Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.
стр. 8261
وقال لها: إذا سمعت بدولة بنى هاشم فأرسلى هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو يعرفها، فوضعت المرأة ولدا سمته جعفرا، فنشأ وتعلّم الكتابة وما يحتاج إليه الكاتب. وولى المنصور الخلافة فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبى أيوب، فجعله كاتبا [بالديوان فطلب المنصور يوما من أبى أيوب كاتبا] «١» يكتب له شيئا، فأرسل إليه جعفرا، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبّه، فأمره بالكتابة فرآه ماهرا حاذقا، فسأله: من أين هو؟ ومن أبوه؟ فذكر له الحال وأراه التذكرة فعرفها، فصار يطلبه فى كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب، ثم إن المنصور أحضره يوما وأعطاه مالا، وأمره أن يصعد إلى الموصل ويحضر والدته، وأنه إذا رجع وقارب بغداد لقيه المنصور بالعساكر وغيرها، وأمره أن يكتم حاله ويفارق الديوان مغضبا، فخرج إلى الديوان فقال له أبو أيوب: ما أبطأك؟ قال: كنت فى حاجة لأمير المؤمنين، فسأله عما كتب فقال: ما كنت لأذيع سر أمير المؤمنين، فسبّه أبو أيوب فأغلق جعفر دواته، وقال: والله لا عدت لهذا الديوان أبدا، وفارقه مغضبا فتوهم منه أبو أيوب، وتعرف أحواله ووضع عليه العيون، فقيل له: إن حاله حسنت، وأنه جدّد له مراكيب وسافر، فبعث فى أثره من اغتاله، فقتل وأحضر إليه ما كان معه، فرأى فى متاعه ما دلّه على أنه ولد أمير المؤمنين، فسقط فى يده وتوقع السوء، ولما أبطأ خبره على المنصور بعث إلى الموصل من يسأل عنه، فقالت أمه: لا علم لى به إلا أنه ببغداد، يكتب فى ديوان أمير المؤمنين، فأرسل المنصور من قصّ أثره، ولم يزل يدقّق البحث حتى علم أنّ قتله من قبل أبى أيوب، فنكبه هو وأهله.
وفيها غزا الصائفة معيوف «٢» بن يحيى، ووصل إلى حصن من حصون
стр. 8262
الروم ليلا وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، وقصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين وحجّ فى هذه السنة المهدى بن المنصور بالناس
ودخلت سنة أربع وخمسين ومائة
. «١» فى هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس، وبعث يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة إلى أفريقية فى خمسين ألفا، لحرب الخوارج الذين قتلوا عمر بن حفص.
وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم.
ودخلت سنة خمس وخمسين ومائة .
فى هذه السنة سيّر المنصور المهدى لبناء الرّافقة، فسار إليها فبناها على بناء مدينة بغداد، وعمل للكوفة والبصرة سورا وخندقا، وجعل ما أنفق فيه من أموال أهلهما «٢» .
قال: وأراد المنصور معرفة عددهم، فأمر أن يقسّم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، فلما انحصرت له عدتهم أمر بجبايتهم أربعين درهما من كل واحد، فقال شاعرهم:
يالقوم ما لقينا ... من أمير المؤمنينا
قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا
ودخلت سنة ست وخمسين ومائة .
لم يكن فى هذه السنة من الحوادث ما نذكره فى هذا الموضع. وحجّ بالناس العباس بن محمد بن على.
стр. 8263
ودخلت سنة سبع وخمسين ومائة .
فى هذه السنة بنى المنصور قصره الذى يدعى الخلد. وفيها حوّل الأسواق إلى الكرخ وتقدم السبب فى ذلك وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس. وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة ثمان وخمسين ومائة .
ذكر وفاة أبى جعفر المنصور
كانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذى الحجة من هذه السنة ببئر «١» ميمون على أميال من مكة، قال المؤرخ «٢» : ورأى المنصور قبل وفاته بيسير أعاجيب كثيرة، ومواعظ مؤذنة بوفاته، منها أنه هتف به هاتف فى قصره فسمعه يقول:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
عليك يا نفس إن أسأت وإن ... أحسنت فى اليوم «٣» كان ذاك لك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء فى فلك «٤»
إلا لنقل «٥» السلطان عن ملك ... قد انقضى «٦» ملكه إلى ملك
حتى يصيّرانه إلى ملك ... ما عزّ سلطانه بمشترك
ذاك بديع السماء والأرض وال ... مرسى الجبال المسخر الفلك
стр. 8264
فلما سمع المنصور ذلك قال: هذا أوان أجلى، قال الطبرى «١» - وقد حكى عبد العزيز بن مسلم قال: دخلت على المنصور يوما عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لأنصرف لما أراه منه، فقال بعد ساعة: إنى رأيت فى المنام كأن رجلا ينشدنى:
أأخىّ أخفض من مناكا ... فكأنّ يومك قد أتاكا
ولقد أراك الدهر من ... تصريفه ما قد أراكا «٢»
فإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل فأنت ذاكا
ملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا
فهذا ما ترى من قلقى وغمى، فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين، ولم يلبث أن خرج إلى مكة، ومن ذلك أنّه لما نزل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر فى صدر البيت الذى نزل فيه فإذا فيه مكتوب:
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حرّ المنية مانع
فدعا المتولى لإصلاح المواضع فقال: ألم آمرك ألا يدخل أحد من الدعاة هذا البيت؟! فحلف أنه لم يدخله أحد، فقال: اقرأ ما فى صدر هذا البيت، قال: ما أرى شيئا، فالتفت إلى حاجبه وقال: اقرأ آية من كتاب الله تعالى تشوقنى إلى لقائه، فقرأ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«٣» ، فقال له: ما وجدت آية غير هذه الآية، قال: والله لقد محى القرآن من قلبى غيرها.
стр. 8265
ذكر وصية المنصور لابنه المهدى
قال: ولما سار المنصور من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه «١» ، وأحضر المهدى وكان قد صحبه فوصّاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية، فلما كان فى اليوم الذى ارتحل فيه قال له:
إنى لم أدع شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل منها واحدة- وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدى: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإنّ فيه علم آبائك- ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة- فإن أهمّك أمر فانظر إلى الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا فى الثانى والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل! واقطن «٢» هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين لكفاك لأرزاق الجند والنفقات ومصلحة الثغور والذريّة ومصلحة البعوث، فاحتفظ به، فإنك لا تزال عزيزا مادام بيت مالك عامرا، وما أظنك تفعل! وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، وأن تحسن إليهم وتقدمهم، وتوطىء الناس أعقابهم وتوليهم المنابر، فإنّ عزّك فى عزّهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل! وانظر إلى مواليك وأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل.! وأوصيك بأهل خراسان فإنهم أنصارك، وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم فى دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم فى أهله وولده، وما أظنك تفعل!
стр. 8266
وإياك أن تبنى المدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل! وإياك أن تستعين برجل من بنى سليم، وأظنك ستفعل! وإياك أن تدخل النساء فى أمرك، واظنك ستفعل! وقيل: إنه قال له إنى ولدت فى ذى الحجة، ووليت فى ذى الحجة، وقد هجس فى نفسى أن أموت فى ذى الحجة من هذه السنة، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى، يجعل الله لك فيما كربك وحزبك «١» فرجا ومخرجا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب.
يا بنى احفظ محمدا ﷺ فى أمته يحفظ الله عليك أمورك. وإياك والدم الحرام فإنه خوب عند الله عظيم. وعار فى الدنيا لازم مقيم. والزم الحدود فإن فيها صلاحك فى العاجل. ولا تعتد فيها فتبور.
فإن الله تعالى لو علم شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به فى كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر فى كتابه بتضعيف العذاب والعقاب. على من سعى فى الأرض فسادا. مع ما ذخره له عنده من العذاب العظيم، فقال تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
«٢» الأية، فالسلطان- يا بنى- حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه القيم. فاحفظه وحصّنه وذبّ عنه. وأوقع بالملحدين فيه واقمع المارقين منه واقتل الخارجين عنه بالعقاب. ولا تجاوز ما أمر الله به فى محكم القرآن. فاحكم بالعدل ولا تشطط. فإن ذلك اقطع للشغب. وأحسم للعدو. وأنجع فى الدواء. وعفّ عن الفىء فليس بك
стр. 8267
حاجة إليه مع ما أخلفه «١» لك، وافتتح بصلة الرحم وبرّ القرابة، وإياك «٢» والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمّن السبل، وسكن العامّة وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعدّ الأموال واخزنها، وإياك والتبذير فإن النوائب غير مأمونة- وهى من شيم الزمان، وأعدّ الكراع والرجال والجند ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد فتتدارك عليك الأمور وتضيع؛ خذ «٣» فى إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا أولا وشمّر فيها، واعدد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون فى الليل، وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن وأسىء بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من أقمته على بابك، وستهل إذنك للناس وانظر فى أمر النزاع إليك، ووكّل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم مذ ولى الخلافة، ولا دخل عليه الغمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتى إليك، والله خليفتى عليك، ثم ودّعه وبكيا.
ثم سار المنصور إلى الكوفة وجمع بين الحج والعمرة، وساق الهدى وأشعره «٤» وقلّده لأيام خلت من ذى القعدة، فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذى مات به- وهو القيام، ولما اشتد به جعل يقول للربيع: بادر بى حرم ربى هاربا من ذنوبى، وكان الربيع عديله، ووصّاه بما أراد، ولما وصل بئر ميمون مات بها فى التاريخ الذى قدّمناه، ولم يحضر عند موته أحد إلا خدمه والربيع مولاه، فكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه؛ ثم أصبح فحضر أهل بيته على عادتهم، فأذن الربيع لعمه عيسى
стр. 8268
فمكث ساعة، ثم أذن لابنه موسى، ثم أذن للأكابر وذوى الأسنان منهم ثم لعامّتهم، فبايعهم الربيع للمهدى ولعيسى بن موسى من بعده، ثم بايع القواد وعامة الناس، وسار العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس، فبايعوا بين الركن والمقام.
وجهزوا المنصور ففرغوا منه العصر، وكفن وغطى وجهه وبدنه وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه، وصلّى عليه عيسى بن موسى، وقيل إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، ودفن فى مقبرة المعلاة، وحفر له مائة قبر ليغمّوه على الناس، ودفن فى غيرها، ونزل فى قبره عيسى ابن على، وعيسى بن محمد، والعباس بن محمد والربيع والريان مولياه ويقطين، وكان عمره ثلاثا وستين سنة، وقيل أربعا وستين سنة، وقيل ثمانيا وستين. وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا سبعة أيام. وكان أسمر نحيفا خفيف العارضين. أولاده: محمد المهدى وجعفر الأكبر أمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميرى، وكانت تكنى أم موسى، ومات جعفر قبل المنصور، ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، وجعفر الأصغر أمه أم ولد كرديّه، وصالح المسكين وأمه أم ولد روميّة، والقاسم مات قبل المنصور وله عشر سنين أمه أم ولد تعرف بأم القاسم، والعالية أمها امرأة من بنى أمية- هذا ما نقله ابن الأثير، قال غيره وعبد العزيز والعباس. وزراؤه: أبو عطية الباهلى ثم أبو أيوب الموريانى ثم الربيع مولاه، ووزر له: خالد بن برمك مدة يسيرة. قضاته: عبد الله بن محمد بن صفوان، وشريك بن عبد الله، والحسن بن عمار، والحجاج بن أرطاة؛ وقيل إن يحيى بن سعيد وأبا عثمان التميمى قضيا فى أيامه. حجابه: الربيع مولاه قبل أن يستوزره، ثم عيسى مولاه، ثم أبو الخصيب مولاه.
الأمراء بمصر: صالح بن على واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد،
стр. 8269
ثم نقل المنصور صالحا إلى الجزيرة، وأمرّ على مصر موسى بن كعب ثم صرفه، وولى محمد بن الأشعث الخزاعى ثم عزله، وولى حميد بن قحطبة، ثم يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة، وولّى عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج فتوفى، فأمّر عليها أخاه محمد بن عبد الرحمن فتوفى فوليها موسى بن على بن رباح. القضاة بها: فى أيام المنصور غوث بن سليمان، ثم سار مع صالح بن على فولى أبو خالد يزيد بن عبد الله «١» بن عبد الرحمن بن بلال، ثم عاد غوث إليها، ثم صرفه يزيد ابن حاتم وولى أبا خزيمة إبراهيم بن يزيد الرعينى، ثم وليها أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمى من قبل المنصور، وهو أول قاض خرج لنظر هلال شهر رمضان.
ذكر شىء من سيرة أبى جعفر المنصور
قال سلّام الأبرش: كنت أخدم المنصور وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثوبه اربد لونه واحمرت عيناه. قال: وقال لى يوما: إذا رأيتنى لبست ثيابى أو رجعت من مجلسى فلا يدنون منى أحد، قال: ولم ير فى داره لهو ولا شىء يشبه اللهو والعبث إلا مرة واحدة، رأى بعض أولاده قد ركب راحلة- وهو صبى، وتنكب قوسا فى هيئة غلام أعرابى، بين جوالقين فيهما مقل «٢» وأراك وما يهديه الأعراب، فعجب الناس من ذلك وأنكروه، وعلموا أنه ضرب من عبث الملوك، قال حماد التركى: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة، فقال: انظر «٣» ما هذا؟ فذهبت فإذا خادم له قد
стр. 8270
جلس وحوله الجوارى، وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته، فقال وأى شىء الطنبور!! فوصفته له، فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور!! فقلت رأيته بخراسان، فقام المنصور إليهن فلما رأينه تفرقن، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسّر الطنبور، وباع الخادم.
قال بعض المؤرخين كان المنصور يخضب بالسواد، وقيل: كان يغير لون شيبه فى كل شهر بألف مثقال مسك. قال: وأمر بتوسعة المسجد الحرام من ناحية باب الندوة سنة تسع وثلاثين ومائة، وبنى مسجد الخيف. وفى أيامه فتحت المولتان والقندهار من أرض السند، وهدم البدّ وبنى مكانه مسجد.
وفى أيامه مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت فى سنة خمس وأربعين ومائة ومات جعفر بن محمد الصادق فى سنة ثمان وأربعين ومائة. وقد قدمنا من أخبار أبى جعفر المنصور، ومن الوقائع التى اتفقت فى أيامه وما أنشأه من المدن والعمائر ما فيه الكفاية، ولا يورد فى التواريخ المختصرة أكثر من هذا فلنذكر أخبار من قام بالأمر بعده والله الموفق.
ذكر خلافة المهدى
هو أبو عبد الله محمد بن أبى جعفر عبد الله المنصور، وأمه أروى أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميرى «١» ، وهو الثالث من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم السبت لست خلون من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة على ما قدمناه، وقيل إنه لما مات المنصور خرج الربيع وبيده قرطاس، ففتحه وقرأه فإذافيه:
стр. 8271
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بنى هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم بكى وبكى الناس. ثم قال قد أمكنكم البكاء فانصتوا رحمكم الله ثم قرأ:
أما بعد فإنى كتبت كتابى وأنا حىّ، فى آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وأقرىء عليكم السلام، وأسأل الله ألا يفتنكم من بعدى ولا يلبسكم شيعا، ولا يذيق بعضكم بأس بعض، ثم أخذ فى وصيتهم وإذ كارهم البيعة له، وحثهم على الوفاء بعهده. ثم تناول يد الحسن ابن زيد العلوى فقال له: قم فبايع الناس، فقام إلى موسى بن المهدى فبايعه لأبيه، ثم بايع الناس الأول فالأول.
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة .
ذكر ظهور المقنّع بخراسان وهلاكه
فى هذه السنة ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلا أعور قصيرا من أهل مرو، وكان يسمى حكيما «١» ، وكان اتخذ وجها من ذهب، وجعله على وجهه لئلا يرى فسمى المقنع، وادعى الإلهية ولم يظهر ذلك لجميع أصحابه، وكان يقول: إن الله خلق آدم فتحوّل فى صورته، ثم فى صورة نوح وهكذا إلى أبى مسلم الخراسانى، ثم تحوّل إلى هاشم، وهاشم فى دعواه هو المقنع، ويقول بالتناسخ، فبايعه خلق من ضلال الناس، وكانوا يسجدون له من أى النواحى كانوا، وكانوا يقولون فى الحرب: يا هاشم
стр. 8272
أعنّا، واجتمع إليه خلق كثير، وتحصّنوا فى قلعة سام «١» بزده، وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين، واجتمعوا بكش وغلبوا على بعض قصورها فحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة، ثم اشتغلوا بقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر، وهزموهم فلحق منهزموهم بالمقنع، ثم سيّر المهدى أبا عون لمحاربة المقنّع، فلم يبالغ فى قتاله فعزله واستعمل معاذ بن مسلم، فسار معاذ فى سنة إحدى وستين ومائة فى جماعة من القواد والعساكر، فالتقوا واقتتلوا فهزموا أصحاب المقنع، فقصد المنهزمون المقنع وهو بسام، فاصلح خندقها وحصّنها، وأقبل معاذ فحاربهم وكان سعيد الحرشى مع معاذ فنافره، فكتب الحرشى إلى المهدى فى معاذ وضمن له أنه إن أفرده بحرب المقنع كفاه، فأجابه إلى ذلك وانفرد الحرشى بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء فى جيش وبجميع ما التمسه منه، وطال الحصار على المقنع فطلب أصحابه الأمان سرا منه، فأجابهم الحرشى فخرج إليه منهم نحو من ثلاثين ألفا، وبقى المقنع فى ألفين وضايقه العسكر، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله فسقاهم السم فأتى عليهم وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته؛ وقيل بل حرق كل ما فى قلعته من حيوان وغيره، ثم قال: من أحب أن يرتفع معى فى السماء فليلق نفسه معى فى هذه النار. وألقى نفسه مع نسائه وأهله وخواصّه فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة فوجدوها خاوية «٢» خالية، وكان ذلك مما زاد فى افتتان من بقى من أصحابه؛ وقيل بل شرب هو من السم فمات وأنفذ
стр. 8273
الحرشى رأسه إلى المهدى، فوصل إليه وهو بحلب فى سنة ثلاث وستين ومائة.
نعود إلى بقية حوادث سنة تسع وخمسين. وفيها توفى حميد بن قحطبة عامل خراسان واستعمل المهدى أبا عون عبد الملك. وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدى عند قدومه من اليمن.
ودخلت سنة ستين ومائة .
فى هذه السنة: خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان منكرا سيرة المهدى، واجتمع معه بشر كثير، وتوجّه إليه يزيد بن مزيد الشيبانى وهو ابن أخى معن بن زائدة، فاقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد، وبعث به إلى المهدى وبعث معه بوجوه أصحابه، فقطعت يدا يوسف ورجلاه، وقتل هو وأصحابه وصلبوا على الجسر؛ وقيل إنه كان حروريا وأنه تغلب على بوشنج- وعليها مصعب بن زريق «١» فهرب منه، وتغلّب أيضا على مرو الروذ والطالقان والجوزجان.
ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادى
قال: كان جماعة من بنى هاشم وشيعة المهدى خاضوا فى خلع عيسى من ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادى بن المهدى فسّر المهدى بذلك، وكتب إلى عيسى فى القدوم عليه وهو بقريته الرحبة من أعمال الكوفة، فأحسّ بما يراد منه فامتنع من القدوم عليه، فألحّ المهدى عليه حتى بعث إليه يقول: إنك إن لم تجبنى إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحلّ من أهل المعاصى، وإن أجبتنى عوضتك منها بما هو أجدى عليك وأعجل نفعا، فلم يقدم عليه وخيف
стр. 8274
انتقاضه، فوجّه إليه المهدى عمه العباس يستدعيه فلم يجب فلما عاد العباس وجّه المهدى أبا هريرة محمد بن فروخ «١» القائد، فى ألف من شيعة المهدى فأشخصوه إليه، فلما قدم عيسى نزل دار محمد بن سليمان، وأقام أياما يختلف إلى المهدى، وهو لا يكلّمه بشىء ولا يرى مكروها، فحضر الدار يوما قبل جلوس المهدى فجلس فى مقصورة الربيع، وقد اجتمع رؤساء شيعة المهدى على خلعه، فثاروا به وضربوا باب المقصورة بالعمد حتى هشموه، وشتموا عيسى أقبح شتم، وأظهر المهدى إنكارا لما فعلوه فلم يرجعوا، فبقوا فى ذلك أياما وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان: وكاشفه المهدى وألحّ عليه، فذكر أن عليه أيمانا فى أهله وماله، فأفتاه الفقهاء بما رأوا أنه لا يحنث فأجاب إلى خلع نفسه، فأعطاه المهدى عشرة آلاف ألف درهم وضياعا بالزاب وكسكر، وخلع نفسه لأربع بقين من المحرم وبايع للمهدى ولابنه موسى الهادى، ثم جلس المهدى من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم، ثم خرج المهدى إلى الجامع وعيسى معه فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى وبيعة الهادى، وبايعهم فسارعوا إلى بيعته، فقال بعض الشعراء:
كره الموت أبو موسى وقد ... كان فى الموت نجاء وكرم
خلع الملك وأضحى ملبسا ... ثوب لوم ما ترى منه القدم
وحجّ المهدى فى هذه السنة بالناس، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور؛ وفيها نزع المهدى كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة، وكان سبب نزعها أنّ حجبة الكعبة ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم، لكثرة ما عليها من الكسوة فنزعها، وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وما قبلها من عمل اليمن؛ قال: وطلى جدرانها بالمسك والعنبر، وكانت الكعبة فى جانب المسجد لم تكن متوسطة، فهدم حيطان المسجد وزاد فيه زيادات، واشترى الدور
стр. 8275
والمنازل حتى صارت الكعبة فى الوسط على ما هى عليه الآن، وحمل من مصر إلى المسجد الحرام أربعمائة وثمانين اسطوانة، وصيّر فيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعين طاقا، وجعل له ثلاثة وعشرين بابا، وجعل سلاسل قناديله ذهبا، وجعل ذرعه مكسرا «١» مائة ألف وعشرين ألف ذراع، وقسم مالا عظيما كان معه من العراق، مبلغه ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف درهم، ففرق ذلك كله وفرّق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع مسجد رسول الله ﷺ ، وألبس خارج القبر المقدس الرخام، وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرسا له بالعراق، وأقطعهم بالعراق وأجرى عليهم الأرزاق. وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة، وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة.
ودخلت سنة إحدى وستين ومائة .
فى هذه السنة: أمر المهدى ببناء القصور بطريق مكة، وأمر باتخاذ المصانع فى كل منهل، وبتجديد الأموال والبرك «٢» وحفر الركايا، وولّى ذلك يقطين بن موسى، وأمر بالزيادة فى مسجد البصرة، وأمر بتقصير المنابر فى البلاد، وجعلها بمقدار منبر النبى ﷺ . وحج بالناس فى هذه السنة موسى الهادى ولى العهد.
ودخلت سنة اثنتين وستين ومائة .
ذكر قتل عبد السلام الخارجى
فى هذه السنة: قتل عبد السلام بن هاشم اليشكرى بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة فاشتدت شوكته وكثر أتباعه، فلقيه عدة من قواد المهدى
стр. 8276
فيهم عيسى بن موسى القائد، فقتله فى عدة ممّن معه وهزم جماعة من القواد- فيهم شبيب بن واج المروروذى، فندب المهدى إلى شبيب ألف فارس، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، فوافوا شبيبا فخرج بهم فى طلب عبد السلام، فهرب عبد السلام منه فأدركه بقنسرين فقاتله بها فقتله.
وفيها وضع المهدى ديوان الأزمّة «١» ، وولّى عليها عمر بن بزيع «٢» مولاه. وأجرى المهدى على المجذمين وأهل السجون فى جميع الآفاق الأرزاق.
ودخلت سنة ثلاث وستين ومائة .
فى هذه السنة: تجهّز المهدى لغزو الروم فجمع الأجناد من خراسان وغيرها، وسار على الموصل والجزيرة وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل وهو بحلب فجمع الزنادقة بتلك البلاد فقتلهم وقطع كتبهم. وسار عنها مشيعا لابنه هارون حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، وسار هارون بالعساكر فنازل حصن سمالو «٣» فحصره ثمانية وثلاثين يوما، ونصب عليه المجانيق ففتحه بالأمان وفتح فتوحا كثيرة.
وفيها ولّى المهدى ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك.
وحج بالناس فى هذه السنة على بن المهدى.
ودخلت سنة أربع وستين ومائة .
فى هذه السنة سار المهدى ليحج فلما بلغ العقبة رأى قلة الماء وحمّ
стр. 8277
فرجع، وسيّر أخاه صالحا ليحج بالناس، ولحق الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون.
ودخلت سنة خمس وستين ومائة .
فى هذه السنة: سير المهدى ابنه الرشيد لغزو الروم فى خمسة وتسعين ألفا وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلا ومعه الربيع، فوعك الرشيد فى بلاد الروم، ولقيه عسكر نقيطا «١» قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيبانى «٢» فأثخنه يزيد، وانهزمت الروم وغلب المسلمون على معسكرهم، وساروا إلى الدمستق وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفا وأربعمائة وخمسين دينارا، ومن الورق أحدا وعشرين ألف ألف درهم وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم، وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، والروم يومئذ بيد أغسطه «٣» - امرأة إليون- لصغر ابنها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق فى الطرق، وذلك لأنه دخل مدخلا ضيقا مخوفا، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار فى كل سنه، ورجع عنها، وكانت الفدية ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا، ومن الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس، وقتل من الروم فى الوقائع كلها أربعة وخمسون ألفا، وقتل من الأسارى صبرا ألفان وتسعون أسيرا.
وحج بالناس فى هذه السنة صالح بن المنصور.
ودخلت سنة ست وستين ومائة .
стр. 8278
فى هذه السنة: أخذ المهدى البيعة لولده هارون بولاية العهد بعد أخيه موسى الهادى، ولقب الرشيد، وفيها سخط المهدى على وزيره يعقوب بن داود وقبض عليه.
قال: وكان أول أمرهم أن داود بن طهمان وهو أبو يعقوب، كان يكتب لنصر بن سيار- هو وإخوته، فلما كان أيام يحيى بن زيد كان داود يعلمه ما يسمع من نصر، فلما طالب أبو مسلم الخراسانى بدم يحيى بن زيد أتاه داود فأمنه أبو مسلم فى نفسه، وأخذ ماله الذى كان قد استفاده أيام نصر، فلما مات داود خرج أولاده أهل أدب وعلم، ولم تكن لهم عند بنى العباس منزلة، ولم يطمعوا فى خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر، وأظهروا مقالة الزيدية ودنوا من آل الحسين وطمعوا أن تكون لهم دولة، وكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله، وخرج معه فى عدة من أصحابه، فلما قتل إبراهيم طلبهم المنصور، فأخذ يعقوب وعليا فحبسهما، فلما ولى المهدى أطلقهما فيمن أطلق، فاتصل يعقوب بالمهدى بالسعاية بآل على، ولم يزل يرتفع حتى استوزره، وكان المهدى يقول: وصف لى يعقوب فى منامى فقيل لى استورزه فلما رأيته رأيت الخلقة التى وصفت لى فاتخذته وزيرا.
فلما ولى الوزارة أرسل إلى الزيدية فجمعهم وولاهم أمور الخلافة فى الشرق والغرب، ولذلك قال بشار:
بنو أمية هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم باقوم فالتمسوا «١» ... خليفة الله بين الناى «٢» والعود
فحسده موالى المهدى وسعوا به، وقالوا: إن الشرق والغرب فى يد يعقوب وأصحابه، ولو كتب إليهم لوثبوا فى يوم واحد وأخذوا الدنيا، فملأ
стр. 8279
ذلك قلب المهدى فقبض عليه، بعد القرب منه والاختصاص به والتمكّن من دولته.
وفيها أمر المهدى بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن، ولم يكن قبل ذلك. وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى.
ودخلت سنة سبع وستين ومائة .
فى هذه السنة: توفى موسى بن عيسى بالكوفة، وفيها أمر المهدى بالزيادة فى المسجد الحرام ومسجد النبى ﷺ ، فدخلت فيهما دور كثيرة، وكان المتولى للبناء يقطين بن موسى، فبقى البناء إلى أن توفى المهدى.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس- وهو على المدينة، ثم توفى بعد فراغه من الحج بأيام وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن على وفيها أفسد العرب فى بادية البصرة بين اليمامة والبحرين، وقطعوا الطريق وتركوا «١» الصلاة وانتهكوا المحارم، فأرسل المهدى إليهم جيشا فقاتلوهم، فكان الظفر للعرب وقتلوا عامة العسكر، فقويت وزاد شرهم.
ودخلت سنة ثمان وستين ومائة .
فى هذه السنة: خرج بأرض الموصل خارجى اسمه ياسين من بنى تميم، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، فوجّه إليه المهدى أبا هريرة محمد بن فروخ «٢» وهرثمة بن أعين
стр. 8280
مولى بنى ضبّة فحارباه، فصبر لهما حتى قتل عدة من أصحابه وانهزم الباقون.
وفيها فى شهر رمضان نقض الروم الصلح، الذى كان بينهم وبين المسلمين قبل انقضاء مدة الهدنة بأربعة أشهر، فوجّه على بن سليمان وهو على الجزيرة وقنّسرين يزيد بن «١» البطّال فى خيل فغنموا وظفروا.
وحجّ بالناس فى هذه السنة على بن المهدى.
ودخلت سنة تسع وستين ومائة .
ذكر وفاة أبى عبد الله المهدى
كانت وفاته فى يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنّه كان عزم على خلع ابنه موسى الهادى من ولاية العهد، والبيعة للرشيد وتقديمه على الهادى، فبعث إليه فى ذلك وهو بجرجان فلم يفعل، فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع، فسار المهدى إليه، فلما بلغ ماسبذان قال لأصحابه: إنى أريد النوم فلا توقظونى حتى أكون أنا لذى أنتبه، ونام ونام أصحابه فاستيقظوا ببكائه فأتوه مسرعين، وسألوه عن سبب بكائه فقال: وقف على الباب رجل فقال:
كأنّى بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادى عليه معولات حلائله
فمات بعد ذلك بعشرة أيام. وقد اختلف فى سبب موته، فقيل إنّه كان يتصيّد فطردت الكلاب ظبيا وتبعته، فدخل باب خربة ودخلت
стр. 8281
الكلاب خلفه، وتبعها فرس المهدى فدخلها، فدقّ الباب ظهره فمات من ساعته. وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرّة لها بلبن فيه سمّ، فشرب منه فمات. وقيل: بل عمدت جاريته حسنة إلى كمثرى، فأهدته إلى طلة «١» جاريته الأخرى، وجعلت السمّ فى أبهى كمثراة فيه، فاجتاز بالمهدى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صاح ومات منها، فكانت الجارية تقول فى بكائها عليه: أردت أن أنفرد بك فأوحشت نفسى منك؛ ومات فى يومه وصلّى عليه ابنه الرشيد، ومات وله من العمر ثمان وأربعون سنة وقيل ثلاث وأربعون، وكانت مدة خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوما، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها.
وكان أبيض طويلا وقيل أسمر، حسن الوجه بعينه اليمنى نكتة بياض.
ذكر شىء من سيرته وأخباره
كان جوادا حازما وصولا يباشر الأمور بنفسه، وكان كثير الولاية والعزل لغير سبب، وردّ على الناس الأموال التى أخذها أبوه. وكان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علىّ القضاة، فلو لم يكن ردّى للمظالم إلا للحياء منهم. وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدى حتى ظننّا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدى فوجدته قد وضع خدّه بالأرض، وهو يقول: اللهم احفظ محمدا فى أمّته، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبى فهذه ناصيتى بين يديك؛ قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنّا فيه.
قال الربيع: رأيت المهدى يصلى فى ليلة مقمرة، فقرأ قوله تعالى:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
«٢» ،
стр. 8282
قال: فأتم صلاته والتفت إلىّ وقال: يا ربيع، موسى، فقلت فى نفسى ما هو إلا موسى بن جعفر وكان محبوسا عندى فأحضرته، فقطع صلاته ثم قال: يا موسى إنى قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثّق لى أنك لا تخرج فوثق له، وخلّى المهدى سبيله.
قال: وبنى المهدى العلمين فى المسعى.
أولاده: موسى الهادى وهارون الرشيد وعلى وعبد الله ومنصور ويعقوب وإسحاق وإبراهيم والبانوقة «١» وعليّة وعباسة وسليمة. ووزراؤه:
أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله «٢» الأشعرى ثم يعقوب بن داود بن طهمان ثم نكبه على ما ذكرناه، واستوزر الفيض بن أبى صالح. قضاته: محمد ابن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد وكانا يقضيان فى مسجد الرصافة.
حجابه: سلام الأبرش، وقيل إن الفضل بن الربيع حجبه. الأمراء بمصر:
عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحى ثم صرفه وولى واضحا «٣» مولى أبى جعفر المنصور ثم صرفه وولّى أبا صالح يحيى بن داود الحرشى «٤» من أهل نيسابور ثم سالم بن سوادة التميمى «٥» ثم إبراهيم بن صالح ابن على بن عبد الله عباس ثم موسى بن مصعب «٦» من أهل الموصل ثم الفضل بن صالح
стр. 8283
الهاشمى. القضاة بها: عبد الله بن لهيعة ثم إسماعيل بن اليسع الكندى الكوفى وهو أول حنفى ولى القضاء بها ثم غوث بن سليمان ثم توفى فولى القضاء المفضل بن فضالة. وكان نقش خاتم المهدى حسبى الله.
قال بعض المؤرخين: والمهدى أول من مشى بين يديه بالسيوف المصلتة والقسى والنشاب والعمد، وأول من لعب بالصوالجة فى الإسلام، وله من الآثار الحسنة فى عمارة المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ والاهتمام بذلك ما قدمنا ذكره.
ذكر خلافة الهادى
هو أبو محمد موسى بن أبى عبد الله محمد المهدى بن أبى جعفر عبد الله المنصور «١» ، وأمه الخيزران مولدة وهى بنت عطاء مولى أبيه وهى أم الخلفاء، وهو الرابع من الخلفاء العباسيين، بويع له فى يوم وفاة أبيه- وهو يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة، وهو إذ ذاك مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان، فبايع الرشيد للهادى وكتب إلى الآفاق بذلك وردّ العسكر إلى بغداد، وسار نصير «٢» الوصيف إلى الهادى بجرجان بالخبر، فنادى بالرحيل وركب على البريد مجدا فبلغ بغداد فى عشرين يوما، ولما قدم استوزر الربيع فهلك الربيع فى هذه السنة، واشتد طلب الهادى للزنادقة فى هذه السنة فقتل منهم جماعة، منهم على بن يقطين وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان سبب قتله أنه أتى به إلى المهدى فأقر بالزندقة، فقال: أم والله، لولا أنى جعلت على نفسى ألا أقتل هاشميا لقتلتك، ثم قال للهادى: أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنّه، ثم حبسه، فلما مات المهدى قتله
стр. 8284
الهادى. وكان أيضا قد عهد إليه بقتل ولد لداود «١» بن على بن عبد الله بن عباس وكان زنديقا، فمات فى حبس المهدى، قال ابن الأثير: ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادى، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيها فخوّفت فماتت من الفزع.
ذكر ظهور الحسين بن على بن الحسن بن الحسن [بن الحسن] «٢» بن على بن أبى طالب
قال: وظهر فى هذه السنة فى جماعة من الطالبيين، وانتهبوا بيت المال، ثم قصد الحسين مكة فبعث إليه الهادى محمد بن سليمان بن على، فأدركه بفخّ على فرسخ من مكة، فالتقوا واقتتلوا فقتل الحسين، وحمل رأسه إلى الهادى على ما نذكره فى أخبارهم إن شاء الله «٣» . وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن منصور.
ودخلت سنة سبعين ومائة .
فى هذه السنة عزم الهادى على خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر، فأجابه إلى ذلك يزيد بن مزيد الشيبانى وعبد الله بن مالك وعلى بن عيسى وغيرهم، فخلعوا هارون وبايعوا لجعفر، ووضعوا الشيعة فتكلموا فى ذلك وتنقصوا الرشيد فى مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به؛ وكان يحيى بن خالد يتولى أمر الرشيد، فقيل للهادى: ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده، وكان الرشيد قد اطمأن للخلع فمنعه يحيى منه، فطلب الهادى يحيى وتهدّده بالقتل ورماه بالكفر، فلم يزل يلطف به حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين- إنّك إن حملت الناس على نكث الايمان هانت
стр. 8285
عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده كان ذلك أوكد للبيعة، قال: صدقت وسكت عنه، فعاد الذين كانوا بايعوه من القواد والشيعة «١» فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع، فأحضر يحيى فكتب إليه: إنّ عندى نصيحة، فأحضره فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذى لا تبلغه- ونسأل الله أن يقدمنا «٢» قبله- يعنى موت الهادى- أتظن «٣» أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحلم؟ أو يرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم؟ قال: ما أظن ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أفتأ من أن يسمو إليها أكابر أهلك مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم؟
فتكون قد أخرجت الأمر عن ولد أبيك، والله- لو أنّ هذا الأمر لم يعقده المهدى له كان ينبغى أن تعقده أنت له، فكيف بأن تحلّه عنه وقد عقده المهدى!! ولكنّى أرى أن تقرّ الأمر على أخيك، فإذا بلغ جعفر خلع الرشيد نفسه وبايعه، فقبل قوله وأطلقه، ثم عاد أولئك القوّاد إلى الهادى وأعادوا القول، فضيّق على الرشيد فى ذلك، فقال له يحيى: استأذنه فى الصيد، فإذا خرجت فأبعد ودافع الأيام، ففعل ذلك فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل «٤» وأقام أربعين يوما، فأنكر الهادى أمره وكتب إليه بالعود، فتعلّل ثم اعتل الهادى ومات.
ذكر وفاة أبى محمد الهادى
كانت وفاته ليلة «٥» الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول، وقيل
стр. 8286
لأربع عشرة ليلة خلت منه، وقيل بقيت منه سنة سبعين ومائة بعيساباد، واختلف فى سبب وفاته، فقيل كانت بقرحة فى جوفه، وقيل مرض بحديثة الموصل وعاد مريضا فمات، وقيل إن أمّه أمرت جواريها بقتله فقتلنه، قال:
وكان سبب ذلك أنه لما ولى الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه، وتسلك به مسلك المهدى، حتى مضى من خلافته أربعة أشهر، والمواكب تغدو إلى بابها؛ فكلّمته يوما فى أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا، فقالت: لا بد منه فقد ضمنته لعبد الله بن مالك بن جعفر، فغضب الهادى وقال: والله لا قضيتها، فقالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبدا، قال: لا أبالى والله وغضب «١» ، وقامت مغضبة، فقال: مكانك، والله لئن بلغنى أنه وقف ببابك أحد من قوادى وخاصّتى لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، ما هذه المواكب التى تغدو وتروح إلى بابك؟! أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكّرك أو بيت يصونك!! إياك إياك، لا تفتحى بابك لمسلم ولا ذمّى، فانصرفت وهى لا تعقل فلم تنطق عنده بعدها؛ ثم قال لأصحابه: أيما خير، أنا أم أنتم؟ وأمى أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمك خير، قال: فأيّكم يحبّ أن يتحدث الرجال بخبر أمّه، فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت؟ قالوا: لا نحبّ ذلك، قال: فما بالكم تأتون أمى فتتحدثون بحديثها!! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها، ثم بعث إلى أمّه بأرز، وقال:
قد استطبتها فكلى منها، فقيل لها: أمسكى حتى تنظرى، فجاءوا بكلب وأطعموه منها فتساقط لحمه لوقته، فأرسل إليها كيف رأيت الأرز؟ قالت طيبا، قال: ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك، متى أفلح خليفة له أم؟! وقيل كان سبب أمرها بقتله أنه لما جدّ فى خلع الرشيد خافت عليه، فوضعت جواريها عليه فقتلنه بالغم والجلوس على وجهه، حتى مات والله أعلم.
стр. 8287
ولما مات كان له من العمر ست وعشرون سنة، واختلف فيه إلى ثلاث وعشرين سنة. وكانت مدة خلافته سنة «١» وشهرا وأربعة وعشرين يوما، وصلّى عليه أخوه الرشيد؛ ودفن بعيساباذ الكبرى فى بستانه، وفى ليلة وفاته مات خليفة، وهو الهادى، وولى خليفة، وهو الرشيد، وولد خليفة، وهو المأمون، وكان طويلا جسيما أبيض مشربا بحمرة أفوه مقلص الشفة العليا، وكان المهدى قد وكل به خادما يقول له: موسى اطبق، فيضم شفته، وكان شجاعا بطلا جوادا سخيا أديبا صعب المرام.
وكان له من الأولاد: عيسى وإسحاق وجعفر وعبد الله وموسى وإسحاق الأصغر. وذكر ابن الأثير فى أولاده العباس وإسماعيل وسليمان ولم يذكر إسحاق الأصغر، وكان ابنه موسى ضريرا، وأم عيسى كانت عند المأمون، وأم العباس وكانت تلقب نونه «٢» ، وكلهم أولاد أمهات.
وكان نقش خاتمه: الله ربى. وزراؤه: الربيع بن يونس ثم عمر بن بزيع «٣» . حاجبه: الفضل بن الربيع قضاته: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بالجانب الغربى، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحى بالجانب الشرقى.
الأمير بمصر على بن سليمان بن عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس.
قاضيها أبو الطاهر «٤» عبد الملك بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمر بن حزم والله تعالى أعلم.
ذكر خلافة هارون الرشيد
هو أبو محمد هارون وقيل أبو جعفر بن أبى عبد الله محمد المهدى بن أبى جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس، وأمه
стр. 8288
الخيزران أم أخيه الهادى، وهو الخامس من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه الهادى.
قال: ولما مات الهادى كان يحيى بن خالد بن برمك محبوسا، وقد عزم الهادى على قتله، فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد وأخرجه وأجلسه للخلافة، فأرسل الرشيد إلى يحيى وأخرجه من الحبس واستوزره؛ وقيل لما مات الهادى جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم فى فراشه، فقال له:
قم يا أمير المؤمنين، فقال: كم تروعنى إعجابا منك بخلافتى! فكيف يكون حالى مع الهادى إن بلغه هذا؟! فأعلمه بموته وأعطاه خاتمه. وأنشئت الكتب بوفاة الهادى وخلافة الرشيد. قال: ولما مات الهادى هجم خزيمة بن خازم على جعفر بن الهادى، وأخذه من فراشه وقال له: لتخلعنّها أو لأضربن عنقك، فأجاب إلى الخلع، وركب خزيمة من الغد وأظهر جعفرا للناس، فأشهدهم بالخلع وأحلّ الناس من بيعته، فحظى بها خزيمة عند الرشيد.
وفيها أفرد الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيّزا واحدا وسميّت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس على يد فرج الخادم التركى ونزلها الناس. وحجّ بالناس الرشيد وقسم بالحرمين عطاء «١» كثيرا.
ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائة .
فى هذه السنة خرج الصحصح الخارجى بالجزيرة وهزم عسكرها، وسار إلى الموصل فقاتله عسكرها، فقتل منهم خلقا كثيرا ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، وعزل الرشيد أبا هريرة «٢» عن الجزيرة وأحضره إلى بغداد وقتله.
стр. 8289
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس.
ودخلت سنة اثنين وسبعين ومائة .
كان فى هذه السنة من الحوادث ببلاد الأندلس ما نذكره فى أخبار بنى أمية- ملوك الأندلس، وحجّ بالناس يعقوب بن المنصور.
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة .
فى هذه السنة توفى محمد بن سليمان بن على بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، فحمل منها «١» ما يصلح للخلافة فكان جملة ما أخذ منها ستين ألف ألف. وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد جنازتها ودفنها فى مقابر قريش، ولما فرغ من جنازتها أخذ الخاتم من جعفر بن يحيى ابن خالد وأعطاه للفضل بن الربيع. وحجّ الرشيد فى هذه السنة بالناس وأحرم من بغداد.
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائة .
فى هذه السنة حج الرشيد فقسم أموالا كثيرة فى الناس. وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبى يوسف فى حياة أبيه.
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة .
فى هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد. ولقبه الأمين وعمره خمس سنين. وحجّ الرشيد فى هذه السنة بالناس.
ودخلت سنة ست وسبعين ومائة .
ذكر ظهور يحيى بن عبد الله
فى هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن
стр. 8290
أبى طالب بالديلم، واشتدت شوكته وكثرت جموعه وأتاه الناس من الأمصار، فأهمّ الرشيد أمره فندب الفضل بن يحيى فى خمسين ألفا، وولاه جرجان وطبرستان والرى وغيرها وحمل معه الأموال، فكتب إلى يحيى بن عبد الله ولاطفه وبسط أمله وحذّره، ونزل الفضل بالطالقان ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب الرشيد أمانه بخطه، ويشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلّة بنى هاشم ومشايخهم، فأجاب الرشيد إلى ذلك وبعث له بالأمان وبعث بهدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل إلى بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير، ثم حبسه الرشيد فمات فى الحبس.
ذكر الفتنة بدمشق
فى هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس المضرية أبو الهيذام عامر بن عمارة «١» بن خريم الناعم، وكان سبب الفتنة أن غلاما للرشيد بسجستان قتل أخا لأبى الهيذام، فخرج أخوه بالشام غضبا له، وجمع جمعا عظيما ورثاه فقال:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا
ولسنا كمن ينعى «٢» أخاه بعبرة ... يعصّرها من ماء مقلته عصرا
وإنّا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منّا وإن قصم الظهرا
ولكنّنى «٣» أشفى الفؤاد بغارة ... ألهّب فى قطرى كتائبها جمرا
стр. 8291
ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له، كتب إليه وأرغبه فشد عليه وكتفه.
وأتى به الرشيد فمنّ عليه وأطلقه. وقيل فى هياج هذه الفتنة غير هذا والله أعلم.
وفيها خرج الفضل الخارجى بنواحى نصيبين، وأخذ من أهلها مالا، وسار إلى دارا وآمد وأرزن فأخذ منهم مالا، وفعل كذلك بخلاط «١» ثم عاد إلى نصيبين، وأتى الموصل فخرج إليه عسكرها فهزمهم على الزاب، ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأصحابه.
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة .
ذكر الفتنة بالموصل
فى هذه السنة خالف العطاف بن سفيان الأزدى على الرشيد. وكان من فرسان أهل الموصل. واجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج.
وكان عامل الرشيد على الموصل محمد بن العباس الهاشمى، وقيل عبد الملك ابن صالح، والعطاف غالب على الأمر كله وهو يجبى الخراج، وأقام على ذلك سنتين، حتى خرج الرشيد إلى الموصل فهدم سورها بسببه.
وفيها عزل الرشيد حمزة بن مالك عن خراسان، واستعمل عليها الفضل بن يحيى بن خالد- مضافا إلى ما كان بيده من الأعمال وهى الرى وسجستان وغيرهما. وحج بالناس فى هذه السنة الرشيد.
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
ذكر الفتنة بمصر
فى هذه السنة وثبت الحوفية بمصر بعاملهم إسحاق بن سليمان، وقاتلوه
стр. 8292
فأمده الرشيد بهرثمة بن أعين- وكان عامل فلسطين، فقاتلوا الحوفية- وهم قيس وقضاعة- فأذعنوا بالطاعة وأدّوا ما عليهم للسلطان، فعزل الرشيد إسحاق واستعمل عليها هرثمة. ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح.
ذكر خروج الوليد بن طريف
فى هذه السنة خرج الوليد بن طريف التغلبى الخارجى بالجزيرة. ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين، ثم قويت شوكة الوليد. فرحل إلى أرمينية وحصر خلاط عشرين يوما، ففدوا أنفسهم منه بثلاثين ألفا. ثم سار إلى أذربيجان ثم إلى حلوان وأرض السواد. ثم عبر إلى غربى دجلة وقصد مدينة بلد- فافتدوا منه بمائة ألف. وعاث فى أرض الجزيرة، فسيّر إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة- وهو ابن أخى معن بن زائدة الشيبانى.
فقال الوليد:
ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشطّ «١» الزاب أى فتى يكون
ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا فقتل الوليد. فقال بعض الشعراء:
وائل بعضهم يقتّل بعضا ... لا يفل الحديد إلا الحديد
قال: ولما قتل الوليد صحبتهم أخته ليلى «٢» بنت طريف مستعدة عليها الدرع. فجعلت تحمل على الناس فعرفت. فقال يزيد دعوها. وخرج إليها فضرب قطاة فرسها بالرمح. ثم قال: اغربى «٣» غرب الله عليك!! فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت. ورثته أخته ليلى بقصيدتها المشهورة التى تقول فيها:
стр. 8293
فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع «١» على ابن طريف
فتى لا يريد «٢» الزاد إلا من لتقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
وفيها فوّض الرشيد أمر دولته كلها إلى خالد بن يحيى البرمكى. وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن على.
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائة
فى هذه السنة اعتمر الرشيد فى شهر رمضان شكرا لله تعالى على قتل الوليد بن طريف، وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، وحجّ بالناس ومشى من مكة إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة، وفيها مات الإمام مالك بن أنس الأصبحى رضى الله عنه ورحمه، وكانت وفاته بالمدينة وله تسعون سنة.
ودخلت سنة ثمانين ومائة .
ذكر ولاية على بن عيسى خراسان- وخبر حمزة الخارجى
فى هذه السنة عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان، واستعمل عليها جعفر بن يحيى ثم عزله بعد عشرين يوما، واستعمل عليها على بن عيسى ابن ماهان فولّيها عشر سنين. وفى ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجى، فجاء إلى بوشنج فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدى، وكان على هراة فى ستة آلاف، فقاتله فهزمه حمزة وقتل من أصحابه جماعة، ومات عمرويه فى الزحام، فوجّه إليه على بن عيسى ابنه الحسين فى عشرة آلاف، فلم يحارب حمزة فعزله وسيّر ابنه عيسى بن على، فقاتل حمزة مرة بعد أخرى، وكان حمزة بنيسابور فانهزم حمزة وقتل أصحابه وبقى فى أربعين رجلا، فقصد
стр. 8294
قهستان فأرسل عيسى إلى القرى التى كان أهلها يعينون الخوارج، فأحرقها وقتل الخوارج حتى انتهى إلى زرنج، فقتل ثلاثين ألفا ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن العباس، فجبى الأموال وسار بها فلقيه حمزة وقاتله، فصبر عبد الله وانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه واختفى هو ومن سلّم من أصحابه فى الكروم، ثم سار فى القرى يقتل ولا يبقى على أحد، وكان على ابن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، فسار إليه حمزة وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاما فقتلهم وقتل معلمهم، وبلغ طاهر الخبر فأتى قرية فيها قعد الخوارج. وهم الذين لا يقاتلون ولا ديوان لهم، فقتلهم طاهر وأخذ أموالهم. فكتب العقد إلى حمزة بالكفّ فكفّ، ووادعهم وأمن الناس مدة. وكانت بينه وبين أصحاب على بن عيسى حروب كثيرة.
وحج بالناس فى هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائة .
فى هذه السنة غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن الصّفصاف، وغزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة. وافتتح مطمورة. وفيها أحدث الرشيد فى صدور الكتب الصلاة على محمد ﷺ . وحج بالناس الرشيد.
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة .
فى هذه السنة بايع الرشيد لابنه عبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين، وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون، وسلّمه إلى جعفر بن يحيى. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ
стр. 8295
دفسوس «١» مدينة أصحاب الكهف. وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى.
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة .
فى هذه السنة خرج الخزر من باب الأبواب، فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف، وانتهكوا «٢» أمرا عظيما لم يسمع بمثله؛ وكان سبب ذلك أن ابنة خاقان ملك الخزر، كانت حملت فى سنة اثنتين وثمانين ومائة إلى الفضل بن يحيى، فلما بلغت برذعة ماتت، فرجع من معها إلى أبيها وأخبروه أنها قتلت غيلة فجهز العساكر إلى بلاد الإسلام ففعلوا ذلك؛ وقيل فى سبب خروجهم أن سعيد بن سلّم قتل المنجم السلمى، فدخل ابنه الخزر واستجاشهم على سعيد، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة فانهزم سعيد، وأقاموا نحو سبعين يوما فوجّه الرشيد خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد. فأصلحوا ما أفسد سعيد. وأخرجوا الخزر وسدّوا الثلمة.
وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائى.
فاستقدم الرشيد على بن عيسى ثم ردّه من قبل المأمون. وأمره بحرب أبى الخصيب.
وفيها توفى موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ببغداد فى حبس الرشيد. وكان سبب حبسه أن الرشيد اعتمر فى شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة. فلما عاد إلى المدينة دخل قبر النبى ﷺ ومعه الناس، فلما انتهى إلى القبر الشريف وقف، فقال: السلام
стр. 8296
عليك يا رسول الله يا ابن عم، قال ذلك افتخارا على من حوله، فدنا.
موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبت. فتغيّر وجه الرشيد وقال:
هذا الفخر يا أبا الحسن جدا. ثم أخذه معه إلى العراق فحبسه عند السّندى بن شاهك حتى مات. وكان رجلا صالحا خيّرا دينا يقوم الليل كله، وهو الملقب بالكاظم- لقّب بذلك لإحسانه لمن أساء إليه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن الهادى.
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة .
فى هذه السنة طلب أبو الخصيب النسائى الأمان، فأمّنه على بن عيسى ابن ماهان. وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله.
ودخلت سنة خمس وثمانين ومائة .
فى هذه السنة قتل أهل طبرستان واليها مهرويه الرازى، فولّى الرشيد عبد الله بن سعيد الحرشى.
وفيها عاث حمزة الخارجى بباذغيس فقتل عيسى بن على من أصحابه عشرة آلاف. وفيها غدر أبو الخصيب النسائى ثانيا. وغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحصر مرو. ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس وقوى أمره.
وحج بالناس فى هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن على.
ودخلت سنة ست وثمانين ومائة .
ذكر حج هارون الرشيد وأمر كتاب العهد
فى هذه السنة حج الرشيد من الأنبار، فبدأ بالمدينة فأعطى فيها ثلاثة أعطية، أعطى هو عطاء ومحمد الأمين عطاء وعبد الله المأمون عطاء. وسار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ ألف دينار وخمسين دينارا. وكان الرشيد قد ولّى
стр. 8297
الأمين العراق والشام وإلى آخر المغرب. وضمّ إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقّبه المؤتمن، وضمّ إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان فى حجر عبد الله بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون، فلما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده والقضاة والفقهاء والقوّاد كتب كتابا، أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتابا للمأمون أشهد فيه عليه بالوفاء للأمين، وعلّق الكتابين فى الكعبة، وجدّد العهود عليهما فى الكعبة، فقال الناس: قد ألقى بينهم شرا وحربا، وخافوا عاقبة ذلك وكان ما خافوه.
وفيها سار عيسى بن ماهان من مرو إلى نسا لحرب أبى الخصيب، فحاربه وقتله وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان.
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة .
ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى بن خالد
فى هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة ونكبهم النكبة المشهورة، وقد اختلف فى سبب ذلك، فقيل إن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عبّاسة بنت المهدى، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر أزوّجكها ليحلّ لك النظر إليها ولا تقربها، فأجابه إلى ذلك «١» ، فبقيا على ذلك ما شاء الله، فمالت العبّاسة إلى جعفر، وراودته فأبى وخاف على نفسه، فلما أعيتها الحيلة فى أمره علمت أن النساء أقرب إلى الخديعة، فبعثت إلى عتّابة- وهى أم جعفر، وكانت عتابة ترسل إلى ابنها جعفر فى كل ليلة جمعة جارية بكرا، فقالت العبّاسة لها: أرسلينى إلى ابنك كأنى جارية من
стр. 8298
جواريك، اللواتى ترسلين إليه فأبت أم جعفر. فقالت لها العبّاسة: إن لم تفعلى قلت للرشيد كلمتنى فى كيت وكيت. وإن فعلت ذلك واشتملت منه على ولد زاد فى شرف ابنك. وما عسى أن يفعل أخى لو علم. فمالت أم جعفر إلى ذلك، ووعدت ابنها أنها ترسل اليه جارية من صفتها وحسنها.
فطالبها بها مرة بعد أخرى وهى تمطله، حتى اشتاق اليها فأرسلتها إليه.
فأدخلت عليه- وكان لا يثبت صورتها. لأنّه كان إذا جلس عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها. فلما دخلت عليه كان قد شرب نبيذا. فاجتمع بها وقضى وطره. فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ وأية ابنة ملك أنت!! قالت: أنا مولاتك العبّاسة. فتألم لذلك وقال لأمه: بعتنى والله رخيصا. فاشتملت العبّاسة من ليلتها على حمل. فلما ولدته وكلت به غلاما يقال له رياش وحاضنة اسمها برّة. وبعثت بهم إلى مكة. وكان يحيى بن خالد ينظر على قصر الرشيد وحرمه وخدمه. ويغلق باب القصر بالليل وينصرف بالمفاتيح معه. فضيّق على حرم الرشيد. فشكت زبيدة أم الأمين مره إلى الرشيد، فقال له: يا أبت- وكان يدعوه بذلك- ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين- أمّتهم أنا فى حرمك وخدمك؟ قال:
لا. قال: فلا تقبل قولها. وزاد يحيى فى الحجر والتضييق، فدخلت زبيدة على الرشيد وقالت: ما يحمل يحيى على ما يفعل من منعه خدمى ووضعى فى غير موضعه؟ فقال: إنّه عندى غير متهم فى حرمى، فقالت: لو كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه!! قال: وما ذلك؟ فأخبرته بخبر العبّاسة، فقال:
وهل على هذا من دليل؟! قالت: وأى شىء أدل من الولد، قال: وأين هو؟ قالت: كان ها هنا فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال:
ويعلم بهذا سواك!! قالت ما فى قصرك جارية إلا وقد عرفت ما أخبرتك به. فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج. وأخذ معه جعفرا، فكتبت العبّاسة إلى الخادم والداية أن يخرجا بالصبى إلى نحو اليمن. فلما وصل الرشيد إلى مكة
стр. 8299
وكل من يثق به بالبحث عن ذلك، فلم يزل حتى تحقق الأمر، فأضمر السوء للبرامكة «١» .
وقبل إن سبب نكبة البرامكة أن يقطين بن موسى كان من أكابر الشيعة، وممّن كان مع إبراهيم الإمام، فقال يوما للرشيد: حدّثنى مولاى إبراهيم الإمام أن الخامس من خلفاء بنى العباس يغدر به كتّابه، فإن لم يقتلهم قتلوه، فقال له الرشيد: الله- يحدثك الإمام بهذا!! قال: نعم.
وقيل كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب إلى جعفر بن يحيى فحبسه «٢» ، ثم استدعاه وسأله عن بعض أمره، فقال له: اتق الله فى أمرى. ولا تتعرض غدا أن يكون خصمك رسول الله ﷺ . فو الله ما أحدثت حدثا ولا آويت محدثا، فرقّ له وقال: اذهب حيث شئت من بلاد الله.
فقال: كيف أذهب ولا آمن أن أوخذ؟ فوجّه معه من أوصله إلى مأمنه.
وبلغ الخبر الفضل بن الربيع فرفعه إلى الرشيد، فقال: ما أنت وهذا- فلعلّه «٣» عن أمرى!! ثم أحضر جعفرا وسأله عن يحيى. فقال: هو بحاله فى الحبس، فقال بحياتى!! ففطن جعفر وقال: لا وحياتك، وقصّ عليه أمره، وقال: علمت أنّه لا مكروه عنده، فقال: نعم ما فعلت. ما عدوت ما فى نفسى، فلما قام عنه قال: قتلنى الله إن لم أقتلك. وقيل إن الرشيد لما دفعه لجعفر بقى عنده ما شاء الله، وكان جعفر يرى سرور الرشيد بموت من يموت فى حبسه من هؤلاء، فشرب جعفر عنده يوما فقال: يا أمير
стр. 8300
المؤمنين إنّ يحيى قد مات، فسرّ بذلك وقال: الحمد لله الذى كفانى أمره ولم يؤثمنى فيه. وانصرف جعفر فأخبر أباه يحيى بن خالد بما كان. فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إن تركناه تلفنا. وإن قتلناه فالنار لنا. ثم كتب يحيى إلى على بن عيسى بن ماهان والى خراسان يعرّفه ما جرى. وفزع إليه أن يكون عنده موسعا عليه، إلى أن يقضى الله فيه قضاءه. ولم يكن يحيى يعلم ما كان بين على بن عيسى وبين الفضل وجعفر من العداوة. فلما وصل الكتاب إلى علىّ ووصل إليه يحيى قال: هذا من حيل الفضل وجعفر علىّ. فأجاب يحيى بأنه فعل ما أراد، وأنفذ كتاب يحيى إلى الرشيد. فكتب إليه الرشيد يعرفه بحسن موقع ذلك عنده، وأمره بانفاذ يحيى بن عبد الله إليه سرا. فلما وصل إليه أوقع بالبرامكة «١» .
هذا مما قيل فى سبب نكبة البرامكة أما كيفيّة الإيقاع بهم وقتل جعفر فقيل، إن الرشيد لما قضى حجّه أرسل السندى بن شاهك، وهو أحد قوّاده، وأمره أن يمضى إلى مدينة السلام والتوكل بالبرامكة وبدور كتّابهم وأقاربهم، وأن يجعل ذلك سرّا يحيث لا يعلم به أحد حتى يصل إلى بغداد، ففعل السندى ذلك، وكان الرشيد قد نزل بالأنبار بموضع يقال له العمر «٢» ومعه جعفر، فمضى جعفر إلى موضعه فى سلخ المحرم، ودعا بأبى زكار الأعمى الطنبورى، ومدّت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنّين، وأبو زكّار يغنّيه:
ما يريد الناس منّا ... ما ينام الناس عنّا
إنّما همهم أن ... يكشفوا ما قد دفنّا
следующие страницы →