← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بها فشغبوا فأعطاهم لكل رجل مائتى درهم، وكتب لبعضهم على السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيرا، فخرجوا فى قبضها فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد. واستولى «١» على الكوفة والسواد جميعه وعسكر بالمدائن. واستعمل على الجانب الغربى من بغداد العباس بن موسى الهادى وعلى الجانب الشرقى منها إسحاق بن موسى «٢» الهادى. ذكر أخبار إبراهيم بن المهدى وما استولى عليه من الأماكن وما كان من أمره إلى أن خلع واستتر- ذكر استيلائه على قصر ابن هبيرة والكوفة قال: وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه من القواد سعيد بن الساجور وأبو البط وغسّان بن أبى الفرج «٣» ومحمد بن إبراهيم الإفريقى وغيرهم، وكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا قد انحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب إبراهيم، وكتب حميد فيهم بمثل ذلك، فاستقدم الحسن حميد بن عبد الحميد فامتنع، وخاف- إن هو سار إليه- سلّم القواد ماله وعسكره إلى إبراهيم، فألح الحسن عليه بالطلب فسار إليه فى شهر ربيع الآخر، فكتب القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبى

стр. 8367

خالد، فوجّه إليهم عيسى فانتهبوا ما فى عسكر حميد، فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جوارى أبيه وسار إليه وهو بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فعاد الحسن إلى الكوفة فأخذ أموالها، واستعمل عليها العباس بن موسى بن جعفر العلوى، وأمره أن يدعو لأخيه على بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم وقال له: قاتل عن أخيك وأنا معك، فوجه إبراهيم إلى الكوفة سعيد بن الساجور وأبا البط لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة فأجابه بعضهم، وأما الغلاة «١» من الشيعة فقالوا: إن كنت تدعو لأخيك وحده فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه، فقال: إنما أدعو للمأمون وبعده لأخى، فقعدوا عنه؛ فلما أتاه سعيد وأبو البط نزلوا قرية شاهى، بعث إليهم العباس ابن عمه على بن محمد بن جعفر- وهو ابن الذى كان قد بويع له بمكة- وبعث معه جماعة، فاقتتلوا ساعة فانهزم العلوى وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك فى ثانى جمادى الآخرة، ثم تقدموا فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إليهم شيعة بنى العباس ومواليهم فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد وعلى أهل الكوفة الخضرة، ثم اقتتلوا من الغد فسأل رؤساء الكوفة سعيد بن الساجور الأمان للعباس وأصحابه فأمّنهم، على أن يخرجوا من الكوفة فأجابوا إلى ذلك، وأتوا العباس فأعلموه فقبل منهم وتحول عن داره، ثم شغب أصحابه على من بقى من أصحاب سعيد وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوا وقتلوا من ظفروا به، فأرسل العباسيون إلى سعيد بالحيرة يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه وأتوا الكوفة عتمة فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب، ومكثوا عامة

стр. 8368

الليل، فخرج إليهم رؤساء الكوفة فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان فانصرفوا عنهم، فلما كان الغد دخلها سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان ولم يعرضوا لأحد، وولّوا الكوفة الفضل بن محمد بن «١» الصباح الكندى، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده، واستعملوا غسان بن أبى الفرج ثم عزلوه، واستعملوا الهول ابن أخى سعيد، فلم يزل عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب، ودام أمر إبراهيم بن المهدى إلى سنة ثلاث ومائتين ثم خلع. ذكر خلع إبراهيم بن المهدى وفى سنة ثلاث ومائتين خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدى، وكان سبب ذلك أنه قبض على عيسى بن محمد بن أبى خالد، لأنه كان يكاتب حميد بن عبد الحميد والحسن بن سهل، ويظهر لإبراهيم الطاعة، وكان إبراهيم يأمره بالخروج لقتال حميد فيعتذر، أن الجند يطلبون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة، إلى أن توثق عيسى من الجيش وفارقهم «٢» على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدى فى يوم الجمعة سلخ شوال، فجاء هارون بن محمد أخو عيسى فأعلم إبراهيم بذلك، وجاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس: إنى قد سألت حميد بن عبد الحميد أن لا يدخل عملى ولا أدخل عمله، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام، وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأل إبراهيم أن يصلى الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك ثم حذّر إبراهيم وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتلّ عليه فتابع رسله إليه فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة وعيسى يعتذر وينكر

стр. 8369

بعض ذلك، ثم أمر به إبراهيم فضرب وحبس، وأخذ عدة من قوادة وأهله فحبسهم، ونجا بعضهم ومضى بعض من نجا إلى بعض، وحرّضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس- خليفة عيسى- فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ وغيره، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم، حتى يسلّموا إليه بغداد، فسار حميد حتى أتى نهر صرصر، وخرج إليه العباس وقوّاد بغداد فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطى لكل جندى خمسين درهما، فأجابهم الى ذلك ووعدهم أن يضع «١» لهم العطاء يوم السبت فى الياسريّة، على أن يدعوا للمأمون بالخلافة يوم الجمعة ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك، ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه هذا الأمر فأبى ذلك، فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس- محمد «٢» بن أبى رجاء الفقيه. فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التى وعدهم بها فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، لما تشاءموا به من على بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: لا، بل أزيدكم عشرة، فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدا، فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله، وكلّم عيسى الجند ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقى، ووعد أولئك الجند أن يزيدهم على الستين فشتموه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة ثم ألقى نفسه فى وسطهم حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قوّاده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه بالخبر فاغتم لذلك.

стр. 8370

ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدى كان سبب ذلك أن حميد بن عبد الحميد تحول فنزل عند أرحاء عبد الله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقوّاده ذلك تسلّلوا فصار عامّتهم عنده، فأخرج إبراهيم جميع من بقى عنده فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بغداد، وذلك فى سلخ ذى القعدة، فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع ثم تحوّل إلى حميد، وجعل الهاشميون والقوّاد يأتون حميدا واحدا بعد واحد، فلما رأى إبراهيم ذلك سقط فى يده، وبلغه أن أصحابه يريدون أن يسلموه إليهم فداراهم حتى جنّه الليل، واختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، ولم يزل متواريا حتى ظفر به المأمون فى سنة عشر ومائتين على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما، واستقر بعده على بن هشام على شرقى بغداد، وحميد على غربيّها. نعود إلى بقية حوادث سنة اثنتين ومائتين خلاف أخبار إبراهيم بن المهدى. ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذى الرئاستين الفضل بن سهل وفى سنة اثنتين ومائة سار المأمون من مرو إلى العراق، واستخلف على خراسان غسّان بن عبّاد «١» ، وكان مسيره أن على بن موسى الرضا أخبره ما الناس فيه من الفتنة منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار الناس وأهل بيته «٢» ، وأن الناس قد نقموا عليه أشياء، وأنهم يقولون

стр. 8371

مسحور مجنون، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة، فقال له المأمون: لم يبايعوه بالخلافة وإنما صيّروه أميرا، يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأنّ الحرب قائمة بين الحسن وإبراهيم، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكانى وبيعتك لى من بعدك، فقال المأمون: ومن يعلم ذلك؟ فقال: يحيى «١» بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وغيرهم من وجوه العسكر، فأمر بإدخالهم فدخلوا فسألهم عما أخبر به على بن موسى، فلم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم، فضمن لهم ذلك وكتب لهم خطه به، فأخبروه بما أخبره به على بن موسى، وأخبروه أن أهل بغداد يسمون إبراهيم الخليفة السنّى، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان على بن موسى، وأعلموه ما الناس فيه وبما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه فقتله الفضل، وأنه إذا لم يتدارك أمره وإلا خرجت الخلافة من يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى فى طاعته ما يعلمه، وأخرج من الأمر كله وضعف أمره، وشغبت عليه جنده، وأنه لو كان ببغداد ضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتّقت من أطرافها وأقطارها، وسألوه أن يخرج إلى بغداد فإن أهلها لو رأوه أطاعوه، فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل فعلم الفضل بالحال، فضرب بعضهم وحبس بعضهم ونتف لحى بعضهم، فذكر على ابن موسى ذلك للمأمون، فقال: أنا أدارى، ثم أرتحل، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل فقتلوه فى الحمام، وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان، وكان الذين قتلوه أربعة: أحدهم غالب المسعودى الأسود، وقسطنطين الرومى، وفرج الديلمى، وموفّق الصقلبى وكان عمره ستين سنة، وهربوا بعد قتله فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينورى، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر

стр. 8372

بهم فضربت رقابهم، ثم أحضر عبد العزيز بن عمران وغيره، وسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشىء من ذلك، فلم يقبل منهم وقتلهم وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيّره مكانه، ورحل المأمون إلى العراق. وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وفيها زوج المأمون ابنته أم حبيب من على بن موسى الرضا، وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم ابن موسى بن جعفر، ودعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد. ودخلت سنة ثلاث ومائتين ذكر وفاة على بن موسى الرضا ولى العهد كانت وفاته فى آخر صفر بمدينة طوس، وكان سبب ذلك أنه أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة، وصلّى عليه المأمون ودفنه عند قبر أبيه الرشيد، وقيل إن المأمون سمّه فى عنب، واستبعد ذلك جماعة وأنكروه. قال: ولما مات كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه بموته، وما دخل عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد وبنى العباس والموالى يعلمهم بموته، وأنهم إنما نقموا بيعته وقد مات، وسألهم الدخول فى طاعته فأغلظوا له فى الجواب، وكان مولد على بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة. وحجّ بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على، وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل وتغيّر عقله حتى شدّ فى الحديد وحبس، فكتب القواد إلى المأمون بذلك فجعل فى عسكره دينار بن عبد الله. ودخلت سنة أربع ومائتين ذكر قدوم المأمون بغداد فى هذه السنة قدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن، وخرج إليه أهل

стр. 8373

بيته والقواد ووجوه الناس، وكان كتب إلى طاهر وهو بالرقة ليوافيه بالنهروان فأتاه بها، ودخل بغداد فى منتصف صفر ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فنزل الرصافة ثم تحوّل فنزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا فى معسكرهم، وكان الناس يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان، فمكثوا ثمانية أيام كذلك، فتكلم بنو العباس وقواد خراسان، فقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه، فكان أول حاجة سألها أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك وجلس المأمون للناس وأحضر سوادا فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، وخلع على قوّاده السواد، وذلك لسبع بقين من صفر منها. وفى هذه السنة أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب «١» ، وأستعمله المأمون على الحرمين، وفى هذه السنة أعنى سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن إدريس الشافعى بمصر، ومولده سنة خمسين ومائة ﵀ ورضى عنه. ودخلت سنة خمس ومائتين ذكر ولاية طاهر بن الحسين خراسان فى هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق- من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبى بغداد، فشخص طاهر من يومه وذلك لليلة بقيت من ذى القعدة، وقدم

стр. 8374

طاهر البلد فأقام شهرا فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التى تحمل لصاحب خراسان، وجعل المأمون على الشرط عبد الله بن طاهر بعد أبيه وحجّ بالناس عبيد الله العلوى. ودخلت سنة ست ومائتين ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرّقة وغيرها فى هذه السنة ولّى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره بحرب نصر بن شبث، وقال له: يا عبد الله إنى استخير الله منذ شهر وأكثر وأرجو أن يكون قد خار لى، وقد ولّيتك هذه الأعمال ومحاربة نصر بن شبث، فقال: السمع والطاعة، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين، فعقد له، وقيل كانت ولايته سنة خمس ومائتين، ولما سار استخلف على الشرط إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب- وهو ابن عمه، وسار عبد الله إلى عمله، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحجّ بالناس عبيد الله العلوى. ودخلت سنة سبع ومائتين فى هذه السنة خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ببلاد عكّ من اليمن، يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، وكان سبب خروجه أن عمّال اليمن أساءوا السيرة فى الناس، فبايعوا عبد الرحمن فوجّه المأمون إليه دينار بن عبد الله فى جيش كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم وحجّ بالناس، ثم سار إلى اليمن فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه فقبله، ودخل فى طاعة المأمون ووضع يده فى يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون «١» عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمرهم بلبس السواد.

стр. 8375

ذكر وفاة طاهر بن الحسين أمير خراسان واستعمال ابنه طلحة كانت وفاته فى جمادى الأولى من هذه السنة، قال كلثوم بن ثابت بن أبى سعيد «١» : كنت على بريد خراسان، فلما كان فى سنة سبع ومائتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى عليها وحشد فيها «٢» ، بلمّ الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين، قال: فقلت فى نفسى أنا أول مقتول لأنى لا أكتم الخبر، فانصرفت فاغتسلت غسل الموتى وتكفّنت، وكتبت إلى المأمون، فلما كان العصر دعانى طاهر، وحدث به حادث فى جفن عينيه فسقط ميتا، فخرج إلىّ ابنه طلحة فقال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم، قال: فاكتب بوفاته وبقيام طلحة بأمر الجيش «٣» ، فوردت الخريطة على المأمون بخلعه، فدعا أحمد بن أبى خالد فقال: سر فإيت بطاهر- كما زعمت وضمنت، وكان هو قد أشار على المأمون بولاية طاهر خراسان وضمنه، فقال: يا أمير المؤمنين أبيت الليلة، قال: لا، فلم يزل به حتى أذن له فى المبيت، ووافت الخريطة الأخرى ليلا بموته، فدعاه فقال: قد مات طاهر فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، قال: اكتب بتوليته فكتب بذلك؛ ولما ورد الخبر بموت طاهر قال المأمون: لليدين والفم، الحمد لله الذى قدّمه وأخرّنا. وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم: يا ذا اليمينين وعين واحده ... نقصان عين ويمين زائده وكان لقبه ذا اليمينين وكنيته أبا الطيب. وقيل إن المأمون استعمل على

стр. 8376

أعمال طاهر ابنه عبد الله، فسيّر إلى خراسان أخاه طلحة، وكان عبد الله بالرقة يحارب ابن شبث، فلما وجّه طلحة إلى خراسان سيّر المأمون إليه أحمد ابن أبى خالد ليقوم بأمره، فعبر أحمد إلى ما وراء النهر وافتتح أشروسنة، وأسر كاوس بن خارخره «١» وابنه الفضل وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لأحمد بن أبى خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألفى ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسمائة ألف. وحج بالناس فى السنة أبو عيسى بن الرشيد. ودخلت سنة ثمان ومائتين فى هذه السنة سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان فعصى بها، فسار إليه أحمد بن أبى خالد فأخذه، وأتى به المأمون فعفا عنه، وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن الرشيد. ودخلت سنة تسع ومائتين . فى هذه السنة حصل الظفر بنصر بن شبث، وقد قدمناه فى أخباره. وحجّ بالناس صالح بن العباس بن محمد بن على ودخلت سنة عشر ومائتين فى هذه السنة ظفر المأمون إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الأفريقى ومالك بن شاهى ومن كان معهم ممن سعى فى بيعة إبراهيم بن المهدى، فأقيم ابن عائشة على باب دار المأمون ثلاثة أيام فى الشمس، ثم ضربه بالسياط وحبسه، وضرب مالك بن شاهى وأصحابهما، ثم قتل ابن عائشة وابن شاهى ورجلين

стр. 8377

من أصحابهما صبرا، وصلب ابن عائشة- وهو أول عباسى صلب فى الإسلام، ثم أنزل وكفّن وصلّى عليه ودفن بمقابر قريش. ذكر ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدى فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدى، وهو متنقّب فى زى امرأة بين امرأتين، أخذه حارس أسود ليلا وقال له ولهنّ: أين تردن فى هذا الوقت؟! فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان فى يده، فاستراب منه الحارس ورفعهن إلى صاحب المسلحة «١» ، فأمرهنّ أن يسفرن عن وجوههنّ، فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به، فأمره بالاحتفاظ به إلى باكر النهار، فلما كان الغد أقعد إبراهيم فى دار المأمون. والمقنعة فى عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس، ويعلموا كيف أخذ، ثم حوّله إلى أحمد بن أبى خالد فحبسه عنده، ثم شفع فيه الحسن بن سهل- وقيل ابنته بوران لما بنى بها المأمون. وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبى إسحاق المعتصم، وكان المعتصم عند المأمون فحمل رديفا لفرج «٢» التركى، فلما دخل على المأمون قال له: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين ولىّ الثأر محكّم فى القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الأغترار- بما مدّ له من أسباب الشقاء- أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذى ذنب، كما جعل كل ذى ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك، فقال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبّر وسجد. وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو مختف، فوقّع المأمون فى رقعته: القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله ، وهو أكبر ما نسأله «٣» ، فامتدحه إبراهيم بن المهدى بقصيدته التى هى:

стр. 8378

يا خير من رفلت «١» يمانيه به ... بعد النبى «٢» لآيس أو طامع «٣» وأبرّ من عبد الإله على التقى «٤» ... غيبا «٥» وأقوله «٦» بحق صادع عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع متيقظا حذرا وما تخشى العدى ... نبهان من وسنان «٧» ليل الهاجع ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع بأبى وأمّى فدية وبنيهما «٨» ... من كل معضلة وريب «٩» واقع منها: نفسى فداؤك إذ تضل معاذرى ... وألوذ منك بفضل حلم واسع أملا لفضلك والفواضل شيمة «١٠» ... دفعت بناءك للمحل اليافع فبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع إلا العلو عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة «١١» كقوس النازع «١٢» الله يعلم ما أقول فإنّها «١٣» ... جهد الأليّة من حنيف راكع

стр. 8379

ما إن عصيتك والغواة تقودنى «١» ... أسبابها إلا بنيّة طائع حتى إذا علقت «٢» حبائل شقوتى ... بردى إلى حفر المهالك هائع لم أدر أن لمثل جرمى غافرا ... فوقفت أنظر «٣» أى حتف مصارعى «٤» ردّ الحياة علىّ بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر «٥» المتواضع ومنها: كم من يد لك لم «٦» تحدثنى بها ... نفسى إذا آلت إلىّ مطامعى أسديتها عفوا إلىّ هنيئة ... وشكرت مصطنعا لأكرم صانع إنّ الذى قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم فى الإمام «٧» السابع جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع قال: فلما أنشدها قال المأمون: أقول كما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «٨» . وروى أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن محمد بن عمرو الأنبارى قال «٩» : لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدى أحب أن يوبّخه على رءوس الناس، فجىء بإبراهيم يحجل فى قيوده، فوقف على طرف الإيوان وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المأمون: لا سلّم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم، فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولىّ ثأرى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الأغترار فى الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبى فوق

стр. 8380

كل ذى ذنب، كما أن عفوك فوق كل ذى «١» عفو. ومن رواية أخرى أنّه قال: وقد أصبحت فوق كل ذى ذنب؛ كما أصبح كل ذى عفو دونك، فإن عاقبت «٢» فبحقك وإن تعف فبفضلك، قال: فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: إن هذين أشارا علىّ بقتلك، فالتفت فإذا العباس بن المأمون والمعتصم، فقال: يا أمير المؤمنين أما حقيقة الرأى فى معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشّاك إذ كان منّى ما كان، ولكنّ الله عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله يا أمير المؤمنين، فتبسّم المأمون ثم أقبل على ثمامة فقال: إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر، وإنّ كلام عمى منه، أطلقوا «٣» حديده وردّوه إلىّ مكرّما، فلما ردّ إليه قال: يا عم، صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس، فلن ترى منى أبدا إلا ما تحب، فلما كان من الغد بعث إليه بدرج فيه هذه القصيدة التى تقدّم ذكرها، لكن اختصرها أبو الفرج فذكر بعضها، فلما قرأها المأمون بكى وقال علىّ به «٤» فخلع عليه «٥» ، وأمر له بخمسة آلاف دينار، ودعا بالفرّاش فقال له: إذا رأيت عمى مقبلا فاطرح له متكأ، وكان ينادمه لا ينكر منه شيئا. قال أبو الفرج: وروى بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشمى، فقال فيه: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبى خالد الأحول، وقال: هذا صديقك فخذه إليك، قال: وما تغنى صداقتى عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه، أما إنى- وإن كنت صديقا له- لا أمتنع عن قول الحق فيه، قال له: قل فإنك غير متّهم، فقال- وهو يريد التسلّق على العفو عنه: إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرما منه وإن عفوت عنه عقوت عمن لم يعف قبلك عن مثله،

стр. 8381

فسكت «١» المأمون ساعة ثم تمثل «٢» قومى هم قتلوا أميم أخى ... فإذا رميت يصيبنى سهمى فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمى خذه إليك يا أحمد مكرّما، فانصرف به ثم كتب إلى المأمون قصيدته المذكورة، فلما قرأها رق له وأمر بردّه إلى منزله، وردّ ما قبض من أملاكه وماله. وفى خبر عن أبى داود أن المأمون تقدّم إلى محمد بن يزداد «٣» - لما أطلق إبراهيم- أن يمنعه من دارى الخاصة والعامة، ووكل به رجلا من قبله يثق به ليعرفه أخباره وما يتكلّم به، فكتب إليه الموكل أن إبراهيم- لما بلغه المنع من دارى الخاصة والعامة- تمثّل: يا سرحة الماء قد سدت مواردها «٤» ... أما إليك طريق غير مسدود لحائم حام حتى لا حيام به ... محلّا عن طريق الماء مردود «٥» فلما قرأها المأمون بكى وأمر باحضاره من وقته مكرّما، وأنزله فى مرتبته، فلما دخل على المأمون قبّل البساط وقال: البرّ «٦» بى منك وطّا العذر عندك لى ... دون اعتذارى فلم تعذر «٧» ولم تلم وقام علمك بى فاحتجّ عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم رددت مالى ولم تمنن علىّ به ... وقبل ردّك مالى قد «٨» حقنت دمى

стр. 8382

فبوت منك وقد كافأتها بيد ... هى الحياتان من موت ومن عدم تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عارف ومنتقم فقال: اجلس يا عم آمنا مطمئنا. فلن ترى أبدا منّى ما تكرهه، إلا أن تحدث حدثا أو تتغير عن طاعة، وأرجو ألا يكون ذلك إن شاء الله تعالى. وروى الفضل بن مروان قال «١» : لمّا دخل إبراهيم بن المهدى على المأمون- لما ظفر به- كلّمه بكلام، كان سعيد بن العاص كلّم به معاوية بن أبى سفيان فى سخطة سخطها عليه واستعطفه به، وكان المأمون يحفظ الكلام فقال المأمون: هيهات يا إبراهيم، هذا كلام سبقك به فحل بنى أميّة وقارحهم سعيد بن العاص وخطب به معاوية بن أبى سفيان، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين- وأنت أيضا إن عفوت فقد سبقك فحل بنى حرب وقارحهم إلى العفو، فلا تكن حالى عندك فى ذلك أبعد من حال سعيد عند معاوية، فإنك أشرف منه وأنا اشرف من سعيد، وأنا أقرب إليك من سعيد إلى معاوية، وإنّ أعظم الهجنة تسبق أميّة هشاما إلى مكرمة فقال له: صدقت يا عم قد عفوت عنك. ذكر بناء المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل فى هذه السنة بنى المأمون بها فى شهر رمضان، وكان المأمون قد سار من بغداد إلى فم الصّلح إلى معسكر الحسن، فنزله وزفت إليه بوران، فلما دخل إليها المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة والدة الأمين وجدّتها- أم الفضل وام الحسن ابنى سهل، فلما دخل نثرت عليه جدّتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه وأعطاه لبوران، وقال: سلى حاجتك فأمسكت، فقالت جدّتها: سلى سيدك فقد أمرك، سألته الرضا عن إبراهيم بن المهدى، فقال: قد فعلت، وسألته الإذن لأم

стр. 8383

جعفر فى الحج فأذن لها، وألبستها أم جعفر البدنة «١» اللؤلؤ الأموية، وأوقد المأمون فى تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا، وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوما، يعدّ له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القوّاد على مراتبهم وحملهم ووصلهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه ونثرها. وحكى عبد الملك بن عبد الله بن عبدون «٢» الحضرمى الشبلى، فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر، قال حكى إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلى قال «٣» : قال لى المأمون يوما: هذا يوم سرور، ثم قال للغلمان: خذوا علينا الباب واحضروا بالشراب، فبقينا بقية يومنا فى أنس وشرب، فلما كان الليل قال لى: يا إسحاق إنى أريد الصّبوح، فكن بمكانك حتى أدخل إلى الحرم وأخرج إليك، فأستبطأت خروجه فقلت: اشتغل وغلب عليه النبيذ ونسينى، وكانت عندى جارية بكر كنت اشتريتها فتطلعت لها نفسى، فنهضت فقال لى العبد: قد انصرف عبدك بدابتك، فمشيت فلما صرت ببعض الطريق أحسست بالبول، فعدلت عن الطريق وقضيت حاجتى، فلما أردت أن أستجمر عدلت إلى حائط، وإذا بزنبيل كبير معلّق، قد ألبس بالديباج وفيه أربعة أحبل من الابريسم، فقلت: إنّ له لأمرا، ثم تجاسرت وجلست فيه «٤» فجذب، وإذا أربع جوار يقلن بالسعة «٥» : أصديق أم جديد؟ فقلت جديد، فسارت احداهن بين يدى حتى أدخلتنى إلى مجلس لم أر مثله، فجلست فى أدنى مجالسه، وإذا بوصائف بأيديهن «٦» الشمع والمجامر يتبخّر فيها العود، وبينهنّ جارية كالبدر

стр. 8384

الطالع ذات دلّ وشكل، فنهضت لدخولها فقالت مرحبا بالضيف، [وسألتنى عن دخولى «١» ] ، فقلت: عن غير ما قصد، قالت فما السبب؟ قلت انصرفت من عند بعض أصحابى فلما رأيت الزنبيل حملنى النبيذ على الدخول فيه، قالت: فما صناعتك؟ قلت: بزّاز، قالت: ومولدك؟ قلت: بغداد، قالت: من أى الناس؟ قلت: من أوسطهم، قالت: حيّاك الله، هل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت: شىء ضعيف، قالت: فذاكرنى، قلت: إن للداخل دهشة، ولكن ابدأينى فالشىء بالمذاكرة، قالت: هل تحفظ قصيدة فلان التى يقول فيها كذا وكذا، فأنشدتنى لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين، وأنا مستمع أنظر من أى أحوالها أعجب: من حسنها أو من حسن إنشادها أو من حسن أدبها أو ضبطها للغريب من النحو واللغة!! ثم قالت: قد ذهب عنك بعض الحصر، قلت: إن شاء الله لقد كان ذلك، قالت: فأنشدنى، فأنشدتها فجعلت تسألنى عن أشياء تمرّ فى الشعر كالمختبرة، ثم قالت: والله ما قصّرت ولا توهمت أن فيك هذا!! ولا رأيت فى أبناء التجار مثلك! فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟! قلت: نظرت فى شىء من ذلك، فأمرت بإحضار الطعام فأكلنا، ثم أحضرت نبيذا فشربت قدحا، وقالت: هذا أوان المذاكرة، فاندفعت وقلت: بلغنى كذا وكذا، وكان رجل من قصّته كذا وكذا، فسرّت بذلك، وقالت: ليس هذا من أمر التجار، وإنما هى من أحاديث الملوك، قلت: إنه كان لى جار ينادم بعض الملوك فكنت أدعوه فى بعض الأوقات إلى منزلى، فما تسمعين منّى فمن عنده أخذته، قالت: يمكن هذا!! ثم قالت: لو كان عندك شىء واحد لكنت كاملا! فحرك بعض الملاهى أو ترنّم، قلت: لا أحسن من هذا شيئا على أنى مولع بسماعه، فقالت: يا جارية- عودى، فضربت فأحسنت وغنّت غناء

стр. 8385

بديعا، ثم قالت: هذا الغناء لإسحاق، فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت: المجالس بالأمانات، ثم أخذت وأخرجت إلى باب صغير، فانتهيت إلى دارى فأرسل المأمون إلىّ فمشيت إليه، وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل إلى حرمه، فخرجت إلى ذلك الموضع ودخلت الزنبيل، فقالت: ضيفنا!! قلت: منوا بالصفح، قالت: فعلنا ولا تعد، فلما كان عند الصباح فعلت فعلة البارحة، وخرجت فأتيت المأمون، فقال: أين كنت!! فاعتذرت إليه، فلما كان الليل صنع صنعه وصنعت كذلك، فلما دخلت فى الزنبيل قالت: ضيفنا!! قلت: اى ها الله!!، قالت: أجعلتها دار مقام!! قلت: الضيافة ثلاث فإن رجعت فأنت من دمى فى حلّ، فلما كان عند الوقت أفكرت فى المأمون، وعلمت أنّه لا يخلصنى منه إلا أن أخبره، وعلمت من شغفه بالنساء أنه يطالبنى بالمشى إليها، فقلت: جعلت فداك- أتأذنين فى ذكر شىء حضر؟ قالت: قل، قلت: أراك ممّن يحب الغناء ويشغف بالأدب، ولى ابن عم هو من أهل الشعر «١» والأدب والغناء، هو أعرف خلق الله بغناء إسحاق، الذى سمعتك تثنين عليه، فقالت: طفيلى ويقترح، قلت: إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكّمة، قالت: فإذا كان كما ذكرت فما نكره أن نعرفه، قلت: فالليلة، قالت: نعم، ثم انصرفت على عادتى فلما وصلت دارى أتانى رسول المأمون، فمشيت إليه وهو حنق علىّ، فقال: يا إسحاق آمرك بشىء فلا تقف عنده، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرنى بانتظاره، فأتذكّر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته، فقلت: لى قصّة أحتاج فيها إلى خلوة، فأومأ بيده إلى من كان واقفا فتنحّوا، فذكرت له القصة فلما فرغت من كلامى قال: كيف لى بمشاهدة ذلك الموضع؟ قلت: قد علمت أنك تطالبنى بهذا، وقد قلت لها لى ابن عم من صنعته ومن حديثه، ثم جلسنا على عادتنا فى الأيام الخوالى-

стр. 8386

وهو يسألنى عن حديثها، فلما جاء الليل صرنا «١» إلى ذلك الموضع، فألفينا فيه زنبيلين فدخل فى واحد ودخلت فى الآخر، فلما صرنا فى البيت جلست فى صدره، وجلس المأمون دونى، فلما أتت قالت: حيّا الله ضيفينا بالسلام، ثم رفعت مجلسه وقالت: هذا ضيف وأنت من أهل البيت، ولكل جديد لذّة، فجلس المأمون فى صدر البيت وأقبلت عليه تحدثه، وهو يأخذ معها فى كل فن فيسكتها، فالتفتت إلىّ وقالت: وفّيت بوعدك، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا نشرب وهى مقبلة عليه، ثم قالت: وابن عمك هذا من أولاد التجار؟! إنّ حديثكما وأدبكما لمن أدب «٢» الملوك، وليس للتجار هذه المنزلة فى الأحاديث والآداب، ثم قالت لى: موعدك؟ قلت: إنه ليجيب «٣» ولكن حتى يسمع شيئا، فأخذت العود وغنّت فشربنا عليه رطلا ثم ثانيا وثالثا، فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ارتاح وطرب، وكان الصوت الثالث ما يقترحه «٤» علىّ أبدا، فلما سمعه نظر إلىّ نظر الأسد إلى فريسته، وقال لى: يا إسحاق غنّ لى هذا الصوت، فلما رأتنى وقفت بين يديه علمت أنّه المأمون وأنّنى إسحاق، فنهضت «٥» فقال لها: ها هنا وأومأ إلى كلّة مضروبة فدخلتها، فلما فرغت من ذلك الصوت قال: يا إسحاق: انظر من صاحب هذه الدار؟ فسألت عجوز فقالت الحسن بن سهل وهذه ابنته بوران، فرجعت فأعلمته فقال: علىّ به الساعة فأحضرته فوقف بين يديه فقال: لك بنت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: زوجنيها، قال هى أمتك وأمرها إليك، قال: فإنى أتزوّجها على ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة غد، فإذا وصل إليك المال فاحملها إلينا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم

стр. 8387

نهض وفتح الباب وخرجنا، فلما صرنا إلى الدار قال لى: يا إسحاق لا يقفنّ أحد على ما وقفت عليه فإن المجالس بالأمانات، فقلت: يا أمير المؤمنين- ومثلى يحتاج إلى وصيّة! قال: فلما أصبحنا أمر بحمل المال إليه، ونقلت إليه من يومها، قال إسحاق فما فهت بالخبر إلا بعد موت المأمون. قال ابن عبدون «١» : وذكر أنّه لما أراد أن يعرس بها أمر بإخراج الفساطيط والقباب «٢» ، وأن تضرب على ضفّة دجلة فى موضع منخفض، وخرج وجوه الناس لحضور ذلك وعامّة الناس للتنزه، وكانت النفقة من عند الحسن بن سهل على كل من حضر. قال: وكان عدد الملاحين منهم خاصة أرباب الزلاليات والزواريق وماشاكلها- الذين يحملون الناس فى مراكبهم إلى موضع العرس- عشرة آلاف «٣» ، ويقال إنّه لما بسطت القبّة التى دخل فيها المأمون على بوران خيّر الحسن الخاصة- ممّن حضر ذلك العرس- بين مائة دينار وحلّة أو قبضة من أرض تلك القبّة، فيقال إن القابض بكفّه من أرض القبّة كان أرجح ممن أخذ مائة دينار وحلّة، فإنه ربما كان يخرج من قبضته حجر ياقوت أو حجر زمرّد أو درّة نفيسة تساوى أضعاف ذلك القدر. ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر وفتحها وفتح الإسكندرية وفى سنة عشر ومائتين سار عبد الله بن طاهر إلى مصر وافتتحها، واستأمن له عبيد الله «٤» بن السّرى، وكان سبب مسيره أن عبيد الله بن السرى كان قد تغلّب على مصر وخلع الطاعة، وخرج جمع من الأندلس

стр. 8388

فغلبوا على الإسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بحرب نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحو مصر، فلما قرب منها قدّم قائدا من قوّاده إليها لينظر موضعا يعسكر فيه، وكان ابن السرى قد خندق على مصر. فاتصل الخبر به فخرج إلى القائد وقاتله قتالا شديدا. والقائد فى قلة «١» فسيّر بريدا إلى عبد الله بن طاهر يخبره، فحمل عبد الله الرجال على البغال وجنّبوا الخيل، وأسرعوا السير فلحقوا القائد وهو يقاتل. فلما رأى ابن «٢» السّرى ذلك لم يثبت بين أيديهم، وانهزم وتساقط أكثر أصحابه فى الخندق. فهلك منهم بالسقوط أكثر ممّن قتل بالسيف، ودخل ابن السرى مصر وأغلق الباب، وحاصره عبد الله فأرسل إليه فى الليل ألف وصيف ووصيفة مع كل واحد منهم ألف دينار. فردّهم ابن طاهر وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا، بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ «٣» . فعندها طلب ابن السرى الأمان فأمنّه، ثم بعث عبد الله بن طاهر إلى الإسكندرية يؤذن الذين تغلّبوا عليها بالحرب أو الدخول فى الطاعة. وكانوا قد أقبلوا من الأندلس فى مراكب، والناس فى تلك الفتن التى ذكرناها، فأرسوا بالإسكندرية وتغلّبوا عليها. وكان رئيسهم يدعى أبا حفص. فلما أتتهم رسالته سألوا الأمان. على أن يرحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التى ليست من بلاد الإسلام، فأمّنهم على ذلك فرحلوا ونزلوا بجزيرة اقريطش. واستوطنوها وأعقبوا وتناسلوا. قال: وبعث ابن طاهر عبيد الله بن السرى إلى بغداد. فقدمها فى سنة إحدى عشرة ومائتين. وأنزل مدينة المنصور. وأقام ابن طاهر بمصر واليا عليها وعلى الشام وعلى الجزيرة، إلى أن نقل إلى خراسان على ما نذكره

стр. 8389

إن شاء الله تعالى. وروى أبو الفرج الأصفهانى «١» أنّ المأمون أعطى عبد الله ابن طاهر مال مصر لسنة خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرّقه فى الناس. ورجع صفرا من ذلك فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم مقدمه وأنشد أبياتا قالها فى هذا المعنى يقول منها: إليك أقبلت من أرض أقمت بها ... حولين بعدك فى شوق وفى ألم أقفو مساعيك اللاتى خصصت بها ... حذو الشراك على مثل من الأدم وكان فضلى فيها أننى «٢» تبع ... لما سننت من الإنعام والنعم ولو وكلت إلى نفسى غنيت بها ... لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك بمكرمة نلتها، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شىء إذا عوّدته نفسك افتقرت، ولم تقدر على لمّ شعثك وإصلاح حالك؛ وزال ما كان فى نفسه. قال «٣» : وكان المال الذى فرّقه عبد الله بن طاهر- وهو على المنبر- ثلاثة آلاف ألف دينار، أجاز بها قبل نزوله عن المنبر، قال: معلّى الطائى- وقد بلغه ما صنع عبد الله بن طاهر- فقال: أصلح الله الأمير، أنا معلّى الطائى وقد بلغ منّى ما كان منك إلىّ من جفاء وغلظ، فلا يغلظنّ على قلبك، ولا يستخفنّك الذى بلغك، فأنا الذى أقول: لو يصبح «٤» النيل يجرى ماؤه ذهبا ... لما أشرت إلى خزن بمثقال تغلى «٥» بما فيه رقّ الحمد تملكه ... وليس شىء أعاض الحمد بالغالى فى أبيات أخر، قال: فضحك عبد الله وسرّ بما كان منه، وقال:

стр. 8390

يا فلان أقرضنى عشرة آلاف دينار- فما أمسيت أملكها- فأقرضه، فدفعها إليه. ذكر خلع أهل قمّ المأمون وما كان من أمرهم فى هذه السنة خلع أهل قمّ المأمون ومنعوا الخراج، وكان سبب ذلك أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالرى عدة أيام، وأسقط عنهم شيئا من خراجهم، فطمع أهل قمّ أن يضع عنهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفى ألف درهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا فامتنعوا من أدائه، فوجّه المأمون إليهم على بن هشام وعجيف بن عنبسة فحاربوهم فظفروا بهم، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور المدينة وجباها على سبعة آلاف ألف درهم، وكانوا يتظلمون من ألفى ألف درهم. وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد أمير مكة. ودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين فى هذه السنة قتل السيد بن أنس الأزدى أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق بن على بن صدقة الأزدى الموصلى كان قد تغلّب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى بينه وبين الرشيد حروب كثيرة، فلما كان فى هذه السنة جمع زريق جمعا كثيرا، قيل كانوا أربعين ألفا، وبعثهم إلى الموصل لحرب السيد فخرج إليهم فى أربعة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فحمل السيد بنفسه وكانت عادته، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فقتل كل منهما صاحبه، ولما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولّى محمد بن حميد الطوسى حرب زريق وبابك الخرّمى، واستعمله على الموصل. وفيها قدم عبد الله بن طاهر بغداد. فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر

стр. 8391

الناس. وفيها أمر المأمون مناديا برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير أو فضّله على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وحجّ بالناس صالح بن العباس وهو أمير مكة. ودخلت سنة اثنتى عشرة ومائتين ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل قد قدّمنا أن المأمون استعمله على حرب بابك الخرّمى، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها، ويحارب زريق بن على، فسار إلى الموصل ومعه جيشه، وجمع فيها الرجال من اليمن وربيعة وسار نحوه، فالتقوا على الزاب فدعاه محمد إلى الطاعة فامتنع، فناجزه واقتتلوا فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل بطلب الأمان فأمّنه محمد، فنزل إليه وسيّره إلى المأمون، وكتب المأمون إلى محمد يأمره بأخذ مالزريق من قرى ورستاق ومال وغيره. يأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وإخوته وأهله وأخبرهم بما أمر به المأمون، فأطاعوه لذلك، ثم قال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمر لى به، وقد قبلته ورددته عليكم فشكروه؛ ثم سار إلى أذربيجان واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان، فأخذهم وسيّرهم إلى المأمون، وسار لمحاربة بابك. وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل على بن أبى طالب على جميع الصحابة رضى الله عنهم، وكان ذلك فى شهر ربيع الأول. وحجّ بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد. ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين فى هذه السنة ولىّ المأمون ابنه العباس الجزيرة والثّغور والعواصم،

стр. 8392

وولّى أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله ابن طاهر بخمسمائة ألف درهم. وفيها خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر فى القيسية واليمانية، وظهرا بها ووثبا بعامل المعتصم وهو عمير «١» بن الوليد الباذغيسى، فقتلاه فى شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة، فسار المعتصم إلى مصر وقاتلهما فقتلهما وافتتح مصر واستقامت أمورها، واستعمل عليها عماله. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس. ودخلت سنة أربع عشرة ومائتين فى هذه السنة قتل محمد الطوسى فى حرب بابك، فلما بلغ خبر قتله المأمون استعمل عبد الله بن طاهر على قتاله. ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان فى هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان، فسار إليها وكان أخوه طلحة مات بخراسان فى سنة ثلاث عشرة، فولى خراسان على ابن طاهر خليفة لأخيه عبد الله، وكان عبد الله بالدّينور فجهّز العساكر إلى بابك، فأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل فاتصل ذلك بالمأمون، فأمر عبد الله بالمسير إليها. وحجّ بالناس فى هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد. ودخلت سنة خمس عشرة ومائتين ذكر غزاة المأمون إلى الروم فى هذه السنة سار المأمون من بغداد لغزو الروم فى المحرم، واستخلف

стр. 8393

على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد وحلوان وكوردجلة، وسار المأمون على طريق الموصل إلى منبج، ثم إلى دابق ثم إلى أنطاكية ثم إلى المصّيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم فى جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطيّة، فأقام المأمون على حصن قرّة حتى افتتحه عنوة وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إنه فتحه بالأمان، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجّه إشناس إلى حصن سندس فأتاه برئيسه، ووجّه عجيفا وجعفرا الخيّاط إلى حصن سنان «١» فسمع وأطاع، وتوجّه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد ودخلت سنة ست عشرة ومائتين ذكر فتح هرقلة فى هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم، وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفا وستمائة من أهل طرسوس والمصّيصة، فسار حتى دخل أرض «٢» الروم فى جمادى الأولى، إلى منتصف شعبان، وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم «٣» كتب إليه بدأ بنفسه، فسار إليه ولم يقرأ كتابه، وسار إلى هرقلة فخرج أهلها على صلح، ووجّه أخاه أبا إسحاق المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وقتل وسبى وحرق ورجع. ثم عاد المأمون إلى دمشق. وفيها ظهر بمصر عبدوس الفهرى. ووثب على عمال المعتصم فقتل بعضهم فى شعبان. فسار المأمون من دمشق إلى مصر فى منتصف ذى

стр. 8394

الحجة، فوصل إليها فى المحرم سنة سبع عشرة فأتى بعبدوس الفهرى فضرب عنقه، وعاد إلى الشام، وفيها قدم الأفشين من برقة إلى مصر، فأقام بها ثم كان من أمره وتمكّنه ما نذكره، وفيها «١» كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلّوا، فبداوا بذلك فى منتصف شهر رمضان، فقاموا قيامه وكبروا ثلاثا، ثم فعلوا ذلك فى الصلوات المكتوبة، وفيها ماتت أم جعفر زبيدة ابنة جعفر بن المنصور أم الأمين. وحجّ بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان وقيل عبد الله بن عبيد الله. ودخلت سنة سبع عشرة ومائتين وفى هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما «٢» من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، وفيها قتل المأمون على بن هشام، وكان قد استعمله على أذربيجان والجبال وقمّ وأصفهان فى سنة أربع عشرة، فبلغ المأمون أنّه ظلم وأخذ الأموال وقتل الرجال، فوجّه إليه المأمون عجيف بن عنبسة فى سنة ست عشرة، فثار به على بن هشام وأراد قتله واللحاق ببابك، فظفر به عجيف وقدم به على المأمون فقتله، وقتل أخاه حسينا «٣» فى جمادى الأولى، وطيف برأس علىّ فى العراق وخراسان والشام ومصر، ثم ألقى فى البحر. وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ عجيف على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنها فخدع أهلها عجيفا حتى أسروه «٤» ، وبقى عندهم ثمانية أيام ثم

стр. 8395

أخرجوه؛ وجاء توفيل- ملك الروم- فأحاط بعجيف فسيّر المأمون إليه الجنود فارتحل ملك الروم قبل موافاتهم. وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان. وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على. ودخلت سنة ثمانى عشرة ومائتين ذكر المحنة بالقرآن المجيد فى هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد فى امتحان القضاة والفقهاء «١» والمحدّثين بالقرآن، فمن أقرّ أنه مخلوق محدث خلى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه، وطوّل كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وكان الكتاب فى شهر ربيع الأول، وأمره بإنفاذ سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدى «٢» ، وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون، ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبى مسعود، وأحمد الدّورقى. فأشخصوا إليه فأمتحنهم وسألهم عن القرآن، فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق فأعادهم إلى بغداد، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث. فأقروا بذلك فخلّى سبيلهم، وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة والفقهاء. فأحضر أبا حسّان الزيادى، وبشر بن الوليد الكندى، وعلى بن أبى مقاتل «٣» ، والفضل بن غانم، والذيّال بن الهيثم «٤» وسجّادة، والقواريرى، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطى، وعلى بن الجعد، وإسحاق بن أبى إسرائيل، وابن الهرش، وابن عليّة الأكبر،

стр. 8396

ويحيى بن عبد الرحمن العمرى، وشيخا آخر من ولد عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه- كان قاضى الرقة، وأبا نصر التمّار، وأبا معمر القطيعى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرّخان، وجماعة منهم النّضر بن شميل، وابن على بن عاصم، وأبو العوّام البزّاز، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوا جميعا على إسحاق فقرأ عليهم كتاب المأمون مرتين حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول فى القرآن؟ فقال: قد عرف أمير المؤمنين مقالتى غير مرّة، قال: قد تجدّد من كتاب أمير المؤمنين ما ترى، قال: أقول القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شىء، قال: والقرآن شىء؟ قال: نعم، قال: فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق، قال: ليس عن هذا سألتك- أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلّم فيه، وليس عندى غير ما قلت لك، فأخذ إسحاق رقعة فقرأها عليه، فقال: أشهد أنّ لا إله إلا الله أحد فرد، لم يكن قبله شىء ولا يشبهه شىء من خلقه، فى معنى من المعانى ووجه من الوجوه، قال للكاتب: اكتب ما قال. ثم قال لعلى بن أبى مقاتل: ما تقول؟ قال: قد سمعت كلامى فى هذا لأمير المؤمنين غير مرّة، وما عندى غيره، فامتحنه بالرقعة فأقرّ بما فيها، ثم قال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، قال: القرآن كلام الله، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشىء سمعناه وأطعنا، فقال للكاتب اكتب مقالته؛ ثم قال للذيّال نحوا من مقالته لعلى بن أبى مقاتل، فقال مثل ذلك؛ ثم قال لأبى حسّان الزيادى: ما عندك؟ قال: سل عمّا شئت، فقرأ عليه الرقعة فأقرّ بما فيها، قال: ومن لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شىء، وأمير المؤمنين إمامنا، وبسببه سمعنا عامّة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم،

стр. 8397

وقلّده الله أمرنا فصار يقيم حجّتنا وصلواتنا، ونؤدى إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته، فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا، قال: والقرآن مخلوق؟ فأعاد مقالته، قال إسحاق فإن هذه مقالة أمير المؤمنين، فقال: قد تكون مقالته ولا يأمر بها الناس، وإن أخبرتنى أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول، قلت ما أمرتنى به، فإنّك الثقة فيما أبلغتنى عنه، قال: ما أمرنى أن أبلغك شيئا، فقال أبو حسّان: وما عندى إلا السمع والطاعة، فأمرنى أأتمر، فقال: ما أمرنى أن آمركم، وإنما أمرنى أن أمتحنكم؛ ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول فى القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله ما أزيد عليها، فامتحنه بالرقعة، فلما أتى إلى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وأمسك عن لا يشبهه شىء من خلقه فى معنى من المعانى ولا وجه من الوجوه فاعرض عليه ابن البكّاء الأصغر فقال: أصلحك الله- إنه يقول سميع من أذن، بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد: ما معنى قولك سميع بصير؟ قال: كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدرى- هو كما وصف نفسه، ثم دعاهم رجلا رجلا- كلهم يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة، وعبيد الله «١» ابن محمد بن الحسن، وابن عليّة الأكبر، وابن البكّاء، وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبّه، والمظفّر بن مرجّا، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضى الرقة، وابن الأحمر، فأمّا ابن البكّاء فإنّه قال: القرآن مجعول لقوله إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «٢» ، والقرآن محدث لقوله ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ «٣» ، قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم، قال: والقرآن مخلوق «٤» قال:

стр. 8398

لا أقول مخلوق ولكنّه مجعول، فكتب مقالته ومقالات القوم ووجّهها إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمّهم ويذكر كلا منهم ويعيبه ويقع فيه بشىء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدى ويمتحنهما، فإن أجابا وإلا ضرب أعناقهما، وأما من سواهما فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم، فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر المأمون فأجاب القوم كلهم إلا أربعة نفر: منهم أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريرى، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدّوا فى الحديد، فلما كان الغد دعاهم فى الحديد وأعاد عليهم المحنة، فأجاب سجّادة والقواريرى، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، فشدّوا فى الحديد ووجّههما إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوه، فأجابه المأمون أنّه بلغنى عن بشر بن الوليد أنّه تناول الآية التى أنزلها الله فى عمّار بن ياسر إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ «١» فقد أخطأ التأويل، إنما عنى الله تعالى بهذه الآية من كان معتقدا للإيمان مظهرا للشرك، وأما من كان معتقدا للشرك مظهرا للإيمان فليس هذا له، فأشخصهم جميعهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق وسيرهم جميعا الى العسكر وهم: أبو حسان الزيادى، وبشر بن الوليد، والفضل بن غانم، وعلى ابن أبى مقاتل، والذيّال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمرى، وعلى بن الجعد، وأبو العوّام، وسجّادة، والقواريرى، وابن الحسن بن على بن عاصم، وإسحاق بن أبى اسرائيل، والنضر بن شميل: وأبو نصر التمّار، وسعدويه الواسطى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبو معمر بن الهرش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبو هارون ابن البكّاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.

стр. 8399

ذكر وفاة أبى العباس المأمون كانت وفاته بالبذندون «١» من أرض الروم لثمان خلون من شهر رجب، وقيل لاثنتى عشرة بقيت منه، سنة ثمانى عشرة ومائتين، وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة منها؛ وكان سبب مرضه ما ذكره سعيد بن «٢» العلّاف القارئ، قال: دعانى المأمون يوما فوجدته جالسا على شاطئ البذندون، والمعتصم عن يمينه، وقد دلّيا أرجلهما فى الماء، فأمرنى أن أضع رجلىّ فى الماء، وقال: ذقه- هل رأيت أعذب منه! أو أصفى أو أشد بردا؟ ففعلت وقلت ما رأيت قط مثله، فقال: أى شىء أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: الرطب الآزاذ، فبينما هو يقول ذلك إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم: انظر إن كان فى هذه الألطاف رطب آزاذ فأت به؟ فمضى وعاد ومعه سلّتان فيهما منه، كأنما جنى تلك الساعة، فأظهر شكر الله تعالى وتعجبنا جميعا، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما قام منّا أحد إلا وهو محموم، ودامت العلة بالمأمون حتى مات، ولمّا اشتدت عليه قال لأبى إسحاق: يا أبا إسحاق أدن منّى واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك فى القرآن، واعمل فى الخلافة- إذا طوّقكها الله- عمل المريد لله، الخائف من عذابه وعقابه، ولا تغتر بالله ومهلته، ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية- العوامّ العوامّ فإنّ الملك بهم وبتعهدك لهم، الله الله فيهم وفى غيرهم من المسلمين، ولا ينتهينّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدّمته وآثرته على غيره من هواك، وخد من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم فى شىء، وانصف بعضهم من بعض بالحق

стр. 8400

بينهم، وعجّل الرحلة عنّى إلى دار ملكك بالعراق «١» ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم فى كل وقت، والخرّمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة «٢» وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود، فإن طالت مدّتهم فتجرّد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل فى ذلك عملا مقدم النية فيه راجيا ثواب الله عليه، ثم دعاه بعد ساعة حين اشتد وجعه وأحسّ بمجىء أمر الله، فقال: يا أبا إسحاق عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله ﷺ لتقومنّ بحق الله فى عباده، ولتوثرنّ طاعة الله على معصيته، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك، قال: اللهم نعم، قال: هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين علىّ رضى الله عنه فأحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، ولا تغفل ضلاتهم فى كل سنة عند محلّها، فإنّ حقوقهم تجب من وجوه شتى، اتقوا الله ربكم حق تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، واتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله فى أموركم كلها، أستودعكم الله ونفسى وأستغفر الله بما سلف منّى إنّه كان غفّارا، فإنّه ليعلم كيف ندمى على ذنوبى فعليه توكّلت من عظيمها وإليه أنيب، ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، حسبى الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمد نبى الهدى والرحمة. قال: ولما اشتد مرضه وحضره الموت كان عنده ابن ماسويه، فجاء من يلقنه فعرض عليه الشهادة، فقال الطبيب: دعه فإنه لا يفرّق فى هذه الحال بين ربه ومانى، ففتح المأمون عينيه وأراد أن يبطش به فعجز، وأراد الكلام فعجز عنه، ثم قال: يا من لا يموت ارحم من يموت، ومات من ساعته. ولما توفى حمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بها بدار خاقان خادم الرشيد، وصلّى عليه المعتصم ووكلوا به حرسا من أبناء

стр. 8401

طرسوس وغيرهم- مائة رجل، وأجرى لكل منهم تسعين درهما. وكان مولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومدة خلافته عشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرون يوما، سوى تلك المدة التى كان فيها الاختلاف بينه وبين أخيه الأمين محصور. ذكر صفته وشىء من أخباره وسيرته كان المأمون ربعة ابيض طويل اللحية دقيقها قد وخطه الشيب، وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أجنى أعين ضيّق الجبهة بخده خال أسود، وهو أول من اتخذ الأتراك للخدمة وتغالى فى أثمانهم، فكان يشترى الواحد منهم بمائة ألف ومائتى ألف درهم، وكان يحب سماع أخبار الناس، حتى جعل برسم الأخبار ببغداد ألف عجوز وسبعمائة عجوز، وكان كريما وقّع فى يوم واحد بثلاثمائة ألف دينار، وكان يقول: لو علم الناس ما عندى من حلاوة العفو لما تقرّبوا إلىّ إلا بالذنوب. وقال العتبى «١» صاحب إسحاق بن إبراهيم كنت مع المأمون بدمشق، وكان المأمون قد قلّ عنده المال حتى ضاق وشكى ذلك إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنّك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وكان قد حمل إليه من خراج ما يتولاه ثلاثون ألف ألف ألف درهم، فلما ورد عليه المال قال ليحيى بن أكثم: أخرج بنا ننظر إلى هذا المال، فخرجا «٢» ينظرانه وكان قد هيّئ بأحسن هيئة وحلّيت أباعره، فنظر المأمون إليه واستكثره واستبشر به الناس، فقال المأمون: يا أبا محمد- ننصرف بالمال ويرجع أصحابنا خائبين!! إنّ هذا للؤم، ودعا محمد بن يزداد فقال له: وقّع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف ألف- ورجله فى

стр. 8402

الركاب، ثم قال: ادفع الباقى إلى المعلى يعطيه جندنا، قال: فقمت نصب عينه فلما رآنى وقّع لى بخمسين ألفا فقبضتها. وكان أمر المأمون نافذا من أفريقية المغرب إلى أقصى خراسان وما وراء النهر وولاية السند، وقدم ملك التبت ومعه صنم من ذهب على سرير من ذهب مرصع بالجوهر فأسلم الملك، وأخذ المأمون الصنم وأرسله إلى الكعبة وكتب «١» إليه ملك الهند مع هدية نفيسة أهداها إليه، من دهمى- ملك الهند وعظيم أركان المشرق، وصاحب بيت الذهب وأبواب الياقوت وفرش الدّر- الذى قصره مبنى من العود الذى يختم عليه، فيقبل الصورة قبول الشمع، والذى تؤخذ رائحة قصره من عشرة فراسخ- والذى يسجد أمام البد، الذى وزنه ألف ألف مثقال من ذهب، عليه مائة ألف حجر من الياقوت الأحمر والدرّ الأبيض- الذى يركب فى ألف مركب وألف راية مكللة بالدرّ، تحت كل راية ألف فارس معلّمين بالذهب والحرير- والذى فى مربطه ألف فيل، حزائمها أعنة الذهب- والذى يأكل فى صحاف الذهب على موائد الدرّ، والذى فى خزانته ألف تاج وألف حلّة جوهر لألف ملك من آبائه، والذى يستحيى من الله أن يراه خائنا فى رعيته، إذ خصّه بالأمانة عليهم والرياسة فيهم- إلى عبد الله ذى الشرف والرياسة على أهل مملكته، فى كلام طويل فى آخره- وقد افتتحنا إهداءك «٢» بأن وجّهنا إليك كتابا، ترجمته صفوة الأذهان، وكانت الهديّة جام ياقوت أحمر، فتحه شبر فى غلظ الأصبع مملوءا درا، وزن كل درّة مثقال- والعدد مائة، وفراشا من جلد حيّة بوادى الدهراج تبلغ الفيل، ووشى جلدها دارات سود كالدراهم، فى أوساطها نقط بيض، لا يتخوف من جلس عليه مرض السلّ، وإن كان به سلّ وجلس عليه سبعة أيام برىء، وثلاث مصليات من

стр. 8403

جلد السمندل فراوزها درّ، ومائة مثقال من العود الهندى يختم عليه فيقبل الصورة، وثلاثة آلاف منّ من الكافور المحبّب، كل حبّة أكبر من اللوزة، وجارية طولها سبعة أذرع تسحب شعرها، طول كل شفر من أشفار عينيها أصبع، تبلغ إذا أطرقت نصف خدّها، ناهدا لها ثمان عكن، فى نهاية الحسن والجمال ونقاء البشرة؛ وكان الكتاب من لحاء شجر الكادى، لونه إلى الصفرة والخط باللازورد مفتح بالذهب. فأجابه المأمون من عبد الله الإمام أمير المؤمنين- الذى وهب الله له ولآبائه الشرف بابن عمه النبى المرسل ﷺ وأعلى ذكره، والمصدّق بالكتاب المنزل- إلى ملك الهند وعظيم من تحت يده من أركان المشرق، سلام عليك- وأهدى له هديّة وهى فرس بفارسه، وجميع آلاته عقيق، ومائدة جزع فيها خطوط سود وحمر وخضر على أرض بيضاء، فتحها ثلاثة أشبار وغلظها أصبعان؟؟؟، قوائمها ذهب، وثمانية أصناف من بياض مصر وخز السّوس ووشى اليمن وملحم «١» خراسان، والديباج الخرسوانى، وفرش سوسنجرد، ووشى تستر «٢» ، من كل صنف مائة قطعة، ومائة طنفسه جنوية بوسائدها، وجام زجاج فرعونى فتحه شبر، فى وسطه صورة أسد أمامه رجل قد برك على ركبتيه. وفوّق السهم نحو الأسد فى قوس؛ وكان الكتاب فى طومار ذى وجهين وكان للمأمون من الأولاد: محمد الأكبر وعبد الله ومحمد الأصغر والعباس وعلى والحسن وإسماعيل والفضل وموسى وإبراهيم ويعقوب والحسين وسليمان وجعفر وإسحاق واحمد وعيسى وهارون وعشر بنات نقش خاتمة: سل الله يعطك وزراؤه: ذو الرئاستين الفضل بن سهل ثم أخوه الحسن بن سهل ثم أحمد بن أبى خالد الأحوال ثم أحمد بن يوسف وجماعة، قيل إنه ما استوزر بعد الفضل أحدا، وإنما كانوا كتابا. حجّابه: عبد الحميد بن

стр. 8404

شبث ثم محمد وعلى ابنا صالح مولى المنصور ثم إسماعيل بن محمد بن صالح. قضاته: محمد بن عمر الواقدى ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومى ثم بشر بن الوليد ثم يحيى بن أكثم. الأمراء بمصر: عبّاد بن محمد البلخى ثم المطلب بن عبد الله بن مالك بن الهيثم ثم العباس بن موسى بن عيسى الهاشمى ثم عاد المطلب ثم السّرىّ ثم الحكم مولى بنى ضبّة من أهل بلخ- باجتماع من الجند عليه- ثم سليمان بن غالب ثم السرىّ بعهد من المأمون ثم مات فوليها أبو نصر محمد بن السرىّ ثم مات فوليها أخوه عبيد الله بن السرىّ- بايعه الجند- ثم عبد الله بن طاهر بن الحسين مضافة للشام وغيره، فلما سار إلى العراق استخلف عيسى بن يزيد الجلودى، ثم ابو إسحاق المعتصم مضافة إلى الشام فأقرّ الجلودى، ثم صرفه بعمير بن الوليد التميمى ثم أعاد الجلودى ثم عبدويه «١» بن جبلة ثم عيسى بن منصور، فلما قدم المأمون مصر عزل عيسى وولّى نصر بن عبد الله الصّغدى ويعرف بكيدر. القضاة بها: لهيعة بن عيسى الحضرمى ثم الفضل بن غانم ثم عاد لهيعة ثم إبراهيم بن إسحاق القارى ثم إبراهيم بن الجراح ثم عيسى بن المنكدر ثم عاد إلى بغداد؛ ووصل المأمون إلى مصر وليس بها قاض، فأمر يحيى بن أكثم أن يحكم بين الناس إلى أن سار عنها، وولّى هارون بن عبد الله من ولد عبد الرحمن بن عوف. ذكر خلافة المعتصم بالله هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد وأمه ماردة أم ولد، وهو الثامن من الخلفاء العباسيين، وهو أول من أضاف إلى لقبه اسم الله تعالى من الخلفاء فقيل المعتصم بالله وتداوله من بعده، بويع يوم وفاة المأمون بطرسوس لثمان خلون من شهر رجب أو لاثنتى عشرة بقيت منه سنة ثمانى عشرة ومائتين، ولم يقل ابن الأثير فى تاريخه غيره.

стр. 8405

قال: ولما بويع له شغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه، ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد! قد بايعت عمى فسكتوا، وكان المأمون قد وجّه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ببنائها فى هذه السنة، وجعلها ميلا فى ميل وجعل سورها على مسافة ثلاثة فراسخ «١» ، وجعل لها أربعة أبواب على كل باب حصن، فأول ما بدأ به المعتصم أن أمر بإخراب ما كان قد بنى منها، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التى بها، وأحرق الباقى وانصرف إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون، فقدمها فى مستهلّ شهر رمضان من هذه السنة. وفيها دخل كثير من أهل الجبال وهمذان وأصبهان وماسبذان وغيرها فى دين الخرميّة، وتجمعوا فعسكروا فى عمل همذان، فوجّه إليهم المعتصم العساكر، وكان منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعفد له على الجبال فى شوّال، فسار إليهم فأوقع بهم فى أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفا وهرب الباقون إلى بلد الروم. وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد. ودخلت سنة تسع عشرة ومائتين ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوى فى هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب رضى الله عنه بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، وكان ابتداء أمره أنه كان ملازما لمسجد النبى ﷺ حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد كان مجاورا، فلما رآه أحبه وأعجبته طريقته، فقال له: أنت أحق بالإمامة
следующие страницы →