← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

الرئاستين وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هديّة إلى أخيك ولكن الرأى أن تكتب إليهم كتابا مع رسول من عندك، تذكّرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث، ففعل ووجّه سهل بن صاعد «١» ونوفلا الخادم، فلحقا الجند والفضل بنيسابور، فأوصلا الفضل كتابه فقال: إنما أنا واحد من الجند، وشدّ عبد الرحمن بن جبلة على سهل بالرمح ليطعنه، فأمّره على جنبه وقال: قل لصاحبك لو كنت حاضرا لوضعته فيك، وسبّ المأمون فرجعا إليه بالخبر فقال ذو الرئاستين: أعداء استرحت منهم، وقال له: اصبر وأنا أضمن لك الخلافة، فقال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به، قال ذو الرئاستين: والله لأصدقنّك، إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك منّى، برياستهم المشهورة وبما عندهم من القوّة، فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تباع أملك وترى رأيك، وقام ذو الرئاستين فأتاهم فى منازلهم، وذكر لهم البيعة وما يجب عليهم من الوفاء، قال: فكأنى جئتهم بجيفة على طبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل وأخرجه «٢» ، وقال بعضهم: ومن الذى يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ قال: فجئت وأخبرته فقال: قم بالأمر، فأشار عليه أن يبعث إلى الفقهاء، ويدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وردّ المظالم، وأن تجلس على الصوف وتكرم القوّاد، ففعل ذلك ووضع عن خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلها وقالوا: ابن اختنا وابن عم نبيّنا ﷺ ، ثم كتب المأمون إلى الأمين وعظّمه. ولما قدم الفضل بن الربيع العراق- وقد نكث عهد المأمون- علم أنّ المأمون، إن أفضت إليه الخلافة وهو حىّ، لم يبق عليه، فسعى فى إغراء الأمين وحثّه على خلع المأمون، والبيعة لابنه موسى بولاية العهد- ولم يكن

стр. 8332

ذلك فى عزم الأمين، فلم يزل الفضل يصغّر أمر المأمون عنده ويزيّن له خلعه، ووافقه على ذلك على بن عيسى «١» بن ماهان والسندى وغيرهما، فرجع الأمين إلى قولهم وجمع القوّاد لذلك، فنهاه عبد الله بن خازم وأبى القواد ذلك، وربما ساعده قوم، فلما بلغ إلى خزيمة بن خازم قال له: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإنّ الغادر مخذول، والناكث مفلول، فأقبل الأمين على علىّ ابن ماهان فتبسّم وقال: لكنّ شيخ هذه الدعوة وناب «٢» هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلها. وألحّ الأمين فى خلع المأمون، فأوّل ما فعل أن كتب إلى جميع العمال بالدعاء بالإمرة لابنه موسى بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن، فلما بلغ ذلك المأمون، وأن الأمين عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط الأمين من الطّرز وقطع البريد عنه، وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار- لمّا بلغه حسن سيرة المأمون- طلب الأمان منه فأمّنه، فحضر عنده. قال: ثم كتب الأمين إلى المأمون يستقدمه ويسأله أن يقدّم ابنه موسى على نفسه، وأرسل إليه أربعة «٣» فى الرسالة- منهم العباس بن موسى بن عيسى، فلما أتوه امتنع من ذلك، فقال له العباس بن موسى: ما عليك أيها الأمير من ذلك؟ وقد فعله جدى عيسى بن موسى وخلع فما ضرّه ذلك، فصاح به ذو الرئاستين: فقال اسكت فإنّ جدّك كان أسيرا بين أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته، ثم قاموا «٤» فخلى ذو الرئاستين بالعباس بن

стр. 8333

موسى، واستماله ووعده إمرة الموسم ومواضع، فأجاب إلى بيعة المأمون وسماه بالإمام، وكان يكتب إليهم بالأخبار من بغداد، ورجع الرسل إلى الأمين وأخبروه بامتناع المأمون، وبعث المأمون ثقة من عنده إلى الحدّ، يمنع من الدخول إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته، وضبط الطرق بثقاة أصحابه. قال: وألحّ الفضل بن الربيع فى قطع خطبة المأمون، وأغرى الأمين بحربه، فأجابه إلى ذلك وبايع لولده موسى، وجعله فى حجر على بن عيسى بن ماهان، وجعل على شرطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله على بن صالح صاحب المصلى، وأسقط خطبة المأمون فى سنة خمس وتسعين ومائة، وبايع لولده موسى فى صفر وقيل فى ربيع الأول، وأرسل إلى الكعبة فأتى بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد ببيعة الأمين والمأمون، فمزّقهما الفضل بن الربيع. ذكر محاربة على بن عيسى بن ماهان وطاهر قال: ثم أمر الأمين على بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون، وكان سبب مسيره دون غيره أنّ ذا الرئاستين كان له عين عند الفضل بن الربيع، يرجع الفضل إلى قوله ورأيه، فكتب ذو الرئاستين إلى ذلك الرجل أن يشير بانفاذ ابن ماهان لحربهم، وكان مقصده أن ابن ماهان- لمّا ولى خراسان أيام الرشيد أساء السيرة فى أهلها فظلمهم «١» - فبغضه أهل خراسان، فأراد ذو الرئاستين أن يزداد أهل خراسان جدا فى قتال الأمين وأصحابه بسببه، فأشار ذلك الرجل بابن ماهان فأمره الأمين بالمسير؛ وقيل كان سببه أنّ عليّا قال للأمين: إنّ أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنّه «٢» إن

стр. 8334

قصدهم أطاعوه وانقادوا له، وإن كان غيره فلا، فأمره بالمسير وأقطعه كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقمّ وأصفهان وغير ذلك- حربها وخراجها، وأعطاه الأموال وحكّمه فى الخزائن، وجهّز معه خمسين ألف فارس، وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلى «١» وهلال بن عبد الله الحضرمى بالانضمام إليه، وأمدّه بالأموال والرجال شيئا بعد شىء، وخرج فى شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، وركب الأمين يشيّعه ومعه القوّاد والجنود، وأوصاه إن قاتله المأمون يحرص على أسره. قال: وكان المأمون- لمّا بلغه ما فعله الأمين من خلعه وتمزيق كتب البيعة- أرسل طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن أسعد «٢» الخزاعى أميرا، وضمّ إليه جماعة من قوّاده وأجناده، فسار مجدا نحو الرى فنزلها ووضع المسالح والمراصد. قال: وسار ابن ماهان فلقيته القوافل عند جلولاء، فسألهم فقالوا إن طاهرا مقيم بالرى، يعرض أصحابه والأمداد تأتيه من خراسان، فجعل يسير وهو لا يعبأ بطاهر ويستقله ولا يستعد له، فقيل له فى ذلك فقال: مثل طاهر لا يستعدّ له، وإنّ حاله تؤول إلى أمرين: إما أن يتحصّن بالرى فيسلمه أهلها، وإما أن يرجع ويتركها إذا قربت خيلنا منه؛ قال: فلما دنا من الرى خرج طاهر منها، فى أقل من أربعة آلاف فارس وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام وكان على شرطته فقال له: إن أتانا على بن عيسى؟ فقال: أنا عامل أمير المؤمنين فأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه. فقال طاهر: لم يأتنى فى ذلك

стр. 8335

شىء، فقال: دعنى وما أريد، فقال: افعل، فصعد المنبر فخلع الأمين ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا وأقبل ابن ماهان وقد عبّأ أصحابه، وعبّأ عشر رايات مع كل راية ألف رجل، وقدّمها راية راية وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وعبّأ طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرّضهم ويوصيهم، وهرب من أصحاب طاهر نفر إلى علىّ، فجلد بعضهم وأهان الباقين، فكان ذلك مما ألب من بقى على قتاله، وزحف الناس بعضهم لبعض، فقال أحمد بن هشام لطاهر: ألا تذكّر على بن عيسى البيعة التى أخذها علينا هو للمأمون؟ قال: أفعل- فأخذ البيعة وعلّقها على رمح، وقام بين الصفين وطلب الأمان، فأمّنه علىّ بن عيسى، فقال له: ألا تتقى الله!! أليس هذه نسخة البيعة التى أخذتها أنت خاصة علينا؟؟ اتق الله فقد بلغت باب قبرك! فقال علىّ: من أتانى به فله ألف درهم، فسنمه أصحاب أحمد ثم وثب أهل الرى وأغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه: اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم، فإنّه لا ينجيكم إلا الجد والصدق، ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميسرة طاهر هزيمة منكرة، وزالت ميمنته عن موضعها، فقال طاهر: اجعلوا جدّكم وبأسكم على القلب، واحملوا حملة خارجية، فحملوا على أول رايات القلب فهزموها، فرجعت الرايات بعضها على بعض وانتهت الهزيمة إلى علىّ، فجعل ينادى أصحابه: الكرّة بعد الفرّة، فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله، وحمل رأسه إلى طاهر، وحملت جثّته إليه فألقى فى بئر، وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكرا لله تعالى، وتمت الهزيمة ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف، وتبعوهم فرسخين وواقفوهم فيها اثنتى عشرة مرّة، كل مرّة يكسر عسكر الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال بينهم الليل، وغنموا غنيمة عظيمة، ونادى أصحاب طاهر: من ألقى سلاحه فهو آمن،

стр. 8336

فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم، ورجع طاهر إلى الرى، وكتب إلى المأمون. بسم الله الرحمن الرحيم كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس على بن عيسى بين يدى، وخاتمه فى أصبعى، وجنده ينصرفون تحت أمرى. والسلام. وكتب إلى ذى الرئاستين فورد الكتاب مع البريد فى ثلاثة أيام، وبينهما نحو من خمسين ومائتى فرسخ، فدخل ذو الرئاستين على المأمون وهنّأه بالفتح وأمر الناس فدخلوا عليه وسلّموا بالخلافة، ثم وصل رأس علىّ بعد الكتاب بيومين، فطيف به فى خراسان. ولما وصل الكتاب كان المأمون قد جهّز هرثمة فى جيش كبير نجدة لطاهر، فأتاه الخبر بالفتح. قال: وأما الأمين فإنّه أتاه نعى على بن عيسى- وهو يصطاد السمك، فقال الذى أتاه بالخبر: دعنى «١» فإنّ كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا، ثم بعث الفضل إلى نوفل الخادم- وهو وكيل المأمون على ملكه بالسواد- وكان للمأمون معه ألف ألف درهم- فأخذها منه وقبض ضياعه وغلاته، وندم الأمين على ما كان منه ومشى القوّاد بعضهم إلى بعض فى النصف من شوال سنة خمس وتسعين واتفقوا على طلب الأرزاق ففرّق فيهم مالا كثيرا. ذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة إلى طاهر وقتله واستيلاء طاهر على أعمال الجبل قال: ولما اتصل بالأمين قتل على بن عيسى وهزيمة عسكره وجّه عبد

стр. 8337

الرحمن بن جبلة الأنبارى فى عشرين ألف رجل، نحو همذان واستعمله عليها وعلى كل ما يفتحه من ارض خراسان، فسار حتى نزل همذان فحصّنها ورمّ سورها، وأتاه طاهر إليها فخرج إليه عبد الرحمن، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عبد الرحمن، ودخل همذان فأقام بها أياما حتى قوى أصحابه واندملت جراحاتهم، ثم خرج إلى طاهر واقتتلوا وصبر الفريقان، وكثر القتل فى أصحاب ابن جبلة وقتل صاحب علمه، فانهزم أصحابه وقتلهم أصحاب طاهر إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها محاصرا لها، فأرسل عبد الرحمن إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه فأمّنه، فخرج عن همذان واستولى طاهر على قزوين وعلى سائر أعمال الجبل. قال: ولما خرج عبد الرحمن بأمان طاهر أقام مسالما لطاهر، ثم ركب فى أصحابه وهجم على طاهر وأصحابه وهم «١» آمنون، فثبت له رجّالة «٢» طاهر، وقاتلوه حتى أخذ؟؟؟ ت الخيّالة أهبتها، واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، حتى تكسرت الرماح وتقطّعت السيوف، فانهزم أصحاب عبد الرحمن وبقى فى نفر من أصحابه فقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب فاهرب، فقال: لا يرى أمير المؤمنين وجهى منهزما أبدا، ولم يزل يقاتل حتى قتل، وانتهى من انهزم من أصحابه إلى عبد الله واحمد ابنى الحرشى، وكانا فى جيش عظيم بقصر اللصوص قد سيّرهما الأمين معونة لعبد الرحمن فانهزما فى جندهما من غير قتال حتى دخلوا بغداد» ، وخلت البلاد لطاهر وأقبل يحوزها بلدة بلدة وكورة كورة، حتى انتهى إلى شلاشان من كور حلوان فخندق بها، وحصّن عسكره وجمع أصحابه.

стр. 8338

ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال قال: وفى سنة ست وتسعين ومائة بعث الأمين أحمد بن مزيد وأمر الفضل أن يمكّنه من العسكر يأخذ منهم من أراد، وأمره بالجدّ فى السير ودفع طاهر وحربه، فاختار من العسكر عشرين ألف فارس، وسار معه عبد الله ابن حميد بن قحطية فى عشرين ألفا وسار بهم إلى حلوان، فلم يزل طاهر يحتال فى وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا، ورجعوا من غير قتال، وتقدم طاهر فنزل حلوان، فلما نزلها لم يلبث إلا يسيرا حتى اتاه هرثمة، فى جيش من قبل المأمون ومعه كتاب إلى طاهر، يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة، ويتوجّه إلى الأهواز ففعل ذلك، وأقام هرثمة بحلوان وحصّنها وسار طاهر إلى الأهواز. وفى هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين. ورفع منزلة الفضل بن سهل، وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التّبت «١» طولا، ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا، وجعل له عمالة ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على سنان ذى شعبتين، ولقّبه ذا الرئاستين- رئاسة الحرب والقلم- وحمل اللواء على بن هشام وحمل القلم نعيم بن حازم. وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج، وذلك بعد قتل على بن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة. قال: وأما طاهر فإنّه استولى على الأهواز، ثم سار منها إلى واسط وبها السّندى بن يحيى والهيثم بن شعبة، فهربا عنها واستولى طاهر عليها، ووجّه قائدا من قوّاده إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادى، فلما بلغه

стр. 8339

الخبر خلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب بذلك إلى المأمون، وغلب طاهر على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهدى- وكان عاملا للأمين على البصرة- إلى طاهر ببيعته وطاعته، وأتته بيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل، وكان ذلك كله فى شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة، فأقرّهم طاهر على أعمالهم. قال: ثم سار طاهر إلى المدائن وبها جيش كبير للأمين. عليهم البرمكى وقد تحصّن بها والمدد يأتيه كل يوم والخلع والصلات. فلما سمع البرمكى بمقدم طاهر وجّه قريش بن شبل والحسن «١» ابن على المأمونى، فلما سمع أصحاب البرمكى طبول طاهر سرجوا الخيل ورجعوا، وأخذ البرمكى فى التعبئة فكان كلّما سوّى صفا اضطرب صف «٢» وانتقض، فانضم أوّلهم إلى آخرهم، فقال: اللهم إنّا نعوذ بك من الخذلان، ثم قال لصاحب ساقته: خلّ سبيل الناس فلا خبر عندهم، فركب بعضهم بعضا نحو بغداد. فنزل طاهر المدائن واستولى على تلك النواحى، ثم سار «٣» إلى صرصر فعقد بها جسرا. ذكر خلع الأمين ببغداد والبيعة للمأمون وعودة الأمين قد قدّمنا إرسال الأمين عبد الملك بن صالح إلى الشام، واستعماله عليها ووفاته بالرقة، وكان معه الحسين بن على بن عيسى بن ماهان، فلما مات عبد الملك أقبل الحسين بالجند إلى بغداد، فلما قدم لقيه القوّاد وأهل بغداد وعملت له القباب ودخل منزله، فلما كان فى جوف الليل استدعاه الأمين. فقال للرسول: ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضاحك، ولا وليت له

стр. 8340

عملا ولا مالا ولأى شىء يريدنى فى هذه الساعة؟! انصرف، وإذا أصبحت غدوت عليه إن شاء الله تعالى، فلما أصبح وافى الحسين باب الجسر واجتمع إليه الناس، فحرّضهم على الأمين وتنقّصه ودعاهم إلى خلعه، ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا وصاروا إلى سكة باب خراسان، وأسرعت خيول الأمين إلى الحسين «١» فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الأمين، فخلع الحسين الأمين فى يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب، وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الإثنين، فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس ابن موسى بن عيسى بالأمين، وأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمّه أيضا معه فجعلها مع ابنها، فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق، وماجوا بعضهم فى بعض، وقام محمد بن أبى خالد «٢» وأسد الحربى وغيرهما فقاتلوا الحسين وأسروه، ودخل أسد على الأمين فكسر قيوده وأعاده الى الخلافة، وحمل اليه الحسين أسيرا فلامه فاعتذر إليه، فأطلقه وأمره بجمع الجند ومحاربة أصحاب المأمون، وخلع عليه وولّاه ما وراء بابه وأمره بالمسير إلى حلوان. فوقف الحسين بباب الجسر والناس يهنئونه. فلما خفوا عنه قطع الجسر وهرب، فنادى الأمين فى الجند بطلبه فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فقاتلهم فعثر به فرسه فسقط عنه، فقتل وحمل رأسه إلى الأمين، وقيل إن الأمين كان استوزره وسلّم إليه خاتمه فلما قتل جدد الجند البيعة للأمين، واختفى الفضل بن الربيع. ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة وفى هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على الأمين- وهو عامله على مكة والمدينة وبايع للمأمون، وسبب ذلك أنّه لما

стр. 8341

بلغه ما فعل طاهر، وكان الأمين قد بعث إلى داود وأخذ الكتابين من الكعبة كما تقدّم فجمع داود وجوه الناس ومن كان شهد فى الكتابين، وقال: قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد عند البيت «١» الحرام لابنيه، لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المغدور منهما على الغادر، وقد رأينا ورأيتم «٢» أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغى والنكث على أخويه المأمون والمؤتمن، وخلعهما عاصيا لله وبايع لابنه طفل صغير رضيع، وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما، وقد رأيت خلعه والبيعة للمأمون، إذ كان مظلوما مبغيا عليه، فأجابوه إلى ذلك، فنادى فى شعاب مكة فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام، وخلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب إلى ابنه سليمان- وهو عامله على المدينة- أن يفعل مثل ما فعل، فخلع وبايع للمأمون وكانت هذه البيعة فى شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة، وسار داود من مكة على طريق البصرة، ثم إلى فارس وإلى كرمان حتى صار الى المأمون بمرو فأخبره، فسرّ المأمون وتيمّن ببركة مكة والمدينة، واستعمل داود عليهما وأعطاه خمسمائة ألف درهم، وبعث معه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى وجعله على الموسم، فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداد فأكرمهما «٣» ، ووجّه معهما يزيد بن جرير بن يزيد «٤» بن خالد بن عبد الله القسرى واستعمله على اليمن، وبعث معه خيلا كثيفة فقدمها، ودعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون، فأجابوه وخلعوا وبايعوا للمأمون «٥» ، فكتب بذلك إلى طاهر والمأمون.

стр. 8342

ذكر تجهيز الأمين الجيوش وما كان من أمرهم وفى سنة ست وتسعين ومائة عقد محمد الأمين- فى رجب وشعبان أربعمائة لواء لقوّاد شتى، وأمّر عليهم على بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين فساروا إليه فالتقوا بنواحى النّهروان فى شهر رمضان، فأسر على بن محمد فسيّره هرثمة إلى المأمون، ورحل هرثمة فنزل النّهروان. ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين قد قدّمنا نزول طاهر بصرصر عند استيلائه على المدائن، فأقام بها مشمرا فى محاربة الأمين، لا يأتيه جيش إلا هزمه، فبذل الأمين الأموال فسار إليه من أصحاب طاهر خمسة آلاف، فسرّبهم ووعدهم ومنّاهم وفرّق فيهم مالا عظيما، وغلّف لحاهم بالغالية فسمّوا قواد الغالية، وفرّق الأمين الجواسيس فى أصحاب طاهر، ودسّ إلى رؤساء الجند وأطمعهم ورغبهم، فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى الأمين، وانضموا إلى عسكره وساروا حتى أتوا صرصر، فعبّأ طاهر أصحابه كراديس، وحرّضهم ووعدهم ومناهم وتقدّم بهم، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب الأمين وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من سلاح ودواب وغير ذلك، فبلغ ذلك الأمين فأخرج الأموال وفرّقها، وجمع أهل الأرباض وقوّد منهم جماعة وفرق فيهم الأموال، وقواهم بالسلاح وأعطى كل قائد قارورة غالية، ولم يعط الأجناد الذين معهم شيئا، فراسلهم طاهر ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على الأمين فى ذى الحجة، فأشار أصحابه عليه باستمالتهم والإحسان إليهم فلم يفعل، وأمر بقتالهم فقاتلهم جماعة من الأجناد، وراسلهم طاهر وراسلوه وأخذ رهائنهم على بذل الطاعة وأعطاهم الأموال، ثم تقدم إلى باب الأنبار فى ذى الحجة، ونقب أهل السجون وخرجوا منها.

стр. 8343

ذكر حصار بغداد واستيلاء طاهر عليها فى سنة سبع وتسعين ومائة حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيّب الأمين ببغداد، وتفرّقوا عليها ونصبوا عليها المجانيق والعرّادات، وحفروا حول عساكرهم الخنادق، وسوّر هرثمة حول خندقه سورا، وكان الأمين قد أنفذ ما فى خزائنه من الأموال، فأمر ببيع ما فى الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير «١» ودراهم ليفرّقها فى أصحابه. قال: واستأمن إلى طاهر- سعيد بن مالك بن قادم، فولّاه الأسواق وشاطئ دجلة وما اتصل به، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وأمدّه بالأموال والرجال، وقبض طاهر ضياع من لم يخرج إليه من بنى هاشم والقوّاد وغيرهم، وأخذ أموالهم فذلّوا وانكسروا، وضعف أجناد الأمين عن القتال وطاهر لا يفترّ عن قتالهم، فاستأمن محمد بن عيسى صاحب شرط الأمين وعلى فراهمرد، ثم كاتب طاهر جماعة القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن قبض ضياعهم، فأجابوه إلى البيعة للمأمون، فكان ممن أجابه عبد الله بن حميد بن قحطبة وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة، ويحيى بن على بن ماهان، ومحمد بن أبى العباس «٢» الطائى وغيرهم، هذا والأمين مقبل على الأكل والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش، ثم منع طاهر الأقوات أن تصل إلى بغداد فغلت الأسعار، ودام الحصار والقتال على بغداد إلى سنة ثمان وتسعين ومائة، حتى ضجر الناس وملّوا القتال، فلحق خزيمة بن خازم بطاهر وفارق الأمين، ودخل هرثمة إلى الجانب الشرقى لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين فى ليلة الأربعاء، فلما كان الغد تقدّم طاهر إلى المدينة والكرخ، فقاتل هناك قتالا شديدا، فهزم الناس ومرّوا لا يلوون

стр. 8344

على شىء، فدخلها طاهر بالسيف، وأمر مناديه فنادى: من لزم بيته فهو آمن، وقصد مدينة المنصور وأحاط بها، وبقصر زبيدة وقصر الخلد- من باب الجسر الى باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب الفرات، وشاطئ الفرات إلى مصبّها فى دجلة، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، فنصب طاهر المجانيق بإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد، وأخذ الأمين أمّه وأولاده إلى مدينة المنصور، وتفرّق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه فى الطريق، لا يلوى بعضهم على بعض، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب. ذكر مقتل الأمين قال: لما دخل الأمين مدينة المنصور، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرها، جاء محمد بن حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الأفريقى وغيرهما، فقالوا للأمين: قد آلت حالنا إلى ما ترى، وقد تفرّق عنك الناس، وقد بقى معك من خيلك سبعة «١» آلاف فرس من خيارها، ونرى أن تختار ممن عرفناه بمحبّتك من الأبناء سبعة «٢» آلاف، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلا، على باب من هذه الأبواب فلا يثبت لنا أحد إن شاء الله تعالى، فنلحق بالجزيرة والشام فنفرض الفروض ونجبى الخراج، ونصير فى مملكة واسعة وملك جديد، فتسارع إليك الناس ويحدث الله أمورا، فصوّب رأيهم ووافقهم عليه، فنما الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان ابن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسّندى بن شاهك، وأقسم لئن لم تردوه عن هذا الرأى لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لى همة إلا أنفسكم، فدخلوا على الأمين فقالوا: قد بلغنا الذى عزمت عليه، ونحن نذكّرك الله فى نفسك، إن هؤلاء صعاليك وقد بلغ بهم الحصار إلى ما

стр. 8345

ترى، وهم يرون أن لا أمان لهم عند أخيك وعند طاهر لجدهم فى الحرب، ولسنا نأمن إذا خرجت معهم أن تؤخذ أسيرا، أو يأخذوا رأسك فيتقرّبوا بك ويجعلوك سبب أمانهم، وصرفوه عن ذلك فرجع إليهم، وأجاب الى طلب الأمان والخروج، وقالوا له: إنّه لا بأس عليك من أخيك، وأنّه يجعلك حيث أحببت فركن إلى ذلك، وأجاب إلى الخروج إلى هرثمة بن أعين، فدخل عليه الذين أشاروا عليه بقصد الشام وقالوا له: إذا لم تقبل ما أشرنا به عليك- وهو الصواب- وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة، فقال: أنا أكره طاهرا، وهرثمة مولانا وهو بمنزلة الوالد، وأرسل إلى هرثمة فى طلب الأمان، فأجابه إليه وحلف له أنّه يقاتل دونه- إن همّ المأمون بقتله، فلما علم طاهر ذلك اشتد عليه، وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال: هو فى حربى «١» والجانب الذى أنا فيه، وأنا ألجأته بالحصار إلى طلب الأمان، فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون الفتح له دونى، فاجتمع القوّاد أصحاب الأمين بطاهر وقالوا: إنّه لا يخرج إليك أبدا، وإنّه يخرج إلى هرثمة ببدنه ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة، فاغتنم هذا الأمر ولا تفسده، فرضى بذلك، فأتى الهرش إلى طاهر وأراد التقرب إليه، فأخبره أنّ الذى جرى بينهم مكر، وأنّ الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع الأمين إلى هرثمة، فاغتاظ منه وجعل حول قصر الأمين قوما فلما تهيأ الأمين للخروج إلى هرثمة أرسل إليه هرثمة، يقول: وافيت للميعاد لاحملك، ولكنّى أرى ألا تخرج هذه الليلة، فإنّى قد رأيت على الشط ما قد رابنى، وأخاف أن أغلب وتؤخذ من يدى، وتذهب نفسك ونفسى، فأقم الليلة حتى أستعد وآتيك الليلة القابلة، فإن حوربت حاربت دونك؛ فقال للرسول: ارجع إليه فقل له لا تبرح، فإنّى خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد، وقلق، وقال «٢» : قد تفرّق

стр. 8346

عنّى الناس من الموالى والحرس وغيرهم، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل علىّ ويأخذنى، وخرج بعد العشاء الآخرة ليلة الأحد، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، إلى صحن الدار وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدعا بابنيه فضمّهما إليه وقبّلهما وبكى، وقال: استودعكما الله، ثم جاء راكبا إلى الشط فإذا حرّاقة هرثمة فصعد إليها، فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم قال: كنت مع هرثمة فى الحرّاقة، فلما دخلها الأمين قمت له، وجثى هرثمة على ركبتيه واعتذر له من نقرس به، ثم احتضنه هرثمة وضمّه وجعله فى حجره وجعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه، وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع، فشدّ علينا أصحاب طاهر فى الزوارق ونقبوا الحرّاقة، ورموا بالآجر والنشاب فغرقت الحرّاقة، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا، فتعلّق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه، وأما الأمين فإنّه شق ثيابه لما سقط فى الماء، قال أحمد بن سلام: وخرجت أنا إلى الشط فأخذنى رجل من أصحاب طاهر، فأتى بى إلى رجل آخر من أصحابه، وأعلمه أنّى من الذين خرجوا من الحرّاقة، فسألنى: من أنا؟ فقلت: أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت، فاصدقنى، قلت: قد صدقتك، قال ما فعل المخلوع، قلت: رأيته قد شق ثيابه فركب، وأخذنى معه أعدو وفى عنقى حيل فعجزت عن العدو، فأمر بضرب عنقى فاشتريت نفسى منه بعشرة آلاف درهم، فتركنى فى بيت حتى يقبض المال، وفى البيت بوارى وحصر مدرجة ووسادتان، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة، وعلى كتفه خرقة خلقة، فلما رأيته استرجعت وبكيت فى نفسى، فسألنى عن اسمى فعرّفته، فقال: ضمّنى إليك فإنى أجد وحشة شديدة، قال: فضممته وإذا قلبه يحفق، فقال: يا أحمد- ما فعل أخى. قلت: حىّ، قال: قبّح الله بريدهم!! كان يقول قد مات- شبه المعتذر من محاربته، فقلت: بل قبّح الله

стр. 8347

وزراءك، فقال: ما تراهم يصنعون بى؟ أيقتلوننى أم يفون بأيمانهم؟ فقلت: يفون لك، وجعل بضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطّنة «١» كانت علىّ وقلت: ألق هذه عليك، فقال: دعنى فهذا من الله ، فى هذا الموضع خير كثير، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل، فنظر فى وجوهنا فاستثبته «٢» ، فلما عرفه انصرف- وإذا هو محمد بن حميد الطاهرى، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول، فلما انتصف الليل فتح الباب ودخل قوم عجم معهم السيوف مسلولة، فلما رآهم قام قائما وجعل يسترجع ويقول: ذهبت- والله- نفسى فى سبيل الله، أما من مغيث!! أما من من أحد من الأبناء!! وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذى نحن فيه، وجعل بعضهم يقدّم بعضا ويدفعه، وأخذ الأمين بيده وسادة ويقول: ويحكم!! أنا ابن عم رسول الله ﷺ أنا ابن هارون- أنا أخو المأمون- الله الله فى دمى! فضربه رجل منهم بسيف وقعت فى مقدّم رأسه، فضربه الأمين على وجهة بالوسادة، وأراد أن يأخذ السيف فصاح: قتلنى، قتلنى فدخل جماعة منهم فنخسه واحد بالسيف فى خاصرته، ورموا نفوسهم عليه فذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر، فلما كان السحر أخذوا جثّته فأدرجوها فى جلّ وحملوها، فنصب طاهر الرأس على برج، وخرج أهل بغداد- وطاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد، ولما قتل بدم جند طاهر وجند بغداد على قتله، لما كانوا يأخذون من الأموال، وبعث طاهر رأسه إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن «٣» بن مصعب، وكتب معه بالفتح، فلما وصل أخذ ذو الرئاستين الرأس وأدخله إلى المأمون على ترس، فلما رآه المأمون سجد، وبعث طاهر معه بالبردة والقضيب والخاتم ولما قتل

стр. 8348

الأمين نودى فى الناس كلهم بالأمان، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة وصلّى بالناس. وحكى عن إبراهيم بن المهدى قال «١» : كنت مع الأمين لما حصره طاهر، فخرج ليلة يريد الفرجة لما هو فيه من الضيق، فصار إلى قصر بناحية الخلد، ثم أرسل إلىّ فحضرت عنده، فقال: ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر فى السماء وضوء فى الماء- وكان على شاطئ دجلة- فهل لك فى الشرب؟ فقلت: شأنك، فشرب رطلا وسقانى آخر، ثم غنّيته ما كنت أعلم أنه يحبّه، ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيّرت من اسمها، فقال لها غنّى فغنّت شعر الجعدى: كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر حزما منك ضرح بالدم فتطيّر من ذلك وقال: غنى غير هذا، فغنّت: أبكى فراقهم عينى فأرقّها ... إن التفرّق للأحباب بكّاء ما زال يغدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء فسبّها، وقال: أما تعرفين من الغناء غير هذا، ثم غنّته: أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك الأبيات الأربعة، فغضب ولعنها فقامت، وكان له قدح من بللّور حسن الصنعة، فعثرت به فكسرته، فقال لى: ويحك يا إبراهيم! ما ترى إلى ما جاءت به هذه الجارية!! والله ما أظن أمرى إلا قد قرب، فقلت: يديم الله ملكك ويعز سلطانك ويكبت عدوّك، فما استتمّ الكلام حتى سمعنا صوتا قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ «٢» ، فقال يا إبراهيم: أما سمعت ما سمعت!! قلت ما سمعت شيئا، فقتل بعد ليلة أو ليلتين.

стр. 8349

ذكر صفة الأمين وعمره ومدة خلافته وشىء من أخباره كان الأمين طويلا أبيض سمينا جميلا صغير العينين أقنى عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين؛ وكان عمرة ثمانيا وعشرين سنة وشهورا؛ ومدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقيل سبعة أشهر وثمانية عشر يوما؛ وكان له من الأولاد موسى، وعبد الله، وإبراهيم. ونقش خاتمه: محمد واثق بالله؛ وزراؤه: الفضل بن الرّبيع إلى أن هرب بعد فساد حال الأمين، فوزر له إبراهيم بن صبيح وغيره؛ حاجبه: العباس بن الفضل بن الربيع؛ قضاته: وهب بن وهب، ومحمد بن سماعة؛ الأمراء بمصر الحسن بن البحباح «١» ثم حاتم بن هرثمة بن أعين ثم جابر بن الأشعث؛ قاضيها «٢» هاشم بن أبى بكر بن عبد الرحمن من ولد أبى بكر الصديق رضى الله عنه. قال: وكان الأمين ضعيف الرأى شديد القوى، حكى «٣» عنه أنّه أحضر إليه أسد فى قفص حديد، فأمر بفتح القفص فوثب الأسد، فتفرق الغلمان، وانفرد بالأمين فوثب الأسد عليه، فعمد إلى مرفقة «٤» تلقّاه «٥» بها لحمايته، ثم قبض على أصل أذنيه وهزّه فسقط الأسد ميتا، وزاغت أكتاف «٦» الأمين فأحضر الأطباء، فأعادوها إلى مكانها، وانفقأت مرارة الأسد فى جوفه «٧» ، وقيل بل حاد عن الأسد حتى تجاوزه، ثم قبض على

стр. 8350

ذنبه وجذبه جذبة أقعى لها الأسد، وانقطع ظهره فمات، وزاغت أنامل الأمين عن منابتها. قال: ولما استقرت للأمين استكثر من الخصيان وغالى فى ثمنهم، وصّيرهم لخلوته فى ليله ونهاره- وسمّى البيض منهم الجراديّة والحبشان والغرابية حتى رمى بهم، وقيل فيه الأشعار، وأخضر الملهين «١» من جميع البلدان وأجرى عليهم الأرزاق واحتجب عن الناس. ذكر خلافة المأمون هو أبو العباس- وقيل أبو جعفر- عبد الله بن هارون الرشيد، وأمه مراجل أم ولد، بويع له البيعة العامة ضبيحة الليلة التى قتل فيها الأمين، وهو يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان هو بمرو. وهو السابع من خلفاء بنى العباس وقد تقدم من أخباره وأخبار عساكره، والبيعة له بمكة والمدينة وخراسان وغيرها من الأمصار، مالا يحتاج إلى إعادته، إلا أنّ تلك المدة لا تعد خلافة مع بقاء الأمين. قال: ولما وصل رأسة إلى المأمون- كما ذكرنا- أذن للقوّاد، وقرأ ذو الرئاستين الفضل بن سهل الكتاب عليهم فهنّأوه بالظفر، وكتب إلى طاهر وهرثمة بخلع القاسم المؤتمن من ولاية العهد فخلعاه فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائة، وعامل المأمون أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر- أم الأمين- بالإكرام والبر والتلطف، ورتب لها فى كل سنة مائة «٢» ألف درهم جددا، يحملها إليها ويتعاهد زيارتها. حكى» أبو الفرج الأصفهانى أن المأمون أغفل حمل المال إليها فى

стр. 8351

بعض السنين، فتقدمت إلى أبى العتاهية أن يعمل أبياتا تذكره بها فقال: زعموا «١» لى أنّ فى ضرب السنه ... جددا بيضا وصفرا حسنه سككا قد أحدثت لم أرها ... مثلما كنت أرى كل سنه فلما قرأ المأمون الشعر قال: إنا لله- أغفلناها وتقدم يحمل ذلك إليها؛ قال: قال مخارق: ظهر لأم جعفر من المأمون جفاء، فبعث إلى بأبيات أمرتنى أن أغنيه بها إذا رأيته نشيطا وأسنت لى الجائزة وكان كاتبها جعفر بن الفضل، قال الأبيات هى: ألا إنّ صرف «٢» الدهر يدنى ويبعد ... ويؤنس بالألّاف طورا ويفقد أصابت لريب الدهر منّى يدى يدى ... فسّلمت للأقدار والله أحمد وقلت لريب الدهر إن ذهبت يد ... فقد بقيت والحمد الله لى يد إذا بقى المأمون لى فالرشيد لى ... ولى جعفر لم يفقدا ومحمد قال مخارق: ففعلت، فسألنى المأمون عن الخبر فعرفته فبكى، ورق لها وقام لوقته فدخل عليها، فقبل رأسها وقبلت يده، وقال لها: يا أمّه، ما جفوتك تعمدا ولكنى شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله، فقالت: يأمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشنى «٣» ، وأتم عندها بقية يومه. نعود إلى سياق أخبار المأمون على حكم التوالى. ذكر وثوب الجند بطاهر قال: ووثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام، وكان سبب ذلك أنهم طلبوا منه مالا، فلم يكن معه شىء فثاروا به، فظن أن ذلك

стр. 8352

بمواطأة الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه فخشى على نفسه وهرب إلى عقرقوف «١» ، ونهبوا بعض متاعه، وخرج معهم جماعة من القواد، ثم خرج إليه القواد الذين تخلّفوا وأعيان أهل المدينة، واعتذروا إليه وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم، فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله لئن عدتم لمثلها لأعودنّ إلى رأيى فيكم، ثم شكرهم وأمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ووضعت الحرب أوزارها واستوثق الأمر للمأمون. ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلى على المأمون فى هذه السنة أظهر نصر الخلاف على المأمون، وكان يسكن كيسوم ناحية شمالى حلب، وكان فى عنقه بيعة للأمين وله فيه هوى، فلما قتل الأمين أظهر الغضب وتغلّب على ما جاوره من البلاد وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقى وحدثته نفسه بالتغلب عليه، وكثرت جموعه وحصر حرّان فى سنة تسع وتسعين ومائة، فأتاة نفر من شيعة الطالبيين فقالوا: قد وترت بنى العباس وقتلت رجالهم وأغلقت عنهم المغرب «٢» ، فلو تابعت لخليفة كان أقوى، فقال: من أى الناس؟ فقالوا: نبايع لبعض آل على بن أبى طالب، فقال: أبايع أولاد السوداوات!! فقالوا: بايع لبعض بنى أمية، فقال: أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدا، وإنما هواى فى بنى العباسى: وإنما حاربتهم محاماة للعرب لأنّهم يقدمون عليهم العجم. قال: ودام أمره إلى سنة تسع ومائتين، حاصره عبد الله بن طاهر

стр. 8353

بحصن كيسوم مدة، ثم خرج إليه بالأمان فبعثه إلى المأمون، فوصل إليه فى صفر سنة عشر ومائتين، وهدم عبد الله حصن كيسوم. ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلاد وفى هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على ما كان؟؟؟ افتتحه طاهر، من كور الجبل والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه على بن أبى «١» سعيد فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه حتى وفّى الجند أرزاقهم، وسلّم إليه العمل، وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ففرق العمال، وأمر طاهرا أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث، وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى نصر والتقوا بنواحى كيسوم، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه لشبث، وعاد طاهر شبه المهزوم إلى الرقة، وكان قصارى أمره حفظ تلك النواحى من نصر. وحج بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى. ودخلت سنة تسع وتسعين ومائة ذكر ظهور ابن طباطبا العلوى ووفاته وخبر أبى السرايا فى هذه السنة ظهر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب- وهو المعروف بابن طباطبا- بالكوفة، لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ والعمل بالكتاب والسنة، وكان القيّم بأمره فى الحرب أبو السّرايا السّرى بن منصور الشيبانى، وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهرا ووجّه

стр. 8354

الحسن بن سهل إلى الأعمال التى ذكرناها تحدث الناس بالعراق، أن الفضل ابن سهل قد غلب على المأمون، وأنّه أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته وأولاده وقوّاده، وأنه يستبد بالأمور دونه، فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس، واجترءا على الحسن بن سهل وهاجت الفتن فى الأمصار، فكان أوّل من ظهر ابن طباطبا بالكوفة، وكان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبى السرايا أن أبا السرايا كان يكرى الحمير ثم قوى أمره فجمع نفرا فقتل رجلا من بنى تميم بالجزيرة وأخذ ما معه، فطلب فاختفى وعبر الفرات إلى الجانب الشرقى، فكان يقطع الطريق بتلك الناحية، ثم لحق بأسد «١» بن زيد بن مزيد الشيبانى بأرمينية ومعه ثلاثون فارسا، فقوّده فجعل يقاتل معه الخرميّة فأثر فيهم، وقتل وأخذ منهم غلامه أبا الشوك، فلما عزل أسد عن أرمينية صار أبو السرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجّه أحمد طليعة إلى عسكر هرثمة فى فتنة الأمين، واشتهرت شجاعته فراسله هرثمة واستماله فمال إليه، وانتقل إلى عسكره وقصد العرب بالجزيرة، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة، فصار معه نحو ألفى فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير، فلما قتل الأمين قصّر «٢» هرثمة فى أرزاقه وأرزاق من معه، فاستأذنه فى الحج فأذن له وأعطاه عشرين الف درهم، ففرّقها فى أصحابه ومضى وقال لهم: اتبعونى متفرقين، ففعلوا واجتمع معه منهم نحو مائتى فارس، فسار بهم إلى عين التمر وحصر عاملها، وأخذ ما عنده من المال فقسمه فى أصحابة، وسار فلقى عاملا آخر ومعه مال على ثلاثة بغال فأخذها، وسار فلحقه عسكر بعثه هرثمة خلفه فقاتلهم وهزمهم، ودخل البرّية وقسم المال فى أصحابه وانتشر خبره فلحق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم وكثر جمعه فسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة

стр. 8355

العجلى فى سبعمائة فارس، فخرج إليه واقتتلوا فهزمه أبو السرايا وحصره بقصر دقوقا وأخرجه بأمان، وأخذ ما عنده من الأموال وسار إلى الأنبار، وعليها إبراهيم السّروى «١» مولى المنصور فقتله وأخذ ما فيها وسار، ثم عاد إليها عند إدراك الغلال فاحتوى عليها، ثم ضجر من طول السرى فى البلاد فقصد الرقة، فمرّ بطوق بن مالك التّغلبى وهو يقاتل القيسيّة، فأعانه وقاتل معه أربعة أشهر حتى ظفر طوق، ثم سار عنه إلى الرقة، فلما وصلها لقيه ابن طباطبا فبايعه، وقال له: انحدر أنت فى الماء وأسير أنا على البرّ حتى نوافى الكوفة فدخلاها، وأبتدأ أبو السرايا بقصر العباس بن موسى بن عيسى، وأخذ ما فيه من الأموال والجواهر- وكان عظيما لا يحصى كثرة، فبايعهم أهل الكوفة واستوثق أمرهما بها، وأتاه الناس من نواحى الكوفة والأعراب فبايعوه- أعنى ابن طباطبا، وكان العامل عليها للحسن بن سهل- سليمان بن المنصور، فلامه الحسن ووجّه زهير بن المسيّب الضبى إلى الكوفة فى عشرة آلاف فارس وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه، واستباحوا عسكره وكانت الوقعة فى سلخ جمادى الآخرة، فلما كان الغد مستهل رجب مات محمد بن إبراهيم ابن طباطبا فجأة سمّه أبو السرايا، وكان سبب ذلك أنه لما غنم ما فى عسكر زهير منع عنه أبا السرايا، وكان الناس له سامعين مطيعين، فعلم أبو السرايا أنّه لا حكم له معه، فسّمه ونصب مكانه غلاما أمرد، يقال له محمد بن محمد بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب وصار الحكم لأبى السرايا، ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة ووجّه الحسن بن سهل- عبدوس بن محمد بن

стр. 8356

أبى خالد المزوروذى فى أربعة آلاف فارس، فلقيه أبو السرايا لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب، فقتل عبدوسا ولم يفلت من أصحابه أحد- كانوا بين قتيل وأسير، وأنتشر الطالبيون فى البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، وسيّر جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيها، فولى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفرى، وولّى مكة الحسين «١» بن الحسن بن على ابن الحسين بن على- الذى يقال له الأفطس- وجعل إليه الموسم، وولّى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر، وولّى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر، وولّى الأهواز زيد «٢» بن موسى بن جعفر فسار إليه البصرة، وغلب عليها وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفرى ووليها مع الأهواز، ووجّه أبو السرايا- محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن «٣» بن على بن أبى طالب إلى المدائن وأمره أن يأتى بغداد من الجانب الشرقى، فأتى المدائن وأقام بها وهزم أصحاب الحسن إلى بغداد، فلما رأى الحسن بن سهل أن عسكره لا يثبت لعسكر أبى السرايا أرسل إلى هرثمة يستدعيه، وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا للحسن، فحضر إليه بعد امتناع وسار إلى الكوفة فى شعبان، وسيّر الحسن إلى المدائن وواسط على بن أبى سعيد الحرشى، فوجّه أبو السرايا إليها جيشا فدخل جيشه المدائن فى شهر رمضان، وتقدّم هو حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه بينهما النهر، وسار على بن أبى سعيد فى شوال إلى المدائن، فقاتل أصحاب أبى السرايا وهزمهم واستولى عليها، فبلغ الخبر أبا السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة،

стр. 8357

وسار هرثمة فى طلبه، فوجد جماعة من أصحابه فقتلهم، ووجّه برءوسهم إلى الحسن، ونازل هرثمة أبا السريا وكانت بينهم وقعة. قتل فيها جماعة من أصحاب أبى السرايا. وانحاز إلى الكوفة ووثب من معه من الطالبيين على دور بنى العباس ومواليهم وأتباعهم فانتهبوها وهدموها وخرّبوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة وعملوا أعمالا قبيحة، واستخرجوا الودائع التى كانت لهم عند الناس. ذكر هرب أبى السرايا وقتله قال: ولما انحاز أبو السرايا إلى الكوفة حاصره بها هرثمة، وقاتله ولازم قتاله فخرج أبو السرايا من الكوفة فى ثمانمائة فارس، ومعه محمد بن محمد بن زيد، ودخلها هرثمة فأمّن أهلها ولم يعرض إليهم، وكان هرثمة فى سادس عشر المحرم سنة مائتين فأتى القادسيّة، وسار منها إلى السّوس بخوزستان. فلقى مالا قد حمل من الأهواز فأخذه وقسمه بين أصحابه، فأتاه الحسن بن على المأمونى، فأمره بالخروج من عمله وكره قتاله، فأبى أبو السرايا إلا قتاله فقاتله، فهزمه المأمونى وخرج وتفّرق أصحابه، وسار هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك نحو منزل أبى السرايا برأس عين، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش فأخذهم، وأنتهى بهم إلى الحسن بن سهل وهو بالنهروان، فقتل أبا السرايا وبعث رأسه إلى المأمون، ونصب جثته على جسر بغداد، وسيّر محمد بن محمد إلى المأمون. وأما هرثمة فأقام بالكوفة يوما واحدا وعاد منها، واستخلف بها غسّان بن أبى الفرج، وسار على بن أبى سعيد إلى البصرة فأخذها من العلويين، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن

стр. 8358

على بن الحسين بن على «١» وهو الذى يسمى زيد النار، وإنما سمى بذلك لما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى برجل من المسودة أحرقه، وأخذ أموالا كثيرة من التجار، فلما وصل علىّ إلى البصرة استأمنه زيد فأمّنه، وبعث إلى مكة والمدينة جيشا وأمرهم بمحاربة من بها من العلويين. وكان بين خروج أبى السرايا وقتله عشرة أشهر. نعود لمساق السنين. ودخلت سنة مائتين فى هذه السنة كان ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد وكان بمكة، فلما بلغه خبر أبى السرايا وما كان منه سار إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملا للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار نحو مكة، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزّار لكثرة من قتل باليمن وسبى وأخذ الأموال، ثم وجّه رجلا من ولد عقيل بن أبى طالب فى جند «٢» ليحج بالناس، فسار العقيلى حتى أتى بستان ابن عامر، فلبغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حجّ فى جماعة من القواد، وفيهم حمدويه بن على بن عيسى بن ماهان- وكان الحسن بن سهل قد استعمله على اليمن، فعلم العقيلى أنّه لا يقوى «٣» لهم فأقام ببستان ابن عامر، فاجتازت قافلة من الحاج ومعهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذوا أموال التجار والكسوة والطيب. وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين، فاستشار المعتصم أصحابه فقال الجلودى: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل وسار بهم إلى العقيلى، وقاتلهم فانهزم

стр. 8359

أصحاب العقيلى وأسر أكثرهم، وأخذوا كسوة الكعبة وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب، وضرب الأسرى كل واحد عشرة أسواط وأطلقهم. فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم فى الطريق. ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة ومبايعة محمد بن جعفر وما كان من أمره وخلعه لنفسه قد ذكرنا أن أبا السرايا كان قد بعث الحسين بن الحسن الأفطس إلى مكة فى سنة تسع وتسعين ومائة لما ظهر أمره، فدخل مكة فلما كان فى المحرم من هذه السنة نزع الحسين كسوة الكعبة. وكساها كسوة أخرى كان قد أنفذها أبو السرايا من الكوفة من القز. قال: وتتبع الحسين ودائع بنى العباس وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب- وهو نزر حقير. وأخذ ما فى خزانة الكعبة فقسمه مع كسوتها فى أصحابه. فلما بلغه قتل أبى السرايا. ورأى تغيّر الناس عليه لسوء سيرته وسيرة أصحابة. فأتى هو وأصحابة إلى محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على، وكان شيخا محبّبا فى الناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة. وكان يروى والعلم عن أبيه ويكتبه الناس عنه ويظهر الزهد. فلما أتوه قالوا: تعلم منزلتك من الناس فهلم نبايعك بالخلافة، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان، فامتنع من ذلك فلم يزل به ابنه علىّ وحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه على رأيه. فأجابهم فأقاموه فى شهر ربيع الأول وبايعوه بالخلافة. وجمعوا له الناس فبايعوه طوعا وكرها ونعتوه بأمير المؤمنين. فبقى شهورا وليس له من الأمر شىء. وابنه علىّ وحسين بن حسن وجماعتهما أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح

стр. 8360

فعلا، فوثب حسين بن حسن على امرأة من بنى فهر كانت جميلة، وأرادها على نفسها فامتنعت، وأخاف زوجها وهو من بنى مخزوم حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارها وأخذها مدة ثم هربت منه، ووثب على بن محمد بن جعفر على غلام أمرد- وهو ابن قاضى مكة اسمه إسحاق بن محمد، وكان جميلا فأخذه قهرا، فاجتمع أهل مكة ومن بها من المجاورين فصاروا فى جمع كبير، فأتوا محمد بن جعفر وقالوا: لنخلعنّك ولنقتلنّك أو لتردن علينا هذا الغلام، فأغلق بابه وكلّمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ منه الغلام، وحلف أنّه لم يعلم به، فأمّنوه فركب إلى ابنه وأخذه منه وردّه إلى أبيه، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم إسحاق بن موسى العباسى من اليمن، فنزل المشاش فاجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر وأعلموه ذلك، وحفرو خندقا وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق ثم كره القتال فسار نحو العراق، فلقيهم الجند الذين بعثهم هرثمة إلى مكة، ومعهم الجلودى ورجاء بن جميل فردّوه معهم، فقاتلوا الطالبيين فهزموهم، فطلب محمد بن جعفر الأمان فأمّنوه، ودخل العباسيون مكة فى جمادى الآخرة وتفّرق الطالبيون من مكة، وأما محمد بن جعفر فسار نحو الجحفة، فأدركه بعض موالى بنى العباس فأخذ جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بها، فسار نحو بلاد جهينة فجمع بها وقاتل هارون بن المسيّب والى المدينة عند الشجرة وغيرها، عدة وقعات فانهزم محمد وفقئت عينه بسهم، وقتل من أصحابه بشر كثير ورجع إلى موضعه، فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودى ومن رجاء بن جميل- وهو ابن عم الفضل ابن سهل فأمّناه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك وأتى مكة لعشر بقين من ذى الحجة، فخطب الناس وقال إننى

стр. 8361

كان بلغنى أن المأمون مات، وكانت له فى عنقى بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعنى الناس، ثم إنه صحّ عندى أن المأمون حىّ صحيح وانا أستغفر الله من البيعة وقد خلعت نفسى من بيعتى التى بايعتمونى عليها- كما خلعت خاتمى هذا من أصبعى، فلا بيعة لى فى رقابكم. ثم سار فى سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيّره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه فمات بجرجان. ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتله قال: فلما فرغ هرثمة من أمر أبى السرايا رجع ولم يأت الحسن بن سهل، وسار إلى خراسان فأتته كتب المأمون فى غير موضع، أن يأتى إلى الشام والحجاز، فقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين، إدلالا منه عليه ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وأنه لا يدع المأمون حتى ينتقل إلى بغداد ليتوسط سلطانه، فعلم الفضل بذلك فعاجله بالتدبير عليه، وقال للمأمون: إن هرثمة قد أنغل «١» عليك البلاد والعباد، ودسّ أبا السرايا- وهو من جنده- ولو أراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل، وقد جاء مشاقا وإن أطلق كان هذا مفسدة لغيره، فتغير غلب المأمون وأبطأ هرثمة إلى ذى القعدة، فلما بلغ مروخشى أن يكتم قدومه عن المأمون، فأمر بالطبول فضربت لكى يسمعها المأمون فسمعها، فقال: ما هذا!!! قال: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق، فأمر المأمون بإدخاله، فلما دخل قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة والعلويين، ووضعت أبا السرايا ولو شئت أن تأخذهم جميعا لفعلت، فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر،

стр. 8362

فلم يقبل قوله وأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه وسحب من يديه وحمل إلى الحبس، فمكث أياما ثم دسّوا عليه من قتله وقالوا مات. ذكر وثوب الحربيّة ببغداد وفى هذه السنة كان الشغب ببغداد بين الحربيّة والحسن بن سهل، وسبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن لما شخص هرثمة إلى المأمون. فلما بلغ أهل بغداد ما صنعه المأمون بهرثمة بعث الحسن بن سهل إلى على بن هشام- وهو والى بغداد من قبله- أن امطل الجند من الحربيّة أرزاقهم. وكانت الحربيّة قبل ذلك قد وثبوا وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداد فطردوهم. وصيّروا إسحاق بن موسى بن المهدى «١» خليفة للمأمون ببغداد. واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به. فدسّ الحسن إليهم وكاتب قوّادهم. حتى شغبوا من جانب عسكر المهدى «٢» ، فحوّل الحربيّة إسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيّب فنزل فى عسكر المهدى. وبعث الحسن بن سهل على بن هشام فى الجانب الآخر هو ومحمد بن أبى خالد. فدخلوا بغداد فى شعبان. وقاتل الحربيّه ثلاثة أيام على قنطرة الصراة، ثم وعدهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلّة، فسألوه تعجيل خمسين درهما لكل رجل منهم ينفقونها فى شهر رمضان، فأجابهم إلى ذلك وجعل يعطيهم، ثم هرب على بن هشام بعد جمعة من الحربية ونزل بصرصر، لأنه لم يف بالعطاء، وقام بأمر الحربيّة محمد بن أبى خالد لأن على ابن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك وتحول إلى الحربية وهزموا على

стр. 8363

بن هشام من صرصر، وقيل: كان السبب فى شغبهم أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن ماهان «١» الحد، فغضب الحربيّة وخرجوا. وحج بالناس فى هذه السنة المعتصم. ودخلت سنة إحدى ومائتين . ذكر ولاية منصور بن المهدى بغداد فى هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدى بالخلافة، فامتنع من ذلك فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعو للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك، وكان سبب ذلك أن أهل بغداد- لما أخرجوا على بن هشام من بغداد واتصل حين إخراجه بالحسن سهل سار من المدائن إلى واسط، وذلك فى أول هذه السنة، فاتبعه محمد بن أبى خالد مخالفا له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة بالجانب الغربى ونصر بن حمزة بن مالك بالجانب الشرقى، وكان ببغداد منصور بن المهدى والفضل بن الربيع وخزيمة بن خازم، وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما تقدم إلى الآن، فلما رأى محمدا قد بلغ واسط طلب منه الأمان فأمّنه، وظهر الفضل وسار محمد بن أبى خالد إلى الحسن على تعبئة، وقد تحوّل الحسن عن واسط، فوجّه إليه الحسن بن سهل قواده وجنده، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت هو حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة وقتل منهم كثير، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول، ثم أتاه الحسن بن سهل واقتتلوا، حتى جنّهم الليل فرحل محمد وأصحابه ثم التقوا واقتتلوا «٢» مرة ثانية إلى الليل، فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبو

стр. 8364

زنبيل «١» إلى بغداد، وخلف عسكره لست خلون من ربيع الآخر، ومات محمد ابن أبى خالد فدفن فى داره سرا، وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم فأعلمه وفاة أبيه، فأعلم حزيمة الناس وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، أنه قام بأمر الحرب مقام أبيه، ثم كان بين الحسن وبين أولاد محمد بن أبى خالد وقعات، وانتصر فيها أصحاب الحسن عليهم وهزموهم مرة بعد أخرى. قال: ولما مات محمد قال بنو هاشم والقواد نصيّر «٢» منا خليفة ونخلع المأمون، ثم أتاهم خبر هزيمة «٣» أولاد محمد فجدّوا فى ذلك، وأرادوا منصور بن المهدى على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسى ابن المجوسى الحسن بن سهل، وقال المنصور: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم، أو يولّى من أحب فرضى به الناس، وعسكر بكلواذى. ذكر البيعة بولاية العهد لعلى بن موسى الرضا فى هذه السنة جعل المأمون على بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن أبى طالب رضى الله عنه ولى عهد المسلمين، والخليفة من بعده ولقبه الرضا من آل محمد ﷺ ، وأمر جنده بطرح السّواد ولبس الخضرة وكتب بذلك إلى سائر الآفاق، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، فتكلم بنو العباس فى ذلك وقال بعضهم لا نرضاه، وتكلموا فى خلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدى، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 8365

ذكر فتح جبال طبرستان وأسر ملك الدّيلم فى هذه السنة افتتح عبد الله بن خرّداذبه- والى طبرستان- البلازر «١» والشيزر من بلاد الديلم، وافتتح طبرستان وأنزل شهريار بن شروين عنها، وأسر أبا ليلى ملك الديلم. وحج بالناس فى هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على «٢» العباسى. ودخلت سنة اثنتين ومائتين . ذكر بيعة إبراهيم بن المهدى ببغداد وخلع المأمون فى هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدى ولقبوه المبارك، وخلعوا المأمون وذلك فى أول المحرم، وقيل لخمس مضين من، وبايعه سائر بنى هاشم، وكان المتولى لأمر البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، وكان سبب ذلك ما ذكرناه، من إنكار الناس ولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلى ابن موسى، فوضع العباسيون رجلا فى يوم جمعة يقول: إنّا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من يجيبه: إنّا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدى ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادى وتخلعوا المأمون «٣» ، ففعلوا ذلك فلم يصّل الناس جمعة وتفرّقوا لليلتين بقيتا من ذى الحجة، ثم خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم، وكان الذى سعى فى هذا الأمر السندى وصالح صاحب المصلى ونصير «٤» الوصيف وغيرهم، فلما فرغوا من

стр. 8366

البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بها فشغبوا فأعطاهم لكل رجل مائتى درهم، وكتب لبعضهم على السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيرا، فخرجوا فى قبضها فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد. واستولى «١» على الكوفة والسواد جميعه وعسكر بالمدائن. واستعمل على الجانب الغربى من بغداد العباس بن موسى الهادى وعلى الجانب الشرقى منها إسحاق بن موسى «٢» الهادى. ذكر أخبار إبراهيم بن المهدى وما استولى عليه من الأماكن وما كان من أمره إلى أن خلع واستتر- ذكر استيلائه على قصر ابن هبيرة والكوفة قال: وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه من القواد سعيد بن الساجور وأبو البط وغسّان بن أبى الفرج «٣» ومحمد بن إبراهيم الإفريقى وغيرهم، وكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا قد انحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب إبراهيم، وكتب حميد فيهم بمثل ذلك، فاستقدم الحسن حميد بن عبد الحميد فامتنع، وخاف- إن هو سار إليه- سلّم القواد ماله وعسكره إلى إبراهيم، فألح الحسن عليه بالطلب فسار إليه فى شهر ربيع الآخر، فكتب القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبى

стр. 8367

خالد، فوجّه إليهم عيسى فانتهبوا ما فى عسكر حميد، فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جوارى أبيه وسار إليه وهو بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فعاد الحسن إلى الكوفة فأخذ أموالها، واستعمل عليها العباس بن موسى بن جعفر العلوى، وأمره أن يدعو لأخيه على بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم وقال له: قاتل عن أخيك وأنا معك، فوجه إبراهيم إلى الكوفة سعيد بن الساجور وأبا البط لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة فأجابه بعضهم، وأما الغلاة «١» من الشيعة فقالوا: إن كنت تدعو لأخيك وحده فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه، فقال: إنما أدعو للمأمون وبعده لأخى، فقعدوا عنه؛ فلما أتاه سعيد وأبو البط نزلوا قرية شاهى، بعث إليهم العباس ابن عمه على بن محمد بن جعفر- وهو ابن الذى كان قد بويع له بمكة- وبعث معه جماعة، فاقتتلوا ساعة فانهزم العلوى وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك فى ثانى جمادى الآخرة، ثم تقدموا فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إليهم شيعة بنى العباس ومواليهم فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد وعلى أهل الكوفة الخضرة، ثم اقتتلوا من الغد فسأل رؤساء الكوفة سعيد بن الساجور الأمان للعباس وأصحابه فأمّنهم، على أن يخرجوا من الكوفة فأجابوا إلى ذلك، وأتوا العباس فأعلموه فقبل منهم وتحول عن داره، ثم شغب أصحابه على من بقى من أصحاب سعيد وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوا وقتلوا من ظفروا به، فأرسل العباسيون إلى سعيد بالحيرة يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه وأتوا الكوفة عتمة فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب، ومكثوا عامة

стр. 8368

الليل، فخرج إليهم رؤساء الكوفة فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان فانصرفوا عنهم، فلما كان الغد دخلها سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان ولم يعرضوا لأحد، وولّوا الكوفة الفضل بن محمد بن «١» الصباح الكندى، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده، واستعملوا غسان بن أبى الفرج ثم عزلوه، واستعملوا الهول ابن أخى سعيد، فلم يزل عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب، ودام أمر إبراهيم بن المهدى إلى سنة ثلاث ومائتين ثم خلع. ذكر خلع إبراهيم بن المهدى وفى سنة ثلاث ومائتين خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدى، وكان سبب ذلك أنه قبض على عيسى بن محمد بن أبى خالد، لأنه كان يكاتب حميد بن عبد الحميد والحسن بن سهل، ويظهر لإبراهيم الطاعة، وكان إبراهيم يأمره بالخروج لقتال حميد فيعتذر، أن الجند يطلبون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة، إلى أن توثق عيسى من الجيش وفارقهم «٢» على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدى فى يوم الجمعة سلخ شوال، فجاء هارون بن محمد أخو عيسى فأعلم إبراهيم بذلك، وجاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس: إنى قد سألت حميد بن عبد الحميد أن لا يدخل عملى ولا أدخل عمله، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام، وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأل إبراهيم أن يصلى الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك ثم حذّر إبراهيم وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتلّ عليه فتابع رسله إليه فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة وعيسى يعتذر وينكر

стр. 8369

بعض ذلك، ثم أمر به إبراهيم فضرب وحبس، وأخذ عدة من قوادة وأهله فحبسهم، ونجا بعضهم ومضى بعض من نجا إلى بعض، وحرّضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس- خليفة عيسى- فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ وغيره، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم، حتى يسلّموا إليه بغداد، فسار حميد حتى أتى نهر صرصر، وخرج إليه العباس وقوّاد بغداد فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطى لكل جندى خمسين درهما، فأجابهم الى ذلك ووعدهم أن يضع «١» لهم العطاء يوم السبت فى الياسريّة، على أن يدعوا للمأمون بالخلافة يوم الجمعة ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك، ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه هذا الأمر فأبى ذلك، فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس- محمد «٢» بن أبى رجاء الفقيه. فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التى وعدهم بها فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، لما تشاءموا به من على بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: لا، بل أزيدكم عشرة، فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدا، فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله، وكلّم عيسى الجند ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقى، ووعد أولئك الجند أن يزيدهم على الستين فشتموه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة ثم ألقى نفسه فى وسطهم حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قوّاده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه بالخبر فاغتم لذلك.

стр. 8370

ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدى كان سبب ذلك أن حميد بن عبد الحميد تحول فنزل عند أرحاء عبد الله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقوّاده ذلك تسلّلوا فصار عامّتهم عنده، فأخرج إبراهيم جميع من بقى عنده فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بغداد، وذلك فى سلخ ذى القعدة، فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع ثم تحوّل إلى حميد، وجعل الهاشميون والقوّاد يأتون حميدا واحدا بعد واحد، فلما رأى إبراهيم ذلك سقط فى يده، وبلغه أن أصحابه يريدون أن يسلموه إليهم فداراهم حتى جنّه الليل، واختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، ولم يزل متواريا حتى ظفر به المأمون فى سنة عشر ومائتين على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما، واستقر بعده على بن هشام على شرقى بغداد، وحميد على غربيّها. نعود إلى بقية حوادث سنة اثنتين ومائتين خلاف أخبار إبراهيم بن المهدى. ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذى الرئاستين الفضل بن سهل وفى سنة اثنتين ومائة سار المأمون من مرو إلى العراق، واستخلف على خراسان غسّان بن عبّاد «١» ، وكان مسيره أن على بن موسى الرضا أخبره ما الناس فيه من الفتنة منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار الناس وأهل بيته «٢» ، وأن الناس قد نقموا عليه أشياء، وأنهم يقولون
следующие страницы →