Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.
стр. 8436
لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهر كان فيه، فألبسه إياها، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف «١» فجعلت بين يدى، وخمسة تخوت فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن ما كنّا «٢» فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرّقنا، وضرب الدهر ضربة وتولى المتوكل، فو الله إنى لفى منزلى بعد «٣» يوم نوبتى، إذ هجم علىّ رسل «٤» الخليفة فلم يمهلونى حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت- والله- الحجرة بعينها، وإذا المتوكل فى الموضع الذى كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة، فلما رآنى قال: ويحك ما ترى ما «٥» أنا فيه من هذه- منذ غدوة!! أطالبها أن تغنى «٦» فتأبى ذلك، فقلت لها: يا سبحان الله تخالفين سيّدك وسيّدنا وسيّد البشر!! بحياته غنّى فضربت «٧» والله ثم اندفعت تغنّى:
مقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر والثماد «٨»
فلا تبعد فكل فتى سيأتى ... عليه الموت يطرق أو يغادى
ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير، ومرّت تعدو وهى تصيح وا سيّداه، فقال لى: ويحك ما هذا فقلت: لا أدرى والله- يا سيّدى، قال: ما ترى؟ قلت أرى»
أن تحضر هذه ومعها
стр. 8437
غيرها فإنّ الأمر يئول إلى ما يريد أمير المؤمنين، قال: فانصرف فى حفظ «١» الله، فلم أدر ما كانت القصّة.
قال: وكان الواثق قد ذهب فى أموره مذهب المأمون، وشغل نفسه بمحنة الناس فى الدين وأفسد قلوبهم، ولما ولى الخلافة أحسن إلى العلويين واشتمل عليهم وبالغ فى إكرامهم وتعاهدهم بالأموال؛ وفرّق فى أهل الحرمين أموالا لا تحصى، حتى إنه لم يوجد فى أيامه بالحرمين سائل، حتى إنّه- لما توفى- كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه ويندبنه، يفعلن ذلك بينهن مناوبة حزنا عليه لإحسانه لهم؛ وأطلق فى خلافته أعشار سفن البحر وكانت مالا عظيما.
وكان نقش خاتمه: الله ثقة الواثق. أولاده: محمد المهتدى بالله، وعبد الله، وإبراهيم، ومحمد وعائشة. وزيره: محمد بن عبد الملك الزيات. حجابه إيتاخ ثم وصيف مولاه ثم أحمد بن عمار. قاضيه: أحمد ابن أبى دؤاد. الأمراء بمصر: على بن يحيى الأرمنى ثم عيسى بن منصور من قبل إشناس، فلما توفى إشناس ردّت مصر إلى إيتاخ فأقرّ عيسى بن منصور عليها. قاضيها: محمد بن أبى الليث.
ذكر خلافة المتوكّل على الله
هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه تركية اسمها شجاع، وهو العاشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم وفاة أخيه الواثق لست بقين من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، قال: ولما توفى الواثق حضر الدار أحمد بن أبى دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر ابن فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد
стр. 8438
ابن الواثق وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير، فقال وصيف: أما تتقون الله- تولون مثل هذا الخلافة!! فتناظروا فيمن يولّونه فذكروا عدة ثم أحضروا المتوكل، فألبسه أحمد بن أبى دؤاد الطويلة وعمّمه وقّبله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، وكان عمر المتوكل يوم ذاك ستا وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر. قال: وأراد ابن الزيات أن يلقّبه، فقال أحمد ابن أبى دؤاد: قد رأيت لقبا أرجو أن يكون موافقا- وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه فكتب به إلى الآفاق. وقيل بل رأى المتوكل فى منامه قبل أن يستخلف كأنّ سكّرا ينزل من السماء- مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصّها على أصحابه فقالوا: هى الخلافة، فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيّق عليه.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
ذكر القبض على محمد بن عبد الملك الزيات
وفى هذه السنة لسبع «١» خلون من صفر قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، وكان سبب ذلك أنّ الواثق كان قد استوزره وفوّض إليه الأمور كلها، وكان قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يأتيه بأخباره كلها، فجاء المتوكل إلى ابن الزيات فسأله أن يكلّم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه وهو لا يكلّمه، ثم أشار إليه بالقعود فجلس، فلما فرغ من الكتب التى بين يديه التفت إليه كالمتهدّد، وقال: ما جاء بك؟
قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عنّى، فالتفت إلى من حوله وقال:
انظروا يغضب أخاه ثم يسألنى أن أسترضيه له، اذهب فإنّك- إذا
стр. 8439
صلحت- رضى عنك، فقام من عنده حزينا «١» وأتى أحمد بن أبى دؤاد، فقام إليه واستقبله على باب البيت وقبّل يده، وقال: ما حاجتك؟
جعلت فداك، قال: جئت لتسترضى عنّى أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمة عين وكرامة، وكلّم أحمد الواثق فيه فوعده- ولم يرض غنه، ثم كلّمه ثانية فرضى عنه وكساه قال: ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيّات، كتب أن جعفرا أتانى فى زى المخنثين له شعرقفا، يسألنى أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه، فكتب إليه الواثق: ابعث إليه وأحضره، ومر بجزّ شعر قفاه، قال المتوكل: لما أتانى رسوله لبست سوادا جديدا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنّى، فاستدعى حجاما وأخذ شعرى على السواد الجديد، ثم ضرب به وجهى، فلما ولى المتوكل الخلافة أمهله إلى صفر، وأمر إيتاخ بأخذ ابن الزيات وتعذيبه، فاستدعاه وأدخله حجرة ووكل به، وأرسل من أصحابه من هجم منازله وأخذ كل ما فيها، واستصفى أمواله وأملاكه فى جميع البلاد، ثم جعله فى تنّور كان قد عمله هو وعذّب به ابن أسباط «٢» وأخذ ماله، وكان التنّور من خشب فيه مسامير من حديد، أطرافها إلى داخل التنور، يمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيّقا بحيث إن الانسان إذا دخل فيه يمد يديه إلى رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، فبقى أياما ومات لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول منها، وقيل: بل ضرب فمات وهو يضرب، وقيل مات بغير ضرب؛ وقد تقدّم أن المتوكل حرقه بالنار والله أعلم.
ولما مات ألقى على الباب بقميص فغسّل ودفن، فقيل إن الكلاب
стр. 8440
نبشته وأكلت لحمه. قال: وسمع قبل موته يخاطب نفسه ويقول: يا محمد لم تقنعك النعمة والدواب والدار النظيفة والكسوة وأنت فى عافية، حتى طلبت الوزارة- ذق ما عملت بنفسك ثم سكت، وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله .
وفيها حبس عمر بن الفرج الرخّجى، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطا عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فأخذ عمر صكّه فرمى به إلى صحن المسجد، فحقدها المتوكل ثم حبسه فى شهر رمضان، وأخذ ماله وأثاث بيته وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر «١» ألف ألف على أن يرد إليه ضياع الأهواز.
وفيها غضب المتوكل على إبراهيم «٢» بن الجنيد النصرانى، وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه. وفيها عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولّاه يحيى بن خاقان الخراسانى مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود.
ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين
ذكر خبر إيتاخ وابتداء أمره وقتله
كان إيتاخ غلاما خزريا، وكان طبّاخا لسلّام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم فى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة فرفعه المعتصم والواثق وضمّ إليه أعمالا كثيرة، منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم، فلما صار
стр. 8441
الأمر إلى المتوكل كان معه على أكثر من ذلك، وجعل إليه الجيش والمغاربة والأتراك والأموال والبريد والحجابة ودار الخلافة، فلما تمكّن المتوكل من الخلافة شرب ليلة، وعربد على إيتاخ فهمّ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه، وقال: أنت ربّيتنى وأنت بمنزلة الوالد وما يناسب ذلك، ثم وضع عليه من يحسّن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل فأذن له، وصيّره أمير كل بلد يدخله وخلع عليه وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف الخادم فى ذى القعدة «١» . قال: فلمّا عاد إيتاخ من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرّا، فكتب إليه إسحاق: إنّ أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس، وأن تقعد لهم فى دار خزيمة بن خازم وتأمر لهم بالجوائز، فجاء إلى بغداد فلما لقيه إسحاق أراد النزول له، فحلف إيتاخ عليه ألا يفعل- وكان فى ثلاثمائة من غلمانه، فلما حصل بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: يدخل الأمير أصلحه الله، فدخل إيتاخ ومنع إسحاق أصحاب إيتاخ من الدخول، ووكل بالأبواب وأقام عليها الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوها!! ولو لم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه، وأخذوا معه ولديه منصورا ومظفرا وكاتبه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد فحبسوا، وقيّد إيتاخ وجعل فى عنقه ثمانون رطلا، فمات فى جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا أثر، قيل إنهم أطعموه ومنعوه الماء فمات عطشا.
وحجّ بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
стр. 8442
ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين .
فى هذه السنة عقد المتوكل البيعة بولاية العهد لبنيه الثلاثة، وهم محمد ولقبه المنتصر، وأبو عبد الله محمد وقيل طلحة وقيل الزبير ولقبه المعتز بالله، وإبراهيم ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين- أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل، وأعطى كل واحد منهم ما نذكره:
فأما المنتصر بالله فأقطعه أفريقية والمغرب كله والعواصم [وقنسرين] «١» والثغور جميعها الشامية والجزرية وديار مضرور بيعة وهيت والموصل وعانات «٢» والخابور «٣» وكوربا جرمى «٤» وكور دجلة وطساسيج السواد جميعها والحرمين واليمن «٥» وحضرموت [واليمامة] «٦» والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصرة وماسبذان «٧» ومهرجا نقذق وشهرزور «٨» والصامغان وأصبهان وقمّ وقاشان «٩» والجبل جميعه وصدقات العرب بالبصرة.
وأما المعتز بالله فأقطعه كور خراسان وما ينصاف إليها، وطبرستان، والرى، وأرمينية، وأذربيجان وكور فارس، ثم أضاف إليه فى سنة أربعين خزن الأموال فى جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن تختم «١٠» الدراهم باسمه.
стр. 8443
وأما المؤيّد بالله فإنّه أقطعه جند حمص، وجند دمشق، وجند فلسطين «١» .
ذكر ظهور رجل يدعى النبوّة
وفيها ظهر رجل بسامرّا يقال له محمود بن الفرج «٢» النيسابورى، وزعم أنّه نبى وأنّه ذو القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلا، وخرج من أصحابه ببغداد رجلان بباب العامة واثنان بالجانب الغربى، فأتى به وبأصحابه إلى المتوكل فضرب ضربا شديدا، وحمل إلى باب العامة فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يصفعه كل واحد عشر صفعات ففعلوا، وأخذوا له كتابا فيه كلام قد جمعه وذكر أنّه قرآن، وأن جبريل نزل به عليه، ثم مات من الضرب فى ذى الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنّه نبى وأن الوحى يأتيه.
وفيها أمر المتوكل أهل الذمّة بلبس الطّيالسة العسلية، وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين فى مؤخر السرج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثياب، قدر كل رقعة منهما أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليّا، ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المستحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم فى أعمال السلطان- ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا فى شعانينهم صليبا، وأن يشعلوا فى الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب بذلك إلى الآفاق.
وحجّ بالناس محمد بن داود
стр. 8444
ودخلت سنة ست وثلاثين ومائتين
ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن على رضى الله عنهما
فى هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن على رضى الله عنهما، وهدم ما حوله من المنازل والدور ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى فى الناس فى تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثالثة حبسناه فى المطبق، فهرب الناس وتركوا زيارته وحرث وزرع، وكان المتوكل شديد البغض لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه- ولأهل بيته، وكان يقصد من يتولى عليا وأهل بيته بأخذ المال والروح؛ وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث، وكان أصلع فيشد تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه ويرقص، [والمغنون «١» يغنون] قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين، يحكى بذلك على بن أبى طالب رضى الله عنه، والمتوكل يشرب ويضحك، فرآه المنتصر فتهدّده فسكت خوفا منه، فقال له المتوكل:
ما حالك! فأخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين- إنّ هذا الذى يحكيه- هذا الكلب- ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكل أنت لحمه إذا شئت، ولا تطمع هذا الكلب وأمثاله فيه، فقال المتوكل للمغنين غنّوا:
غار الفتى لابن عمّه ... راس الفتى فى حرامه
وكان هذا من الأسباب التى استحلّ بها المنتصر قتل المتوكل.
وفيها غزا على بن يحيى الأرمنّى الصائفة، فلقى صاحب الروم فى ثلاثين ألفا، وكان علىّ فى نحو ثلاثة آلاف، فهزم الرومىّ وقتل أكثر من عشرين ألفا، ثم مضى إلى عمّورية فافتتحها وغنم ما فيها، وأخرج منها أسارى من المسلمين وكانوا خلقا كثيرا، وخرّب كنائسها، وفتح أيضا حصنا
стр. 8445
يقال له الفرطس، فأخرج عشرين ألف رأس من السبى، وغنم غنيمة بلغت مائة ألف وعشرين ألفا- حكاه أبو الفرج الجوزى فى تاريخه «المنتظم فى أخبار الملوك والأمم «١» » وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وحجّ المنتصر فى هذه السنة بالناس.
ودخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين
ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم
فى هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه، وكان سبب ذلك أنّه لما صار إلى أرمينية خرج إليه بطريق يقال له بقراط بن أشوط «٢» - ويقال له بطريق البطارقة، فطلب الأمان فأخذه يوسف وابنه معه وسيّرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخى بقراط ابن أشوط، وتحالفوا على قتله ووافقهم على ذلك موسى بن زراره- وهو صهر بقراط، فأتى الخبر يوسف ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه فلم يقبل، فلما جاء الشتاء ونزل الثلج أتوه وهو بمدينة طرون، فحصروه بها فخرج إليهم وقاتلهم فقتلوه وقتلوا من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك وانج بنفسك عريانا، فخرجوا حفاة عراة فهلك أكثرهم من البرد، وكان ذلك فى شهر رمضان، وكان يوسف قبل ذلك قد فرّق أصحابه فى رساتيق عمله، فتوجّه إلى كل طائفة منهم طائفة من البطارقة فقتلوهم فى يوم واحد، فلما بلغ المتوكل الخبر وجّه بغا الكبير إليهم، فسار على الموصل والجزيرة فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زراره وإخوته عيسى وإسماعيل
стр. 8446
وأحمد «١» ومحمد وهارون فحملهم إلى المتوكل، وأناخ على قتلة يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا، وسبى منهم خلقا كثيرا فباعهم، وسار إلى بلاد الباق فأسر أشوط «٢» بن حمزة صاحب الباق من كور اليسفرّجان «٣» ، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرا، ثم سار إلى تفليس فحصرها، وبها إسحاق بن إسماعيل مولى بنى أميّة فخرج وقاتل أصحاب بغا، فأمر بغا بإحراق المدينة بالنفط فأحرقت- وكانت من خشب الصنوبر، وأسر إسحاق بن إسماعيل وأتى به إلى بغا فضرب عنقه وصلب جثته، واحترق بالمدينة نحو خمسين ألف إنسان وأسر من سلّم من النار، وفرّق بغا جيوشه فيما يجاور تفليس من الحصون ففتحها، وكان أمر تفليس فى سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ذكر غضب المتوكل على أحمد بن أبى دؤاد وولاية يحيى بن أكثم القضاء
وفى سنة سبع وثلاثين غضب المتوكل على أحمد بن أبى دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه وحبس ابنه أبا الوليد وسائر أولاده، فحمّل أبو الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعا ببيع أملاكهم، وكان أبوهم أحمد قد فلج فأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرا، ورضى عنه وولّاه قضاء القضاة ثم ولاه المظالم، فولّى يحيى بن أكثم قضاء الجانب الشرقى حيّان بن بشر والجانب الغربى سوّار بن عبد الله العنبرى، وكلاهما أعور فقال الجماز:
стр. 8447
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة فى الخافقين
هما اقتسما العما نصفين قدرا «١» ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسب منهما من هزّ رأسا ... لينظر فى مواريث ودين
كأنّك قد وضعت عليه دنا ... فتحت بزاله من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
وفيها أمر المتوكل بإنزال خشبة «٢» أحمد بن نصر ودفعه إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد وضم رأسه إلى بدنه وغسل وكفن ودفن، ونهى المتوكل عن الجدال فى القرآن وغيره وكتب بذلك إلى الآفاق وحجّ بالناس فى هذه السنة على بن عيسى بن جعفر بن المنصور.
ودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين
ذكر مسير الروم إلى ديار مصر
فى هذه السنة جاء الروم فى ثلاثمائة مركب مع ثلاثة رؤساء، فأناخ أحدهم فى مائة مركب بدمياط، وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبى، وكان قد أمر جند الثغر أن يحضروا إلى مصر للعيد فحضروا، فاتفق وصول الروم وهى خالية من الجند، فخرج من له قوة منها والتحق بمصر، وطلع الروم إليها فنهبوا وأحرقوا الجامع، وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميّات نحو ستمائة امرأة، وأوقروا سفنهم وسارت الروم إلى شتوم «٣» تنيس، وكان عليه سور له بابان من حديد.
فأخذوهما ونهبوا ما فيه من السلاح ورجعوا.
стр. 8448
ودخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين
فى هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس درّاعتين عسليّتين على الدراريع والأقبية، وبالاقتصار فى مراكبهم على البغال والحمير دون الخيل والبراذين.
قال ابن الجوزى «١» وفيها غزا على بن يحيى الأرمنّى الصائفة. فوصل بلاد الروم فقتل عشرة آلاف علج. وسبى سبعة عشر «٢» ألف رأس. وأخذ سبعة آلاف دابة. وحرق أكثر من ألف قرية.
وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى- وهو والى مكة.
ودخلت سنة أربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم
فى هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبى المغيث موسى بن إبراهيم «٣» ، وكان قد قتل رجلا من رؤسائهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه، فكتب إلى المتوكل فبعث عتاب»
بن عتّاب ومحمد بن عبدويه الأنبارى، وقال لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد أبدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فولّ عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم واعلمنى لأمدّك بالجنود، فساروا إليهم فوصلوا فى شهر ربيع الآخر فرضوا بمحمد بن عبدويه، فشرع فى أذاهم وعمل بهم الأعاجيب، فوثبوا به فى سنة إحدى
стр. 8449
وأربعين وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل فأمره بمناهضتهم، وأمدّه بجند من دمشق والرملة، فناجزهم وظفر بهم فضرب رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص، وبعث ثمانية من أشرافهم إلى المتوكل، وظفر بعد ذلك بعشرة رجال فضرب أعناقهم، وأمره المتوكل بإخراج النصارى وبهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التى بجانب الجامع فيه ففعل ذلك. وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريب بالبصرة، وولّى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن على قضاء القضاة.
وفيها أخذ أهل الذمّة بتعليم أولادهم العبرانية «١» ومنعوا من العربية، فأسلم منهم خلق كثير، حكاه أبو الفرج بن الجوزى «٢» .
وفيها سمع أهل خلاط من السماء صيحة فمات خلق كثير- وكانت ثلاثة أيام، وخسف بثلاث عشرة قرية من قرى أفريقية «٣» ، فلم ينج منها إلا اثنان وأربعون رجلا سود الوجوه، فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا: أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها.
وحجّ بالناس عبد الله بن محمد بن داود.
ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين
ذكر الفداء بين المسلمين والروم
قال: وفى هذه السنة عرضت تدورة ملكة الروم على أسرى المسلمين النصرانية، فمن تنصّر جعلته أسوة من قبله «٤» من المتنصّرة، ومن أبى
стр. 8450
قتلته- حتى قتلت من أسرى المسلمين أثنى عشر ألفا، ثم أرسلت تطلب المفاداة لمن بقى منهم، فأرسل المتوكل شنيفا الخادم على الفداء، وطلب قاضى القضاة جعفر بن عبد الواحد أن يحضر الفداء ويستخلف على القضاء، فأذن له المتوكل واستخلف على القضاء ابن أبى الشوارب- وهو شاب، ووقع الفداء على نهر اللّامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبعمائة وخمسة وثلاثين رجلا، ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة.
ذكر غارة البجاة بمصر
فى هذه السنة غارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغير لهدنة قديمة، وكانوا يؤدون إلى عمال مصر الخمس مما فى بلادهم من معادن الذهب، فامتنعوا من ذلك فكتب صاحب البريد إلى المتوكل بخبرهم، وأنّهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل فى المعادن، وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد منهم على أنفسهم، فولّى المتوكل محمد بن عبد الله القمّى حربهم، واستعمله على معونة قفط والأقصر وأرمنت وإسنا وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبى- عامل حرب مصر- بإزاحة علّته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل، وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه من المتطوعة وعمال المعادن خلق كثير، فبلغت عدتهم نحوا من عشرين ألفا من فارس وراجل، وحمل له فى بحر القلزم سبع مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق، وسارت لتوافيه على ساحل البحر ببلاد البجاة، وسار هو إلى بلادهم فى البر حتى بلغ حصونهم، فخرج إليه ملكهم- واسمه على بابا- فى جموع عظيمة أضعاف المسلمين وهم على المهارى، فلم يصدقهم القتال وأراد مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم، فيأخذهم باليد من غير حرب، فأقبلت المراكب التى فيها الأقوات ففرقها محمد- على من معه، فعندها صدقهم على بابا القتال
стр. 8451
وقاتلهم قتالا شديدا، وكانت إبلهم زعرة تنفر من كل شىء، فجمع القمى الأجراس وجعلها فى أعناق خيله، وحمل عليهم فنفرت إبل البجاة لأصواتها وتفرقت، وسارت على الجبال والأودية وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، ولم يقدروا على إحصاء القتلى لكثرتهم، ثم طلب ملكهم الأمان على أن يرّد عليه مملكته وبلاده، ويؤدى الخراج للمدة التى منعها وهى أربع سنين، فأمّنه محمد وسار به إلى المتوكل، فخلع عليه وعلى أصحابه وكساهم الحلل المدبّجة، وأعاده مع «١» القمى فرجع إلى بلاده وهو على دينه، وكان معه صنم من حجر يسجد له وهو كهيئة الصبى.
وفى جمادى الآخرة منها ماجت النجوم فى السماء، وجعلت تتطاير شرقا وغربا ويتناثر بعضها خلف بعض كالجراد من قبل غروب الشفق إلى وقت الفجر، ولم يكن مثل «٢» هذا إلا لظهور رسول الله ﷺ .
وفيها مات الإمام أحمد بن محمد «٣» بن حنبل أبو عبد الله الشيبانى ببغداد، يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة وأيام، وقيل فى هذا التاريخ من شهر ربيع الآخر والله أعلم.
وحجّ بالناس عبد الله بن محمد بن داود.
ودخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين .
فى هذه السنة خرجت الروم من شمشاط «٤» بعد خروج على بن يحيى
стр. 8452
الأرمنى من الصائفة حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور الجزرية فانتهبوا وأسروا نحوا من عشرة آلاف، فكتب المتوكل إلى على بن يحيى الأرمنى أن يسير إلى بلادهم شاتيا.
قال أبو الفرج بن الجوزى ﵀ فى المنتظم «١» وفيها فى شعبان زلزلت الدّامغان، فسقط نصفها على أهلها وعلى الوالى فقتلهم، ويذكر أن الهالكين كانوا خمسة وأربعين ألفا؛ وكانت بقومس ورساتيقها فى هذا الشهر زلازل فهدمت منها الدور، وسقطت بذش [كلها] «٢» على أهلها، وسقط «٣» نحو من ثلثى بسطام، وزلزلت الرى وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصفهان وقمّ وقاشان، وذلك كله فى وقت واحد، وتقطعت جبال ودنا بعضها من بعض، ورجفت أسدأباذ رجفة أصيب فيها الناس كلهم، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، وانشقت الأرض بقدر ما تدخل الرجل فيها؛ قال: ورجمت السويداء من أرض مصر بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة «٤» أعرابى فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال، فحمل منها أربعة إلى الفسطاط وواحد إلى تنّيس؛ قال: وذكروا أنّ جبلا باليمن كان عليه مزارع لأهله سار حتى أتى مزارع قوم فصار فيها «٥» ، فكتب بذلك إلى المتوكل. قال ابن حبيب: وذكر على بن الوضاح أنّ طائرا دون الرخمة وفوق الغراب أبيض وقع على ذنبه «٦» بحلب لسبع مضين من شهر رمضان، فصاح يا معشر الناس: اتقوا الله الله الله، حتى صاخ أربعين صوتا ثم طار، وجاء من الغد فصاح أربعين صوتا، فكتب بذلك
стр. 8453
صاحب البريد وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه؛ ومات رجل فى بعض كور الأهواز فى شوال، فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخوزية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده «١» وحجّ بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين
فى هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق وعزم على المقام بها، فوصل إليها فى صفر سنة أربع وأربعين ومائتين، ونقل دواوين الملك إليها وأمر بالبناء، ثم استوبأ البلد فرجع إلى سامرّا، وكان مقامه بدمشق شهرين وأياما.
وحجّ بالناس عبد الصمد.
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائتين
فى هذه السنة وجه المتوكل بغا الكبير لغزو الروم، وكان مسيره من دمشق لما كان المتوكل بها، فسار وفتح صملة؛ وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبى ﷺ تسمى العنزة، وكانت للنجاشى فأهداها للزبير بن العوّام فأهداها الزبير للنبى ﷺ ، وهى التى كانت تركز بين بديه ﷺ فى صلاة العيدين، فكان يحملها بين يدى المتوكل صاحب الشرطة.
وحج بالناس عبد الصمد بن موسى. وفيها اتفق عيد الأضحى والشعانين للنصارى وعيد الفطر «٢» لليهود فى يوم واحد.
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائتين
فى هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماحوزة وسماها الجعفرى «٣» ، وأقطع
стр. 8454
القوّاد وأصحابه فيها وجدّ فى بنائها، وأنفق عليها- فيما قيل- ألف ألف دينار «١» ، وجمع فيها القرّاء فقرءوا وأحضر أصحاب الملاهى، فوهب أكثر من ألفى ألف درهم، وكان يسميها هو وخاصّته المتوكلية، وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة لم ير مثله، وحفر لها نهرا يسقى ما حولها، فقتل المتوكل قبل كمال حفره فبطل الحفر وأخربت الجعفرية.
وفيها زلزلت بلاد المغرب فتهدّمت الحصون والمنازل والقناطر، ففرّق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب منزله، وزلزلت المدائن وأنطاكية فقتل بها خلق كثير وسقط منها ألف وخمسمائة دار، وسقط من سورها نيّف وتسعون برجا، وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها، وتقطّع جبلها الأقرع وسقط فى البحر، وهاج البحر ذلك اليوم وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ ما علم أين ذهب؛ وسمع أهل تنيس «٢» صيحة هائلة فمات منها خلق كثير؛ وزلزلت ديار الجزيرة والثغور وهرسوس وأذنة والشام، وهلك أهل اللاذقيّة وجبلة إلا اليسير.
وحج بالناس محمد بن سليمان.
ودخلت سنة ست وأربعين ومائتين
فى هذه السنة كانت للمسلمين غزوات فى الروم برا وبحرا، فغزا الفضل بن قارن فى البحر فى عشرين مركبا «٣» ، فافتتح حصن أنطاكية؛ وفيها كان الفداء على يد على بن يحيى الأرمنّى، ففودى بألفين وثلاثمائة
стр. 8455
وسبعة «١» وستين نفسا. وفيها ورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دما عبيطا.
وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان الزينبى
ودخلت سنة سبع وأربعين ومائتين
ذكر مقتل أبى الفضل المتوكل على الله
كان مقتله فى ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوّال من هذه السنة، وكان سبب مقتله أنّه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع باصفهان والجبل، وأقطعها للفتح بن خاقان فكتبت وصارت إلى الخاتم، فبلغ ذلك وصيفا، وكان المتوكل أراد أن يصلّى بالناس أول جمعة فى شهر رمضان، وشاع ذلك وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب، فلما أراد الركوب للصلاة قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين- إن الناس قد كثروا من أهل بيتك وغيرهم، فبعض «٢» متظلم وبعض يطلب حاجة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهد بالصلاة فليفعل- فأمر المنتصر، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين إن رأيت «٣» أن تأمر المعتز بالصلاة لتشرفه بذلك، فأمر المعتز فصلّى بالناس، فلما فرغ من الصلاة قاما إليه فقبلا يديه ورجليه، وانصرف المعتز فى موكب الخلافة حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه خيرا فسره ذلك، ووجد المنتصر له أمرا عظيما، فلما كان عيد الفطر قال المتوكل مروا المنتصر فليصل بالناس، فقال له عبيد الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين واجتمعوا لذلك، ولا نأمن إن هو لم يركب اليوم أن يرجف الناس بعلّته،
стр. 8456
فإن رأى أمير المؤمنين أن يسرّ الأولياء ويكبت الأعداء بركوبه فعل- فركب، وقد صف له الناس نحو أربعة أميال وترجّلوا بين يديه، فصلّى ورجع وأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه، وقال: إنى رأيت كثرة هذا الجمع وأنّهم تحت يدى فأحببت أن أتواضع لله، فلما كان اليوم الثالث افتصد واشتهى لحم جزور فأكله، وسرّ فى ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين فحضروا، وأخذ فى الشرب واللهو، ولهج «١» بأن يقول: أنا- والله- مفارقكم عن قليل، ولم يزل فى سروره ولهوه إلى الليل.
وعزم المتوكل والفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قوّاد الأتراك، هذا والمنتصر قد واعد الأتراك على قتل أبيه المتوكل، وكان ذلك لأمور: منها أن المتوكل قد عبث بالمنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرّة يأمر بصفعه، ومرّة يتهدّده بالقتل؛ ثم قال للفتح:
برئت من الله ومن قرابتى من رسول الله إن لم تلطمه، فقام إليه فلطمه مرتين: يمر بيده على قفاه «٢» ، ثم قال لمن حضره: اشهدوا علىّ جميعا أنّى خلعت المستعجل يعنى المنتصر، والتفت إليه وقال: سميتك المنتصر فسمّاك الناس- لحمقك- المنتظر «٣» ، ثم صرت الآن المستعجل، فقال المنتصر:
لو أمرت بضرب عنقى لكان أسهل علىّ ممّا تفعل بى، فقال: اسقوه، ثم بالعشاء فأحضر فى جوف الليل فخرج المنتصر من عنده، وأخذ بيد زرافة الحاجب وقال له: امض معى، فقال: إن أمير المؤمنين لم يقم، فقال:
إنّه أخذ منه الشراب، والساعة يخرج بغا والندماء، وأخذ المنتصر يشغل زرافة بالحديث حتى أنتهى به إلى حجرة، وأكلوا طعاما، فما لبثا أن سمعا صيحة وصراخا فقاما، فإذا بغا قد لقى المنتصر فقال له: عظّم الله أجرك يا
стр. 8457
أمير المؤمنين، قد مات أمير المؤمنين المتوكل، فجلس المنتصر وأمر بالباب الذى فيه المتوكل فأغلق وأغلقت الأبواب، وبعث إلى وصيف يأمره باحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.
وأما كيفية قتل المتوكل
فإنّه لما خرج المنتصر وأحضرت المائدة وأكل المتوكل والندماء ورفعت المائدة دخل بغا الصغير الشرابى إلى المجلس، وأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرنى إذا جاوز السبعة ألا أترك أحدا- وقد شرب أربعة عشر رطلا، وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة، فأخرجهم ولم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصة وأبو أحمد بن المتوكل، وكان بغا قد أغلق سائر الأبواب إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فلما دخلوا بصربهم أبو أحمد فقال: ما هذا يا سفّل!! وإذا سيوف مسلّلة، فرفع المتوكل رأسه فرآهم فقال: يا بغا ما هذا؟ قال: هؤلاء رجال النوبة فرجعوا إلى ورائهم، فقال لهم بغا: يا سفّل أنتم مقتولون لا محالة فموتوا كراما فرجعوا، فابتدره بغلون «١» وضربه على كتفه وأذنه فقدّه، فقال: مهلا- قطع الله يديك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده فضربها فأبانها، وشركه «٢» باغر، فقال الفتح: ويلكم!! أمير المؤمنين، ورمى بنفسه على المتوكل فبعجوه بسيوفهم، فصاح الموت وتنحّى فقتلوه، وكان معهم خمسة من ولد وصيف.
قال: ولما قتلوا المتوكل والفتح خرجوا إلى المنتصر فسلّموا عليه بالخلافة، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف وقالوا: تبايع فبايع، وأرسل
стр. 8458
المنتصر إلى وصيف أن الفتح قتل أبى فقتلته، فأحضر فى وجوه أصحابك فحضروا وبايعوه، وكان عبيد الله بن يحيى فى حجرته وبين يديه جعفر بن حامد، فلما علم بقتل المتوكل خرج فيمن معه وكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط وركب فى زورق فأتى منزل المعتز فسأل عنه فلم يصادفه، فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون- قتل نفسه وقتلنى، واجتمع إلى عبيد الله أصحابه فى غداة يوم الأربعاء، فكانوا زهاء عشرة آلاف وقيل ثلاثة عشر ألفا، فقالوا: إنما اصطنعتنا لمثل هذا اليوم، فمرنا بأمرك واذن لنا أن نميل على القوم فنقتل المنتصر ومن معه، فأبى ذلك وقال: إنّ المعتز فى أيديهم.
وحكى عن على بن يحيى قال «١» : كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام «٢» كتابا من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر من بنى العباس يقتل فى مجلسه فتوقفت عن القراءة فقال: مالك؟ قلت خير، قال: لا بدّ أن تقرأ فقرأت فوجم لذلك، وقال: يا ليت شعرى من هذا الشقى المقتول «٣» ؟! فقلت: أخوك الواثق هو العاشر وما كل هذا يضح، قال: وكيف يكون العاشر؟ فذكرت الخلفاء وعددت منهم إبراهيم ابن المهدى فطابت نفسه.
قال: وفسّر علىّ يوما مناما فقال: رأيت دابّة تكلّمنى والله لو كانت بين ألف دابّة ميّزتها، فجرى على خاطرى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ «٤»
، ثم قلت: الدابّة عجماء لا
стр. 8459
تتكلّم، يدل على أن الله يفتح عليك ما لم يقدر غيرك على فتحه، فلما كان بعد شهر أهديت له هدايا فرأى فيها دابّة، فقال لى: هذه والله تلك الدابّة، فقتل بعد أيام.
وقال أبو الوارث قاضى نصيبين «١» : رأيت فى النوم قائلا يقول:
يا نائم العين فى جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكى بتهتان
أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمى وبالفتح بن خاقان «٢»
فأتى البريد بعد ثلاثة أيام بقتلهما. قال وكان عمره نحوا من أربعين سنة، ومدة خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام «٣» ، ولما مات دفن بالقصر الجعفرى، وصلّى عليه ابنه المنتصر. وكان مربوعا أسمر خفيف العارضين نحيفا «٤» ، ونقش خاتمه: على إلاهى اتكالى. أولاده: المنتصر وموسى الأحدب والمعز والمعتز والمؤيد وطلحة الموفق وإسماعيل والمعتمد وغيرهم. وزراؤه: محمد بن عبد الملك الزيات ثم محمد بن الفضل الجرجرائى ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان. حجّابه: وصيف التركى ثم محمد ابن عاصم ثم يعقوب بن قوصرة ثم المرزبان ثم إبراهيم بن الحسن بن سهل وغيره. قضاته: أحمد بن أبى دؤاد ثم يحيى بن أكثم ثم جعفر بن عبد الواحد العباسى. الأمراء بمصر: هرثمة بن النضر «٥» من قبل إيتاخ ثم ابنه حاتم ثم على بن يحيى الأرمنى ثم ردّت مصر إلى محمد المنتصر، فاستخلف
стр. 8460
إسحاق بن يحيى بن معاذ ثم عبد الواحد بن يحيى ابن عم «١» طاهر بن الحسين ثم عنبسة بن إسحاق الضّبى ثم يزيد بن عبد الله. القضاة بها: محمد بن أبى الليث ثم الحارث بن مسكين ثم القاضى بكّار بن قتيبة
ذكر خلافة المنتصر بالله
هو أبو جعفر محمد بن المتوكل أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد ابن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية، وهو الحادى عشر من الخلفاء العباسيين بويع له على ما ذكرناه فى ليلة قتل المتوكل، قال: ولما أصبح فى يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين حضر الناس من القوّاد والكتّاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم إلى الجعفرية، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا عن المنتصر، أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتلته به فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان الزينبى.
ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين
ذكر خلع المعتز والمؤيّد
قال: ولما استقامت الأمور للمنتصر قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا إنّا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين فيلى المعتز الخلافة فلا يبقى منّا باقية، والرأى أن نعمل فى خلع المعتز والمؤيد، فجدّ الأتراك فى ذلك وألحّوا على المنتصر، وقالوا نخلعهما من الخلافة ونبايع لابنك عبد الوهاب
стр. 8461
فأجابهم، وأحضر المعتز والمؤيّد بعد أربعين يوما من خلافته، وجعلا فى دار وجاءت الرسل إليهما بالخلع، فأجاب المؤيّد وامتنع المعتز وقال: إن أردتم القتل فشأنكم، فأخبروا المنتصر بقوله ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه بيتا فدخل إليه المؤيّد، وقال له: ويلك يا جاهل، إنّهم نالوا من أبيك- وهوهو- ما نالوا، ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ولا تراجعهم وإن كان فى سابق علم الله أن تلى لتلينّ، فقال أفعل، فخرج المؤيّد وقال:
قد أجاب إلى الخلع، فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا ومعهم كاتب، فجلس وقال للمعتز: اكتب بخطّك خلعك، فقال المؤيّد: هات قرطاسك- إمل «١» ما شئت، فأملى عليه كتابا إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأنّه لا يحلّ له أن يأثم المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعا له، ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع نفسه وأحلّ الناس من بيعته- فكتب ذلك، وقال للمعتز: اكتب فأبى فأعاد عليه فكتب، وخرج الكاتب «٢» عنهما ثم دعاهما المنتصر، فدخلا عليه فأجلسهما، وقال: هذا كتابكما؟
قالا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لهما- والأتراك قيام- أتريانى خلعتكما طمعا فى أن أعيش حتى يكبر ولدى وأبايع له؟ لا- والله- ما طمعت فى ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن لى فى ذلك طمع فو الله لئن يليها بنو أبى أحب إلىّ من أن يليها بنو عمى، ولكنّ هؤلاء- وأومأ إلى سائر الموالى ممن هو قائم عنده وقاعد- وقد ألحّوا فى خلعكما- فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة، فيأتى عليكما فما تريانى صانعا؟ أقتله فو الله ما تفى دماؤهم كلهم بدم بعضكم، فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل فقبّلا يده وضمّهما، ثم أشهدا على أنفسهما القضاة وبنى هاشم والقواد ووجوه الناس بالخلع، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن طاهر وغيره.
стр. 8462
ذكر وفاة المنتصر بالله
كانت وفاته يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وقيل يوم الأحد وهو لخمس خلون منه «١» . وكانت علّته الذبحة فى حلقه، أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، وقيل كانت علّته من ورم فى معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات، وقيل إنّه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم فمات، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذا له ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر «٢» أجودها، فأخذ ذلك المبضع المسموم- وقد نسيه الطبيب- ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك ووصّى من ساعته ومات، وقيل غير ذلك.
قال: ولما أفضت الخلافة إليه كان كثير من الناس يقولون: إنما مدة خلافته ستة أشهر- مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه، يقولها الخاصة والعامة. وقيل إنّ المنتصر رأى فى منامه رؤيا فانتبه وهو يبكى وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه، فسأله عن سبب بكائه فقال: رأيت فيما يرى النائم المتوكل قد جاءنى وهو يقول: ويحك يا محمد: قتلتنى وظلمتنى وغبنتنى خلافتى، والله لا متّعت بها أبدا إلا أياما يسيرة، ثم مصيرك إلى النار، فقال له عبد الله: هذه رؤيا وهى تصدق وتكذب، بل يعمّرك الله ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ فى اللهو ولا تعبأ بها، ففعل ذلك ولم يزل منكسرا «٣» حتى مات. وروى أبو الفرج بن الجوزى بسنده عن على بن يحيى المنجم قال «٤» : جلس المنتصر بالله فى مجلس كان أمر أن يفرش له، وكان
стр. 8463
فى بعض البسط دائرة كبيرة، فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج، وحوالى الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء ووقف على رأسه وجوه الموالى والقواد نظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتابة التى حولها، فقال لبغا: إيش هذا الكتاب «١» ؟ فقال: لا أعلم يا سيدى، فسأل من حضر من الندماء، فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: احضر لى من يقرأه، فأحضر رجلا فقرأ الكتابة وقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال له «٢» : يا أمير المؤمنين ليس له معنى، فألحّ عليه وغضب، فقال: يقول- أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبى فلم أمتّع بالملك إلا ستة أشهر، فتغيّر وجه المنتصر وقام عن مجلسه إلى النساء، فلم يمكث «٣» إلا ستة أشهر ومات. وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل ستة أشهر سواء، وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر، وقيل أربع وعشرون سنة، ووفاته بسامرا. ولما حضرته الوفاة أنشد:
فما فرحت نفسى بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلّى عليه أحمد بن المعتصم. وكان مربوعا أسمر أعين حسن الوجه ذا شهامة وشدّة. وكان له أربعة أولاد ذكور. وزيره: أحمد بن الخصيب.
حجابه: وصيف ثم بغا ثم ابن المرزبان ثم أوتامش. قاضيه: جعفر العباسى. أمير مصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها: بكّار.
ذكر خلافة المستعين بالله
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد، وأمه أم ولد اسمها مخارق، وهو الثانى عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الإثنين
стр. 8464
لأربع وقيل لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكان سبب بيعته أنه لما مات المنتصر اجتمع الموالى فى الهارونى «١» من الغد، وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش وغيرهم، واستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضى به بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش، وذلك برأى أحمد بن الخصيب فحلفوا، وتشاوروا فأجمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم فبايعوه، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وكان ذلك فى ليلة الإثنين، فلما أصبح صار إلى دار العامة فى زى الخلفاء، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يدية الحربة قبل طلوع الشمس، واستوزر أوتامش، واستكتب أحمد بن الخصيب.
وحضر أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم، فبينما هو كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحو خمسين فارسا ذكروا أنّهم أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر. ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح وصاحوا: معتز «٢» يا منصور، وتحرّك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية وكثروا، فحمل عليهم المغاربة وبعض الأشروسنية فهزموهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم فقتل جماعة، وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم. قال: ولما دخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة انتهبوا الخزانة التى فيها السلاح، فأتاهم بغا الصغير فى جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة وكثر القتل من الفريقين.
وتحرّك أهل السجن بسامرّا فهرب منهم جماعة. ثم وضع العطاء على البيعة وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فبايع له هو والناس ببغداد.
стр. 8465
وفى هذه السنة ورد على المستعين الخبر بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان فى شهر رجب، فعقد لابنه محمد بن طاهر على خراسان ولمحمد ابن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد وأفرده به. وفيها مات بغا الكبير فعقد لابنه موسى بن بغا على أعمال أبيه كلها؛ وفيها خرج عبيد الله «١» بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجّه خلفه ينفيه إلى برقة ومنعه من الحج؛ وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما، وأشهد عليهما القضاة والفقهاء، وترك للمعتز ما يتحصّل منه فى السنة عشرين ألف دينار وللمؤيد ما يتحصل منه فى السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا فى حجرة فى الجوسق ووكل بهما، وكان الأتراك أرادوا قتلهما حين شغب الغوغاء، فمنعهم أحمد بن الخصيب وأشار بحبسهما فحبسوهما. وفيها غضب الموالى على أحمد بن الخصيب فى جمادى الآخرة، واستصفوا ماله ومال ولده ونفى إلى إقريطش. وفيها شغب أهل حمص على عاملهم كيدر فأخرجوه، فوجّه إليهم الفضل بن قارن فقتل منهم خلقا كثيرا. وحمل مائة من أعيانهم إلى سامرّا. وفيها عقد المستعين لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيرا. وعقد لبغا الشرابى على حلوان وماسبذان ومهرجا نقذق.
وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخاصّة أموره، وقدّمه هو وأوتامش على جميع الناس.
وحج بالناس محمد بن سليمان.
ودخلت سنة تسع وأربعين ومائتين
ذكر الفتنة ببغداد
فى هذه السنة شغب الجند الشاكرية ببغداد غضبا على الأتراك، لتمكّنهم وقتلهم المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، يقتلون من شاءوا من
стр. 8466
الخلفاء ويستخلفون من أحبوا من غير نظر للمسلمين. فاجتمعت العامة بالصراخ ببغداد والنداء بالنفير. وانضم الأبناء والشاكرية تظهر أنّها تطلب الأرزاق وذلك فى أول صفر. ففتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وابراهيم ابنى هارون كاتبى محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالا كثيرة وفرّقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحى الجبال وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم، فلم يأمر الخليفة فى ذلك بشىء ولا بتوجيه عسكر، وكان قيام هؤلاء غضبا لقتل عمر بن عبيد الله «١» وعلى بن يحيى الأرمنى، وكانا قتلا فى غزو الروم.
وفيها فى شهر ربيع الأول وثب نفر من الناس بسامرّا لا يدرى من هم، ففتحوا السجن وأخرجوا من فيه فبعث فى طلبهم جماعة من الموالى.
فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأوتامش ووصيف وعامة الأتراك فقتلوا من العامة جماعة، فرمى وصيف بحجر فأمر بإحراق ذلك المكان.
وانتهبت المغاربة منازل جماعة من العامة ثم سكن ذلك فى آخر النهار.
ذكر قتل أوتامش الوزير
كان مقتله فى هذه السنة، وسبب ذلك أن المستعين كان أطلق يد والدته ويد أوتامش ويد شاهك فى بيوت الأموال، وأباحهم فعل ما أرادوا فكانوا يقتسمون ما يرد من الآفاق من الأموال، وأخذ أوتامش أكثر ما فى بيوت الأموال، وكان العباس بن المستعين فى حجره فكان يأخذ له ما فضل عن هؤلاء الثلاثة من الأموال يصرفه فى نفقاته، ووصيف وبغا بمعزل عن ذلك فغضبا، وأغريا الموالى بأوتامش وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراغنة عليه وعسكروا فى شهر ربيع الآخر، وأتوا الجوسق- وهو فيه مع
стр. 8467
المستعين- فأراد الهرب فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره، وأقاموا على ذلك يومين، ثم دخلوا الجوسق فأخذوه وقتلوه، وقتلوا كاتبه ابن القاسم، ونهبت دور أوتامش فأخذوا منها أموالا جمة ومتاعا وغير ذلك.
واستوزر المستعين بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد «١» ، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولّاه عيسى بن فرّخانشاه، وولى وصيفا الأهواز، وبغا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا على أبى صالح فهرب إلى بغداد، واستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائى.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة خمسين ومائتين
فى هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب بالكوفة، وفتح السجون وأخرج من فيها وكثر جمعه، وكان من أخباره وقتله ما نذكره فى أخبار آل أبى طالب. وفيها كان ابتداء الدولة العلوية بطبرستان، بظهور الحسن بن زيد العلوى على ما نذكره فى أخبارهم أيضا إن شاء الله تعالى.
وفيها وثب أهل حمص وقوم من كلب على عاملهم- الفضل بن قارن أخى مازيار بن قارن فقتلوه، فوجّه المستعين موسى بن بغا الكبير، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرّستن وحاربوه، فهزمهم وافتتح حمص وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أعيانها.
وحج بالناس فى هذه السنة جعفر بن الفضل والى مكة.
стр. 8468
ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
ذكر قتل باغر التركى
فى هذه السنة قتل باغر التركى. قتله بغا ووصيف، وسبب ذلك أنّه أحد قتلة المتوكل على ما ذكرناه، فزيد فى أرزاقه فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها «١»
. رجل من أهل باروسما بألفى دينار، فوثب رجل من أهل تلك الناحية يقال له ابن مارمة «٢» بوكيل لباغر، فتناوله فحبس ابن مارمة وقيّد، ثم تخلّص وسار إلى سامرا فلقى دليل بن يعقوب النصرانى وهو يومئذ صاحب أمر بغا الشرابى، وكان صديقا له وكان باغر أحد قواد بغا، فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمه وانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلا، وكان باغر شجاعا يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا فى ذى الحجة سنة خمسين وهو سكران، وبغا فى الحمّام فدخل عليه وقال: ما من قتل دليل بدّ، فقال له بغا: لو أردت ولدى ما منعتك منه ولكن اصبر فإنّ أمور الخلافة بيد دليل، فإذا أقمت غيره افعل ما تريد، وأمر بغا دليلا ألا يركب وأقام فى كتابته غيره، يوهم باغر أنه قد عزله فسكن باغر، ثم أصلح بغا بينهما وباغر يتهدده. قال: ولزم باغر خدمة المستعين فثقل عليه، فلما كان نوبة بغا فى منزله قال المستعين: أى شىء كان إلى إيتاخ من الخدمة، فأخبره وصيف، فقال: ينبغى أن يجعل ذلك إلى باغر، فسمع دليل ذلك فركب إلى بغا، فقال له: أنت فى بيتك وهو فى تدبير غيرك «٣» - وإذا عزلت قتلت، فركب بغا إلى دار الخليفة فى يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلنى، فحلف أنّه ما علم ما أراد الخليفة، واتفقا على إخراج باغر. من الدار وحلفا على ذلك، ودبّرا فى الحيلة عليه- فأرجفوا له أنّه يؤمرّ ويخلع عليه،
стр. 8469
ويكون فى موضع بغا ووصيف، فأحسّ باغر بالشر فجمع إليه الجماعة الذين كانوا وافقوه على قتل المتوكل وغيرهم، فجدّد العهد عليهم فى قتل المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع على بن المعتصم أو ابن الواثق ويكون الأمر لنا كما هو لهذين، فأجابوه إلى ذلك وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف وقال لهما: أنتما جعلتمانى خليفة ثم تريدان قتلى، فحلفا أنهما ما علما بشىء فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم على أخذ باغر ورجلين من الأتراك وحبسهم، وطلبوه فأقبل فى عدة فعدل به إلى حمام وحبس فيه، فبلغ الأتراك الخبر فوثبوا على اسطبل الخليفة فانتهبوه، وركبوا ما فيه وحضروا إلى باب الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل.
ذكر مسير المستعين إلى بغداد
قال: ولما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك أقاموا على ما هم عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم وأحمد بن صالح ودليل إلى بغداد فى حرّاقة، وركب جماعة من قواد الأتراك إلى «١» أصحاب باغر، فسألوهم الانصراف فلم يفعلوا، فلما علموا بانحدار المستعين ومن معه ندموا، ثم قصدوا دار دليل ودور أهله وجيرانه فنهبوها، حتى صاروا إلى أخذ الخشب. قال: ومنع الناس الأتراك من الانحدار إلى بغداد، فأخذوا ملاحا قد أكرى سفينته فصلبوه على دقلها، فامتنع أصحاب السفن؛ ووصل المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر فى داره، ثم وافى القواد بغداد سوى جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلّة الكتّاب والعمال وبنو هاشم وجماعة من أصحاب بغا ووصيف. وبايع أولئك للمعتز وحاصروا بغداد، وكان من خلع المستعين وقتله ما نذكره فى أخبار المعتز إن شاء الله تعالى.
стр. 8470
ذكر البيعة للمعتز بالله
هو أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها قبيحة، وهو الثالث عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له البيعة الأولى فى هذه السنة ثم بويع له البيعة العامة ببغداد لأربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، بعد خلع المستعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وكان سبب البيعة له أن المستعين لما استقر ببغداد أتاه جماعة من قواد الأتراك، ودخلوا عليه وألقوا نفوسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم فى أعناقهم وسألوه الصفح عنهم، فوبخهم وسبّهم ثم عادوا سألوه وتضرّعوا له، فقال: قد رضيت عنكم وعفوت، فقال له أحدهم- واسمه بايكباك «١» -: إن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرا، فإن الأتراك ينتظرونك، فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فضربه، وقال له محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين- قم فاركب معنا!! فضحك المستعين وقال: هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام، ثم قال لهم المستعين:
ارجعوا إلى سامرا فإنّ أرزاقكم دارّة عليكم، وأنظر أنا فى أمرى فرجعوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا من وراءهم خبرهم وزادوا وحرّفوا فأجمعوا على إخراج المعتز وكان هو والمؤيد فى حبس «٢» الجوسق، وعليهم من يحفظهم، فأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره- وكان قد كثر، وبايعوا له بالخلافة، فأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يوف المال فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم، وكان المستعين خلّف بسامرا فى بيت المال خمسمائة ألف دينار، وفى بيت مال أم
стр. 8471
المستعين ما قيمته ألف ألف دينار، وفى بيت مال العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، قال: وكان فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النقرس، فجىء به فى محفّة فامتنع من البيعة، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعا فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتز: أكرهت على ذلك وخفت السيف، فقال: ما علمنا بإكراهك، وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن نطلّق «١» نساءنا ونخرج من أموالنا؟! ولا ندرى ما يكون، إن تركتنى حتى يجتمع الناس وإلا فهذا السيف، فتركه المعتز، وكان ممّن بايع إبراهيم بن الديرج وعتّاب بن عتّاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرطة واستعمل على الدواوين وبيت المال وعلى الكتابة وغير ذلك.
قال: ولما وصل خبر بيعة المعتز إلى محمد بن عبد الله أمر بقطع الميرة عن أهل سامرا، وكتب إلى مالك بن طوق فى المسير إلى بغداد هو وأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة «٢» بن قيس وهو على الأنبار فى الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلى فى منع السفن والميرة عن سامرا، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم فى ذلك فأدير عليها السور، وأمر بحفر الخنادق من الجانبين، وجعل على كل باب قائدا، فبلغت النفقة على ذلك ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار، ونصبت المجانيق والعرّادات على الأبواب وشحن الأسوار، وفرض فرضا للعيارين ببغداد وجعل عليهم عريفا، وعمل لهم تراسا من البوارى المقيّرة، وأعطاهم المخالى ليجعلوا فيها الحجارة للرمى، وفرض أيضا لقوم من خراسان قدموا حجاجا، وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلد وموضع أن يحملوا الخراج
стр. 8472
إلى بغداد، وكتب إلى الجند والأتراك الذين بسامرا بنقض بيعة المعتز- مراجعة الوفاء له، وذكر أياديه عندهم ونهاهم عن النكث؛ وجرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات، فالمعتز يدعوه إلى بيعته ويذكره بما كان المتوكل أخذ عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعو المعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل منهما على صاحبه. قال:
وكتب كل من المعتز والمستعين إلى موسى بن بغا يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام فانصرف إلى المعتز وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين وكان قد تخلّف بعد أبيه، فاعتذر وقال لأبيه: إنما جئت لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداد أياما ثم هرب إلى سامرا، واعتذر إلى المعتز وقال: إنما صرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها، فقبل عذره وردّه إلى خدمته، وورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه جماعة من الأشروسنية وغيرهم.
ذكر حصار المستعين ببغداد
قال: ثم عقد المعتز لأخيه أبى أحمد بن المتوكل وهو الموفق لسبع بقين من المحرم على حرب المستعين ومحمد بن عبد الله. وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمور كلها، وجعل التدبير إلى كلباتكين «١» التركى، فسار فى خمسين ألفا من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، ونزل بباب الشماسية لسبع خلون من صفر، فراسله المستعين فى الكف عن القتال، وبذل له «٢» الأموال وأن يكون المعتز ولى عهده، فأبى أبو أحمد ذلك فأمر المستعين عساكره ألا يبدأوا بقتال، قال: وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم بل ادفعوهم.
قال: ثم تقدم الأتراك إلى باب الشماسية. فخرج إليهم الحسين «٣» بن
стр. 8473
إسماعيل فاقتتلوا، فقتل من الفريقين وجرح- وانهزم أهل بغداد. وسيّر الأتراك رءوس القتلى إلى سامرا. ووجّه المعتز عسكرا من الجانب الغربى فساروا إلى قطربل لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول «١» فأخرج إليهم محمد بن عبد الله بن طاهر جيشا فاقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لأصحاب المعتز. وكان بين الفريقين عدة وقائع يطول شرحها.
قال: وكان محمد بن عبد الله بن طاهر قائما فى خدمة المستعين أحسن قيام. فغيّره عبيد الله «٢» بن يحيى بن خاقان. وقال له: إنّ هذا الذى تنصره وتجدّ فى أمره هو أشد الناس نفاقا. وأبدى للمستعين مساوئ كثيرة.
فتغيّر محمد بن عبد الله بن طاهر. فلما كان يوم الأضحى صلّى المستعين بالناس، ثم حضر محمد إليه وعنده الفقهاء والقضاة. فقال له: لقد كنت فارقتنى على أن تنفّذ أمرى فى كل ما أعزم عليه. وخطك عندى بذلك.
فقال المستعين: أحضر الرقعة فأحضرها. فإذا فيها ذكر الصلح. وليس فيها ذكر الخلع فقال: نعم امض الصلح «٣» . فخرج محمد بن عبد الله بن طاهر إلى ظاهر باب الشماسية. فضرب له مضرب كبير فنزل فيه ومعه جماعة من أصحابه. وجاء أبو أحمد فى سمارية فصعد إليه. وتناظرا طويلا ثم خرجا، فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنّه بذل له خمسين ألف دينار ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار. وعلى أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع نفسه من الخلافة. وأن يعطى بغا ولاية الحجاز جميعه. ويولى وصيف الجبل وما والاه. ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله
стр. 8474
وجند بغداد، والثلثان للموالى والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع. وظن أن وصيفا وبغا معه فكاشفاه، فقال: النطع والسيف.
فقال له ابن طاهر: لا بد من خلعها طائعا أو مكرها، فأجاب إلى الخلع وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة وأدخلهم على المستعين وأشهدهم عليه، أنّه صيّر أمره إلى محمد بن عبد الله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة، وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من أصحابه، فأتوه فمنّاهم، وقال: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء، وأمرهم بالخروج إلى المعتز بالشروط التى شرطها للمستعين ولنفسه وقوّاده، ليوقع المعتز عليها بخطه فتوجهوا إلى المعتز فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه بخطه وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم ووجّه معهم من يأخذ البيعة له على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله بعد أن فتشوا وأخذ ما معهم.
ذكر خلع المستعين وخلافة المعتز بالله
ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين
قال: وخلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز بالله بن المتوكل وهى البيعة العامة للمعتز، وخطب له ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها. قال: ولما كتب كتاب الشروط دخل محمد [بن عبد الله] «١» بن طاهر إلى المستعين ومعه سعيد بن حميد وقد كتب شروط الأمان، فقال: يا أمير المؤمنين- قد كتب سعيد كتاب الشروط فأكده غاية التأكيد، فقرأه عليه ليسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لى إلى توكيدها، فما القوم بأعلم بالله منك، ولقد أكّدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت، فما ردّ محمد شيئا.
стр. 8475
ذكر أخبار المستعين بعد خلعه وما كان من أمره إلى أن قتل وذكر أولاده وعمّاله ومدة عمره وخلافته
قال: ولما أشهد المستعين على نفسه بالخلع نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل، ومعه عياله «١» وجميع أهله، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم وسيّروا إلى المعتز مع عبيد الله «٢» بن عبد الله بن طاهر، ومنع من الخروج إلى مكة فاختار المقام بالبصرة، فقيل له إن البصرة وبيّة، فقال:
أهى أوبأ أو ترك الخلافة؟! وقال بعض الشعراء فى خلع المستعين:
خلع الخليفة «٣» أحمد بن محمد ... وسيقتل التالىّ له أو يخلع
ويزول ملك بنى أبيه ولا يرى «٤» ... أحد بملك مهم يستمتع «٥»
إيها بنى العباس إنّ سبيلكم ... فى قتل أعبدكم سبيل «٦» مهيع
رقعتم دنياكم فتمزّقت ... بكم الحياة تمزقا لا يرقع
قال: وسيّر المستعين إلى واسط، ثم كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتسليمه إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين به بذلك، ثم أرسل أحمد بن طولون فى تسليمه فأخذه أحمد، وسار به إلى «٧» القاطول فسلّمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله وضربه حتى مات. وقيل بل جعل فى رجله حجرا وألقاه فى دجلة، وقيل كان قد حمل معه داية له، فلما أخذه سعيد وضربه صاح وصاحت دابته، فقتل وقتلت
следующие страницы →