← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

وطئنا الأشعرى «١» بعزّ قيس ... فيالك وطأة لن تستقالا وهذا خالد فينا أسيرا «٢» ... ألا منعوه إن كانوا رجالا عظيمهم وسيّدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا فلو كانت قبائل ذات عزّ ... لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوبا أسيرا ... يعالج «٣» من سلاسلنا الثّقالا وكندة والسّكون فما استقاموا ... ولا برحت خيولهم الرّحالا بها سمنا «٤» البريّة كلّ خسف ... وهدّمنا السهولة والجبالا ولكنّ الوقائع ضعضعتهم ... وجذّتهم «٥» وردّتهم شلالا فما زالوا لنا أبدا عبيدا ... نسومهم المذلّة والسفالا فأصبحت الغداة علىّ تاج ... لملك الناس لا يبغى «٦» انتقالا فعظم ذلك عليهم، وسعوا فى قتله، وازدادوا حنقا، وقال حمزة ابن بيض «٧» فى الوليد: وصلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعد ما ... زعمت سماء الذلّ «٨» عنا ستقلع فليت هشاما كان حيّا يسوسنا ... وكنا كما كنّا نرجّى ونطمع

стр. 8087

وقال أيضا «١» : يا وليد الخنا «٢» تركت الطّريقا ... واضحا وارتكبت فجّا عميقا وتماديت واعتديت وأسرف ... ت وأغويت وانبعثت فسوقا أبدا هات ثم هات وهاتى ... ثم هاتى حتى تخرّ صعيقا أنت سكران لا تفيق فماتر ... تق فتقا إلّا فتقت «٣» فتوقا فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فاستشار عمر بن زيد الحكمى، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس؛ فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع؛ فإن أبيت إلا المضىّ على رأيك فأظهر أنّ أخاك العباس قد بايعك. وكان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادى، وكان العباس بالقسطل «٤» ويزيد بالبادية أيضا، فأتى يزيد العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سرّا، وبثّ دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس أيضا فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزبره «٥» ، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدّنّك وثاقا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين. فخرج من عنده، فقال العباس: إنّى لأظنّه أشأم مولود فى بنى مروان.

стр. 8088

وبلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية. فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم ويحذرهم الفتنة ويخوّفهم خروج الأمر عنهم. فأعظم سعيد ذلك، وبعث الكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد وتهدّده؛ فكتمه يزيد أمره فصدّقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إنى أظنّ الله قد أذن فى هلاككم يا بنى أمية، ثم تمثل «١» : إنى أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع إنّ البريّة قد ملّت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدّين وارتدعوا لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا «٢» لا تبقرنّ بأيديكم بطونكمو ... فثمّ لا حسرة تغنى ولا جزع قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو بالبادية أقبل إلى دمشق، وكان بينه وبينها أربع ليال، وجاء متنكرا فى سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود- وهى على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق ليلا، وقد بايع له أكثر أهلها سرّا، وبايع أهل المزّة «٣» ؛ وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخرج منها للوباء، فنزل قطنا «٤» ، واستخلف على دمشق ابنه، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى؛ فأجمع يزيد على الظّهور، فقيل للعامل: إنّ يزيد «٥» خارج فلم يصدّق، وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب

стр. 8089

ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّن بالعشاء؛ فدخلوا المسجد فصلّوا، وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلّى الناس أخرجهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق فى المسجد غيرهم، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه، وأخذ بيده، فقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله وعونه. فقام، وأقبل فى اثنى عشر رجلا. فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم، ولقيهم زهاء مائتى رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأتوا باب المقصورة فضربوه، وقالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادم فدخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزّان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد «١» بن عبيدة وهو على بعلبك، وأرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه، وكان بالمسجد سلاح كثير، فأخذوه. فلما أصبحوا جاء أهل المزّة وتبايع الناس، وجاءت السكاسك، وأقبل أهل داريّا ويعقوب بن عمير بن هانىء العبسى «٢» . وأقبل عيسى بن شبيب التغلبى وأهل دومة وحرستا، وأقبل

стр. 8090

حميد بن حبيب اللخمى «١» فى أهل دير مرّان «٢» والأرزة وسطرا «٣» وأقبل أهل جرش «٤» وأهل الحديثة «٥» وديرزكى «٦» . وأقبل ربعىّ بن هاشم «٧» الحارثى فى الجماعة من بنى عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم. ثم وجّه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فى مائتى فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد الرحمن خرجين فى كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين، فقال: لا تتحدث العرب عنى أنى أوّل من خان فى هذا الأمر. ثم جهّز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وسيّرهم إلى الوليد. وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه، وأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد وحبسه، وسيّر أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق، وأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد، فبايع يزيد.

стр. 8091

ولما أتى الخبر الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: سر حتى تنزل حمص، فإنها حصينة، ووجّه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر. فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغى للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، والله» يؤيّد أمير المؤمنين بنصره «٢» . فأخذ بقول ابن عنبسة، وسار حتى أتى البخراء «٣» - قصر النعمان بن بشير، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا، فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح! فلم يعطهم شيئا، ونازله عبد العزيز. وكتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إنى آتيك. فأخرج الوليد سريرا وجلس عليه ينتظر العبّاس، فقاتلهم عبد العزيز، ومعه منصور بن جمهور، فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبى، يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، فقتله أصحاب الوليد واقتتلوا قتالا شديدا. وكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذى كان قد عقده بالجابية. وبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن

стр. 8092

جمهور إلى طريقه، فأخذه قهرا، وأتى به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد، فبايع، ووقف ونصبوا راية، فقالوا: هذه راية العباس [قد بايع لأمير المؤمنين يزيد، فقال العباس] «١» : إنا لله! خدعة من خدع الشيطان، هلك والله بنو مروان. فتفرّق الناس عن الوليد، وأتوا العباس وعبد العزيز، وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقى، ويؤمّنه من كل حدث، على أن ينصرف عن قتاله، فأبى ولم يجبه، فظاهر الوليد من درعين، وأتوه بفرسيه «٢» : السندى، والزائد «٣» ، فقاتلهم قتالا شديدا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارجموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب، وقال «٤» : دعوا لى سليمى «٥» والطّلاء وقينة ... وكأسا، ألا حسبى بذلك مالا إذا ما صفا عيشى «٦» برملة عالج ... وعانقت سلمى لا أريد بدالا خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم ... ثباتا يساوى «٧» ما حييت عقالا وخلّوا عنانى قبل عير «٨» وما جرى ... ولا تحسدونى أن أموت هزالا

стр. 8093

قال: وأحاط عبد العزيز بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! قال يزيد ابن عنبسة السكسكى: كلّمنى. قال: يا أخا السّكاسك، ألم أزد فى أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم؛ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك فى أنفسنا، إنما ننقم عليك فيما حرّم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله. قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمرى لقد أكثرت، وإن فيما أحلّ الله سعة عما ذكرت. ورجع وجلس، وأخذ مصحفا، ونشره يقرأ فيه، وقال: يوم كيوم عثمان. فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد ابن عنبسة، فنزل إليه، وأخذ بيده، وهو يريد أن يحبسه، ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة؛ فيهم: منصور بن جمهور، وعبد السلام اللخمى، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السرىّ «١» بن زياد بن أبى كبشة على وجهه، واحتزّوا رأسه، وبعثوا به إلى يزيد، فأتاه الرأس وهو يتغدى، فسجد وأمر بنصب الرأس. فقال له يزيد بن فروة مولى بنى مرّة: إنما تنصب رءوس الخوارج؛ وهذا رأس ابن عمك وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته. فلم يسمع منه، ونصبه على رمح، وطاف به دمشق؛ ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال:

стр. 8094

بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادنى على نفسى الفاسق- وكان سليمان ممّن سعى فى أمره. وحكى يزيد بن عنبسة ليزيد بن الوليد أنّ الوليد قال فى آخر كلامه: والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم. وكانت مدة خلافة الوليد سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة. وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة. وقيل: إحدى وأربعين. وقيل: ست وأربعين سنة. والله أعلم. وكان الوليد من فتيان بنى أمية وظرفائهم وشجعانهم، وأجوادهم، جيّد الشّعر، له أشعار حسنة فى الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك، إلا أنه كان كثير الانهماك فى اللهو والشّرب وسماع الغناء. ومن كلامه: المحبة للغناء تزيد الشهوة، وتهدم المروءة، وتنوب عن الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنى، وإنى لأقول ذلك على أنه أحب إلىّ من كل لذة، وأشهى إلى نفسى من الماء إلى ذى الغلّة، ولكن الحقّ أحقّ أن يتّبع. ومما اشتهر عنه أنه استفتح المصحف الكريم، فخرج له قوله

стр. 8095

تعالى «١» : «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ» . فألقاه ونصبه غرضا، ورماه بالسهام، وقال «٢» : تهدّدنى بجبّار عنيد ... فهأنا ذاك جبّار عنيد إذا ما جئت ربّك يوم حشر ... فقل يا ربّ مزّقنى الوليد فلم يلبث بعد ذلك إلّا يسيرا حتى قتل. هذا هو المشهور عنه. وروى أبو الفرج الأصفهانى بسنده إلى العلاء البندار، قال: كان الوليد زنديقا، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول مقالة الثّنوية، فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبىّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لى منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء، فدنوت، فرفع الحريرة فإذا فى السفط صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر «٣» قد جعلا فى جفنه. فجفنه يطرف كأنه يتحرّك، فقال: يا علاء، هذا مانى، لم يبعث الله نبيا قبله، ولا يبعث نبيا بعده؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله ولا يغرنّك هذا الذى ترى من دينك. فقال الكلبى: يا أمير المؤمنين، قد قلت لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: ومكثت «٤» أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان

стр. 8096

[قد «١» ] بناه فى عسكره يشرف منه والكلبىّ عنده إذ نزل من عنده، وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج «٢» أشقر من أفخر ما سخّر، فخرج على برذونه، فمضى فى الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به يحملونه منفسحة عنقه، وبرذونه يقاد، حتى أسلموه. فبلغنى ذلك، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب، وكانت لهم أبيات بالقرب من أرض البحر لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو الله لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهيته، فعجبنا لذلك إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه، فاحتمله، ثم نكسه. وضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به. وقد نزّه قوم الوليد عما قيل، وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه اختلق عليه وألصق به، وليس بصحيح. حكى عن شبيب بن شيبة أنه قال: كنّا جلوسا عند المهدى، فذكروا الوليد، فقال المهدى: كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله أعدل من أن يولّى خلافة النبوة وأمر الأمّة زنديقا، لقد أخبرنى من كان يشهده فى ملاعبه وشربه عنه بمروءة فى طهارته وصلاته؛ فكان إذا حضرت الصلاة

стр. 8097

يطرح الثياب التى عليه المطيّبة المصبّغة، ثم يتوضّأ فيحسن الوضوء، ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها، ويصلى فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها، واشتغل بشربه ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله! فقال المهدى: بارك الله عليك يابن علاثة. وللوليد كلام حسن؛ فمن أحسن كلامه ما قاله لهشام بن عبد الملك لما مات مسلمة بن عبد الملك وقعد هشام للعزاء، فأتاه الوليد وهو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقى لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصّيد لمن رمى، واختلّ الثّغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضى من خلف؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى. فأعرض هشام ولم يحر جوابا، وسكت القوم فلم ينطقوا. والوليد أوّل خليفة عدّ الشّعر وأجاز عن كلّ بيت ألف درهم، فإن يزيد بن ضبّة مولى ثقيف مدحه وهنّأه «١» بالخلافة فأمر أن تعدّ الأبيات ويعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطى خمسين ألف درهم. قال: ودفن الوليد بباب الفراديس بدمشق. وقيل: إنه قتل بأرض حمص. وحكى الدّولابى أن رأس الوليد نصب فى مسجد دمشق ولم يزل

стр. 8098

أثر دمه على الجدار إلى أن قدم المأمون دمشق فى سنة [٢١٥ هـ] خمس عشرة ومائتين، فأمر بحكّه. وكان الوليد أبيض ربعة قد وخطه الشّيب. وكان نقش خاتمه: يا وليد، احذر الموت. وكان له من الأولاد الذكور والإناث ثلاثة عشر. كاتبه: العباس بن مسلم. قاضيه: محمد بن صفوان الجمحى. حاجبه: قطرى مولاه. الأمير بمصر: حفص بن الوليد الحضرمى، ثم صرفه عن الخراج. قاضيها: حسين بن نعيم [والله أعلم «١» ] . ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص هو أبو خالد يزيد بن الوليد «٢» بن عبد الملك بن مروان؛ ولقّب بالناقص؛ لأنه نقص الزيادات التى كان الوليد زادها فى أعطيات الناس، وهى عشرة عشرة، وردّ العطاء إلى أيام هشام. وقيل: أول من لقّبه بهذا اللقب مروان بن محمد. وأم يزيد شاه آفريد «٣» بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار. بويع له لليلتين بقيتا من جمادى الاخرة سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين ومائة.

стр. 8099

قال: ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمّ الوليد، وذكر إلحاده، وأنه قتله لفعله الخبيث، وقال: أيها الناس، إنّ لكم علىّ ألّا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكرو «١» نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجة وولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذى يليه، ولا أجمّركم فى ثغوركم فأفتنكم. ولا أغلق بابى دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ولكم أعطياتكم كل سنة وأرزاقكم فى كل شهر، حتى يكون أقصاكم كأدناكم؛ فإن وفّيت بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أوف «٢» فلكم أن تخلعونى، إلّا أن أتوب، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه. أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. [والله الموفّق بمنّه وكرمه «٣» ] . ذكر اضطراب أمر بنى أمية وفى سنة ست وعشرين ومائة فى أيام يزيد هذا اضطرب أمر بنى أميّة، وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام ابن عبد الملك بعمان، وكان الوليد قد حبسه بها، فلما قتل خرج

стр. 8100

من الحبس، وأخذ ما كان بها من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر. ومن ذلك خلاف أهل حمص وفلسطين: ذكر خلاف أهل حمص قال: ولما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكى عليه. وقيل لهم: إنّ العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، فهدموا داره، وانتهبوها، وسلبوا حريمه، وطلبوه؛ فسار إلى أخيه يزيد، وكاتب أهل حمص الأجناد، ودعوهم إلى الطّلب بدم الوليد، فأجابوهم واتفقوا على ألّا يطيعوا يزيد، وأمّروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، ووافقهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك على ذلك، فراسلهم يزيد، فأخرجوا رسله، فسيّر إليهم أخاه مسرورا فى جمع كثير، فنزلوا حوّارين «١» ، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام، فردّ عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، وسيّره إلى أخيه مسرور، وأمرهم بالسّمع والطاعة له؛ وكان أهل حمص يريدون السير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد الله: أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم، فإن ظفرتم بهم كان ما بعدهم أهون عليكم، ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم. فقال السّمط بن ثابت: إنما يريد خلافكم، وهو مائل «٢» .

стр. 8101

ليزيد، فقتلوه وقتلوا ابنه، وولّوا عليهم أبا محمد السفيانى، وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار، وساروا إلى دمشق، فخرج سليمان مجدّا فى طلبهم، فلحقهم بالسّليمانية- مزرعة كانت لسليمان ابن عبد الملك خلف عذراء «١» . وأرسل يزيد عبد العزيز بن الحجاج فى ثلاثة آلاف إلى ثنيّة العقاب، وأرسل هشام بن مصاد فى ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية. وأمرهم أن يمدّ بعضهم بعضا، ولحقهم سليمان على تعب مقاتلتهم «٢» ، فانهزمت ميمنته وميسرته، وثبت هو فى القلب، ثم حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردّوهم إلى موضعهم، وحمل بعضهم على بعض مرارا. فبينما هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنيّة العقاب، فحمل على أهل حمص حتى دخل عسكرهم، وقتل فيه من عرض له، فانهزموا ونادوا: يا يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى! الله الله فى قومك! فكفّ الناس، وأخذ أبو محمد السّفيانى أسيرا، ويزيد بن خالد بن معاوية، فأتى بهما سليمان فسيّرهما إلى يزيد فحبسهما. واجتمع أمر أهل دمشق ليزيد، وبايعه أهل حمص، فأعطاهم العطاء، وأجاز الأشراف؛ واستعمل عليهم يزيد بن الوليد ابن معاوية بن يزيد بن الحصين.

стр. 8102

ذكر خلاف أهل فلسطين وفى هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، وكان الوليد قد استعمله عليهم، فأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، فدعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه إلى ذلك؛ وبلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين، فولّوا عليهم محمد بن عبد الملك، واجتمعوا «١» معهم على قتال يزيد ابن الوليد، فبعث يزيد إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك فى أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفيانى، وعدّتهم أربعة آلاف ونيّف، فبايع الناس ليزيد، واستعمل ضبعان «٢» بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن. ذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق وما كان من أمره، واستعمال منصور بن جمهور وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق، واستعمل منصور بن جمهور، وقال له لمّا ولّاه العراق: اتّق الله واعلم أنى إنما قتلت الوليد لفسقه، ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه. فسار حتى إذا بلغ عين «٣» التّمر كتب إلى من بالحيرة من قوّاد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد وتأميره على العراق ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث بالكتب

стр. 8103

كلّها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القوّاد، فحبس الكتب؛ وحمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر، فتحيّر فى أمره، وقال: ما الرّأى يا سليمان؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشام معك، ولا آمن عليك منصورا. وما الرأى إلّا أن تلحق بشامك. قال: فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له فى خطبتك؛ فإذا قرب منصور تستخفى عندى وتدعه والعمل. ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤوى «١» يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، فلم «٢» ير رجل كان مثل عتوّه خاف مثل خوفه. وقدم منصور الكوفة فحضّهم وذمّ الوليد ويوسف، وقامت الخطباء فذمّوهما معه، فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف، فأخبره: فجعل لا يذكر له رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال: لله علىّ أن أضربه كذا وكذا سوطا؛ فجعل عمرو يتعجّب من طمعه فى الولاية. ويهدّده الناس. وسار يوسف من الكوفة سرّا إلى الشام، فنزل البلقاء «٣» . فلما بلغ خبره يزيد بن الوليد وجّه إليه خمسين فارسا، فعرض رجل من بنى نمير ليوسف، وقال: يابن عمر، أنت والله مقتول، فأطعنى وامتنع.

стр. 8104

قال: لا، فدعنى أقتلك أنا ولا تقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك. قال: ما لى فيما عرضت خيار، فطلبه المسيّرون إليه، فلم يروه، فتهدّدوا ابنا له، فقال لهم: انطلق إلى مزرعة له، فساروا فى طلبه، فلما أحسّ بهم هرب وترك نعليه، ففتّشوا عليه فوجدوه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، وأخذوه، وأقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس، فأخذ بلحيته ونتف بعضها، وكان من أعظم الناس لحية، وأصغرهم قامة. فلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، وهى إلى سرّته، وجعل يقول: يا أمير المؤمنين؛ نتفت والله لحيتى، حتى لم يبق فيها شعرة؛ فأمر به فحبس فى الخضراء فأتاه إنسان فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من وترت فيلقى عليك حجرا فيقتلك؟ قال «١» : ما فطنت لهذا، فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحوّل إلى حبس «٢» غير الخضراء، وإن كان أضيق منه، فعجبوا من حمقه، فنقله وحبسه مع ابنى الوليد، فبقى فى الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم. فلما قرب مروان من دمشق ولى يزيد بن خالد [القسرى] «٣»

стр. 8105

مولى لأبيه يقال له أبو الأسد «١» قتلهم «٢» ، فقتل الحكم وعثمان ويوسف على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وكان يوسف بن عمر يحمّق، وفيه أشياء متباينة متناقضة؛ كان طويل الصلاة، ملازما للمسجد، ضابطا لحشمه وأهله عن الناس، ليّن الكلام، متواضعا، حسن المملكة كثير التضرّع والدعاء، فكان يصلّى الصّبح، ولا يكلم أحدا حتى يصلى الضّحى، وهو فيما بين ذلك يقرأ القرآن ويتضرّع، وكان بصيرا بالشعر والأدب، وكان شديد العقوبة، مسرفا فى ضرب الأبشار، وكان يأخذ الثوب الجيّد فيمر ظفره عليه فإن تعلّق به طاقه ضرب صاحبه، وربما قطع يده. حكى أنه أتى يوما بثوب فقال لكاتبه: ما تقول فى هذا الثوب؟ قال: كان ينبغى أن تكون بيوته أصغر مما هى. فقال للحائك: صدق يابن اللخناء. فقال الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكاتبه: صدق يابن اللخناء. فقال الكاتب: هذا يعمل فى السنة ثوبا أو ثوبين وأنا يمرّ على يدى فى السنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يابن اللّخناء، فلم يزل يكذّب هذا مرة، وهذا مرة حتى عدّ أبيات الثوب، فوجدها تنقص بيتا من أحد جانبى الثوب، فضرب الحائك مائة سوط. وقيل: إنه أراد السفر فدعا جواريه، فقال لإحداهنّ: تخرجين معى؟ قالت: نعم. قال: يا خبيثة. كلّ هذا من حبّ النكاح،

стр. 8106

يا خادم، اضرب رأسها. وقال لأخرى: ما تقولين؟ فقالت: أقيم على ولدى. فقال: يا خبيثة، كلّ هذا زهادة فىّ، اضرب رأسها. وقال لثالثة: ما تقولين؟ قالت: لا أدرى ما أقول، إن قلت ما قالت إحداهما لم آمن عقوبتك. فقال: يا لخناء وتناقضين وتحتجّين، اضرب رأسها. وكان قصيرا، فكان يحضر الثوب الطويل ليفصّله ليلبسه، فإن قال له الخياط: إنه يفضل منه ضرب رأسه، وإن قال: لا يكفى إلّا بعد التصرّف فى التفصيل سرّه ذلك، فكانوا يفصّلون له ويأخذون ما بقى. وكان له فى ذلك أشياء كثيرة. فلنرجع إلى أخبار منصور بن جمهور. قال: وكان دخول منصور الكوفة لأيام خلت من شهر رجب سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين [ومائة «١» ] ، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من كان فى السجون من العمّال وأهل الخراج، وبايع ليزيد بالعراق، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيّام بقين منه. وامتنع نصر بن سيّار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور، فإنّ يزيد كان قد ضمّ خراسان لمنصور مع العراق. ذكر عزل منصور بن جمهور عن العراق وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق،

стр. 8107

واستعمل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: وقال له: سر إلى العراق؛ فإنّ أهله يميلون إلى أبيك. وخاف ألّا يسلم إليه المنصور العمل، فانقاد له أهل الشام، وسلّم إليه منصور الولاية، وانصرف إلى الشام، ففرّق عبد الله العمال، وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم، فنازعه قوّاد أهل الشام، وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا، وهم عدوّنا! فقال لأهل العراق: إنى أريد أن أردّ عليكم فيئكم، وعلمت أنكم أحقّ به، فنازعنى هؤلاء. فاجتمع أهل الكوفة بالجبّانة، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، وثار غوغاء الناس فى الفريقين، فأصيب منهم رهط لم يعرفوا، واستعمل عبد الله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان ابن القبعثرى، وعلى خراج السواد والمحاسبات أيضا. ذكر الاختلاف بين أهل خراسان وفى سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين ومائة وقع الاختلاف بخراسان بين النّزاريّة واليمانية، وأظهر الكرمانى الخلاف لنصر بن سيّار. وكان سبب ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت، فرفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا، من أوان «١» كان اتّخذها للوليد بن يزيد، فطلب الناس منه العطاء، وهو يخطب؛ فقال نصر: إيّاى والمعصية، عليكم بالطاعة والجماعة. فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر، وقال: ما لكم عندى عطاء «٢»

стр. 8108

ثم قال: كأنى بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شرّ لا يطاق، وكأنى بكم مطرّحين فى الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل إلّا ملّوها، وأنتم يأهل خراسان مسلحة فى نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان؛ إنكم تريشون أمرا وتريدون «١» به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم، لقد نشرتكم وطويتكم، فما عندى منكم عشرة. فاتقوا الله، فو الله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنّينّ أحدكم أنه ينخلع من ماله وولده. يأهل خراسان، إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة. ثم تمثل بقول النابغة «٢» : فإن يغلب شقاؤكمو عليكم ... فإنّى فى صلاحكمو سعيت وقدم على نصر عهده «٣» على خراسان من قبل عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز؛ فقال الكرمانى لأصحابه: الناس فى فتنة فانظروا لأموركم رجلا. والكرمانى اسمه جديع بن علىّ الأرذى، وإنما سمى الكرمانى لأنه ولد بكرمان، فقالوا له: أنت لنا. وقالت المضريّة لنصر: إن الكرمانى يفسد عليك الأمور، فأرسل إليه فاقتله أو احبسه. قال: لا، ولكن لى أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بنىّ من بناته، وبناتى من بنيه. قالوا: لا. قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم، وهو بخيل،

стр. 8109

فلا يعطى أصحابه شيئا منها، فيتفرّقون عنه. قالوا: لا، هذه قوّة له، ولم يزالوا به حتى قالوا له: إنّ الكرمانى لو لم يقدر على السلطنة والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصّر وتهوّد. وكان نصر والكرمانى متصافيين، وكان الكرمانىّ قد أحسن إلى نصر فى ولاية أسد [بن عبد الله «١» ] القسرى. فلما ولى نصر عزل الكرمانى عن الرياسة وولّاها غيره، فتباعد ما بينهما، فلما أكثروا على نصر فى أمره عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه [به «٢» ] ، فأرادت الأزد أن تخلّصه من يده، فمنعهم من ذلك، وسار مع صاحب الحرس وهو يضحك. فلما دخل على نصر قال له: يا كرمانى، ألم يأتنى كتاب يوسف ابن عمر بقتلك فراجعت «٣» وقلت: شيخ خراسان وفارسها، فحقنت دمك؟ قال: بلى. قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم، وقسمته فى أعطيات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم أرؤّس ابنك عليّا على كره من قومك؟ قال: بلى. قال: فبدّلت ذلك إجماعا على الفتنة. قال الكرمانى: لم يقل الأمير شيئا إلّا وقد كان أكثر منه، وأنا لذلك شاكر، وقد كان منّى أيام أسد ما قد علمت، ولست أحبّ الفتنة.

стр. 8110

قال سلم «١» بن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير، وأشار غيره بذلك، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامرى «٢» : لجلساء فرعون خير منكم؛ إذ قالوا «٣» : «أَرْجِهْ وَأَخاهُ» * والله لا يقتل الكرمانى بقولكم، فأمر نصر بحبسه فى القهندز «٤» . فحبس وذلك لثلاث بقين من شهر رمضان، فتكلمت الأزد فقال نصر: إنى حلفت أن أحبسه، ولا يناله منى سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه، فاختاروا يزيد النحوى، فكان معه؛ فجاء رجل من أهل نسف، فقال لآل الكرمانى: ما تجعلون لى إن أخرجته؟ قالوا: كل ما سألت، فأتى مجرى الماء فى القهندز فوسعه، وقال لولد الكرمانى: اكتبوا لأبيكم «٥» يستعد الليلة للخروج. فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب فى الطعام، فتعشّى الكرمانى، ويزيد النحوى، وحصين بن حكيم؛ وخرجا من عنده. ودخل الكرمانى السّرب، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه؛ وخرج من السّرب، وركب فرسه البشير، والقيد فى رجله، فأتوا به عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه القيد. وقيل: إنّ الذى خلّص الكرمانى مولى له رأى خرقا فوسّعه وأخرجه

стр. 8111

منه، فلم يصلّ الصّبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف. وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة. فلما خرج الكرمانى قدمه عبد الملك. قال: ولما خرج الكرمانى عسكر نصر بباب مرو الرّوذ، وخطب الناس، فنال من الكرمانى، ثم ذكر الأزد، فقال: إن يستوسقوا «١» فهم أذلّ قوم، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل «٢» : ضفادع فى ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر ثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنه خير لا شرّ فيه. واجتمع إلى نصر بشر كثير، فسفر الناس بينه وبين الكرمانىّ، وسألوا نصرا أن يؤمّنه، ولا يحبسه؛ وجاء الكرمانىّ، فوضع يده فى يد نصر، فأمره بلزوم بيته، ثم بلغ الكرمانى عن نصر شىء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بباب مرو، فكلّموه فيه، فأمّنه. فلما عزل ابن جمهور عن العراق وولّى عبد الله بن عمر فى شوّال من السنة خطب نصر، وذكره، وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمّال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيّب ابن الطيّب. فغضب الكرمانى لابن جمهور، وعاد فى جمع «٣» الرجال واتخاذ السلاح؛ فكان يحضر الجمعة فى ألف وخمسمائة فيصلّى خارج

стр. 8112

المقصورة، ثم يدخل فيسلّم على نصر، ولا يجلس، ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف؛ فأرسل إليه مع سلّم «١» بن أحوز، يقول: إنى والله ما أردت بحبسك سوءا، ولكن خفت فساد أمر الناس فأتنى. فقال: لولا أنّك فى منزلى لقتلتك، ارجع إلى ابن الأقطع، فأبلغه ما شئت من خير أو شر. فرجع إلى نصر فأخبره، فلم يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرمانى: إنى لا آمن أن يحملك قوم على «٢» غير ما تريد، فتركب منا مالا بقيّة بعده، فإن شئت خرجت عنك لامن هيبة لك، ولكن أكره سفك الدماء، فتهيّأ للخروج إلى جرجان؛ ثم كان من أمر الكرمانى ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهم قال: لما قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة عليّ بن المهاجر، استعمله عليها يوسف بن عمر، فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بنى الدؤل بن حنيفة: اترك لنا بلادنا، فأبى؛ فجمع له المهير، وسار إليه، وهو بقصره فى قاع «٣» هجر، فالتقوا بالقاع، فانهزم علىّ حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، وقتل المهير ناسا من أصحابه، وتأمّر المهير على اليمامة، ثم إنه مات، واستخلف على اليمامة عبد الله بن النعمان أحد بنى قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل

стр. 8113

عبد الله بن النعمان المندلث «١» بن إدريس الحنفى على الفلج- وهى قرية من قرى بنى عامر بن صعصعة، فجمع له بنو كعب ابن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل، فأتوا «٢» الفلج، فلقيهم المندلث، وقاتلهم، فقتل المندلث وأكثر أصحابه، ولم يقتل من بنى عامر كثير، وقتل يومئذ يزيد ابن الطّثريّة «٣» وهى أمّه، تنسب إلى طثر بن عنز «٤» بن وائل، وهو يزيد بن المنتشر «٥» . فلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة وغيرها، وغزا الفلج. فلما تصافّ الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلى، وطارق ابن عبد الله القشيرى، والجعونيان «٦» ، وتجلّلت بنو جعدة البراذع، وولّوا، فقتل أكثرهم، وقطعت يد زياد بن حيان الجعدى؛ ثم قتل «٧» . ثم إن بنى عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمّعوا وعليهم أبو سهلة النّميرى، فقتلوا من لقوا من بنى حنيفة بمعدن الصحراء، وسبوا نساءهم، وكفّت بنو نمير عن النساء.

стр. 8114

ثم إنّ عمر بن الوازع الحنفى لمّا رأى ما فعل عبد الله بن النعمان قال: لست بدون عبد الله وغيره ممن يغير، وهذه فترة يؤمن فيها عقوبة السلطان، فجمع خيله وبثّها فأغارت وأغار فملأ يده من الغنائم، وأقبل بمن معه حتى أتى النّشّاش «١» ، وأقبلت بنو عامر، وقد حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برغاء الإبل، فجمع النساء فى فسطاط، وجعل عليهنّ حرسا، ولقى القوم فقاتلهم، فانهزم هو ومن معه، وهرب ابن الوازع، فلحق باليمامة، وكفّت قيس يوم النشّاش عن السّلب، فجاءت عكل فسلبتهم «٢» . وجمع عبيد الله بن مسلم الحنفى جمعا، وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان «٣» ، وأغار على عكل فقتل منهم عشرين رجلا. ثم قدم المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى واليا على اليمامة من قبل أبيه يزيد بن عمر حين ولى العراق لمروان بن محمد، فوردها وهم سلّم. وسكنت البلاد؛ ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفى مستخفيا حتى قدم السرىّ بن عبد الله الهاشمى واليا على اليمامة لبنى العباس، فدلّ عليه فقتله. وفى هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة [بولاية «٤» ] العهد لأخيه إبراهيم، ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان.

стр. 8115

وفيها خالف مروان بن محمد يزيد بن الوليد وأظهر الخلاف، وتجهّز للمسير إلى الشام، وعرض جند الجزيرة فى نيف وعشرين ألفا، فكاتبه يزيد ليبايع له ويوليه ما كان عبد الملك ولّى أباه محمدا من الجزيرة وإرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان، وأعطاه يزيد ولاية ما شرطه «١» له. ذكر وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك كانت وفاته بدمشق لعشر بقين من ذى الحجة سنة [١٢٦ هـ] ستّ وعشرين ومائة؛ فكانت مدة ولايته خمسة أشهر واثنين «٢» وعشرين يوما، وقيل ستة أشهر وليلتين، وقيل ستة أشهر؛ وكان عمره ستا وأربعين سنة. واختلف فيه إلى ثلاثين سنة. وكان أسمر نحيف البدن، ربع القامة، خفيف العارضين، فصيحا شديد العجب. وقيل فى صفته: أسمر طويلا صغير الرأس جميلا. وكان نقش خاتمه: يا يزيد، قم بالحق. وقيل: كان نقش خاتمه: العظمة لله. وكان آخر ما تكلّم به: وا حسرتاه! وا أسفاه! وكان له عقب كثير. كاتبه: ثابت بن سليمان. قاضيه: عثمان بن عمر بن موسى بن معمر التميمى.

стр. 8116

حاجبه: قطرىّ مولاه. وقيل سلام. الأمير بمصر: حفص بن الوليد، ولم يزل عليها إلى أن ولى مروان فاستعفى. قاضيها: حسين بن نعيم. ويزيد أوّل من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفّين عليهم السلاح. وقيل: إنه كان قدريّا. والله أعلم. ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد هو أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمّه أم «١» ولد اسمها نعمة، وقيل خشف؛ وهو الثالث عشر من ملوك بنى أمية، قام بالأمر بعد وفاة أخيه يزيد فى ذى الحجة سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين ومائة، وكان يسلّم عليه تارة بالخلافة، وتارة بالإمارة، وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما؛ فمكث أربعة أشهر، وقيل سبعين يوما، ثم سار إليه مروان بن محمد، فخلعه على ما نذكر ذلك إن شاء الله، ثم لم يزل حيّا حتى أصيب فى سنة [١٣٢ هـ] اثنتين وثلاثين ومائة. تتمة حوادث سنة (١٢٦ هـ) ست وعشرين ومائة: فيها عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فقدمها فى ذى القعدة من السنة. وحجّ بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقيل عمر ابن عبد الله بن عبد الملك.

стр. 8117

(١٢٧ هـ) سبع وعشرين ومائة: ذكر مسير مروان بن محمد إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد فى هذه السنة سار مروان بن محمد بن مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد، فانتهى إلى قنسرين، وبها بشر «١» ومسرور، ابنا الوليد [أرسلهما «٢» ] أخوه إبراهيم، فتصافوا، ودعاهم مروان إلى بيعته فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة فى القيسيّة، وأسلموا بشرا وأخاه مسرورا، فحبسهما مروان، وسار معه أهل قنسرين إلى حمص، وكان أهل حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز، فوجّه إليهم إبراهيم عبد العزيز فى جند أهل دمشق، فحاصرهم فى مدينتهم، وأسرع مروان السير، فلما دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها، وخرج أهلها إلى مروان فبايعوه، وساروا معه، ووجّه إبراهيم الجنود من دمشق مع سليمان بن هشام فى مائة وعشرين ألفا ومروان فى ثمانين ألفا، فدعاهم مروان إلى الكفّ عن قتاله وإطلاق الحكم وعثمان ابنى الوليد من السجن، وضمن لهم أنّه لا يطلب أحدا من قتلة الوليد، فلم يجيبوه وجدّوا فى قتاله فاقتتلوا «٣» ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل بينهم، وكان مروان ذا رأى ومكيدة، فأرسل ثلاثة آلاف فارس، وأمرهم أن يأتوا عسكر سليمان من خلفه، ففعلوا ذلك، فلم يشعر سليمان إلّا والقتل فى أصحابه من ورائهم،

стр. 8118

فانهزموا، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم، فقتلوا منهم سبعة عشر ألفا، وقيل ثمانية عشر ألفا، وكفّ أهل الجزيرة وقنّسرين عن قتالهم، وأتوا مروان من أسراهم بمثل القتلى، فأخذ مروان عليهم البيعة لولدى الوليد، وخلّى عنهم، وهرب يزيد ابن عبد الله بن خالد القسرى فيمن هرب إلى دمشق، فاجتمعوا مع إبراهيم وعبد العزيز، واتفقوا على قتل الحكم وعثمان ولدى الوليد، فقتلا؛ وقتل معهما يوسف بن عمر، وأرادوا قتل محمد السفيانى، فدخل بيتا من بيوت السجن وأغلقه، فلم يقدروا على فتحه، [وأرادوا «١» ] إحراقه، فقيل لهم: قد دخلت خيل مروان المدينة، فهربوا، وهرب إبراهيم، واختفى، وانتهب سليمان بن هشام ما فى بيت المال، فقسّمه فى أصحابه، وخرج من المدينة، وعاش إلى سنة [١٣٢ هـ] اثنتين وثلاثين ومائة، ثم قتله ابن عوف يوم الزّاب. وقيل: إنه غرق فى ذلك اليوم. وقيل: قتله مروان بن محمد وصلبه. وكان إبراهيم عاجزا ضعيف الرّأى، وكان خفيف العارضين له ضفيرتان. وكان نقش خاتمه: توكّلت على الحىّ القيوم. كاتبه: بكير بن السراج اللخمى. قاضيه: عثمان بن عمر التميمى. حاجبه: قطرىّ مولى الوليد، ثم وردان مولاه. [والله أعلم «٢» ] .

стр. 8119

ذكر بيعة مروان بن محمد هو أبو عبد الله مروان بن محمد بن الحكم بن أبى العاص، وأمّه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر، وكانت كردية، أخذها محمد من عسكر إبراهيم، فولدت له مروان وعبد العزيز، ولقب بالجعدىّ لأن خاله الجعد بن درهم، فنسب إليه. ولقب أيضا حمار الجزيرة. بويع له فى صفر فى سنة [١٢٧ هـ] سبع وعشرين ومائة، وكان سبب بيعته أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام ثار من بدمشق من موالى الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فقتلوه ونبشوا قبر يزيد بن الوليد، وأخرجوه فصلبوه على باب الجابية، وأتى مروان بالغلامين، الحكم وعثمان مقتولين، وبيوسف بن عمر، فدفنهم، وأتى بأبى محمد السّفيانى فى قيوده، فسلم على مروان بالخلافة، ومروان يومئذ يسلّم عليه بالإمرة، فقال له مروان: مه. فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشد شعرا قاله الحكم فى السجن، وكانا قد بلغا وولد لأحدهما، وهو الحكم، فقال «١» : ألا من مبلغ مروان عنّى ... وعمّى الغمر «٢» طال به «٣» حنينا

стр. 8120

بأنّى قد ظلمت وصار قومى ... على قتل الوليد مشايعينا «١» أيذهب كلّهم «٢» بدمى ومالى ... فلا غثّا أصبت ولا سمينا ومروان بأرض بنى نزار ... كليث الغاب مفترش عرينا «٣» أتنكث بيعتى من أجل أمّى ... فقد بايعتمو قبلى هجينا فإن أهلك أنا وولىّ عهدى ... فمروان أمير المؤمنينا ثم قال: ابسط يدك أبايعك، وسمعه من مع مروان «٤» . وكان أوّل من بايعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورءوس أهل حمص، والناس بعد. فلما استقرّ له الأمر رجع إلى منزله بحرّان، وطلب منه الأمان لإبراهيم «٥» بن الوليد وسليمان بن هشام فأمّنهما فقدما عليه، وبايعاه. وفى هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب بالكوفة ودعا إلى نفسه؛ وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم. ذكر رجوع الحارث بن سريج وفى هذه السنة كان رجوع الحارث بن سريج إلى مرو؛ وكان قدومه فى جمادى الآخرة سنة [١٢٧ هـ] سبع وعشرين ومائة، وكان ببلاد التّرك، وكان مقامه عندهم اثنتى عشرة سنة،

стр. 8121

وقد قدّمنا من أخباره طرفا. وكان سبب عوده أنّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر بن سيار والكرمانى فى سنة [١٢٦ هـ] ست وعشرين فى خلافة يزيد ابن الوليد كما ذكرنا- خاف نصر قدوم الحارث عليه فى أصحابه، فأرسل مقاتل بن حيّان النّبطى وغيره ليردّوه من بلاد التّرك، وسار خالد بن زياد البدّى التّرمذى وخالد بن عمرو مولى بنى عامر إلى يزيد، فأخذوا للحارث منه أمانا فأمّنه، وأمر نصر بن سيار أن يردّ عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بذلك، فلما قدم تلقّاه الناس بكشميهن «١» ، ولقيه نصر وأنزله، وأجرى عليه كلّ يوم خمسين درهما، فكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل. وأرسل إلى نصر: إنى لست من الدنيا واللذات فى شىء، إنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك. وأرسل الحارث إلى الكرمانى إذا أعطانى نصر العمل بالكتاب وما سألته عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل أعنتك إن ضمنت لى القيام بالعدل والسّنة. ودعا [بنى «٢» ] تميم إلى نفسه، فأجابه منهم ومن غيرهم

стр. 8122

جمع كثير، واجتمع إليه ثلاثة آلاف، وقال لنصر: إنما خرجت من هذه البلدة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور وأنت تريدنى عليه. ذكر انتقاض أهل حمص وفى هذه السنة انتقض أهل حمص بعد عود مروان إلى حرّان بثلاثة أشهر، وكان الذى دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، وراسل أهل حمص من بتدمر من كلب، فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبى وأولاده، ومعاوية السّكسكى، وكان فارس أهل الشام وغيرهما فى نحو ألف من فرسانهم، فدخلوا حمص ليلة الفطر، فجدّ مروان فى السير إليهم ومعه إبراهيم [بن الوليد] «١» المخلوع، وسليمان ابن هشام، فبلغها بعد الفطر بيومين، وقد سدّ أهلها أبوابها، فأحدق بالمدينة ووقف بإزاء باب من أبوابها، فنادى مناديه: ما دعاكم إلى النّكث؟ قالوا: إنّا على طاعتك لم ننكث. قال: فافتحوا. ففتحوا الباب، فدخله عمرو بن الوضّاح فى الوضّاحية فى نحو ثلاثة آلاف، فقاتلهم من بالبلد فكسرتهم خيل مروان، فخرج من بها من باب تدمر، فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان فقتل عامّة من خرج منه، وأفلت الأصبغ وابنه، وقتل مروان جماعة من أشرافهم، وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة، وهدم من سورها نحو غلوة. وقيل: كان ذلك سنة [١٢٨ هـ] ثمان وعشرين ومائة. [والله أعلم «٢» ] .

стр. 8123

ذكر خلاف أهل الغوطة وفى هذه السنة خالف أهل الغوطة وولّوا عليهم يزيد بن خالد القسرى وحصروا دمشق وأميرها زامل بن عمرو، فوجّه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث، وعمرو بن الوضّاح فى عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، وخرج عليهم من بالمدينة؛ فانهزموا، واستباح أصحاب مروان عسكرهم، وأحرقوا المزّة «١» وقرى من قرى اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل برأسه إلى مروان بحمص. ذكر خلاف أهل فلسطين وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد هؤلاء فى أهل فلسطين، وأتى طبرية فحاصرها، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فقاتله أهلها أياما، فكتب مروان بن محمد إلى أبى الورد يأمره بالمسير إليهم، فسار فلما قرب منهم خرج أهل طبريّة على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره، فانصرف إلى فلسطين منهزما، فتبعه «٢» أبو الورد والتقوا واقتتلوا، فانهزم ثانية وتفرّق عنه أصحابه وأسر «٣» ثلاثة من أولاده. وبعث بهم إلى مروان، وتغيّب ثابت وولده رفاعة.

стр. 8124

واستعمل مروان على فلسطين الرّماحس بن عبد العزيز «١» الكنانى، فظفر بثابت، فبعثه إلى مروان موثقا بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وحملوا إلى دمشق، فألقوا على باب المسجد ثم صلبوا على أبواب دمشق؛ واستقام أمر الشام لمروان إلا تدمر؛ فسار مروان إليها، فنزل القسطل «٢» ، وبعث إليهم فأجابوه إلى الطاعة فبايعهم، وهدم سور البلد. وفيها بايع مروان لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوّجهما ابنتى هشام ابن عبد الملك، وجمع لذلك بنى أميّة. وسار مروان إلى الرّصافة، وندب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الخارجى، وأمر أهل الشام باللّحاق به. ولما سار مروان استأذنه سليمان بن هشام ليقيم أيّاما ليقوّى من معه وتستريح دوابّهم، فأذن له. وتقدّم مروان إلى قرقيسياء «٣» وبها ابن هبيرة ليقدّمه إلى الضحّاك، فرجع عشرة آلاف ممّن كان مروان أخذ من أهل الشام لقتال الضحاك، فأقاموا بالرّصافة، ودعوا سليمان إلى خلع مروان فأجابهم.

стр. 8125

ذكر خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وفى هذه السنة خلع سليمان بن هشام مروان، وذلك أنه لما استأذنه فى المقام بعده، وأقام، وقدم عليه الجنود الذين ذكرناهم حسّنوا له خلع مروان وقالوا: أنت أرضى عند الناس، وأولى من مروان بالخلافة؛ فأجابهم إلى ذلك، وسار بإخوته ومواليه، فعسكر بقنّسرين، وأتاه أهل الشام من كلّ مكان. وبلغ الخبر مروان، فرجع إليه من قرقيسياء، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالمقام؛ وكان أولاد هشام وجماعة من موالى سليمان بحصن الكامل، فمرّ عليهم مروان فتحصّنوا منه، فأرسل إليهم يحذّرهم أن يتعرّضوا لأحد ممّن يتبعه من جنده، فإن تعرّضوا لأحد فلا أمان لهم، فأرسلوا إليه إنهم يكفّون عنهم. ومضى مروان فجعلوا يغيرون على من يتبعه، فاشتدّ غيظه عليهم. قال: واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذّكوانيّة وغيرهم، وعسكر بقرية خساف «١» من أرض قنّسرين. وأتاه مروان والتقوا؛ واشتدّ القتال بينهم، فانهزم سليمان ومن معه، واتبعهم مروان، فاستباح عسكره، وأمر مروان بقتل من يؤتى به من الأسرى إلا عبدا مملوكا، فأحصى من قتلاهم يومئذ [ما «٢» ] نيّف
следующие страницы →