Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.
стр. 8471
المستعين ما قيمته ألف ألف دينار، وفى بيت مال العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، قال: وكان فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النقرس، فجىء به فى محفّة فامتنع من البيعة، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعا فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتز: أكرهت على ذلك وخفت السيف، فقال: ما علمنا بإكراهك، وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن نطلّق «١» نساءنا ونخرج من أموالنا؟! ولا ندرى ما يكون، إن تركتنى حتى يجتمع الناس وإلا فهذا السيف، فتركه المعتز، وكان ممّن بايع إبراهيم بن الديرج وعتّاب بن عتّاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرطة واستعمل على الدواوين وبيت المال وعلى الكتابة وغير ذلك.
قال: ولما وصل خبر بيعة المعتز إلى محمد بن عبد الله أمر بقطع الميرة عن أهل سامرا، وكتب إلى مالك بن طوق فى المسير إلى بغداد هو وأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة «٢» بن قيس وهو على الأنبار فى الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلى فى منع السفن والميرة عن سامرا، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم فى ذلك فأدير عليها السور، وأمر بحفر الخنادق من الجانبين، وجعل على كل باب قائدا، فبلغت النفقة على ذلك ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار، ونصبت المجانيق والعرّادات على الأبواب وشحن الأسوار، وفرض فرضا للعيارين ببغداد وجعل عليهم عريفا، وعمل لهم تراسا من البوارى المقيّرة، وأعطاهم المخالى ليجعلوا فيها الحجارة للرمى، وفرض أيضا لقوم من خراسان قدموا حجاجا، وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلد وموضع أن يحملوا الخراج
стр. 8472
إلى بغداد، وكتب إلى الجند والأتراك الذين بسامرا بنقض بيعة المعتز- مراجعة الوفاء له، وذكر أياديه عندهم ونهاهم عن النكث؛ وجرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات، فالمعتز يدعوه إلى بيعته ويذكره بما كان المتوكل أخذ عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعو المعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل منهما على صاحبه. قال:
وكتب كل من المعتز والمستعين إلى موسى بن بغا يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام فانصرف إلى المعتز وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين وكان قد تخلّف بعد أبيه، فاعتذر وقال لأبيه: إنما جئت لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداد أياما ثم هرب إلى سامرا، واعتذر إلى المعتز وقال: إنما صرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها، فقبل عذره وردّه إلى خدمته، وورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه جماعة من الأشروسنية وغيرهم.
ذكر حصار المستعين ببغداد
قال: ثم عقد المعتز لأخيه أبى أحمد بن المتوكل وهو الموفق لسبع بقين من المحرم على حرب المستعين ومحمد بن عبد الله. وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمور كلها، وجعل التدبير إلى كلباتكين «١» التركى، فسار فى خمسين ألفا من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، ونزل بباب الشماسية لسبع خلون من صفر، فراسله المستعين فى الكف عن القتال، وبذل له «٢» الأموال وأن يكون المعتز ولى عهده، فأبى أبو أحمد ذلك فأمر المستعين عساكره ألا يبدأوا بقتال، قال: وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم بل ادفعوهم.
قال: ثم تقدم الأتراك إلى باب الشماسية. فخرج إليهم الحسين «٣» بن
стр. 8473
إسماعيل فاقتتلوا، فقتل من الفريقين وجرح- وانهزم أهل بغداد. وسيّر الأتراك رءوس القتلى إلى سامرا. ووجّه المعتز عسكرا من الجانب الغربى فساروا إلى قطربل لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول «١» فأخرج إليهم محمد بن عبد الله بن طاهر جيشا فاقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لأصحاب المعتز. وكان بين الفريقين عدة وقائع يطول شرحها.
قال: وكان محمد بن عبد الله بن طاهر قائما فى خدمة المستعين أحسن قيام. فغيّره عبيد الله «٢» بن يحيى بن خاقان. وقال له: إنّ هذا الذى تنصره وتجدّ فى أمره هو أشد الناس نفاقا. وأبدى للمستعين مساوئ كثيرة.
فتغيّر محمد بن عبد الله بن طاهر. فلما كان يوم الأضحى صلّى المستعين بالناس، ثم حضر محمد إليه وعنده الفقهاء والقضاة. فقال له: لقد كنت فارقتنى على أن تنفّذ أمرى فى كل ما أعزم عليه. وخطك عندى بذلك.
فقال المستعين: أحضر الرقعة فأحضرها. فإذا فيها ذكر الصلح. وليس فيها ذكر الخلع فقال: نعم امض الصلح «٣» . فخرج محمد بن عبد الله بن طاهر إلى ظاهر باب الشماسية. فضرب له مضرب كبير فنزل فيه ومعه جماعة من أصحابه. وجاء أبو أحمد فى سمارية فصعد إليه. وتناظرا طويلا ثم خرجا، فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنّه بذل له خمسين ألف دينار ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار. وعلى أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع نفسه من الخلافة. وأن يعطى بغا ولاية الحجاز جميعه. ويولى وصيف الجبل وما والاه. ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله
стр. 8474
وجند بغداد، والثلثان للموالى والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع. وظن أن وصيفا وبغا معه فكاشفاه، فقال: النطع والسيف.
فقال له ابن طاهر: لا بد من خلعها طائعا أو مكرها، فأجاب إلى الخلع وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة وأدخلهم على المستعين وأشهدهم عليه، أنّه صيّر أمره إلى محمد بن عبد الله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة، وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من أصحابه، فأتوه فمنّاهم، وقال: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء، وأمرهم بالخروج إلى المعتز بالشروط التى شرطها للمستعين ولنفسه وقوّاده، ليوقع المعتز عليها بخطه فتوجهوا إلى المعتز فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه بخطه وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم ووجّه معهم من يأخذ البيعة له على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله بعد أن فتشوا وأخذ ما معهم.
ذكر خلع المستعين وخلافة المعتز بالله
ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين
قال: وخلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز بالله بن المتوكل وهى البيعة العامة للمعتز، وخطب له ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها. قال: ولما كتب كتاب الشروط دخل محمد [بن عبد الله] «١» بن طاهر إلى المستعين ومعه سعيد بن حميد وقد كتب شروط الأمان، فقال: يا أمير المؤمنين- قد كتب سعيد كتاب الشروط فأكده غاية التأكيد، فقرأه عليه ليسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لى إلى توكيدها، فما القوم بأعلم بالله منك، ولقد أكّدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت، فما ردّ محمد شيئا.
стр. 8475
ذكر أخبار المستعين بعد خلعه وما كان من أمره إلى أن قتل وذكر أولاده وعمّاله ومدة عمره وخلافته
قال: ولما أشهد المستعين على نفسه بالخلع نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل، ومعه عياله «١» وجميع أهله، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم وسيّروا إلى المعتز مع عبيد الله «٢» بن عبد الله بن طاهر، ومنع من الخروج إلى مكة فاختار المقام بالبصرة، فقيل له إن البصرة وبيّة، فقال:
أهى أوبأ أو ترك الخلافة؟! وقال بعض الشعراء فى خلع المستعين:
خلع الخليفة «٣» أحمد بن محمد ... وسيقتل التالىّ له أو يخلع
ويزول ملك بنى أبيه ولا يرى «٤» ... أحد بملك مهم يستمتع «٥»
إيها بنى العباس إنّ سبيلكم ... فى قتل أعبدكم سبيل «٦» مهيع
رقعتم دنياكم فتمزّقت ... بكم الحياة تمزقا لا يرقع
قال: وسيّر المستعين إلى واسط، ثم كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتسليمه إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين به بذلك، ثم أرسل أحمد بن طولون فى تسليمه فأخذه أحمد، وسار به إلى «٧» القاطول فسلّمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله وضربه حتى مات. وقيل بل جعل فى رجله حجرا وألقاه فى دجلة، وقيل كان قد حمل معه داية له، فلما أخذه سعيد وضربه صاح وصاحت دابته، فقتل وقتلت
стр. 8476
معه وحمل رأسه إلى المعتز وهو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا راس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست، فلما فرغ نظر إليه وأمر به فدفن، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولّاه معونة البصرة.
قال: وكان مقتل المستعين فى آخر شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وعمره احدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر إلا أياما وقيل أكثر، ومدة خلافته إلى أن خلع نفسه ثلاث سنين وسبعة أشهر. ونقش خاتمه: فى الاعتبار غنى عن الاختبار. وكان سمينا صغير العينين كبير اللحية أسودها بوجنته خال أسود، وكان فيه لين وانقياد لأتباعه؛ قال: وسبب تلقيبه بالمستعين أنه لما بويع له بالخلافة قال: أستعين بالله وأفعل. قال: ولم يل الخلافة من لدن المنصور إلى هذا الوقت من لم يكن أبوه خليفة غيره. وذكر ابن مسكويه فى كتاب تجارب الأمم: أن المستعين أخو المتوكل لأبيه.
والصحيح أنه ولد أخيه محمد بن المعتصم، وكان له من الأولاد الذكور ستة. وقد ذكرنا وزراءه أثناء دولته. حجابه: أوتامش ثم وصيف ثم بغا.
قاضيه: الحسن بن أبى الشوارب «١» الأموى وقيل جعفر بن محمد بن عمار البرجمى «٢» . الأمراء بمصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها بكّار بن قتيبة.
стр. 8477
نعود إلى الحوادث فى أيام المعتز بالله فى بقية شهور سنة اثنتين وخمسين.
ذكر حال وصيف وبغا
قال: وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فى اسقاط اسم بغا ووصيف ومن معهما من الدواوين، فوجّه وصيف أخته سعاد «١» إلى المؤيد وكان فى حجرها، فكلّم المؤيد المعتز فى الرضى عن وصيف فرضى عنه، وتكلم أبو أحمد ابن المتوكل فى بغا فرضى عنه، وعاد إلى سامرّا وأعادهما المعتز إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهما وعقد لهما على أعمالهما، وجعل البريد إلى موسى بن بغا الكبير، واستوزر أحمد بن أبى اسرائيل.
وفيها شغب الجند ببغداد على محمد بن عبد الله فى طلب أرزاقهم، ففرّق فيهم ألفى دينار، ثم شغبوا مرة ثانية وعسكروا بباب الشماسية وباب حرب، وكانت بينهم وبين أصحاب محمد وقعات، ثم تفرّقوا ورجعوا إلى منازلهم.
ذكر خلع المؤيد وموته
وفى شهر رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده، وحبسه هو وأبا أحمد وقيّد المؤيد وقيل أنه ضربه أربعين مقرعة، وأخذ خطّه بخلع نفسه، ثم بلغه أن الأتراك يريدون إخراجه فأخرجه من الغد ميتا. وأوقف القضاة والفقهاء والوجوه عليه، وأنّه لا أثر به ولا جراحة.
وحمل إلى أمّه ومعه كفنه وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج فى لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات، وقيل إنّه أقعد فى الثلج وجعل على رأسه منه فمات من البرد. وكان ذلك فى شهر رجب.
стр. 8478
ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربة
وفى مستهل شهر رجب كانت الفتنة بين الطائفتين، وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرّخانشاه فضربوه وأخذوا دابته، فاجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد «١» وأخرجوا الأتراك من الجوسق، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة وتخلعون آخر وتقيمون وزيرا، وصار الجوسق وبيت المال فى أيدى المغاربة وأخذوا دواب الأتراك، والتقوا هم والمغاربة وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوا، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم على أن لا يحدثوا شيئا، فمكثوا مدة ثمّ اجتمع الأتراك فقتلوا محمد بن راشد ونصر بن سعيد.
وفيها خرج مساور بن عبد الحميد «٢» البجلى الموصلى بالموصل بالبوازيج، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها عقد لعيسى بن الشيخ- وهو من ولد جسّاس بن مرّة- على الرملة، فأنفذ خليفته أبا المغراء «٣» إليها فاستولى على فلسطين جميعها، فلما كان من أمر الأتراك بالعراق ما كان تغلّب على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة واستبّد بالأموال.
وحجّ بالناس محمد بن عيسى «٤»
ودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين
ذكر قتل وصيف
وفيها قتل وصيف وسبب ذلك أن الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا
стр. 8479
وطلبوا أرزاقهم لاربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما فكلّمهم فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال، وقال لهم بغا: نعم نسأل أمير المؤمنين، ودخلوا دار إشناس، ومضى سيما وبغا إلى المعتز وبقى وصيف فى أيديهم، فقتلوه ونصبوا رأسه على محراك تنوّر، فجعل المعتز ما كان لوصيف إلى بغا الشّرابى الصغير، وألبسه التاج والوشاحين.
ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعى
كانت وفاته فى الليلة الرابعة عشر من ذى القعدة، وكانت علّته قروحا أصابته فى حلقه ورأسه فذبحته، ولما اشتد مرضه كتب إلى عمّاله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله، فلما مات تنازع ابنه طاهر وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلّى عليه ابنه، ثم وجه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله.
وفيها نفى أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة ثم ردّ إلى بغداد، ونفى على بن المعتصم إلى واسط ثم ردّ إلى بغداد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن محمد بن سليمان وفيها كان ابتداء دولة يعقوب بن الليث الصفّار وملك هراة وبوشنج على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ودخلت سنة أربع وخمسين ومائتين
ذكر مقتل بغا الصغير الشّرابى
كان سبب قتله أنّه كان يحرّض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز لا يوافقه على ذلك ويكرهه، واتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرّا إلى بايكباك
стр. 8480
التركى ومن معه. وهم من المنحرفين عن بغا. وبايكباك قد شرب مع بغا فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بايكباك. فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور، وأقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا فبلغ ذلك بغا.
فخرج فى ألف فارس من غلمانه وقوّاده. فصار إلى السنّ فلما جنّه الليل ركب فى زورق. ومعه خادمان وشىء من المال الذى صحبه. وكان قد صحبه تسع عشرة بدرة من الدناينير ومائة بدرة من الدراهم. ولم يحمل معه سلاحا ولا سكينا ولم يعلم به أحد من عسكره. فصار إلى الجسر فى الثلث الأول من الليل، وخرج إلى البستان الخاقانى فلحقه عدة من الموكلين بالجسر. فوقف وعرّفهم نفسه وقال: إما أن تذهبوا معى إلى صالح بن وصيف. وإما أن تصيروا معى حتى أحسن إليكم. فتوكّل به بعضهم وأرسلوا إلى المعتز بخبره فأمر بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز. فنصب بسامرا وببغداد وأحرقت المغاربة جثّته. قال: وكان أراد أن يختفى عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد- وكان قد قرب- خرج هو وصالح ووثبا بالمعتز. فلم يمهله القدر.
وحج بالناس على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة خمس وخمسين ومائتين
ذكر خلع المعتز بالله وموته وشىء من أخباره
وفى يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر رجب منها خلع المعتز. وكان سبب ذلك أن الأتراك شغبوا فى طلب أرزاقهم. وصاروا إلى المعتز وقالوا:
أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف- وكان صالح قد دبّر عليه. فلم يجد ما يعطيهم فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار. فأرسل المعتز إلى أمّه يسألها أن تعطيه مالا يعطيه لهم. فقالت: ما عندى شىء، فلما رأى الأتراك أنّهم
стр. 8481
لا يحصل لهم من المعتز وأمه شىء اتفقت كلمتهم وكلمة المغاربة والفراغنة على خلع المعتز، فصاروا إليه وصاحوا به، ودخل صالح بن وصيف ومحمد بن بغا وبايكباك فى السلاح وجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن اخرج إلينا، فقال: قد شربت دواءا بالأمس وأفرط فى العمل، وإن كان أمر لا بدّ منه فليدخل بعضكم، فدخل إليه جماعة فجروا برجله إلى باب الحجرة.
وضربوه بالدبابيس وخرّقوا قميصه وأقاموه فى الشمس فى الدار، فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وبعضهم يلطمه وهو يتقى بيده، ثم أدخلوه حجرة وأحضروا ابن أبى الشوارب وجماعة فشهدوا على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وأخته الأمان، وكانت أمه قد اتخذت فى دارها سردابا فخرجت منه هى وأخت المعتز. قال: وسلّموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه، ثم أدخلوه سردابا وجصّصوه عليه فمات، فأخرجوه لليلتين خلتا من شعبان وأشهدوا على موته بنى هاشم والقوّاد، وأنّه لا أثر به ودفنوه بسامرّا مع المنتصر، وصلّى عليه المهتدى بالله. وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر إلا أياما، وقيل أربعا وعشرين سنة وثلاثة وعشرين يوما.
ومدة خلافته من لدن بويع له بسامرّا إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرون يوما. وكان أبيض أكحل أسود الشعر كثيفه حسن العينين- وكان يوثر اللذات. وكان نقش خاتمه: الحمد لله رب كل شىء وخالقه. ولده: عبد الله صاحب التشبيهات والشعر الرائق. وزراؤه:
جعفر بن محمود «١» الإسكافى ثم عيسى بن فرّخانشاه ثم أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الأنبارى. قاضيه: الحسن بن أبى الشوارب. حاجبه: صالح بن وصيف وكان غالبا على أمره. الأمراء بمصر: يزيد بن عبد الله ثم مزاحم بن
стр. 8482
خاقان «١» أخو الفتح ثم ابنه أحمد ثم أرخوز «٢» التركى ثم أحمد بن طولون. قاضيها: بكّار بن قتيبة «٣» .
ذكر خلافة المهتدى بالله
هو أبو عبد الله محمد بن هارون الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى ابن المنصور، وأمه رومية اسمها قرب، وهو الرابع عشر من الخلفاء العباسيين بويع له يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ولقّب بالمهتدى ولم يقبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز فخلع نفسه، وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة فى تسليمها إلى محمد بن الواثق وبايعه، فبايعه الخاصة والعامة بسامرا؛ قال: وكتب إلى سليمان بن عبد الله أن يأخذ له البيعة ببغداد، فورد كتابه فى سلخ شهر رجب، وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره، فثار من ببغداد «٤» من الجند والعامة لما بلغهم خبر المعتز، وأتوا باب سليمان فقاتلهم أصحابه، فقيل لهم ما ورد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا من الغد، وهجموا دار سليمان فى اليوم الثالث ونادوا باسم أبى أحمد ودعوا إلى بيعته، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم الخير ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرّق فيهم، فرضوا وبايعوا للمهتدى وذلك لسبع خلون من شعبان.
ذكر ظهور قبيحة أم المعتز بالله
كانت قد خرجت من السرداب الذى صنعته فى دارها واستترت،
стр. 8483
وكان سبب هربها أنّها كانت واطأت بعض الكتّاب على الفتك بصالح بن وصيف، فأوقع بهم صالح وعذّبهم فعلمت أنهم لا يكتمون عنه أمرها، فخرجت وأخرجت ما فى الخزائن إلى خارج الجوسق، فلما جرت «١» الحادثة على ابنها علمت أن حالها لا يخفى، وأن الذى تختفى عنده يطمع فى مالها وفى نفسها ويتقرّب إلى صالح، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما، وظهرت فى شهر رمضان وأحضرت أموالها من بغداد وهى خمسمائة ألف دينار، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة، من جملتها دار وجد فيها ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار، ووجدوا فى سفط مقدار مكوك من الزمرد لم ير الناس مثله وفى سفط آخر مكوك من اللؤلؤ الكبار. وفى سفط آخر مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذى لا يوجد مثله، فحمل الجميع إلى صالح. فسبّها وقال: عرّضت ابنها للقتل فى خمسين ألف دينار- وعندها هذا المال جميعه!! ثم سارت قبيحة إلى مكة فسمعت تدعو على صالح بصوت عال تقول: اللهم اخز صالحا كما هتك سترى، وقتل ولدى، وبدّد شملى، وأخذ مالى. وغرّبنى عن بلدى.
وركب الفاحشة منّى؛ وكان المتوكل سماها قبيحة لجمالها- فهو من أسماء الأضداد.
وفيها استولى مساور الخارجى على الموصل. وفيها خرج صاحب الزّنج فى فرات البصرة. وكان منه ما نذكره إن شاء الله فى أخباره. وفيها ولى سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد فى شهر ربيع الأول فى أيام المعتز، وكان قد فرّ من الحسن بن زيد العلوى فاستعمله المعتز على بغداد.
فقال ابن الرومى:
من عذيرى من الخلايف ضلّوا ... فى سليمان عن سواء السبيل
стр. 8484
نقلوه على الهزيمة بغداد ... كأن قد أتى بفتح جليل
من يخوض الردى إذا كان من ف ... ر أثابوه بالجزاء الجليل
وحجّ بالناس: على بن الحسين بن العباس العباسى
ودخلت سنة ست وخمسين ومائتين
ذكر وصول موسى بن بغا إلى سامرّا واختفاء صالح بن وصيف
وفى ثانى عشر شهر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرّا، وقد عبّأ أصحابه فاختفى صالح بن وصيف وجاء موسى إلى الجوسق، والمهتدى جالس للمظالم فأعلم به، فأمسك ساعة عن الأذن ثم أذن له ولمن معه فدخلوا وتناظروا وأقاموا المهتدى من مجلسه وحملوه على دابّة من دواب الشاكرية، وانتهبوا ما كان فى الجوسق وأدخلوا المهتدى دار ياجور، وكان سبب أخذه أنّ بعضهم قال: إنما هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكبسكم صالح بجيشه، فخافوا من ذلك فأخذوه، فقال لموسى: ويحك!! اتق الله فإنّك ركبت أمرا عظيما، فقال له موسى: وتربة المتوكل ما نريد إلا خيرا- ولو أراد به خيرا لقال وتربة المعتصم أو الواثق، ثم أخذوا عليه العهود ألا يميل مع صالح، ولا يضمر إلا مثل ما يظهر، ثم جدّدوا له البيعة، وطلبوا صالح بن وصيف ليحضر ويطالبوه بدم الكتّاب الذين قتلهم- وهم أحمد بن إسرائيل وأبو نوح، ويطالبوه بأموال المعتز فوعدهم بالحضور، فلما كان الليل رأى أصحابه قد تفرّقوا عنه فهرب واختفى.
ذكر قتل صالح بن وصيف
كان صالح قد اختفى وقام الأتراك فى طلبه، واتهموا الخليفة أنّه يعرف مكانه وراسلوه مراسلات وعزموا على خلعه. فحلف لهم أنه لا يعلم أين
стр. 8485
هو، وثارت الفتن بسببه، فجاء غلام إلى دار يطلب ماء فسمع قائلا يقول: أيها الأمير تنحّ فهذا غلام يطلب ماء، فسمع الغلام فجاء إلى عيّار فأخبره، فأخذ معه ثلاثة نفر وجاء إلى صالح وبيده مرآة ومشط وهو يسرّح لحيته، فأخذه فتضرّع إليه فقال: لا يمكننى تركك، ولكنّى أمرّ بك على أبواب «١» أهلك وقوّادك وأصحابك، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك، فأخرج حافيا وليس على رأسه شىء، والعامة تعدو خلفه وهو على برذون بإكاف، فأتوا به نحو الجوسق فقتلوه، وذلك لثمان «٢» بقين من صفر منها، وأخذوا رأسه وحمل وطيف به على قناة ونادوا عليه: هذا جزاء من قتل مولاه، ولما قتل أنزل رأس بغا الصغير ودفع الى أهله ليدفنوه.
ذكر خلع المهتدى وموته
قال: وكان خلعه فى منتصف «٣» شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين؛ وتوفى لاثنتى عشرة ليلة بقيت منه، وسبب ذلك أن أهل الكرخ والدور من «٤» الأتراك تحركوا فى طلب أرزاقهم أول شهر رجب، فسكّنهم المهتدى فرجعوا، فبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدى قال: إن المال عند محمد وموسى ابنى بغا، فهرب إلى أخيه وهو يقاتل مساور الخارجى، فكتب المهدى إليه أربع كتب يعطيه الأمان، فرجع هو وأخوه حبشون «٥» فحبسهما ومعهما كيغلغ، وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالمال،
стр. 8486
فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من شهر رجب ورمى فى بئر فأنتن، وأخرجوه إلى منزله وصلّى عليه الحسن بن المأمون.
وكتب المهتدى إلى موسى بن بغا لما حبس أخاه يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والرجوع إليه، وكتب إلى بايكباك أن يتسلّم العسكر ويقوم بحرب مساور، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه عليه، وقال: لست أفرح بهذا فإنّه تدبير علينا جميعا- فما ترى؟ قال موسى: أرى أن تصير إلى سامرّا وتخبره أنّك فى طاعته، وناصره علىّ وعلى مفلح فإنّه يطمئن إليك ثم تدبّر فى قتله، فأقبل إلى سامرا ومعه يارجوخ «١» وأسارتكين وسيما الطويل وغيرهم، فدخلوا دار الخلافة لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر رجب، فحبس بايكباك وصرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيرهم من الأتراك وقالوا: لم حبس قائدنا؟ ولم قتل محمد بن بغا؟ وكان عند المهتدى صالح ابن على بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه، فقال: إنه لم يبلغ أحد من آبائك «٢» ما بلغته من الشجاعة، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من يعبده، فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكنوا، فلو فعلت مثل ذلك سكنوا، فركب المهتدى وقد جمعوا له جميع المغاربة والأتراك والفراغنة، فصيّر فى الميمنة مسرورا «٣» البلخى- وفى الميسرة يارجوخ- ووقف هو فى القلب مع أسارتكين وطبايغو وغيرهما من القواد، وأمر بقتل بايكباك فقتل وألقى رأسه إليهم عتّاب بن عتّاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدى وميسرته بمن فيها من الأتراك فصاروا مع إخوانهم الأتراك، فانهزم الباقون عن المهتدى وقتل جماعة من الفريقين، فانهزم المهتدى وبيده السيف وهو ينادى: يا معشر الناس- أنا أمير
стр. 8487
المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة، فصار إلى السجن وأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه فهربوا، فصار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم فى أثره، فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق وهو على بغل، فحبس عند أحمد بن خاقان وقبّل المهتدى يده- فيما قيل- مرارا كثيرة، وأرادوه على الخلع فأبى واستسلم للقتل، فداسوا خصيتيه فمات واشهدوا على موته أنه سليم ليس فيه أثر؛ قال: وكانوا قد خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه، وقيل إن ابن عم بايكباك وجأه بسكين فقتله وشرب من دمه، قال: وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتا فكسروا على قبره ألف سيف.
وكانت خلافة المهتدى أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل أكثر إلى أربعين سنة وقيل اقل إلى سبع وثلاثين. وكان مربوعا أسمر واسع الجبهة رقيقا أشهل طويل اللحية عظيم «١» البطن، وكان حسن الطريقة. قال: وصلّى عليه القاضى جعفر بن عبد الواحد «٢» الهاشمى، ودفن بسامرا وكان مولده بالقاطول. وكان نقش خاتمه: من تعدّى الحق ضاق مذهبه. وكان له من الأولاد خمسة عشر ذكرا. وزراؤه أبو أيوب سليمان بن وهب وجعفر بن محمود الإسكافى وأبو صالح عبد الله «٣» بن محمد وغيرهم، قاضيه: الحسن بن أبى الشوارب ثم عبد الرحمن بن نائل البصرى «٤» . حجابه: صالح بن وصيف وبايكباك «٥» وموسى بن بغا. الأمير بمصر: أحمد بن طولون. قاضيها بكّار.
стр. 8488
ذكر شىء من سيرة المهتدى
كان ﵀ من أحسن الخلفاء طريقة، وأكثرهم ورعا وعبادة، قال عبد الله بن إبراهيم «١» الإسكافى: جلس المهتدى يوما للمظالم فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه، فقال الرجل للمهتدى: والله ما أنت- يا أمير المؤمنين- إلا كما قال القائل:
حكّمتموه فقضى «٢» بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة فى حكمه ... ولا يبالى عنت «٣» الخاسر
فقال المهتدى: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست حتى قرأت وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
«٤» الآية، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. وقال أبو العباس هاشم بن القاسم الهاشمى: كنت عند المهتدى فى بعض عشايا رمضان، فقمت لأنصرف فأمرنى بالجلوس فجلست حتى صلّى بنا المغرب، ثم أمر بالطعام فأحضر:
طبق خلاف عليه رغيفان وفى إناء ملح وفى آخر زيت وفى آخر خلّ، فدعانى إلى الأكل فأكل وأكلت مقصرا، ظنا منّى أنّه يحضر طعاما جيدا، فلما رأى أكلى كذلك قال: أما كنت صائما؟! قلت: بلى، ولست تريد الصوم غدا؟ قلت: وكيف لا وهو شهر رمضان! فقال: كل واستوف عشاك فليس هناك غير ما ترى، فعجبت من قوله وقلت: لم- يا أمير المؤمنين؟
أسبغ الله عليك النعمة ووسّع رزقه، فقال: إن الأمر على ما ذكرت والحمد لله، ولكنى فكّرت أنّه كان من بنى أمية عمر بن عبد العزيز فغرت على بنى هاشم ألا يكون فى خلفائهم مثله، فأخذت نفسى بما رأيت؛ قال إبراهيم بن
стр. 8489
مخلد عن بعض الهاشميين: إنهم وجدوا للمهتدى سفطا فيه جبّة صوف وكساء وبرنس، كان يلبس ذلك بالليل ويصلّى، ويقول: أما يستحى بنو العباس ألا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز، ولما قتله الأتراك تضاربوا على السفط وقدروا أن فيه ذخائره، فلما اطلعوا على ما فيه أظهروا الندم على قتله. وكان قد اطّرح الملاهى وحرّم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم «١» .
قال ابن الجوزى «٢» : وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج، يحبس نفسه فى الحسابات، وكان يجلس فى يوم الخميس والإثنين والكتّاب بين يديه رحمه الله تعالى.
ذكر خلافة المعتمد على الله
هو أبو العباس أحمد- وقيل أبو جعفر- بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها فتيان «٣» ، وهو الخامس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له فى منتصف شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وذلك أنّه لما أخذ المهتدى وحبس حضر أبو العباس وكان محبوسا بالجوسق، فبايعه الأتراك وكتب إلى موسى بن بغا بذلك وكان بخانقين، فحضر إلى سامرّا وبايعه، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
ذكر عزل عيسى بن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية
قد ذكرنا «٤» أن ابن الشيخ كان قد استولى على دمشق وقطع الحمل
стр. 8490
عن بغداد، واتفق أنّ ابن المدبّر حمل من مصر إلى بغداد سبعمائة ألف دينار، فأخذها عيسى بن الشيخ، فأرسل إليه من بغداد حسين الخادم فطالبه بالمال، فذكر أنّه أخرجه على الجند، فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد، وكان قد امتنع من ذلك فأخذ العهد، وأقام الدعوة، ولبس السواد ظنّا منه أن الشام يكون بيده، فأنفذ المعتمد أما جور وقلّده دمشق وأعمالها، فسار إليها فى ألف رجل، فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصورا فى عشرين ألف مقاتل، واقتتلوا فانهزم عسكر منصور وقتل هو، فوهن عيسى وسار إلى أرمينية على طريق الساحل.
وفيها ظهر على بن زيد العلوى بالكوفة، واستولى عليها وأخرج عامل الخليفة منها، وكان من أمره ما نذكره- إن شاء الله- فى أخبارهم.
ودخلت سنة سبع وخمسين ومائتين
ذكر ورود أبى أحمد الموفق من مكة وما عقد له المعتمد من الأعمال
كان سبب وروده أن أمر الزنج كان قد اشتد وعظم شرهم وفسادهم فى البلاد، فأرسل المعتمد على الله إلى أخيه أبى أحمد الموفّق وأحضره من مكة، فلما حضر عقد له على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز «١» ، وكان بين الزنج وعمال المعتمد وقائع كثيرة نذكرها إن شاء الله فى أخبارهم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق بن العباس العباسى «٢»
стр. 8491
ودخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول عقد المعتمد لأخيه أبى أحمد الموفق على ديار مضر «١» وقنسرين والعواصم، وخلع على مفلح فى شهر ربيع الآخر وسيّرهما لحرب الزنج بالبصرة، فقتل مفلح بسهم أصابه.
وفيها مات يارجوخ التركى فى شهر رمضان وكان صاحب مصر ومقطعها ويدعى له فيها، فلما توفى استقل أحمد بن طولون بالأمر، وكان قبل ذلك نائبه بها.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن.
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائتين
فى هذه السنة دخلت الزنج الأهواز، وسار موسى بن بغا لحربهم.
وفيها ملك يعقوب بن الليث نيسابور على ما نذكره. وفيها قتل كنجور، وسبب قتله أنّه كان على الكوفة، فسار عنها إلى سامرّا بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبى فحمل إليه مال ليفرقه فى أصحابه فلم يقنع به، وسار حتى أتى عكبرا فوجّه إليه من سامرّا عدة من القوّاد فقتلوه، وحملوا رأسه إلى سامرّا وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان العباسى
ودخلت سنة ستين ومائتين
ذكر الفتنة بالموصل وإخراج عاملهم
كان المعتمد قد استعمل على الموصل أساتكين وهو من أكابر قوّاد الأتراك فسيّر إليها ابنه اذكوتكين «٢» فى جمادى الأولى سنة تسع وخمسين
стр. 8492
ومائتين، فلما كان يوم النوروز من هذه السنة دعا وجوه أهل الموصل إلى قبّة فى الميدان، وأحضر أنواع الملاهى وتجاهر بالشرب والفسوق وفعل المنكرات، وأساء السيرة، ثم طالب أهل الموصل بالخراج عن غلات كانت قد هلكت من البرد. فاشتد ذلك على الناس، وكان لا يسمع بفرس جيد إلا أخذه من صاحبه، وأهل الموصل صابرون على ذلك كله منه. إلى أن وثب رجل من أصحابه على امرأة فأخذها من الطريق. فامتنعت واستغاثت. فقام رجل من أهل القرآن والصلاح اسمه إدريس الحميرى فخلّصها من يده. فعاد الجندى إلى ابن اساتكين فشكا من إدريس.
فأحضره وضربه ضربا شديدا من غير أن يكشف عن الأمر. فاجتمع وجوه أهل الموصل بالجامع وقالوا: قد صبرنا على أخذ الأموال وشتم الأعراض وإبطال السنن وإظهار البدع فلا نصبر على أخذ الحريم. واتفقوا على أن يشكوه إلى الخليفة، فبلغه الخبر فركب فى جنده ومعه النفّاطون، فخرجوا إليه ولقوه وقاتلوه قتالا شديدا حتى أخرجوه عن الموصل، ونهبوا داره وأصابه حجر فشجّه، ومضى من يومه إلى سامرا، فاجتمع أهل الموصل إلى يحيى بن سليمان وقلّدوه أمرهم، فبقى كذلك إلى أن انقضت سنة ستين ودخلت إحدى وستين، فكتب اساتكين إلى الهيثم «١» بن عبد الله بن المعمر التغلبى ثم العدوى «٢» فى أن يتقلّد الموصل، وأرسل إليه الخلع واللواء وكان بديار ربيعة، فجمع جموعا كثيرة وسار إلى الموصل، فنزل بالجانب الشرقى وبينه وبين البلد دجلة فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربى وزحف إلى باب البلد، فخرج إليه يحيى بن سليمان فى أهل الموصل فقاتلوه، فقتل منهم قتلى كثيرة وكثرت الجراحات، وعاد الهيثم عنهم فاستعمل اساتكين على الموصل إسحاق ابن أيوب التغلبى؛ فخرج فى عشرين ألفا منهم حمدان بن حمدون التغلبى
стр. 8493
وغيره، فنزل عند الدير الأعلى فقاتله أهل الموصل، ومنعوه وداموا على ذلك مدة، ومرض يحيى بن سليمان فطمع إسحاق فى البلد وجدّ فى الحرب، فانكشف الناس بين يديه فدخل البلد، ووصل إلى سوق الأربعاء وأحرق سوق الحشيش «١» ، فخرج بعض العدول واسمه زياد بن عبد الواحد وعلّق فى عنقه مصحفا، واستغاث بالمسلمين فأجابوه وعادت الحرب، فأخرجوا إسحاق وأصحابه عن المدينة، وبلغ سليمان الخبر فأمر أن يحمل فى محفّة ويجعل أمام الصفّ، فلما رآه أهل الموصل قويت نفوسهم واشتد قتالهم، فلم يزل الأمر على ذلك وإسحاق يراسلهم ويبذل لهم الإحسان وحسن السيرة، فأجابوه إلى أن يدخل البلد ويقيم بالربض الأعلى، فدخل وأقام سبعة أيام، ثم وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل شرور، فرجعوا إلى الحرب وأخرجوه عنها واستولى يحيى بن سليمان على الموصل، إلى أن استعمل المعتمد الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبى الموصلى فى سنة إحدى وستين.
وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل وهو أمير مكة.
ودخلت سنة إحدى وستين ومائتين
ذكر البيعة بولاية العهد للمفوّض جعفر بن المعتمد وللموفق الناصر لدين الله أبى أحمد أخى المعتمد
قال: وفى شوال من هذه السنة جلس المعتمد على الله فى دار العامة، وولّى ابنه جعفرا العهد ولقّبه المفوّض إلى الله وضمّ إليه موسى بن بغا، فولاه أفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان
стр. 8494
ومهرجانقذق «١» ، وولّى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر ولقّبه الناصر لدين الله الموفّق، وولّاه المشرق «٢» وسواد «٣» الكوفة وطريق مكة والمدينة «٤» واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس واصبهان وقمّ وكرج ودينور والرىّ وزنجان «٥» والسند، وعقد لكل واحد منهما «٦» لواءين أبيض وأسود، وشرط إن حدث به أمر «٧» وجعفر لم يبلغ أن يكون الأمر للموفّق ثم لجعفر بعده، وأخذت البيعة بذلك، فعقد جعفر لموسى على المغرب وأمر الموفّق بالمسير لحرب الزنج، فولى الموفّق الأهواز والبصرة وكور دجلة مسرورا البلخى، وسيّره فى مقدمته فى ذى الحجة، وعزم على المسير بعده، ثم شغله حرب يعقوب الصفّار على ما نذكره إن شاء الله.
وفيها كان ابتداء الدولة السامانية بولاية نصر بن أحمد السامانى ما وراء النهر على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة السامانية.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق العباسى
ودخلت سنة اثنتين وستين ومائتين
فى هذه السنة كانت الحرب بين الموفق ويعقوب بن الليث الصفّار على ما نذكره فى أخباره. وفيها وقعت الوحشة بين الموفّق وبين أحمد بن طولون أمير مصر واستحكمت، فطلب الموفّق من يتولى الديار المصرية فلم يجد أجدا، لأن ابن طولون كانت هداياه وخدمه متصلة إلى القوّاد وأرباب
стр. 8495
المناصب بالعراق، فكتب إلى أحمد بن طولون يتهدّده بالعزل. فأجابه بجواب فيه بعض الغلظة، فسيّر الموفّق إليه موسى بن بغا فى جيش كثيف، فسار إلى الرقّة فبلغ الخبر ابن طولون فحصّن الديار المصرية، وأقام ابن بغا بالرقّة عشرة أشهر لم يمكنه المسير لقلّة الأموال معه، وطالبه الأجناد بالعطاء فلم يكن معه ما يعطيهم، فاختلفوا عليه وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان فاستتر، فاضطر موسى إلى العود إلى العراق فعاد، وتصدّق ابن طولون بأموال كثيرة.
وحكى ابن الجوزى بسند رفعه إلى أبى عون الفرايضى قال «١» :
خرجت إلى مجلس أحمد بن منصور الزيادى سنة اثنتين وستين ومائتين، فلما صرت بطاق الحرّانى رأيت رجلا قد أمر بالقبض على امرأة، وأمر بجرّها فقالت له: اتق الله، فأمر أن تجرّ فلم تزل تناشده الله وهو يأمر بجرها، إلى أن بلغت إلى باب القنطرة، فلما يئست من نفسها رفعت رأسها إلى السماء، ثم قالت: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، إن كان هذا الرجل يظلمنى فخذه؛ قال أبو عون: فوقع الرجل على ظهره ميتا وأنا أراه، فحمل على جنازة وانصرفت المرأة.
وحج بالناس الفضل بن إسحاق العباسى
ودخلت سنة ثلاث وستين ومائتين
فى هذه السنة استولى يعقوب بن الليث على الأهواز. وفيها سلمت قلعة الصقالبة إلى الروم. وفيها مات الشارى الخارجى فبايع أصحابه أيوب
стр. 8496
ابن حيان الوارقى «١» ، فقتل فبايعوا محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقى المعروف بالغلام، فقتل أيضا فبايعوا هارون بن عبد الله البجلى، وكان من أخباره ما نذكره. وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد على الله، صدمه خادم بالميدان فسقط فسال دماغه من منخريه وأذنيه فمات لوقته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، وقدم موسى بن بغا فاختفى الحسن فاستورز سليمان بن وهب.
ودخلت سنة أربع وستين ومائتين
فى هذه السنة أسرت الروم عبد الله «٢» بن رشيد «٣» بن كاووس، وكان سبب ذلك أنه دخل بلد الروم فى أربعين ألف مقاتل من أهل الثغور الشامية فغنم وقتل فلما رحل عن البذندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قرة وكوكب «٤» وخرشنة وأحدقوا بالمسلمين، فنزل المسلمون وعرقبوا دوابّهم وقاتلوا، إلا خمسمائة منهم فإنهم حملوا حملة رجل واحد ونجوا على دوابهم، وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته وحمل إلى ملك الروم. وفيها دخلت الزنج إلى واسط.
стр. 8497
ذكر أخبار الوزراء
فى هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا، وشيّعة الموفّق والقواد، فلما صار إلى سامرّا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيّده وانتهب داره، واستوزر الحسن بن مخلد فى ذى القعدة، فسار الموفق إلى سامرا ومعه عبد الله بن سليمان بن وهب، فلمّا قرب من سامرا تحوّل المعتمد إلى الجانب الغربى مغاضبا للموفّق، واختلفت الرسل بينهما فاتفقا، وخلع على الموفّق ومسرور وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا وأطلق سليمان بن وهب، وعاد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد ومحمد بن صالح بن شيرزاد، فكتب فى قبض أموالهما، وهرب القوّاد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفّق، ووصلوا إلى الموصل وجبوا الخراج.
وفيها مات أماجور وملك أحمد بن طولون الشام وطرسوس على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار الدولة الطولونية وفيها ملك المسلمون مدينة سرقوسة، وهى من أعظم بلاد صقلية وذلك فى رابع عشر شهر رمضان.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمى «١»
ودخلت سنة خمس وستين ومائتين
فى هذه السنة استعمل الموفق مسرورا البلخى على أعمال الأهواز، وكانت له وقعة مع الزنج فهزمهم، وفيها كانت وفاة «٢» يعقوب بن الليث الصفّار بجند يسابور فى تاسع عشر شوال، وقام بالأمر بعده أخوه عمرو بن الليث. وفيها حبس الموفّق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وعدة من
стр. 8498
أصحابهما، وقبض أموالهم وضياعهم خلا أحمد بن سليمان، ثم صالح سليمان وابنه عبد الله «١» على تسعمائة ألف دينار، وجعلا فى موضع يصل إليهما من أراد. وفيها «٢» عسكر موسى بن أوتامش وإسحاق بن كنداجق والفضل بن موسى بن بغا وعبروا جسر دجلة، فأتبعهم الموفق صاعد بن مخلد فردهم من صرصر وخلع عليهم «٣» . وفيها خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنه فقتلوا وأسروا أرخوز «٤» ، وكان قبل ذلك يلى الثغور فعزل عنها وأقام مرابطا، وأسروا نحوا من أربعمائة وقتلوا نحوا من ألف وأربعمائة وذلك فى جمادى الأولى.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمى.
ودخلت سنة ست وستين ومائتين
فى هذه السنة غلب أساتكين على الرىّ واخرج عاملها، ومضى إلى قزوين وعليها أخو كيغلغ فصالحه فعاد إلى الرىّ وفيها كانت وقائع بين المتغلبين على الأطراف لا فائدة من ذكرها وحجّ بالناس هارون الهاشمى.
стр. 8499
ودخلت سنة سبع وستين ومائتين
فى هذه السنة كان بين الموفق والزنج حروب طويلة «١» ، ضعف بسببها أمرهم، ولم يكن من أحوال الخلافة ما نذكره، لتغلّب العمال على الأطراف واشتغال بعضهم ببعض، على ما نورد ذلك كله فى مواضعه إن شاء الله تعالى.
وحج بالناس هارون
ودخلت سنة ثمان وستين ومائتين
لم تكن فى هذه السنة إلا أخبار الزنج وحروبهم والخوارج، ويرد ذلك فى موضعه.
وحج بالناس هارون
ودخلت سنة تسع وستين ومائتين
فى هذه السنة حارب الموفّق أيضا صاحب الزنج، واستولى الموفّق على مدينتى صاحب الزنج الغربية ثم الشرقية، وهدم قصره فى حروب طويلة لا فائدة فى ذكرها.
ذكر مسير المعتمد على الله إلى مصر وعوده قبل الوصول اليها
فى هذه السنة سار المعتمد نحو مصر، وكان سبب ذلك أنّه لم يكن له من الخلافة إلا اسمها، ولا ينفذ له توقيع فى قليل ولا كثير، وكان الحكم كله للموفّق والأموال تجبى إليه، فأنف وضجر المعتمد من ذلك، وكتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه من أخيه فى السر، فأشار عليه باللحاق به بمصر ووعده النصر، وسيّر عسكرا إلى الرقة ينتظرون وصول المعتمد إليهم، فاغتنم
стр. 8500
المعتمد غيبة الموفّق عنه، وسار فى جمادى الأولى ومعه جماعة من القوّاد، فأقام بالكحيل يتصيّد ثم سار حتى صار إلى عمل إسحاق بن كنداجق- وهو عامل الموصل وعامة الجزيرة، فوثب إسحاق بمن مع المعتمد من القوّاد فقبضهم، وهم نيزك «١» وأحمد بن خاقان وخطارمش وقيّدهم وأخذ أموالهم ودوابهم، وكان صاعد بن مخلد وزير الموفق قد كتب إليه بذلك عن الموفّق، وكان سبب تمكّنه منهم ووصوله إلى قبضهم أنّه اظهر أنّه معهم فى طاعة المعتمد- إذ هو الخليفة، ولقيهم لما صاروا إلى عمله وسار معهم عدة مراحل، فلما قارب عمل أحمد بن طولون ارتحل الأتباع والغلمان الذين مع المعتمد ومع قواده، ولم يترك إسحاق أصحابه يرتحلون ثم قال للقوّاد وهم عند المعتمد: إنّكم قد قاربتم عمل ابن طولون والأمر أمره، وتصيرون جنده وتحت يده، أفترضون ذلك؟ وقد علمتم أنّه كواحد منكم، وتناظروا فى ذلك حتى ارتفع النهار ولم يرتحل المعتمد، ثم قال لهم: قوموا بنا حتى نتناظر فى غير حضرة أمير المؤمنين، فأخذ بأيديهم إلى خيمة له فلما دخلوا الخيمة قبض عليهم وقيّدهم وأخذ سائر من مع المعتمد من القوّاد، ثم مضى إلى المعتمد فعذله فى «٢» مسيره عن دار ملكه وملك آبائه وفراق أخيه الموفّق وهو على الحال التى هوبها من الحرب، ثم حمله ابن كنداجق ومن معه حتى أدخلهم سامرا. وفيها لعن المعتمد أحمد بن طولون فى دار العامة، وأمر بلعنه على المنابر، وولّى إسحاق بن كنداجق على أعمال ابن طولون، وفوّض إليه من باب الشماسية إلى إفريقية، وولّاه شرطة الخاصة؛ وكان سبب تغيره على ابن طولون أنّه قطع خطبة الموفّق، وأسقط اسمه عن الطرز، فتقدّم الموفّق إلى المعتمد بلعنه فلعنه مكرها، وكان المعتمد فى الباطن مع ابن طولون.
стр. 8501
ودخلت سنة سبعين ومائتين
فى هذه السنة قتل صاحب الزنج. وفيها كانت وفاة الحسن بن زيد العلوى صاحب طبرستان فى شهر رجب، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وولى بعده أخوه محمد بن زيد. وفيها كانت وفاة أحمد بن طولون وولاية ابنه خمارويه، ومسير ابن كنداجق إلى الشام على ما نذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الطولونية.
قال أبو الفرج بن الجوزى فى حوادث سنة سبعين ومائتين «١» : إن الروم نزلت ناحية قلمية «٢» على ستة أميال من طرسوس وهم زهاء مائة ألف «٣» مع بطريق البطارقة اندرياس، فبيّتهم يا زمان «٤» الخادم ليلا، فقتل رئيسهم وخلقا كثيرا من أصحابه يقال إنّهم بلغوا سبعين ألفا، وأخذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة فيها صليبهم الأعظم مكلل بالجوهر، وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل ومن السروج مثلها وسيوفا محلاة بذهب وفضة ومناطق وأربع كراسى من ذهب ومائتى طوق «٥» من ذهب وآنية كثيرة.
ونحوا من عشرة آلاف علم، وذلك فى يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول.
ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين
ذكر خلاف محمد وعلى العلويين بالمدينة
فى هذه السنة دخل محمد وعلى ابنا الحسين «٦» بن جعفر بن موسى بن
стр. 8502
جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بالمدينة وقتلا جماعة من أهلها وأخذا من قوم مالا، ولم يصلّ أهل المدينة فى مسجد رسول الله ﷺ أربع جمع، لا جمعة ولا جماعة. وفيها كانت وقعة الطواحين بين المعتضد بن الموفّق وخمارويه بن أحمد بن طولون، كان الظفر فيها لعسكر خمارويه، وهرب المعتضد إلى دمشق فمنع من دخولها.
ودخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين
فى هذه السنة قدم صاعد بن مخلد وزير الموفّق من فارس إلى واسط، فأمر الموفّق جميع القواد أن يستقبلوه، فاستقبلوه وترجلّوا له وقبّلوا يده وهو لا يكلّمهم كبرا وتيها، ثم قبض الموفّق عليه وعلى جميع أهله وأصحابه ونهب منازلهم بعد أيام، وكان قبضه فى شهر رجب، وقبض على ابنيه أبو عيسى وصالح وأخيه عبدون ببغداد، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل ابن بلبل، واقتصر على الكتابة دون الوزارة. وفيها صلح أمر مدينة رسول الله ﷺ ، وتراجع الناس إليها.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمى «١»
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين
فى هذه السنة وقع الخلاف بين أبى الساج وإسحاق بن كنداجق، وخطب لابن طولون بالجزيرة.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائتين
فى هذه السنة كانت الحرب بين الموفّق وعسكر عمرو بن الليث الصفّار
стр. 8503
على ما نذكره فى أخبار الدولة الصفّارية.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائتين
ذكر قبض الموفّق على ابنه المعتضد
فى هذه السنة قبض الموفّق على ابنه أبى العباس أحمد المعتضد، وسبب ذلك أن الموفّق دخل إلى واسط ثم عاد إلى بغداد، وأمر ابنه المعتضد أن يسير إلى بعض الوجوه، فقال: لا أخرج إلا إلى الشام، لأنها الولاية التى ولّانيها أمير المؤمنين. فغضب الموفّق وقبض عليه وجعله فى حجرة ووكل به، فثار القوّاد من أصحابه ومن تبعهم وركبوا، واضطربت بغداد فركب الموفّق إلى الميدان، وقال لهم: ما شأنكم!! أترون أنّكم أشفق على ولدى منى؟ وقد احتجت إلى تقويمه فانصرفوا.
ودخلت سنة ست وسبعين ومائتين
فى هذه السنة جعلت شرطة بغداد إلى عمرو بن الليث، وكتب اسمه على الأعلام والأترسه وذلك فى شوال «١» ، ثم ترتّب فى الشرطة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من قبل عمرو، ثم أمر بطرح اسم عمرو عن الأعلام وغيرها فى الشهر «٢» . وفيها ورد الخبر بانفراج تلّ بنهر البصرة يعرف بتلّ بنى «٣» شقيق عن سبعة أقبر شبه الأحواض، من حجر فى لون المسنّ عليها
стр. 8504
كتابه لا يدرى ما هى، وفيها سبعة أبدان صحيحة عليها أكفان جدد يفوح منها رائحة المسك، أحدهم شاب له جمّة وعلى شفتيه بلل كأنّه قد شرب ماء وكأنه قد كحل، وبه ضربة فى خاصرته.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد.
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائتين
فى هذه السنة دعى بطرسوس لخمارويه بن أحمد. وفيها ولى يوسف بن يعقوب المظالم، وأمر أن ينادى من كان له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله الموفّق أو أحد من الناس فليحضر وحج بالناس هارون
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين
فى هذه السنة كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مفلح أربعة أيام من المحرم، ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة، ووقع بالجانب الشرقى وقعة بين النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا
ذكر وفاة أبى أحمد الموفّق
فى هذه السنة توفى أبو أحمد الموفّق بن المتوكل فى يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر، ودفن ليلة الخميس بالرصافة، وكان قد مرض فى بلاد الجبل فانصرف وقد اشتد به وجع النّقرس، فلم يقدر على الركوب فحمل على سرير فيه قبة، وكان يجلس فيه هو وخادم له يبرد رجليه بالأشياء الباردة، ثم صار به داء الفيل، وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة، فقال لهم يوما وقد ضجر: أودّ أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسى.
стр. 8505
وآكل وأنا فى عافية؛ وقال فى مرضه: أطبق ديوانى على مائة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالا منّى، ووصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر، وشاع موته بعد انصراف أبى الصقر من داره، وكان قد تقدّم بحفظ ابى العباس فأغلقت عليه الأبواب. قال: ووجّه أبو الصقر إلى المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده وجىء بهم، فلما رأى غلمان الموفّق ما نزل بمولاهم كسروا الأبواب المغلقة على أبى العباس، فظن أنهم يريدون قتله فأخذ سيفه فى يده، وقال: والله لا يصلون إلىّ وفىّ شىء من الروح، فلما وصلوا إليه رأى غلامه وصيفا فألقى السيف من يده، وعلم أنّهم لا يريدون إلا الخير، وأخرجوه وأقعدوه عند أبيه وكان قد اعترته غشية، فلما أفاق ورآه قرّبه وأدناه إليه؛ وأما أبو الصقر فإنه لما حصل الإرجاف بموت الموفّق جمع القوّاد والجند وقطع الجسرين، وحاربه قوم من الجانب الشرقى فقتل منهم قتلى، فلما ظهر أن الموفّق حىّ حضر عنده محمد بن أبى الساج وفارق أبا الصقر، وتسلل القواد والناس عن ابى الصقر، فلما راى ذلك ابو الصقر حضر هو وابنه دار الموفّق، وذكر أن أبا الصقر أراد أن يتقرب إلى المعتمد بمال الموفّق واسبابه، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفّق، فنهبوا دار أبى الصقر وما يجاوره من الدور، وأخرجوا نساءه حفاة بغير أزر، وكسرت أبواب السجون وحرج من فيها. قال: وخلع الموفّق عند إفاقته على ابنه أبى العباس وعلى أبى الصقر، وركبا جميعا فمضى أبو العباس إلى منزله وجاء أبو الصقر إلى منزله وقد نهب، فطلب له حصيرة يجلس عليها عارية، ثم مات الموفق فى التاريخ الذى ذكرناه، وجلس ابنه أبو العباس للتعزية، وكان الموفّق عاد لأحسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة والفقهاء وغيرهم، فينصف الناس بعضهم من بعض، وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك.
стр. 8506
ذكر البيعة للمعتضد بالله بولاية العهد
قال: ولما مات الموفّق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوّض إلى الله ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله، وخطب له فى يوم الجمعة بعد المفوّض وذلك لسبع بقين من صفر، واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولىّ ما كان أبوه يتولّاه.
وفيها قبض المعتضد «١» على أبى الصقر وأصحابه وانتهبت منازلهم، وطلب بنى الفرات فاختفوا، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم.
قال ابن الجوزى «٢» : وفى هذه السنة غار ماء النيل، وكان ذلك شيئا لم يعهد مثله ولا سمع «٣» فى الأخبار السالفة «٤» .
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
ذكر خلع المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد وولاية أبى العباس المعتضد بالله بن الموفّق
فى المحرم من هذه السنة خرج المعتمد على الله وجلس للقوّاد والقضاة ووجوه الناس، وأعلمهم أنّه خلع ابنه المفوّض إلى الله جعفرا من ولاية العهد، وجعلها للمعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفّق، وشهدوا على المفّوض أنّه قد تبرأ من العهد، وأسقط اسمه من الخطبة والسكة والطرز وغير ذلك، وخطب للمعتضد وكان يوما مشهودا.
стр. 8507
وفيها نودى بمدينة السلام ألا يقعد على الطريق ولا بالمسجد الجامع قاض ولا منجم ولا زاجر، وحلف الورّاقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل.
ذكر وفاة المعتمد على الله وشىء من أخباره
كانت وفاته ببغداد ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان قد شرب على الشط بالجسر يوم الأحد شرابا كثيرا فمات ليلا، وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه وحمل إلى سامرّا فدفن بها، وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، وكان فى خلافته محكوما عليه، ضيّق عليه أخوه الموفّق حتى إنه احتاج فى بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها، فقال:
أليس من العجائب أنّ مثلى ... يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شىء فى يديه
إليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه
وهو أول من انتقل من الخلفاء من سامرّا، ولم يعد إليها بعده خليفة.
وكان طويل القدّ واللحية واسع العينين مقبلا على اللذات، مشغولا عن الرعيّة مضطرب الأحوال. وكان نقش خاتمه: السعيد من وعظ بغيره.
أولاده: عبد العزيز وجعفر ومحمد وإسحاق. وزراؤه: عبيد الله بن يحيى ابن خاقان ثم سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثم صاعد بن مخلد أخوه ثم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل. حجّابه: موسى بن بغا ثم جعفر بن غانم بن على الجهشيارى. قضاته: الحسن بن أبى الشوارب ثم أخوه على بن محمد.
الأمراء بمصر: أحمد بن طولون ثم ابنه خمارويه. قضاتها: بكّار بن قتيبة
стр. 8508
إلى أن توفى فى سنة سبعين ومائتين بعد وفاة أحمد بن طولون بأربعين يوما، وكانت ولايته أربعا وعشرين سنة ونصف سنة، وبقيت مصر بغير قاض، ثم وليها أبو عبدة «١» محمد بن عبدة واستخلف أبا جعفر الطحاوى واستكتبه وأعفاه. وقد قيل فى وفاة المعتمد على الله أنّه مات مسموما والله أعلم
خلافة المعتضد بالله
هو أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة الملقب الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل بن المعتصم بالله بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها ضرار وقيل اسمها خفيرة «٢» ، وهو السادس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد وفاة عمّه المعتمد على الله.
قال: ولما ولى استعمل غلامه بدرا على الشرطة، واستوزر عبيد الله ابن سليمان بن وهب وجعل على حرسه محمد بن الشاه بن ميكال «٣» ؛ ووصله فى شوال رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة، وسأله أن يوليه خراسان فعقد له عليها، وسيّر إليه الخلع واللواء والعهد، فنصب اللواء فى داره ثلاثة أيام. وفيها كانت وفاة نصر السامانى بما وراء النهر، فقام بعمله أخوه إسماعيل بن أحمد. وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة منّ خمارويه، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه وهى قطر
стр. 8509
الندى، وأصدقها المعتضد ألف ألف درهم، وفيها ملك أحمد بن عيسى ابن «١» الشيخ قلعة ماردين- وكانت بيد إسحاق بن كنداجق.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد العباسى، وهى آخر حجة حجّها وأول سنة حج بالناس سنة أربع وستين ومائتين.
ودخلت سنة ثمانين ومائتين
ذكر حبس عبد الله بن المهتدى وقتل محمد بن الحسن «٢»
فى هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدى ومحمد بن الحسن المعروف بشيلمة وحبسهما، وكان شيلمة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفّق بأمان؛ وكان سبب أخذهما أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، وأنّه يدعو لرجل لا يعرف اسمه، وأنّه قد أفسد جماعة من الجند وغيرهم، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشىء وقال: لو كان تحت قدمى ما رفعتها عنه، فأمر به فشدّ فى خشبة من خشب الخيم، ثم أوقد نارا عظيمة وأدير عليها حتى تقطّع جلده، ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر. وحبس ابن المهتدى إلى أن علم براءته فأطلقه
ذكر قصد المعتضد بنى شيبان وصلحه معهم وإغارته على الأعراب
فى أول صفر سار المعتضد من بغداد يريد بنى شيبان بالمكان الذى
стр. 8510
يحتمون «١» به من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصده جمعوا أموالهم، وأغار المعتضد على أعراب عند السنّ، فنهب أموالهم وقتل منهم مقتله عظيمة، وغرق منهم فى الزاب مثل ذلك، وعجز الناس عن حمل ما غنموه، فبيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وسار إلى الموصل وبلد فلقه بنو شيبان «٢» يسألون العفو، وبذلوا له رهائن فأجابهم إلى ما طلبوا، وعاد إلى بغداد، وأرسل إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ يطالبه بما أخذ من أموال ابن كنداجق، فبعثها إليه ومعها هدايا كثيرة.
وفيها غارت المياه بالرى وطبرستان حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وفى شوال منها انخسف القمر وأصبح أهل دبيل وقد أظلمت الدنيا عليهم، ودامت الدنيا مظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبّت ريح سوداء ودامت إلى ثلث الليل، ثم زلزلوا فى الثلث فخربت المدينة، ولم يبق من دورها إلا قدر مائة دار، وزلزلوا بعد ذلك خمس مرّات، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألف كلهم موتى.
وحج بالناس أبو بكر محمد بن هارون «٣»
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر مسير المعتضد إلى ماردين وملكها
فى هذه السنة توجّه المعتضد بالله- وهى الخرجة الثانية إلى الموصل- قاصدا حمدان بن حمدون، لأنّه بلغه أنّه مايل هارون الخارجى ودعا له،
следующие страницы →