Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
قال: لا أرى ذلك؛ وسار إلى مرو، فأقبل إليها يقال فى ستين ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بن المثنّى، وحمّاد ابن عامر الحمّانى، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف الرياحىّ، وعطاء الدبوسى.
ومن الدهاقين دهقان الجوزجان، ودهقان الفارياب «١» ، وملك الطالقان ودهقان مرو الرّوذ فى أشباههم، وخرج عاصم فى أهل مرو وغيرهم، فعسكر وقطع القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوها، فمال محمد بن المثنّى الفراهيدى الأزدى إلى عاصم فى ألفين، فأتى الأزد، ومال حمّاد بن عامر الحمّانى إليه، فأتى بنى تميم، وأتى الحارث وعاصم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق منهم بشر كثير، فى أنهار مرو وفى النّهر الأعظم؛ ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق خازم «٢» بن عبد الله بن خازم، وكان مع الحارث. وقتل أصحاب الحارث قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادى مرو، فضرب رواقا عند منازل الدّهاقين، وكفّ عنه عاصم «٣» ؛ واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها عزل هشام عبد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر، واستعمله على إفريقية.
وقيل: كان ذلك فى سنة [١١٧ هـ] سبع عشرة ومائة.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك. والله أعلم.
стр. 8052
سنة (١١٧ هـ) سبع عشرة ومائة:
ذكر عزل عاصم عن خراسان
وولاية أسد وخبر الحارث بن سريج فى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمّها إلى خالد بن عبد الله القسرى أمير العراقين، فاستعمل عليها خالد أخاه أسد بن عبد الله.
وكان سبب ذلك أنّ عاصما كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن خراسان لا تصلح إلّا أن تضمّ إلى العراق «١» وتكون معونتها وموادها «٢» من قريب، لتباعد أمير المؤمنين [عنها] «٣» وتباطىء غياثه [عنها] «٤» ، فضمّ هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله، وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية كانت به.
فسيّر خالد [إليها] «٥» أخاه أسدا، فلما بلغ عاصم إقبال أسد، وأنه قد بعث على مقدمته محمد بن مالك الهمدانى صالح الحارث ابن سريج، وكتبا بينهما كتابا، على أن ينزل الحارث أىّ كور خراسان شاء، وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب الله وسنّة نبيه، فإن أبى اجتمعا عليه.
فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم، وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين فانفسح ذلك.
стр. 8053
وكان عاصم بقرية بأعلى مرو؛ فأتاه الحارث بن سريج فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحارث، وأسر جماعة من أصحابه، منهم: عبد الله بن عمرو المازنى رأس أهل مرو الرّوذ، فقتل عاصم الأسرى، وعظّم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع فى نقض الكتاب، وكتبوا كتابا بما كان وبهزيمة الحارث وبعثوه إلى أسد، فلقيه بالرّى وقيل ببيهق «١» .
فكتب أسد إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ومائة حلّة، وحبس أسد عاصما وحاسبه وطلب منه مائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز، وأطلق عمّال الجنيد، وقدم أسد ولم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور، والحارث بمرو الرّوذ، وخالد بن عبيد الله الهجرىّ بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الرّوذ أن يأتى الهجرى مرو من قبل آمل، وإن قصد الهجرى قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ، فأجمع رأيه على توجيه عبد الرحمن بن نعيم فى أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ، وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل؛ عليهم زياد القرشى مولى حيّان النبطى وغيره، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد، ونصب عليهم المجانيق؛ فطلبوا الأمان، وطلبوا كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، وألّا يؤخذ أهل المدن بجنايتهم، فأجابهم أسد إلى ذلك، واستعمل عليهم يحيى ابن نعيم بن هبيرة الشيبانى؛ وسار يريد بلخ، فأخبر أنّ أهلها قد
стр. 8054
بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فسار حتى قدمها، واتّخذ سفنا، وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، وبها سنان الأعرابى، فنزل أسد دون النهر، ولم يطق العبور إليهم، ولا أن يمدّهم، وخرج أهل ترمذ من المدينة، وقاتلوا الحارث قتالا شديدا، فاستطرد الحارث لهم، وكان قد وضع كمينا، فلما جاوزوه خرج عليهم، فانهزموا.
ثم ارتحل أسد إلى بلخ، ثم خرج أهل ترمذ إلى الحارث، فهزموه ثم سار أسد إلى سمرقند فى طريق زمّ «١» ، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيبانى وهو فى حصن من حصونها- وهو من أصحاب الحارث- فأمّنه، ووعده المواساة والكرامة والأمان لمن معه، وأقسم إنه إن ردّ ذلك ورمى بسهم ألّا يؤمّنه «٢» أبدا، وإنه إن جعل له ألف ألف أمان لا يفى له.
فخرج إليه وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر «٣» - وماء سمرقند منها- فسكر «٤» الوادى، وصرفه عن سمرقند.
ثم رجع إلى بلخ، فلما استقرّ بها سرّح جديعا الكرمانى إلى القلعة التى فيها ثقل الحارث وأصحابه، واسمها التبوشكان من
стр. 8055
طخارستان العليا وفيها بنو برزى «١» التغلبيّون أصهار الحارث، فحصرهم الكرمانى حتى فتحها، وذلك فى سنة [١١٨ هـ] ثمان عشرة، فقتل مقاتلتهم، وسبى عامّة أهلها من العرب والموالى والذّرارى، وباعهم فيمن يزيد فى سوق بلخ.
قال: ونقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بدّ مفارقى فاطلبوا الأمان، وأنا شاهد، فإنهم يجيبونكم. وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت عنا، وخلّنا.
فأرسلوا يطلبون الأمان، فأخبر أسد أنّ القوم ليس لهم طعام ولا ماء، فسرّح إليهم أسد جديعا الكرمانى وستة آلاف، فحصرهم فى القلعة وقد عطش أهلها، وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم، ويترك لهم نساءهم وأولادهم، فأجابهم، فنزلوا على حكم أسد.
فأرسل أسد إلى الكرمانى يأمره أن يحمل إليه خمسون رجلا من وجوههم، فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه فقتلهم، وكتب إلى الكرمانى أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم. ففعل ذلك بهم، وأخرج أثقالهم فباعها، واتخذ أسد مدينة بلخ دارا، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان.
وحجّ بالناس فى سنة [١١٧ هـ] سبع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك.
стр. 8056
سنة (١١٨ هـ) ثمان عشرة ومائة:
فى هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها خالد بن محمد بن هشام بن إسماعيل، وحجّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل. وكان أمير المدينة.
سنة (١١٩ هـ) تسع عشرة ومائة:
ذكر قتل المغيرة وبيان
فى هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان فى ستّة نفر، وكانوا يسمون الوصفاء، وكان المغيرة ساحرا، وكان يقول: لو أردت أن أحيى عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا لفعلت. وبلغ خالد بن عبد الله القسرى خروجهم بظهر الكوفة، وهو يخطب، فقال: أطعمونى ماء، فقال يحيى بن نوفل فى ذلك من أبيات «١» :
وقلت لما أصابك أطعمونى ... شرابا ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ليس بذى نصير
فأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأحرقهم بالقصب والنّفط.
وكان مذهب المغيرة التجسيم؛ يقول: إن ربّه على صورة رجل على رأسه تاج، وإنّ أعضاءه على عدد حروف الهجاء، تعالى الله عن ذلك.
وكان يقول: إنّ الله تعالى لما أراد أن يخلق الخلق تكلّم باسمه
стр. 8057
الأعظم، فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفّه أعمال عباده من المعاصى والطاعات، فلما رأى المعاصى ارفضّ عرقا، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما ملح مظلم، والآخر عذب نيّر، ثم اطّلع فى البحر فرأى ظلّه فذهب ليأخذه، فطار فأدركه فقلع عينى ذلك الظلّ ومحقه، فخلق من عينيه الشمس وشمسا أخرى. وخلق من البحر الملح الكفّار، وخلق من البحر العذب المؤمنين.
وكان [لعنه الله «١» ] يقول بإلهية علىّ وتكفير أبى بكر وعمر وسائر الصحابة رضى الله عنهم إلّا من ثبت مع علىّ رضى الله عنه.
وكان يقول: إنّ الأنبياء لم يختلفوا فى شىء من الشرائع.
وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكلّ نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة.
وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد على القبور.
وأما مذهب بيان فإنه كان يقول بآلهيّة علىّ رضى الله عنه، وإنّ الحسن والحسين إلهان، ومحمد ابن الحنفية بعده، ثم بعد ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ.
وكان يقول: إن الله تعالى يفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله تعالى «٢» : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
. تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
وادّعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
«٣» .
стр. 8058
ذكر خبر الخوارج فى هذه السنة
وفى هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقّب كثارة، وهو من الموصل من شيبان، وكان سبب مخرجه أنه خرج يريد الحجّ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلّا بدرهم، فأتاه بخمر فأمره «١» بردّه فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى صاحب القرية وهى من السّواد، فكلّمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك.
فمضى إلى الحج وقد عزم على الخروج، فلقى بمكّة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها- وهم أربعون رجلا- وأمّروا عليهم البهلول، وكتموا أمرهم، وجعلوا لا يمرّون بعامل إلا أخبروه أنّهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال «٢» ، وأخذوا دوابّ البريد.
فلما أتوا إلى القرية التى ابتاع الغلام منها الخمر قال بهلول:
نبدأ بهذا العامل، فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، وإن بدأنا بهذا شهر أمرنا، وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذى يهدم المساجد، ويبنى البيع والكنائس، ويولى المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات، لعلّنا نقتله.
قال: والله لا أدع ما يلزمنى لما بعده، وأرجو أن أقتل هذا وخالدا، فأتاه فقتله.
فعلم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البرد إلى خالد فأعلموه بهم، فخرج خالد من واسط، فأتى الحيرة، وبها جند قد قدموا
стр. 8059
من الشام مددا لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتالهم، وقال: من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخذ فى الشام، وأعفيته من الدخول إلى الهند.
فسارعوا إلى ذلك، فتوجّه مقدّمهم، وهو من بنى القين، ومعه ستمائة منهم، وضمّ إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات؛ فقال القينى لمن معه من الشّرط: لا تكونوا معنا «١» ليكون الظّفر له ولأصحابه.
وخرج إليهم بهلول، فحمل على القينى فطعنه فأنفذه، وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم، حتى بلغوا الكوفة، ووجد بهلول مع القينى بدرة فأخذها.
وكان بالكوفة ستة يرون رأى «٢» بهلول، فخرجوا فقتلوا بصريفين «٣» ، فخرج بهلول فقال: من قتل هؤلاء، حتى أعطيه هذه البدرة؟ فجاء نفر فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنّونه من عند خالد، وصدّقهم أهل القرية، فقتلهم، وترك أهل القرية.
وبلغ خالدا الخبر، فوجّه إليه قائدا من شيبان أحد بنى حوشب ابن يزيد بن رؤيم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة، فأتوا خالدا، وارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل
стр. 8060
إلى هشام يخبره بهم، ويسأله جندا، فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كثارة بن بشر.
فكتب إليه: إنّ الخارج هو كثارة.
ثم قال بهلول لأصحابه: إنّا والله ما نصنع بابن النصرانيّة شيئا- يعنى خالدا- فلم لا نطلب الرأس الذى سلّط خالدا.
فسار يريد هشاما بالشام، فخاف عمّال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسيّر خالد جندا من العراق، وسيّر عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجّه هشام جندا من الشام، فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم.
وقيل: التقوا بكحيل «١» دون الموصل، ونزل بهلول على باب الدّير، وهو فى سبعين، فحمل عليهم فقتل منهم نفرا ستة، وقاتلهم عامّة نهاره، وكانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل والجراح.
ثم إنّ بهلولا وأصحابه عقروا دوابّهم وترجّلوا، فقاتلوا قتالا شديدا، فقتل كثير من أصحاب بهلول وطعن فصرع، فقال أصحابه:
ولّ أمرنا، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيبانى، فإن هلك فعمرو اليشكرى، ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وتركهم، وخرج عمرو اليشكرى فلم يلبث أن قتل.
وخرج العنزى صاحب الأشهب «٢» على خالد فى ستين فوجه إليه خالد السّمط بن مسلم البجلى فى أربعة آلاف، فالتقوا بناحية
стр. 8061
الفرات، فانهزم الخوارج، فتلقّاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.
ثم خرج وزير السّختيانى على خالد بالحيرة فى نفر، فجعل لا يمرّ بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحدا إلّا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال؛ فوجّه إليه خالد جندا، فقتلوا عامّة أصحابه، وأثخن بالجراح وأتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالد ما سمع منه، فلم يقتله وحبسه عنده. وكان يؤتى به فى الليل فيحادثه، فسعى بخالد إلى هشام.
وقيل: أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الأموال فجعله سميرا، فغضب هشام، وكتب إليه يأمره بقتله، فأخّر قتله، فكتب إليه ثانيا يذمّه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفرا معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ «١» : «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» .
وخرح الصّحارىّ بن «٢» شبيب بن يزيد بناحية جبّل «٣» ، وكان قد أتى خالدا يسأله «٤» الفريضة، فقال له: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى وندم خالد، وخاف أن يفتق عليه فتقا، فطلبه فلم يرجع إليه، وسار حتى أتى جبّل، وبها نفر من بنى تيم اللات ابن ثعلبة، فأخبرهم خبره، فقالوا: وما كنت ترجو من ابن النصرانيّة؟
كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت
стр. 8062
الفريضة، وما أردت إلا التوصّل إليه لئلا ينكرنى، ثم أقتله بفلان- يعنى رجلا من الصّفريّة، كان خالد قتله صبرا.
ثم دعاهم إلى الخروج معه فتبعه منهم ثلاثون رجلا، فخرج بهم، فبلغ خبره خالدا، فقال: قد كنت خفتها منه، ثم وجّه إليه جندا فلقوه بناحية المناذر «١» ، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتلوه وجميع أصحابه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام.
سنة (١٢٠ هـ) عشرين ومائة:
فى هذه السنة توفى أسد بن عبد الله القسرى أمير خراسان فى شهر ربيع الأول بمدينة بلخ، واستخلف جعفر بن حنظلة البهرانى فعمل أربعة أشهر، ثم جاء عهد نصر بن سيار فى شهر رجب من السنة.
ذكر عزل خالد بن عبد الله القسرى وولاية يوسف بن عمر الثّقفى
وفى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدا عن جميع أعماله.
وقد اختلف فى سبب ذلك، فقيل: إن أبا المثنى فرّوخ كان على ضياع هشام بنهر الرّمّان «٢» بالعراق فثقل على خالد أمره، فقال خالد لحسّان النّبطى: اخرج إلى هشام وزد على فرّوخ. ففعل حسّان ذلك وتولّاها، فصار حسّان أثقل على خالد من فروخ، فجعل يؤذيه، فيقول له حسان: لا تفسدنى، وأنا صنيعتك، فأبى إلا أذاه، فلما قدم
стр. 8063
عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج حسّان إلى هشام، فقال له:
إنّ خالدا بثق البثوق على ضياعك، فوجّه هشام من ينظر إليها. وقال حسان «١» لخادم من خدم هشام: إن تكلّمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام فلك عندى ألف دينار. قال: فعجلها فأعطاه، وقال له:
تبكّى صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت، فكأنك ابن خالد الذى غلّته عشرة آلاف «٢» ألف.
ففعل الخادم، فسمعها هشام، فسأل حسان «٣» عن غلّة خالد فقال: ثلاثة عشر ألف ألف، فوقرت فى نفس هشام.
وقيل: بل كانت غلّته عشرين ألف ألف، وإنه حفر بالعراق الأنهار، ومنها نهر «٤» خالد وناجوى «٥» وبارمانا، والمبارك «٦» والجامع، وكورة سابور، والصلح، وكان كثيرا ما يقول: إنّى مظلوم ما تحت قدمى شىء إلّا وهو لى- يعنى أن عمر جعل لبجيلة ربع [خمس] «٧» السواد، وأشار عليه العريان بن الهيثم وبلال بن أبى بردة بعرض أملاكه على هشام ليأخذ منها ما أراد، ويضمنان له الرّضا، فإنهما بلغهما تغيّر هشام عليه، فلم يفعل ولم يجبهم إلى شىء.
وقيل لهشام: إنّ خالدا قال لولده: ما أنت بدون مسلمة بن هشام، وقد كان يذكر هشاما، فيقول: ابن الحمقاء.
стр. 8064
وكان خالد يخطب فيقول: زعمتم أنى أغلى أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله.
وكان هشام كتب إليه لا تبيعنّ من الغلّات شيئا حتى تباع غلّات أمير المؤمنين.
وكان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك ابن أمير المؤمنين؟
فبلغ ذلك كلّه هشاما، فتنكّر له، وبلغه أنه يستقلّ ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يابن أمّ خالد، بلغنى أنك تقول: ما ولاية العراق لى بشرف. يابن «١» اللخناء، كيف لا تكون ولاية العراق لك شرفا، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة! أما والله إنى لأظنّ أنّ أوّل من يأتيك صغير «٢» من قريش يشدّ يديك إلى عنقك.
ولم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله وكتم ذلك، وكتب إلى يوسف بن عمر- وهو باليمن يأمره أن يقدم فى ثلاثين من أصحابه إلى العراق، فقد ولّاه ذلك.
فسار يوسف إلى الكوفة فعرّس «٣» قريبا منها، وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده، فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب، فمرّ بيوسف بعض أهل العراق فسألوه ما أنتم؟
وأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع؛ فأتوا طارقا فأخبروه خبرهم، وأمروه بقتلهم، وقالوا: إنهم خوارج.
وسار يوسف إلى دور ثقيف. فقيل لهم: ما أنتم؟ فكتموا
стр. 8065
حالهم. وأمر يوسف فجمع إليه من هناك من مضر، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر، وأمر المؤذّن فأقام الصلاة. فصلّى، وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما وإنّ القدور لتغلى.
وقيل: لما أراد هشام أن يولّى يوسف العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولى يوسف بكتاب يوسف إلى هشام، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة- وهو على الدّيوان: أجبه عن لسانك، وأتنى بالكتاب.
وكتب هشام بخطّه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق.
فكتب سالم الكتاب وأتاه «١» به، فجعل كتابه فى وسطه وختمه، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزّقت ثيابه، ودفع إليه الكتاب، فسار وارتاب بشير بن أبى ثلجة «٢» وكان خليفة سالم، وقال: هذه حيلة، وقد ولى يوسف العراق. فكتب إلى عياض- وهو نائب سالم بالعراق: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثّوب اليمانى: فإذا أتاك فالبسه، واحمد الله تعالى. وأعلم ذلك طارقا. فأعلم عياض طارق بن أبى زياد بالكتاب، ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض:
إنّ أهلك قد بدا لهم فى إمساك الثوب.
فأتى عياض بالكتاب الثانى إلى طارق، فقال طارق: الخبر فى الكتاب الأول، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر.
وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فرآه داود،
стр. 8066
وكان على حجابة خالد وديوانه، فأعلم خالدا فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير إذن؟ قال: أمر كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزّيه بأخيه أسد، وإنما كان يجب أن آتيه ماشيا، فرقّ خالد ودمعت عيناه، فقال: ارجع إلى عملك. فأخبره الخبر لمّا غاب داود «١» ؛ قال: فما الرّأى؟ قال: تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلنى إليه حتى آتيك بإذنه. قال: ولا هذا. قال:
فاضمن لأمير المؤمنين جمع ما انكسر فى هذه السنين وآتيك بعهده.
قال: وكم مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف. قال: ومن أين أجدها؟
والله ما أجد عشرة آلاف ألف درهم. قال: أتحمّل أنا وفلان وفلان.
قال: إنى إذا للئيم، أن كنت أعطيتكم شيئا وأعود فيه. قال طارق:
إنما نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا، ونستأنف الدّنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجىء من يطالبنا بالأموال. وهى عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال.
فأبى خالد، فودّعه طارق وبكى، وقال: هذا آخر ما نلتقى فى الدنيا، ومضى إلى الكوفة، وخرج خالد إلى الحمّة «٢» ، وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال: أمير المؤمنين: ساخط عليك، وقد ضربنى، ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان، فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطّه بولاية العراق، ويأمره أن يأخذ ابن النّصرانية-
стр. 8067
يعنى خالدا وعمّاله- فيعذّبهم، فأخذه ليلا، وسار من يومه، واستخلف على اليمن ابنه الصّلت، فقدم الكوفة فى جمادى الآخرة سنة [١٢٠ هـ] عشرين ومائة، فنزل النّجف، وأرسل مولاه كيسان، وقال: انطلق فأتنى بطارق، فإن قبل فاحمله على إكاف «١» ، وإن لم يقبل فأت به سحبا، فأتى كيسان الحيرة فأخذ معه عبد المسيح سيّد أهلها إلى طارق، فقال له: إنّ يوسف قد قدم على العراق وهو يستدعيك. فقال له طارق: إن أراد الأمير المال أعطيته ما شاء.
وأقبلوا به إلى يوسف بالحيرة، فضربه ضربا مبرّحا يقال خمسمائة سوط. ودخل الكوفة، وأرسل إلى خالد بالحمّة. فأخذه وحبسه وصالحه عنه أبان بن الوليد على سبعة آلاف ألف، فقيل ليوسف:
لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندم، وقال: قد رهنت لسانى معه، ولا أرجع.
وأخبر أصحاب خالد خالدا، فقال: قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود. ارجعوا، فرجعوا، فأخبروه أن خالدا لم يرض. فقال:
قد رجعتم؟ قالوا: نعم. قال: والله لا أرضى بمثلها ولا مثليها، فأخذ أكثر من ذلك.
وقيل: أخذ مائة ألف ألف، وحبس خالد بن عبد الله بالحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد.
стр. 8068
وكتب يوسف إلى هشام يستأذنه فى تعذيبه، فأذن له مرّة واحدة، فعذّبه ثم رده إلى حبسه.
وقيل: بل عذّبه عذابا كثيرا، وأمر هشام بإطلاقه فى شوال سنة [١٢١ هـ] إحدى وعشرين ومائة، فأطلقه فأتى القرية التى بإزاء الرّصافة، فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين وعشرين.
وخرج زيد بن على بن الحسين [رضى الله عنهم] «١» على ما نذكره إن شاء الله.
فكتب يوسف إلى هشام: إنّ بنى هاشم كانوا قد هلكوا جوعا، فكانت همّة أحدهم قوت عياله، فلما ولى خالد العراق أعطاهم الأموال، فطمحت أنفسهم إلى الخلافة، وما خرج زيد إلّا عن رأى خالد.
فقال هشام: كذب يوسف، وضرب رسوله، وقال: لسنا نتّهم خالدا فى طاعة. وسمع خالد، فسار حتى نزل دمشق، ثم كان من أمره ومقتله ما نذكره إن شاء الله فى سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين ومائة فى أيام الوليد، وكانت ولاية خالد العراق فى شوال سنة [١٠٥ هـ] خمس ومائة، وعزل فى جمادى الآخرة سنة عشرين.
قال: ولما ولى يوسف العراق كان الإسلام ذليلا والحكم إلى أهل الذمّة، فقال يحيى بن نوفل فيه «٢» :
أتانا وأهل الشّرك أهل زكاتنا ... وحكامنا فيما نسرّ ونجهر
فلما أتانا يوسف الخير أشرقت ... له الأرض حتّى كل واد منوّر
وحتى رأينا العدل فى الناس ظاهرا ... وما كان من قبل العقيلىّ يظهر
стр. 8069
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى.
وقيل: حج بهم سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: أخوه يزيد بن هشام، والله أعلم.
سنة (١٢١ هـ) إحدى وعشرين ومائة:
فى هذه السنة كان ظهور زيد بن على بن الحسين بن على [رضى الله عنهم «١» ] على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من آل أبى طالب، فقتل دونها وهو فى السّفر الثالث والعشرين من كتابنا هذا.
وفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذى أدخله البلد، وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، وجعل عليه ثمانين حجرا تطحن. ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى
سنة (١٢٢ هـ) اثنتين وعشرين ومائة:
فى هذه السنة كان مقتل زيد بن على [رضى الله عنه «٢» ] على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر قتل البطال
فى هذه السنة قتل البطّال، وهو أبو الحسين عبد الله الأنطاكى، فى جماعة من المسلمين. وقيل: كان مقتله فى سنة [١٢٣ هـ] ثلاث
стр. 8070
وعشرين ومائة، وكان كثير الغزاة إلى الروم والإغارة على بلادهم، وله عندهم ذكر عظيم، وله حكايات فى غزواته يطول الشّرح بسردها.
حكى أنه دخل بلاد الروم فى بعض غاراته هو وأصحابه، فدخل قرية لهم ليلا وامرأة تقول لصغير يبكى: تسكت وإلّا سلمتك للبطّال، ثم رفعته بيدها، وقالت: يا بطّال خذه، فتناوله من يدها.
وقد وضع الناس له سيرة.
وحجّ بالناس محمد بن هشام المخزومى.
سنة (١٢٣ هـ) ثلاث وعشرين ومائة:
ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد
فى هذه السنة صالح نصر بن سيّار الصّغد، وكان خاقان لما قتل تفرّقت التّرك فى غارة بعضها على بعض، فطمع أهل الصّغد فى الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فراسلهم نصر بن سيّار، ودعاهم إلى الرجوع إلى بلادهم، وأعطاهم ما أرادوا، فاشترطوا شروطا منها ألّا يعاقب من كان مسلما وارتدّ عن الإسلام، ولا يعدى عليهم فى دين لأحد من الناس، ولا يؤخذ أسرى المسلمين من أيديهم إلّا بقضيّة قاض وشهادة عدول.
فعاب الناس ذلك على نصر، فقال: لو عاينتم شوكتهم فى المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم ذلك.
وأرسل رسولا إلى هشام فى ذلك، فأجابه إليه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك.
стр. 8071
سنة (١٢٤ هـ) أربع وعشرين ومائة:
فى هذه السنة وما قبلها كان من خبر شيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل.
سنة (١٢٥ هـ) خمس وعشرين ومائة:
ذكر وفاة هشام بن عبد الملك ونبذة من أخباره
كانت وفاته بالرّصافة لستّ خلون من شهر ربيع الآخر منها، وصلّى عليه ابنه مسلم وكان عمره ستا وخمسين سنة. وقيل أقلّ من ذلك إلى اثنتين وخمسين. ومدة خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر يوما، وكان أحول أبيض سمينا منقلب العينين ربعة يخضب بالسّواد، وكان حسن السياسة يقظا يباشر الأمور بنفسه، وكان له من الستور والكسوة ما لم يكن لمن قبله.
وذكر صاحب العقد «١» : أنه لما حجّ حملت ثياب لباسه «٢» على ستمائة جمل، وكان جمّاعا للأموال شديد البخل كأبيه.
قال عقّال بن شبّة «٣» : دخلت على هشام وعليه قباء أخضر، فجعلت أنظر إليه، فقال: مالك؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن تلى الخلافة قباء مثل هذا. فتأمّلته هل هو هو أم غيره؟
فقال: هو والله هو. وأما ما ترون من جمع المال فهو لكم.
стр. 8072
قيل: وكتب له بعض عمّاله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن «١» . فكتب إليه: قد وصل وأعجب أمير المؤمنين فزد منه واستوثق من الوعاء.
وكتب إليه عامل: قد بعثت بكمأة. فأجابه: قد وصلت الكمأة وهى أربعون، وقد تغيّر بعضها من حشوها، فإذا بعثت شيئا فأجد الحشو فى الظّرف [التى تجعلها فيه] «٢» بالرّمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضه بعضا.
وقيل [له] «٣» : أتطمع فى الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قال:
ولم لا أطمع، وأنا عفيف حليم؟
قالوا: وخلّف من العين أربعة وأربعين ألف ألف دينار، وما لا يحصى من الورق.
ولما مات طلبوا له قمقما من بعض الخزّان يسخّن له الماء فيه، فمنعه عياض كاتب الوليد، فاستعاروا له قمقما من بعض الخزان يسخن له فيه.
وفى أيامه بنى سعيد أخوه قبّة بيت المقدس.
أولاده: كان له عشرة أولاد من الذكور والإناث، منهم: معاوية، وسليمان.
نقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم.
стр. 8073
كتّابه: سعيد بن الوليد، والأبرش الكلبى، ومحمد بن عبد الله ابن حارثة.
قاضيه: محمد بن صفوان الجمحى.
حاجبه: غالب مولاه الأمراء بمصر: محمد بن عبد الملك أخوه، ثم استعفاه فولّاها [بعده أنس بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن العاص، ثم استعفى فولاها] «١» حفص بن الوليد الحضرمى، ثم صرفه وولّاها عبد الملك ابن رفاعة، ثم مات فولّاها أخاه الوليد بن رفاعة، ثم مات فولّاها عبد الرحمن بن خالد التميمى «٢» ، ثم صرفه وولّاها حنظلة بن صفوان، ثم سيّره إلى إفريقية، وولى حفصا.
وكان على قضائها من قبل هشام يحيى بن ميمون الحضرمىّ إلى أن وليها الوليد بن رفاعة فصرفه، وولّاها أبا نضلة الخيار ابن خالد، ثم مات فولى سعيد بن ربيعة الصّدفى، واستعفى، فولى توبة بن يمين «٣» الحضرمى، ثم مات فولّاها جبر «٤» بن نعيم الحضرمى.
ذكر بيعة الوليد بن يزيد
هو أبو العباس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأمه أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف [أخى الحجاج بن يوسف] «٥» الثقفى، وهو الحادى عشر من ملوك بنى أمية.
стр. 8074
بويع له لستّ مضين من شهر ربيع الآخر سنة [١٢٥ هـ] خمس وعشرين ومائة.
قال: وكان يزيد قد جعل ولاية العهد لأخيه هشام من بعده، ثم من بعده للوليد، وكان عمر الوليد إحدى عشرة سنة، ثم عاش يزيد حتى بلغ الوليد خمس عشرة سنة، فكان [يزيد] «١» يقول:
الله بينى وبين من جعل هشاما بينى وبينك «٢» .
فلما ولى هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون واشتهر بشرب الشراب، وكان يؤدّبه عبد الصمد بن عبد الأعلى يحمله على ذلك، واتّخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه، فولّاه الحج سنة [١١٦ هـ] ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا فى صناديق، وعمل قبّة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر، وأراد أن ينصب القبّة على الكعبة ويشرب فيها الخمر، فخوّفه أصحابه، وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك، فلم يفعل.
وظهر للناس منه تهاون بالدّين واستخفاف، فطمع هشام فى البيعة لابنه مسلمة «٣» ، وخلع الوليد، وأراد الوليد على ذلك فأبى، فقال له:
اجعله بعدك، فأبى؛ فتنكّر له هشام، وعمل سرّا فى البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، فكان ممن أجابه خالاه: محمد، وإبراهيم ابنا هشام ابن إسماعيل، وبنو القعقاع بن خليد العبسى وغيرهم من خاصّته.
وأفرط الوليد فى الشراب، وطلب اللذات؛ فقال له هشام: يا وليد،
стр. 8075
والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا؟ ما تدع شيئا من المنكر إلّا أتيته غير متحاش؛ فكتب إليه الوليد «١» :
يأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر
نشربها صرفا وممزوجة ... بالسّخن أحيانا وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له:
يعيرنى الوليد بك، وأنا أرشّحك للخلافة. فألزمه الأدب، وأحضره الجماعة، وولّاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النّسك واللّين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة:
يأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر
الواهب الجرد «٢» بأرسانها ... ليس يزنديق ولا كافر
يعرض بالوليد.
وكان هشام ينتقص الوليد ويعيبه، فخرج الوليد ومعه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق على ماء يقال له الأغدف، وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم.
وقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكاتبه فيه الوليد فلم يجبه إلى ردّه، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده، فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل فى الخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل وسيّره إليه، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه.
فقال الوليد: من يثق بالناس، ومن يصنع المعروف؟ هذا الأحول
стр. 8076
المشئوم أبى، قدّمه على أهل بيته فصيّره ولىّ عهده، ثم يصنع [بى] «١» ما ترون، لا يعلم أنّ لى فى أحد هوى إلا عبث به.
وكتب إلى هشام فى ذلك يعاتبه، ويسأله أن يردّ عليه كاتبه. فلم يردّه، فكتب إليه الوليد «٢» :
رأيتك تبنى دائما «٣» فى قطيعتى ... ولو كنت ذا حزم «٤» لهدّمت ما تبنى
تثير على الباقين مجنى ضغينة ... فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجنى
كأنى بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغنى
كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنّ
قال، ولم يزل الوليد مقيما بتلك البريّة حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذى جاءته فيه الخلافة قال لأبى الزّبير المنذر بن أبى عمرو:
ما أتت علىّ ليلة منذ عقلت عقلى أطول من هذه الليلة، عرضت لى أمور، وحدّثت نفسى فيها بأمور من أمر هذا الرجل- يعنى هشاما- قد «٥» أولع بى، فاركب بنا نتنفّس، فركبا فسارا ميلين، ووقف على كثيب، فنظر إلى رهج «٦» ، فقال: هؤلاء رسل هشام، نسأل الله من خيرهم؛ إذ بدا رجلان على البريد: أحدهما مولى لأبى محمد السّفيانى، فلما قربا نزلا يعدوان حتى دنوا منه، فسلّما عليه بالخلافة،
стр. 8077
فوجم، ثم قال: أمات هشام؟ قالا: نعم والكتاب معنا من سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه؛ وسأل مولى أبى محمد السّفيانى عن كاتبه عياض، فقال «١» : لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت، فأرسل إلى الخزّان فقال: احتفظوا بما فى أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه، فقال: إنا لله، كنا خزّانا للوليد، ومات من ساعته.
وخرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأنزل هشاما عن فرشه وما وجدوا له قمقما يسخّن فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا له كفنا من الخزائن، فكفّنه غالب مولاه، فقال الوليد «٢» :
هلك الأحول المشو ... م فقد أرسل المطر
وملكنا من بعد ذا ... ك، فقد أورق الشجر
فاشكر الله إنّه ... زائد كلّ من شكر
وقيل: إنّ هذا الشعر لغير الوليد.
قال: ولما سمع الوليد بموته كتب إلى العباس بن عبد الملك ابن مروان أن يأتى الرّصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وحشمه إلّا مسلمة بن هشام فإنه كان يكلم أباه فى الرفق بالوليد، فقدم العباس الرّصافة ففعل ذلك وكتب به إلى الوليد، فقال الوليد «٣» :
ليت هشاما كان حيّا يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا
стр. 8078
ليت «١» هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبّعا «٢»
كلناه بالصّاع الذى كاله «٣» ... وما ظلمناه به إصبعا «٤»
وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحلّه الفرقان لى أجمعا
وضيّق الوليد على أهل هشام وأصحابه، واستعمل العمّال، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم.
قال: ولما ولى الوليد أجرى على زمنى أهل الشام وعميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الكسوة والطّيب، وزادهم؛ وزاد الناس فى العطاء عشرات؛ ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة، وزاد الوفود، ولم يقل فى شىء يسأله: لا.
وفى هذه السنة، عقد الوليد البيعة لابنيه: الحكم، وعثمان من بعده، وكتب بذلك إلى الأمصار، وجعل الحكم مقدما والآخر من بعده.
وفيها استعمل الوليد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه محمدا وإبراهيم ابنى هشام ابن إسماعيل المخزومى موثقين فى عباءتين؛ فقدم بهما المدينة فى شعبان، فأقامهما للناس، ثم حملا إلى الشام، فأحضرا عند الوليد، فأمر، بجلدهما، فقال محمد: نسألك القرابة. قال: وأىّ قرابة بيننا!
стр. 8079
قال: فقد نهى رسول الله ﷺ أن يضرب بسوط إلّا فى حد. قال: ففى حدّ أضربك وقود، أنت أوّل من فعل بالعرجى وهو ابن عمى؛ وابن أمير المؤمنين عثمان- وكان محمد قد أخذه وقيّده وأقامه للناس وجلده، وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجى «١» إياه، ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم أوثقهما، وبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو على العراق فعذّبهما حتى ماتا.
وفيها عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولّى القضاء يحيى بن سعيد الأنصارى.
وفيها خرجت الروم إلى زبطرة «٢» وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهرى، فأخربه الروم الآن فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال.
فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعّثوه، فأمر المأمون بمرمّته وتحصينه، ثم قصده الروم بعد ذلك أيام المعتصم.
وفيها أغزى الوليد أخاه الغمر بن يزيد، وأمّر على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربى، وسيّره إلى قبرس ليخيّر أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فاختارت طائفة جوار المسلمين، فسيّرهم إلى الشام، واختار آخرون الروم فسيّرهم إليهم.
стр. 8080
وحجّ بالناس فى هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف. وغزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة.
سنة (١٢٦ هـ) ست وعشرين ومائة:
ذكر مقتل خالد بن عبد الله القسرى وشىء من أخباره
قد ذكرنا من أخباره فى سنة [١٢٠ هـ] عشرين ومائة ما تقدم، وذكرنا أنه لما أفرج عنه سار من الحيرة إلى دمشق.
قال: ولما قدمها كان العامل عليها يومئذ كلثوم بن عياض القشيرى، وكان يبغض خالدا، واتفق أنه ظهر فى دور [دمشق «١» ] حريق فى كل ليلة، يلقيه «٢» رجل من أهل العراق يقال له: أبو العمرّس «٣» فإذا وقع الحريق يسرقون.
وكان أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام: إنّ موالى خالد يريدون الوثوب على بيت المال، وإنهم يحرقون البلد كلّ ليلة.
فكتب هشام إليه يأمره بحبس آل خالد: الصغير منهم والكبير ومواليهم، فأنفذ من أحضر أولاده وإخوته من الساحل فى الجوامع «٤» ، ومعهم مواليهم، وحبس بنات خالد والنساء والصبيان، ثم ظهر على أبى العمرّس ومن كان معه.
стр. 8081
فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام بأخذ أبى العمرّس وأصحابه بأسمائهم وقبائلهم، ولم يذكر فيهم أحدا من موالى خالد.
فكتب هشام إلى كلثوم يسبّه ويأمره بإطلاق آل خالد، فأطلقهم وترك الموالى رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة.
ثم قدم خالد فنزل منزله بدمشق، وجاءه الناس للسلام عليه، فقال: خرجت مغازيا سميعا مطيعا، فخلفت فى عقبى، وأخذ حرمى وأهل بيتى فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابة منكم أن تقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع؟
أخفتم أن تقتلوا جميعا؟ أخافكم الله.
ثم قال: مالى ولهشام ليكفّنّ عنى أو لأدعونّ إلى عراقى الهوى، شامى الدّار، حجازى الأصل- يعنى محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
ولقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشاما.
فلما بلغه قال: قد خرف أبو الهيثم، واستمرّ خالد مدة أيام وهو بدمشق ويوسف بن عمر يطلب ابنه يزيد بن خالد، فلم يظفر به، وبذل فيه لهشام خمسين ألف ألف.
فلما هلك هشام وقام الوليد بعده كتب إلى خالد: ما حال الخمسين ألف ألف التى تعلم؟ واستقدمه، فقدم عليه حتى وقف بباب سرادق الوليد، فأرسل إليه الوليد يقول: أين ابنك يزيد؟ فقال: كان [قد] «١» هرب من هشام، وكنا نراه عند أمير المؤمنين، فلما لم نره
стр. 8082
ظنناه ببلاد قومه من الشّراة. فرجع الرسول، فقال: لا، ولكنك خلّفته طلبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهل بيت طاعة.
فرجع الرسول فقال: يقول أمير المؤمنين: لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوته، وقال: قل له: هذا والله أردت، لو كان تحت قدمى ما رفعتها عنه.
فأمر الوليد بضربه فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف ابن عمر من العراق بالأموال، فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل إليه الوليد: إنّ يوسف قد اشتراك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلّا دفعتك إليه.
فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألنى أن أضمن عودا ما ضمنته، فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه، وحمله على بعير بغير وطاء، وعذّبه عذابا شديدا، وهو لا يكلّمه كلمة واحدة، ثم حمله إلى الكوفة فعذّبه، ووضع المضرّسة على صدره فقتله، ودفنه من الليل [بالحيرة «١» ] فى العباءة التى كان فيها، وذلك فى المحرم سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين ومائة.
وقيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود، وقام عليه الرّجال حتى تكسّرت قدماه، وما تكلّم ولا عبس، ثم على ساقيه وفخذيه.
ثم على صدره حتى مات.
وكانت أمّ خالد نصرانية رومية استلبها أبوه، فأولدها خالدا
стр. 8083
وأسدا، ولم تسلم، وبنى لها خالد بيعة فذمّه الناس على ذلك، فقال الفرزدق «١» :
ألا قطع الرحمن ظهر مطيّة ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد
فكيف يؤمّ الناس من كانت امّه ... تدين بأنّ الله ليس بواحد
بنى بيعة فيها النصارى لأمّه ... ويهدم من كفر منار المساجد
وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد؛ لأنه بلغه أنّ شاعرا قال «٢» :
ليتنى فى المؤذّنين حياتى ... إنهم يبصرون من فى السطوح
ويشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كلّ ذات دلّ مليح
فلما بلغ خالدا هذا الشّعر أمر بهدمها.
ولما بلغه أنّ الناس يذمّونه لبنائه البعية لأمّه قام يعتذر إليهم، فقال: لعن الله دينهم إن كان شرّا من دينكم.
وحكى عنه أنه كان يقول: إنّ خليفة الرجل فى أهله أفضل من رسوله إليهم- يعنى أنّ هشاما أفضل من رسول الله ﷺ ، نبرأ إلى الله من ذلك.
وكان خالد يصل الهاشميين فى أيام إمارته، ويبرّهم، إلا أنه كان يبالغ فى سبّ على رضى الله عنه، ويلعنه، فقيل: إنه كان يفعل ذلك نفيا للتهمة، وتقرّبا إلى بنى أمية، فأتاه مرة محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان يستميحه «٣» ، فلم ير منه
стр. 8084
ما يحب، فقال: أمّا الصّلة فللها شميين، وليس لنا منه إلا أن يلعن «١» عليّا، فبلغ خالدا كلامه، فقال: إن أحبّ نلنا عثمان بشىء؛ [يريد بشىء «٢» ] من اللّعن أو السب، والله تعالى أعلم.
ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وشىء من أخباره
كان مقتله يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الاخرة سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين ومائة.
وكان سبب ذلك ما قدّمناه من اشتهاره باللهو واللّعب والخلاعة، فلما ولى الخلافة ما زاد إلّا تماديا وإصرارا، واشتهر بمنادمة القيان وشرب النبيذ، فثقل ذلك على رعيّته وجنده، وكرهوه؛ فكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساد بنى عمّيه: هشام، والوليد؛ فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمّان من أرض الشام، فحبسه بها، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد.
وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عثمان بن الوليد فى ردّها، فقال: لا أردّها. فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك، وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وفرّق بين روح بن الوليد وبين امرأته، وحبس عدّة من ولد الوليد، فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة لبنى أمية، وكان أشد الناس عليه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النّسك ويتواضع.
стр. 8085
وكان سعيد بن بيهس بن صهيب قد نهاه عن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات، وفعل بخالد القسرى ما ذكرناه ففسدت عليه اليمانية وقضاعة، وهم أكثر جند الشام؛ وكان حريث وشبيب بن أبى مالك الغسّانى، ومنصور بن جمهور الكلبى؛ وابن عمه حبال ابن عمرو، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحميد بن نصر اللّخمى، والأصبغ ابن ذؤالة والطّفيل «١» بن حارثة، والسرى بن زياد، أتوا خالد بن ابن عبد الله القسرى، فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم، وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يقتلوه، فنهاه عن الحج، فقال: ولم؟
فلم يخبره، فحبسه، وطالبه بأموال العراق ثم سلّمه إلى يوسف ابن عمر كما تقدم، فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية.
وقيل: بل قاله الوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد «٢» :
ألم تهتج فتدكر «٣» الوصالا ... وحبلا كان متّصلا فزالا
بلى فالدّمع «٤» منك إلى انسجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا
فدع عنك ادّكارك آل سعدى ... فنحن الأكثرون حصى «٥» ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا ... نسومهم المذلّة والنّكالا
стр. 8086
وطئنا الأشعرى «١» بعزّ قيس ... فيالك وطأة لن تستقالا
وهذا خالد فينا أسيرا «٢» ... ألا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيّدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عزّ ... لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا ... يعالج «٣» من سلاسلنا الثّقالا
وكندة والسّكون فما استقاموا ... ولا برحت خيولهم الرّحالا
بها سمنا «٤» البريّة كلّ خسف ... وهدّمنا السهولة والجبالا
ولكنّ الوقائع ضعضعتهم ... وجذّتهم «٥» وردّتهم شلالا
فما زالوا لنا أبدا عبيدا ... نسومهم المذلّة والسفالا
فأصبحت الغداة علىّ تاج ... لملك الناس لا يبغى «٦» انتقالا
فعظم ذلك عليهم، وسعوا فى قتله، وازدادوا حنقا، وقال حمزة ابن بيض «٧» فى الوليد:
وصلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعد ما ... زعمت سماء الذلّ «٨» عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيّا يسوسنا ... وكنا كما كنّا نرجّى ونطمع
стр. 8087
وقال أيضا «١» :
يا وليد الخنا «٢» تركت الطّريقا ... واضحا وارتكبت فجّا عميقا
وتماديت واعتديت وأسرف ... ت وأغويت وانبعثت فسوقا
أبدا هات ثم هات وهاتى ... ثم هاتى حتى تخرّ صعيقا
أنت سكران لا تفيق فماتر ... تق فتقا إلّا فتقت «٣» فتوقا
فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فاستشار عمر بن زيد الحكمى، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس؛ فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع؛ فإن أبيت إلا المضىّ على رأيك فأظهر أنّ أخاك العباس قد بايعك.
وكان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادى، وكان العباس بالقسطل «٤» ويزيد بالبادية أيضا، فأتى يزيد العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سرّا، وبثّ دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس أيضا فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزبره «٥» ، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدّنّك وثاقا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين.
فخرج من عنده، فقال العباس: إنّى لأظنّه أشأم مولود فى بنى مروان.
стр. 8088
وبلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية. فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم ويحذرهم الفتنة ويخوّفهم خروج الأمر عنهم. فأعظم سعيد ذلك، وبعث الكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد وتهدّده؛ فكتمه يزيد أمره فصدّقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إنى أظنّ الله قد أذن فى هلاككم يا بنى أمية، ثم تمثل «١» :
إنى أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إنّ البريّة قد ملّت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدّين وارتدعوا
لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا «٢»
لا تبقرنّ بأيديكم بطونكمو ... فثمّ لا حسرة تغنى ولا جزع
قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو بالبادية أقبل إلى دمشق، وكان بينه وبينها أربع ليال، وجاء متنكرا فى سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود- وهى على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق ليلا، وقد بايع له أكثر أهلها سرّا، وبايع أهل المزّة «٣» ؛ وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخرج منها للوباء، فنزل قطنا «٤» ، واستخلف على دمشق ابنه، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى؛ فأجمع يزيد على الظّهور، فقيل للعامل:
إنّ يزيد «٥» خارج فلم يصدّق، وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب
стр. 8089
ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّن بالعشاء؛ فدخلوا المسجد فصلّوا، وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلّى الناس أخرجهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق فى المسجد غيرهم، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه، وأخذ بيده، فقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله وعونه. فقام، وأقبل فى اثنى عشر رجلا.
فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم، ولقيهم زهاء مائتى رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأتوا باب المقصورة فضربوه، وقالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادم فدخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزّان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد «١» بن عبيدة وهو على بعلبك، وأرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه، وكان بالمسجد سلاح كثير، فأخذوه.
فلما أصبحوا جاء أهل المزّة وتبايع الناس، وجاءت السكاسك، وأقبل أهل داريّا ويعقوب بن عمير بن هانىء العبسى «٢» .
وأقبل عيسى بن شبيب التغلبى وأهل دومة وحرستا، وأقبل
стр. 8090
حميد بن حبيب اللخمى «١» فى أهل دير مرّان «٢» والأرزة وسطرا «٣» وأقبل أهل جرش «٤» وأهل الحديثة «٥» وديرزكى «٦» .
وأقبل ربعىّ بن هاشم «٧» الحارثى فى الجماعة من بنى عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم.
ثم وجّه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فى مائتى فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد الرحمن خرجين فى كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين، فقال: لا تتحدث العرب عنى أنى أوّل من خان فى هذا الأمر.
ثم جهّز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وسيّرهم إلى الوليد. وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه، وأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد وحبسه، وسيّر أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق، وأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد، فبايع يزيد.
следующие страницы →