Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.
стр. 8401
طرسوس وغيرهم- مائة رجل، وأجرى لكل منهم تسعين درهما. وكان مولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومدة خلافته عشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرون يوما، سوى تلك المدة التى كان فيها الاختلاف بينه وبين أخيه الأمين محصور.
ذكر صفته وشىء من أخباره وسيرته
كان المأمون ربعة ابيض طويل اللحية دقيقها قد وخطه الشيب، وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أجنى أعين ضيّق الجبهة بخده خال أسود، وهو أول من اتخذ الأتراك للخدمة وتغالى فى أثمانهم، فكان يشترى الواحد منهم بمائة ألف ومائتى ألف درهم، وكان يحب سماع أخبار الناس، حتى جعل برسم الأخبار ببغداد ألف عجوز وسبعمائة عجوز، وكان كريما وقّع فى يوم واحد بثلاثمائة ألف دينار، وكان يقول: لو علم الناس ما عندى من حلاوة العفو لما تقرّبوا إلىّ إلا بالذنوب. وقال العتبى «١» صاحب إسحاق بن إبراهيم كنت مع المأمون بدمشق، وكان المأمون قد قلّ عنده المال حتى ضاق وشكى ذلك إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنّك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وكان قد حمل إليه من خراج ما يتولاه ثلاثون ألف ألف ألف درهم، فلما ورد عليه المال قال ليحيى بن أكثم: أخرج بنا ننظر إلى هذا المال، فخرجا «٢» ينظرانه وكان قد هيّئ بأحسن هيئة وحلّيت أباعره، فنظر المأمون إليه واستكثره واستبشر به الناس، فقال المأمون: يا أبا محمد- ننصرف بالمال ويرجع أصحابنا خائبين!! إنّ هذا للؤم، ودعا محمد بن يزداد فقال له: وقّع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف ألف- ورجله فى
стр. 8402
الركاب، ثم قال: ادفع الباقى إلى المعلى يعطيه جندنا، قال: فقمت نصب عينه فلما رآنى وقّع لى بخمسين ألفا فقبضتها.
وكان أمر المأمون نافذا من أفريقية المغرب إلى أقصى خراسان وما وراء النهر وولاية السند، وقدم ملك التبت ومعه صنم من ذهب على سرير من ذهب مرصع بالجوهر فأسلم الملك، وأخذ المأمون الصنم وأرسله إلى الكعبة وكتب «١» إليه ملك الهند مع هدية نفيسة أهداها إليه، من دهمى- ملك الهند وعظيم أركان المشرق، وصاحب بيت الذهب وأبواب الياقوت وفرش الدّر- الذى قصره مبنى من العود الذى يختم عليه، فيقبل الصورة قبول الشمع، والذى تؤخذ رائحة قصره من عشرة فراسخ- والذى يسجد أمام البد، الذى وزنه ألف ألف مثقال من ذهب، عليه مائة ألف حجر من الياقوت الأحمر والدرّ الأبيض- الذى يركب فى ألف مركب وألف راية مكللة بالدرّ، تحت كل راية ألف فارس معلّمين بالذهب والحرير- والذى فى مربطه ألف فيل، حزائمها أعنة الذهب- والذى يأكل فى صحاف الذهب على موائد الدرّ، والذى فى خزانته ألف تاج وألف حلّة جوهر لألف ملك من آبائه، والذى يستحيى من الله أن يراه خائنا فى رعيته، إذ خصّه بالأمانة عليهم والرياسة فيهم- إلى عبد الله ذى الشرف والرياسة على أهل مملكته، فى كلام طويل فى آخره- وقد افتتحنا إهداءك «٢» بأن وجّهنا إليك كتابا، ترجمته صفوة الأذهان، وكانت الهديّة جام ياقوت أحمر، فتحه شبر فى غلظ الأصبع مملوءا درا، وزن كل درّة مثقال- والعدد مائة، وفراشا من جلد حيّة بوادى الدهراج تبلغ الفيل، ووشى جلدها دارات سود كالدراهم، فى أوساطها نقط بيض، لا يتخوف من جلس عليه مرض السلّ، وإن كان به سلّ وجلس عليه سبعة أيام برىء، وثلاث مصليات من
стр. 8403
جلد السمندل فراوزها درّ، ومائة مثقال من العود الهندى يختم عليه فيقبل الصورة، وثلاثة آلاف منّ من الكافور المحبّب، كل حبّة أكبر من اللوزة، وجارية طولها سبعة أذرع تسحب شعرها، طول كل شفر من أشفار عينيها أصبع، تبلغ إذا أطرقت نصف خدّها، ناهدا لها ثمان عكن، فى نهاية الحسن والجمال ونقاء البشرة؛ وكان الكتاب من لحاء شجر الكادى، لونه إلى الصفرة والخط باللازورد مفتح بالذهب. فأجابه المأمون من عبد الله الإمام أمير المؤمنين- الذى وهب الله له ولآبائه الشرف بابن عمه النبى المرسل ﷺ وأعلى ذكره، والمصدّق بالكتاب المنزل- إلى ملك الهند وعظيم من تحت يده من أركان المشرق، سلام عليك- وأهدى له هديّة وهى فرس بفارسه، وجميع آلاته عقيق، ومائدة جزع فيها خطوط سود وحمر وخضر على أرض بيضاء، فتحها ثلاثة أشبار وغلظها أصبعان؟؟؟، قوائمها ذهب، وثمانية أصناف من بياض مصر وخز السّوس ووشى اليمن وملحم «١» خراسان، والديباج الخرسوانى، وفرش سوسنجرد، ووشى تستر «٢» ، من كل صنف مائة قطعة، ومائة طنفسه جنوية بوسائدها، وجام زجاج فرعونى فتحه شبر، فى وسطه صورة أسد أمامه رجل قد برك على ركبتيه. وفوّق السهم نحو الأسد فى قوس؛ وكان الكتاب فى طومار ذى وجهين وكان للمأمون من الأولاد: محمد الأكبر وعبد الله ومحمد الأصغر والعباس وعلى والحسن وإسماعيل والفضل وموسى وإبراهيم ويعقوب والحسين وسليمان وجعفر وإسحاق واحمد وعيسى وهارون وعشر بنات نقش خاتمة:
سل الله يعطك وزراؤه: ذو الرئاستين الفضل بن سهل ثم أخوه الحسن بن سهل ثم أحمد بن أبى خالد الأحوال ثم أحمد بن يوسف وجماعة، قيل إنه ما استوزر بعد الفضل أحدا، وإنما كانوا كتابا. حجّابه: عبد الحميد بن
стр. 8404
شبث ثم محمد وعلى ابنا صالح مولى المنصور ثم إسماعيل بن محمد بن صالح. قضاته: محمد بن عمر الواقدى ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومى ثم بشر بن الوليد ثم يحيى بن أكثم. الأمراء بمصر: عبّاد بن محمد البلخى ثم المطلب بن عبد الله بن مالك بن الهيثم ثم العباس بن موسى بن عيسى الهاشمى ثم عاد المطلب ثم السّرىّ ثم الحكم مولى بنى ضبّة من أهل بلخ- باجتماع من الجند عليه- ثم سليمان بن غالب ثم السرىّ بعهد من المأمون ثم مات فوليها أبو نصر محمد بن السرىّ ثم مات فوليها أخوه عبيد الله بن السرىّ- بايعه الجند- ثم عبد الله بن طاهر بن الحسين مضافة للشام وغيره، فلما سار إلى العراق استخلف عيسى بن يزيد الجلودى، ثم ابو إسحاق المعتصم مضافة إلى الشام فأقرّ الجلودى، ثم صرفه بعمير بن الوليد التميمى ثم أعاد الجلودى ثم عبدويه «١» بن جبلة ثم عيسى بن منصور، فلما قدم المأمون مصر عزل عيسى وولّى نصر بن عبد الله الصّغدى ويعرف بكيدر. القضاة بها: لهيعة بن عيسى الحضرمى ثم الفضل بن غانم ثم عاد لهيعة ثم إبراهيم بن إسحاق القارى ثم إبراهيم بن الجراح ثم عيسى بن المنكدر ثم عاد إلى بغداد؛ ووصل المأمون إلى مصر وليس بها قاض، فأمر يحيى بن أكثم أن يحكم بين الناس إلى أن سار عنها، وولّى هارون بن عبد الله من ولد عبد الرحمن بن عوف.
ذكر خلافة المعتصم بالله
هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد وأمه ماردة أم ولد، وهو الثامن من الخلفاء العباسيين، وهو أول من أضاف إلى لقبه اسم الله تعالى من الخلفاء فقيل المعتصم بالله وتداوله من بعده، بويع يوم وفاة المأمون بطرسوس لثمان خلون من شهر رجب أو لاثنتى عشرة بقيت منه سنة ثمانى عشرة ومائتين، ولم يقل ابن الأثير فى تاريخه غيره.
стр. 8405
قال: ولما بويع له شغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه، ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد! قد بايعت عمى فسكتوا، وكان المأمون قد وجّه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ببنائها فى هذه السنة، وجعلها ميلا فى ميل وجعل سورها على مسافة ثلاثة فراسخ «١» ، وجعل لها أربعة أبواب على كل باب حصن، فأول ما بدأ به المعتصم أن أمر بإخراب ما كان قد بنى منها، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التى بها، وأحرق الباقى وانصرف إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون، فقدمها فى مستهلّ شهر رمضان من هذه السنة.
وفيها دخل كثير من أهل الجبال وهمذان وأصبهان وماسبذان وغيرها فى دين الخرميّة، وتجمعوا فعسكروا فى عمل همذان، فوجّه إليهم المعتصم العساكر، وكان منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعفد له على الجبال فى شوّال، فسار إليهم فأوقع بهم فى أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفا وهرب الباقون إلى بلد الروم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة تسع عشرة ومائتين
ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوى
فى هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب رضى الله عنه بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، وكان ابتداء أمره أنه كان ملازما لمسجد النبى ﷺ حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد كان مجاورا، فلما رآه أحبه وأعجبته طريقته، فقال له: أنت أحق بالإمامة
стр. 8406
من كل أحد، وحسّن له ذلك وبايعه، وصار الخراسانى يأتيه بالنفر بعد النفر من حجاج خراسان يبايعونه، فلمّا رضى بكثرة من بايعه من خراسان سارا جميعا إلى الجوزجان، واختفى هناك وجعل أبو محمد يدعو الناس إليه فعظم أصحابه، وحمله أبو محمد على إظهار أمره فأظهره بالطّالقان، وكان بينه وبين قواد عبد الله بن طاهر وقعات، فانهزم هو وأصحابه وخرج هاربا، يريد بعض كور خراسان كان أهلها كاتبوه، فلما صار بنسا وبها والد «١» لبعض من معه، فمضى الرجل الذى معه يسلّم على أبيه فسلّم عليه، فسأله أبوه عن الخبر فأخبره به، فمضى الأب إلى عامل نسا وأخبره بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامل عشرة آلاف درهم، وجاء العامل إلى محمد فأخذه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر، فسيّره إلى المعتصم فوصل إليه فى منتصف شهر ربيع الأول فحبس عند مسرور الكبير، فلما كان ليلة الفطر اشتغل الناس بالعيد، فدلّى إليه حبل من كوّة فخرج منها، فأتوه بالطعام فى يوم الفطر فلم يجدوه، وبذل لمن أتى به مائة ألف درهم فلم يعرف له خبر بعد ذلك.
ذكر محاربة الزّط
فى هذه السنة وجّه المعتصم عجيف بن عنبسة فى جمادى الأولى لحرب الزط، وكانوا قد غلبوا على طريق البصرة، وعاثوا وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة، وأخافوا السبل، فسار عجيف حتى نزل واسط على نهر يقال له بردودا فسدّه وسدّ أنهارا أخر، كانوا يخرجون منها ويدخلون وأخذ عليهم الطرق، ثم حاربهم فقتل فى معركة واحدة ثلاثمائة وأسر خمسمائة، فضرب أعناقهم وبعث الرءوس إلى باب المعتصم، وأقام عجيف بإزائهم خمسة عشر يوما، فظفر منهم بخلق كثير، وكان رئيس الزّط
стр. 8407
يقال له محمد بن عثمان، وصاحب أمره رجل يقال له سملق «١» ، ثم استوطن عجيف وأقام بإزاء الزط ستة أشهر، وقاتلهم فطلبوا الأمان وخرجوا إليه فى ذى الحجة، وكان عدّتهم بالنساء والصبيان سبعة وعشرين ألفا، المقاتلة منهم أثنا عشر ألفا، فجعلهم عجيف فى السفن وعبّأهم على تعبئتهم فى الحرب ومعهم البوقات، فأدخلهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومائتين، فخرج المعتصم إلى الشماسية فى سفينة حتى مرّت به سفن الزط وهم ينفخون فى البوقات، وأقاموا فى سفنهم ثلاثة أيام ثم نقلوا إلى الجانب الشرقى، فسلّموا إلى بشر بن السّميدع فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة، فأغارت الروم عليهم فلم يفلت منهم أحد.
وفى هذه السنة أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلدا شديدا حتى غاب عقله، وتقطع جلده وحبس مقيّدا.
ودخلت سنة عشرين ومائتين
فى هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال، ووجّهه لحرب بابك الخرّمى فسار لذلك، فكان بينهما من الحروب ما نذكره فى سنة اثنتين وعشرين، عند الظفر ببابك ونذكر أخباره هناك إن شاء الله تعالى.
ذكر بناء سامرّا وهى سرّ من رأى
فى هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرّا، وكان سبب ذلك أنه قال:
إنى هاهنا أتخوّف الحربيّة أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلمانى، فأريد أن أكون فوقهم فإن رابنى منهم شىء قاتلتهم فى البر والماء حتى آتى عليهم؛ وقيل كان
стр. 8408
سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك، وكانوا لا يزالون يرون الواحد منهم بعد الواحد قتيلا، وذلك أنّهم كانوا جفاة يركبون الدّواب فيركضونها فى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبى فيأخذهم الأبناء عن دوابّهم فيضربونهم، وربما هلك أحدهم؛ ثم إن المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ، فقال له: يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا- والمعتصم يسمع كلامه، ولم ير راكبا بعدها أبدا بل صلّى العيد وسار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد.
قال: ولما خرج المعتصم من بغداد استخلف بها ابنه الواثق، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسماهم المغاربة، وجمع خلقا من سمرقند وأشرو سنة وفرغانة وسماهم الفراغنة، وكانوا من ثقاته فتركهم بعده بها.
وكان ابتداء العمارة بسامرّا فى سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبنيت فى أسرع مدة وهى على شاطئ دجلة، وقيل إنّه أنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار، وانتقل إليها وجعلها مقر خلافته، وقيل إنّه سماها بهذا الاسم لأنّه لما انتقل إليها بعساكره سرّ كل منهم برؤيتها، فسمّاها سرّ من رأى، ولما خرج المعتصم من بغداد نزل القاطول.
ذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير
كان الفضل من البردان وكان حسن الخط، فاتصل بيحيى الجرمقانى كاتب المعتصم قبل خلافته، فلما هلك الجرمقانى صار الفضل مكانه، وتوجّه مع المعتصم إلى الشام ومصر فحصّل أموالا كثيرة، فلما صار المعتصم خليفة صار له اسمها وللفضل معناها، واستولى على الدواوين كلها وكنز الأموال،
стр. 8409
وكان المعتصم يأمره بإعطاء المغنّى والنديم فلا ينفّذ الفضل ذلك، فثقل على المعتصم، وكان له مضحك اسمه إبراهيم، فأمر له المعتصم بمال فلم يعطه الفضل، فداعب المعتصم يوما إبراهيم فقال له إبراهيم: والله لا أفلحت، فضحك وقال: وهل بقى من الفلاح شىء لم أدركه بعد الخلافة؟ فقال:
أتظن أنك أفلحت؟! لا والله- مالك من الخلافة إلا اسمها، والله ما يجاوز أمرك أذنيك- إنما الخلافة الفضل، فقال: وأى أمر لى لم ينفّذ؟
فقال: أمرت لى من شهرين بكذا وكذا فلم أعط حبّة، فحقدها المعتصم على الفضل ثم نكبه هو وأهل بيته فى صفر من هذه السنة، وصيّر مكانه محمد بن عبد الملك الزيات فصار وزيرا وكاتبا.
وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين
حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى؛ وكان فيها من محاربة بغا الكبير وبابك ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ودخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين
ذكر أخبار بابك الخرّمى وفتح البذ وأسر بابك وقتله
كان ابتداء أمر بابك فى سنة إحدى ومائتين فى خلافة المأمون، وتحرك فى الجاويدانية- أصحاب جاويدان بن سهل صاحب البذ «١» ، وادعى أن روح جاويدان حلّت فيه، وتفسير جاويدان: الدائم الباقى، ومعنى خرّم:
الفرج، والرجل منهم ينكح أمه وأخته وابنته- ولهذا يسمونه دين الفرج،
стр. 8410
ويعتقدون التناسخ وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره، وكان لبابك فى أيام المأمون حروب مع جيوش المأمون، كان الظفر فيها لبابك وأصحابه، وقتل محمد الطوسى عامل المأمون على الموصل، فى سنة أربع عشرة ومائتين فى حرب كانت بينهم ولما حضرت المأمون الوفاة كان من جملة وصيّته للمعتصم غزو الخرّمية كما ذكرنا ذلك، فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم عقد للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال، ووجّهه لحرب بابك فى سنة عشرين ومائتين، وكان قبل ذلك قد وجّه المعتصم- أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبنى الحصون التى خرّبها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل، فتوجّه أبو سعيد لذلك وبنى الحصون، ووجّه بابك سريّة فى بعض غاراته فأغارت ورجعت، فبلغ ذلك أبا سعيد فخرج فى طلب السريّة، فاعترضها فى بعض الطريق فظفر بهم وقتل وأسر منهم، وبعث بالرءوس والأسرى إلى المعتصم، وكانت هذه أول هزيمة على أصحاب بابك، ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمدا كان فى قلعة له حصينة تسمى شاهى من أذربيجان، وله حصن آخر فى أذربيجان يسمى تبريز «١» ، وكان مصالحا لبابك تنزل سراياه عنده فيضيفهم حتى أنسوا به، ثم وجّه بابك قائدا من قوّاده اسمه عصمة فى سرية، فنزل بمحمد بن البعيث فأنزل له الضيافة على عادته، واستدعاه إليه فى خاصته ووجوه أصحابه فصعدوا إليه، فغذاهم وسقاهم الخمر حتى سكروا، ثم وثب على عصمة فاستوثق منه وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمى له رجلا رجلا من أصحابه، فكان يدعو الرجل باسمه فيصعد فيضرب عنقه حتى علموا بذلك، وسيّر عصمة إلى المعتصم، فسأله عن بلاد بابك فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها، ثم حبسه فبقى إلى أيام الواثق؛ ثم سار الأفشين بعد ذلك إلى بلاد بابك، فنزل
стр. 8411
برزند «١» وعسكر بها وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل، ثم سار الأفشين والتقى ببابك واقتتلوا قتالا شديدا، وكانت وقعة عظيمة فى سنة عشرين ومائتين، قتل فيها كثير من أصحاب بابك الذين كانوا معه، وأفلت هو فى نفر يسير، واستمرت الحرب بينه وبين بابك المرة بعد المرة إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ففتح الأفشين البذّ- مدينة بابك- وأسر بابك، وخرّب المسلمون المدينة واستباحوها وذلك لعشر بقين من شهر رمضان فى هذه السنة، وكانت حروب يطول شرحها انجلت «٢» عن ظفر المسلمين.
قال: وكان الأفشين قد قصّر فى الحصار، فرأى رجل من أصحابه فى منامه رسول الله ﷺ وهو يقول له: قل للأفشين- إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت فى أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة، وشاعت هذه الرؤيا فثار المتطوّعة وصمّموا على الحصار، وحاصروا وكانت حروب عظيمة انجلت «٣» عن الفتح فى التاريخ المذكور، وهرب بابك ثم أحضر هو وأخوه عبد الله لعشر خلون من شوال، وكان وصولهما إلى المعتصم بسامرّا فى صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ولما وصل إلى سامرّا أمر المعتصم أن يركب فيلا والناس ينظرونه، وأدخل دار المعتصم فأمر بإحضار سيّاف بابك، وأمره أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط.
ثم أمر به فذبح وشقّ بطنه، وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرّا.
وأمر بحملّ أخيه عبد الله إلى بغداد، وأن يفعل به كما فعل ببابك، ففعل به ذلك وصلب فى الجانب الشرقى بين الجسرين. وكان من قتله بابك فى عشرين سنة مائتى ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان؛ هذا ما كان أمره على سبيل الاختصار.
стр. 8412
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين
ذكر قدوم الأفشين إلى سامرّا وما عامله به المعتصم
فى هذه السنة قدم الأفشين ببابك إلى سامرّا، فكان من أمر بابك وأخيه ما ذكرناه، وأما الأفشين فإن المعتصم كان يوجّه إليه فى كل يوم من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرّا خلعة وفرسا، فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم وأهل بيته، فلما وصل إليه توجّه المعتصم وألبسه وشاحين، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف درهم ففرقها فى عسكره «١» ، وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه.
قال: وكان الذى أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك- سوى الأرزاق والأنزال والمعاون «٢» فى كل يوم يركب فيه- عشرة آلاف «٣» ، وفى غيره خمسة آلاف. قال: وأسر مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة نفر، واستنقذ ممن فى يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة، وصار فى يد الأفشين من بنى بابك سبعة عشر رجلا ومن البنات والكنات «٤» ثلاث وعشرون امرأة.
ذكر خروج الروم إلى زبطرة
فى هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل- ملك الروم- إلى بلاد الإسلام، وأوقع بأهل زبطرة وغيرها، وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيّق
стр. 8413
عليه الأفشين كتب إلى ملك الروم، يعلمه أن المعتصم قد وجّه عساكره إليه، وجمع مقاتلته حتى وجّه خيّاطه وطبّاخه يعنى جعفر بن دينار الخياط ويعنى بالطباخ إيتاخ، ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فليس فى وجهك أحد يمنع، فخرج توفيل فى مائة ألف- وقيل أكثر من ذلك، فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون الإسلام، وسبى المسلمات ومثّل بمن صار فى يده من المسلمين، وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج أهل الثغور من الشام والجزيرة إلا من لم يكن له دابّة ولا سلاح
ذكر فتح عمّوريّة
قال: لما فعل توفيل ما فعل واتصل الخبر بالمعتصم كبر لديه واستعظمه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهى فى أيدى الروم- وامعتصماه!! فأجابها- وهو على سريره- لبّيك لبّيك، ونهض من ساعته وصاح فى قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته وسمّط خلفه شكالا وسكة حديد وحقيبة فيها زاده، ولم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر، ثم جلس فى دار العامّة وأحضر قاضيى بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب «١» بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده وثلثا لله تعالى وثلثا لمواليه، ثم سار فعسكر بغربى دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجّه عجيف بن عنبسة وعمرو «٢» الفرغانى وجماعة من القواد إلى
стр. 8414
زبطرة معونة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد أن فعل ما ذكرناه، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم «١» واطمأنوا، ثم سار المعتصم وسأل: أى بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهى عين النصرانية وأشرف عندهم من قسطنطينية، فسار المعتصم من سامرّا- وقيل كان مسيره فى سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين ومائتين وتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله قط من سلاح وآلات وعدد وغير ذلك، وبث سراياه فيها وجيوشه- يغير ويقتل ويأسر ويغنم، ثم نزل بعمورية لست خلون من شهر رمضان وحاصرها ونصب عليها المجانيق، ووالى الزحف والقتال ودام عليها خمسة وخمسين يوما وكان بطارقة الروم قد اقتسموا «٢» الأبراج، وكان وندوا موكل ببعضها ومعناه بالعربية «٣» ثور، فقاتل قتالا شديدا وكثرت الجراحات فى أصحابه، فمشى إلى الروم وقال: إن الحرب علىّ وعلى أصحابى، ولم يبق معى أحد إلا جرح، فإما أن تمدونى وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه، وكان المسلمون قد هدموا ثلمة من السور مما يلى جهة وندوا، فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم، يسألونه الأمان على الذريّة ويسلّمون إليه الحصن بما فيه، فلما أصبح أوقف أصحابه بجانبى الثلمة وأمرهم ألا يحاربوا، فخرج إلى المعتصم فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن القتال، ووصل المسلمون الى الثلمة ووندوا بين يدى المعتصم، والناس يتقدمون حتى دخلوا المدينة، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته، فقال له المعتصم: مالك؟! قال: جئت أسمع كلامك فغدرت بى، فقال له المعتصم: كل شىء تريده فهو لك. قال: ولما دخل المسلمون المدينة صارت
стр. 8415
طائفة من الروم إلى كنيسة كبيرة، فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا بأجمعهم، وجاء ناطس «١» - وهو من البطارقة- فوقف بين يدى المعتصم، فضربه المعتصم سوطا وأخذ الروم السيف، وأقبل الناس بالأسرى والسبى من كل وجه، وكثرت الغنائم حتى كان ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، ولا ينادى على الشىء أكثر من ثلاثة أصوات طلبا للسرعة، وأمر المعتصم بعمورية فهدمت وأحرقت، وفرق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس
ذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر بلعنه ووفاته
وفى هذه السنة حبس المعتصم- العبّاس بن المأمون وأمر بلعنه، وسبب ذلك أن عجيف بن عنبسة اجتمع به ووبّخه، كونه بايع المعتصم وكونه لم يطلب الأمر لنفسه، وحثّه على طلب الأمر لنفسه. فقبل العباس قوله وأخذ يدبّر فى قتل المعتصم، وشرع فى طلب البيعة ووافقه جماعة من القواد، فنمى الخبر إلى المعتصم فأحضر العباس وسقاه حتى سكر ولطف به واستعلم الخبر منه فذكر له الحال على غرة، فقيّده وسلمه للأفشين فحبسه، فلما نزل منبج طلب العباس الطعام فقدم إليه طعام كثير. فأكل ومنع الماء وأدرج فى مسح، فمات بمنبج وصلّى عليه بعض إخوته، وتتبع المعتصم من كان قد وافقه على ذلك من القواد، فمنهم من فعل به مثل ذلك ومنهم من دفنه حيا، وعاد المعتصم إلى سامرا وأمسك أولاد المأمون فحبسهم فى داره حتى ماتوا.
стр. 8416
ودخلت سنة أربع وعشرين ومائتين
ذكر مخالفة مازيار بطبرستان وأسره
فى هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن ونداهرمز «١» الخلاف على المعتصم، وعصى وقاتل عساكره، وسبب ذلك أنّه كان منافرا لعبد الله بن طاهر لا يحمل إليه خراجه، فكاتبه المعتصم فى ذلك فقال: لا أحمله إلا إليك، وكان المعتصم يأمر بأخذه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه لوكيل عبد الله بن طاهر، فلما ظفر الأفشين ببابك وعظم محله طمع فى ولاية خراسان، فراسل الأفشين مازيار فى الخلاف والخروج، على أنّه إذا خرج احتاج المعتصم إلى إرسال الأفشين لحربه، فينتقل من ذلك إلى ولاية خراسان، فخالف مازيار فكتب المعتصم لعبد الله بن طاهر بحربه، فأرسل ابن طاهر عمّه الحسن بن الحسين فى جيش كثيف لحفظ جرجان، فنزل مقابل سرخاستان، وقد بنى سرخاستان سورا على طميس وجعل له خندقا، ومقدار السور ثلاثة أميال ليمنع من الدخول إلى طبرستان، وكانت الأكاسرة تبنيه لتمنع الترك من الدخول إليها، ووجّه حيّان بن جبلة فى أربعة آلاف إلى قومس، فعسكر على حدّ جبال شروين، ووجّه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب ومعه الحسن بن قارن الطبرى، ووجه منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الرى ليدخل طبرستان من ناحية الرى، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب وكان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع أصحاب الحسن بن الحسين على غفلة من الحسن- ونظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا- وبلغ الحسن الخبر فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم خوفا عليهم فلم يقفوا- ونصبوا علمه على معسكر
стр. 8417
سرخاستان وهو فى الحمام- فهرب فى غلالة، ودخل أصحاب الحسن السور وهو يقول: اللهم إنهم عصونى وأطاعوك فانصرهم، واستولوا على عسكر سرخاستان وأسر أخوه شهريار فقتله الحسن، وسار سرخاستان حتى أجهده العطش، فنزل عن دابته وشدها، فضربه غلام له اسمه جعفر وجماعة من أصحابه، فسألهم الماء فأمسكوه وقالوا: نتقرب به إلى السلطان، فرجعوا به نحو العسكر فلقيتهم خيل الحسن بن الحسين فأخذوه منهم، وأتوا به الحسن فقتله ووجه برأسه إلى عبد الله بن طاهر.
وأما حيان بن جبلة- مولى ابن طاهر- فإنه كاتب قارن بن شهريار- وهو ابن أخى مازيار، ورغّبه فى الملك وضمنه له، وكان قارن من قواد مازيار وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن قارن ومعه عدة من القواد فضمن له قارن عند ذلك أن تسلم إليه الجبال ومدينة سارية وات؟؟؟ قارن طعاما ودعا عمّه عبد الله والقواد فأتوه، ووضعوا سلاحهم فأحدق بهم أصحابه وقبضوا عليهم ووجّه بهم إلى حيّان فاستوثق منهم، وركب فى أصحابه ودخل جبال قارن، وبلغ الخبر مازيار فاغتّم له، قال: ولما بلغ الخبر أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبال شروين وثبوا على عامل مازيار بها فهرب منهم، وأتى حيان المدينة، وبلغ قوهيار أخو مازيار الخبر، فأرسل إلى حيان يطلب منه الأمان، وأن يملك على جبال أبيه وجدّه ويسلم إليه مازيار، ثم مات حيان قبل الاتفاق فوجّه عبد الله مكانه عمه محمد بن الحسين، ثم صار الحسن بن الحسين إلى خرّماباذ، فأتته رسل قوهيار ثم جاءه بنفسه فأكرمه وأجابه إلى جميع ما طلب، وتواعدوا يوما فحضر مازيار عنده، ورجع قوهيار إلى أخيه مازيار فأعلمه أنه أخذ له الأمان واستوثق له، فركب الحسن يوم الميعاد ومعه ثلاثة غلمان أتراك- وإبراهيم بن مهران يدلّه على الطريق، حتى أتيا هرمز أباذ فأتاه المازيار مع القوهيار، فأخذه ووجّهه إلى سارية، وسار الحسن إلى هرمز أباذ فأحرق قصر المازيار وانتهب ماله، وسار
стр. 8418
إلى خرّماباذ فأخذ إخوة المازيار وحبسهم، وسار إلى مدينة سارية فأقام بها، وأمره عبد الله بن طاهر بإرسال المازيار إلى المعتصم وأهله معه، وأن يسلمه إلى محمد بن إبراهيم ليسير به ففعل ذلك، وأمره أن يستصفى «١» أمواله ويحرزها، فأحضره وسأله عن أمواله فذكر أنها عند خزّانه فضمن القوهيار ذلك، وقال المازيار: اشهدوا على أن جميع ما أخذت من أموالى ستة وتسعون ألف «٢» دينار وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، وتاج وسيف مجوهر «٣» ، وخنجر»
من ذهب مكلّل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهرا- قيمته ثمانية عشر ألف ألف درهم، وقد سلّمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على عسكره، وكان المازيار قد أخذ هذا ليوصله إلى الحسن ابن الحسين ليظهر للناس أنه أمنه على نفسه وماله وولده، وأنه جعل له جبال أبيه فامتنع الحسن من قبوله- وكان من أعف الناس، ثم أمر الحسن قوهيار أن يتوجه لحمل مال المازيار، وأعطاه من البغال «٥» ما يحملها عليها، وأراد أن ينفذ معه جيشا فقال: لا حاجة لى بهم، وسار فى غلمانه ففتح الخزائن وأخذ الأموال، فلما عبّأها وثب عليه مماليك المازيار- وكانوا ديالم «٦» ، فقالوا: إنك غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله!! وكانوا ألفا ومائتين فأخذوه وقيّدوه، فلما جنّهم الليل قتلوه وانتهبوا المال؛ وانتهى الخبر إلى الحسن فوجّه جيشا ووجّه قارن جيشا، وبلغ محمد بن إبراهيم الخبر فأرسل فى أثرهم فأخذوا، وبعثهم إلى مدينة سارية
стр. 8419
قال: وقد قيل إن سبب أسر المازيار أنه كان له ابن عم اسمه قوهيار، كان له جبال طبرستان وللمازيار السهل، فألزمه مازيار بابه وولّى الجبال غيره، فلما خالف مازيار دعا قوهيار ابن عمه- وقيل كان أخاه، وقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين وكتبه، وأمره بالعود إلى جبله وحفظه، وأمر الذى ولّاه بعده على الجبل واسمه درّى وأمره بالانضمام إليه بالعساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، وبقى المازيار فى مدينته فى نفريسير، فدعا قوهيار الحقد الذى فى قلبه أن كاتب الحسن وكاتبه الحسن، وضمن له ما يريد وأن يعيد إليه جبله وما كان فى يده لا ينازع فيه، فرضى بذلك ووعده بتسليم الجبل، فلما جاء الميعاد تقدّم الحسن فحارب درّى، وكان درى قد انفرد بالمواضع المخوفة، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشا كثيفا فوافوا قوهيار، فسلّم إليهم الجبل فدخلوه، ودرّى يحارب الحسن ومازيار فى قصره، فلم يشعر إلا والخيل على باب قصره فأخذوه أسيرا، وقيل أخذ وهو يتصيد، وقصدوا به نحو درى وهو يقاتل، فلم يشعر هو وأصحابه إلا والخيل من ورائهم ومعهم مازيار، فانهزم درّى فأدركوه وقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الله بن طاهر، وحملوا المازيار فأوعده «١» عبد الله- إن هو أظهره على كتب الأفشين- أن يسأل فيه المعتصم ليصفح عنه، فأقرّ المازيار بذلك وأحضر الكتب إليه فسيّرها إلى المعتصم، فلما توجه مازيار إلى المعتصم سأله عن الكتب فأنكرها، فضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك، وقيل إنه اعترف للمعتصم بالكتب والله أعلم، وكان قتله فى سنة خمس وعشرين.
ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشين والظفر به
قال: وكان الأفشين قد استعمل منكجور- وهو من أقاربه- على أذربيجان، فوجد فى بعض قرى بابك مالا عظيما فأخذه، ولم يطالع به
стр. 8420
المعتصم ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد بذلك إلى المعتصم، فطولب بالمال فأنكره وكذّب صاحب البريد وهّم بقتله، فمنعه أهل أردبيل منه فقاتلهم منكجور، فأمر المعتصم الأفشين بعزله فعزله، ووجه قائدا من القوّاد إليه فخلع منكجور يده من الطاعة، وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل، والتجأ إلى حصن من حصون بابك الذى كان قد خرّبها بابك فعمره وأقام به، فبقى شهرا ثم وثب عليه أصحابه فسلّموه للقائد، فقدم به إلى سامرّا فى سنة خمس وعشرين. وقيل إن القائد كان بغا الكبير وأن منكجور خرج إليه بأمان، واتهم الأفشين بمباطنته.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود «١»
ودخلت سنة خمس وعشرين ومائتين
ذكر القبض على الأفشين وحبسه ووفاته وصلبه
فى هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه، وذلك لما ظهر عنه من مباطنة المازيار وغيره، فأحضره وقوبل على ذلك وحوقق على ما كان قد قصده من الخلاف، وحبس إلى أن مات فى سنة ست وعشرين ومائتين، وقيل منع عنه الطعام حتى مات، ولما مات أمر المعتصم بإخراجه وصلبه على باب العامة، ووجد بقلفته، ثم ألقى وأحرق وأخذ ماله، ووجد فى داره أصناما وكتابا من كتب المجوس، ورتب المعتصم بعده على الحرس إسحاق بن يحيى بن معاذ. وفيها استعمل إيتاخ على اليمن وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود «٢»
ودخلت سنة ست وعشرين ومائتين
فى هذه السنة حج بالناس محمد بن داود بأمر إشناس، وكان إشناس
стр. 8421
حاجا وقد جعل إليه ولاية كل بلد يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرها من البلاد التى اجتاز بها إلى مدينة سامرّا.
ودخلت سنة سبع وعشرين ومائتين
ذكر خروج المبرقع بفلسطين
وفى هذه السنة خرج أبو حرب اليمانى المبرقع بفلسطين على المعتصم، وكان سبب خروجه أنّ بعض الجند أراد النزول فى داره وهو غائب، فمنعه بعض نسائه فضربها الجندى بسوط فأصاب ذراعها، فلما رجع أبو حرب إلى داره اشتكت إليه ما فعل بها الجندى، فقتله أبو حرب وهرب وتبرقع، وقصد بعض جبال الأردن فأقام به؛ وكان يظهر بالنهار متبرقعا فإذا جاءه أحد أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، ويذكر الخليفة ويعيبه فاستجاب إليه قوم من فلاحى تلك الناحية، وكان يزعم أنّه أموىّ فقال أصحابه هذا السفيانى، فلما كثر أتباعه من هذه الطبقة، دعا أهل البيوتات فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابن بيهس- كان مطاعا فى أهل اليمن، ورجلان من أهل دمشق، فاتصل خبره بالمعتصم فى مرضه الذى مات فيه، فسيّر لحربه رجاء بن أيوب الحضارى فى زهاء ألف رجل من الجند فرآه فى عالم كثير يبلغون مائة ألف رجل، فكره رجاء مواقعته وعسكر فى مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرضين فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم، وبقى فى زهاء ألف أو ألفين، وتوفى المعتصم وولى الواثق وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره فأمر الواثق رجاء بقتال من أثار الفتنة، والعود إلى المبرقع ففعل ذلك، وعاد والتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى فى عسكره رجلا له شجاعة غيره، وأنه سيظهر لأصحابه بعض ما عنده، فإذا حمل فأفرجوا له، فما لبث أن حمل المبرقع
стр. 8422
فأفرجوا له فجاوزهم «١» ورجع إلى أصحابه، ثم حمل الثانية فلما أراد الرجوع أحاطوا به وأخذوه أسيرا. وقيل إنّ خروجه كان فى سنة ست وعشرين بنواحى الرملة، وصار فى خمسين ألفا، فوجّه المعتصم إليه رجاء الحضارى فقاتله وأخذ ابن بيهس أسيرا، وقتل من أصحاب المبرقع نحوا من عشرين ألفا، وأسر المبرقع فيمن أسر، وحمل إلى سامرا والله تعالى أعلم
ذكر وفاة أبى إسحاق المعتصم وشىء من أخباره
كانت وفاته فى يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان بدء علّته أنّه احتجم فى أول يوم من المحرم فاعتل ومات، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها، مربوعا مشرب اللون بحمرة حسن العينين وكان شديد القوة، قيل إنه كان يرفع بيده ألف رطل ويمشى بها خطوات، وكان من أشجع الناس، وقيل إنه كان أميّا لا يكتب، ومن العجب أن الرشيد أخرجه من الخلافة وعهد إلى الأمين والمأمون والمؤتمن، فساق الله الخلافة إليه، وجعل الخلافة فى ولده ولم يكن من نسل أولئك خليفة، والمعتصم هو المثمن من اثنى عشر وجها: هو الثامن من ولد العباس، الثامن من الخلفاء منهم، وولى سنة ثمانى عشرة ومائتين، وكانت خلافته ثمانى سنين، وثمانية أشهر، ومات وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وولد فى شعبان وهو الشهر الثامن من الشهور، وخلف ثمانية ذكور:
منهم هارون الواثق وجعفر المتوكل ومحمد المستعين، وثمانى بنات، وغزا ثمانى غزوات، وخلف ثمانية آلاف ألف دينار ومثلها من الدراهم.
قال بعض المؤرخين: كان له من المماليك سبعون ألفا سوى الأحرار.
وكان نقش خاتمه: الله ثقة أبى إسحاق بن الرشيد وبه يؤمن؛ وزراؤه.
стр. 8423
الفضل بن مروان بن أحمد بن «١» عمارة إلى أن نكبه كما ذكرنا، ثم محمد بن عبد الملك الزيات، وهو الذى رثاه بقوله:
قد قلت إذ غيّبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم المعين «٢» كنت على ... الدنيا ونعم الظهير «٣» للدين
لن «٤» يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
حجابه: وصيف مولاه ثم محمد بن حماد. قضاته: شعيب بن سهل ثم محمد بن سماعة ثم عبد الله بن غالب، وقيل إنّ أحمد بن أبى دؤاد الإيادى كان قاضى القضاة، وأن جعفر بن عيسى من ولد الحسن البصرى كان من قضاته، الأمراء بمصر: كيدر ثم ولده المظفر، ثم ردّت مصر إلى اشناس فاستخلف عليها موسى بن «٥» ثابت الحنفى من أهل الشاش، ثم مالك بن كيدر ثم على بن يحيى الأرمنى. القضاة بها: هارون الزهرى ثم محمد بن أبى الليث الخوارزمى.
قال: ومن أخبار المعتصم الدالة على كرمه ومكارم أخلاقه أنه بينما هو يسير وحده- وقد انفرد عن أصحابه- إذ مرّ بشيخ معه حمار عليه شوك.
وقد زلق الحمار من المطر وسقط حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره أنه ينتظر من يعينه على رفع الشوك على ظهر الحمار، فنزل المعتصم عن دابته وخلص الحمار من الوحل، ورفع عليه الحمل- والشيخ يقول: بأبى أنت وأمى- لا تهلك ثيابك، فيقول: لا عليك ثم غسل يديه وركب، فقال له الشيخ: غفر الله لك يا شاب، ثم لحقه أصحابه فأمر للشيخ بأربعة آلاف
стр. 8424
درهم، ووكل به من يوصله إلى بيته؛ وقال ابن أبى دؤاد: تصدق المعتصم ووهب على يدى مائة ألف ألف درهم، هذا على يد رجل واحد فما ظنّك بغيره!! قال بعض المؤرخين: إنه لما فتح عموريه امتدحه أبو تمام حبيب ابن أوس الطائى بقصيدته التى أولها:
السيف أصدق إنباء من الكتب فأعطاه عن كل بيت بها ألف درهم، وقيل إنّه أقطعه مدينة الموصل رحمه الله تعالى.
ذكر خلافة الواثق بالله
هو أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، وهو التاسع من الخلفاء العباسيين، بويع له فى يوم وفاة أبيه لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائتين
ذكر الفتنة بدمشق
قال: لما توفى المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوا وأفسدوا وحصروا أميرهم، فبعث الواثق إلى رجاء بن أيوب الحضارى، وكان قد توجّه لحرب المبرقع بفلسطين كما قدمناه، فرجع إليهم فنزل بدير مرّان، وكانوا معسكرين بمرج راهط فدعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوا وتوعدوا الحرب بدومة يوم الإثنين، فلما كان يوم الأحد تفّرقت القيسيّة، وسار رجاء إلى دومة الجندل وبعضهم فى حوائجه، فقاتلهم فهزمهم وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وقتل من أصحابه ثلاثمائة، وهرب مقدّمهم وهو ابن بيهس، وصلح أمر دمشق وعاد رجاء إلى حرب المبرقع فأسره كما ذكرناه.
وحج بالناس فى هذه السنة جعفر بن المعتصم.
стр. 8425
ودخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين
فى هذه السنة أعطى الواثق لإشناس تاجا ووشاحين. وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود، وغلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهما، وأصاب الناس فى الموقف حرّ شديد، ثم أصابهم مطرفيه برد، فاشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر الشديد، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحجاج.
ودخلت سنة تسع وعشرين ومائتين
فى هذه السنة حبس الواثق الكتاب وألزمهم أموالا عظيمة، فأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومق سليمان بن وهب- كاتب إيتاخ- أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن إبراهيم بن رباح «١» وكتابه مائة ألف دينار «٢» ، ومن أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار ومن أبى الوزير «٣» مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار. وكان سبب ذلك أنه ذكر عنده نكبة البرامكة، وما حصّل الرشيد من أموالهم، فنكبهم بعد جمعة وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود
ودخلت سنة ثلاثين ومائتين
ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة وما كان من أمرهم
فى هذه السنة وجّه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب، الذين أغاروا بنواحى المدينة، وكان سبب ذلك أن بنى سليم كانت تفسد جول المدينة، ثم
стр. 8426
قويت شوكتهم واغتصبوا أموال الناس، وأوقعوا بقوم «١» من كنانة وباهلة وقتلوا بعضهم فى جمادى الآخرة من هذه السنة، فوجّه إليهم محمد بن صالح- عامل المدينة- حماد بن جرير الطبرى فى جيش فقاتلوه، واشتد القتال فقتل حمّاد وعامّة أصحابه، وأخذ بنو سليم الكراع والسلاح والثياب، فزاد طمعهم ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة، فوجه إليهم الواثق بغا الكبير فى جمع من الجند، فقدم المدينة فى شعبان فلقيهم ببعض مياه الحرّة- من وراء السّوارقيّة وهى قريتهم، التى يأوون إليها وبها حصون، فقتل بغا منهم نحوا من خمسين رجلا، وأسر مثلهم وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسوارقيّة ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين فنزل عنده من يعرف منهم بالفساد وهم زهاء ألف رجل، وخلّى سبيل الباقين وعاد بالأسرى إلى المدينة فى ذى القعدة، فحبسهم بها ثم سار إلى مكة، فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق، وعرض على بنى هلال مثل الذى عرض على بنى سليم فقبلوه، فأخذ من مفسديهم نحو ثلاثمائة رجل إلى المدينة فحبسهم، ثم سار إلى بنى مرّة فنقب الأعراب السجن ليخرجوا، فرأت امرأة النقب فصاحت يا أهل المدينة! فجاءوا فوجدوهم قد قتلوا الموكلين وأخذوا سلاحهم، فاجتمع أهل المدينة وقاتلوهم، فقتل سودان المدينة كل من وجدوه منهم، وكان مقتلهم فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وفيها- أعنى سنة ثلاثين ومائتين- مات عبد الله بن طاهر بنيسابور، وهو أمير خراسان والسواد والرى وطبرستان وكرمان وما يتصل بها، وكان خراج هذه الأعمال يوم وفاته ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فاستعمل الواثق على أعماله كلها ولده طاهر بن عبد الله بن طاهر. مات أشناس التركى بعد موت ابن طاهر بسبعة أيام
стр. 8427
ودخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين
ذكر خبر أحمد بن نصر «١» بن مالك الخزاعى وما كان من أمره
فى هذه السنة تحرّك ببغداد قوم مع أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعى، وجده مالك أحد نقباء بنى العباس، وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين وابن الدورقى وأبى زهير، وكان يخالف من يقول بخلق القرآن ويطلق لسانه فيه، مع غلظة الواثق، وكان يقول إذا ذكر الواثق: فعل هذا الخنزير، وقال: هذا الكافر، وفشا ذلك، وكان يغشاه رجل يعرف بأبى هارون السراج وآخر يقال له طالب وغيرهما، فدعوا الناس إليه فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفرّق أبو هارون وطالب فى الناس مالا، فأعطيا كل رجل دينارا، واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلون من شعبان، ليضربوا بالطبل ويثوروا «٢» على السلطان، وكان أحدهما فى الجانب الشرقى من بغداد والآخر بالغربى، فاتفق أن رجلين ممّن بايعهم من بنى الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة، فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد، فسمع صاحب الشرطة الطبل فسأل عن الخبر، فدل على رجل يكون فى الحمّام مصاب العين يعرف بعيسى الأعور، فأخذه وقرّره فقرّ على بنى الأشرس وأحمد بن نصر وغيرهم، فأخذ بعض من سمّى وفيهم طالب وأبو هارون، ورأى فى منزل بنى الأشرس علمين أخضرين، ثم أخذ خادما لأحمد بن نصر فقرّره فأقرّ بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد فأخذه وهو فى الحمام، وفتش بيته فلم يجد فيه سلاحا ولا شيئا من الآلات، فسيّرهم إلى الواثق مقيدين على بغال بأكف بغير وطاء «٣» إلى سامرّا، فجلس الواثق
стр. 8428
مجلسا عامّا فيه أحمد بن أبى دؤاد، فلما حضر أحمد بن نصر عند الواثق لم يذكر له شيئا من فعله والخروج عليه، بل قال له: ما تقول فى القرآن؟
قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله، قال: فما تقول فى ربك- أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين- جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال (ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر- لا تضامون فى رؤيته) ، وحدثنى سفيان بحديث رفعه (أنّ قلب ابن آدم [المؤمن «١» ] بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه) ، وكان النبى ﷺ يدعو: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبى على دينك، فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟! فقال عبد الرحمن بن إسحاق: هو حلال الدم، وقال بعض أصحاب ابن أبى دؤاد: اسقنى دمه، وقال ابن أبى دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل، وكان كارها لقتله، فقال الواثق: إذا رأيتمونى قد قمت إليه فلا يقومنّ أحد، فإنى احتسب خطاى إليه، ودعا بالصّمصامة ومشى إليه وهو فى وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه ثم ضربه على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقى عنقه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة فى بطنه، وصلب عند بابك وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بها، وكتب فى أذنه رقعة: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر، وتتبع أصحابه فجعلوا فى الحبوس هذا ما حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل.
وقد حكى الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت «٢» خبر مقتله، فذكر ما تقدّم وذكر زيادات أخرى بأسانيد رفعها، قد رأينا أن نثبت منها طرفا، فقال بسند رفعه إلى محمد بن يحيى الصولى: إنّه لما حمل أحمد بن
стр. 8429
نصر وأصحابه إلى الواثق بسرّ من رأى جلس لهم الواثق، وقال لأحمد بن نصر: دع ما أخذت له- قال: ما تقول فى القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله، قال: أفترى ربك فى يوم القيامة؟
قال: كذا جاءت الرواية، قال: ويحك!! كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر!! أنا أكفر برب هذه صفته، ما تقولون فيه؟ فذكر من كلام عبد الرحمن بن إسحاق ما تقدم، وقال جماعة من الفقهاء كما قال، فأظهر ابن أبى دؤاد أنّه كاره لقتله فقال للواثق: يا أمير المؤمنين- شيخ مختلّ لعله به عاهة أو تغير عقل، يؤخر أمره ويستتاب، فقال الواثق: ما أراه إلا مؤديا لكفره، قائما بما يعتقد منه، وذكر من قيام الواثق إليه نحو ما تقدّم، إلا أنّه قال إن الواثق ضرّب عنقه.
ثم قال بسند آخر رفعه إلى جعفر بن محمد الصائغ «١» أنه قال: بصر عيناى- وإلا فعميتا- وسمع أذناى- وإلا فصمتّا- أحمد بن نصر الخزاعى حيث ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله.
وقال بسند آخر إلى العباس بن سعيد «٢» : نسخة الرقعة المعلقة فى أذن أحمد بن نصر- بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون- وهو الواثق بالله أمير المؤمنين- إلى القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فأبى إلا المعاندة، فجعله الله إلى ناره.
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات «٣» قال: ولما جلس المتوكل دخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكى فقال: يا أمير المؤمنين- ما رئى أعجب من أمر الواثق قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن، قال:
فوجد المتوكل من ذلك وساءه ما سمعه فى أخيه، إذ دخل عليه محمد بن عبد
стр. 8430
الملك الزيات، فقال له: يا ابن عبد الملك- فى قلبى من قتل أحمد بن نصر، فقال له: يا أمير المؤمنين- أحرقنى الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا، ودخل عليه هرثمة فقال: يا هرثمة- فى قلبى من قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين- قطعنى الله إربا إربا إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا، قال: ودخل عليه أحمد بن أبى دؤاد، فقال:
يا أحمد- فى قلبى من قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين- ضربنى الله بالفالج إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا، قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار، وأما هرثمة فإنّه هرب وتبّدى، واجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل فى الحىّ فقال: يا معشر خزاعة- هذا الذى قتل ابن عمكم أحمد بن نصر، فقطعوه إربا إربا، وأما ابن أبى دؤاد فقد سجنه الله فى جلده.
وقال أحمد بن كامل القاضى «١» عن أبيه أنه وكل برأس أحمد بن نصر من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر ببغداد، وأن الموكل به ذكر أنه يراه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه، فيقرأ سورة يس بلسان طلق، وأنّه لما أخبر بذلك طلب فخاف على نفسه فهرب. وقال بسند آخر إلى إبراهيم بن إسماعيل بن خلف «٢» : كان أحمد بن نصر خلّى، فلما قتل فى المحنة وصلب رأسه أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفا عليه، وكان عنده رجّالة وفرسان يحفظونه، فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ «٣»
فاقشعر جلدى، ثم رأيته بعد ذلك فى المنام وعليه السندس والاستبرق وعلى
стр. 8431
رأسه تاج، فقلت: ما فعل الله بك يا أخى؟ قال: غفر لى وأدخلنى الجنّة، إلا أنى كنت مغموما ثلاثة أيام، قلت: ولم؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ مرّ بى فلما بلغ خشبتى حوّل وجهه عنى، فقلت له بعد ذلك: يا رسول الله- قتلت على الحق أو على الباطل؟ فقال: أنت على الحق ولكن قتلك رجل من أهل بيتى، فإذا بلغت إليك أستحيى منك.
وقال بسند إلى أبى جعفر الأنصارى «١» : سمعت. محمد بن عبيد- وكان من خيار الناس- يقول: رأيت أحمد بن نصر فى منامى فقلت يا أبا عبد الله ما صنع بك ربك؟ قال: غضبت له فأباحنى النظر إلى وجهه تعالى.
قال: وكان مقتله يوم السبت غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وأنزل رأسه يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وثلاثين ومائتين، وجمع رأسه وبدنه ودفن بالجانب الشرقى فى المقبرة المعروفة بالمالكية
ذكر الفداء بين المسلمين والروم
فى هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فاجتمع المسلمون على نهر اللّامس على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من ببغداد وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سلّم «٢» بن قتيبة الباهلى على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هو وخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق وأنّ الله لا يرى فى الآخرة- فودى به وأعطى دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك فى أيدى الروم، فلما كان فى عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على نهر، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان
стр. 8432
المسلمون يطلقون أسيرا فيطلق الروم أسيرا ويلتقيان فى وسط النهر، ويأتى هذا لأصحابه وهذا لأصحابه حتى فرغوا، وكان عدّة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربعة وستين «١» نفسا، والنساء والصبيان ثمانمائة، وأهل الذمة مائة نفس.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
ذكر وفاة أبى جعفر الواثق وشىء من أخباره
كانت وفاته بسامرا فى يوم الأربعاء لست بقين من ذى الحجة منها، وكانت علته «٢» الاستسقاء فعولج بالإقعاد فى تنور مسخن، فوجد لذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة فى إسخانه، ففعل ذلك وجلس فيه أكثر من اليوم الأول، فحمى عليه فأخرج منه ووضع فى محفة فمات فيها، ولم يشعر به حتى ضرب وجهه المحفة؛ وقيل إن أحمد بن أبى دؤاد حضر وفاته وغمّضه، وقيل إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك
ما ضرّ أهل قليل فى تفاقرهم ... وليس يغنى عن الأملاك «٣» ما ملكوا
وأمر بالبسط فطويت وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. وقال أحمد بن محمد الواثقى: كنت فيمن يمرّض»
الواثق، فلحقته غثية وأنا وجماعة من أصحابة قيام، فقلنا لو عرفنا خبره! فتقدمت إليه فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت خوفا،
стр. 8433
فرجعت إلى خلفى وتعلقت قنبعة «١» سيفى بعتبة المجلس، فاندقت وسلمت من جراحه، ووقفت فى موقفى ثم مات الواثق وسحبناه، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته فى المجلس ورفعوه لأنه مكتوب عليهم، واشتغل الناس بأخذ البيعة وجلست على باب المجلس لحفظ الميت، ورددت الباب فسمعت حسّا ففتحت الباب، فإذا جرذ قد دخل من بستان هناك فأكل إحدى عينى الواثق؛ فقلت: لا إله إلا الله- هذه العين التى فتحها من ساعة، فاندق سيفى هيبة لها، صارت طعمة لدابة ضعيفة، فسألنى ابن أبى دؤاد عن عينه فذكرت له القصة فعجب منها، وصلّى عليه ابن أبى دؤاد وأنزله فى قبره، وقيل صلّى علية أخوه المتوكل، ودفن بالهارونى، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، وقيل ستا وثلاثين سنة وشهورا، وقيل سبعا وثلاثين، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام. وكان أبيض مشربا بحمرة جميلا ربع القامة حسن الجسم بعينه اليمنى وقيل اليسرى نكته بياض.
وقد وقفت فى أثناء مطالعتى على حكاية غريبة اتفقت للواثق، أحببت أن أضمها إلى أخباره، وهى ما رواه أبو الفرج الأصبهانى «٢» بسنده إلى محمد ابن الحارث، قال: كانت لى نوبة فى خدمة الواثق فى كل جمعة. إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا الا يحضر أحد منا إلا يوم نوبته، فإنى لفى منزلى فى يوم غير يوم نوبتى إذا برسل قد هجموا على، وقالوا لى: احضر، فقلت خيرا «٣» ، قالوا: خير، فقلت: إنّ هذا يوم لم يحضرنى فيه أمير المؤمنين قط، ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان- لا تطل «٤» وبادر، فقد أمرنا ألا ندعك تستقر على الأرض، فدخلنى فزع شديد وخفت أن يكون سعى بى
стр. 8434
ساع «١» ، أو بليّة قد حدثت فى رأى الخليفة علىّ، فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل على رسمى من حيث كنت أدخل فمنعت، وأخذ بيدى الخدم فعدلوا «٢» بى إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك فى جزعى وغمّى، ثم لم يزل الخدم يسلموننى من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة بالصخر «٣» ، ملبّسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة «٤» بمثل ذلك.
قال: وإذا الواثق فى صدره على سرير مرصّع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفى حجرها عود، فلما رآنى قال: جوّدت «٥» والله يا محمد- إلينا إلينا، فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين- خيرا! قال: خيرا «٦» - ما ترانا طلبت والله ثالثا يؤنسنا! فلم أر أحق بذلك منك، فبحياتى بادر فكل شيئا وبادر إلينا، والله «٧» - يا سيّدى- قد أكلت وشربت أيضا، قال: اجلس فجلست.
وقال: هاتوا لمحمد رطلا فى قدح فأحضرت ذلك، واندفعت فريدة تغنى:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين «٨» حبيبها
وما هجرتك النفس يا ليل أنّها ... قلتك ولا أن قلّ منك يصيبها
فجاءت والله بالسحر، وجعل الواثق يجاذبها وفى خلال ذلك نغنى «٩» الصوت بعد الصوت، وأغنّى فى خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد، فإنّا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة، ضربة
стр. 8435
تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض، وتفتّت عودها، ومرّت تعدو وتصيح وبقيت كالمنزوع الروح، فلم أشك فى أنّ عينه وقعت علىّ- وقد تظرت إلىّ ونظرت إليها، فأطرق ساعة «١» إلى الأرض متحيرا، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فإنى لكذلك إذ قال لى: يا محمد- فوثبت، فقال:
ويحك أرأيت أعجب «٢» ممّا تهيّأ علينا!! فقلت: يا سيّدى الساعة «٣» تخرج روحى، فعلى من أصابنا بعين لعنة الله، فما كان السبب والذنب «٤» ؟
قال: لا والله، ولكنّى ذكرت «٥» فى أنّ جعفرا يقعد غدا هذا المقعد، وتقعد معه كما هى قاعدة معى، فلم أطق الصبر وخامرنى ما أخرجنى إلى ما رأيت، فسرّى عنّى وقلت: بل يقتل الله جعفرا ويحيا أمير المؤمنين أبدا، وقبّلت الأرض وقلت: يا سيدى «٦» إرحمها ومر بردّها، فقال لبعض الخدم الوقوف مرّ «٧» وجىء بها، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفى يدها عود، وعليها غير الثياب التى كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه وعانقها، فبكت وجعل هو يبكى واندفعت أنا فى البكاء، فقالت: ما ذنبى يا مولاى «٨» ؟ وبأى شىء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قال لى وهو يبكى «٩» ، فقالت سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقى الساعة، وأرحتنى من الفكر فى هذا وأرحت قلبك من الهمّ «١٠» ، وجعلت تبكى ويبكى ثم مسحا أعينهما، ثم رجعت إلى الغناء، وأومأ إلى خدم وقوف بشىء
стр. 8436
لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهر كان فيه، فألبسه إياها، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف «١» فجعلت بين يدى، وخمسة تخوت فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن ما كنّا «٢» فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرّقنا، وضرب الدهر ضربة وتولى المتوكل، فو الله إنى لفى منزلى بعد «٣» يوم نوبتى، إذ هجم علىّ رسل «٤» الخليفة فلم يمهلونى حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت- والله- الحجرة بعينها، وإذا المتوكل فى الموضع الذى كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة، فلما رآنى قال: ويحك ما ترى ما «٥» أنا فيه من هذه- منذ غدوة!! أطالبها أن تغنى «٦» فتأبى ذلك، فقلت لها: يا سبحان الله تخالفين سيّدك وسيّدنا وسيّد البشر!! بحياته غنّى فضربت «٧» والله ثم اندفعت تغنّى:
مقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر والثماد «٨»
فلا تبعد فكل فتى سيأتى ... عليه الموت يطرق أو يغادى
ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير، ومرّت تعدو وهى تصيح وا سيّداه، فقال لى: ويحك ما هذا فقلت: لا أدرى والله- يا سيّدى، قال: ما ترى؟ قلت أرى»
أن تحضر هذه ومعها
стр. 8437
غيرها فإنّ الأمر يئول إلى ما يريد أمير المؤمنين، قال: فانصرف فى حفظ «١» الله، فلم أدر ما كانت القصّة.
قال: وكان الواثق قد ذهب فى أموره مذهب المأمون، وشغل نفسه بمحنة الناس فى الدين وأفسد قلوبهم، ولما ولى الخلافة أحسن إلى العلويين واشتمل عليهم وبالغ فى إكرامهم وتعاهدهم بالأموال؛ وفرّق فى أهل الحرمين أموالا لا تحصى، حتى إنه لم يوجد فى أيامه بالحرمين سائل، حتى إنّه- لما توفى- كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه ويندبنه، يفعلن ذلك بينهن مناوبة حزنا عليه لإحسانه لهم؛ وأطلق فى خلافته أعشار سفن البحر وكانت مالا عظيما.
وكان نقش خاتمه: الله ثقة الواثق. أولاده: محمد المهتدى بالله، وعبد الله، وإبراهيم، ومحمد وعائشة. وزيره: محمد بن عبد الملك الزيات. حجابه إيتاخ ثم وصيف مولاه ثم أحمد بن عمار. قاضيه: أحمد ابن أبى دؤاد. الأمراء بمصر: على بن يحيى الأرمنى ثم عيسى بن منصور من قبل إشناس، فلما توفى إشناس ردّت مصر إلى إيتاخ فأقرّ عيسى بن منصور عليها. قاضيها: محمد بن أبى الليث.
ذكر خلافة المتوكّل على الله
هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه تركية اسمها شجاع، وهو العاشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم وفاة أخيه الواثق لست بقين من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، قال: ولما توفى الواثق حضر الدار أحمد بن أبى دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر ابن فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد
стр. 8438
ابن الواثق وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير، فقال وصيف: أما تتقون الله- تولون مثل هذا الخلافة!! فتناظروا فيمن يولّونه فذكروا عدة ثم أحضروا المتوكل، فألبسه أحمد بن أبى دؤاد الطويلة وعمّمه وقّبله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، وكان عمر المتوكل يوم ذاك ستا وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر. قال: وأراد ابن الزيات أن يلقّبه، فقال أحمد ابن أبى دؤاد: قد رأيت لقبا أرجو أن يكون موافقا- وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه فكتب به إلى الآفاق. وقيل بل رأى المتوكل فى منامه قبل أن يستخلف كأنّ سكّرا ينزل من السماء- مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصّها على أصحابه فقالوا: هى الخلافة، فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيّق عليه.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
ذكر القبض على محمد بن عبد الملك الزيات
وفى هذه السنة لسبع «١» خلون من صفر قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، وكان سبب ذلك أنّ الواثق كان قد استوزره وفوّض إليه الأمور كلها، وكان قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يأتيه بأخباره كلها، فجاء المتوكل إلى ابن الزيات فسأله أن يكلّم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه وهو لا يكلّمه، ثم أشار إليه بالقعود فجلس، فلما فرغ من الكتب التى بين يديه التفت إليه كالمتهدّد، وقال: ما جاء بك؟
قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عنّى، فالتفت إلى من حوله وقال:
انظروا يغضب أخاه ثم يسألنى أن أسترضيه له، اذهب فإنّك- إذا
стр. 8439
صلحت- رضى عنك، فقام من عنده حزينا «١» وأتى أحمد بن أبى دؤاد، فقام إليه واستقبله على باب البيت وقبّل يده، وقال: ما حاجتك؟
جعلت فداك، قال: جئت لتسترضى عنّى أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمة عين وكرامة، وكلّم أحمد الواثق فيه فوعده- ولم يرض غنه، ثم كلّمه ثانية فرضى عنه وكساه قال: ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيّات، كتب أن جعفرا أتانى فى زى المخنثين له شعرقفا، يسألنى أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه، فكتب إليه الواثق: ابعث إليه وأحضره، ومر بجزّ شعر قفاه، قال المتوكل: لما أتانى رسوله لبست سوادا جديدا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنّى، فاستدعى حجاما وأخذ شعرى على السواد الجديد، ثم ضرب به وجهى، فلما ولى المتوكل الخلافة أمهله إلى صفر، وأمر إيتاخ بأخذ ابن الزيات وتعذيبه، فاستدعاه وأدخله حجرة ووكل به، وأرسل من أصحابه من هجم منازله وأخذ كل ما فيها، واستصفى أمواله وأملاكه فى جميع البلاد، ثم جعله فى تنّور كان قد عمله هو وعذّب به ابن أسباط «٢» وأخذ ماله، وكان التنّور من خشب فيه مسامير من حديد، أطرافها إلى داخل التنور، يمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيّقا بحيث إن الانسان إذا دخل فيه يمد يديه إلى رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، فبقى أياما ومات لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول منها، وقيل: بل ضرب فمات وهو يضرب، وقيل مات بغير ضرب؛ وقد تقدّم أن المتوكل حرقه بالنار والله أعلم.
ولما مات ألقى على الباب بقميص فغسّل ودفن، فقيل إن الكلاب
стр. 8440
نبشته وأكلت لحمه. قال: وسمع قبل موته يخاطب نفسه ويقول: يا محمد لم تقنعك النعمة والدواب والدار النظيفة والكسوة وأنت فى عافية، حتى طلبت الوزارة- ذق ما عملت بنفسك ثم سكت، وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله .
وفيها حبس عمر بن الفرج الرخّجى، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطا عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فأخذ عمر صكّه فرمى به إلى صحن المسجد، فحقدها المتوكل ثم حبسه فى شهر رمضان، وأخذ ماله وأثاث بيته وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر «١» ألف ألف على أن يرد إليه ضياع الأهواز.
وفيها غضب المتوكل على إبراهيم «٢» بن الجنيد النصرانى، وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه. وفيها عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولّاه يحيى بن خاقان الخراسانى مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود.
ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين
ذكر خبر إيتاخ وابتداء أمره وقتله
كان إيتاخ غلاما خزريا، وكان طبّاخا لسلّام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم فى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة فرفعه المعتصم والواثق وضمّ إليه أعمالا كثيرة، منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم، فلما صار
следующие страницы →