كندة يقال له «مالك بن النسير» فضربه على رأسه بالسيف، فقطع البرنس، وأدمى رأسه، وامتلأ البرنس دما، فقال له الحسين:
«لا أكلت بها ولا شربت! وحشرك الله مع [القوم] [١] الظالمين!» وألقى ذلك البرنس، ثم دعا بقلنسوة فلبسيها واعتم. وجاء الكندىّ فأخذ البرنس وكان من خزّ، فقدم به على امرأته، وأقبل يغسله من الدم، فقالت له: «أسلب [٢] ابن بنت رسول الله يدخل بيتى؟ أخرجه عنى!» فلم يزل ذلك الرجل فقيرا بشرّ حتّى مات.
قال: ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير، فأجلسه فى حجره فرماه رجل من بنى أسد بسهم فذبحه، فأخذ الحسين دمه بيده فصبّه فى الأرض، ثم قال: «اللهمّ ربّ إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم من هؤلاء الظالمين!» ورمى عبد الله بن عقبة الغنوى أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله، وقتل إخوة الحسين وهم العبّاس وعبد الله وجعفر وعثمان.
قال: واشتدّ عطش الحسين، فدنا من الفرات ليشرب فقال رجل من بنى أبان بن دارم: «ويلكم! حولوا بينه وبين الماء» ، وضرب فرسه، واتبعه الناس حتّى حال بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهم أظمئه! وانتزع الأبانىّ سهما فأثبته فى حنك الحسين، فانتزع الحسين السهم، ثم بسط كفّيه فامتلأ دما؛ فقال اللهم إنى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك، اللهم أحصبهم عددا واقتلهم بددا [٣] ، ولا تبق منهم أحدا. وقيل أن الذى رماه حصين
стр. 7527
ابن نمير. قال: فما مكث الذى رماه إلّا يسيرا، ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى، والماء يبرّد له فيه السّكر، وعساس [١] فيها لبن، وقلال فيها الماء، وإنه ليقول: ويلكم؛ اسقونى، قتلنى الظمأ، فيعطى القلّة أو العسّ فيشربه، فإذا شربه اضطجع هنيهة، ثم قال:
ويلكم، اسقونى قتلنى الظمأ، فيعطى القلّة والعس فيشربه، فما لبث إلا يسيرا حتّى انقدّ بطنه انقداد بطن البعير.
قال: ثم إن شمر بن ذى الجوشن أقبل فى نحو عشرة من رجاله أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذى فيه أهله وعياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله، فقال: ويلكم؛ إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا فى دنياكم أحرارا ذوى أحساب، امنعوا رحلى وأهلى من طغامكم وجهّالكم. قال شمر: ذلك لك يا ابن فاطمة. وأقدم شمر عليه بالرّجالة منهم أبو الجنوب عبد الرحمن الجعفىّ، وصالح بن وهب اليزنىّ، وسنان بن أنس النّخعىّ، وخولىّ بن يزيد الأصبحى، وجعل شمر يحرّضهم على الحسين، وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه، ثم أحاطوا به، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذته زينب بنت علىّ لتحبسه، فأبى الغلام، وجاء يشتد حتّى قام إلى جنب الحسين، وقد أهوى بن كعب بن عبيد الله- من بنى تميم الله بن ثعلبة- إلى الحسين بالسيف، فقال له الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمّى؟! فضربه بالسيف فاتّقاه الغلام بيده، فأطنّها [٢] إلى الجلدة [٣] ، فنادى الغلام:
стр. 7528
يا أمّتاه، فضمه الحسين إليه وقال: «يا ابن أخى اصبر على ما نزل بك، واحتسب فى ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين:
برسول الله ﷺ ، وعلىّ وحمزة وجعفر والحسن» ثم قال الحسين: «اللهمّ أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متّعتهم إلى حين ففّرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترضى عنهم الولاة أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا!» ثم ضارب الرجّالة حتّى انكشفوا عنهم.
قال: ودنا عمر بن سعد من الحسين فخرجت زينب بنت علىّ أخت الحسين فقالت. يا عمر، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟
فجعلت دموع عمر تسيل على خدّيه ولحيته، وصرف وجهه عنها.
ومكث الحسين طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتّقى بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفهم هؤلاء، فنادى شمر ابن ذى الجوشن فى الناس، ويحكم؛ ما تنتظرون بالرجل؟! اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! فحملوا عليه من كل جانب؛ فضرب زرعة بن شريك كفّه اليسرى، وضرب على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ويكبو، وحمل عليه فى تلك الحال سنان بن أنس النّخعى فطعنه بالرمح فوقع، وقال لخولىّ بن يزيد الأصبحى احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان: فتّ الله عضدك، وأبان يدك، ونزل إليه فذبحه وأخذ رأسه فدفعه إلى خولى.
وسلب الحسين ما كان عليه؛ فأخذ سراويله بحر بن كعب، فكانت
стр. 7529
يداه فى الشتاء تضخان الماء، وفى الصيف تيبسان كأنهما عود. وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته وهى من خزّ، فكان يسمّى بعد «قيس قطيفة» . وأخذ نعليه الأسود الأودى، وأخذ سيفه رجل من بنى نهشل. ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها، وانتهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء، حتى إن كانت المرأة لتنازع ثوبها فيؤخذ منها.
ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وكان سويد بن عمرو بن أبى المطاع قد صرع، فوقع بين القتلى مثخنا بالجراح، فسمعهم يقولون: قتل الحسين فوجد خفّة فوثب ومعه سكين فقاتلهم بها ساعة، ثم قتله عروة بن بطان الثعلبى، فكان آخر قتيل من أصحاب الحسين قال. وانتهوا إلى على بن الحسين وهو زين العابدين، فأراد شمر قتله وكان مريضا فمنع حميد بن مسلم، وجاء عمر بن سعد فقال:
لا يدخلنّ بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضنّ لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليردده عليهم، فما ردّ أحد شيئا، فقال الناس لسنان بن أنس: «قتلت حسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله، قتلت أعظم العرب خطرا، أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم، فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم فى قتله كان قليلا» فأقبل على فرسه حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثم نادى بأعلى صوته:
стр. 7530
أوقر ركابى فضّة وذهبا ... أنا قتلت السيّد المحجّبا [١]
قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فقال عمر بن سعد: أشهد أنك مجنون، أدخلوه؛ فلمّا دخل حذفه بالقضيب وقال: يا مجنون أتنظم بهذا الكلام؟ لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك. وقيل: إنه قال ذلك لعبيد الله ابن زياد، فقال:
فإن كان خير الناس أما وأبا فلم قتلته؟ وأمر به فضربت عنقه، خسر الدنيا والآخرة.
ذكر تسمية من قتل مع الحسين بن على رضى الله عنهما ومن سلم ممن شهد القتال
قال: ولمّا قتل الحسين جاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا، وصاحبهم شمر بن ذى الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت بنو أسد بستة، وجاءت مذحج بسبعة، وجاء سائر الجيش بسبعة، فذلك سبعون رأسا.
منهم إخوة الحسين ستة، وهم: العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمد- وليس هو ابن الحنفية- وأبو بكر، أولاد علىّ بن أبى طالب ومن أولاد الحسين: علىّ، أمه ليلى بنت أبى مرّة بن عروة الثقفى، وعبد الله، وأمّه الرّباب بنت امرئ القيس الكلبى.
стр. 7531
ومن أولاد الحسن بن علىّ ثلاثة: وهم أبو بكر، وعبد الله، والقاسم.
ومن أولاد عبد الله بن جعفر بن أبى طالب: عون، ومحمد.
ومن أولاد عقيل بن أبى طالب: جعفر، وعبد الرحمن، وعبد الله، ومسلم بالكوفة.
ومن موالى الحسين: سليمان، ومنجح.
وتكملة من قتل ممن اتبعه، وقد ذكرنا بعضهم بأسمائهم فى أثناء هذه القصة.
وأما من سلم منهم: فالحسن بن الحسن، وعمرو بن الحسن لصغرهما، وعلىّ بن الحسين لمرضه، والضحاك بن عبد الله المشرقى، وذلك أنه جاء إلى الحسين فقال: «يا ابن رسول الله، قد علمت أنى قلت لك: إنى أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلا فأنا فى حلّ من الانصراف» فقال له الحسين: «صدقت، وكيف لك بالنجاة؟ إن قدرت عليه فأنت فى حلّ» وذلك بعد أن فنى أصحاب الحسين، قال الضحاك: فأقبلت إلى فرسى وكنت قد تركته فى خباء حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، وقاتلت راجلا، فقتلت رجلين، وقطعت يد آخر، ودعا لى الحسين مرارا قال: فاستخرجت فرسى واستويت عليه، وحملت على عرض القوم فأفرجوا لى، وتبعنى منهم خمسة عشر رجلا، ففتّهم، فسلمت.
ومنهم عقبة بن سمعان مولى الرّباب ابنة امرىء القيس الكلبية امرأة الحسين، أخذه عمر بن سعد فقال: ما أنت؟ فقال: أنا عبد
стр. 7532
مملوك فخلّى سبيله، فنجا. ومنهم الرقع [١] بن تمامة الأسدى، وكان قد نثر نبله فقاتل فجاءه نفر من قومه فأمنوه، فخرج إليهم فلما أخبر ابن زياد به نفاه إلى الزارة [٢] .
ذكر ما كان بعد مقتل الحسين مما هو متعلق بهذه الحادثة
قال: ولما قتل الحسين نادى عمر بن سعد فى أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه، فانتدب له عشرة، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمى، وهو الذى سلب قميص الحسين فبرص بعد ذلك، فداسوا الحسين بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره.
قال: ودفن جثّة الحسين وجثث أصحابه أهل الغاضرية من بنى أسد بعد ما قتلوا بيوم.
وقتل من أصحاب ابن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى، فصلّى عليهم عمر ودفنهم.
قال: وسرح عمر برأس الحسين من يومه ذلك مع خولىّ بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدى إلى عبيد الله بن زياد، فأقبل به خولى فوجد باب القصر مغلقا، فأتى منزله فوضعه تحت إجّانة [٣] فى الدار، ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقالت له امرأته وهى النّوار بنت مالك الحضرميّة: ما الخبر؟ قال: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك فى الدار، قالت. فقلت: ويلك! جاء الناس
стр. 7533
بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله ﷺ ، والله لا يجمع رأسى ورأسك بيت أبدا، قالت: فقمت من فراشى فخرجت وجلست أنظر، فو الله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجّانة، ورأيت طيرا بيضا ترفرف عليها [١] ، فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد.
وقيل: بل الذى حمل الرأس شمر بن ذى الجوشن، وقيس ابن الأشعث، وعمرو بن الحجاج، وعزرة بن قيس، فجلس ابن زياد، وأذن للناس فأحضرت الرؤوس بين يديه، فجعل ينكت بقضيب بين ثنيّتى الحسين، فلما رآه زيد بن أرقم لا يرفع قضيبه، قال له: اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فو الله الذى لا إله غيره لقد رأيت شفتى رسول الله ﷺ على هاتين الشفتين يقبلهما! ثم بكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، فو الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانه، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل [[٢] فبعدا لمن رضى بالذل] قال: وأقام عمر بن سعد يومه هذا والغد، ثم أذن فى الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من الصبيان، وعلىّ بن الحسين مريض، فاجتازوا به على الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن الخدود، وصاحت زينب أخته: «يا محمداه! صلّى عليك ملائكة السماء، هذا حسين
стр. 7534
بالعراء مرمل [١] بالدماء مقطّع الأعضاء! يا محمداه! وبناتك سبايا! وذريتك مقتّلة تسفى عليها الصّبا!» فأبكت كل عدوّ وصديق.
قال: ولما أدخلوا على عبيد الله لبست زينب أرذل ثيابها وتنكّرت، وحفّ بها إماؤها، فقال عبيد الله: من هذه الجالسة؟ فلم تكلّمه حتّى قال ذلك ثلاثا وهى لا تكلّمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة، فقال لها ابن زياد: الحمد لله الذى فضحكم وقتّلكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت: الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد ﷺ وطهّرنا تطهيرا لا كما تقول، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر. قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتخاصمون عنده، فغضب ابن زياد واستشاط، ثم قال لها: قد شفى الله نفسى من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك. فبكت ثم قالت: لعمرى لقد قتلت كهلى وأبرزت أهلى وقطعت فرعى واجتثثت أصلى، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت. فقال لها عبيد الله. هذه شجاعة فلعمرى لقد كان أبوك شجاعا، قالت: ما للمرأة والشجاعة؟ إن لى عن الشجاعة لشغلا. ونظر عبيد الله إلى على بن الحسين فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا على بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله على بن الحسين، فسكت. فقال له ابن زياد: ما لك لا تتكلم؟
قال: قد كان لى أخ يقال له علىّ فقتله الناس، قال: إن الله قتله، فسكت علىّ، فقال: ما لك لا تتكلم؟ قال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
стр. 7535
حِينَ مَوْتِها
[١] . وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[٢] قال: أنت والله منهم، ثم قال لرجل: ويحك انظر هذا هل أدرك؟
والله إنى لأحسبه رجلا، فكشف عنه مرىّ بن معاذ الأحمرى فقال:
نعم قد أدرك، قال: اقتله، فقال على: من توكّل بهؤلاء النسوة؟
وتعلقت به زينب عمته، فقالت: يا ابن زياد حسبك منّا أما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منا أحدا؟ واعتنقته وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتنى معه، وقال علىّ: يا ابن زياد إن كان بينك وبينهنّ قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحة الإسلام. فنظر إليهن ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: يا عجبا للرّحم والله إنى أظنها ودّت لو أنى قتلته أنى قتلتها معه، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك.
ثم نودى: «الصلاة جامعة» فاجتمع الناس فى المسجد الأعظم فصعد ابن زياد المنبر، فقال: الحمد لله الذى أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن على وشيعته، فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدى، وكان من شيعة على، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع على، والأخرى بصفّين معه، وكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم، يصلّى فيه إلى الليل ثم ينصرف، فقال: يا ابن مرجانة إنّ الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، والذى ولاك وأبوه، يا ابن مرجانة تقتلون أبناء النبيين، وتكلّمون بكلام الصدّيقين. فقال ابن زياد: علىّ
стр. 7536
به، فوثبت عليه الجلاوزة [١] فأخذوه، فنادى بشعار الأزد «يا مبرور» فوثبت إليه فئة من الأزد، فانتزعوه، وأتوابه أهله، فأرسل إليه من أتاه به فقتله، ثم أمر بصلبه فى السّبخة [٢] فصلب.
قال: وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به فى الكوفة.
قال: ثم أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى يزيد بن معاوية ومعه جماعة، وقيل: مع شمر وجماعة، وأرسل معهم النساء والصبيان، وفيهم على بن الحسين، وقد جعل ابن زياد الغلّ فى يديه وعنقه، وحملهم على الأقتاب، فلم يكلمهم علىّ فى الطريق، فدخل زحر بن قيس على يزيد فقال له:
ما وراءك ويلك وما عندك؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، ورد علينا الحسين بن علىّ فى ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسملوا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية، حتّى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير وزر [٣] ، ويلوذون منا بالآكام والحفر لو اذا [٤] كما لاذ الحمائم من صقر، فو الله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور [٥] ، أو نومة قائل [٦] حتى أتينا
стр. 7537
على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرمّلة [١] ، وخدودهم معفرة [٢] ، تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح، زوّارهم العقبان والرخم بقىّ [٣] سبسب. قال: فدمعت عينا يزيد وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سميّة، أما والله لو أنى صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين. قال: ولما وصل علىّ بن الحسين ومن معه والرأس إلى دمشق، وقف محفّر بن ثعلبة العائذى، وكان عبيد الله قد تركهم معه ومع شمر على باب يزيد بن معاوية، ثم رفع صوته وقال: هذا محفّر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه يزيد ما ولدت أمّ محفّر شرّ وألأم، ولكنه قاطع ظلوم. ثم دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه، فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وكانت تحت يزيد، فتقنّعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين رأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟ قال: نعم فأعولى عليه وحدّى على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش، عجّل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، والرأس بين يديه، ومعه قضيب وهو ينكت فى ثغره، ثم قال: إن هذا وأنا كما قال الحصين بن الحمام:
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواضب [٤] فى أيماننا تقطر الدّما
стр. 7538
نفلّق هاما [١] من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما [٢]
فقال أبو برزة الأسلمى: «أتنكت بقضيبك فى ثغر الحسين؟
أما لقد أخذ قضيبك فى ثغره مأخذا لربّما رأيت رسول الله ﷺ يرشفه، أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا ومحمد شفيعه!» ثم قام فولّى. فقال يزيد: يا حسين والله لو أنى صاحبك ما قتلتك، ثم قال: «أتدرون من أين أتى هذا؟
قال: أبى خير من أبيه، وأمى فاطمة خير من أمه، وجدّى رسول الله خير من جده، وأنا خير منه، وأنا أحق بهذا الأمر منه. فأما قوله:
أبوه خير من أبى فقد حاجّ أبى أباه إلى الله وعلم الناس أيّهما حكم له، وأما قوله: أمى خير من أمه فلعمرى فاطمة بنت رسول الله خير من أمى، وأما قوله جدّى رسول الله خير من جده، فلعمرى ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولا ندّا، ولكنه إنما أتى من قبل فقهه، ولم يقرأ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
[٣] .
قال: ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس، فلما رأين الرأس صحن، فصاح نساء يزيد وولولن وبنات معاوية، فقالت فاطمة بنت الحسين،
стр. 7539
وكانت أكبر من سكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟ فقال:
يا ابنة أخى أنا لهذا كنت أكره، فقام رجل من أهل الشام فقال:
هب لى هذه، يعنى فاطمة بنت على، فأخذت بثياب أختها زينب وكانت أكبر منها، فقالت زينب: كذبت ولو متّ، ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لى، ولو شئت أن أفعله لفعلته، قالت: كلّا والله ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا! فغضب يزيد واستطار، ثم قال. إياى تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب:
بدين الله ودين أبى وأخى اهتديت أنت وأبوك وجدّك، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك. فاستحيى وسكت؛ ثم أخرجن وأدخلن دور يزيد فلم تبقى امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم، وسألهن عمّا أخذ منهن فأضعفه لهن، وكانت سكينة تقول: ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية.
قال: ثم أمر بعلىّ بن الحسين فأدخل مغلولا، فقال: لو رآنا رسول الله ﷺ مغلولين لفك عنا؛ قال: صدقت؛ وأمر بفك غلّه عنه، فقال على: لو رآنا رسول الله ﷺ على بعد لأحبّ أن يقرّبنا؛ فأمر به فقرّب منه، وقال له يزيد: يا علىّ أبوك الذى قطع رحمى وجهل حقّى ونازعنى سلطانى فصنع الله به ما رأيت. فقال علىّ: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [١]
فقال
стр. 7540
يزيد: ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [١]
ثم سكت عنه، وأمر بإنزاله وإنزال نسائه فى دار على حدة، وكان يزيد لا يتغدّى ولا يتعشّى إلّا دعا عليّا إليه، فدعاه يوما فجاء ومعه عمرو بن الحسن وهو غلام صغير، فقال يزيد لعمرو: أتقاتل هذا؟ يعنى خالدا ابنه، فقال: أعطنى سكّينا وأعطه سكينا حتّى أقاتله. فضمه يزيد إليه وقال شنشنة [٢] أعرفها من أخزم، وهل تلد الحيّة [٣] إلا حييّة؟
وقيل: لمّا وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده، ووصله، وسرّه ما فعل، ثم لم يلبث إلّا يسيرا حتّى بلغه بغض الناس له، ولعنهم إياه، وسبّهم، فندم على قتل الحسين، وكان يقول: «وما علىّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معى فى دارى وحكّمته فيما يريد، وإن كان علىّ من ذلك وهن فى سلطانى، حفظا لرسول الله ورعاية لحقّه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة، فإنه اضطره، وقد سأله أن يضع يده فى يدى، أو يلحق بثغر حتّى يتوفّاه الله، فلم يجبه إلى ذلك، وقتله، فبغضنى بقتله إلى المسلمين،
стр. 7541
وزرع فى قلوبهم العداوة، فأبغضنى البرّ والفاجر بما استعظموه من قتلى حسينا، مالى ولابن مرجانة [١] لعنه الله وغضب عليه!» .
قال: ثم ندم ابن زياد أيضا على قتله الحسين، وقال لعمر بن سعد: يا عمر ائتنى بالكتاب الذى كتبته إليك فى قتل الحسين؟
قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب، قال: لتجئ به؛ قال: ضاع قال: لتجئ به؛ قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذارا إليهن، أما والله لقد نصحتك فى حسين نصيحة لو نصحتها أبى سعد ابن أبى وقّاص لكنت قد أدّيت حقه!» فقال عثمان بن زياد: «صدق، والله لوددت أنه ليس من بنى زياد رجل إلا وفى أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأنّ حسينا لم يقتل!» فما أنكر ذلك عبيد الله بن زياد على أخيه.
ذكر ورود الخبر بمقتل الحسين رضى الله عنه إلى المدينة وعود أهله إليها
قال: لما قتل الحسين أمر عبيد الله بن زياد عبد الملك بن الحارث [٢] السّلمى بالمسير إلى المدينة؛ ليبشّر عمرو بن سعيد أمير المدينة بقتل الحسين، فاعتذر عبد الملك، فزجره ابن زياد، فخرج حتّى قدم المدينة، فلقيه رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقال: الخبر عند الأمير. فاسترجع [٣] القرشى، وقال: قتل والله الحسين!
стр. 7542
ودخل عبد الملك على عمرو بن سعيد فأخبره بقتل الحسين، فقال: ناد بقتله، ففعل، قال عبد الملك: فلم أسمع واعية [١] قطّ مثل واعية نساء بنى هاشم فى دورهن على الحسين! فلما سمع عمرو بن سعيد أصواتهنّ ضحك وقال: واعية بواعية عثمان [٢] وأنشد بيت عمرو بن معدى كرب:
عجّت نساء بنى زياد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب [٣]
(والأرنب: يوم كان لبنى زبيد على بنى زياد من بنى الحارث بن كعب) ثم صعد عمرو المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين.
стр. 7543
قال: ولمّا نودى بقتله خرجت زينب بنت عقيل ابن أبى طالب ومعها نساؤها حاسرة ناشرة شعرها، تلوى ثيابها، وهى تقول:
ماذا تقولون إن قال النبىّ لكم: ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟
بعترتى وبأهلى بعد مفتقدى ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائى إذ نصحت لكم ... أن تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى
وقيل: سمع بعض أهل المدينة يوم قتل الحسين مناديا ينادى:
أيّها القاتلون جهلا حسينا ... أبشروا بالعذاب والتّنكيل
كلّ أهل السماء يدعو عليكم ... من نبى وملأك وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داو ... د وموسى وحامل [١] الإنجيل
وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: «رأيت النبى ﷺ فى الليلة التى قتل فيها الحسين وبيده قارورة، وهو يجمع فيها دما، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى!»
فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل الحسين، وقصّ رؤياه.
وروى أن النبى ﷺ أعطى أمّ سلمة ترابا من تربة الحسين، حمله إليه جبريل، فقال النبى ﷺ : «إذا صار التراب هذا دما فقد قتل الحسين»
فحفظت أمّ سلمة ذلك التراب فى قارورة، فلمّا قتل الحسين صار ذلك التراب دما
стр. 7544
فأعلمت الناس بقتله. وهذا القول يستقيم على قول من يقول إن أمّ سلمة توفّيت بعد الحسين [١] .
قال [٢] : ولما أراد يزيد أن يسيرّ آل الحسين إلى المدينة، أمر النعمان بن بشير أن يجهّزهم بما يصلحهم، ويسيّر معهم رجلا أمينا من أهل الشام، ومعه [٣] خيل تسير بهم إلى المدينة، ودعا عليا ليودعه وقال: «لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أنّى صاحبه ما سألنى خصلة أبدا إلّا أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدى، ولكن قضى الله بذلك! كاتبنى بأيّة حاجة تكون لك» وأوصى بهم ذلك الرسول.
فخرج بهم، فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، وإذا نزل تنحى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسائلهم عن حوائجهم ويلطف بهم حتّى دخلوا المدينة.
فقالت فاطمة بنت على لأختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشىء؟ فقالت: والله ما معنا ما نصله به إلّا حلينّا، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا به إليه، واعتذرتا، فردّ الجميع، وقال: لو كان الذى صنعته للدنيا لكان فى هذا ما يرضينى، ولكن والله ما فعلته إلّا لله ولقرابتكم من رسول الله ﷺ .
стр. 7545
ذكر ما ورد من الاختلاف فى مقر رأس الحسين وأين دفن
قد اختلف المؤرخون فى مقر رأسه، فمنهم من قال: إنه دفن بدمشق، ومنهم من زعم أنه نقل إلى مرو؛ ومنهم من يقول: إنه أعيد إلى الجسد ودفن بالطّف؛ ومنهم من قال: دفن بعسقلان، ثم نقل إلى مصر؛ ومنهم من قال: دفن بالمدينة عند قبر أمه فاطمة رضى الله الله عنهما. وقد رأينا أن نذكر أقوالهم فى ذلك ومستحجهم [١] .
قال: فأما من قال إنه دفن بدمشق فإنه يقول: إنه لمّا قتل الحسين رضى الله عنه، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد بالكوفة كما تقدم وقصد حمله إلى دمشق، طلب من يقوره فلم يجبه إلّا طارق بن المبارك مولى بنى أمية وكان حجّاما، ففعل، وقد هجى أبو يعلى الكاتب، وهو أحد أسباط طارق هذا، فقيل فيه:
شقّ رأس الحسين جدّ أبى يع ... لى وساط [٢] الدّماغ بالإبهام
ثم أرسل ابن زياد به إلى دمشق، فنصبه يزيد بن معاوية بها ثلاثة أيام، ووضع فى مسجد عند باب المسجد الجامع، يعرف بمسجد الرأس، (وهو تجاه باب الساعات، كان بابه هناك، ثم سدّ وفتح من مشهد زين العابدين فى سنة ثلاثين وستمائة ونحوها) ، ثم كان الرأس فى خزانة يزيد بن معاوية.
واختلف أيضا القائلون إنه دفن بدمشق فى المكان الذى دفن فيه بها.
فحكى ابن أبى الدنيا فى المقتل عن منصور بن جمهور أنه قال: دخلت
стр. 7546
خزانة يزيد بن معاوية، فلما فتحت أصبت [١] جونة حمراء فقلت لغلام لى يقال له سليم: احتفظ بهذه الجونة فإنها كنز من كنوز بنى أمية، فلما فتحتها وجدت بها رأسا وورقة مكتوب فيها: «رأس الحسين بن على بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ » ، وإذا هو مخضوب بالسواد، فلفه فى ثوب ثم دفنه عند باب الفراديس، عند البرج الثالث مما يلى المشرق. وحكى الاسترباذى فى كتابه «الداعى إلى وداع الدنيا» عن أبى سعيد الزاهد أنه قال: قبر الحسين بكربلاء ورأسه بالشام فى مسجد دمشق على رأس أسطوانة، وقال غيره: على عمودين يمين القبلة، وقيل إن يزيد دفنه فى قبر أبيه معاوية، ومنهم من قال: فى مقابر المسلمين.
وأما من قال: إنه بمرو فانه يقول: إن أبا مسلم الخراسانى لما استولى على دمشق، أخذ الرأس ونقله إلى مرو، ودفن بها فى دار الإمارة: وأن الرأس حشى بالمسك وكفّن وصلّى عليه مرة بعد أخرى.
وأما من قال: إنه أعيد إلى الجسد ودفن معه، فمنهم من يقول: إن يزيد أعاده بعد أربعين يوما؛ ومنهم من يقول: بل استقر فى خزانة السلاح إلى أن ولى سليمان بن عبد الملك فأحضره وقد قحل [٢] ؛ وبقى عظم أبيض فجعل عليه ثوبا وجعله فى سفط [٣] وصلّى عليه ودفن فى مقابر المسلمين، فلما ولى عمر بن عبد العزيز بعث إلى خازن السلاح يطلب منه الرأس، فطالعه بما كان من أمره فأمره بنبشه وأخذه، فالله أعلم بما
стр. 7547
صنع به، لكنهم أستدلّوا من ديانة عمر بن عبد العزيز وصلاحه وخيره أنه نقله إلى الجسد ودفن معه.
وأما من قال: إنه كان بعسقلان ثم نقل إلى مصر فاستنادهم فى ذلك إلى رؤيا منام، وذلك أن رجلا رأى فى منامه، وهو بعسقلان أن رأس الحسين فى مكان بها، عيّن له فى منامه فنبش ذلك [١] الموضع، وذلك فى أيام المستنصر بالله العبيدى صاحب مصر، ووزارة بدر الجمالى، فابتنى بدر الجمالى له مشهدا بعسقلان، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن تغلب الفرنج على عسقلان، فى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فحمل إلى القاهرة فى البحر.
وحكى محمد بن القاضى المكين عبد العزيز بن حسين [٢] فى سيرة الصالح بن رزّيك، قال: لما ولى عباس بن أبى الفتوح الوزارة بمصر فى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فى مستهلّ جمادى الآخرة وصل الخبر بتملّك الفرنج عسقلان، فنقل رأس الحسين فيها- من المشهد الذى أنشأه أمير الجيوش بدر الجمالى، وكمله الأفضل [٣]- إلى القاهرة، فكان وصوله إليها فى يوم الأحد، ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان قد سيّر أحد الأستاذين الخواص لتلقّيه إلى مدينة تنّيس [٤] ، فوصل فى عشارى [٥]
стр. 7548
من عشاريات الخدمة، ودخل فيه إلى خليج القاهرة، وأدخل من باب البستان المعروف بالكافورى، فى ليلة الاثنين التاسع من الشهر، وسلك به إلى القصر الغربى إلى أن وصل إلى القصر الشرقى، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن حدث من عبّاس وابنه ما حدث، من قبل الظافر وإخوته وابن أخيه، على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبارهم فى كتابنا هذا، فلما نهض الصالح بن رزّيك فى الطلب بثأرهم، وولىّ الوزارة، لم يقدّم شيئا على الشروع فى بناء المشهد بالقصر، فى الموضع المعروف بقبة الخراج من دهاليز باب الديلم وكمّل المشهد، فلما كان فى ليلة يسفر صباحها عن تاسع المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، خرج ابن رزّيك من داره راجلا إلى الايوان، فأخرج الرأس فحمله خاشعا مستكينا إلى أن أحله بالضريح، ومدحه الشعراء، فمن ذلك قول أحدهم:
أدركت من عبّاس ثأرا دونه ... ما أدرك السّفّاح من مروان
وحقرت ما فخر ابن ذى يزن به ... لمّا أقرّ الملك فى غمدان
وجمعت أشلاء الحسين وقد غدت ... بددا فأضحت فى أعزّ مكان
وعرفت للعضو الشريف محلّه ... وجليل موضعه من الرحمن
أكرمت مثواه لديك وقبل فى ... آل الطّريد غدا بدار هوان
وقضيت حقّ المصطفى فى حمله ... وحظيت من ذى العرش بالرّضوان
ونصبته للمسلمين تزوره ... مهج إليه شديدة الهيمان
أسكنته فى خير مأوى خطّه ... أبناؤه فى سالف الأزمان
ولو استطعت جعلت قلبك لحده ... فى موضع التوحيد والإيمان
стр. 7549
حرم تلوذ به الجناة فتنثنى ... محبوّة بالعفو والغفران
قد كان مغتربا زمانا قبل ذا ... فالآن عدت به إلى الأوطان
وأما من قال: إنه بالمدينة، فإنه يقول: إنه لما نصب بدمشق وطيف به، أمر يزيد بن معاوية النعمان بن بشير الأنصارى أن يحمله إلى المدينة، ليشاهده الناس، وليرهب به عبد الله بن الزبير، فلما وصل إلى المدينة ودخل به على عمرو بن سعيد الأشدق، قال:
وددت أن أمير المؤمنين لم يكن بعث به إلىّ، فقال له مروان بن الحكم:
اسكت لا سكتّ ولكن قل كما قال:
ضربت دوسى فيهم ضربة ... أثبتت أوتاد ملك فاستقر
ثم أمر به عمرو بن سعيد فكفّن ودفن عند قبر أمه فاطمة رضى الله عنهما.
وقيل: بل أرسل إلى من بالمدينة من بنى هاشم، أن [١] دونكم رأس صاحبكم، فأخذوه، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه عند قبر أمه رضى الله عنهما، والله تعالى أعلم، وقد تكلم عمر بن أبى المعالى أسعد بن عمار [٢] بن سعد بن عمار [بن على] [٣] رحمه الله تعالى فى كتابه الذى ترجمه «الفاصل بين الصدق والمين فى مقر رأس الحسين» على هذه الأقوال المتقدمة ووهنها وضعّفها [واستدل على ضعفها [٤]] ، ورجح أنه بالمدينة، حتّى كاد يبلغ به مبلغ القطع،
стр. 7550
فقال ما معناه: أمّا قولهم إنه كان فى خزائن بنى أميّة إلى أن ظهرت الخلافة العباسية، وأن أبا مسلم نقله إلى خراسان، فهذا بعيد جدا، وذلك أن أبا مسلم لمّا فتح الشام كان بخراسان، والذى فتح دمشق عبد الله بن على بن [عبد الله بن] [١] عباس، فكيف يتصوّر أن ينقله أو يمكن من نقله إلى مولاه بخراسان؟ ولو ظفر به فى خزائن بنى أميّة لأظهره للناس ليزدادوا لبنى أمية بغضا، وأيضا فقد ولى العبد الصالح عمر بن عبد العزيز الخلافة، وبعيد أن كان يترك رأس ابن بنت رسول الله ﷺ فى خزائن السلاح ولم يواره.
وأمّا قولهم إنه كان بعسقلان فلم يوجد ذلك فى تاريخ من التواريخ أنه نقل إلى عسقلان ولا إلى مصر، ويقوّى ذلك أن الشام ومصر لم يكن بهما شيعة علوية فينقل إليهم ليروه وتنقطع آمالهم من الحسين وتضعف نفوسهم عن الوثوب مع غيره والانضمام [٢] إليه.
وأما قولهم إنه بالمدينة عند قبر أمه فقد قاله محمد بن سعد فى طبقاته، وابن أبى الدنيا وأبو المؤيد الخوارزمى خطيب خوارزم فى إحدى رواياتهما، وصححه أبو الفرج ابن الجوزى، والله تعالى أعلم.
وقد أخذ هذا الفصل حقه، فلنذكر خلاف ذلك من الأخبار التى اتفقت فى أيام يزيد بن معاوية على حكم اليقين:
стр. 7551
ذكر مقتل أبى بلال مرداس بن حدير الحنظلى [١] الخارجى
قد ذكرنا فى أيام معاوية خروجه وأن ابن زياد بعث [٢] إليه أسلم بن زرعة الكلابى فى ألفين، فهزمهم بآسك.
فلما كان فى هذه السنة أرسل إليه ابن زياد ثلاثة آلاف، عليهم عباد بن الأخضر التميمى (والأخضر زوج أمه، نسب إليه وإنما هو عباد بن علقمة بن عباد) فسار إليه، واتبعه حتّى لحقه بتوّج [٣] ، فاقتتلوا حتّى دخل وقت العصر، فقال أبو بلال: هذا يوم جمعة، وهو يوم عظيم، دعونا حتّى نصلّى، فتوادعوا، فعجّل عباد الصلاة وقيل: بل قطعها، والخوارج يصلّون، فشدّ عليهم هو وأصحابه، فقتلوهم وهم ما بين قائم وراكع وساجد، لم يتغير منهم أحد عن حاله، فقتلوا عن آخرهم.
ورجع عباد إلى البصرة برأس أبى بلال، فرصده عبيدة بن هلال ومعه ثلاثة نفر، فأقبل عباد يريد قصر الإمارة، فقالوا له: قف حتّى نستفتيك. فوقف، فقالوا: نحن إخوة أربعة قتل أخونا فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير: قالوا: استعديناه فلم يعدنا.
قال: فاقتلوه قتله الله. فوثبوا عليه وقتلوه، واجتمع الناس على الخوارج فقتلوا [٤] .
стр. 7552
وفيها استعمل يزيد بن معاوية سلم بن زياد على خراسان وسجستان، وعزل عنهما أخويه: عبد الرحمن وعبّادا ابنى زياد، فكتب عبيد الله [١] بن زياد إلى أخيه عباد [٢] يخبره بولاية سلم، فقسم عباد ما فى بيت المال على عبيدة، وفضل فضل فنادى: من أراد سلفا فلياخذ، فأسلف كلّ من أتاه، وخرج عن سجستان، فلما كان بجيرفت [٣] بلغه مكان أخيه سلم، وكان بينهما جبل، فعدل عنه، فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك، أقلّ ما مع أحدهم عشرة آلاف، وسار عباد حتى قدم على يزيد، فسأله عن المال، فقال: كنت صاحب ثغر فقسمت ما أصبت بين الناس.
قال: ولما سار سلم إلى خراسان كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد معه [٤] بنخبة ستة آلاف فارس، وقيل ألفين، فكان سلم ينتخب الوجوه [والفرسان [٥]] ، فخرج معه عمران بن الفضيل البرجمى والمهلّب بن أبى صفرة وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى وغيرهم، وسار حتّى قدم خراسان، وعبر النهر غازيا، وكان عمال خراسان قبله يغزون، فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان [٦] ، فإذا
стр. 7553
انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة ممّا يلى خوارزم، فيتعاقدون ألّا يغزو بعضهم بعضا ويتشاورون فى أمورهم، وكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم غزو تلك المدينة، فيأبون عليهم، فلمّا قدم سلم غزا فشتّى فى بعض مغازيه، فسأله المهلب أن يوجهه إلى تلك المدينه، فوجهه فى ستة آلاف، وقيل: فى أربعة آلاف، فحاصرهم، فطلبوا الصلح على نيّف وعشرين ألف ألف، فصالحهم، وكان فى صلحهم أن يأخذ منهم عروضا، فكان يأخذ العروض من الرقيق والدوابّ والمتاع بنصف قيمتها، فبلغ ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظى بها المهلّب عند سلم، وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد.
وغزا سلم سمرقند، وعبر معه النهر امرأته أم محمد بنت عبد الله ابن عثمان بن أبى العاص الثقفى، وهى أول امرأة من العرب قطع بها النهر، فولدت له ابنا سماه «صغدى» واستعارت امرأته من امرأة صاحب الصّغد حليّها فلم تعده إليها وذهبت به [١] .
ووجّه جيشا إلى خجندة [٢] فيهم أعشى همدان، فهزموا، فقال الأعشى فى ذلك:
ليت [٣] خيلى يوم الخجندة لم ته ... زم وغودرت فى المكرّ سليبا [٤]
تحضر الطير مصرعى وتروّح ... ت إلى الله فى الدّماء خضيبا
стр. 7554
وفيها عزل يزيد عمرو بن سعيد، واستعمل الوليد بن عتبة ابن أبى سفيان، وسبب ذلك أن الوليد وناسا من بنى أميّة قالوا ليزيد:
لو شاء عمرو لأخذ بن الزبير وسرّح [١] به إليك. فعزله، ولم يكن كذلك، بل كان ابن الزبير كاده.
وحج الوليد فى هذه السنة بالناس.
سنة اثنين وستين ذكر وفد أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية وخلعهم له عند عودهم
وفى هذه السنة وفد جماعة من أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية بالشام، فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة [٢] وعبد الله بن أبى عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومى، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة.
وكان ابن الزبير قد كتب [٣] إلى يزيد لمّا استعمل الوليد ابن عتبة على الحجاز يقول: «إنك بعثت إلينا رجلا أخرق، لا بتّجه لرشد، ولا يرعوى لعظة الحكيم، فلو بعثت رجلا سهل الخلق
стр. 7555
رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرّق» [١] فعزل يزيد الوليد، واستعمل عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وهو فتى غرّ حدث لم تحنّكه التجارب، ولا يكاد ينظر فى شىء من سلطانه ولا عمله.
فوفد هذا الوفد إلى يزيد، فقدموا عليه، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم، فأعطى عبد الله بن حنظلة مائة ألف درهم، وكان معه ثمانية بنين فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف، وأجاز المنذر بن الزبير بمائة ألف كتب له بها على عبيد الله بن زياد فتوجه إلى العراق فقبضها.
ورجع الوفد إلى المدينة إلّا المنذر، فلمّا قدموا المدينة قاموا فى الناس فأظهروا شتم يزيد وعيبه، وقالوا: «قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطّنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحزّاب (وهم اللصوص) وإنا نشهدكم أنّا قد خلعناه» .
وقام عبد الله بن حنظلة فقال: «جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلّا بنىّ هؤلاء لجاهدته، وقد أعطانى وأكرمنى، وما قبلت منه عطاءه إلّا لأتقوّى به» .
فخلعه الناس، وبايعوا عبد الله بن حنظلة على خلعه، وولّوه عليهم.
ثم قدم المنذر من العراق إلى المدينة، فحرّض الناس على يزيد،
стр. 7556
وقال: «إنه أجازنى بمائة ألف [١] ، ولا يمنعنى ما صنع بى أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتّى يدع الصلاة!» وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشدّ.
فبعث يزيد النعمان بن بشير الأنصارى وقال له: «إن عدد الناس بالمدينة قومك، فأتهم فالفتهم عمّا يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا فى هذا الأمر لم يجترىء الناس على خلافى» . فأتى النعمان قومه، وأمرهم بلزوم الطاعة، وخوّفهم الفتنة، فعصوه ولم يرجعوا إلى قوله، فرجع. وبسبب هذه الواقعة كانت وقعة الحرّة.
وفى هذه السنة كان من الحوادث فى بلاد المغرب ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار أفريقية.
وحج بالناس فى هذه السنة الوليد بن عتبة.
وفيها ولد محمد بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور.
سنة ثلاث وستين ذكر وقعة الحرّة
كان سبب هذه الوقعة ما قدمناه من خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، فلمّا كان فى هذه السنة أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد ابن أبى سفيان عامل يزيد، وحصروا بنى أميّة، فاجتمع بنو أميّة ومواليهم ومن يرى رأيهم فى ألف رجل، ونزلوا دار مروان ابن الحكم، وكتبوا [٢] إلى يزيد يستغيثون به، فلمّا قرأ الكتاب
стр. 7557
بعث إلى عمرو بن سعيد الأشدق، فأقرأه الكتاب وأمره بالمسير فى الناس، فقال قد كنت ضبطت لك الأمور والبلاد، فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهراق بالصعيد فلا أحبّ أن أتولّى ذلك.
فبعث إلى عبيد الله بن زياد، فأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة عبد الله بن الزبير بمكة، فقال: «والله لا أجمعهما [١] للفاسق:
قتل ابن بنت رسول الله وغزو الكعبة!» ثم أرسل إليه يعتذر.
فبعث إلى مسلم بن عقبة المرّى [٢] وهو شيخ كبير مريض فأخبره الخبر، فقال: أما يكون بنو أميّة [ومواليهم وأنصارهم بالمدينة] [٣] ألف رجل؟ قال: بلى؛ قال: «أما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا فإنهم أذلّاء! دعهم يا أمير المؤمنين حتّى يجهدوا أنفسهم فى جهاد عدوّهم، ويتبيّن لك من يقاتل على طاعتك ومن يستسلم» ؛ قال: «ويحك! إنه لا خير فى العيش بعدهم! فاخرج بالناس» .
وقيل: إن معاوية قال ليزيد: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته، فأمره بالمسير إليهم.
فنادى فى الناس بالتجهيز إلى الحجاز وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار لكل رجل؛ فانتدب لذلك اثنا عشر ألفا، وساروا مع
стр. 7558
مسلم، فقال له يزيد: إن حدث بك حدث فاستخلف الحصين ابن نمير السّكونى [١] ؛ وقال له: «ادع القوم ثلاثا فإن أجابوا وإلّا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا بما فيها من مال أو رقة [٢] أو سلاح أو طعام، فهو للجند، فإن انقضت الثلاث فاكفف عن الناس، واكفف عن علىّ بن حسين، واستوص به خيرا [٣] فإنه لم يدخل مع الناس، وقد أتانى كتابه» .
قال: ولمّا بلغ أهل المدينة خبر الجيش اشتدّ حصارهم لبنى أمية بدار مروان، وقالوا: «والله لا نكف عنكم حتّى نضرب أعناقكم [٤] أو تعطونا عهد الله وميثاقه أنكم لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدوّنا، فنكفّ عنكم ونخرجكم» ، فعاهدوهم على ذلك، وأخرجوهم من المدينة، فساروا بأثقالهم حتّى لقوا مسلم بن عقبة بوادى القرى، فدعا عمرو بن عثمان بن عفّان أوّل الناس، فقال: أخبرنى ما وراءك وأشر علىّ، قال: لا أستطيع، قد أخذ علينا العهود والمواثيق ألا ندلّ على عورة ولا نظاهر عدوّا؛ فانتهره وقال: «والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشيا بعدك!»
стр. 7559
فخرج إلى أصحابه، فأخبرهم خبره، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك: ادخل عليه قبلى لعله يجتزىء بك عنى، فدخل عبد الملك على مسلم، فقال «نعم: [هات ما عندك؛ فقال [١]] نعم، أرى أن تسير بمن معك، فإذا انتهيت إلى أدنى نخلها نزلت، فاستظلّ الناس فى ظله وأكلوا من صقره [٢] ، فإذا أصبحت من الغد مضيت، وتركت المدينة ذات اليسار، ثم درت بها حتّى تأتيهم من قبل الحرّة مشرقا [٣] ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم [الشمس] [٤] طلعت من أكناف أصحابك فلا تؤذيهم، ويصيبهم أذاها [٥] ويرون من ائتلاق بيضكم وأسنّة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم منهم، ثم قاتلهم، واستعن عليهم بالله تعالى» . فقال له مسلم: «لله أبوك.! أىّ أموىّ!» ثم دخل عليه مروان فقال له [إيه. قال] [٦] أليس قد دخل عليك عبد الملك؟
قال: «بلى، وأىّ رجل عبد الملك! قلما كلمت من رجال قريش رجلا به شبيها!» فقال له مروان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتنى.
ثم ارتحل مسلم من مكانه، وفعل ما أمره به عبد الملك، ثم دعاهم فقال: «إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل، وإنى أكره إراقة
стр. 7560
دمائكم، وإنى أؤجّلكم ثلاثا، فمن ارعوى وراجع الحقّ قبلنا منه وانصرفت عنكم إلى هذا الملحد الذى بمكة، وإن أبيتم كنّا قد أعذرنا إليكم» .
فلما مضت الثلاث قال مسلم: يا أهل المدينة ما تصنعون؟
أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب، فقال لهم: «لا تفعلوا، بل ادخلوا فى الطاعة، ونجعل حدّنا وشوكتنا على هذا الملحد الذى قد جمع إليه المرّاق [١] والفسّاق من كل أوب [٢] » يعنى عبد الله بن الزبير، فقالوا له: «يا عدوّ الله، لو أردتم أن تجوزوا إليه ما تركناكم: أنحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام فتخيفوا أهل مكة وتلحدوا فيه وتستحلّوا حرمته؟ لا والله لا نفعل!» .
قال: وكان أهل المدينة قد اتّخذوا خندقا، وعليه جمع منهم، عليهم عبد الرحمن بن أزهر بن عوف [وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف] [٣] وكان عبد الله بن مطيع مع ربع قريش فى جانب المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعى، أحد الصحابة على ربع المهاجرين، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصارى فى أعظم تلك الأرباع، وهم الأنصار.
وصمد مسلم بن عقبة فيمن معه، فأقبل من ناحية الحرّة، حتّى
стр. 7561
ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، وكان مريضا، فأمر فوضع له كرسىّ بين الصفّين، فجلس، ثم حرّض أهل الشام على القتال، فجعلوا لا يقصدون ربعا من تلك الأرباع إلّا هزموه، ثم وجّه الخيل نحو ابن الغسيل، فكشفهم [١] ، حتّى انتهوا إلى مسلم، فنهض فى وجوههم بالرجال، وصاح بهم، فقاتلوا قتالا شديدا.
ثم إن الفضل بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى ابن الغسيل، فقاتل معه فى نحو عشرين فارسا قتالا حسنا، ثم قال ابن بن الغسيل: «مر من معك فارسا فليأتنى، فليقف معى، فإذا حملت فليحملوا [٢] ، فو الله لا أنتهى حتى أبلغ مسلما فأقتله أو أقتل دونه!» ففعل، وجمع الجند، فحمل بهم الفضل على أهل الشام، فانكشفوا، ثم حمل وحمل أصحابه حملة أخرى، فانفرجت خيل الشام عن مسلم ومعه خمسمائة راجل جثاة على الرّكب مشرعى الأسنّة نحو القوم، ومضى الفضل نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها فقطّ المغفر وفلق هامته، فخرّ ميتا، وقال: خذها وأنا ابن عبد المطلب! وظن أنه قتل مسلما، فقال: قتلت طاغية القوم وربّ لكعبة! فأخذ مسلم رايته، وكان المقتول غلاما روميا [٣] شجاعا، وحرّض مسلم أهل الشام، وقال: شدّوا مع هذه الراية، فمشى برايته، وشدّت الرجال أمام الراية، فصرع الفضل وما بينه وبين [أطناب] [٤]
стр. 7562
فسطاط مسلم إلّا نحو عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل، فحرض ابن الغسيل أصحابه، فنهضوا واقتتلوا أشدّ قتال، وأخذ ابن الغسيل يقدّم بنيه واحدا واحدا، حتّى قتلوا بن يديه، ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد ابن ثابت بن قيس بن شماس، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصارى. وانهزم الناس.
وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا، يقتلون الناس، ويأخذون المتاع والأموال، فسمّى مسلم بعد وقعة الحرة [١] مسرفا» .
وقيل إن مسلما لمّا نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة حسنة، فهابهم أهل الشام، وكرهوا قتالهم، [فلما رآهم مسلم سبّهم وذمهم وحرّضهم، وكان شديد الوجع، فقاتلوا، فبينما أهل المدينة فى قتالهم] [٢] إذ سمعوا التكبير من خلفهم من جوف المدينة، وكان سببه أن بنى حارثة أدخلوا أهل الشام المدينة، فانهزم الناس، فكان من أصيب فى الخندق أكثر ممّن قتل.
ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول [٣] له يحكم فى دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله.
وأتى يومئذ بعمرو بن عثمان بن عفان، وكان ممّن لم يخرج مع
стр. 7563
بنى أميّة، فقال مسلم: يا أهل الشام تعرفون هذا؟ قالوا: لا؛ قال:
هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان، هى يا عمرو إذا ظهر [١] أهل المدينة قلت أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين عثمان» ، وأمر به فنتفت لحيته، ثم خلّى سبيله.
وكانت وقعة الحرّة لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة ثلاث وستين.
وقتل مسلم جماعة من أهل المدينة صبرا، فكان منهم على ما ذكر ابن إسحاق والواقدى وويثمة وغيرهم: الفضل بن العباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وأبو بكر بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ويعقوب ابن طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومعقل ابن سنان الأشجعى، ومحمد بن أبى الجهم بن حذيفة العدوى، وقتل أيضا صبرا ابنا زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول الله ﷺ ، وهما [٢] ابنا عبد الله [٣] بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزّى بن قصىّ، ولما قتلا حملا إلى أمهما فوضعا بين يديها، فاسترجعت [٤] وقالت: والله إنّ المصيبة علىّ فيهما لكبيرة، وهى علىّ فى هذا أكبر منها فى هذا، أما هذا فجلس فى بيته وكفّ
стр. 7564
يده فدخل عليه فقتل مظلوما، فأنا أرجو له الجنة، وأمّا هذا فبسط.
يده فقاتل حتى قتل، فلا أدرى علام هو فى ذلك؟ فالمصيبة به أعظم منها علىّ فى هذا! وقتل أيضا يزيد بن عبد الله بن زمعة.
وانتهى القتل يومئذ فيما ذكروا إلى ثلاثمائة، كلّهم من أبناء المهاجرين والأنصار. ومنهم جماعة ممّن صحب رسول الله ﷺ ، وبلغت قتلى قريش يومئذ نحو مائة، وقتلى الأنصار والحلفاء والموالى نحو مائتين.
وقيل: إن يزيد بن معاوية لمّا بلغه ما كان من خبر هذه الوقعة قال:
ليت أشياخى ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشل
لست من عتبة إن لم أثّئر [١] ... من بنى أحمد ما كان فعل
هكذا حكى [٢] عن بعض المؤرخين. والذى أعتقده أن هذه الأبيات مفتعلة عنه ومنسوبة [٣] إليه، فإنها لا تصدر إلّا ممن نزع ربقة [٤] الإسلام من عنقة. والله أعلم.
стр. 7565
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزّبير، وكان يسمى يومئذ «العائذ بالبيت» .
سنة اربع وستين ذكر مسير مسلم بن عقبة إلى مكة لحصار عبد الله بن الزبير، ووفاة مسلم والحصار الأول وإحراق الكعبة
قال ولما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص نحو مكة بمن معه لقتال ابن الزبير، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامّى. وقيل: عمرو بن محرز الأشجعى. وكان خبر وقعة الحرّة قد أتى عبد الله بن الزّبير مع المسور بن مخرمة هلال المحرم، فاستعد هو وأصحابه للحرب.
وسار مسلم حتى انتهى إلى المشلّل [١] فمات هناك، ولما حضرته الوفاة أحضر الحصين بن نمير السّكونىّ وقال له يا برذعة الحمار، لو كان الأمر لى ما ولّيتك هذا الجند. ولكن أمير المؤمنين ولّاك [٢] ؛ ثم مات.
وسار الحصين فقدم مكة لأربع بقين من المحرّم، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير [ولحق به من انهزم من أهل المدينة] [٣]