← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

عليك يا رسول الله يا ابن عم، قال ذلك افتخارا على من حوله، فدنا. موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبت. فتغيّر وجه الرشيد وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن جدا. ثم أخذه معه إلى العراق فحبسه عند السّندى بن شاهك حتى مات. وكان رجلا صالحا خيّرا دينا يقوم الليل كله، وهو الملقب بالكاظم- لقّب بذلك لإحسانه لمن أساء إليه. وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن الهادى. ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة . فى هذه السنة طلب أبو الخصيب النسائى الأمان، فأمّنه على بن عيسى ابن ماهان. وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله. ودخلت سنة خمس وثمانين ومائة . فى هذه السنة قتل أهل طبرستان واليها مهرويه الرازى، فولّى الرشيد عبد الله بن سعيد الحرشى. وفيها عاث حمزة الخارجى بباذغيس فقتل عيسى بن على من أصحابه عشرة آلاف. وفيها غدر أبو الخصيب النسائى ثانيا. وغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحصر مرو. ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس وقوى أمره. وحج بالناس فى هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن على. ودخلت سنة ست وثمانين ومائة . ذكر حج هارون الرشيد وأمر كتاب العهد فى هذه السنة حج الرشيد من الأنبار، فبدأ بالمدينة فأعطى فيها ثلاثة أعطية، أعطى هو عطاء ومحمد الأمين عطاء وعبد الله المأمون عطاء. وسار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ ألف دينار وخمسين دينارا. وكان الرشيد قد ولّى

стр. 8297

الأمين العراق والشام وإلى آخر المغرب. وضمّ إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقّبه المؤتمن، وضمّ إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان فى حجر عبد الله بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون، فلما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده والقضاة والفقهاء والقوّاد كتب كتابا، أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتابا للمأمون أشهد فيه عليه بالوفاء للأمين، وعلّق الكتابين فى الكعبة، وجدّد العهود عليهما فى الكعبة، فقال الناس: قد ألقى بينهم شرا وحربا، وخافوا عاقبة ذلك وكان ما خافوه. وفيها سار عيسى بن ماهان من مرو إلى نسا لحرب أبى الخصيب، فحاربه وقتله وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان. ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة . ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى بن خالد فى هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة ونكبهم النكبة المشهورة، وقد اختلف فى سبب ذلك، فقيل إن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عبّاسة بنت المهدى، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر أزوّجكها ليحلّ لك النظر إليها ولا تقربها، فأجابه إلى ذلك «١» ، فبقيا على ذلك ما شاء الله، فمالت العبّاسة إلى جعفر، وراودته فأبى وخاف على نفسه، فلما أعيتها الحيلة فى أمره علمت أن النساء أقرب إلى الخديعة، فبعثت إلى عتّابة- وهى أم جعفر، وكانت عتابة ترسل إلى ابنها جعفر فى كل ليلة جمعة جارية بكرا، فقالت العبّاسة لها: أرسلينى إلى ابنك كأنى جارية من

стр. 8298

جواريك، اللواتى ترسلين إليه فأبت أم جعفر. فقالت لها العبّاسة: إن لم تفعلى قلت للرشيد كلمتنى فى كيت وكيت. وإن فعلت ذلك واشتملت منه على ولد زاد فى شرف ابنك. وما عسى أن يفعل أخى لو علم. فمالت أم جعفر إلى ذلك، ووعدت ابنها أنها ترسل اليه جارية من صفتها وحسنها. فطالبها بها مرة بعد أخرى وهى تمطله، حتى اشتاق اليها فأرسلتها إليه. فأدخلت عليه- وكان لا يثبت صورتها. لأنّه كان إذا جلس عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها. فلما دخلت عليه كان قد شرب نبيذا. فاجتمع بها وقضى وطره. فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ وأية ابنة ملك أنت!! قالت: أنا مولاتك العبّاسة. فتألم لذلك وقال لأمه: بعتنى والله رخيصا. فاشتملت العبّاسة من ليلتها على حمل. فلما ولدته وكلت به غلاما يقال له رياش وحاضنة اسمها برّة. وبعثت بهم إلى مكة. وكان يحيى بن خالد ينظر على قصر الرشيد وحرمه وخدمه. ويغلق باب القصر بالليل وينصرف بالمفاتيح معه. فضيّق على حرم الرشيد. فشكت زبيدة أم الأمين مره إلى الرشيد، فقال له: يا أبت- وكان يدعوه بذلك- ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين- أمّتهم أنا فى حرمك وخدمك؟ قال: لا. قال: فلا تقبل قولها. وزاد يحيى فى الحجر والتضييق، فدخلت زبيدة على الرشيد وقالت: ما يحمل يحيى على ما يفعل من منعه خدمى ووضعى فى غير موضعه؟ فقال: إنّه عندى غير متهم فى حرمى، فقالت: لو كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه!! قال: وما ذلك؟ فأخبرته بخبر العبّاسة، فقال: وهل على هذا من دليل؟! قالت: وأى شىء أدل من الولد، قال: وأين هو؟ قالت: كان ها هنا فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال: ويعلم بهذا سواك!! قالت ما فى قصرك جارية إلا وقد عرفت ما أخبرتك به. فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج. وأخذ معه جعفرا، فكتبت العبّاسة إلى الخادم والداية أن يخرجا بالصبى إلى نحو اليمن. فلما وصل الرشيد إلى مكة

стр. 8299

وكل من يثق به بالبحث عن ذلك، فلم يزل حتى تحقق الأمر، فأضمر السوء للبرامكة «١» . وقبل إن سبب نكبة البرامكة أن يقطين بن موسى كان من أكابر الشيعة، وممّن كان مع إبراهيم الإمام، فقال يوما للرشيد: حدّثنى مولاى إبراهيم الإمام أن الخامس من خلفاء بنى العباس يغدر به كتّابه، فإن لم يقتلهم قتلوه، فقال له الرشيد: الله- يحدثك الإمام بهذا!! قال: نعم. وقيل كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب إلى جعفر بن يحيى فحبسه «٢» ، ثم استدعاه وسأله عن بعض أمره، فقال له: اتق الله فى أمرى. ولا تتعرض غدا أن يكون خصمك رسول الله ﷺ . فو الله ما أحدثت حدثا ولا آويت محدثا، فرقّ له وقال: اذهب حيث شئت من بلاد الله. فقال: كيف أذهب ولا آمن أن أوخذ؟ فوجّه معه من أوصله إلى مأمنه. وبلغ الخبر الفضل بن الربيع فرفعه إلى الرشيد، فقال: ما أنت وهذا- فلعلّه «٣» عن أمرى!! ثم أحضر جعفرا وسأله عن يحيى. فقال: هو بحاله فى الحبس، فقال بحياتى!! ففطن جعفر وقال: لا وحياتك، وقصّ عليه أمره، وقال: علمت أنّه لا مكروه عنده، فقال: نعم ما فعلت. ما عدوت ما فى نفسى، فلما قام عنه قال: قتلنى الله إن لم أقتلك. وقيل إن الرشيد لما دفعه لجعفر بقى عنده ما شاء الله، وكان جعفر يرى سرور الرشيد بموت من يموت فى حبسه من هؤلاء، فشرب جعفر عنده يوما فقال: يا أمير

стр. 8300

المؤمنين إنّ يحيى قد مات، فسرّ بذلك وقال: الحمد لله الذى كفانى أمره ولم يؤثمنى فيه. وانصرف جعفر فأخبر أباه يحيى بن خالد بما كان. فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إن تركناه تلفنا. وإن قتلناه فالنار لنا. ثم كتب يحيى إلى على بن عيسى بن ماهان والى خراسان يعرّفه ما جرى. وفزع إليه أن يكون عنده موسعا عليه، إلى أن يقضى الله فيه قضاءه. ولم يكن يحيى يعلم ما كان بين على بن عيسى وبين الفضل وجعفر من العداوة. فلما وصل الكتاب إلى علىّ ووصل إليه يحيى قال: هذا من حيل الفضل وجعفر علىّ. فأجاب يحيى بأنه فعل ما أراد، وأنفذ كتاب يحيى إلى الرشيد. فكتب إليه الرشيد يعرفه بحسن موقع ذلك عنده، وأمره بانفاذ يحيى بن عبد الله إليه سرا. فلما وصل إليه أوقع بالبرامكة «١» . هذا مما قيل فى سبب نكبة البرامكة أما كيفيّة الإيقاع بهم وقتل جعفر فقيل، إن الرشيد لما قضى حجّه أرسل السندى بن شاهك، وهو أحد قوّاده، وأمره أن يمضى إلى مدينة السلام والتوكل بالبرامكة وبدور كتّابهم وأقاربهم، وأن يجعل ذلك سرّا يحيث لا يعلم به أحد حتى يصل إلى بغداد، ففعل السندى ذلك، وكان الرشيد قد نزل بالأنبار بموضع يقال له العمر «٢» ومعه جعفر، فمضى جعفر إلى موضعه فى سلخ المحرم، ودعا بأبى زكار الأعمى الطنبورى، ومدّت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنّين، وأبو زكّار يغنّيه: ما يريد الناس منّا ... ما ينام الناس عنّا إنّما همهم أن ... يكشفوا ما قد دفنّا

стр. 8301

قال: واستدعى الرشيد من ساعته بياسر، غلام من غلمانه، وقيل بمسرور الخادم، فأرسله فى جماعة من الجند إلى جعفر، ليضرب عنقه وليأتيه برأسه، فمضى حتى دخل على جعفر وعنده بختيشوع الطبيب، وأبو زكّار يغنيه: فلا تبعد فكل فتى سيأتى ... عليه الموت يطرق أو يغادى وكل ذخيرة لا بدّ يوما ... وأن بقيت «١» تصير إلى نفاد فقال له جعفر: قد سررتنى بإقبالك إليّ، وسؤتنى بدخولك عليّ بغير إذن، فقال: الأمر أكبر من ذلك، إن أمير المؤمنين أمرنى بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبّل يديه ورجليه، ويقول: دعنى أدخل وأوصى، فقال: لا سبيل إلى ذلك، ولكن أوص بما شئت، فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه، ثم قال: إن لى عندك حقا ولن تجد مكافأتى إلا فى هذه الساعة، فارجع إلى أمير المؤمنين فأعلمه أنّك قد نفّذت كما أمرك به، فإن أصبح نادما كانت حياتى على يديك، وكانت لك عندى نعمة، وإن أصبح على مثل مذهبه نفّذ ما أمرك به، قال: ولا هذا، قال: فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه، فإذا أبليت عذرا ولم يرض إلا بمصيرك إليه برأسى فعلت، قال: أما هذا فنعم، فسارا جميعا إلى مضرب الرشيد، فلما أتاه الخادم وجده فى فراشه، فلما أحس به قال: إيتنى برأسه، فعاد إلى جعفر وأخبره، فقال: الله الله، والله ما أمرك إلا وهو سكران، فدافع حتى أصبح أو راجعه ثانية، فعاد ليراجعه فقال له: يا ماص بظرأمه، إيتنى برأسه، فرجع إلى جعفر وأخبره، فقال ومرّة أخرى، فلما رجع إليه حذفه بعمود كان فى يده، وقال: نفيت عن المهدى لئن لم

стр. 8302

تأتنى برأسه لأقتلنّك، فخرج إلى جعفر وضرب عنقه وأتاه برأسه؛ قال: من نقل أن الرسول إلى جعفر ياسر، إنه لما وضع الرأس بين يدى الرشيد أقبل عليه مليا، ثم قال: يا ياسر جئنى بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما الرشيد: اضربا عنق ياسر، فإنى لا أقدر أن أرى قاتل جعفر «١» . وقيل: إنه وجد على قصر على بن عيسى بن ماهان بخراسان فى صبيحة الليلة التى قتل فيها جعفر كتابة بقلم جليل: إنّ المساكين بنى برمك ... صبّت عليهم غير الدهر إنّ لنا فى أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر «٢» قال: وكان جعفر من أهل الفصاحة البارعة والفطنة التى لا تحد، إلا أنه كان فيه بخل بالنسبة إلى أبيه وأخيه، قال: ولما قتل جعفر أمر الرشيد بتوجيه من احتاط بيحيى وولده الفضل وجميع أسبابهم، وحبس الفضل فى بعض منازل الرشيد، وحبس يحيى فى منزله، وأخذ مالهم وما وجد لهم من ضياع ومتاع وغير ذلك، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد بالقبض «٣» على وكلائهم وأسبابهم وجميع أموالهم، وأصبح فأرسل جثة جعفر إلى بغداد وأمر بنصب رأسه وأن يقطع بدنه «٤» قطعتين، ينصب كل قطعة على جسر، ولم يعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله؛ وقيل كان يسعى بهم، ثم حبس الرشيد يحيى بن خالد وبنيه الفضل ومحمد، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها، ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمّهم سخطه فضيّق عليهم.

стр. 8303

وكان مقتل جعفر فى ليلة السبت مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، ولما تكبوا قال الرّقاشى: وقيل إن الشعر لأبى نواس: ألان استرحنا واستراحت مطينا «١» ... وأمسك من يحدى ومن كان يحتدى فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطيّ الفيافى فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولم «٢» تظفرى من بعده بمسوّد وقل للعطايا بعد فضل تعطّلى ... وقل للرزايا كل يوم تجدّدى ودونك سيفا برمكيّا مهنّدا ... أصيب بسيف هاشمى مهنّد وروى أبو الفرج الأصفهانى أن الرّقاشى اجتاز بجعفر وهو مصلوب، فوقف يبكى أحرّ بكاء، ثم أنشأ يقول: أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر «٣» استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى ... حساما فلّه السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا ... ودولة آل برمك السلام «٤»

стр. 8304

فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأمر بإحضاره فأحضر، وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كان إليّ محسنا، فلما رأيته على الحال التى هو عليها حرّكنى إحسانه، فما ملكت نفسى حتى قلت الذى قلت. قال: فكم كان يجرى عليك؟ قال: ألف دينار، قال: فإنّا قد أضعفناها لك. وقال يحيى بن خالد لما نكبوا: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة. ذكر شىء من أخبار جعفر وتمكّنه من الرشيد وما آل أمرهم إليه قيل: كان جعفر قد بلغ من الرشيد ما لم يبلغه وزير من خليفة قبله، كان يجلسه معه فى حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان، وبلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده، فمن ذلك ما حكاه إبراهيم بن المهدى أخو الرشيد قال: قال لى جعفر يا إبراهيم، إذا كان غدا فبكّر لى، فلما كان من الغد مشيت إليه باكرا، فجلسنا نتحدث، فلما ارتفع النهار أحضر حجاما فحجمنا، ثم قدّم لنا الطعام فطعمنا، ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال جعفر لحاجبه «١» : لا يدخل علينا إلا عبد الملك القهرمان، فنسى الحاجب فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمى، وكان رجل بنى هاشم فصاحة وملاحة وعلما وحلما وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظّن الحاجب أنّه الذى أمره بدخوله فأدخله، فلما رآه جعفر تغيّر لونه، فعلم عبد الملك أنهم قد احتشموا، فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم، فقال: اصنعوا

стр. 8305

بنا ما صنعتموه بأنفسكم، فجاء الخادم وطرح عليه ثياب المنادمة، وجلس يشرب فلما بلغ ثلاثا قال: ليخفّف عنّا، فإنّه شىء ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر ثم قال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتى وتحيط بها نعمتى فأقضيها لك، مكافأة لما صنعت؟ قال: إن أمير المؤمنين عليّ غاضب فتسأله الرضى عنّى، قال: قد رضى عنك أمير المؤمنين، قال: وعليّ أربعة آلاف دينار، قال: هى حاضرة من مال أمير المؤمنين، قال: وابنى إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين، قال: قد زوّجه أمير المؤمنين ابنته عائشة، قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه، قال: قد ولّاه أمير المؤمنين مصر؛ قال إبراهيم بن المهدى: فانصرف عبد الملك، وأنا أعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين، فلما كان من الغد وقفنا على باب أمير المؤمنين، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعى بأبى يوسف القاضى ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر، فأشار إليّ فصرت إلى منزله، فقال لى: قلبك معلّق بأمر عبد الملك، قلت: بلى، قال: دخلت على أمير المؤمنين فمثلت بين يديه، وابتدأت القصة من أوّلها إلى آخرها كما كانت، فجعل يقول أحسن والله، ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته، فجعل يقول فى ذلك كله أحسنت أحسنت «١» ، وفى هذه الحكاية كفاية عما سواها. ويقال إن عليّة بنت المهدى قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: ما رأيت لك يا سيدى يوم سرور تام، منذ قتلت جعفرا، فلأى شىء قتلته!! فقال لها: يا أختاه لو علمت أن قميصى يعلم السبب لحرقته. وأمّا ما آل أمرهم إليه من الضرورة والفاقة والاحتياج والذلة، فمن ذلك ما حكاه عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمى الإشبيلى فى كتابه

стр. 8306

المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرّ «١» قال: حدث محمد بن غسان أن صاحب صلاة الكوفة وقاضيها قال: دخلت على أمى فى يوم أضحى فرأيت عندها عجوزا فى أطمار رثة، وإذا لها بيان ولسان، فقلت لأمى من هذه؟ قالت: خالتك عتّابة أم جعفر بن يحيى، فسلّمت عليها فسلّمت علىّ، فقلت: أضارك الدهر إلى ما أرى «٢» !! قالت: نعم- يا بنى إنما كنّا فى عوار ارتجعها الدهر منّا، فقلت: حدثينى ببعض شأنك، قالت: خذه جملة، لقد مضى علىّ أضحى مثل هذا مذ ثلاث سنين وعلى رأسى أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أنّ ابنى عاق لى، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدى شاة، أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا، قال: فغمّنى ذلك وأبكانى فوهبت لها دنانير كانت عندى «٣» . وهذه نهاية الاحتياج والضرورة والفاقة، فنسأل الله تعالى ألا يسلبنا نعمة أنعم بها علينا، ويجعل الموت قبل بلائه ومحنه. وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد «٤» : لأمير المؤمنين وإمام المسلمين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته «٥» عيوبه، وخذله شقيقه ورفضه صديقه، وزلّ به الزمان وأناخ عليه الحدثان، فصار إلى الضيق بعد السعة وعالج البؤس بعد الدعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهر وافتقد الهجوع، فساعته شهر وليلته دهر، قد عاين الموت وشارف الفوت، جزعا «٦» . يا أمير المؤمنين، حجب

стр. 8307

الله عنّى فقدك لما أصبت به من بعدك، لا لمصيبتى «١» بالحال والمال فإنّ ذلك كان بك ولك، وكانتا عارية فى يدى منك، ولا بأس أن تسترد العوارى، فأما المحنة فى جعفر فبجرمه أخذته وبجريرته عاقبته، وما أخاف عليك زلة فى أمره، ولا مجاوزة به فوق ما يستحقه؛ فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتى وارحم ضعفى وشيبتى ووهن قوّتى، وهب لى رضى عنّى، فمن مثلى الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر ولكنى أقرّ، وقد رجوت أن يظهر عند «٢» الرضى وضوح «٣» عذرى، وصدق نيّتى، وظاهر طاعتى، وفلج حجّتى- ما يكفينى به أمير المؤمنين، ويرى الجلّية «٤» فيه، ويبلغ المراد منه إن شاء الله، وكتب: قل للخليفة ذى الصنا ... يع والعطايا الفاشية وابن الخلائف من قري ... - ش والملوك «٥» الهادية ملك الملوك وخير من ... ساس الأمور الماضية «٦» إنّ البرامكة الذي ... - ن رموا لديلك بداهيه عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقيه فكأنهم ممّا بهم ... أعجاز نخل خاوية صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلّة باديه مستضعفون مطّردو ... ن بكل أرض قاصيه

стр. 8308

من دون ما يلقون من ... عتب «١» يشيب الناصية أضحوا «٢» وجلّ مناهم ... منك الرضا والعافية بعد الوزارة والإما ... رة والأمور العالية انظر إلى الشيخ الكبي ... ر فنفسه لك راجيه أو ما سمعت مقالتى ... يا ابن «٣» الفروع الزاكيه ما زلت أرجو راحة ... فاليوم خاب رجائيه واليوم قد سلب الزما ... ن كرامتى وبهائيه ألقى الزمان جرانه «٤» ... متشفيا بعنائيه «٥» ورمى سواد مقاتلى ... فأصاب حين رمانيه يا من يود «٦» لى الردى ... يكفيك ويحك مابيه يكفيك أنّى مستبا ... ح عشيرتى «٧» ونسائيه يكفيك ما أبصرت من ... ذلّى وضيق «٨» مكانيه وذهاب «٩» مالى «١٠» كلّه ... وفدى الخليفة ماليه إن كان لا يكفيك إل ... لا أن أذوق حماميه فلقد رأيت الموت من ... قبل الممات علانيه وفجعت أعظم فجعة ... وفنيت قبل فنائيه وهويت فى قعر السجو ... ن على رفيع بنائيه

стр. 8309

انظر بعينك هل ترى ... إلا قصورا خاليه وذخائرا موروثة ... قسّمن قبل مماتيه ومصارعا وفجائعا ... ومصائبا متواليه ونوادبا يندبننى ... تحت الدجى بكنائية «١» أأبا على البرمك ... ى فما أجيب الداعيه ونداؤهنّ وقد سمع ... ت مقلقل «٢» أحشائيه أخليفة الله الرضا ... لا تشمتن أعدائيه واذكر مقاساتى الأمو ... ر وخدمتى وغنائيه ارحم جعلت لك الفدا ... كربى وشدة حاليه وارحم أخاك الفضل وال ... باقين من أولاديه أخليفة الرحمن إن ... نك لو رأيت بنانيه وبكاء فاطمة الصغي «٣» ... رة والمدامع جاريه ومقالها بتوجع ... يا شقوتى وشقائيه من لى وقد غضب الإما ... م على جميع رجاليه «٤» وعدمت طيب معيشتى ... وتغيّرت حالاتيه يا نعمة الملك الرضا ... عودى علينا ثانيه ويروى أن الرشيد لما قرأ الأبيات وقّع تحت الشعر يقول: أجرى القضاء عليكم ... ما جئتموه علانيه من ترك نصح إمامكم ... عند الأمور الباديه

стр. 8310

يا آل برمك إنما ... كنتم ملوكا عاديه فكفرتم وعصيتم ... وجحدتم نعمائيه فسلبتموها هكذا ... وكذا ترد العاريه «١» هذه عقوبة من عصا ... معبوده وعصانيه وكتب تحت الشعر وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ «٢» . قال: ولم يزل يحيى فى الحبس حتى مات سنة تسعين ومائة فى المحرم منها، وهو ابن سبعين سنة، وتوفى الفضل بن يحيى فى المحرم سنة ثلاث وتسعين ومائة. نعود إلى بقية حوادث سنة سبع وثمانين ومائة من الهجرة. ذكر القبض على عبد الملك بن صالح فى هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن على «٣» بن عبد الله، وكان سبب ذلك أنه كان له ولد اسمه عبد الرحمن وبه كان يكنى، فسعى به إلى الرشيد هو وقمامه كاتب أبيه، وقالا: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع، ولم يزل عبد الملك فى الحبس إلى أن مات الرشيد، فأخرجه الأمين واستعمله على الشام. ذكر غزو الروم فى هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم فى شعبان، فصالحه

стр. 8311

الروم على ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين «١» ، على أن يرحل عنهم فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم، وكان يملك الروم يومئذ امرأة اسمها رينى «٢» ، فخلعها الروم وملّكوا عليهم نقفور، ويزعم الروم أنّه «٣» من أولاد جفنة من غسّان، وكان قبل أن يملك يلى الخراج، فلما استوثق «٤» الروم لنقفور كتب إلى الرشيد من نقفور- ملك الروم- إلى هارون- ملك العرب- أما بعد فإن الملكة التى كانت قبلى أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابى هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع من المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: من هارون- أمير المؤمنين- إلى نقفور «٥» كلب الروم، قد قرأ كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة، ففتح وغنم وأحرق وخرّب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله إليه فى كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع الرشيد نقض نقفور العهد، وكان البرد قد اشتد فأمن رجعة الرشيد، فجاء الخبر بنقضه وقد بلغ الرشيد الرقة، فأشفق الناس من إعلام الرشيد، وخافوا عوده لشدة البرد، فاحتيل عليه بشاعر قيل هو أبو محمد عبد الله بن

стр. 8312

يوسف «١» ، وقيل هو الحجاج بن يوسف التيمى «٢» فقال أبياتا منها: نقض الذى أعطيته نقفور ... فعليه «٣» دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح «٤» أتاك به الإله كبير فتح يزيد على الفتوح يؤمنا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور «٥» فلما سمع الرشيد ذلك قال: أو فعل ذلك نقفور! ورجع إلى بلاد الروم فى أشد زمان، حتى بلغ بلادهم فبلغ ما أراد، وقيل كان ذلك فى سنة تسعين ومائة وفتح هرقلة- على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها زلزلت المصيصة فانهدم سورها، ونضب ماؤها ساعة من الليل. وحجّ بالناس عبد الله «٦» بن العباس بن محمد بن على. ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائة . فى هذه السنة غزا إبراهيم بن جبريل «٧» الصائفة، فدخل أرض الروم من درب الصّفصاف فخرج إليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، فلقى جمعا من المسلمين فجرح ثلاث جراحات وانهزم، وقتل من الروم أربعون ألفا وسبعمائة. وحج الرشيد بالناس فى هذه السنة. ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة . ذكر مسير الرشيد إلى الرى فى هذه السنة سار الرشيد إلى الرى، وسبب ذلك أن أهل خراسان

стр. 8313

تظلموا من على بن عيسى بن ماهان، وشكوا سوء سيرته فيهم، وقيل للرشيد إنه قد أجمع على الخلاف، فسار إلى الرى فى جمادى الأولى ومعه ابناه المأمون والقاسم المؤتمن، وأحضر القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما فى عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون، وليس له فيه شىء، وأقام الرشيد بالرى أربعة أشهر، حتى أتاه على بن عيسى من خراسان فأهدى إليه الهدايا الكثيرة والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته وولده وكتّابه وقواده من الطرف والجواهر وغير ذلك، فرأى الرشيد خلاف ما كان يظن فردّه إلى خراسان، ورجع الرشيد إلى العراق فى آخر هذه السنة. وفيها كان الفداء بين الروم والمسلمين، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودى به. وحج بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن محمد بن على «١» ابن عبد الله. ودخلت سنة تسعين ومائة . ذكر فتح هرقلة فى هذه السنة فتح الرشيد هرقلة وخرّبها، وكان سبب مسيره إليها ما قدمناه فى سنة سبع وثمانين من غدر نقفور، فكان فتحها فى شوال وحصرها ثلاثين يوما. قال: ودخل البلاد فى مائة ألف وخمس وثلاثين ألفا من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة ومن لا ديوان لهم، ووجّه داود بن عيسى ابن موسى فى سبعين ألفا، فسار فى أرض الروم يخرب وينهب، وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن وديسه «٢» ، وافتتح يزيد بن محلد

стр. 8314

الصفصاف وملوقية «١» ، واستعمل حميد بن معيوف على ساحل الشام ومصر، فبلغ قبرس فهدم وأحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفا، فلما قدم بهم الرافقة «٢» بيعوا بها، وبلغ فداء أسقف قبرس ألفى دينار، ثم سار الرشيد إلى طوانة فنزل بها، ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر، وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين وعن بطارقته كذلك؛ وكتب نقفور إلى الرشيد فى جارية من سبى هرقلة، كان خطبها لولده فبعثها إليه. وقد ذكر أبو الفرج الأصفهانى عند ذكره ترجمة أشجع بن عمرو السّلمى، وما امتدح به الرشيد لما فتح هرقلة، وسياقه أتم من هذا السياق وأكثر تبيانا، فأحببنا أن نشرحه ها هنا ليكون خبرها على توال واتساق «٣» ، فقال: أخبرنى على بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: كان من خبر غزاة الرشيد هرقلة أن الروم كانت ملكت امرأة، لأنّه لم يكن فى زمانها من أهل المملكة غيرها، وكانت تكتب إلى المهدى والهادى والرشيد- فى أول خلافته- بالتعظيم والتبجيل، وتدرّ عليه الهدايا حتى بلغ ابنها. فحاز الملك دونها وعاث وأفسد وفاسد الرشيد، فخافت على ملك الروم أن يذهب وعلى بلادهم أن تعطب، لعلمها بالرشيد وخوفها من سطوته، فاحتالت على ابنها فسملت عينيه. فبطل من الملك وعاد الملك إليها، فاستكبر ذلك أهل المملكة وأبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور وكان كاتبها، فأعانوه وعضدوه وقام بأمر المملكة وضبط أمر الروم، فلما قوى أمره وتمكّن من ملكه كتب إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك

стр. 8315

العرب، أما بعد، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت نفسها موضع السوقة، وإنى واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على تطرّق بلادك والهجوم على أمصارك، أو تؤدّى إلىّ ما كانت المرأة تؤديه إليك والسلام. فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون- أمير المؤمنين- إلى نقفور- كلب الروم- أما بعد فقد فهمت كتابك، وجوابك عندى ما تراه عيانا لا ما تسمعه. ثم شخص من شهره ذلك يؤم بلاد الروم، فى جمع لم يسمع بمثله، فلما بلغ نقفور ذلك ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وشاور فى أمره، وجدّ الرشيد فجعل يوغل فى بلاد الروم، فيقتل ويسبى ويغنم ويعفى الآثار ويخرّب الحصون، حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينيّة، فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع ورمى به فى تلك الطرق وأشعلت فيه النيران، فكان الرشيد أول من لبس ثياب النفاطين فخاضها، ثم اتبعه الناس فبعث إليه نقفور بالهدايا، وخضع له أشد الخضوع وأدّى له الجزية، عن رأسه فضلا عن أصحابه، فرجع هارون- لما أطاعه ما أعطاه- إلى الرقة. فلما رجع وأمن نقفور أن يغزى اغتر بالمهلة، ونقض ما كان بينه وبين الرشيد ورجع إلى حالته الأولى، فلم يجترئ يحيى بن خالد «١» فضلا عن غيره على إخبار الرشيد بغدر نقفور، وبذل هو وبنوه أموالا للشعراء على أن يقولوا أشعارا فى إعلام الرشيد بذلك، فكلهم أشفق إلا شاعر من أهل جدّة يكنى أبا محمد، وكان مجيدا قوىّ الشعر، فإنه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم، ودخل إلى الرشيد فأنشده:

стр. 8316

نقض الذى أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح «١» أتاك به الإله كبير فتح يزيد على الفتوح يؤمنّا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور «٢» فلقد تباشرت الرعيّة أن أتى ... بالنقض منه «٣» وافد وبشير درجت يمينك أن تعجّل غزوة ... تشفى النفوس نكالها «٤» مذكور أعطاك جزيته وطأطأ خدّه ... حذر الصوارم والردى محذور فأجرته من وقعها وكأنّها ... بأكفنا «٥» شعل الظلام «٦» تطير وصرفت من طول «٧» العساكر قافلا ... عنه وجارك آمن مسرور نقفور إنّك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور «٨» ألقاك حينك فى زواخر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور إنّ الإمام على اقتسارك قادر ... قربت ديارك أم نأت بك دور ليس الإمام وإن غفلنا غافلا ... عما يسوس بحزمه ويدير ملك تجرّد للجهاد بنفسه ... فعدوّه أبدا به مقهور يا من يريد رضى الإله بسعيه ... والله لا يخفى عليه ضمير لا نصح ينفع من يغشّ إمامه ... والنصح من نصحائه مشكور

стр. 8317

نصح الإمام على الأنام فريضة ... ولأهله «١» كفارة وظهور قال: فلما أنشده قال الرشيد: أو قد فعل!! وعلم أن الوزراء قد احتالوا فى ذلك، قال: فسار الرشيد قاصدا إليه، وجعل قبل وصوله إلى هرقلة يفتتح الحصون والمدن ويحرقها، حتى أناخ على هرقلة وهى أوثق حصن وأعزه جانبا وأمنعه ركنا، فتحصّن أهلها، وكان بابها على واد ولها خندق يطيف بها؛ قال: فحدثنى شيخ من مشايخ المطوّعة وملازمى الثغور، يقال له على بن عبد الله قال حدّثنى جماعة من أهل الثغر: أنّ الرشيد لما حصر أهل هرقلة وألحّ عليهم بالمجانيق والسهام والعرّادات فتح الباب ذات يوم، فاستشرف المسلمون لذلك، فإذا رجل من أهلها كأكمل الرجال، قد خرج فى أكمل السلاح فنادى: قد طال مواقفتكم إيانا فليبرز إلىّ منكم رجلان، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين، فلم يجبه أحد، فدخل وأغلق الباب، وكان الرشيد نائما فلم يعلم بخبره إلا بعد انصرافه، فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه، وتأسّف لفوته، فقيل له إن الامتناع منه سيغريه «٢» ويطغيه، وأحرى به أن يخرج فى غد فيطلب مثل ما طلب، فطالت على الرشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له، فإذا بالباب قد فتح وخرج الرجل طالبا للبراز، وذلك فى يوم شديد الحر، فجعل يدعو أنه يثبت لعشرين منهم، فقال الرشيد: من له؟ فابتدره جلّة القواد كهرثمة ويزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وخزيمة بن خازم وأخيه عبد الله وداود بن يزيد وأخيه، فعزم على إخراج بعضهم، فضّج المطوعة حتى سمع ضجيجهم، فأذن لعشرين منهم فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوّادك

стр. 8318

مشهورون بالنجدة والبأس وعلوّ الصوت ومدارسة الحرب، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذاك، وإن قتله العلج كان وصمة على العسكر قبيحة وثلمة لا تسدّ، ونحن عامّة لم يرتفع لأحد منّا صوت إلا كما يصلح للعامّة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلا فنخرجه إليه، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم «١» ، على يد رجل من العامة «٢» من أفناء الناس، وإن قتل الرجل فإنما استشهد، ولم يؤثر ذهابه فى العسكر ولم يثلمه رجل، وخرج إليه بعده مثله حتى يقضى الله ما شاء، فقال الرشيد: قد استصوبت رأيكم هذا، فاختاروا رجلا يعرف بابن الجزرى «٣» ، وكان معروفا فى الثغر بالبأس والنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج؟ قال نعم وأستعين بالله تعالى، فقال «٤» : أعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا بفرسى أوثق، ورمحى بيدى أشد، ولكنى قد قبلت السيف والترس، فلبس سلاحه واستدناه الرشيد فودّعه وأتبعه الدعاء، وخرج معه عشرون من المطوّعة، فلما انقضّ فى الوادى قال لهم العلج- وهو يعدّهم واحدا واحد- إنما كان الشرط عشرين، وقد زدتم رجلا ولكن لا بأس، فنادوه ليس يخرج إليك إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزرى تأمّله الرومى، وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن «٥» ، فقال له الرومى: أتصدقنى عما استخبرك؟ قال: نعم، قال: أنت بالله ابن الجزرى؟ قال: اللهم نعم، فكفر له ثم أخذا فى شأنهما، فتطاعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان يقومان، وليس

стр. 8319

يخدش واحد منهما صاحبه، ثم تحاجزا «١» بشىء فزجّ كل واحد منهما رمحه، وانتضى سيفه فتجالدا مليّا، واشتد عليهما الحرّ وتبلّد الفرسان، وجعل ابن الجزرى يضرب الضربة التى يرى أنّه قد بلغ بها، فيتّقيها الرومى وكان ترسه من حديد، ويضربه الرومى ضربة معذر، فلما يئس كل واحد منهما من الوصول إلى صاحبه انهزم ابن الجزرى، فدخلت المسلمين «٢» كآبة لم يكتئبوا مثلها قط، وعطعط المشركون اختيالا وتطاولا، وإنما كانت هزيمته حيلة منه فاتبعه العلج، وتمكّن ابن الجزرى منه فرماه بوهق فوقع فى عنقه فما أخطأه، وركض فاستلبه عن فرسه ثم عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبر المسلمون أعلى تكبير، وانخزل المشركون وبادروا الباب يغلقونه، واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد: اجعلوا النار فى المجانيق، ففعلوا وجعلوا الكتان والنفط على الحجارة، وأضرموا نارا ورموا بها السور، فكانت النار تلصق به وتأخذه الحجارة، وقد تصدّع فتهافت، فلما أحاطت بهم النيران فتحوا الباب مستأمنين، فقال الشاعر المكى الذى ينزل جدّة «٣» : هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا ... حوائما «٤» ترتمى بالنفط والنار كأنّ نيراننا فى جيب «٥» قلعتهم ... مصبغات «٦» على أرسان قصّار قال محمد بن يزيد: وأعظم الرشيد الجائزة للجدّى الشاعر، وصبّ الأموال على ابن الجزرى وقوّد، فلم يقبل التقويد وسأل أن يعفى، ويترك

стр. 8320

مكانه من الثغر فلم يزل به طول عمره «١» . وحجّ بالناس عيسى بن موسى الهادى. ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائة . فى هذه السنة عزل الرشيد عن خراسان على بن عيسى بن ماهان، واستعمل عليها هرثمة بن أعين. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن على. ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة . فى هذه السنة تحرّكت الخرّميّة بناحية أذربيجان، فوجّه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك فى عشرة آلاف، فقتل وسبى وأسر. وحج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر. ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة . ذكر وفاة الرشيد كانت وفاته ليلة السبت- الثالث من جمادى الآخرة- من هذه السنة، وكان قد توجّه إلى خراسان فى سنة اثنتين وتسعين ومائة، فمرض فى الطريق بجرجان فسار إلى طوس، فمات بها وصلّى عليه ابنه صالح ودفن

стр. 8321

بطوس. روى أبو الفرج الأصفهانى عن جحظة عن ميمون بن هارون قال «١» : رأى الرشيد فيما يرى النائم كأن امرأة وقفت عليه، وأخذت كف تراب ثم قالت: هذه تربتك عن قليل، فأصبح فزعا فقصّ رؤياه، فقال له أصحابه: وما فى هذا!! قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ ثم لا يضره فركب وقال: إنى لأرى الأمر قريبا، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شباك حديد تنظر إليه، فقال: هذه والله التربة التى رأيتها، وهذه المرأة بعينها، ثم مات بعد مدة ودفن فى ذلك الموضع بعينه، أشترى له ودفن فيه، وأتى نعيه بغداد فقال أشجع يرثيه: غربت بالمشرق الشم ... س فقل للعين تدمع ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وخلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما، وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد وخطه الشيب. وكان له من الأولاد: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، والقاسم المؤتمن، وأبو إسحاق المعتصم، وصالح، وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب محمد، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد، وأبو على محمد، وأبو محمد- وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، وكلهم لأمهات أولاد إلا الأمين [١] . وله من البنات سكينة، وأم حبيب، وأروى، وأم

стр. 8322

_________ السمرقندى ﵀ فى كتابه المترجم تنبيه الغافلين (مطبوع طبعة بولاق) قال: حدثنا أبى قال: حدثنا أبو الحسن الفرا عن عبد الله بن الفرج قال: خرجت يوما فى طلب أجير يعمل لى شيئا فى الدار، فأتيت فى طلبه فإذا أنا برجل حسن الوجه وبين يديه مر وزنبيل، فقلت له: أتعمل لى اليوم إلى آخر الليل؟ قال: نعم، قلت: بكم؟ قال: بدرهم ودانق، قلت له: قم، فقام وأتى معى إلى منزلى، فعمل معى عملا كان يعمله غيره فى ثلاثة أيام، ثم أتيته فى اليوم الثانى أطلبه فلم أره، فسألت عنه فقيل هو رجل لا يرى فى الأسبوع إلا يوما واحدا، وقالوا لى يوم السبت، فتربصت حتى أتى ذلك اليوم، فجئت وهو جالس، فقلت له: أتعمل اليوم معى؟ قال: نعم بدرهم ودانق، قلت: تعمل بدرهم، قال: لا، إلا بدرهم دانق، قلت قم فقام وعمل معى عملا كان يعمله غيره فى ثلاثة أيام، فلما كان وقت المساء وزنت له درهما واحدا، فقال لى: ألم أقل لك بدرهم ودانق؟ وكنت أردت أن اختبره، فقال: قد أفسدت علىّ أجرتى، ولا آخذ منك شيئا، قال: فوزنت له درهما ودانقا، فأبى أن يأخذه، فألححت عليه فقال: سبحان الله أقول لك ما آخذ وتلح علىّ!! ومضى وأقبلت إلى أهلى وأخبرتهم بقصته فقالت لى زوجتى: فعل الله بك وصنع، ما الذى أردت من رجل عمل لك عمل ثلاثة أيام فى يوم واحد!! قال فجئت يوما أسأل عنه فقيل لى إنه مريض، فاستدللت على بيته فأرشدت إليه، فأتيته وإذا هو مبطون فى خربة، ليس فيها شىء غير ذلك المر والزنبيل، فسلمت عليه فرد على، فقلت له: لى إليك حاجة، وأنت تعرف ما جاء فى إدخال السرور على العبد، فقلت: إنى أحب أن تأتى إلى بيتى حتى أمرضك فيه، قال: أتحب ذلك؟ قلت نعم، قال: آتيك على ثلاثة شرائط تقبلها منى ولا تخالفنى فيها، قلت: نعم، قال: أحدها أنك لا تعرض على طعاما حتى أسألك وآذن لك فيه، قلت: نعم، قال: والثانى: اذا أنامت فكفنى فى كسائى هذا وجبتى هذه، فقلت: نعم، وأما الثالث: فهو أشد منهما، وسأخبرك عنه غدا إن شاء الله، قال: فحملته إلى منزلى عند الظهر، فلما أصبحت من الغد نادانى فأتيته، فقلت ما شأنك؟ قال: ألا أخبرك عن حاجتى الثالثة، أعلم أنه قد حضرت وفاتى، ثم قال: افتح هذه الصرة التى فى كم جبتى، ففتحتها فاذا فيه خاتم عليه فص أخضر، فقال لى: يا عبد الله إذا أنامت فكفنى كما أمرتك وورانى، وخذ هذا الخاتم فأدفعه إلى هارون الرشيد، وقل له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت عليها ندمت، ثم مات، فلما دفنته سألت عن يوم خروج الرشيد فأخبرت، فكتبت قصة وتعرضت له، فدفعت إليه القصة بعد أن ضربت ضربا موجعا، قال: فلما دخل القصر وقرأ القصة استدعانى، فدخلت عليه فقال: ما شأنك؟ فأخرجت الخاتم ودفعته إليه، فلما نظر إليه قال لى: من أين لك هذا الخاتم؟ قلت يا أمير المؤمنين دفعة إلىّ رجل طيان وأخبرته بقصته، فنظرت إلى دموعه تنحدر على لحيته، وهو يقول: رجل طيان!!! وقربنى منه وأدنانى فدنوت منه، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه أوصانى بوصيته ألقيها إليك، قال: ألق ما معك من الوصية، قلت له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: لا تموتن على سكرتك هذه، فإنك إن مت عليها ندمت، فقام قائما وضرب بنفسه على البساط وجعل ينتف رأسه ولحيته، ويقول: يا بنى نصحت أباك حيا وميتا، وبكى بكاء طويلا ثم جلس، وجاءوا فغسل وجهه، واستعاد القصة

стр. 8323

الحسن» ، وأم محمد- وهى حمدونة، وفاطمة، وأم أبيها، وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم جعفر، والغالية، وريطة، كلهن لأمهات أولاد، والواحدة من بناته تعد عشرة من الخلفاء كلهم لها محرم هارون أبوها، والهادى عمها، والمهدى جدها، والمنصور جد أبيها، والسفاح عم جدها، والأمين والمأمون والمعتصم إخوتها، والواثق والمتوكل ابنا أخيها. وكان نقش خاتمه: العظمة والقدرة لله، وقيل كن من الله على حذر. وزراؤه: يحيى بن خالد بن برمك ثم ابناه جعفر والفضل، ثم استوزر بعد البرامكة الفضل بن الربيع. قضاته: نوح بن دراج «٢» بالجانب الغربى، وحفص بن غياث بالشرقى. حاجبه: بشر مولاه، ثم محمد بن

стр. 8324

خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع. الأمراء بمصر: على بن سليمان الهاشمى، ثم موسى بن عيسى، ثم «١» إبراهيم بن صالح ثم مات فوليها أحمد بن خالد «٢» الأعرج، ثم إسحاق بن سليمان بن على الهاشمى، ثم هرثمة بن أعين ثم ولاه المغرب، وولى عبد الملك بن صالح بن على الهاشمى، ثم عبيد الله «٣» بن المهدى، ثم إسماعيل بن صالح بن على الهاشمى، ثم الليث بن الفضل، ثم «٤» أحمد بن إسماعيل بن على الهاشمى، ثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن على الهاشمى ويعرف بابن زينب، ثم الحسين بن جميل الأزدى، ثم مالك بن دلهم، ثم الحسن ابن البحباح «٥» القضاة بها: أبو طاهر عبد الملك، ثم المفضل «٦» بن فضالة، ثم محمد بن مسروق الكندى «٧» ، ثم إسحاق بن الفرات، ثم عبد

стр. 8325

الرحمن بن عبد الله- من ولد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو أول من دوّن الشهود. ذكر شىء من سيرة الرشيد وأخباره قيل: كان الرشيد يصلى فى كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، لا يقطعها إلا فى مرض، وكان يتصدق من صلب ماله فى كل يوم بألف درهم، وكان إذا حجّ حجّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحجّ ثلاثمائة رجل بالنفقة التامة والكسوة، وكان يحب الشعر والشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء فى الدين، وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه، ولما مدحه مروان بن أبى حفصة بقصيدته التى منها: وسدّت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر أعطاه خمسة آلاف دينار وعشرة من الرقيق الرومى وبرذونا من خاص مراكبه. وقيل: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره من جدّ وهزل، ووزراؤه البرامكة لم ير مثلهم فى السخاء، وقاضيه أبو يوسف وشاعره مروان بن أبى حفصة، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد، وحاجبه الفضل بن الربيع، إربة الناس، ومغنيه إبراهيم الموصلى، واحد عصره فى صناعته، وضاربه زلزل، وزامره برصوما، وزوجته أم جعفر بنت جعفر، أرغب الناس فى خير، وأسرعهم إلى كل برّ، وأمه الخيزران أم الخلفاء. قال: وبذل الرشيد الأمان للطالبيين، وأخرج الخمس لبنى هاشم، وقسم للذكر والأنثى خمسمائة، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار، وعمر طرسوس وجعل فيها جماعة من الموالى رحمه الله تعالى.

стр. 8326

ذكر خلافة الأمين هو أبو عبد الله وقيل أبو موسى وقيل أبو العباس- محمد بن هارون الرشيد، وأمه أمة الواحد وقيل أمة العزيز «١» بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور، ولقبت زبيدة، ولم يل الخلافة بعد على والحسن من أمه هاشمية غيره، وهو السادس من الخلفاء العباسيين؛ بويع له بالخلافة بطوس فى عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التى توفى فيها الرشيد، لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكان المأمون يومئذ بمرو، فكتب حمويه- مولى المهدى وهو صاحب البريد- إلى نائبه ببغداد، وهو أبو مسلم «٢» سلام، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه بأبيه وهنّأه بالخلافة، وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين بذلك مع رجاء الخادم، وأرسل معه الخاتم والقضيب والبردة، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره الخلد إلى قصر الخلافة، وصلّى بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزّى نفسه والناس، ووعدهم الخير وأمّن الأبيض والأسود، وفرّق فى الجند الذين ببغداد رزق أربعة وعشرين شهرا، ودعا إلى البيعة فبايعه جلة أهل بيته، ووكل عم أبيه وأمه سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم، وأمر السّدى بمبايعة من عداهم، وقدمت العساكر التى كانت مع الرشيد، وقدمت زبيدة امرأة الرشيد أم الامين من الرقة إلى بغداد، فتلقاها ابنها الأمين بالأنبار، ومعه جميع من ببغداد من الوجوه، وكان معها خزائن الرشيد.

стр. 8327

وفيها ابتدأت الوحشة بين الأمين والمأمون، وظهر الخلاف فيما بعدها وتفاقم الأمر، وسنذكر ذلك كله وأسبابه فى آخر أيام الأمين، ليكون خبر ذلك متواليا لا ينقطع بخروج سنة ودخول أخرى، فلنذكر من أخبار الأمين خلاف ذلك وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة، وأقرّه على العواصم، وأستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم. وحجّ بالناس فى هذه السنة داود بن عيسى بن موسى «١» بن محمد وهو أمير مكة. ودخلت سنة أربع وتسعين ومائة . ذكر خلاف أهل حمص على الأمين فى هذه السنة خالف أهل حمص على الأمين، فتحوّل عاملهم إسحاق بن سليمان إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشى، فقتل عدة من وجوههم وحبس عدة، وألقى النار فى نواحيها، فسألوه الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم. ودخلت سنة خمس وتسعين ومائة . فى هذه السنة قطع الأمين خطبة المأمون، وأمر بإسقاط ما ضرب باسمه من الدنانير والدراهم بخراسان، وأمر فدعى لابنه موسى ولقّبه الناطق بالحق، ولابنه الآخر عبد الله ولقّبه القائم بالحق. ذكر خروج السّفيانىّ وما كان من أمره فى هذه السنة خرج السفيانى- وهو على بن عبد الله بن خالد بن يزيد

стр. 8328

ابن معاوية، وأمّه نفيسة بنت عبيد الله «١» بن العباس بن على بن أبى طالب، وكان يقول: أنا ابن شيخى صفين- يشير إلى على ومعاوية، وكان يلقب بأبى العميطر، لأنه قال لأصحابه: أى شىء كنية الحرذون؟ قالوا: لا ندرى، قال: هو أبو العميطر، فلقبوه به، ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة فى ذى الحجة، وقوى على سليمان بن المنصور عامل دمشق، وأخرجه عنها وأعانه الخطاب بن وجه الفلس مولى بنى أمية، وكان قد تغلب على صيدا، فبعث الأمين إليه الحسن بن على بن عيسى بن ماهان، فبلغ الرقة ولم يصل إلى دمشق؛ قال: وكان عمر السفيانى لما خرج تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علما كثيرا، وكان حسن السيرة، فلما خرج ظلم وأساء السيرة، فتركوا ما كانوا نقلوه عنه، وكان أكثر أصحابه من كلب، وكتب إلى محمد بن بيهس الكلابى «٢» يدعوه إلى طاعته، ويتهدده إن لم يفعل فلم يجبه إلى ذلك، فأقبل السفيانى لقصد القيسية فكتبوا إلى محمد بن صالح، فأقبل إليهم فى ثلاثمائة فارس ومواليه، فبعث إليه السفيانى يزيد بن هشام فى اثنى عشر ألفا، فالتقوا فانهزم يزيد ومن معه، وقتل منهم زيادة على ألفين، وأسر ثلاثة آلاف فأطلقهم ابن بيهس، وحلق رءوسهم ولحاهم، فضعف السفيانى، ثم جمع جمعا وجعل عليهم ابنه القاسم، وخرجوا إلى بيهس فالتقوا فقتل القاسم وانهزم أصحاب السفيانى، وبعث رأسه إلى الأمين، ثم جمع جمعا آخر وبعثهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس فقتل المعتمر وانهزم أصحابه، فوهن أمر السفيانى وطمعت فيه قيس، ثم مرض ابن بيهس، فاستخلف مسلمة بن يعقوب بن على «٣» بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، وأمر بنى نمير بمبايعته بالخلافة، وعاد ابن بيهس إلى

стр. 8329

حوران، واجتمعت نمير على مسلمة وبايعوه، فدخل على السفيانى وقبض عليه وقيده، وقبض على رؤساء بنى أميّة فبايعوه، وأدنى القيسية وجعلهم خاصته، فلما عوفى محمد بن بيهس عاد إلى دمشق فحصرها، فسلمها إليه القيسية، وهرب مسلمة والسفيانى فى زى النساء إلى المزة، وذلك فى المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وغلب ابن بيهس على دمشق، إلى أن قدم عبد الله ابن طاهر دمشق ودخل إلى مصر وعاد إلى دمشق فأخذ ابن بيهس معه إلى العراق فمات بها. وحج بالناس عامل مكة داود بن عيسى. ودخلت سنة ست وتسعين ومائة . فى هذه السنة استعمل الأمين على الشام عبد الملك بن صالح بن على: فسار إليها فتوفى بالرقة قبل وصوله إلى الشام. وفيها خلع الأمين وبويع للمأمون، ثم عاد الأمين إلى الخلافة، على ما نذكره إلى شاء الله تعالى. ودخلت سنة سبع وتسعين ومائة . فى هذه السنة حجّ بالناس العباس بن موسى بن عيسى، وجّهه طاهر بأمر المأمون. وفيها سار المؤتمن بن الرشيد ومنصور بن المهدى إلى المأمون بخراسان، فوجّه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان. ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائة . ذكر أخبار الأمين والمأمون وما كان بينهما من الفتن والاختلاف وما أفضى إليه الأمر من قتل الأمين كان ابتداء الخلف بينهما فى سنة ثلاث وتسعين ومائة عند وفاة الرشيد، وكان سبب ذلك أن الرشيد كان قد أشهد عليه فى سفرته التى مات فيها: أن

стр. 8330

جميع ما فى عسكره من مال ومتاع ورقيق وكراع وغير ذلك للمأمون، وأخذ له البيعة على جميع من فى عسكره، فعظم ذلك على الأمين، ثم بلغه شدة «١» مرض الرشيد، فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتبا وجعلها فى قوائم صناديق المطبخ، وألبسها جلود البقر، وقال: لا تظهرنّ أمير المؤمنين ولا غيره عليها، فإذا مات فادفع الكتب إلى أربابها، فقدم بكر إلى طوس فبلغ الرشيد قدومه، فأحضره وسأله عن موجب قدومه، قال: بعثنى الأمين لآتيه بخبرك، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بتفتيش ما معه فلم يصيبوا شيئا، فأمر به فضرب فما أقرّ، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره، فإن أقرّ وإلا ضرب عنقه، ثم مات الرشيد فأخرج بكر «٢» الكتب التى معه، وهى كتاب إلى المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس «٣» لأخيهما المؤتمن، فلم يكن المأمون حاضرا وكان بمرو، وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه، وأن يتصرف هو ومن معه برأى الفضل بن الربيع، وكتاب إلى الفضل بالحفظ والاحتياط على الحرم والأموال وغير ذلك، وأقرّ كل من كان على عمل من الأعمال على عمله، من صاحب شرط «٤» وحجابة وحرس، فلما قرءوا الكتب تشاور القواد فى اللحاق بالمأمون أو الأمين، فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدرى ما يكون من أمره، ثم أمر الناس بالرحيل فرحلوا، محبة منهم لأهليهم ووطنهم وتركوا العهود التى كانت أخذت عليهم للمأمون، فلما بلغ المأمون ذلك جمع من كان عنده من القوّاد، وفيهم ذو الرئا ستين الفضل بن سهل، وهو أعظمهم قدرا عنده وأخصّهم به، واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم جريدة فى ألفى فارس ويردهم، فخلى به ذو

стр. 8331

الرئاستين وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هديّة إلى أخيك ولكن الرأى أن تكتب إليهم كتابا مع رسول من عندك، تذكّرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث، ففعل ووجّه سهل بن صاعد «١» ونوفلا الخادم، فلحقا الجند والفضل بنيسابور، فأوصلا الفضل كتابه فقال: إنما أنا واحد من الجند، وشدّ عبد الرحمن بن جبلة على سهل بالرمح ليطعنه، فأمّره على جنبه وقال: قل لصاحبك لو كنت حاضرا لوضعته فيك، وسبّ المأمون فرجعا إليه بالخبر فقال ذو الرئاستين: أعداء استرحت منهم، وقال له: اصبر وأنا أضمن لك الخلافة، فقال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به، قال ذو الرئاستين: والله لأصدقنّك، إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك منّى، برياستهم المشهورة وبما عندهم من القوّة، فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تباع أملك وترى رأيك، وقام ذو الرئاستين فأتاهم فى منازلهم، وذكر لهم البيعة وما يجب عليهم من الوفاء، قال: فكأنى جئتهم بجيفة على طبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل وأخرجه «٢» ، وقال بعضهم: ومن الذى يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ قال: فجئت وأخبرته فقال: قم بالأمر، فأشار عليه أن يبعث إلى الفقهاء، ويدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وردّ المظالم، وأن تجلس على الصوف وتكرم القوّاد، ففعل ذلك ووضع عن خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلها وقالوا: ابن اختنا وابن عم نبيّنا ﷺ ، ثم كتب المأمون إلى الأمين وعظّمه. ولما قدم الفضل بن الربيع العراق- وقد نكث عهد المأمون- علم أنّ المأمون، إن أفضت إليه الخلافة وهو حىّ، لم يبق عليه، فسعى فى إغراء الأمين وحثّه على خلع المأمون، والبيعة لابنه موسى بولاية العهد- ولم يكن

стр. 8332

ذلك فى عزم الأمين، فلم يزل الفضل يصغّر أمر المأمون عنده ويزيّن له خلعه، ووافقه على ذلك على بن عيسى «١» بن ماهان والسندى وغيرهما، فرجع الأمين إلى قولهم وجمع القوّاد لذلك، فنهاه عبد الله بن خازم وأبى القواد ذلك، وربما ساعده قوم، فلما بلغ إلى خزيمة بن خازم قال له: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإنّ الغادر مخذول، والناكث مفلول، فأقبل الأمين على علىّ ابن ماهان فتبسّم وقال: لكنّ شيخ هذه الدعوة وناب «٢» هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلها. وألحّ الأمين فى خلع المأمون، فأوّل ما فعل أن كتب إلى جميع العمال بالدعاء بالإمرة لابنه موسى بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن، فلما بلغ ذلك المأمون، وأن الأمين عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط الأمين من الطّرز وقطع البريد عنه، وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار- لمّا بلغه حسن سيرة المأمون- طلب الأمان منه فأمّنه، فحضر عنده. قال: ثم كتب الأمين إلى المأمون يستقدمه ويسأله أن يقدّم ابنه موسى على نفسه، وأرسل إليه أربعة «٣» فى الرسالة- منهم العباس بن موسى بن عيسى، فلما أتوه امتنع من ذلك، فقال له العباس بن موسى: ما عليك أيها الأمير من ذلك؟ وقد فعله جدى عيسى بن موسى وخلع فما ضرّه ذلك، فصاح به ذو الرئاستين: فقال اسكت فإنّ جدّك كان أسيرا بين أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته، ثم قاموا «٤» فخلى ذو الرئاستين بالعباس بن

стр. 8333

موسى، واستماله ووعده إمرة الموسم ومواضع، فأجاب إلى بيعة المأمون وسماه بالإمام، وكان يكتب إليهم بالأخبار من بغداد، ورجع الرسل إلى الأمين وأخبروه بامتناع المأمون، وبعث المأمون ثقة من عنده إلى الحدّ، يمنع من الدخول إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته، وضبط الطرق بثقاة أصحابه. قال: وألحّ الفضل بن الربيع فى قطع خطبة المأمون، وأغرى الأمين بحربه، فأجابه إلى ذلك وبايع لولده موسى، وجعله فى حجر على بن عيسى بن ماهان، وجعل على شرطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله على بن صالح صاحب المصلى، وأسقط خطبة المأمون فى سنة خمس وتسعين ومائة، وبايع لولده موسى فى صفر وقيل فى ربيع الأول، وأرسل إلى الكعبة فأتى بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد ببيعة الأمين والمأمون، فمزّقهما الفضل بن الربيع. ذكر محاربة على بن عيسى بن ماهان وطاهر قال: ثم أمر الأمين على بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون، وكان سبب مسيره دون غيره أنّ ذا الرئاستين كان له عين عند الفضل بن الربيع، يرجع الفضل إلى قوله ورأيه، فكتب ذو الرئاستين إلى ذلك الرجل أن يشير بانفاذ ابن ماهان لحربهم، وكان مقصده أن ابن ماهان- لمّا ولى خراسان أيام الرشيد أساء السيرة فى أهلها فظلمهم «١» - فبغضه أهل خراسان، فأراد ذو الرئاستين أن يزداد أهل خراسان جدا فى قتال الأمين وأصحابه بسببه، فأشار ذلك الرجل بابن ماهان فأمره الأمين بالمسير؛ وقيل كان سببه أنّ عليّا قال للأمين: إنّ أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنّه «٢» إن

стр. 8334

قصدهم أطاعوه وانقادوا له، وإن كان غيره فلا، فأمره بالمسير وأقطعه كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقمّ وأصفهان وغير ذلك- حربها وخراجها، وأعطاه الأموال وحكّمه فى الخزائن، وجهّز معه خمسين ألف فارس، وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلى «١» وهلال بن عبد الله الحضرمى بالانضمام إليه، وأمدّه بالأموال والرجال شيئا بعد شىء، وخرج فى شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، وركب الأمين يشيّعه ومعه القوّاد والجنود، وأوصاه إن قاتله المأمون يحرص على أسره. قال: وكان المأمون- لمّا بلغه ما فعله الأمين من خلعه وتمزيق كتب البيعة- أرسل طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن أسعد «٢» الخزاعى أميرا، وضمّ إليه جماعة من قوّاده وأجناده، فسار مجدا نحو الرى فنزلها ووضع المسالح والمراصد. قال: وسار ابن ماهان فلقيته القوافل عند جلولاء، فسألهم فقالوا إن طاهرا مقيم بالرى، يعرض أصحابه والأمداد تأتيه من خراسان، فجعل يسير وهو لا يعبأ بطاهر ويستقله ولا يستعد له، فقيل له فى ذلك فقال: مثل طاهر لا يستعدّ له، وإنّ حاله تؤول إلى أمرين: إما أن يتحصّن بالرى فيسلمه أهلها، وإما أن يرجع ويتركها إذا قربت خيلنا منه؛ قال: فلما دنا من الرى خرج طاهر منها، فى أقل من أربعة آلاف فارس وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام وكان على شرطته فقال له: إن أتانا على بن عيسى؟ فقال: أنا عامل أمير المؤمنين فأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه. فقال طاهر: لم يأتنى فى ذلك

стр. 8335

شىء، فقال: دعنى وما أريد، فقال: افعل، فصعد المنبر فخلع الأمين ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا وأقبل ابن ماهان وقد عبّأ أصحابه، وعبّأ عشر رايات مع كل راية ألف رجل، وقدّمها راية راية وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وعبّأ طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرّضهم ويوصيهم، وهرب من أصحاب طاهر نفر إلى علىّ، فجلد بعضهم وأهان الباقين، فكان ذلك مما ألب من بقى على قتاله، وزحف الناس بعضهم لبعض، فقال أحمد بن هشام لطاهر: ألا تذكّر على بن عيسى البيعة التى أخذها علينا هو للمأمون؟ قال: أفعل- فأخذ البيعة وعلّقها على رمح، وقام بين الصفين وطلب الأمان، فأمّنه علىّ بن عيسى، فقال له: ألا تتقى الله!! أليس هذه نسخة البيعة التى أخذتها أنت خاصة علينا؟؟ اتق الله فقد بلغت باب قبرك! فقال علىّ: من أتانى به فله ألف درهم، فسنمه أصحاب أحمد ثم وثب أهل الرى وأغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه: اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم، فإنّه لا ينجيكم إلا الجد والصدق، ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميسرة طاهر هزيمة منكرة، وزالت ميمنته عن موضعها، فقال طاهر: اجعلوا جدّكم وبأسكم على القلب، واحملوا حملة خارجية، فحملوا على أول رايات القلب فهزموها، فرجعت الرايات بعضها على بعض وانتهت الهزيمة إلى علىّ، فجعل ينادى أصحابه: الكرّة بعد الفرّة، فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله، وحمل رأسه إلى طاهر، وحملت جثّته إليه فألقى فى بئر، وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكرا لله تعالى، وتمت الهزيمة ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف، وتبعوهم فرسخين وواقفوهم فيها اثنتى عشرة مرّة، كل مرّة يكسر عسكر الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال بينهم الليل، وغنموا غنيمة عظيمة، ونادى أصحاب طاهر: من ألقى سلاحه فهو آمن،
следующие страницы →