال لى: إنك تروح إلينا.
فلطمت وجهها وقالت: واويلتاه! فقال: ليس لك الويل يا أخيّة، اسكتى رحمك الله [٢] !.
стр. 7502
وقال له العبّاس: يا أخى أتاك القوم. فنهض ثم قال: يا عبّاس أركب بنفسى. فقال له العباس: بل أروح أنا. فقال: اركب أنت يا أخى حتّى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم. فأتاهم العباس فاستقبلهم فى نحو عشرين فارسا، فقال لهم: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم. قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبى عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم. فوقفوا، وانصرف راجعا يركض إلى الحسين فأخبره الخبر، فقال له الحسين:
ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة لعلنا نصلى لربنا الليلة وندعوه ونستغفره. فرجع العبّاس إليهم فقال: «يا هؤلاء، إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه الليلة، حتّى ينظر فى هذا الأمر، فإن هذا الأمر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإمّا رضيناه فأتينا الأمر الّذى تسألوننا وتسومونناه، أو كرهناه فرددناه» .
قال: وإنّما أراد الحسين أن يردّهم عنه تلك العشيّة حتّى يأمر بأمره ويوصى أهله.
فاستشار عمر بن سعد شمر بن ذى الجوشن فى ذلك، فقال شمر أنت الأمير والرأى رأيك: فأقبل عمر على الناس فقال: ماذا ترون؟
فقال له عمرو بن الحجّاج الزبيدى: سبحان الله! والله لو كان من الدّيلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغى لك أن تجيبهم إليها.
وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك فلعمرى ليصبحنّك
стр. 7503
بالقتال غدوة. فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا. أخّرتهم العشيّة..
ثم رجع عنهم.
قال: وجمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد عنهم فقال:
«أثنى على الله ﵎ أحسن الثناء، وأحمده على السّرّاء والضراء، اللهم إنى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا فى الدين، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، فاجعلنا لك من الشاكرين [١] ، أما بعد، فإنى لا أعلم أصحابا أوفى لا خيرا من أصحابى، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتى، فجزاكم الله جميعا عنى خيرا، ألا وإنى لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، ألا وإنى قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا فى حلّ، ليس عليكم منى ذمام [٢] ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى، ثم تفرقوا فى البلاد، فى سوادكم ومدائنكم، حتى يفرّج الله، فإن القوم إنما يطلبوننى ولو قد أصابونى لهوا عن طلب غيرى!» .
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر:
«لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدا!» . بدأهم بهذا لقول العباس بن على، ثم تكلموا بهذا ونحوه، فقال الحسين:
يا بنى عقيل، حسبكم من الفتك بمسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم!.
قالوا: «فماذا يقول الناس؟ يقولون: أنا تركنا شيخنا وسيدنا
стр. 7504
وبنى عمومتنا خير الأعمام، لم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندرى، ما صنعوا! لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك!» .
وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدى، فقال: «أنحن نتخلّى عنك ولم نعذر إلى الله فى أداء حقك؟ أما والله لا أفارقك حتى أكسر فى صدورهم رمحى وأضربهم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى! والله لو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت!» .
وقال له سعد بن عبد الله الحنفى: «والله لا نخلّيك، حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله ﷺ فيك، والله لو علمت أنى أحيا ثم أحرق حيّا ثم أذرى- يفعل بى ذلك سبعين مرّة- ما فارقتك حتى ألقى حمامى دونك! فكيف لا أفعل ذلك وإنما هى قتلة واحدة، ثم هى الكرامة التى لا انقضاء لها أبدا!» .
وقال زهير بن القين: «والله لوددت أنى قتلت ثم نشرت ثم قتلت، حتّى أقتل هكذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك!» .
وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد، فقالوا «والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء! ونقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا وأبداننا! فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا!» ..
وهذا القول من كلام الحسين وكلامهم مروىّ عن زين العابدين علىّ ابن الحسين رضى الله عنهما.
стр. 7505
قال [١] : وسمعته زينب أخته فى تلك الليلة وهو فى خباء له يقول- وعنده حوى مولى أبى ذر الغفارى وهو يعالج سيفه ويصلحه-:
يا دهر أفّ لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنّما الأمر إلى الجليل ... وكلّ حىّ سالك السبيل
فأعاد ذلك مرّتين أو ثلاثا، فلمّا سمعته لم تملك لنفسها أن وثبت تجرّ ثوبها وإنها لحاسرة حتّى انتهت إليه فقالت: «واثكلاه! ليت الموت أعدمنى الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمّى وعلىّ أبى وحسن أخى! يا خليفة الماضى وثمال الباقى!» . فنظر إليها وقال: يا أخيّة لا يذهبنّ حلمك الشيطان. قالت: بأبى وأمّى أنت استقتلت نفسى فداؤك! فردّد غصّته، وترقرقت عيناه، ثم قال: «لو ترك القطا ليلا لنام [٢] !» . فقالت: «يا ويلتا! أفتغضب نفسك اغتصابا؟
стр. 7506
فذلك أقرح لقلبى وأشدّ على نفسى!» . ثم لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته، ثم خرّت مغشيا عليها، فقام إليها الحسين فصبّ على وجهها الماء وقال لها: «يا أخيّه، اتقى الله، وتعزّى بعزاء الله، واعلمى أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كلّ شىء هالك إلّا وجهه، الذى خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده، وأبى خير منّى، وأمّى خير منى، وأخى خير منى، ولى ولهم ولكل مسلم أسوة برسول الله ﷺ !» . فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: «يا أخيّة، إنى أقسم عليك فأبرّى قسمى، ألّا تشقّى علىّ جيبا [١] ، ولا تخمشى علىّ وجها، ولا تدعى علىّ بالويل والثّبور إذا أنا هلكت» .
ثم خرج إلى أصحابه، فأمرهم أن يقرّبوا بيوتهم بعضها إلى بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها فى بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت، فيستقبلوا القوم من وجه واحد، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.
قال: وقاموا الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون.
فلما صلى عمر بن سعد الغداة، وذلك يوم السبت، وهو يوم عاشوراء، وقيل: يوم الجمعة، خرج فيمن معه من الناس.
стр. 7507
وعبّأ الحسين أصحابه بالغداة [١] ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، فجعل زهير بن القين فى ميمنته، وحبيب بن مظهّر [٢] فى ميسرته، وأعطى رايته العبّاس أخاه، وأمر بحطب وقصب فألقى فى مكان مخفض من ورائهم كأنه ساقيه [٣] كانوا عملوه [٤] فى ساعة من الليل، وأضرم فيه نارا، لئلّا يؤتوا من ورائهم، فنفعهم ذلك.
وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزّبيدى، وعلى ميسرته شمر بن ذى الجوشن، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسى، وعلى الرجال شبث بن ربعىّ، وأعطى الراية ذويدا [٥] مولاه، وجعل على ربع المدينة عبد الله بن زهير الأزدى، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبى سبرة الحنفى، وعلى ربع تميم وهمدان الحرّ بن يزيد الرّياحى..
فشهد هؤلاء كلّهم مقتل الحسين إلا الحرّ بن يزيد. فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه على ما نذكره.
قال: ولما أقبلوا إلى الحسين أمر بفسطاط فضرب، ثم أمر
стр. 7508
بمسك، فميث [١] فى جفنة عظيمة، ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط واستعمل النّورة، ثمّ خرج فركب دابّته، ودعا بمصحف فوضعه أمامه، ورفع يديه فقال: «اللهمّ أنت ثقفى فى كلّ كرب، ورجائى فى كلّ شدّة، وأنت لى فى كل أمر نزل بى ثقة وعدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك وشكوته إليك، رغبة منّى إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت ولىّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة!» .
وأقبلوا نحو الحسين، فنظروا إلى النار تضطرم فى الحطب والقصب، فقال شمر بن ذى الجوشن: يا حسين استعجلت النار فى الدنيا قبل يوم القيامة. فقال له الحسين: يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا!.
ثم ركب الحسين راحلته، وحمل ابنه عليّا على فرسه «لاحق» .
ذكر ما تكلم به الحسين رضى الله عنه قبل إنشاب الحرب وما وعظ به الناس وما أجابوه وما تكلم به أصحابه وما أجيبوا به وخبر مقتله
قال: ولما ركب الحسين راحلته نادى بأعلى صوته نداء يسمع جل الناس: أيها الناس، اسمعوا قولى، ولا تعجلونى حتّى أعظكم بما يحقّ لكم، وحتّى أعتذر لكم من مقدمى عليكم، فإن قبلتم عذرى وصدقتم قولى وأعطيتمونى النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن
стр. 7509
لكم علىّ سبيل، وإن لم تقبلوا منى العذر ولم تعطوا النّصف من أنفسكم فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً [١] ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ
[٢] ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [٣] .
ثم [٤] حمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ﷺ وعلى ملائكة الله وأنبيائه [٥] ، ثم قال: أما بعد، فانسبونى وانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم، وعاتبوها، فانظروا هل يصلح لكم قتلى وانتهاك حرمتى؟؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبى؟ أو ليس جعفر الطيّار فى الجنة بجناحين بعمّى؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم
أنّ رسول الله ﷺ قال لى ولأخى: «هذان سيّدا شباب أهل الجنة» ؟
فإن صدقتمونى بما أقول، وهو الحق، وما تعمّدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه، وإن كذبتمونى فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصارى
стр. 7510
أو أبا سعيد الخدرىّ أو سهل بن سعد الساعدى أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ﷺ لى ولأخى، أما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمى؟!.
فقال له شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدرى ما يقول.
فقال له حبيب بن مظهّر: «والله إنى لأراك تعبد الله على سبعين حرفا، وإنى أشهد أنك صادق وأنك لا تدرى ما تقول،، قد طبع الله على قلبك!» .
ثم قال الحسين: فإن كنتم فى شك من هذا القول أفتشكّون أنى ابن بنت نبيّكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبى غيرى منكم ولا من غيركم! أخبرونى أتطلبونى بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟!.
فلم يكلّموه، فنادى: «يا شبث بن ربعىّ، ويا حجار بن أبحر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلّى أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام [١] ، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل.؟»
قالوا: لم نفعل قال: «سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم!»
стр. 7511
ثم قال: أيّها الناس إذ كرهتمونى فدعونى أنصرف عنكم إلى مأمنى من الأرض.
فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بنى [١] عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحبّ ولن يصل إليك منهم مكروه. فقال له الحسين «أنت أخو أخيك [٢] ، أتريد أن يطلبك بنوها هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدى إعطاء الذليل ولا أقرّ إقرار العبيد!! عباد الله، إنّى عذت بربّى وربّكم أن ترجمون [٣] إنى عذت بربّى وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب [٤] ! ثم أناخ راحلته، ونزل عنها، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها.
وأقبلوا يزحفون نحوه.
فخرج زهير بن القين على فرس له شاكى السلاح، وقال:
«يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إن حقّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فأنتم للنصيحة أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمّة وأنتم أمّة، إن الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرية محمد ﷺ لينظر ما نحن وأنتم عاملون،
стр. 7512
إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا نذكرون منهما إلّا سوءا، يسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم، أمثال حجر بن عدىّ وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه!» قال: فسبّوه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا:
والله لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلما.
فقال لهم: «عباد الله، إن ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنصر من ابن سميّة، فإن كنتم لم تنصروه فأعيذكم بالله أن تقتلوه، خلّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمّه يزيد بن معاوية، فلعمرى إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين!» .
فرماه شمر بسهم وقال: اسكت، أسكت الله نأمتك [١] ، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: «يا ابن البوّال على عقبيه، ما إيّاك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزى يوم القيامة والعذاب الأليم!» فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. قال: «أفبالموت تخوّفنى؟ فو الله للموت أحبّ إلىّ من الخلد معكم!» ثم رفع صوته وقال: «عباد الله، لا يغرّنّكم من دينكم هذا الجلف الجافى وأشباهه،
стр. 7513
فو الله لا تنال شفاعة محمد قوما هراقوا دماء ذرّيّته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم!» فأتاه رجل من قبل الحسين فقال له: «إن أبا عبد الله يقول لك:
أقبل، فلعمرى لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ فى الدعاء [١] لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع الصلح والإبلاغ!» .
قال: ولمّا زحف عمر بن سعد إلى الحسين أتاه الحرّ بن يزيد فقال له: «أصلحك الله، أمقاتل أنت هذا الرجل؟!» قال: «إى والله، قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدى!» قال:
أفما لكم فى واحدة من الخصال التى عرض عليكم رضى؟ قال عمر: «أما والله لو كان الأمر لى لفعلت! ولكنّ أميرك قد أبى ذلك» .
فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلا قليلا، وأخذته رعدة، فقال له رجل من قومه يقال له «المهاجر بن أوس» . [ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت، وأخذه مثل العرواء [٢] ، فقال له:] [٣] «يا ابن يزيد، إنّ أمرك لمريب! والله ما رأيت منك فى موقف قطّ مثل شىء أراه الآن! ولو قيل لى: من أشجع أهل الكوفة رجلا؟ ما عدوتك! فما هذا الذى أرى منك؟» فقال له: «إنى- والله- أخيّر نفسى بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطّعت وحرّقت!» .
стр. 7514
ثمّ ضرب فرسه، فلحق بالحسين، فقال له: «جعلنى الله فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذى حبستك عن الرجوع، وسايرتك فى الطريق، وجعجعت بك فى هذا المكان، وو الله الذى لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة! فقلت فى نفسى: لا أبالى أن أطيع القوم فى بعض أمرهم ولا يرون أنى خرجت من طاعتهم، وأمّاهم فسيقبلون من الحسين بعض هذه الخصال التى يعرض عليهم، وو الله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك! وإنّى قد جئتك تائبا ممّا كان منى إلى ربّى مواسيا لك بنفسى حتّى أموت بين يديك! أفترى ذلك لى توبة؟» قال: نعم يتوب الله عليك ويغفر لك.
قال: فتقدم الحرّ، ثم قال: «أيّها الأمير [١] ، ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التى عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟» فقال له عمر: «قد حرصت، لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت!» فقال: «يا أهل الكوفة، لأمّكم الهبل [٢] ! دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه! وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه! أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه [٣] وأحطتم به من كل ناحية، فمنعتموه التوجّه فى بلاد الله العريضة، حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح فى أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه
стр. 7515
نفعا ولا يدفع عنها ضرا! ومنعتموه ومن معه من ماء الفرات الجارى الذى يشربه اليهودىّ والنصرانىّ والمجوسىّ، وتمرّغ فيه خنازير السّواد وكلابه، وهاهم قد صرعهم العطش! بئس ما خلفتم محمدا فى ذرّيّته! لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا فى ساعتكم هذه!» فرموه بالنّبل، فرجع حتّى وقف أمام الحسين.
وزحف عمر بن سعد، ثم نادى: «يا ذويد [١] ، أدن رايتك» ثم رمى بسهم وقال: اشهدوا أنى أوّل من رمى بسهم ... ثم ارتمى الناس.
وخرج يسار مولى زياد بن أبيه وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز؟ فخرج إليهما عبد الله بن عمير الكلبى، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا له: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظهّر أو برير بن حضير. وكان يسار أمام سالم، فقال له الكلبى: «يا ابن الزانية، أو بك رغبة عن مبارزة أحد من الناس؟ وهل يخرج إليك أحد من الناس إلّا وهو خير منك؟!» ثم حمل عليه فضربه بسيفه حتّى برد [٢] ، فإنه لمشتغل به يضربه إذ شدّ عليه سالم فلم يأبه له، حتّى غشيه فبدره الضربة، فاتّقاه الكلبى بيده اليسرى فأطار أصابع كفّه اليسرى، ثم مال عليه الكلبىّ فضربه حتّى قتله.
وكان الكلبىّ هذا قد رأى الناس من أهل الكوفة بالنّخيلة وهم
стр. 7516
يعرضون ليسرّحوا إلى الحسين، فقال: «والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصا، وإنى لأرجو ألّا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيّهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه إيّاى فى جهاد المشركين!» فدخل على امرأته أمّ وهب بنت عبد [١] ، فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد، فصوّبت رأيه وقالت: أخرجنى معك! فخرج بها ليلا حتّى أتى الحسين فأقام معه، فلمّا قتل العبدين أقبل يرتجز ويقول:
إن تنكرونى فأنا ابن كلب ... حسبى ببيتى فى عليم حسبى
إنّى امرؤ ذو مرّة وعصب ... ولست بالخّوّار عند النّكب
إنّى زعيم لك أمّ وهب ... بالطعن فيهم مقدما والضّرب
ضرب غلام مؤمن بالرّبّ
فأخذت امرأته أمّ وهب عمودا ثمّ أقبلت نحوه تقول له: «فداك أبى وأمّى! قاتل دون الطيّبين ذرّيّة محمد ﷺ !» فأقبل إليها يردّها نحو النساء، وأخذت تجاذب ثوبه وقالت: لن أدعك دون أن أموت معك! فناداها الحسين فقال: «جزيتم من أهل بيت خيرا! ارجعى رحمك الله إلى النساء فاجلسى معهنّ، فإنه ليس على النساء قتال.» فانصرفت إليهن.
وحمل عمرو بن الحجّاج، وهو فى الميمنة، فلمّا دنا من الحسين
стр. 7517
جثوا له على الرّكب، وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرشقوهم بالنّبل، فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين.
وجاء عبد الله بن حوزة التّميمى حتّى وقف أمام الحسين، فقال له: يا حسين [١] فقال: ما تشاء؟ قال: أبشر بالنار.
قال: «كلّا، إنى أقدم على ربّ رحيم شفيع مطاع! من أنت؟» .
قال أصحابه: هذا ابن حوزة. قال: ربّ حزه إلى النار! فاضطرب به فرسه فى جدول، فوقع فيه، وتعلّقت رجله بالرّكاب، ونفر الفرس، فمرّ به يضرب برأسه كلّ شجرة وحجر حتّى مات، وانقطعت فخذه وساقه وقدمه.
ثم برز الناس بعضهم إلى بعض، فصاح عمرو بن الحجاج بالناس:
«يا حمقى، أتدرون من تقاتلون؟ فرسان المصر قوما مستميتين لا يبرز [٢] لهم منكم أحد، فإنهم قليل، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم!» فقال عمر: «صدقت، الرأى ما رأيت» [٣] .
ثم حمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدىّ من أصحاب الحسين، ثم [٤] مات، فترحّم الحسين عليه ثم قال: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
[٥]
стр. 7518
وحمل شمر بن ذى الجوشن بالميسرة على من يليه من أصحاب الحسين، فثبتوا له وطاعنوه، فقتل الكلبى [١] ، بعد أن قتل رجلين آخرين وقاتل قتالا شديدا، فكان هو القتيل الثانى من أصحاب الحسين.
وقاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا، فكانوا لا يحملون على جانب من خيل الكوفة إلّا كشفوه، فلمّا رأى ذلك عزرة بن قيس- وهو على خيل الكوفة- بعث إلى عمر بن سعد فقال: «ألا ترى ما نلقى خيلى منذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال والرّماة!» . فقال عمر لشبث بن ربعىّ: تقّدم إليهم. فقال:
سبحان الله! أتعمد إلى شيخ مضر وأهل المصر عامّه تبعثه فى الرّماة؟
لم تجد من تندب لهذا ويجزى عنك غيرى!» وكان لا يزالون يرون من شبث الكراهة لقتال الحسين.
قال [٢] : فلما قال شبث ذلك دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير [٣] وبعث معه المجفّفة [٤] وخمسمائة من المرامية، فلمّا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجّالة كلهم.
وقاتل الناس أشدّ قتال حتّى انتصف النهار، وهم لا يقدرون
стр. 7519
على أن يأتوا الحسين وأصحابه إلّا من وجه واحد، لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض.
فأرسل عمر بن سعد رجالا يقوّضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم، ليحيطوا بهم، فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخلّلون البيوت فيقتلون الرجل وهو يقوّض وينهب. فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت، فقال الحسين: «دعوهم يحرقوها، فإنهم إذا أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها!» . فكان ذلك كذلك، وجعلوا لا يقاتلونهم إلّا من وجه واحد.
وخرجت أم وهب امرأة الكلبىّ تمشى إلى زوجها، حتّى جلست عند رأسه، فجعلت تمسح التراب عن وجهه وتقول: هنيئا لك الجنة! فقال شمر لغلام اسمه رستم: اضرب رأسها بالعمود.
فضرب رأسها، فشدّخه [١] ، فماتت مكانها.
وحمل شمر حتّى بلغ فسطاط الحسين ونادى: «علىّ بالنار حتّى أحرق هذا البيت على أهله» . فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، وصاح به الحسين ودعا عليه [٢] ، فردّه شبث بن ربعىّ عن ذلك، وحمل زهير بن القين فى عشرة من أصحابه على شمر ومن معه فكشفهم [عن البيوت حتى ارتفعوا عنها] [٣] وقتلوا أبا عزّة الضّبابىّ من أصحاب شمر، وعطف الناس عليهم فكثروهم [٤] ،
стр. 7520
فقال أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدى للحسين: «يا أبا عبد الله، نفسى لك الفداء، إنى أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله! وأحبّ أن ألقى ربّى وقد صلّيت هذه الصلاة التى قد دنا وقتها!» فدعا [١] له الحسين وقال: نعم هذا أوّل وقتها. ثم قال سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّى. ففعلوا، فقال لهم الحصين بن نمير:
إنها لا تقبل. فسبّه حبيب بن مظهّر، فحمل عليه الحصين، وخرج إليه حبيب بن مظهّر، فضرب وجه فرسه بالسيف، فشبّ، فسقط عنه الحصين، فاستنقذه أصحابه، وقاتل حبيب قتالا شديدا، فقتل بديل به صريم التميم، وحمل عليه آخر من تميم، فطعنه، فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين على رأسه بالسيف، فوقع، فنزل إليه التميمى فاحتزّ رأسه.
فقال حسين عند ذلك [٢] : أحتسب نفسى وحماة أصحابى!! وحمل الحرّ بن يزيد وزهير بن القين فقاتلا قتالا شديدا، فقتل الحرّ، وقتل أبو ثمامه الصائدى ابن عمّ له كان عدوّه.
ثم صلّى الحسين صلاة الظهر بأصحابه صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتدّ قتالهم، ووصل إلى الحسين فاستقدم سعد بن عبد الله الحنفىّ أمامه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل حتّى سقط، وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا وجعل يقول:
стр. 7521
أنا زهير وأنا ابن القين ... أذودهم بالسيف عن حسين
وجعل يضرب على منكب الحسين ويقول!
أقدم هديت هاديا مهديّا ... فاليوم تلقى جدّك النبيّا
وحسنا والمرتضى عليّا ... وذا الجناحين [١] الفتى الكميّا
وأسد الله [٢] الشهيد الحيّا
قال: فحمل على زهير كثير بن عبد الله الشعبى ومهاجر بن أوس فقتلاه.
قال: وكان نافع بن هلال البجلى [٣] قد كتب اسمه على أفواق [٤] نبله، وكانت مسمومة، فقتل بها اثنى عشر رجلا سوى من جرح، فضرب حتى كسرت عضداه، وأخذ أسيرا، فأتى به شمر عمر ابن سعد والدم يسيل على لحيته، فقال له عمر: «ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك؟» قال: «إنّ ربى يعلم ما أردت! والله لقد قتلت منكم اثنى عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسى،
стр. 7522
ولو بقيت لى عضد وساعد ما أسرتمونى!» فقال له شمر: اقتله أصلحك الله. قال: أنت جئت به فإن شئت فاقتله. فانتضى [١] شمر سيفه، فقال له نافع: «أما والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا! فالحمد لله الذى جعل منايانا على يد شرار خلقه!» فقتله.
ثم حمل شمر على أصحاب الحسين، فلما رأوا أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين تنافسوا أن يقتلوا بين يديه، فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريّان فقالا: قد جازنا العدوّ إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك! فرحّب بهما، وقال: ادنوا منى فدنوا منه، فجعلا يقاتلان قريبا منه.
وجاءه الفتيان الجابريان: سيف بن الحارث بن سريع ومالك ابن عبد بن سريع، وهما ابنا عمّ وأخوان لأمّ، وهما يبكيان، فقال:
«ما يبكيكما؟ والله إنى لأرجو أن تكونا عن ساعة قريرى عين!» قالا: «والله ما على أنفسنا نبكى، ولكنّا نبكى عليك! نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك!» . فقال: جزاكما الله خيرا! [٢] .
وجاء حنظلة بن أسعد الشّبامىّ فوقف بين يدى الحسين، وجعل ينادى: يا قَوْمِ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ،
стр. 7523
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
[١] يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم [٢] الله بعذاب «وقد خاب من افترى!» . فقال له الحسين: «رحمك الله! إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا إليك ليستبيحوك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين؟!» قال: «صدقت أفلا نروح إلى ربنا ونلحق بإخواننا؟!» . قال:
رح إلى خير من الدنيا وما فيها وإلى ملك لا يبلى. فسلّم على الحسين واستقدم فقاتل حتّى قتل.
ثم استقدم الفتيان الجابريان، فودعا حسينا، وقاتلا حتّى قتلا.
وجاء عابس بن أبى شبيب الشاكرى وشوذب مولى شاكر إلى الحسين، فسلّما عليه، وتقدما فقاتلا، فقتل شوذب، وتقدم عابس نحوهم بالسيف، وبه ضربة على جبينه، وكان أشجع الناس، فجعل ينادى: «ألا رجل لرجل؟» . فعرفه ربيع بن تميم الهمدانى، فقال: «أيها الناس، هذا الأسد الأسود، هذا ابن أبى شبيب، لا يخرجنّ إليه أحد منكم!» . فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة. فرموه من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شدّ على الناس، فهزمهم بين يديه، ثم عطفوا عليه من كلّ جانب، فقتلوه، فادّعى قتله جماعة وأتوا ابن سعد، فقال: «لا تختصموا
стр. 7524
هذا لم يقتله إنسان واحد!» . ففرق بينهم [بهذا القول] [١] .
وجاء أبو الشعثاء يزيد بن أبى زياد الكندى، وكان راميا، فجثا على ركبتيه بين يدى الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكان يزيد هذا ممّن خرج مع عمر بن سعد، فلمّا ردّوا ما عرض عليهم الحسين عدل إليه، فقاتل حتّى قتل.
وكان آخر من تبقّى مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو ابن أبى المطاع الخثعمىّ.
وكان أوّل قتيل من بنى أبى طالب يومئذ علىّ الأكبر ابن الحسين، وأمه ليلى ابنة أبى مرّة بن عروة بن مسعود الثقفية، وذلك أنه حمل على الناس وهو يقول:
أنا علىّ بن الحسين بن على ... نحن وربّ البيت أولى بالنّبى
تالله لا يحكم فينا ابن الدّعى
فعل ذلك مرارا وهو يشدّ على الناس بسيفه، فاعترضه مرّة بن منقذ بن النعمان العبدى، وطعنه، فصرع، وقطعه الناس بأسيافهم، فقال الحسين: «قتل الله قوما قتلوك يا بنىّ! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدّنيا بعدك العفاء!» وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه فقال: احملوا أخاكم. فحملوه حتّى وضعوه بين] [٢] يدى الفسطاط الذى كانوا يقاتلون أمامه.
стр. 7525
وشدّ عثمان بن خالد الجهنى وبشر بن سوط الهمدانى على عبد الرحمن بن عقيل بن أبى طالب [فقتلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمى جعفر بن عقيل بن أبى طالب] [١] فقتله، ورمى عمرو بن صبيح الصدائى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفّه على جبهته فلم يستطيع أن يحركها ثم رماه بسهم آخر فقتله.
وحمل الناس عليهم من كل جانب، فحمل عبد الله بن قطبة الطائى على عون بن عبد الله بن جعفر فقتله، وحمل القاسم بن الحسن ابن علىّ فحمل عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدى، فضرب رأسه بالسيف فوقع القاسم إلى الأرض لوجهه، وقال: يا عمّاه! فانقضّ الحسين إليه كالصقر، ثم شدّ شدة ليث أغضب، فضرب عمرا بالسيف، فاتقاه بالساعد، فقطع يده من المرفق، فصاح، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمرا، فاستقبلته بصدورها، وجالت عليه بفرسانها، فوطئته حتّى مات، وانجلت الغبرة والحسين قائم على رأس القاسم وهو يفحص برجليه. والحسين يقول: «بعدا لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة [فيك] [٢] جدّك!» ثم قال: «عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، وأن يجيبك فلا ينفعك صوت والله كثر واتره وقلّ ناصره!» ثم احتمله على صدره حتّى ألقاه مع ابنه علىّ ومن قتل من أهل بيته.
قال: ومكث الحسين طويلا من النهار، كلّما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولّى قتله وعظيم إثمه، فأتاه رجل من
стр. 7526
كندة يقال له «مالك بن النسير» فضربه على رأسه بالسيف، فقطع البرنس، وأدمى رأسه، وامتلأ البرنس دما، فقال له الحسين:
«لا أكلت بها ولا شربت! وحشرك الله مع [القوم] [١] الظالمين!» وألقى ذلك البرنس، ثم دعا بقلنسوة فلبسيها واعتم. وجاء الكندىّ فأخذ البرنس وكان من خزّ، فقدم به على امرأته، وأقبل يغسله من الدم، فقالت له: «أسلب [٢] ابن بنت رسول الله يدخل بيتى؟ أخرجه عنى!» فلم يزل ذلك الرجل فقيرا بشرّ حتّى مات.
قال: ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير، فأجلسه فى حجره فرماه رجل من بنى أسد بسهم فذبحه، فأخذ الحسين دمه بيده فصبّه فى الأرض، ثم قال: «اللهمّ ربّ إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم من هؤلاء الظالمين!» ورمى عبد الله بن عقبة الغنوى أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله، وقتل إخوة الحسين وهم العبّاس وعبد الله وجعفر وعثمان.
قال: واشتدّ عطش الحسين، فدنا من الفرات ليشرب فقال رجل من بنى أبان بن دارم: «ويلكم! حولوا بينه وبين الماء» ، وضرب فرسه، واتبعه الناس حتّى حال بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهم أظمئه! وانتزع الأبانىّ سهما فأثبته فى حنك الحسين، فانتزع الحسين السهم، ثم بسط كفّيه فامتلأ دما؛ فقال اللهم إنى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك، اللهم أحصبهم عددا واقتلهم بددا [٣] ، ولا تبق منهم أحدا. وقيل أن الذى رماه حصين
стр. 7527
ابن نمير. قال: فما مكث الذى رماه إلّا يسيرا، ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى، والماء يبرّد له فيه السّكر، وعساس [١] فيها لبن، وقلال فيها الماء، وإنه ليقول: ويلكم؛ اسقونى، قتلنى الظمأ، فيعطى القلّة أو العسّ فيشربه، فإذا شربه اضطجع هنيهة، ثم قال:
ويلكم، اسقونى قتلنى الظمأ، فيعطى القلّة والعس فيشربه، فما لبث إلا يسيرا حتّى انقدّ بطنه انقداد بطن البعير.
قال: ثم إن شمر بن ذى الجوشن أقبل فى نحو عشرة من رجاله أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذى فيه أهله وعياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله، فقال: ويلكم؛ إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا فى دنياكم أحرارا ذوى أحساب، امنعوا رحلى وأهلى من طغامكم وجهّالكم. قال شمر: ذلك لك يا ابن فاطمة. وأقدم شمر عليه بالرّجالة منهم أبو الجنوب عبد الرحمن الجعفىّ، وصالح بن وهب اليزنىّ، وسنان بن أنس النّخعىّ، وخولىّ بن يزيد الأصبحى، وجعل شمر يحرّضهم على الحسين، وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه، ثم أحاطوا به، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذته زينب بنت علىّ لتحبسه، فأبى الغلام، وجاء يشتد حتّى قام إلى جنب الحسين، وقد أهوى بن كعب بن عبيد الله- من بنى تميم الله بن ثعلبة- إلى الحسين بالسيف، فقال له الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمّى؟! فضربه بالسيف فاتّقاه الغلام بيده، فأطنّها [٢] إلى الجلدة [٣] ، فنادى الغلام:
стр. 7528
يا أمّتاه، فضمه الحسين إليه وقال: «يا ابن أخى اصبر على ما نزل بك، واحتسب فى ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين:
برسول الله ﷺ ، وعلىّ وحمزة وجعفر والحسن» ثم قال الحسين: «اللهمّ أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متّعتهم إلى حين ففّرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترضى عنهم الولاة أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا!» ثم ضارب الرجّالة حتّى انكشفوا عنهم.
قال: ودنا عمر بن سعد من الحسين فخرجت زينب بنت علىّ أخت الحسين فقالت. يا عمر، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟
فجعلت دموع عمر تسيل على خدّيه ولحيته، وصرف وجهه عنها.
ومكث الحسين طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتّقى بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفهم هؤلاء، فنادى شمر ابن ذى الجوشن فى الناس، ويحكم؛ ما تنتظرون بالرجل؟! اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! فحملوا عليه من كل جانب؛ فضرب زرعة بن شريك كفّه اليسرى، وضرب على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ويكبو، وحمل عليه فى تلك الحال سنان بن أنس النّخعى فطعنه بالرمح فوقع، وقال لخولىّ بن يزيد الأصبحى احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان: فتّ الله عضدك، وأبان يدك، ونزل إليه فذبحه وأخذ رأسه فدفعه إلى خولى.
وسلب الحسين ما كان عليه؛ فأخذ سراويله بحر بن كعب، فكانت
стр. 7529
يداه فى الشتاء تضخان الماء، وفى الصيف تيبسان كأنهما عود. وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته وهى من خزّ، فكان يسمّى بعد «قيس قطيفة» . وأخذ نعليه الأسود الأودى، وأخذ سيفه رجل من بنى نهشل. ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها، وانتهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء، حتى إن كانت المرأة لتنازع ثوبها فيؤخذ منها.
ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وكان سويد بن عمرو بن أبى المطاع قد صرع، فوقع بين القتلى مثخنا بالجراح، فسمعهم يقولون: قتل الحسين فوجد خفّة فوثب ومعه سكين فقاتلهم بها ساعة، ثم قتله عروة بن بطان الثعلبى، فكان آخر قتيل من أصحاب الحسين قال. وانتهوا إلى على بن الحسين وهو زين العابدين، فأراد شمر قتله وكان مريضا فمنع حميد بن مسلم، وجاء عمر بن سعد فقال:
لا يدخلنّ بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضنّ لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليردده عليهم، فما ردّ أحد شيئا، فقال الناس لسنان بن أنس: «قتلت حسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله، قتلت أعظم العرب خطرا، أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم، فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم فى قتله كان قليلا» فأقبل على فرسه حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثم نادى بأعلى صوته:
стр. 7530
أوقر ركابى فضّة وذهبا ... أنا قتلت السيّد المحجّبا [١]
قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فقال عمر بن سعد: أشهد أنك مجنون، أدخلوه؛ فلمّا دخل حذفه بالقضيب وقال: يا مجنون أتنظم بهذا الكلام؟ لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك. وقيل: إنه قال ذلك لعبيد الله ابن زياد، فقال:
فإن كان خير الناس أما وأبا فلم قتلته؟ وأمر به فضربت عنقه، خسر الدنيا والآخرة.
ذكر تسمية من قتل مع الحسين بن على رضى الله عنهما ومن سلم ممن شهد القتال
قال: ولمّا قتل الحسين جاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا، وصاحبهم شمر بن ذى الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت بنو أسد بستة، وجاءت مذحج بسبعة، وجاء سائر الجيش بسبعة، فذلك سبعون رأسا.
منهم إخوة الحسين ستة، وهم: العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمد- وليس هو ابن الحنفية- وأبو بكر، أولاد علىّ بن أبى طالب ومن أولاد الحسين: علىّ، أمه ليلى بنت أبى مرّة بن عروة الثقفى، وعبد الله، وأمّه الرّباب بنت امرئ القيس الكلبى.