Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.
стр. 8226
ذكر خروج زياد بن صالح
فى هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار إليه أبو مسلم من مرو، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم- نصر بن راشد إلى ترمذ، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ناس من الطّالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصرا، فبعث أبو داود «١» عيسى بن ماهان فقتل قتلة نصر، ومضى أبو مسلم مسرعا حتى انتهى إلى آمل ومعه سبّاع بن النعمان الأزدى، وكان السفاح قد أرسله لقتال زياد بن صالح، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبى مسلم ويقتله، فأخبر أبا مسلم بذلك فحبس سبّاعا بآمل، وغزا أبو مسلم حتى نزل بخارى، فأتاه عدّة من قواد زياد قد خلعوا زيادا، وأخبروا أبا مسلم أن سبّاع بن النعمان أفسد «٢» زيادا، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله فقتله، ولجأ زياد إلى دهقان هناك فقتله، وحمل رأسه إلى أبى مسلم، فرجع إلى مرو. وفيها غزا عبد الرحمن «٣» بن حبيب جزيرة صقلية فغنم ونهب وسبى بعد أن غزا تلمسان. وحج بالناس فى هذه السنة سليمان بن على.
ودخلت سنة ست وثلاثين ومائة
.
стр. 8227
ذكر وفاة أبى العباس السفاح
فى هذه السنة: توفى أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح، وكانت وفاته بالأنبار بالمدينة التى بناها وسماها الهاشمية، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى الحجة- وقيل لاثنتى عشرة ليلة مضت منه- بمرض الجدرى، وله ثلاث وثلاثون سنة، وقيل ست وثلاثون، وقيل ثمان وعشرون، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفى أربع سنين، ومن لدن بويع بالخلافة أربع سنين وتسعة أشهر، وكان جعدا أبيض طويلا، أقنى الأنف حسن الوجه واللحية، وقيل إنه سمّ.
وحكى: أنه وصل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب بألفى ألف درهم، ولم يعط خليفة هذه الجملة. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. أولاده: محمد مات صغيرا ورايطة تزوجها المهدى.
وزراؤه: أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو أول من لقب بالوزارة، ولم يكن خلّالا وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلّالين، فكان يجلس عندهم فسمى الخلّال، ثم قتله على ما قدمناه واستوزر خالد بن برمك وقد قدّمنا أنه كان على الخراج. وكانت الدفاتر فى الدواوين صحفا مدرجة، فأول من جعلها دفاتر من جلود خالد بن برمك. قضاته: ابن أبى ليلى الأنصارى ثم يحيى بن سعيد الأنصارى. حاجبه: أبو غسّان صالح بن الهيثم مولاه.
الأمير بمصر: صالح بن على بن عبد الله بن عباس، ثم سار عنها واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم عاد صالح بن على وقد جمع له مصر وفلسطين وأفريقية، فسيّر أبا عون إلى أفريقية. قاضيه بها عبد الرحمن بن سالم إلى أن صرفه أبو عون وأعاد حسين بن نعيم، ثم اعتزل وولى أبو عون- عون بن سليمان.
стр. 8228
قال: ولما مات السفّاح صلّى عليه عمه عيسى بن على، ودفنه بالأنبار العتيقة. وخلف تسع جباب وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاث مطارف خز.
قيل: نظر السفاح يوما فى المرآة فقال: اللهم إنى لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكنى أقول: اللهم عمّرنى طويلا فى طاعتك، متمتعا بالعافية، فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام:
الأجل بينى وبينك شهران وخمسة أيام، فتطيّر من كلامه، وقال: حسبى الله ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين. فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، ومات بعد شهرين وخمسة أيام.
ذكر خلافة المنصور
هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وأمّه سلامة بنت بشر بن يزيد، وهو الثانى من خلفاء بنى العباس. وكان أخوه السفاح قبل وفاته قد عقد البيعة له فى هذه السنة، وجعله ولىّ عهد المسلمين من بعده، وجعل من بعده ولد أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن على، وجعل العهد فى ثوب وختمه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى «١» ، فلما توفى السفاح كان أبو جعفر بمكة، فأخذ البيعة له عيسى بن موسى، وكتب إلى أبى جعفر يعلمه بوفاة السفاح والبيعة له، فلقيه الرسول بمنزل صفيّة «٢» ، فقال: صفت لنا إن شاء الله، وكتب إلى أبى مسلم يستدعيه، وكان قد حجّ أيضا وقد تقدّم المنصور فأقبل إليه، فلما جلس ألقى إليه الكتاب فقرأه وبكى واسترجع، ونظر إلى أبى جعفر وقد جزع جزعا شديدا، فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال أتخوّف شرّ عمى
стр. 8229
عبد الله وشيعة علىّ، فقال: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله تعالى، إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان، وهم لا يعصوننى فسرّى عنه، وبايع له أبو مسلم، وأقبلا حتى قدما الكوفة، قال: ولما بايع عيسى بن موسى الناس لأبى جعفر أرسل إلى عبد الله بن علىّ بالشام، يخبره بوفاة السفاح وبيعة المنصور، وأمره أن يأخذ البيعة للمنصور فبايع لنفسه.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
. فى هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور من مكة إلى الكوفة، فصلّى بأهلها الجمعة وخطبهم، وسار إلى الأنبار فأقام بها وجمع أطرافه، وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم فسلّم الأمر إليه.
ذكر خروج عبد الله بن على وقتاله وهزيمته
كان عبد الله بن علىّ قدم على السفاح، فجعله على الصائفة وسيّر معه أهل الشام وخراسان، فسار حتى بلغ دلوك ولم يدرب، فأتاه الخبر بوفاة السفاح وبيعة المنصور، فرجع وبايع لنفسه وأعلم الناس أن السفاح لما وجّه الجنود إلى مروان بن محمد دعا أهل بيته، وقال: من انتدب منكم لقتال مروان وسار إليه فهو ولى عهدى، فلم ينتدب غيرى وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، وشهد له أبو غانم الطائى وخفاف المروروزى وغيرهما من القواد فبايعوه، ومنهم حميد بن قحطبة وغيره، ثم سار عبد الله حتى أتى حرّان، وبها مقاتل العكى «١» قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة، فتحصّن منه مقاتل فحصره أربعين يوما، وكان أبو مسلم قد عاد من
стр. 8230
الحج مع المنصور كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيابى فى منطقتى وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان وأمددتك بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن على، فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار نحوه فى الجنود ولم يتخلف عنه أحد، فلما بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم الخراسانى أعطى العكّى «١» أمانا، فنزل إليه فيمن معه فوجّهه إلى عثمان بن عبد الأعلى الأزدى بالرقة، ومعه ابناه، وكتب معه كتابا، فلما قدموا على عثمان دفع العكّى الكتاب إليه فقتله واحتبس أولاده، قال: وخشى عبد الله ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، وكتب معه كتابا إلى زفر بن عاصم يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه، فلما كان ببعض الطريق قرأه، فإذا فيه قتله، فأعلم خاصته بما فيه وانقلب إلى العراق على الرصافة، فتبعه ناس كثير، وأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علىّ ليمكر به، فلما أتاه قال له: سمعت أبا العباس يقول: الخليفة بعدى عمى عبد الله، فقال له:
كذبت إنما وضعك أبو جعفر وضرب عنقه، ثم أقبل عبد الله حتى نزل نصيبين وخندق عليه، وقدم أبو مسلم ناحية نصيبين وأخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد الله، وكتب إليه: لم أومر بقتالك، وإنما أمير المؤمنين ولّانى الشام، فأنا أريدها، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام له: كيف نقيم معك؟ وهذا يأتى بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبى ذرارينا، ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله، فقال لهم عبد الله: والله ما يريد الشام وما توجّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم، فأبوا إلا المسير إلى الشام، فارتحل عبد الله نحو الشام، فنزل أبو مسلم فى معسكر عبد الله،
стр. 8231
وغوّر ما حوله من المياه، فقال لأصحابه: ألم أقل لكم، ورجع فنزل فى مكان عسكر أبى مسلم الذى كان به أولا، ثم التقوا واقتتلوا خمسة أشهر عدة وقعات، حتى كادت الهزيمة تكون على أصحاب أبى مسلم، وانهزم بعضهم، فكان أبو مسلم يرتجز فى ذلك فيقول:
من كان ينوى أهله فلا رجع ... فرّ من الموت وفى الموت وقع
فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سبع وثلاثين التقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب عبد الله وتركوا معسكرهم فحواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى المنصور، فأرسل أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا من العسكر، فغضب أبو مسلم. قال: ومضى عبد الله وعبد الصمد ابنا علىّ، فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى المنصور، وأما عبد الله فإنه أتى أخاه سليمان بن علىّ بالبصرة، فأقام عنده زمانا متواريا.
ذكر مقتل أبى مسلم الخراسانى
وكان مقتله لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة، قال:
وسبب ذلك أن المنصور كان قد حقد عليه أشياء كثيرة، منها أن أبا مسلم كان قد كتب إلى السفاح يستأذنه فأذن له، وكتب السفاح إلى المنصور- وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان- أن أبا مسلم استأذننى فى الحج وأذنت له، وهو يريد أن أوليه الموسم فاستأذنى أنت فى الحج، فإنك إذا كنت بمكة لا يطمع أن يتقدمك، فكتب المنصور إلى السفاح يستأذنه فى الحج فأذن له، فقال أبو مسلم: ما «١» وجد أبو «٢» جعفر عاما يحج فيه غير هذا!! وحجّا معا، فكان أبو مسلم يكسو الأعراب، ويصلح الآبار
стр. 8232
والطرق، فصار الذكر له، فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم فى الطريق على المنصور، وأتاه خبر السفاح كما قدّمناه، فكتب إلى أبى جعفر يعزيه بالسفاح ولم يهنئه بالولاية، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع، فغضب المنصور لذلك وكتب إليه كتابا غليظا، فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهنئه بالخلافة، وتقدم أبو مسلم فأتى الأنبار، فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له، فأبى عيسى وقد قيل فى أمره ما قدمناه، ثم جهّزه لمحاربة عبد الله بن على ومعه الحسن بن قحطبة، فأرسل الحسن إلى أبى أيوب وزير المنصور يقول: إنى قد ارتبت «١» من أبى مسلم، فإنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقيه إلى أبى الهيثم ويضحكان استهزاء، فقال أبو أيوب: نحن لأبى مسلم أشد تهمة (منّا) «٢» لعبد الله.
فلما انهزم عبد الله وبعث المنصور أبا الخصيب يجمع الأموال، فأراد أبو مسلم قتله فكلّم فيه فخلى سبيله، وقال: أنا أمين على الدماء خائن فى الأموال، وشتم المنصور فرجع أبو الخصيب وأخبر المنصور، فخاف أن يمضى أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: إنى قد ولّيتك مصر والشام، فهى خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام، فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحبّ لقاءك أتيته من قرب، فلما أتاه الكتاب غضب وقال: يولينى مصر والشام وخراسان لى!! فكتب الرسول إلى المنصور بذلك.
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على الخلاف، وخرج يريد خراسان، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبى مسلم فى المسير إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنّا نروى عن ملوك بنى ساسان: إن أخوف ما
стр. 8233
يكون الوزراء إذا سكنت «١» الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء لك ما وفيت، حريّون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطى نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسى، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إليه: قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغشيشة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وأنت فى طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر ما أنت به، وليس من الشريطة التى أوجبت منك سمع ولا طاعة، وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة، لتسكن إليها إن أصغيت، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به ذات «٢» بينك أوكد عنده وأقرب من الباب الذى فتحه عليك.
وقيل إن مكاتبة أبى مسلم إلى المنصور كانت على خلاف ما قدمناه، وأن المنصور لما سار إلى المدائن أخذ أبو مسلم طريق حلوان، فقال المنصور لعمه عيسى بن على ولمن حضره من بنى هاشم: اكتبوا إلى أبى مسلم، فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه، ويسألونه أن يتمّ ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة البغى، ويأمرونه بالرجوع إلى المنصور، وبعث المنصور الكتب مع أبى حميد المروروذى وقال له: كلّم أبا مسلم بألين ما تكلم به أحدا، ومنّه وأعلمه أنى رافعه وصانع به ما لم أصنع بأحد- إن هو صلح وراجع فله ما أحب «٣» ، فإن أبى فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لست للعباس وأنا برىء من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتنى، إن «٤» وكلت أمرك
стр. 8234
إلى أحد سواى، وإن لم آل طلبك وقتالك بنفسى، ولو خضت البحر لخضته، ولو «١» اقتحمت النار لاقتحمتها، حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، وأوصاه ألا يقول له هذا القول إلا بعد الإياس منه، فسار أبو حميد وقدم على أبى مسلم بحلوان، فدفع إليه الكتب وقال: إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك- حسدا وبغيا، يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان منك، وقال له: يا أبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس وما ذخره الله لك فى ذلك من الأجر عنده أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك ولا يستهوينّك الشيطان، فقال له: متى كنت تكلمنى بهذا الكلام!! فقال أبو حميد: إنك دعوتنا إلى هذا الأمر وإلى طاعة أهل بيت النبى ﷺ فى بنى العباس، وأمرتنا بقتال من خالف، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا حتى أتيناهم فى بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن يفسد أمرنا وتفرّق كلمتنا؟ وقد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلونى، فأقبل أبو مسلم على أبى نصر مالك بن الهيثم، وقال: أما تسمع كلامه لى!! ما هذا بكلامه، فقال مالك: لا تسمع كلامه ولا يهولنّك هذا منه، فلعمرى ما هذا كلامه، ولما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لئن أتيته ليقتلنّك، ولقد وقع فى نفسه منك مالا يأمنك معه أبدا، فأمرهم بالقيام فنهضوا.
وأرسل أبو مسلم الكتب إلى نيزك فقال: لا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتى الرى فتقيم بها، فتصيّر ما بين خراسان والرى لك، وهم جندك لا يخالفونك، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبى كنت فى جندك، وكانت خراسان من ورائك، وأنت ورأيك.
стр. 8235
فدعا أبا حميد وقال له: ارجع إلى صاحبك فليس من رأيى أن آتيه، قال: قد عزمت على خلافه، قال: نعم، قال: لا تفعل، قال لا أعود أبدا، فلما أيس منه أبلغه الرسالة، فوجم طويلا ثم قال: قم كررها وارتاع لقوله. وكان المنصور قد كتب لأبى داود- خليفة أبى مسلم بخراسان- حين اتهم أبا مسلم: أن لك إمرة خراسان، فكتب أبو داود إلى أبى مسلم:
إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّه ﷺ ، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجع إلا بأمره، فوافاه كتابه وهو على تلك الحال فزاده رعبا، فأرسل إلى أبى حميد فقال له: إنى كنت عازما على المضى إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتينى برأيه، فإنه ممن أثق به فوجّهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، وقال له المنصور: اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان وأجازه، فرجع أبو إسحاق إلى أبى مسلم وقال: ما أنكرت شيئا، ورأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى المنصور فيعتذر إليه، فقال له نيزك:
قد أجمعت على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثل:
ما للرجال مع القضاء محالة ... غلب «١» القضاء بحيلة الأقوام
قال: فإذا عزمت على هذا فخار الله لك، احفظ عنى واحدة: إذا دخلت عليه فاقتله، ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك.
وكتب أبو مسلم إلى المنصور إنه منصرف إليه، وسار نحوه واستخلف أبا نصر مالك بن الهيثم على عسكره، وقال له: أقم حتى يأتيك كتابى، فإن أتاك مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، وإن أتاك بخاتمى كله فلم أختمه، وقدم المدائن فى ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس بحلوان. قال: ولما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس؛ ثم قدم فدخل
стр. 8236
على المنصور فقبّل يده، فأمره أن ينصرف ويستريح ليلته ويدخل الحمام فانصرف.
فلما كان من الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحراس، فأمرهم أنه إذا صفّق بيده أن يقتلوا أبا مسلم وتركهم خلف الرواق، واستدعى أبا مسلم فدخل عليه، فقال له المنصور: أخبرنى عن نصلين أصبتهما مع عبد الله بن على، قال: هذا أحدهما، قال: أرنيه فانتضاه وناوله إياه، فوضعه المنصور تحت فراشه، وأقبل يعاتبه وقال له: أخبرنى عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين!؟ قال:
ظننت أن أخذه لا يحلّ، فلما أتانى كتابه علمت أنه وأهل بيته معدن العلم؛ قال: أخبرنى عن تقدمك إياى بطريق مكة، قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمت للرفق؛ وذكره بذنوبه وما أنكره عليه، وكان من جملة ما ذكر له- ألست الكاتب إلىّ تبدأ بنفسك، وتخطب عمتى آمنة «١» بنت على، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت- لا أمّ لك- مرتقى صعبا، ثم قال: وما الذى دعاك إلى قتل سليمان بن كثير؟ مع أثره فى دعوتنا وهو أحد نقبائنا «٢» قبل أن يدخلك فى هذا الأمر! قال: أراد الخلاف علىّ وعصانى فقتلته، فلما طال عتاب المنصور له قال: لا يقال لى هذا بعد بلالى وما كان منّى! قال: يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت فى دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، فأخذ أبو مسلم يد المنصور يقبّلها ويعتذر إليه، فقال: والله ما رأيت كاليوم، والله مازدتنى إلا غضبا، فقال أبو مسلم: دع هذا، فو الله قد أصبحت ما أخاف إلا الله، فشتمه المنصور وصفّق بيده على الأخرى، فخرج إليه الحرس فضربه عثمان
стр. 8237
ابن نهيك فقطع حبائل سيفه، فقال: استبقنى لعدوك يا أمير المؤمنين، فقال: لا أبقانى الله إذن، وأى عدو أعدى لى منك؟! وأخذته سيوف الحرس حتى قتلوه، وهو ينادى العفو العفو، فقال المنصور يا ابن اللخناء والسيوف قد اعتورتك!! وأنشد المنصور «١» :
اشرب بكأس كنت تسقى بها ... أمرّ فى فيك من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت والله أبا مجرم
قال: وكان أبو مسلم قد قتل ستمائة ألف صبرا، قال: ولما قتل قال لأصحابه اجتمعوا، فاجتمعوا فنثرت عليهم بدرة، فلما أكبوا ليلتقطوها طرح عليهم رأس أبى مسلم، فلما رأوه تخاذلوا وتفرقوا، قال: ثم خطب المنصور بعد مقتل أبى مسلم فقال:
أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا فى ظلمة الباطل بعد سعيكم فى ضياء الحق، إن أبا مسلم أحسن مبتدأ وأساء معقبا، وأخذ من الناس «٢» أكثر مما أعطانا، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيّته مالو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا فى قتله، وعنّفنا فى إمهاله «٣» ، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحلّ لنا عقوبته، وأباحنا دمه فحكمنا فيه حكمه لنا فى غيره، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة الذبيانى:
стр. 8238
فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على الصمد «١»
ثم نزل.
قال: وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة وأبى «٢» الزبير المكى وثابت البنانى ومحمد بن على بن عبد الله بن عباس والسدّى وروى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ وعبد الله بن المبارك وغيرهما، وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج؟ قال: لا أقول إن أبا مسلم خير من أحد، ولكنّ الحجاج كان شرا منه، وكان أبو مسلم فاتكا شجاعا ذا رأى وتدبير وحزم وعقل ومروءة.
قال: ولما قتل كتب المنصور إلى أبى نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبى مسلم يأمره بحمل ثقله، وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم، فلما رأى الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتبه، فقال:
أفعلتموها، وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان، فكتب المنصور له عهدا على شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركى وهو على همذان، إن مرّ بك أبو نصر فاحبسه، فأتاه الكتاب وهو بهمذان، فقال له زهير: قد صنعت لك طعاما، فلو أكرمتنى بدخول منزلى، فحضر عنده فأخذه زهير وحبسه، وقدم صاحب العهد على أبى نصر فخلّى زهير سبيله لهواه فيه فخرج، ثم كتب المنصور إلى زهير بقتله، فقال جاءنى كتاب بعهده فخليت سبيله، ثم قدم أبو نصر على المنصور فقال: أشرت على أبى مسلم بالمضى إلى خراسان، قال: نعم، كانت له عندى أياد فنصحته، وإن اصطنعنى أمير المؤمنين نصحت له وشكرت، فعفا عنه، فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر
стр. 8239
على باب القصر، وقال: أنا البواب اليوم، لا يدخل أحد وأنا حىّ، فعلم المنصور أنه نصح له، وقيل إن زهيرا سيّر أبا نصر إلى المنصور مقيّدا، فمنّ عليه واستعمله على الموصل والله أعلم.
ذكر خروج سنباذ بخراسان
وفى هذه السنة خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبى مسلم، وكان مجوسيا من قرية من قرى نيسابور يقال اهروانه «١» ، وكان من صنائع أبى مسلم فخرج غضبا لقتله، وكثر أتباعه وكان عامتهم من أهل الجبال، فغلب على نيسابور وقومس والرىّ وتسمى فيروز إصبهيذ، فلما صار بالرى أخذ خزائن أبى مسلم التى كان خلّفها هناك لما حجّ، وسبى الحرم ونهب الأموال ولم يتعرض للتجار، وأظهر أنه يريد قصد الكعبة ليهدمها، فوجّه إليه المنصور جمهور بن مرّار العجلى فى عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والرى على طرف المفازة، فعزم جمهور على مطاولته فلما التقوا قدّم سنباذ النساء من سبايا «٢» المسلمات على الجمال فى المحامل، فلما رأين عسكر المسلمين قمن فى المحامل ونادين: وا محمداه!! ذهب الإسلام، وقعقعت الريح فى أثوابهن فنفرت الإبل، وعادت على عسكر المجوس فتفرقوا، وكانت الهزيمة عليهم وتبع المسلمون الإبل، فوضعوا السيوف فى المجوس ومن معهم فقتلوهم كيف شاءوا، وكان عدد القتلى نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم، ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس، وكان بين مخرجه وقتله سبعون ليلة؛ وكان سبب قتله أنه قصد طبرستان ملتجئا إلى صاحبها، فأرسل إلى طريقه غلاما «٣» له اسم طوس «٤» ، فضرب عنق سنباذ وأخذ ما
стр. 8240
معه من الأموال، وكتب إلى المنصور بقتله، فطلب المنصور الأموال التى كانت معه من صاحب طبرستان فأنكرها، فسيّر الجنود لحربه فهرب إلى بلاد الديلم.
ذكر خروج ملبّد «١» الشيبانى وقتله
وفى هذه السنة خرج ملبّد بن حرملة الشيبانى فحكم بناحية الجزيرة، فسار إليه روابط الجزيرة وهم نحو ألف فارس، فقاتلهم فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبى فهزمه ملبّد، فوجّه إليه المنصور مولاه مهلهل بن صفوان فى ألفين نخبة الجند فهزمهم، واستباح عسكرهم، ثم وجّه إليه نزارا قائدا من قواد خراسان، فقتله ملبّد وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان فى جمع كثير فهزمهم، فوجّه إليه صالح بن صبيح فى جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة فهزمهم، ثم سار إليه حميد بن قحطبة- وهو يومئذ على الجزيرة- فهزمه ملبّد، وتحصّن منه حميد وأعطاه مائة ألف درهم، على أن يكفّ عنه، فلما بلغ ذلك المنصور وجّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن، وضمّ إليه زياد بن مشكان، فأكمن له ملبّد مائة فارس، فلما التقوا خرج الكمين عليهم، فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه، فوجّه إليه خازم بن خزيمة فى نحو ثمانية آلاف من المروروذية، والتقوا واقتتلوا مرة بعد أخرى، فانهزمت ميمنة خازم وميسرته وثبت هو فى القلب، فنادى فى أصحابه:
الأرض، الأرض، فنزلوا وعقروا عامة دوابهم وضربوا بالسيوف حتى تقطعت، وتراجع أصحاب خازم ورشقوا أصحاب ملبّد بالسهام، فقتل ملبّد فى ثمانمائة رجل بالنشاب- وكانوا قد ترجلوا، وقتل منهم قبل ذلك ثلاثمائة، وهرب الباقون فاتبعهم أصحاب خازم، فقتل منهم مائة وخمسون
стр. 8241
رجلا، وذلك فى سنة ثمان وثلاثين ومائة. وقيل إن خروجه كان فيها.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس وهو على الموصل.
ودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة .
ذكر خلع جمهور بن مرّار وقتله
فى هذه السنة خلع جمهور «١» بن مرّار العجلى، وسبب ذلك أنه لما هزم سنباذ حوى ما فى عسكره، وكان فيه خزائن أبى مسلم فلم يوجهها إلى المنصور، فخاف فخلع، فوجّه المنصور لحربه محمد بن الأشعث فى جيش عظيم، فسار نحو الرىّ ففارقها جمهور نحو أصفهان فملكها، فأرسل محمد عسكرا وأقام هو بالرى، فأشار على جمهور بعض أصحابه أن يسير فى نخبة عسكره نحو محمد، فسار إليه فبلغ محمدا الخبر فاحتاط وحذر، وأتاه عسكر من خراسان فقوى بهم، والتقوا بقصر الفيروزان بين الرى وأصفهان، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب جمهور، ولحق بأذربيجان، وقتل من أصحابه خلق كثير، ثم قتله أصحابه باسباذروا «٢» وحملوا رأسه إلى المنصور.
وفى هذه السنة خرج قسطنطين- ملك الروم- إلى بلاد الإسلام، فدخل ملطية عنوة وقهر أهلها وهدم سورها، وعفا عمن فيها من المقاتلة والذريّة، ثم بنى صالح بن على ما هدمه الروم من سورها.
стр. 8242
وفيها بايع عبد الله بن على للمنصور فى المسجد الحرام. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن صالح بن على.
ودخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
. فى هذه السنة: كان الفداء بين المنصور وملك الروم، فاستنقذ المنصور أسرى قاليقلا وغيرهم من الروم، وعمّرها وردّ أهلها إليها، وندب إليها جندا من أهل الجزيرة وغيرهم.
وفيها استولى عبد الرحمن بن معاوية على بلاد الأندلس، على ما نذكره فى أخبار الدولة الأموية بالمغرب. وفيها عزل المنصور سليمان بن على عن البصرة، فاختفى أخوه عبد الله بن على ومن معه من أصحابه، خوفا من المنصور، فأرسل المنصور إلى سليمان وعيسى ابنى علىّ فى إحضار عبد الله، وأمّنه فأحضراه إليه وقواده ومواليه فى ذى الحجة، فحبسه المنصور ومن معه من أصحابه، ثم قتل بعضهم بحضرته، وبعث بقيتهم إلى خالد بن إبراهيم- عامل خراسان- فقتلهم بها، واستعمل على البصرة سفيان بن معاوية. وحج بالناس العباس بن محمد بن على.
ودخلت سنة أربعين ومائة
. فى هذه السنة: هلك أبو داود خالد بن إبراهيم الذهلى عامل خراسان، وكان سبب هلاكه أنّ ناسا من الجند ثاروا به- وهو بكشماهن- ووصلوا إلى المنزل الذى هو فيه، فأشرف عليهم من الحائط ووطىء حرف آجرة، وجعل ينادى أصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرة به عند الصباح، فسقط على الأرض فانكسر ظهره فمات عند صلاة العصر، فاستعمل المنصور عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدى، فقدم وأخذ جماعة من القواد الذين أتهمهم بالدعاء لولد على بن أبى طالب فقتلهم، وحبس جماعة.
стр. 8243
وفيها سيّر المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم الإمام، والحسن بن قحطبة، فى سبعين ألف مقاتل إلى ملطية، فعمروا ما كان خربه الروم منها فى ستة أشهر، وأسكنها أربعة آلاف من الجند، وأكثر فيها السلاح والذخائر، وبنى حصن قلوذية «١» ، فعاد إلى ملطية من كان جلا منها.
وفيها حج المنصور فأحرم من الحيرة، فلما قضى حجة توجّه إلى البيت المقدس، ثم سار منه إلى الرّقة فقتل بها منصور بن جعونة العامرى، وعاد إلى هاشمية الكوفة.
وفيها أمر المنصور بعمارة مدينة المصّيصة على يد جبريل بن يحيى، وكان سورها قد تشعث من الزلازل وأهلها قليل، فبنى السور وسماها المعمورة، وبنى بها مسجدا جامعا، وفرض فيه لألف رجل، وأسكنها كثيرا من أهلها.
ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائة .
ذكر خروج الراوندية على المنصور وقتلهم
والراوندية قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح «٢» ، ويزعمون أن روح آدم حلت فى عثمان بن نهيك، وأن ربّهم الذى يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية، فلما ظهروا وأتوا قصر المنصور فقالوا: هذا قصر المنصور، فقالوا هذا قصر ربنا، فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم ثمانين «٣» رجلا، فغضب أصحابهم،
стр. 8244
وأخذوا نعشا فحملوه وليس فيه أحد، فمرّوا على باب السجن ورموا النعش، وحملوا على الناس ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم، وقصدوا المنصور وهم ستمائة رجل، فغلقت أبواب المدينة، وخرج المنصور من القصر ماشيا، ولم يكن فى القصر دابة، ثم أتى بدابة فركبها، وأمر بعد ذلك اليوم أن تربط دابة معه فى القصر، وخرج المنصور لهم فتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه، وجاء معن بن زائدة الشيبانى- وكان مستخفيا من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة، وكان المنصور شديد الطلب له، وقد بذل فيه مالا كثيرا، فتلثّم وترجّل وقاتل قتالا شديدا، وكان المنصور على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه، فأتاه معن بن زائدة وقال: يا شيخ أنا أحق بهذا اللجام منك فى هذا الوقت وأعظم غناء، فقال المنصور: صدق، فدفعه إليه، فلم يزل يقاتل حتى حصل الظفر بالراوندية، فقال له المنصور: من أنت؟ قال:
طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فقال: قد آمنك الله على نفسك ومالك وأهلك، مثلك يصطنع؛ وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور، وقال: أنا البواب كما ذكرنا ذلك، ونودى فى أهل السوق فقاتلوهم، وفتح باب المدينة فدخل الناس، فحمل عليهم خازم بن خزيمة حتى ألجأهم إلى حائط، ثم حملوا عليه فكشفوه مرتين، فقال الهيثم بن شعبة: إذا كرّوا علينا فاسبقهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فقاتلهم، ففعل ذلك فقتلوا جميعا، وكان ذلك بالمدينة الهاشمية، وأصيب يومئذ عثمان بن نهيك بسهم، فمرض أياما ومات فصلى عليه المنصور، وجعل على الحرس أبا العباس الطّوسى ثم ولّى المنصور معن بن زائدة اليمن.
ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدى إليه
وفى هذه السنة خلع عبد الجبار ابن عبد الرحمن- عامل خراسان- المنصور، وكان سبب ذلك أنه لمّا استعماء المنصور على خراسان عمد إلى
стр. 8245
القواد، فقتل بعضهم وحبس بعضهم، فبلغ ذلك المنصور، وأتاه كتاب بعضهم يقول: قد نغل «١» الأديم، فقال المنصور لأبى أيوب: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل ذلك إلا وهو يريد أن يخلع، فقال اكتب إليه: إنك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجنود من خراسان، وعليهم فرسانهم ووجوهم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فلا يمتنع، فكتب إليه المنصور فأجابه أن الترك قد جاشت «٢» ، وإن فرّقت الجند ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبى أيوب وقال: ما ترى، فقال: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهم إلى من غيرها، وأنا موجه إليك الجنود، ثم وجّه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن همّ بخلع أخذوا بعنقه، فلما ورد الكتاب على عبد الجبار أجابه: إن خراسان لم تكن أسوأ حالا منها العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من الغلاء، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبى أيوب، فقال له أبو أيوب: قد أبدى صفحته، وقد خلع فلا تناظره، فوجّه المنصور إليه المهدى، وأمره بنزول الرى، فسار المهدى ووجه خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار، ونزل المهدى نيسابور، فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار، وقاتلوه قتالا شديدا فانهزم منهم، والتجأ إلى مقطنة «٣» فتوارى فيها، فعبر إليه «٤» المجشّر بن مزاحم من أهل مرو الروذ فأخذه أسيرا، فلما قدم خازم أتاه به وألبسه جبة صوف، وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلى عجز البعير، وحمله إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب واستخرج منهم الأموال، ثم أمر فقطعت يد عبد الجبار ورجلاه وضربت عنقه، وأمر بتسيير ولده إلى دهلك- جزيرة باليمن، فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند
стр. 8246
فسبوهم فيمن سبوا، ثم فودوا بعد ذلك. وقيل كان أمر عبد الجبار فى سنة اثنتين وأربعين فى شهر ربيع الأول.
ذكر فتح طبرستان
قال: ولما ظفر المهدى بعبد الجبار بغير تعب كره المنصور أن تبطل تلك النفقات التى أنفقت على المهدى، فكتب إليه أن يغزو طبرستان وينزل الرىّ، ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الإصبهبذ، وكان الإصبهبذ يومئذ محاربا المصمغان «١» ملك دنباوند، فبلغه دخول الجند بلاده، ثم قال المصمغان للإصبهبذ متى قهروك صاروا إلىّ، فاجتمعوا على حرب المسلمين وطالت تلك الحروب، فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان، وهو الذى يقول فيه بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم
وكان عالما ببلاد طبرستان، فأخذ الجنود وقصد الرويان ففتحها وأخذ قلعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب وألحّ خازم بالقتال ففتح طبرستان وقتل منهم وأكثر، وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان، على أن يسلّم القلعة وما فيها من الذخائر، فكتب المهدى بذلك إلى المنصور، فوجّه المنصور صالحا صاحب المصلى فأحصى ما فى الحصن وانصرفوا، ودخل الإصبهبذ بلاد جيلان «٢» من الديلم، وأخذت ابنته وهى أم إبراهيم بن العباس بن محمد، وقصدت الجنود المصمغان فظفروا به.
وفيها عزل زياد بن عبيد الله الحارثى عن مكة والمدينة والطائف، واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى فى شهر رجب،
стр. 8247
وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العتكى من أهل خراسان. وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن على بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ على الشام.
ودخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة .
ذكر خلع عيينة بن موسى
فى هذه السنة خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند وكان عاملا عليها، وسبب خلعه أن أباه كان يستخلف المسيّب بن زهير على الشرط، فلما مات موسى أقام المسيّب على ما كان يلى من الشرط، وخاف أن المنصور يحضر عيينة فيوليه ما كان إلى أبيه، فكتب إليه بيت شعر ولم بسب الكتاب إلى نفسه:
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
فخلع الطاعة، فلما بلغ المنصور الخبر سار بعسكره حتى نزل جسر البصرة، ووجه عمر بن حفص بن أبى صفرة العتكى عاملا على السند، وأمره بمحاربة عيينة فسار وغلب على السند.
ذكر نكث الإصبهبذ
فى هذه السنة: نقض الإصبهبذ بطبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده منهم، فلما انتهى الخبر إلى المنصور سيّر مولاه أبا الخصيب، وخازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، وأقاموا يحاصرون الحصن وهو فيه، ولما طال عليهم المقام احتال أبو الخصيب فى ذلك، فقال لأصحابه: اضربونى واحلقوا رأسى ولحيتى ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ فقال له: إنهم فعلوا بى هذا لأنهم تهمونى أنّ هواى معك، وقال له: إنما أدلك على عورة عسكرهم، فقبل الإصبهبذ ذلك وجعله فى خاصته، وكان باب حصنه من حجر، وكان يوكل بفتحه وغلقه ثقات
стр. 8248
أصحابه نوبا بينهم، فلما وثق الإصبهبذ بأبى الخصيب وكله بالباب فتولى فتحه وغلقه، فكتب أبو الخصيب إلى روح وخازم وأعلمهم أنه قد ظفر، وأوعدهم ليلة بفتح الباب، فلما كان فى تلك الليلة فتح لهم، فدخلوا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتله وسبوا الذريّة، وأخذوا شكلة «١» أم ابراهيم ابن المهدى، وكان مع الإصبهبذ سم فشربه فمات، وقيل إن ذلك كان فى سنة ثلاث وأربعين.
وفى هذه السنة مات سليمان بن على بن عبد الله بن عباس فى جمادى الآخرة وعمره تسع وخمسون سنة، وفيها عزل نوفل بن الفرات عن مصر «٢» ، ووليها حميد بن قحطبة، وولّى المنصور أخاه العباس بن محمد على الجزيرة والثغور والعواصم، وعزل عمه إسماعيل عن الموصل واستعمل عليها مالك بن الهيثم الخزاعى. وحج بالناس إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة .
فى هذه السنة: ثار الديلم بالمسلمين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فندب الناس المنصور إلى قتال الديلم وجهادهم؛ وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، واستعمل السّرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس؛ وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر واستعمل عليها يزيد بن حاتم «٣» ، وحج بالناس فى هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله.
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة .
стр. 8249
فى هذه السنة: سير المنصور الناس من أهل الكوفة والبصرة والجزيرة والموصل إلى غزو الديلم، واستعمل عليهم محمد بن أبى العباس السفاح.
وفيها عزل المنصور عن المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى، واستعمل عليها رياح بن عثمان المرى، وكان سبب ذلك أن المنصور كان يتطلب محمد ابن عبد الله بن الحسن وأخاه إبراهيم بن عبد الله، فلما استعمل محمد بن خالد على المدينة أمره بطلبهما، فقدم المدينة وأنفق أموالا عظيمة فى طلبهما، فلم يظفر بهما فعزله واستعمل رياحا، وأمره بمطالبة القسرى بالأموال وطلب محمد وإبراهيم، فقدم المدينة وطالب محمد بن خالد بالمال وضربه وسجنه، وأخذ كاتبه رزاما «١» وعاقبه، وألزمه أن يذكر له ما أخذ محمد من الأموال، فلم يجبه إلى ذلك، فلما طال عليه الأمر وشدّد عليه العذاب أجابه، فقال له رياح: أحضر الرقيعة «٢» وقت اجتماع الناس، فلما اجتمع الناس أحضره، فقال: أيها الناس إن الأمير أمرنى أن أرفع على محمد بن خالد، وقد كتبت كتابا وأنا أشهدكم أن كل ما فيه باطل، فأمر به رياح فضرب مائة سوط ورده إلى السجن.
وفيها حج المنصور فلما عاد من حجه إلى المدينة لم يدخلها، ونزل الرّبذة، وكان قد أمر رياحا بحبس أولاد الحسن فحبسهم، فلما رجع أمر بحملهم إلى العراق، فأخرجهم من السجن إلى الربذة والأغلال فى أعناقهم وأرجلهم، وحملوا بغير وطاء، وحبسهم بقصر ابن هبيرة، وضرب محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان «٣» - وكان قد حبسه معهم- خمسين ومائة سوط، فسالت إحدى عينيه بضربة أصابتها، ومحمد هذا هو الذى يسمى
стр. 8250
الديباج، كل ذلك لخوفه من ظهور محمد وإبراهيم ابنى عبد الله بن حسن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة .
ظهور محمد بن عبد الله
فى هذه السنة: ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب «١» بالمدينة ودعا إلى نفسه، وحبس رياح بن عثمان عامل المدينة، وأخرج محمد بن خالد القسرى من الحبس، واستعمل العمال على المدينة ومكة والطائف واليمن، وكان خروجه لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة منها، وكان بينه وبين المنصور مكاتبات سنذكرها فى أخبار محمد بن عبد الله، ولم تغن شيئا، فندب المنصور لقتاله عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن العباس، فالتقوا فقتل محمد فى يوم الإثنين بعد العصر لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان منها، وقتل معه جماعة سنذكر ذلك مستوفى فى أخباره إن شاء الله.
وفيها ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن- وهو أخو محمد- بالبصرة، وبايع الناس، وكان ظهوره فى أول شهر رمضان، وقتل يوم الإثنين لخمس بقين من ذى القعدة منها. وسنذكر ذلك مستوفى فى موضعه إن شاء الله تعالى.
ذكر وثوب السودان بالمدينة
وفى هذه السنة: ثار السودان بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثى فهرب منهم، وسبب ذلك أن المنصور لما استعمله قدم المدينة لخمس بقين من شوال، فنازع جنده التجار فى بعض ما يشترونه منهم، فشكوا ذلك
стр. 8251
إليه فانتهر التجار وشتمهم، فتزايد طمع الجند فعدوا على صيرفى فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلصوه منه «١» ، وشكا أهل المدينة إلى ابن الربيع فلم ينكره، ثم جاء رجل من الجند إلى جزار، فاشترى منه لحما فى يوم جمعة فلم يعطه الثمن، وشهر عليه السيف فضربه الجزار بشفرة فى خاصرته فقتله، واجتمع الجزارون وتنادى السودان فقاتلوهم، ونفخوا فى بوق لهم فسمع السودان من العالية والسافلة فاجتمعوا، وكان رؤساؤهم ثلاثة، وهم: وثيق ويعقل وزمعة، فقتلوا فى الجند حتى أمسوا، وقصدوا ابن الربيع فهرب منهم، وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به، وانتهب السودان طعاما للمنصور وزيتا وغيره، فباعوا الحمل الدقيق بدرهمين، والراوية الزيت بأربعة دراهم، ولم يصل الناس فى ذلك اليوم جمعة، فذهب محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحبا بموالينا، والله ما قمنا إلا أنفة بما عمل بكم، فأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد فخطبهم ابن أبى سبرة، وحثهم على الطاعة فتراجعوا، ثم قال لهم- من الغد إنكم كان منكم ما كان بالأمس «٢» - نهبتهم طعام أمير المؤمنين، فلا يبقيّن عند أحد منه شىء إلا ردّه فردّوه، ورجع ابن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما.
ذكر بناء مدينة بغداد وانتقال أبى جعفر المنصور إليها
وفى هذه السنة ابتدأ المنصور فى بناء مدينة بغداد، وسبب ذلك أنه كان قد ابنتى المدينة الهاشمية بنواحى الكوفة، فلما ثارت الراوندية فيها كره سكناها لذلك، ولجوار أهل الكوفة فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، فخرج يرتاد موضعا لبنائها، وكان بعض جنده قد تخلف عنه بالمدائن لرمد أصابه،
стр. 8252
فسأله الطبيب الذى يعالجه عن سبب حركة المنصور فأخبره، فقال الطبيب: إنّا نجد فى كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبنى مدينة، بين دجلة والصراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى بعضها أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها وأصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتق من البصرة أعظم منه، فلم يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيتمه، ثم يعمر زمنا طويلا ويبقى الملك فى عقبه، فقدم ذلك الجندى على المنصور وأخبره الخبر، فقال: أنا والله كنت أدعى مقلاصا ثم زال عنّى، وسار حتى نزل الدير- هو جوار قصره المعروف بالخلد، ودعا صاحب الدير والبطريق وغيرهما، فاتفق رأيهم على عمارتها فى موضعها «١» ، وابتدأ بعمارتها فى سنة خمس وأربعين ومائة، وكتب إلى سائر البلاد فى إنفاذ الصناع والفعلة، وأمر أن يختار له من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة، وأمر فخطت المدينة بالرماد، فشقها ورآها، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار، ونظر إليها وهى تشتعل ففهمها، وأمر بحفر أساسها على ذلك الرسم، ووكل بها أربعة من القواد، كل قائد على ربع، ووكل أبا حنيفة بعدّ «٢» الآجر واللبن، وكان قبل ذلك أراده المنصور على ولاية القضاء والمظالم فلم يجب، فحلف المنصور أنه لا بد أن يعمل له، فأجابه أن ينظر فى عمارة بغداد، ويعدّ الآجر واللبن بالقصب- وهو أول من فعل ذلك، وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا، وجعل فى البناء القصب والخشب، ووضع بيده أول لبنة وقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة الله، فلما بلغ السور قدر قامة جاء الخبر
стр. 8253
بظهور محمد بن عبد الله فقطع البناء وأقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم، ثم عاد إلى بغداد فأتم بناءها، وكان المنصور قد أعد جميع ما تحتاج إليه المدينة، من آلات البناء والخشب والساج وغيره، واستخلف حين شخص إلى الكوفة على إصلاح ما أعدّ سلّم «١» مولاه، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور فأحرق جميع ذلك.
قال: ولما انقضى أمر إبراهيم عاد المنصور إلى بغداد فى صفر سنة ست وأربعين ومائة، واستشار خالد بن برمك فى نقض المدائن وإيوان كسرى، ونقل النقاضة إلى بغداد، فقال: لا أرى ذلك لأنه علم من أعلام الإسلام، فقال له: أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم!! وأمر بنقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه، فلم يوف ما تحصل من النقاضة بما غرم عليه من الكلفة، فاستشار خالد بن برمك فقال: كنت لا أرى ذلك قبل، أما إذ فعلت فأرى أن يهدم لئلا يقال عجزت عن هدم ما بناه غيرك، فأعرض عنه وترك هدمه، ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد، وبابا جىء به من الشام، وبابا من الكوفة كان عمله خالد القسرى، وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وجعل لها سورين، فالسور الداخل أعلى من الخارج، وبنى قصره فى وسطها، والمسجد الجامع بجانب القصر، وكان اللبن الذى يبنى به ذراع فى ذراع، ووزن بعض اللبن لما نقص فكان مائة رطل وسبعة عشر رطلا، وكانت الأسواق فى المدينة فجاء رسول لملك الروم، فأمر أن يطاف به المدينة، ثم قال له: كيف رأيت؟ فقال: رأيت بناء حسنا إلا أنّ أعداءك معك، وهم السوقة، فأمر المنصور بإخراجهم إلى الكرخ.
قال ابن الأثير: وكان مقدار النفقة على بنائها وبناء المسجد والقصر والأسواق والفصلان والخنادق والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة
стр. 8254
وثلاثين درهما، وكان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة، والروز كارى «١» بحبتين، وحاسب القواد عند الفراغ وأخذ منهم ما بقى عندهم، فبقى عند خالد بن الصلت خمسة عشر درهما فحبسه عليها وأخذها منه.
وفى سنة خمس وأربعين خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة وحج بالناس السرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس.
ودخلت سنة ست وأربعين ومائة
. فى هذه السنة كملت عمارة بغداد، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها عزل سلم بن قتيبة عن البصرة واستعمل عليها محمد بن سليمان؛ وعزل عن المدينة عبد الله بن الربيع، واستعمل عليها جعفر بن سليمان؛ وعزل عن مكة السرى بن عبد الله، ووليها عبد الصمد بن على. وحج بالناس فى هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة سبع وأربعين ومائة
. فى هذه السنة أغار استرخان الخوارزمى فى جمع من الترك بناحية أرمينية، فسبى من المسلمين وأهل الذمّة خلقا كثيرا، ودخلوا تفليس، وكان حرب بن عبد الله مقيما بالموصل فى ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة، فسيّر المنصور لمحاربة الترك جبريل بن يحيى وحرب بن عبد الله، فقاتلهم فقتل حرب وهزم جبريل بن يحيى، وقتل خلق من أصحابه.
ذكر البيعة للمهدى «٢» وخلع عيسى بن موسى
فى هذه السنة: كلم المنصور عيسى بن موسى فى أن يخلع نفسه من
стр. 8255
ولاية العهد، وتقدّم للمهدى فامتنع من ذلك، فاطرحه المنصور وحطّ من رتبته، وقدّم المهدى عليه فى الجلوس، وأذاه بأنواع الأذى وأهانه بأنواع الإهانة، وآخر الأمر إن المنصور أمر الربيع أن يخنق عيسى بحمائل سيفه، فخنقه وهو يستغيث: الله الله فى دمى يا أمير المؤمنين، والمنصور يقول:
ازهق نفسه، هذا بحضور أبيه موسى، فقام أبوه عند ذلك وبايع للمهدى، ثم جعل عيسى بن موسى بعده، فقال الناس: هذا الذى كان غدا فأصبح بعد غد هذا أحد الأقوال فى خلعه، وقيل بل شهد عليه ثلاثون نفرا من شيعة المنصور، أنه خلع نفسه وبايع للمهدى فأنكر ذلك، فلم يسمع منه، وقيل بل اشترى المنصور ولاية العهد منه بأحد عشر ألف ألف درهم، وكانت مدة ولاية عيسى الكوفة ثلاث عشرة سنة، وعزله المنصور واستعمل محمد بن سليمان.
ذكر وفاة عبد الله بن على وخبر عيسى بن موسى
قال: كان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه، وسلّم إليه عمه عبد الله بن على وأمره بقتله، وقال: إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدى، فاضرب عنقه وإياك أن تضعف، فينتقض علىّ أمرى الذى دبرته، ثم مضى المنصور إلى مكة وكتب إلى عيسى من الطريق يستعلم منه:
ما فعل فى الذى أمره، فكتب إليه عيسى: قد أنفذت ما أمرت به، فلم يشك أنه قتله، وكان عيسى حين أخذ عبد الله من المنصور دعا كاتبه يونس ابن [أبى] «١» فروة، واستشاره فى أمره، فقال: إنما أراد المنصور أن يقتله ثم يقتلك به، لأنه أمرك بقتله سرا ثم يدعيه عليك علانية، فلا تقتله ولا
стр. 8256
تدفعه إليه سرا أبدا، واكتم أمره، ففعل عيسى ذلك، فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من حرّكهم على الشفاعة فى أخيهم عبد الله، ففعلوا فشفعهم فيه، وقال لعيسى: إنى دفعت إليك عمى وعمك عبد الله ليكون فى منزلك، وقد كلمنى عمومتك فيه وقد صفحت عنه فإيتنا به، فقال:
يا أمير المؤمنين ألم تأمرنى بقتله!! قال: ما أمرتك إلا بحبسه، قال:
بلى، قد أمرتنى، فكذّبه، ثم قال لعمومته: إن هذا قد أقر بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه لنا نقيده به، فسلمه إليهم فخرجوا به إلى الرحبة واجتمع الناس، وقام أحدهم ليقتله فقال عيسى: أفاعل أنت!! قال:
إى والله، فقال: ردّونى إلى أمير المؤمنين فردّوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلنى، هذا عمك حىّ سوىّ، قال: إيتنا به فأتاه به، فقال المنصور: يدخل حتى أرى فيه رأيى ثم صرفهم، وجعله فى بيت أساسه ملح، ثم أجرى الماء على أساسه فسقط عليه البيت فمات، ودفن بمقابر المسلمين بباب الشام وهو أول من دفن فيها، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة.
وحج المنصور فى هذه السنة بالناس
ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائة .
ذكر خروج حسّان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمدانى
قال: وكان خروجه بنواحى الموصل بقرية بافخّارى «١» - وهى قرب الموصل على دجلة، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم وعليهم الصقر بن نجدة، ثم سار حسّان إلى الرقة ومنها إلى البحر، ودخل بلد السند ثم عاد إلى الموصل، فخرج إليه الصقر أيضا والحسن بن صالح بن حسّان «٢» الهمدانى
стр. 8257
وبلال القيسى والتقوا، فانهزم الصقر وأسر الحسن بن صالح وبلال، فقتل حسان بلالا واستبقى الحسن لأنه من همدان، ففارقه بعض أصحابه لهذا.
وفى هذه السنة استعمل الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمى على أفريقية، وبعث بعهده إليه بها؛ وحج المنصور بالناس فى هذه السنة.
ودخلت سنة تسع وأربعين ومائة
. فى هذه السنة غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم، ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث فمات محمد فى الطريق وفيها استتمّ المنصور بناء سور بغداد وخندقها، وفرغ من جميع أمورها وسار إلى حديثة الموصل وعاد. وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد (بن على) «١» بن عبد الله بن عباس.
ودخلت سنة خمسين ومائة .
ذكر خروج استاذ سيس
«٢» فى هذه السنة خرج استاذ سيس فى أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان، فكان- مما قيل- فى ثلاثمائة ألف مقاتل فغلبوا على عامة خراسان، وسار حتى التقى هو وأهل مرو الروذ وعليهم الأجثم «٣» المروروزى، فاقتتلوا فقتل الأجثم، وهزم استاذ سيس عدة من القواد، فوجّه المنصور خازم بن خزيمة لحربه وضمّ إليه القواد، فسار خازم والتقوا واقتتلوا، وكانت بينهم حروب آخرها أن استاذ سيس انهزم، وأكثر المسلمون القتل فى أصحابه، فكان عدة من قتل سبعين ألفا، وأسروا أربعة عشر ألفا، ونجا استاذ سيس إلى جبل فى نفريسير، فحصرهم خازم وقتل
стр. 8258
الأسرى، ووافى أبو عون وابن سلّم «١» ، فنزل استاذ سيس على حكم أبى عون، فحكم أن يوثق هو وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفا، فأمضى خازم حكمه وكسى كل رجل ثوبين، وقيل إن استاذ سيس ادعى النبوّة وأظهر أصحابه الفسق وقطع السبيل؛ وقيل إنه جد المأمون- أبو أمه مراجل.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن على وهو عامل مكة.
ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائة
. فى هذه السنة عزل المنصور عمر «٢» بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبى صفرة عن السند، واستعمل عليها هشام بن عمرو «٣» التغلبى، واستعمل عمر بن حفص على أفريقية ثم عزله عنها، واستعمل يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن أبى صفرة.
ذكر بناء الرّصافة للمهدى
فى هذه السنة قدم المهدى من خراسان فى شوال، فقدم عليه أهل بيته من الشام والكوفة وغيرها، فهنأوه بقدومه فأجازهم وحملهم وكساهم، وفعل بهم المنصور مثل ذلك. وبنى الرصافة. وكان سبب بنائها أن بعض الجند شعبوا على المنصور وحاربوه على باب الذهب، فدخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله «٤» بن العباس، وهو شيخهم وله الحرمة فيهم والتقدم
стр. 8259
عندهم، فقال له المنصور: أما ترى ما نحن فيه من وثوب الجند علينا، وقد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟
فقال: يا أمير المؤمنين عندى رأى، إن أظهرته لك فسد وإن تركتنى أمضيته وصلحت خلافتك، وهابك الجند، قال: أفتمضى فى خلافتى شيئا لا أعلمه «١» ؟ فقال له: إن كنت عندك متهما فلا تشاورنى، وإن كنت مأمونا فدعنى أفعل رأيى، فقال له: امضه، فانصرف قثم إلى منزله فدعا غلاما له فقال له: إذا كان غدا فتقدّمنى فاجلس فى دار أمير المؤمنين، فإذا دخلت وتوسطت أصحاب المراتب فخذ بعنان بغلتى، واستحلفنى بحق رسول الله ﷺ وحق العباس وحق أمير المؤمنين لما وقفت لك، وسمعت مسألتك وأجبتك عنها، وسأنهرك وأغلظ لك فلا تجب، وعاود المسألة فسأضربك فعاود، وقل لى أى الحيين أشرف: اليمن أو مضر؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حرّ، ففعل الغلام ما أمره به؛ فقال له قثم: مضر أشرف لأن منها رسول الله ﷺ ، وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله، فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيئا، فقال بعض قوادهم: ليس الأمر كذلك مطلقا بغير فضيلة!! ثم قال لغلام له: قم إلى بغلة الشيخ فاكبحها، ففعل حتى كاد يقعيها، فامتعضت مضر وقالوا:
يفعل هذا بشيخنا!! وأمر بعضهم غلامه فضرب يد ذلك الغلام فقطعها، فتفرّق الحيّان، ودخل قثم على المنصور، وافترقت الجند، فصارت مضر واليمن فرقة والخراسانية فرقة، فقال قثم للمنصور: قد فرّقت بين جندك وجعلتهم أحزابا، كل حزب منهم يخاف أن تضربه بالآخر، وقد بقى فى التدبير بقية، وهى أن تترك ابنك فى ذلك الجانب، وتحوّل معه قطعة من جيشك، فيصير ذلك بلدا وهذا بلدا، فإن فسد عليك أولئك ضربتهم
стр. 8260
بهؤلاء، وإن فسد هؤلاء ضربتهم بأولئك، فقبل رأيه واستقام ملكه، وبنى الرصافة وتولى ذلك صاحب المصلّى.
وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو عامل مكة والطائف.
وفيها قتل معن بن زائدة الشيبانى أمير سجستان، بعد منصرفه من غزاة رتبيل وانصرفه إلى بست، فاختفى بعض الخوارج فى منزله، ثم دخلوا عليه وهو يحتجم فقتلوه، وشقّ أحدهم بطنه بخنجر، وقال بعض من ضربه: أنا الغلام الطاقى، والطاق رستاق بقرب زرنج، فقتلهم يزيد بن مزيد فلم ينج منهم أحد، وقام يزيد بأمر سجستان.
ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة
. فى هذه السنة غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان المنصور استعمله على خراسان سنة إحدى وخمسين ومائة. وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم، وقيل أخوه محمد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة المنصور
ودخلت سنة ثلاثة وخمسين ومائة .
ذكر القبض على أبى أيوب الموريانى الوزير وقتله
فى هذه السنة قبض المنصور على أبى أيوب الموريانى وعلى أخيه وبنى أخيه، وكان قد سعى بهم كاتبه إبان بن صدقة، وقيل «١» : كان سبب قبضه أن المنصور فى دولة بنى أمية ورد الموصل، وأقام بها «٢» مستترا، وتزوج امرأة من الأزد فحملت منه، ثم فارق الموصل وأعطاها تذكرة،
стр. 8261
وقال لها: إذا سمعت بدولة بنى هاشم فأرسلى هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو يعرفها، فوضعت المرأة ولدا سمته جعفرا، فنشأ وتعلّم الكتابة وما يحتاج إليه الكاتب. وولى المنصور الخلافة فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبى أيوب، فجعله كاتبا [بالديوان فطلب المنصور يوما من أبى أيوب كاتبا] «١» يكتب له شيئا، فأرسل إليه جعفرا، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبّه، فأمره بالكتابة فرآه ماهرا حاذقا، فسأله: من أين هو؟ ومن أبوه؟ فذكر له الحال وأراه التذكرة فعرفها، فصار يطلبه فى كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب، ثم إن المنصور أحضره يوما وأعطاه مالا، وأمره أن يصعد إلى الموصل ويحضر والدته، وأنه إذا رجع وقارب بغداد لقيه المنصور بالعساكر وغيرها، وأمره أن يكتم حاله ويفارق الديوان مغضبا، فخرج إلى الديوان فقال له أبو أيوب: ما أبطأك؟ قال: كنت فى حاجة لأمير المؤمنين، فسأله عما كتب فقال: ما كنت لأذيع سر أمير المؤمنين، فسبّه أبو أيوب فأغلق جعفر دواته، وقال: والله لا عدت لهذا الديوان أبدا، وفارقه مغضبا فتوهم منه أبو أيوب، وتعرف أحواله ووضع عليه العيون، فقيل له: إن حاله حسنت، وأنه جدّد له مراكيب وسافر، فبعث فى أثره من اغتاله، فقتل وأحضر إليه ما كان معه، فرأى فى متاعه ما دلّه على أنه ولد أمير المؤمنين، فسقط فى يده وتوقع السوء، ولما أبطأ خبره على المنصور بعث إلى الموصل من يسأل عنه، فقالت أمه: لا علم لى به إلا أنه ببغداد، يكتب فى ديوان أمير المؤمنين، فأرسل المنصور من قصّ أثره، ولم يزل يدقّق البحث حتى علم أنّ قتله من قبل أبى أيوب، فنكبه هو وأهله.
وفيها غزا الصائفة معيوف «٢» بن يحيى، ووصل إلى حصن من حصون
стр. 8262
الروم ليلا وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، وقصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين وحجّ فى هذه السنة المهدى بن المنصور بالناس
ودخلت سنة أربع وخمسين ومائة
. «١» فى هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس، وبعث يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة إلى أفريقية فى خمسين ألفا، لحرب الخوارج الذين قتلوا عمر بن حفص.
وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم.
ودخلت سنة خمس وخمسين ومائة .
فى هذه السنة سيّر المنصور المهدى لبناء الرّافقة، فسار إليها فبناها على بناء مدينة بغداد، وعمل للكوفة والبصرة سورا وخندقا، وجعل ما أنفق فيه من أموال أهلهما «٢» .
قال: وأراد المنصور معرفة عددهم، فأمر أن يقسّم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، فلما انحصرت له عدتهم أمر بجبايتهم أربعين درهما من كل واحد، فقال شاعرهم:
يالقوم ما لقينا ... من أمير المؤمنينا
قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا
ودخلت سنة ست وخمسين ومائة .
لم يكن فى هذه السنة من الحوادث ما نذكره فى هذا الموضع. وحجّ بالناس العباس بن محمد بن على.
стр. 8263
ودخلت سنة سبع وخمسين ومائة .
فى هذه السنة بنى المنصور قصره الذى يدعى الخلد. وفيها حوّل الأسواق إلى الكرخ وتقدم السبب فى ذلك وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس. وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة ثمان وخمسين ومائة .
ذكر وفاة أبى جعفر المنصور
كانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذى الحجة من هذه السنة ببئر «١» ميمون على أميال من مكة، قال المؤرخ «٢» : ورأى المنصور قبل وفاته بيسير أعاجيب كثيرة، ومواعظ مؤذنة بوفاته، منها أنه هتف به هاتف فى قصره فسمعه يقول:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
عليك يا نفس إن أسأت وإن ... أحسنت فى اليوم «٣» كان ذاك لك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء فى فلك «٤»
إلا لنقل «٥» السلطان عن ملك ... قد انقضى «٦» ملكه إلى ملك
حتى يصيّرانه إلى ملك ... ما عزّ سلطانه بمشترك
ذاك بديع السماء والأرض وال ... مرسى الجبال المسخر الفلك
стр. 8264
فلما سمع المنصور ذلك قال: هذا أوان أجلى، قال الطبرى «١» - وقد حكى عبد العزيز بن مسلم قال: دخلت على المنصور يوما عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لأنصرف لما أراه منه، فقال بعد ساعة: إنى رأيت فى المنام كأن رجلا ينشدنى:
أأخىّ أخفض من مناكا ... فكأنّ يومك قد أتاكا
ولقد أراك الدهر من ... تصريفه ما قد أراكا «٢»
فإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل فأنت ذاكا
ملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا
فهذا ما ترى من قلقى وغمى، فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين، ولم يلبث أن خرج إلى مكة، ومن ذلك أنّه لما نزل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر فى صدر البيت الذى نزل فيه فإذا فيه مكتوب:
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حرّ المنية مانع
فدعا المتولى لإصلاح المواضع فقال: ألم آمرك ألا يدخل أحد من الدعاة هذا البيت؟! فحلف أنه لم يدخله أحد، فقال: اقرأ ما فى صدر هذا البيت، قال: ما أرى شيئا، فالتفت إلى حاجبه وقال: اقرأ آية من كتاب الله تعالى تشوقنى إلى لقائه، فقرأ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«٣» ، فقال له: ما وجدت آية غير هذه الآية، قال: والله لقد محى القرآن من قلبى غيرها.
стр. 8265
ذكر وصية المنصور لابنه المهدى
قال: ولما سار المنصور من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه «١» ، وأحضر المهدى وكان قد صحبه فوصّاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية، فلما كان فى اليوم الذى ارتحل فيه قال له:
إنى لم أدع شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل منها واحدة- وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدى: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإنّ فيه علم آبائك- ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة- فإن أهمّك أمر فانظر إلى الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا فى الثانى والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل! واقطن «٢» هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين لكفاك لأرزاق الجند والنفقات ومصلحة الثغور والذريّة ومصلحة البعوث، فاحتفظ به، فإنك لا تزال عزيزا مادام بيت مالك عامرا، وما أظنك تفعل! وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، وأن تحسن إليهم وتقدمهم، وتوطىء الناس أعقابهم وتوليهم المنابر، فإنّ عزّك فى عزّهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل! وانظر إلى مواليك وأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل.! وأوصيك بأهل خراسان فإنهم أنصارك، وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم فى دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم فى أهله وولده، وما أظنك تفعل!
следующие страницы →