Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.
стр. 8191
سيّار فأعلمه، فصار معه وأعلمه مكان الجند، فوجه إليهم جندا فهرب جند قحطبه، وخلفوا شيئا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له ابن عطيف «١» بالريّ فأخذ الكتاب والمتاع من رسول نصر، وبعثه إلى ابن هبيرة فغضب نصر، وقال: أما والله لأدعنّ ابن هبيرة فليعرفنّ أنه ليس بشيء، وكان ابن عطيف فى ثلاثة آلاف، قد بعثه ابن هبيرة مددا لنصر، فأقام بالرى ولم يأت نصرا، فسار نصر حتى نزل الرى وعليها حبيب بن بديل «٢» النهشلى، فلما قدمها سار ابن عطيف منها إلى همذان، ثم عدل إلى أصفهان إلى عامر بن ضبارة، ولما قدم نصر الريّ أقام بها يومين ثم مرض، فحمل إلى ساوة فمات بها لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول منها، وعمره خمس وثمانون سنة، ودخل أصحابه همذان؛ ولما مات نصر بعث الحسن بن قحطبة خازم بن خزيمة «٣» إلى سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيرى، وكان قد ندم على اتباع أبى مسلم، فأخذ طريق أصفهان يريد عامر بن ضبارة، فوجّه قحطبة، المسيّب بن زهير الضّبى فلحقه، وقاتله فانهزم زياد وقتل عامّة من معه، ورجع المسيّب إلى قحطبة، ثم سار قحطبة إلى قومس وبها ابنه الحسن، فقدّمه إلى الرىّ، وبلغ حبيب بن بديل النّهشلى ومن معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا عن الرىّ ودخلها الحسن فى
стр. 8192
صفر، وأقام حتى قدم أبوه، فبعثه بعد مقدمه بثلاث ليال إلى همذان، فسار عنها مالك بن أدهم ومن كان معه من أهل الشام وأهل خراسان إلى نهاوند، فأقام بها وفارقه ناس كثير، ودخل الحسن همذان وسار منها إلى نهاوند، فنزل على أربعة فراسخ منها، وأمده أبوه بأبى الجهم بن عطية مولى باهلة فى سبعمائة فحصر المدينة.
ذكر مقتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصفهان
كان عامر بن ضبارة قد بعثه يزيد بن هبيرة لقتال عبد الله بن معاوية، لما خرج ودعا إلى نفسه على ما نذكره فى أخبار آل أبى طالب إن شاء الله، وبعث معه ابنه داود بن يزيد فهزمه «١» ابن ضبارة، وسار فى أثره، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان كتب إلى عامر وإلى ابنه داود، أن يسيرا إلى قحطبة وكانا بكرمان، فسارا فى خمسين ألفا ونزلوا بأصفهان، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر، فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد عليهم جميعا مقاتل بن حكيم العكّى، فساروا حتى نزلوا قمّ، وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بن قحطبة نهاوند، فسار ليفتن من بها من أهلها، فأرسل مقاتل إلى قحطبة يعلمه بمسيره، فأقبل قحطبة من الرىّ حتى لحق بمقاتل، ثم ساروا والتقوا بعامر بن ضبارة وداود بن يزيد، وكان عسكر قحطبة عشرين ألفا فيهم خالد بن برمك، وعسكر ابن ضبارة مائة ألف وقيل خمسون ومائة ألف، فأمر قحطبة بمصحف فوضع على رمح، ونادى يا أهل الشام إنما ندعوكم إلى ما فى هذا المصحف، فشتموه وفحشوا فى القول، فأمر قحطبة أصحابه بالحملة عليهم، فحمل عليهم العكّى وتهايج الناس، ولم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أهل الشام، وقتلوا قتلا ذريعا، فقتل ابن ضبارة وهرب داود، وأخذ أصحاب قحطبة من
стр. 8193
عسكرهم ما لا يعلم قدره، من السلاح والمتاع والرقيق والخيل، ومارئى عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما فى هذا العسكر، كان كأنه مدينة، فكان فيه من البرابط والطنابير والمزامير والخمر ما لا يحصى، وحقيق لعسكر فيه مثل ذلك أن ينهزم، وكانت هذه الوقعة بنواحى أصفهان فى شهر رجب.
ذكر دخول قحطبة نهاوند
قال: ولما قتل ابن ضبارة كان الحسن بن قحطبة يحاصر نهاوند، فكتب إليه أبوه بالخبر، فلما قرأ كتابه كبّر هو وجنوده ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير «١» السّغدى: ما نادوا بقتله إلا وهو حق، فاخرجوا إلى الحسن قبل أن يأتى أبوه أو يمده بمدد، فقالت الرجّالة: تخرجون وأنتم فرسان وتتركونا! فقال مالك بن أدهم: لا أبرح حتى يقدم قحطبة، وأقام قحطبة بأصفهان عشرين يوما ثم سار، فقدم على ابنه بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر آخرها شوّال، ونصب عليهم المجانيق، وأرسل إلى من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه، وبذل لهم الأمان فأبوا ذلك، فأرسل إلى من بها من أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه، وقبلوا أمانه وبعثوا إليه أن يشغل عنهم أهل البلد بالقتال، ليفتحوا له الباب ففعل ذلك، ففتح أهل الشام الباب الذى يليهم «٢» وخرجوا، فلما رأى أهل البلد ذلك سألوهم عن سبب خروجهم، فقالوا: أخذنا لنا ولكم الأمان، فخرج رؤساء خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى قائد من قواده، ثم أمر فنودى: من كان بيده أسير فليضرب عنقه وليأت برأسه، ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبى مسلم إلا قتل، إلا أهل الشام فإنه وفّى لهم وخلّى
стр. 8194
سبيلهم، وأخذ عليهم الأيمان والعهود. قال: ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه إلى مرج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان، وعليها عبد الله بن العلاء الكندى، فهرب من حلوان.
ذكر فتح شهر زور
قال: ثم وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانى ومالك بن طواف «١» فى أربعة آلاف إلى شهر زور، وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهر زور فى العشرين من ذى الحجة، وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل، وأقام أبو عون فى بلاد الموصل، وقيل إن عثمان لم يقتل ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان، وغنم أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وسيّر قحطبة العساكر إلى أبى عون، فاجتمع معه ثلاثون ألفا، ولما بلغ مروان خبر أبى عون- وكان بحرّان- سار منها بجنود الشام والجزيرة والموصل وبنى أمية، وأقبل نحو أبى عون حتى نزل الزّاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهر زور بقية ذى الحجة والمحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض بها لخمسة «٢» آلاف.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة
стр. 8195
ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة
قال: ولما قدم داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة على أبيه منهزما، خرج يزيد نحو قحطبة فى عدد كثير لا يحصى، ومعه حوثرة بن سهيل الباهلى، وكان مروان قد أمدّه به، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء، واحتفر الخندق الذى كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء وأقام به، وأقبل قحطبة حتى نزل عكبراء، ودخل دجلة ومضى حتى نزل ما دون الأنبار، وأرسل طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها، وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دممّا ليعبر الفرات «١» ، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع الفرات إلى غربيّة، وذلك لثمان مضين من المحرم، وارتحل ابن هبيرة منصرفا مبادرا إلى الكوفة، فعبر دجلة من المدائن، واستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيرون على جانبى الفرات، فقال قحطبة: إن الإمام أخبرنى أن لى بهذا المكان وقعة، يكون النصر لنا، واستدلّ على مخاضة فعبر منها، وقاتل حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم أهل الشام، وفقد قحطبة فقال أصحابه: من كان عنده علم من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العكى «٢» : سمعت قحطبة يقول: إن حدث بى حدث فالحسن ابنى أمير الناس، فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان أبوه قد سيّره فى سريّة، فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا الأمر إليه، وكشفوا عن قحطبة فوجدوه فى جدول وحرب بن سلّم «٣» فتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل
стр. 8196
الآخر، وقيل إن معن بن زائدة ضرب قحطبة، لما عبر الفرات على حبل عاتقه فسقط فى الماء، فقال: شدوا يدى إذا أنا مت وألقونى فى الماء، لئلا يعلم الناس بقتلى، وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلّال، فسلمّوا هذا الأمر إليه، وقيل بل غرق قحطبة. ولما انهزم ابن نباثة وحوثرة لحقا بابن هبيرة فانهزم لهزيمتهم، ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك، فأمر الحسن بن قحطبة بجمع ذلك فجمع وغنموه.
ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوّدا
فى هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسرى بالكوفة وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، وأخرج عامل ابن هبيرة، وكان خروجه ليلة عاشوراء سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان على الكوفة يوم ذاك زياد بن صالح الحارثى، فسار محمد إلى القصر ودخله، وارتحل زياد ومن معه من أهل الشام، وسمع حوثرة الخير فسار نحو الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه، فأرسل أبو سلمة الخلال إليه يأمره بالخروج من القصر، خوفا عليه من حوثرة، هذا ولم يبلغ أحدا من الفريقين بهلاك قحطبة، فأبى محمد أن يخرج وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيّأ لقصده، فبينما محمد فى القصر إذ أتاه بعض طلائعه، فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجّه إليهم عدة من مواليه، فناداهم الشاميون:
نحن جئنا لندخل فى طاعة الأمير، ودخلوا وفيهم مليح بن خالد البجلى، ثم جاءه جهم بن الأصبح «١» الكنانى فى خيل أعظم من تلك، ثم جاءت خيل
стр. 8197
أعظم منها مع رجل من آل بحدل «١» ، فلما رأى حوثرة ذلك من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط، وكتب محمد بن خالد إلى قحطبة يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة، فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فقرأ الكتاب على لناس وارتحل نحو الكوفة، فوصلها يوم الإثنين، وقد قيل إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة، بعد هزيمة ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلى فهرب منها، فسود محمد بن خالد، وخرج فى أحد عشر رجلا وبايع الناس، ودخلها الحسن من الغد ولما دخل الحسن وأصحابه الكوفة أتوا أبا سلمة الخلال وهو فى بنى سلمة، فاستخرجوه وكان مختفيا، فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين، ووجّه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وبايع أبا سلمة الناس وكان يقال وزير آل محمد، وهو أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، واستعمل محمد بن خالد على الكوفة، ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن فى جماعة من القواد، وبعث المسيّب بن زهير وخالد بن برمك إلى ديرقنّى، وبعث المهلّبى وشرحبيل إلى عين العمر، وبعث بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فقاتله وأخرجه منها فالتحق عبد الواحد بالبصرة، وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملا عليها وعليها سلّم «٢» ، وقد لحق به عبد الواحد فأرسل سفيان إليه، يأمره بالتحول من دار الإمارة فأبى، وقاتل ونادى من جاء برأس فله خمسمائة ومن جاء بأسير فله ألف درهم، فقتل معاوية وأتى برأسه إلى سلّم فأعطى قاتله عشرة آلاف، وانكسر سفيان لقتل ابنه فانهزم وذلك فى صفر.
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام
وكان مقتله فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وسبب ذلك أن مروان بن
стр. 8198
محمد أرسل للقبض عليه بالحميمة، ووصف للرسول صفة أبى العباس السفاح، لأنه كان يجد فى الكتب: أن من هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم، وسمّى لرسوله إبراهيم بن محمد، فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله، فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به إلى مروان، فلما أتاه به قال: ليس هذه الصفة التى وصفت لك، فقال رسله قد رأينا الصفة وإنما سميت إبراهيم، وهذا إبراهيم فحبسه بحرّان، وأعاد الرسل فى طلب أبى العباس فلم يظفروا به، وكان قد توجّه إلى الكوفة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وقد اختلف فى قتل إبراهيم، فقيل إن مروان لما حبسه حبس سعيد ابن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وأبا محمد السفيانى، فهلك إبراهيم فى السجن فى وباء وقع بحرّان، وهلك العباس بن الوليد، وعبد الله ابن عمر، فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام ومن معه، وقتلوا صاحب السجن فقتلهم أهل حرّان «١» ، وتخلّف أبو محمد بالسجن فلم يخرج فيمن خرج هو وغيره، فلما قدم مروان من الزاب خلّى عنهم. وقيل إن مروان هدم «٢» على إبراهيم بيتا فقتله. وقيل بل جعل رأسه فى جراب مملوء نورة فمات، وقيل إن شراحيل «٣» بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم، فكانا يتزاوران وصار بينهما مودة، فأتى رسول من عند شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن، فقال: يقول لك أخوك إنى شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه، فشرب منه فشكى من ساعته، وكان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه، فأرسل إليه شراحيل:
إنك قد أبطأت فما حبسك عنى؟ فأعاد عليه إنى لما شربت اللبن الذى بعثت
стр. 8199
به إلىّ فاشتكيت، فأتاه شراحيل- وحلف بالله أنه ما شرب لبنا فى يومه، ولا بعث به إليك واسترجع، وقال: احتيل والله عليك، فبات إبراهيم ليلته وأصبح ميتا. وكان إبراهيم خيّرا فاضلا كريما، قدم المدينة مرّة ففرّق فى أهلها مالا جليلا، فنال بعضهم منه ألف دينار- وخمسمائة دينار- وأربعمائة دينار، وكانت هذه عطاياه وهباته. وكان مولده فى سنة اثنتين وثمانين، وأمه أم ولد بربرية إسمها سلمى.
قال: ولما قبض على إبراهيم بالحميمة نعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العباس عبد الله بن محمد- وهو السفاح، وأوصاهم بالسمع والطاعة له، وأوصاه وجعله الخليفة من بعده وودّعهم، وسار فهلك على ما ذكرنا، وكان من أمر أبى العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ابتداء الدولة العباسية وانقضاء الدولة الأموية
ذكر بيعة أبى العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس عم رسول الله ﷺ
وهو ابن الحارثية الذى نصّ عليه أبو هاشم محمد بن الحنفيّة، لما فوّض أمر الشيعة إلى والده، ووعدهم أنه صاحب الأمر، وكان ذلك قبل مولد أبى العباس على ما قدّمنا، وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدّان «١» الحارثى، بويع له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وذلك أنه لما قبض على أخيه إبراهيم بن محمد الإمام عهد إليه كما ذكرناه، وأمره بالمسير إلى الكوفة؛ سار من الحميمة ومعه أهل بيته وأخوه أبو جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد
стр. 8200
ابنا أخيه إبراهيم، وعمومته داود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد- بنو على بن عبد الله بن عباس، وموسى ابن عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن على، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، فقدموا الكوفة فى صفر من هذه السنة، وشيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد «١» مولى بنى هاشم فى بنى أود «٢» ، وكتم أمرهم من جميع القواد نحو أربعين ليلة، وأراد فيما ذكر أن يحوّل الأمر إلى آل طالب، لما بلغه موت إبراهيم الإمام، فكان أبو الجهم يقول له: ما فعل الإمام، فيقول لم يقدم بعد، فلما ألحّ عليه قال: ليس هذا وقت خروجه، لأن واسط لم تفتح بعد، وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل هذا دأبه حتى دخل أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميرى من حمام أعين يريد الكناسة، فلقى خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمى فعرفه، فقال له ما فعل إبراهيم؟ فأخبره أن مروان قتله، وأنه أوصى إلى أخيه أبى العباس من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم فقال له سابق: الوعد بينى وبينك غدا فى هذا الموضع، وكره سابق أن يأتيهم به إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد إلى أبى الجهم وأخبره، وهو فى عسكر أبى سلمة، فأمره أن يتلطف للقائهم، فرجع أبو حميد إلى موضع ميعاد سابق، فلقيه وانطلق به إليهم، فلما دخل سأل من «٣» الخليفة منهم؟
فقال له داود بن على: هذا إمامكم وخليفتكم، وأشار إلى أبى العباس، فسلّم عليه بالخلافة وقبّل يديه ورجليه وعزّاه بإبراهيم، وقال: مرنا بأمرك، ثم رجع وصحبه «٤» إبراهيم بن سلمة- رجل كان يخدم بنى
стр. 8201
العباس- إلى أبى الجهم، فأخبره عن منزلتهم وأن الإمام بعثه إلى أبى سلمة «١» ، يسأله مائة دينار يعطيها أجرة الجمال التى حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب، وقصّوا عليه القصّة، وبعثوا إلى الإمام بمائتى دينار مع إبراهيم بن سلمة، واتفق رأى القواد أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وغيرهم «٢» من القواد إلى أبى العباس، وبلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل له إنهم دخلوا الكوفة لحاجة لهم، وأتى القوم إليهم فقالوا: أيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا- فسلموا عليه بالخلافة وعزّوه بإبراهيم، ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم، وأمر أبو الجهم بقية القواد فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبى الجهم: أين كنت؟ قال:
ركبت إلى إمامى، فركب أبو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد: أن أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلا وحده، فلما انتهى إليهم أدخلوه وحده ومنعوا حفدته من الدخول، فسلّم بالخلافة، فقال له رجل منهم: على رغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه، فنهاه أبو العباس وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره فعاد، وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح، واصطفوا لخروج أبى العباس، وأتوه بالدواب»
فركب برذونا أبلق، وركب معه أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلّى بالناس، ثم صعد المنبر ثانية فقام فى أعلاه، وصعد عمه داود فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال:
الحمد لله الذى اصطفى الإسلام لنفسه، فكرّمه «٤» وشرفه وعظّمه
стр. 8202
واختاره لنا، وأيّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحم رسول الله ﷺ وقرابته، وأنشأنا من آبائه «١» ، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا، حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك كتابا على أهل الإيمان «٢» يتلى عليهم فقال ﵎ فيما أنزل فى محكم كتابه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٣»
وقال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «٤»
وقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «٥»
وقال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى «٦»
وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى «٧»
فأعلمهم جلّ ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفىء والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم؛ وزعمت السبأيّة «٨» الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منّا فشاهت وجوههم، ثم ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وتمّم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف
стр. 8203
وبرّ ومواساة فى دينهم، وإخوانا على سرر متقابلين فى آخرتهم، فتح الله ذلك منّة ومنحة «١» لمحمد ﷺ ، فلما قبضه الله إليه قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدّلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استضعفوا فى الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإنى لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم أهل محبّتنا، ومنزل «٢» مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدرككم «٣» زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم فى أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح «٤» ، والثائر المنيح «٥» .
وكان موعكا فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقى المنبر، فقال:
الحمد لله شكرا الذى أهلك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمد ﷺ . أيها الناس: الآن قد قشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من
стр. 8204
مطالعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه، فى أهل بيت نبيّكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم.
أيها الناس: والله ما خرجنا فى طلب هذا الأمر لنكنز «١» لجينا، ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا، ولا نبنى قصرا، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابترازهم حقنا، والغضب لبنى عمنا، وما كرهنا «٢» من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا، ونحن على فراشنا، وتشتد علينا سوء سيرة بنى أمية فيكم واستذلالهم «٣» لكم. واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمة الله ﵎ وذمة رسوله ﷺ . تبا تبا لبنى حرب وبنى أمية «٤» ، آثروا مدتهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم «٥» ، وجاروا فى سيرتهم فى العباد وسنّتهم «٦» فى البلاد «٧» ، ومرحوا فى أعنة المعاصى، وركضوا فى ميدان «٨» الغى، جهلا باستدارج الله. وأمنا لمكر الله فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون.
فأصبحوا أحاديث ومزّقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين، وأدالنا الله من مروان وقد غرّه بالله الغرور، وأرسل لعدو الله فى عنانه حتى عثر فى فضل
стр. 8205
خطامه، أظنّ عدو الله أن لن يقدر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده.
ورمى بكتائبه «١» . فوجد أمامه ووراءه. وعن يمينه وشماله، من مكر الله وبأسه ونقمته، ما أمات باطله. ومحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزّنا، وردّ إلينا حقّنا وإرثنا.
أيها الناس: إن أمير المؤمنين- نصره الله نصرا عزيزا- إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، لأنه كره «٢» أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم «٣» الله بمروان. عدو الرحمن وخليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا فى الأرض بعد صلاحها «٤» الشاب «٥» المكتهل المتمهل «٦» ، المقتدى بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد إفسادها «٧» بمعالم الهدى ومناهج التقوى. فعجّ الناس بالدعاء له ثم قال:
يا أهل الكوفة: إنا والله مازلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله (لنا) «٨» شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج «٩» بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، فأراكم الله بهم ما كنتم تنتظرون «١٠» ، وأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام،
стр. 8206
ونقل إليكم السلطان وعزّ الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة، فخذوا ما أتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإنّ الأمر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصرا، وإنكم مصرنا، ألا وإنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ﷺ إلا أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد (وأشار بيده إلى أبى العباس) . واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم ﷺ ، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا.
ثم نزلا، وداود أمامه حتى دخل القصر، وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس فى المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلّى بهم العصر ثم المغرب وجهنّم الليل، وخرج أبو العباس فعسكر بحمام أعين فى عسكر أبى سلمة، ونزل معه فى حجرته «١» بينهما ستر، وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسّام، واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن على، وبعث عمه عبد الله بن على إلى أبى عون «٢» بن يزيد بشهر زور، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط «٣» ، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة «٤» بن محمد بن عمّار بن ياسر إلى بسّام بن إبراهيم بن بسّام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. وأقام السفاح بالعسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة، وكان قد تنكّر لأبى سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك منه.
стр. 8207
ذكر هزيمة مروان بالزاب
قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد «١» الملك بن يزيد الأزدى إلى شهرزور، وأنه سار إلى ناحية الموصل، وأن مروان سار من حرّان حتى بلغ الزاب وحفر خندقا، وكان فى عشرين ومائة ألف، وسار أبو عون إلى الزاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبى عون عيينة بن موسى، والمنهال بن فتّان، وإسحاق بن طلحة، كل واحد فى ثلاثة آلاف، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد فى ألفين، وعبد الله الطائى فى ألف وخمسمائة، وعبد الحميد ربعى الطائى فى ألفين، ووداس بن نضلة فى خمسمائة- إلى أبى عون، ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتى؟ قال عبد الله بن على:
أنا، فسيّره إلى أبى عون فقدم عليه، فتحوّل أبو عون عن سرادقه له، فلما كان لليلتين خلتا من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة سأل عبد الله ابن على عن مخاضة بالزاب فدلّ عليها، فأمر عيينة بن موسى فعبر فى خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا، ورجع إلى عبد الله، وأصبح مروان فعقد جسرا وعبر النهر، وسيّر ابنه عبد الله فنزل أسفل من عسكر عبد الله، فبعث عبد الله بن على المخارق بن غفار فى أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان، فبعث ابن مروان إليه الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو، فأسر فى جماعة وسيّروهم إلى مروان، فأمر أن يؤتى برجل من الأسرى، فأتى بالمخارق، فقال له: أنت المخارق، قال: لا بل أنا من عبيد أهل العسكر، قال:
أفتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر هل تراه فى هذه الرءوس؟
فنظر إلى رأس منها فقال: هذا هو المخارق، فخلّى سبيله، ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن على أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر، وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال، قبل أن يظهر أمر المخارق،
стр. 8208
فنادى فى الناس بلبس السلاح والخروج إلى الحرب فركبوا، وسار نحو مروان، وكان عسكره عشرين ألفا وقيل اثنا عشر ألفا، فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، فإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله، ثم التقوا واقتتلوا فجعل عبد الله بن على يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك!! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم واشتد القتال، فأمر مروان بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم، فجعل ناس يصيبون منها، فقيل له: إن الناس قد مالوا على المال، ولا نأمنهم أن يذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن يسير فيقتل من أخذ من المال شيئا، فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة، الهزيمة، فانهزموا وانهزم مروان وقطع الجسر، وكان من غرق يومئذ أكثر ممّن قتل، وكان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع، فاستخرجوه فى الغرقى «١» ، فقرأ عبد الله: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
«٢» ، وقيل بل قتله عبد الله بالشام، وحوى عبد الله عسكر مروان بما فيه، فوجد سلاحا كثيرا وأموالا وكتب إلى السفاح بالفتح، فلما أتاه الكتاب أمر لكل من شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم، وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة.
ذكر مقتل مروان بن محمد ودخول أهل الشام وغيرهم فى الطاعة
قال: ولما انهزم مروان أتى مدينة الموصل، وعليها هشام بن عمرو «٣»
стр. 8209
التغلبى وبشر بن خزيمة الأسدى فقطعا الجسر، فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان، فقالوا: كذبتم، لا يفر، وسبّه أهل الموصل، وقالوا له: يا جعدى، يا معطل «١» ، الحمد لله الذى أزال سلطانكم، وذهب بدولتكم، الحمد لله الذى أتانا بأهل بيت نبيّنا، فسار إلى حرّان فأقام بها نيّفا وعشرين يوما، وسار عبد الله حتى دخل الموصل فعزل هشاما، واستعمل عليها محمد بن صول، ثم سار فى أثر مروان، فلما دنا منه حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزما، وخلّف بحرّان ابن أخيه إبان بن يزيد، فقدم عبد الله حرّان فلقيه إبان مسوّدا مبايعا، فبايعه وأمّنه هو ومن كان معه بحرّان والجزيرة، ومضى مروان إلى حمص فلقيه أهلها بالطاعة، فأقام يومين أو ثلاثا وسار، فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم فاتبعوه، والتقوا فقاتلهم وهزمهم، وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلّفه بها ومضى إلى فلسطين. قال: وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن على باتباع مروان، فسار من حرّان بعد أن هدم الدار التى كان إبراهيم قد حبس بها، ووصل إلى منج وقد سوّدوا فأقام بها، وأتته بيعة أهل قنسرين، وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن على مددا من قبل السفاح فى أربعة آلاف، فسار عبد الله الى قنسرين ثم إلى حمص فبايع أهلها، وأقام بها أياما ثم سار إلى بعلبك فأقام بها يومين، ثم سار فنزل قرية مزّة، ونزل أخوه صالح بن على مرج عذراء فى ثمانية آلاف، وكان السفاح قد بعثه مددا لعبد الله، ثم تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقى، ونزل صالح على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسّام بن إبراهيم على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، وبدمشق يومئذ الوليد بن معاوية فحصروه بها ودخلوها عنوة فى يوم الأربعاء لخمس مضين من شهر
стр. 8210
رمضان منها، فقاتلوا «١» فيها ثلاث ساعات، وقتل الوليد بن معاوية فيمن قتل، وأقام عبد الله بدمشق خمسة عشر يوما، ثم سار يريد فلسطين فلقيه أهل الأردن وقد سوّدوا، فأقام بفلسطين، وأتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن على فى طلب مروان، فسار صالح فى ذى القعدة، ومعه ابن فتّان، وعامر بن إسماعيل الحارثى، وأبو عون- فبلغوا العريش، وأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام وهرب إلى جهة مصر، وسار صالح فنزل النيل، ثم نزل الفسطاط، ثم سار ونزل موضعا يقال له ذات الساحل «٢» ، وهرب مروان إلى الصعيد، وقدّم صالح أبا عون، وعامر بن إسماعيل الحارثى وشعبة بن كثير المازنى- فساروا، فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا منهم رجالا، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم فأمنوهم، وساروا فوجدوه نازلا فى كنيسة ببوصير فقاتلوه ليلا، وكان أصحاب أبى عون قليلا، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا ورأوا قلّتنا أهلكونا، فكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله، وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا، وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه، وصالح صالح جرح أمير المؤمنين فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة- كان يبيع الرمّان- فاحتز رأسه، فأخذه عامر بن إسماعيل فبعث به إلى أبى عون، وبعثه أبو عون إلى صالح، فلما وصل إليه أمر أن يقص «٣» ويقطع لسانه فأخذته هرّة، فقال صالح: لو لم ترنا الأيام من عجائبها إلا لسان مروان فى فم هرة لكفانا، وقيل: إن عبد الله بن على هو الذى قال هذا، قال: وسيّره صالح إلى عبد الله فبعثه إلى السفاح، وكان قتله لليلتين بقيتا من ذى الحجة، ورجع صالح إلى الشام، وخلف أبا عون
стр. 8211
بمصر. ولما وصل الرأس الى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله الذى أظهرنى عليك، وأظفرنى بك، ولم يبق ثأرى قبلك وقبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل:
لو يشربون دمى لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ تروينى
قال: ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التى فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهنّ خادما له، وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر وأخذهن، وهنّ نساء مروان وبناته، فسيّرهن إلى صالح بن على، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوك ما وسعكم من جورنا، قال: إذن لا أستبقى منكنّ واحدة، ألم يقتل أبوك ابن أخى إبراهيم؟! ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن على بن الحسين وصلبه فى الكوفة؟! ألم يقتل الوليد بن يزيد- يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟! ألم يقتل ابن زياد الدعىّ مسلم بن عقيل؟! ألم يقتل يزيد بن معاوية- الحسين بن على وأهل بيته؟! ألم يخرج إليه بحرم رسول الله ﷺ سبايا فوقفهن موقف السبى؟! ألم يحمل إليه رأس الحسين وقد فرغ دماغه؟! فما الذى يحملنى على الإبقاء عليكن؟! قالت: فليسعنا عفوكم، أما هذا فنعم، وإن أحببت زوّجتك ابنى الفضل، فقالت: بل تحملنا إلى حرّان، فحملهن إليها.
ذكر من قتل من بنى أمية بعد مقتل مروان بن محمد
قال: دخل سديف مولى للسفاح عليه وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فقال سديف:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
стр. 8212
فقال سليمان قتلتنى يا شيخ ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل، قال:
ودخل شبل بن عبد الله مولى بنى هاشم على عبد الله بن على وعنده من بنى أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بنى العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وباس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحر المواسى
فلقد غاظنى وغاظ سوائى ... قربهم من نمارق وكراسى
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بذات «١» الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذى بحرّان أضحى ... ثاويا بين غربة وتناسى
فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الانطاع فأكل الطعام عليها، وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا، وأمر عبد الله بن على بنبش قبور بنى أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاما كالرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا فيه جمجمة، وكان يوجد فى القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط ثم صلبه ثم حرقه وذراه فى الريح، وتتبع بنى أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، فلم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس، واستصفى ما لهم من أموال وغيرها، فلما فرغ منهم قال:
بنى أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لى منكم بالأول الماضى
стр. 8213
يطيّب النفس إن النار تجمعكم ... عوضتم من لظاها شر معتاض
إن كان غيظى لفوت منكم فلقد ... رضيت «١» منكم بما ربى به راض «٢»
وقيل إن سديفا أفسد الشعر، الذى ذكرناه عنه للسفاح ومعه كانت الحادثة، وقتل سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بالبصرة منهم جماعة.
وألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، فاختفى من قدر من بنى أمية.
وتشتت شملهم، وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان ابن عتبة بن أبى سفيان، قال: فكنت لا آتى مكانا إلا عرفت فيه، فضاقت علىّ الأرض فقصت سليمان بن على، وهو لا يعرفنى، فقلت له: لفظتنى البلاد إليك، ودلّنى فضلك عليك، فإما قتلتنى فاسترحت، وإما رددتنى سالما فأمنت، فقال من أنت؟ فعّرفته بنفسى فعرفنى، فقال: مرحبا بك.
حاجتك؟ فقلت: إن الحرم التى أنت أولى الناس بهنّ، وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه، فبكى كثيرا ثم قال: بل يحقن الله دمك، ويوفّر مالك. ويحفظ حرمك، ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنّه قد وفد وافد «٣» بنى أمية علينا، وإنّا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنّا يجمعنا وإياهم عبد مناف، فالرحم تبل ولا تفل «٤» ، وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لى فليفعل.
وإن فعل فليجعل «٥» كتابا عاما إلى البلدان، شكرا «٦» لله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا، فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم أمانا، وكان هذا أول أمان بنى أمية.
стр. 8214
ذكر الخلاف على أبى العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع
فى هذه السنة: خلع حبيب بن مرّة المرّى، ومعه أهل البثنيّة وحوران، وكان من قواد مروان، فحمله الخوف على نفسه على الخلاف، فخرج إليه عبد الله بن على وقاتله دفعات، ثم صالحه عبد الله لما خلع أبو الورد.
ذكر خلع أبى الورد وأهل قنّسرين ودمشق
وفيها خلع أبو الورد مجزأة «١» بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابى، وكان من أصحاب مروان وقواده، وكان قد بايع عبد الله بن على وأقام بقنّسرين، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم قائد من قواد عبد الله إلى بالس، فبعث بولد مسلمة ونسائهم، فشكى بعضهم ذلك إلى أبى الورد، فقتل ذلك القائد ومن معه وأظهر الخلع لعبد الله، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك فبيّضوا بأجمعهم، والسفاح يومئذ بالحيرة وعبد الله بن على يقاتل حبيب بن مرّة، فلما بلغ عبد الله ذلك صالح حبيب بن مرّة وأمنّه، وسار إلى قنّسرين للقاء أبى الورد، فمرّ بدمشق فخلّف بها أبا غانم «٢» عبد الحميد بن ربعى الطائى فى أربعة آلاف، وكان بدمشق أهل عبد الله وأمهات أولاده وثقله، فلما قدم حمص انتقض أهل دمشق وبيّضوا، وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدى فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ثقل عبد الله ولم يتعرضوا لأهله، وأجمعوا على الخلاف، وسار عبد الله وكان قد اجتمع مع أبى الورد جماعة أهل قنّسرين، وكاتبوا من يليهم من
стр. 8215
أهل حمص وتدمر «١» ، فقدم منهم ألوف، وقدّموا عليهم أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية ودعوا إليه، وقالوا هو السفيانى، واجتمعوا فى نحو أربعين ألفا فعسكروا بمرج الأخرم، ودنا عبد الله منهم ووجّه إليهم عبد الصمد بن على فى عشرة آلاف، وكان أبو الورد هو المدبّر لعسكر قنّسرين وصاحب القتال، فناهضهم واقتتلوا وكثر القتل بينهم فانكشف عبد الصمد، ولحق بأخيه عبد الله فأقبل عبد الله والتقوا بمرج الأخرم، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب أبى الورد، وثبت هو فى خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمّن عبد الله أهل قنّسرين وسوّدوا، وبايعوه ودخلوا فى طاعته، ثم انصرف راجعا إلى دمشق، فلما دنا منها هرب الناس بغير قتال، فأمّن عبد الله أهلها ولم يؤاخذهم وبايعوه؛ وأما أبو محمد السفيانى فتغيّب إلى أيام المنصور، ولحق بالحجاز، فكان كذلك إلى أن بلغ زياد بن عبد الله الحارثى عامل المنصور مكانه، فبعث إليه خيلا فقاتلوه فقتلوه. وقيل إن حرب أبى الورد كانت فى سلخ ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين.
ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم
قال: وفى هذه السنة بيّض أهل الجزيرة وخلعوا السفاح، وساروا إلى حرّان وبها موسى بن كعب فى ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها، وليس على أهل الجزيرة رأس تجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلى من أرمينية فاجتمع عليه أهل الجزيرة، وحاصر موسى بن كعب نحوا من شهر، فوّجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة فساروا، واجتاز بقرقيسيا والرّقة وقد بيّض أهلها، فلما انتهى إلى حرّان رحل إسحاق بن مسلم إلى الرّها، وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين، وخرج موسى بن كعب إليه، ووجّه إسحاق بن مسلم أخاه
стр. 8216
بكّار بن مسلم إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين، ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحروريّة يقال له بريكة «١» ، فعمد «٢» إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل بريكة فى المعركة، وانصرف بكّار بن مسلم إلى أخيه بالرها فخلّفه إسحاق بها، وسار إلى سميساط فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بها، وإسحاق يومئذ فى ستين ألفا وبينهم الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرها وحاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، وكان إسحاق يقول: فى عنقى بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل، فلما تيقّن قتله طلب الصلح والأمان، فكتبوا إلى السفاح فى ذلك فأمرهم أن يؤمنوه هو ومن معه، فكتبوا بينهم كتابا بذلك، وخرج إسحاق إلى أبى جعفر وكان عنده من آثر أصحابه «٣» ، فاستقام أهل الجزيرة والشام، واستعمل أبو العباس السفاح أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل عليها حتى استخلف.
ذكر قتل أبى سلمة الخلّال وسليمان بن كثير
قد ذكرنا ما كان من أمر أبى سلمة مع أبى العباس السفاح فى مبتدأ الأمر، وما عامله به عند مقدمه وتنكّر السفاح له، فلما فارق العسكر ونزل المدينة الهاشمية كتب إلى أبى مسلم الخراسانى، يعلمه بخبره وما كان من أمره، فكتب إليه: إن كان أمير المؤمنين قد اطلع على ذلك فليقتله، فلما قدم عليه كتابه قال داود بن على: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتجّ بها أبو مسلم عليك، وأهل خراسان الذين معك أصحابه، ولكن اكتب إلى أبى مسلم أن يبعث إليه من يقتله، فكتب إليه فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبّى ليقتله، فقدم على السفاح وأعلمه، فأمر السفاح مناديا فنادى: إن أمير
стр. 8217
المؤمنين قد رضى على أبى سلمة، ودعاه فكساه، ثم دخل بعد ذلك عليه فى ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، وانصرف إلى منزله وحده فقتله مرار بن أنس، وقالوا قتله الخوارج، ثم أخرج من الغد فصلّى عليه يحيى ابن محمد أخو السفاح؛ ودفن بالمدينة الهاشمية فقال سليمان بن المهاجر البجلى فيه:
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك صار «١» وزيرا
وكان يقال لأبى سلمة وزير آل محمد، ولأبى مسلم أمين آل محمد، قال:
فلما قتل وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى أبى مسلم، فلما قدم سايره عبيد الله بن الحسن «٢» الأعرج وسليمان بن كثير، فقال سليمان لأبى جعفر: يا هذا إنّا كنّا نرجو أن يتمّ أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظنّ عبيد الله أنه دسيس من أبى مسلم، فأتى إلى أبى مسلم وأخبره بمقالة سليمان، فأحضر أبو مسلم سليمان بن كثير وقال له: أتحفظ قول الإمام- من اتهمته فاقتله- قال: نعم، قال فإنى قد اتهمتك، قال: أنشدك الله!! قال لا تناشدنى فأنت منطو على غش الإمام، وأمر به فضربت عنقه، ورجع أبو جعفر إلى السفاح فقال له: لست خليفة ولا أمرك بشىء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله، قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال السفاح: فاكتمها.
ووجّه أبو مسلم الخراسانى محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يقتل عمّال أبى سلمة ففعل ذلك، فوجّه السفاح عمه عيسى بن على على فارس وعليها محمد بن الأشعث، فأراد محمد قتل عيسى فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرنى أبو مسلم أن لا يقدم علىّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلا قتلته، ثم ترك عيسى خوفا من عاقبة قتله، واستحلف عيسى
стр. 8218
الأيمان المغلظة: أن لا يعلو منبرا، ولا يتقلد سيفا إلا فى جهاد، فلم يل عيسى بعدها ولاية، ولا تقلّد سيفا إلا فى غزوة، ثمّ وجّه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن على واليا على فارس.
ذكر أخبار ابن هبيرة وما كان من أمره
قد ذكرنا أنه كان قد تحصّن بواسط، وأرسل أبو سلمة الحسن بن قحطبة لحصاره فحصره بواسط، وكانت بينهم وقعات أكثرها على ابن هبيرة، فلما ظهر السفّاح بعث أخاه أبا جعفر، لقتال ابن هبيرة بعد رجوعه من خراسان، وكتب إلى الحسن: إن العسكر عسكرك، والقّواد قوّادك، ولكن أحببت أن يكون أخى حاضرا فاسمع له وأطع، وأحسن مؤازرته؛ وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك، فلمّا قدم تحوّل الحسن عن خيمته وأنزله فيها، ودام حصاره لابن هبيرة بواسط أحد عشر شهرا، اقتتلوا فيها عدة وقعات، فلما بلغهم مقتل مروان طلبوا الصلح، وكان ابن هبيرة أراد أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن «١» علىّ، فكتب إليه فأبطأ جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيّان، ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية السفاح فلم يفعلا، وخرجت السفراء بين أبى جعفر وابن هبيرة، حتى جعل له أمانا وكتب له كتابا، مكث ابن هبيرة يشاور العلماء فيه أربعين يوما حتى رضيه، وأمر السفاح بإمضائه، وكان رأى أبى جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان السفاح لا يقطع أمرا دون أبى مسلم، فكتب السفاح إليه بخبر ابن هبيرة، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.
قال: ولما تمّ الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبى جعفر فى ألف
стр. 8219
وثلاثمائة، وأراد أن يدخل على دابته، فقام إليه الحاجب سلّام بن سليم فقال: مرحبا يا أبا خالد، انزل راشدا فنزل، وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان، فأدخل ابن هبيرة وحده فحادثه ساعة، ثم مكث يأتيه يوما ويتركه يوما، وكان يأتيه فى خمسمائة فارس وثلاثمائة، فقيل لأبى جعفر: إن ابن هبيرة ليأتى فيتضعضع له العسكر، فأنقص من سلطانه شيئا، فأمره أبو جعفر ألا يأتى إلا فى حاشيته، فكان يأتى فى ثلاثين ثم صار يأتى فى ثلاثة أو أربعة، وألحّ السفاح على أبى جعفر بقتل ابن هبيرة وهو يراجعه، حتى كتب إليه: والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حجرتك ويتولى قتله، فبعث أبو جعفر من ختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فأحضرهم، فأقبل محمد بن نباتة، وحوثرة بن سهيل فى اثنين وعشرين رجلا، فأدخل الحاجب حوثرة وابز نباتة فنزعت سيوفهما وكتّفا، واستدعى أبو جعفر رجلين رجلين ففعل بهما كذلك، فقال بعضهم: أعطيتمونا عهد الله وغدرتم، إنا لنرجو أن يدرككم الله، وبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة فى مائة إلى ابن هبيرة، فقالوا: نريد حمل المال، فقال لحاجبه دلّهم على الخزائن ففعل، فأقاموا عند كل بيت نفرا، وأقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبنىّ له صغير فى حجره، فقام حاجبه فى وجوههم فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل، وقتل مواليه، ونحّى ابنه من حجره «١» وقال:
دونكم وهذا الصبى وخرّ ساجدا فقتل، وحملت رءوسهم إلى أبى جعفر، فأمر فنودى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك وخالد بن سلمة المخزومى، فهرب الحكم وأمّن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح، ولم يجز أمان أبى جعفر.
стр. 8220
ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل ومن قتله بها
وفى هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى على الموصل، وسبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة عاملهم محمد بن صول، وقالوا:
لا يلى علينا مولى لخثعم، وأخرجوه عنهم، فكتب بذلك إلى السفاح، فاستعمل عليهم أخاه يحيى وسيّره إليها فى اثنى عشر ألفا، فنزل قصر الإمارة ولم يظهر لهم ما يكرهونه ولا عارضهم فى أمر، ثم دعاهم فقتل منهم اثنى عشر رجلا، فنفر أهل البلد وحملو السلاح فأعطاهم الأمان، وأمر فنودى من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعا، أسرفوا فيه فقيل إنه قتل عشرين ألفا ممّن له خاتم «١» ، ومن ليس له خاتم ما شاء الله، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء يبكين رجالهن، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان، فقتلوا منهم ثلاثة أيام، وكان فى عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجى، فأخذوا النساء قهرا، فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب فى اليوم الرابع، وبين يديه الحراب والسيوف مصلته، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم، فقالت له: ألست من بنى هاشم؟! ألست «٢» من بنى عم رسول الله؟! أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهنّ «٣» الزنج؟!! فأمسك عن جوابها وبعث معها من أبلغها مأمنها، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وقيل: كان السبب فى قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من كرهية بنى العباس «٤» ، وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمىّ من السطح،
стр. 8221
فوقع على رأس بعض الخراسانية فظنّها فعلت ذلك تعمدا، فاقتحم «١» الدار وقتل أهلها، فثار أهل البلد وقتلوه وثارت الفتنة، وممن قتل معروف بن أبى معروف، وكان من الزهاد العبّاد قد أدرك كثيرا من الصحابة رضى الله عنهم وروى عنهم.
ذكر عمال السفاح
فى هذه السنة كان العامل على مكة والمدينة واليمن واليمامة داود بن على عم السفّاح، وكان قبل ذلك على الكوفة وسوادها فنقله واستعمل على الكوفة وسوادها ابن أخيه عيسى بن موسى، واستقضى على الكوفة ابن أبى ليلى، وكان العامل على البصرة سفيان بن معاوية المهلّبى، وعلى قضائها الحجّاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبا جعفر عبد الله بن محمد بن على، وعلى الشام عبد الله بن على، وعلى مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وعلى الموصل يحيى بن محمد، وعلى خراسان والجبال أبا مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس فى هذه السنة داود بن على.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة .
ذكر دخول ملك الروم ملطيّة وقاليقلا
فى هذه السنة أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطيّة وكمخ «٢» ، فنزل كمخ فاستنجد أهلها بأهل ملطية فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطية وحصروها، والجزيرة يومئذ مفتونة بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحرّان، فأرسل قسطنطين إلى
стр. 8222
أهل ملطية: إنى لم أحصركم إلا على علم من اختلاف المسلمين، فلكم الأمان وتعودون إلى بلاد المسلمين حتى أخرب «١» ملطية، فلم يجيبوه، فنصب المجانيق فأذعنوا وسلّموا البلد بالأمان، وانتقلوا إلى بلاد الإسلام، فخرّبها الروم ورحلوا عنها، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصىّ، وأرسل كوشان الأرمنى فحصرها، فنقب أخوان من الأرمن من أهل المدينة «٢» سورها، فدخل كوشان ومن معه البلد فغلبوا عليها، وقاتلوا الرجال وسبوا النساء والذريّة، وساق الغنائم إلى ملك الروم.
وفيها وجّه السفاح عمه سليمان واليا على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين «٣» ومهرجا نقذق واستعمل عمه إسماعيل بن على على الأهواز.
وفيها مات «٤» داود بن على فى شهر ربيع الأول واستخلف ابنه موسى، فاستعمل السفاح على مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبيد الله «٥» بن عبد المدان الحارثى، ووجّه محمد بن يزيد بن عبد المدان الحارثى «٦» على اليمن. وفيها توجّه محمد بن الأشعث إلى أفريقية فقاتل أهلها حتى فتحها.
وفيها خرج شريك بن شيخ المهرى ببخارى على أبى مسلم، ونقم عليه وقال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، نسفك الدماء ونعمل بغير الحق، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، ووجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعى فقتله زياد.
стр. 8223
وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل واستعمل مكانه إسماعيل بن على وفيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختّل فتحصّن ملكها منه هو وأناس، فألحّ عليه أبو داود فخرج هو ومن معه من دهاقينه، فسار حتى انتهى إلى أرض فرغانة، ودخل بلد الترك وانتهى إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم، فبعث بهم إلى أبى مسلم.
وحج بالناس فى هذه السنة زياد بن عبيد الله «١» .
ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائة .
ذكر خلع بسّام بن إبراهيم وما كان من أمره وقتل أخوال السفاح
فى هذه السنة خلع بسّام بن إبراهيم، وكان من فرسان أهل خراسان، وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على رأيه سرّا إلى المدائن، فوجّه إليهم السفاح خازم بن خزيمة فاقتتلوا، فانهزم بسّام وقتل أكثر من معه واستبيح عسكرهم، وتبعهم خازم إلى أن بلغ ماه «٢» ، ثم انصرف فمرّ بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بنى عبد المدان وهم خمسة وثلاثون رجلا، ومن غيرهم ثمانية عشر ومن مواليهم سبعة عشر، فلم يسلّم عليهم فلما جاوزهم شتموه، وكان فى قلبه منهم، لأنه بلغه أن المغيرة بن الفزع من أصحاب بسّام لجأ إليهم، فرجع إليهم فسألهم عن المغيرة، فقالوا: مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام فى قريتنا ليلة ثم خرج منها، فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه فيأمن فى قريتكم!! فهلا اجتمعتم فأخذتموه!! فأغلظوا له فى الجواب فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعا،
стр. 8224
وهدم دورهم ونهب أموالهم ثم انصرف، فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا، ودخل زياد بن عبيد الله الحارثى معهم على السفاح، فقالوا: إن خازما «١» اجترأ عليك واستخف بحقك، وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك، معتزين بك طالبين معروفك، حتى إذا صاروا فى جوارك قتلهم خازم، ونهب أموالهم وهدم دورهم بلا حدث أحدثوه، فهمّ بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا على السفاح وصرفوه عن ذلك، وقالا إن له سابقة وإن كنت لا بد قاتله فابعثه لأمر، إن قتل فيه فقد بلغت الذى تريد، وإن ظفر كان ظفره لك. وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابركاوان «٢» مع شيبان بن عبد العزيز اليشكرى، وأمر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن على وهو بالبصرة بحملهم فى السفن إلى جزيرة ابركاوان وعمان، فسار خازم.
ذكر خبر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز
قال: وسار خازم إلى البصرة وقد انتخب من أهله وعشيرته ومواليه ومن أهل مرو الرّوذ من يثق به، ثم سار فلما وصل إلى البصرة انضم إليه عدة من بنى تميم، فساروا فى البحر إلى جزيرة ابركاون، فوجّه خازم نضلة «٣» بن نعيم النّهشلى فى خمسمائة إلى شيبان، فالتقوا وقتتلوا قتالا شديدا، فركب
стр. 8225
شيبان وأصحابه فى السفن إلى عمان وهم صفريّة، فقاتلهم الجلندى وأصحابه وهم أباضيّة، واشتد القتال بينهم فقتل شيبان ومن معه، وقد ذكرنا فى سنة تسع وعشرين ومائة فى أخبار مروان بن محمد قتل شيبان هذا، وليس هو شيبان الذى قتل بخراسان، ذاك شيبان بن سلمة، ثم سار خازم فى البحر بمن معه حتى أرسوا بساحل عمان، فخرجوا فلقيهم الجلندى وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل بينهم، ثم اقتتلوا من الغد فقتل من الخوارج نحو تسعمائة، وأحرقوا منهم نحو تسعين رجلا، ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم، وجعلوا النفط على أسنة رماحهم، وأضرموا بيوت أصحاب الجلندى وكانت من خشب فاحترقت، واشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأموالهم، فحمل عليهم أصحاب خازم فقتل الجلندى، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف، فبعث برءوسهم إلى البصرة ثم إلى السفاح، واستقدم خازما بعد ذلك بشهر فقدم عليه.
وفيها وجّه السفاح موسى بن كعب إلى السند «١» لقتال منصور بن جمهور، فسار إليه والتقوا فانهزم منصور ومن معه، فمات عطشا فى الرمال، وقيل أصابته بطنة فمات، وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور، فدخل بهم بلاد الخزر.
وفيها توفى محمد بن يزيد وهو على اليمن، فاستعمل السفاح مكانه على ابن الربيع بن عبيد الله «٢» . وفيها تحوّل السفاح من الحيرة إلى الأنبار فى ذى الحجة. وفيها ضرب المنار «٣» والأميال من الكوفة إلى مكة المشرفة. وحج بالناس عيسى بن موسى وهو على الكوفة.
ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائة
.
стр. 8226
ذكر خروج زياد بن صالح
فى هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار إليه أبو مسلم من مرو، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم- نصر بن راشد إلى ترمذ، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ناس من الطّالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصرا، فبعث أبو داود «١» عيسى بن ماهان فقتل قتلة نصر، ومضى أبو مسلم مسرعا حتى انتهى إلى آمل ومعه سبّاع بن النعمان الأزدى، وكان السفاح قد أرسله لقتال زياد بن صالح، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبى مسلم ويقتله، فأخبر أبا مسلم بذلك فحبس سبّاعا بآمل، وغزا أبو مسلم حتى نزل بخارى، فأتاه عدّة من قواد زياد قد خلعوا زيادا، وأخبروا أبا مسلم أن سبّاع بن النعمان أفسد «٢» زيادا، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله فقتله، ولجأ زياد إلى دهقان هناك فقتله، وحمل رأسه إلى أبى مسلم، فرجع إلى مرو. وفيها غزا عبد الرحمن «٣» بن حبيب جزيرة صقلية فغنم ونهب وسبى بعد أن غزا تلمسان. وحج بالناس فى هذه السنة سليمان بن على.
ودخلت سنة ست وثلاثين ومائة
.
стр. 8227
ذكر وفاة أبى العباس السفاح
فى هذه السنة: توفى أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح، وكانت وفاته بالأنبار بالمدينة التى بناها وسماها الهاشمية، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى الحجة- وقيل لاثنتى عشرة ليلة مضت منه- بمرض الجدرى، وله ثلاث وثلاثون سنة، وقيل ست وثلاثون، وقيل ثمان وعشرون، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفى أربع سنين، ومن لدن بويع بالخلافة أربع سنين وتسعة أشهر، وكان جعدا أبيض طويلا، أقنى الأنف حسن الوجه واللحية، وقيل إنه سمّ.
وحكى: أنه وصل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب بألفى ألف درهم، ولم يعط خليفة هذه الجملة. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. أولاده: محمد مات صغيرا ورايطة تزوجها المهدى.
وزراؤه: أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو أول من لقب بالوزارة، ولم يكن خلّالا وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلّالين، فكان يجلس عندهم فسمى الخلّال، ثم قتله على ما قدمناه واستوزر خالد بن برمك وقد قدّمنا أنه كان على الخراج. وكانت الدفاتر فى الدواوين صحفا مدرجة، فأول من جعلها دفاتر من جلود خالد بن برمك. قضاته: ابن أبى ليلى الأنصارى ثم يحيى بن سعيد الأنصارى. حاجبه: أبو غسّان صالح بن الهيثم مولاه.
الأمير بمصر: صالح بن على بن عبد الله بن عباس، ثم سار عنها واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم عاد صالح بن على وقد جمع له مصر وفلسطين وأفريقية، فسيّر أبا عون إلى أفريقية. قاضيه بها عبد الرحمن بن سالم إلى أن صرفه أبو عون وأعاد حسين بن نعيم، ثم اعتزل وولى أبو عون- عون بن سليمان.
стр. 8228
قال: ولما مات السفّاح صلّى عليه عمه عيسى بن على، ودفنه بالأنبار العتيقة. وخلف تسع جباب وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاث مطارف خز.
قيل: نظر السفاح يوما فى المرآة فقال: اللهم إنى لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكنى أقول: اللهم عمّرنى طويلا فى طاعتك، متمتعا بالعافية، فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام:
الأجل بينى وبينك شهران وخمسة أيام، فتطيّر من كلامه، وقال: حسبى الله ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين. فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، ومات بعد شهرين وخمسة أيام.
ذكر خلافة المنصور
هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وأمّه سلامة بنت بشر بن يزيد، وهو الثانى من خلفاء بنى العباس. وكان أخوه السفاح قبل وفاته قد عقد البيعة له فى هذه السنة، وجعله ولىّ عهد المسلمين من بعده، وجعل من بعده ولد أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن على، وجعل العهد فى ثوب وختمه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى «١» ، فلما توفى السفاح كان أبو جعفر بمكة، فأخذ البيعة له عيسى بن موسى، وكتب إلى أبى جعفر يعلمه بوفاة السفاح والبيعة له، فلقيه الرسول بمنزل صفيّة «٢» ، فقال: صفت لنا إن شاء الله، وكتب إلى أبى مسلم يستدعيه، وكان قد حجّ أيضا وقد تقدّم المنصور فأقبل إليه، فلما جلس ألقى إليه الكتاب فقرأه وبكى واسترجع، ونظر إلى أبى جعفر وقد جزع جزعا شديدا، فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال أتخوّف شرّ عمى
стр. 8229
عبد الله وشيعة علىّ، فقال: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله تعالى، إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان، وهم لا يعصوننى فسرّى عنه، وبايع له أبو مسلم، وأقبلا حتى قدما الكوفة، قال: ولما بايع عيسى بن موسى الناس لأبى جعفر أرسل إلى عبد الله بن علىّ بالشام، يخبره بوفاة السفاح وبيعة المنصور، وأمره أن يأخذ البيعة للمنصور فبايع لنفسه.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
. فى هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور من مكة إلى الكوفة، فصلّى بأهلها الجمعة وخطبهم، وسار إلى الأنبار فأقام بها وجمع أطرافه، وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم فسلّم الأمر إليه.
ذكر خروج عبد الله بن على وقتاله وهزيمته
كان عبد الله بن علىّ قدم على السفاح، فجعله على الصائفة وسيّر معه أهل الشام وخراسان، فسار حتى بلغ دلوك ولم يدرب، فأتاه الخبر بوفاة السفاح وبيعة المنصور، فرجع وبايع لنفسه وأعلم الناس أن السفاح لما وجّه الجنود إلى مروان بن محمد دعا أهل بيته، وقال: من انتدب منكم لقتال مروان وسار إليه فهو ولى عهدى، فلم ينتدب غيرى وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، وشهد له أبو غانم الطائى وخفاف المروروزى وغيرهما من القواد فبايعوه، ومنهم حميد بن قحطبة وغيره، ثم سار عبد الله حتى أتى حرّان، وبها مقاتل العكى «١» قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة، فتحصّن منه مقاتل فحصره أربعين يوما، وكان أبو مسلم قد عاد من
стр. 8230
الحج مع المنصور كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيابى فى منطقتى وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان وأمددتك بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن على، فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار نحوه فى الجنود ولم يتخلف عنه أحد، فلما بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم الخراسانى أعطى العكّى «١» أمانا، فنزل إليه فيمن معه فوجّهه إلى عثمان بن عبد الأعلى الأزدى بالرقة، ومعه ابناه، وكتب معه كتابا، فلما قدموا على عثمان دفع العكّى الكتاب إليه فقتله واحتبس أولاده، قال: وخشى عبد الله ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، وكتب معه كتابا إلى زفر بن عاصم يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه، فلما كان ببعض الطريق قرأه، فإذا فيه قتله، فأعلم خاصته بما فيه وانقلب إلى العراق على الرصافة، فتبعه ناس كثير، وأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علىّ ليمكر به، فلما أتاه قال له: سمعت أبا العباس يقول: الخليفة بعدى عمى عبد الله، فقال له:
كذبت إنما وضعك أبو جعفر وضرب عنقه، ثم أقبل عبد الله حتى نزل نصيبين وخندق عليه، وقدم أبو مسلم ناحية نصيبين وأخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد الله، وكتب إليه: لم أومر بقتالك، وإنما أمير المؤمنين ولّانى الشام، فأنا أريدها، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام له: كيف نقيم معك؟ وهذا يأتى بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبى ذرارينا، ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله، فقال لهم عبد الله: والله ما يريد الشام وما توجّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم، فأبوا إلا المسير إلى الشام، فارتحل عبد الله نحو الشام، فنزل أبو مسلم فى معسكر عبد الله،
следующие страницы →