Полный текст (13 172 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وقولهم: «جزيته حذو النّعل بالنّعل» : للمكافأة.
وقولهم: «جاءوا على بكرة أبيهم» أى جاءوا جميعا لم يتخلّف منهم أحد.
وقيل: بل البكرة تأنيث البكر. بصفهم بالقلة أى بحيث تحملهم بكرة أبيهم. وقيل بل البكرة التى يستقى عليها، معناه جاءوا بعضهم يتلو بعضا كدوران البكرة على نسق واحد؛ وقيل: المراد بالبكرة الطريقة كأنهم جاءوا على طريقة أبيهم، وقال ابن الأعرابىّ:
البكرة: جماعة من الناس أى بأجمعهم.
وقولهم: «جاوز الحزام الطيّبين» : يضرب في تجاوز الحدّ.
حرف الحاء
قولهم: «حرّك لها حوارها تحنّ» الحوار: ولد الناقة، والجمع القليل أحورة والكثير حوران وحيران، معناه ذكّره بعض أشجانه يهج له، قاله عمرو بن العاص لمعاوية حين أراد أن يستنصر أهل الشام، أى أرهم دم عثمان على قميصه.
وقولهم: «حلبتها بالساعد الأشدّ» أى أخذتها بالقوّة إذ لم يتأتّ بالرفق.
وقولهم: «حذو القذّة بالقذّة» أى مثلا بمثل: يضرب في التسوية بين الشيئين؛ ومثله: حذو النّعل بالنّعل، وقد تقدّم.
وقولهم: «حلب الدهر أشطره» معناه أنه اختبر الدّهر شطرى خيره وشرّه فعرف ما فيه.
стр. 842
وقولهم: «حسبك من غنى شبع ورىّ» ؛ قال امرؤ القيس
إذا ما لم تكن إبل فمعزى ... كأنّ قرون جلّتها العصىّ
فتملا بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع ورىّ
قال أبو عبيدة: يحتمل معنيين أحدهما أعط كل ما كان لك وراء شبعك وريّك، والآخر القناعة باليسير.
وقولهم: «حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق» أى اكتف بالقليل عن الكثير.
وقولهم: «حسبك من شرّ سماعه» أى اكتف بسماعه ولا تعاينه، قال:
ويجوز أن يريد يكفيك سماع الشرّ وإن لم تقدم عليه ولم تنسب إليه، والمثل قالته فاطمة بنت الخرشب من بنى أنمار بن بغيض أمّ الربيع بن زياد، وذلك أن ابنها الربيع كان أخذ من قيس بن زهير بن جذيمة درعا، فتعرّض قيس لأمّ الربيع وهى على راحلتها فأراد أن يذهب بها ليرتهنها بالدرع، فقالت له: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بنى زياد مصالحيك! وقد ذهبت بأمّهم يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا وشاءوا، وإن حسبك من شرّ سماعه، فذهبت كلمتها مثلا تقول: كفى بالمقالة عارا وإن كان باطلا.
وقولهم: «حلّقت به عنقاء مغرب» : يضرب لما يئس منه؛ قال الشاعر
إذا ما ابن عبد الله خلّى مكانه ... فقد حلّقت بالجود عنقاء مغرب
قال الميدانىّ: والعنقاء طائر عظيم معروف الاسم مجهول الجسم يقال: كان بأرض الرّس جبل يقال له: دمخ مصعّد في السماء، وكان يأتيه طائر عظيم لها عنق
стр. 843
طويلة؛ وهى من أحسن الطير؛ فيها من كل لون، وكانت تقع منتصبة وتنقضّ على الطير فتأكلها، فجاعت يوما وأعوزها الطير فانقضّت على صبىّ فذهبت به فسميت عنقاء مغرب: لأنها تغرب بكل ما تأخذه، ثم انقضّت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى جناحيها الكبيرين ثم طارت، فشكوا ذلك إلى نبيّهم: خالد بن صفوان، فقال: اللهم خذها واقطع نسلها وسلّط عليها آفة! فأصابتها صاعقة فاحترقت فضربتها العرب مثلا.
قال عترة بن الأخرس الطائىّ في مرثية خالد بن زيد
لقد حلّقت بالجود عنقاء كاسر ... كفتخاء دمخ حلّقت بالحزوّر
فما إن لها بيض فيعرف بيضها ... ولا شبه طير منجد أو مغوّر
وقولهم: «حتّام تكرع ولا تنقع» كرع إذا تناول الماء بفيه من موضعه:
يضرب للحريص في جمع الشىء.
وقولهم: «حسبك من إنضاجه أن تقتله» : يضرب لطالب الثأر فيقول:
لأقتلنّ فلانا وقومه أجمعين فيقال: لا تعدّ، حسبك أن تدرك ثأرك وطلبتك:
ويضرب لمتجاوز الحدّ.
حرف الخاء
قولهم: «خير حالبيك تنطحين» : يضرب لمن يكافئ المحسن بالإساءة، ومثله:
خير إناءيك تكفئين.
стр. 844
وقولهم: «خامرى أمّ عامر» معناه استترى؛ وأمّ عامر: الضبع، يشبه بها الأحمق، ومثله: خامرى حضاجر، أتاك ما تحاذر: وهو اسم للذكر والأنثى من الضباع.
وقولهم: «خلالك الجوّ فبيضى واصفرى» قاله طرفة بن العبد، وكان فى سفر مع عمّه فنصب فحّا للقنابر ونثر حبّا فلم يصد شيئا، فلما تحملوا رأى القنابر يلقطن الحبّ الذى نثره لهنّ، فقال في ذلك
يا لك من قنبرة بمعمر! ... خلالك الجوّ فبيضى واصفرى
ونقّرى ما شئت أن تنقّرى ... قد رحل الصيّاد عنك فابشرى
ورفع الفخّ فماذا تحذرى؟ ... لا بدّ من صيدك يوما فاصبرى!
يضرب في الحاجة يتمكّن منها صاحبها.
وقولهم: «خلع الدّرع بيد الزّوج» المثل لرقاش بنت عمرو بن تغلب بن وائل، وكان زوجها كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، فقال لها: اخلعى؛ فقالت:
خلع الدّرع بيد الزّوج، فقال: اخلعيه لأنظر إليك، فقالت: التجرّد لغير النكاح مثلة، فذهبت كلمتاها مثلين يضربان في وضع الشىء في غير موضعه.
وقولهم
«خلّ سبيل من وهى سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه»
يضرب لمن كره صحبتك وزهد فيك.
وقولهم: «خمر أبى الرّوقاء ليست تسكر» : يضرب للغنىّ الذى لا فضل له على أحد.
стр. 845
حرف الدال
قولهم: «دمّث لجنبك قبل النّوم مضطجعا» أى استعدّ للنوائب قبل حلولها؛ والتدميث: التليين.
وقولهم: «دع امرءا وما اختار» : يضرب لمن لا يقبل النصح؛ قال الشاعر
إذا المرء لم يدر ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أزينه!
وأعجبه العجب فاقتاده ... وتاه به التّيه فاستحسنه،
فدعه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يوما ويبكى سنه!
حرف الذال
قولهم: «ذكّرنى فوك حمارى أهلى» أصله أن رجلا خرج يطلب حمارين ضلّاله، فرأى امرأة فأعجبته فنسى الحمارين، فلما أسفرت عن وجهها رآها فوهاء فقال: ذكّرنى فوك حمارى أهلى، وقال
ليت النّقاب على النساء محرّم ... كى لا تغرّ قبيحة إنسانا
وقولهم: «ذهبوا أيدى سبا» ويقال: تفرقوا، أى تفرّقوا تفريقا لا اجتماع معه.
وقصة سبإ لمّا تفرقوا بسبب سيل العرم مشهورة؛ وسنذكرها إن شاء الله تعالى فى التاريخ.
стр. 846
وقولهم: «ذهبوا شغر بغر، وشذر مذر، وخذع مذع» أى في كل وجه.
وقولهم: «ذلّ بعد شماسه اليعفور» : يضرب لمن انقاد بعد جماحه؛ واليعفور:
فرس.
وقولهم: «ذهبت طولا، وعدمت معقولا» : يضرب للطويل بلا طائل.
حرف الراء
قولهم: «رمتنى بدائها وانسلّت» أصل هذا المثل: أن سعد بن زيد مناة تزوّج رهم ابنة الخزرج، وكانت من أجمل النساء، وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء، فقالت لها أمّها: إذا ساببنك فابدئيهنّ بذلك، ففعلت رهم ذلك مع ضرّتها، فقالت: رمتنى بدائها وانسلّت، فذهبت مثلا: يضرب لمن يعيّر الآخر بما هو يعيّر به.
وقولهم: «رماه بثالثة الأثافى» وهى قطعة من الجبل يوضع إلى جنبها حجران وينصب عليها القدر: يضرب لمن رمى بداهية عظيمة.
وقولهم: «ربّ صلف تحت الراعدة» الصّلف: قلّة الخير، والراعدة:
السحابة ذات الرعد: يضرب للبخيل مع السّعة.
وقولهم: «رجع بخفّي حنين» أصله أن حنينا كان إسكافا بالحيرة وساومه أعرابىّ بخفّين فاختلفا حتى أغضبه، فلما ارتحل الأعرابىّ أخذ حنين الخفين فألقى أحدهما على طريق الأعرابىّ، ثم ألقى الآخر بموضع آخر على طريقه، فلما مرّ الأعرابىّ بالخف الأوّل قال: ما أشبه هذا بخف حنين ولو كانا خفين لأخذتهما،
стр. 847
ثم مرّ بالآخر فندم على ترك الأوّل فأناخ راحلته وانصرف إلى الأوّل وقد كمن له حنين، فأخذ الراحلة وذهب بها وأقبل الأعرابىّ إلى أهله ليس معه غير خفّى حنين، فذهبت مثلا: يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة.
وقولهم: «ربّ ساع لقاعد، وآكل غير حامد» أوّل من قاله النابغة الذّبيانى، وكان سبب ذلك أن وفدا وفد إلى النعمان وفيهم رجل من بنى عبس يقال له: شقيق، فمات عنده، فلما حبا النعمان الوفود بعث بحبائه إلى أهله، فقال النابغة فى ذلك
أتى أهله منه حباء ونعمة ... وربّ امرىء يسعى لآخر قاعد
وقولهم: «ربّ ملوم لا ذنب له» قاله أكثم بن صيفىّ، معناه قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون عذره؛ وقيل: إن رجلا قال للأحنف ابن قيس: أنا أبغض التمر والزبد، فقال: ربّ ملوم لا ذنب له.
وقولهم: «ربّ كلمة تقول لصاحبها دعنى» : يضرب في النهى عن الإكثار مخافة الإهجار؛ ذكروا أن ملكا من ملوك حمير خرج إلى الصيد ومعه نديم له فوقفا على صخرة ملساء، فقال النديم: لو أن إنسانا ذبح على هذه الصخرة إلى أين كان يبلغ دمه، فأمر بذبحه، وقال: ربّ كلمة تقول لصاحبها دعنى.
ومثله قولهم: «ربّ رأس حصيد لسان» : يضرب للأمر بالسكوت.
وقولهم: «ردّ الحجر من حيث جاءك» : أى لا تقبل الضّيم وارم من رماك.
стр. 848
حرف الزاى
قولهم: «زيّن في عين والد ولده» : يضرب في عجب الرجل برهطه.
وقولهم: «زاحم بعود أو دع» اى لا تستعن إلا بأهل السنّ والتجربة.
وقولهم: «زوج من عود، خير من قعود» ، قالته بعض نساء العرب، قالوا:
كان ذو الإصبع العدوانىّ غيورا، وله بنات أربع، وكان لا يزوّجهنّ غيرة عليهنّ، فاستمع عليهنّ يوما وقد خلون يتحدّثن، فقالت إحداهنّ: لتقل كلّ واحدة منا ما في نفسها، ولنصدقنّ جميعا، فاشتهت كلّ واحدة من الثلاثة زوجا وصفت من جماله وكماله وسعة حاله، ثم أبت الصغرى أن تتكلّم، فقالوا: لا بدّ أن تقولى، وألحّوا عليها، فقالت:
زوج من عود، خير من قعود، فزوّجهنّ.
وقولهم: «زرغبّا تزدد حبّا» قاله معاذ بن صرم الخزاعىّ، وكانت أمّه من عكّ، وكان يكثر من زيارة أخواله، فأقام فيهم زمانا، ثم خرج يتصيّد مع بنى أخواله، فحمل على عير، فلحقه ابن خال له يقال له: الغضبان فتخاصما، فقال له الغضبان: والله! لو كان فيك خير لما تركت قومك، فقال: زر غبّا، تزدد حبّا، فأرسلها مثلا، وفي ذلك يقول الشاعر
إذا شئت أن تقلى فزر متواليا ... وإن شئت أن تزداد حبّا فزر غبّا
وقال آخر
عليك بإغباب الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أنّ القطر يسأم دائما ... ويسأل بالأيدى إذا هو أمسكا
стр. 849
حرف السين
قولهم: «سبق السيف العذل» قاله ضبّة بن أدّ لمّا لامه الناس على قتل قاتل ابنه في الحرم، ويقال: إنه لخزيم بن نوفل الهمدانىّ.
وقولهم: «سقط العشاء به على سرحان» أصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء، فوقع على ذئب فأكله، وقال ابن الأعرابىّ: أضله أن رجلا من بنى غنىّ يقال له: سرحان ابن هزلة كان بطلا فاتكا فقال رجل! والله لأرعينّ إبلى هذا الوادى، فورد بإبله، فوجد سرحان فقتله، وأخذ إبله وقال
أبلغ نصيحة: أنّ راعى أهلها ... سقط العشاء به على سرحان
سقط العشاء به على متقمّر ... طلق اليدين معاود لطعان
يضرب في طلب الحاجة يؤدّى صاحبها إلى التلف.
ومثله قولهم: «سقط العشاء به على متقمّر» وهو الأسد.
وقولهم: «سكت ألفا، ونطق خلفا» الخلف: الردىء من القول وغيره.
وقولهم: «ساء سمعا فأساء جابة» أوّل من قاله سهيل بن عمرو أخو بنى عامر، وكان قد خرج بابنه أنس، فوقف بجزورة مكة، فأقبل الأخنس بن شريق الثّقفىّ فقال له: من هذا؟ فقال: ابنى! فقال: حياك الله يا فتى [أين أمّك؟] فقال: لا والله ما أمّى في البيت، ولكنها انطلقت إلى أمّ حنظلة تطحن دقيقا، فقال أبوه: ساء سمعا فأساء جابة، فأرسلها مثلا.
стр. 850
وقولهم: «سحاب نوء ماؤه حميم» : يضرب لمن له لسان لطيف وليس وراءه خير.
وقولهم: «سوء الاستمساك خير من حسن الصّرعة» : معناه حصول البعض مع الاحتياط خير من الكلّ مع التهوّر.
حرف الشين
قولهم: «شخب في الإناء وشخب في الأرض» : يضرب لمن يتكلّم فيصينب مرة ويخطئ أخرى.
وقولهم: «شرق بالرّيق» أى ضرّه أقرب الأشياء إلى نفعه.
وقولهم: «شنشنة أعرفها من أخزم» قاله أبو أخزم الطائىّ: وكان له ابن يقال له: أخزم، فمات وترك بنين، فوثبوا على جدّهم يوما فأدموه، وكان أبوهم عاقّا له فقال
إنّ نبىّ ضرّ جونى بالدّم ... شنشنة أعرفها من أخزم
والشنشنة: الطبيعة والعادة: يضرب في قرب الشبه.
وقولهم: «شمّر ذيلا، وادّرع ليلا» : يضرب على الحثّ في الجدّ والطلب.
وقولهم: «شنوءة بين يتامى رضّع» الشنوءة: ما يستقذر من القول والفعل:
يضرب لقوم اجتمعوا على فجور وفاحشة ليس فيهم مرشد ولا ناه.
وقولهم:
«شيخ بحوران له ألقاب» وبعده ... الذئب والعقعق والغراب
حوران بأرض الشام: يضرب لمن يظهر للناس العفاف، ومن حقّه أن يحترز منه.
стр. 851
وقولهم: «شغل الحلى أهله أن يعارا» : يضرب للمسئول شيئا هو إليه أحوج من السائل.
وقولهم: «شبّ عمرو عن الطّوق» قاله جذيمة الأبرش، وعمرو هذا هو ابن أخته وهو عمرو بن عدىّ بن نصر.
حرف الصاد
قولهم: «صبرا على مجامر الكرام» قال ذلك يسار الكواعب، وكان عبدا أسود يرعى لأهله إبلا ضخمة، وكان معه عبد يراعيه، فمرّ أهله يوما سائرين بحذاء الإبل التى يرعاها، فعمد إلى لقوح فحلبها في علبة، حتّى ملأها ثم مشى بها، وكان أفجح الرّجّلين، حتى أتى بها ابنة مولاه يسقيها، وهى راكبة على جملها، فنظرت إلى رجليه فتبسمت، ثم شربت اللبن وجرته خيرا، فانطلق فرحا حتّى أتى صاحبه، فقصّ عليه القصة، فقال: اسخر بنفسك ولا تسخر ببنات الأحرار؛ فقال: والله لقد دحكت إلىّ دحكة لا أخيّبها، يريد: ضحكت، وكان أعجمىّ اللسان، ثم باتا فقام فحلب في علبة فملأها، ثم أتى ابنة مولاه، فنبّهها من نومها فاستيقظت وشربت، ثم اضطجعت وجلس يسار حيالها، فقالت: ما حاجتك؟ فقال: ما أعلمك بحاجتى! فقالت:
لا والله! فما هى؟ قال: ذاك الرجل الذى دحكت إلىّ. فقالت: حيّاك الله، وقامت إلى سفط لها فأخرجت منه بخورا ودهنا طيبا، وعمدت إلى موسى كانت تحفّ به الشعر، وأخذت مجمرة فيها نار، فوضعت عليها البخور ووضعتها تحته، وطأطأت كأنها تصلح البخور، فعمدت إلى مذاكيره فمسحتها بالموسى، فلما أحس بحرارة الحديد. قال: صبرا على مجامر الكرام، ثم أومأت إلى أنها تدهنه وقالت:
стр. 852
إن هذا دهن طيب، إلا أن فيه حرارة فتصبّر عليه، فإن ريحك ريح الإبل وأنا أعافك، ثم أشمّته الدهن على الموسى، ورفعته فوضعته بين عينيه فاستلتت بها أنفه. وقالت:
قم إلى إبلك يابن الخبيثة، فأتى صاحبه، فلما رآه. قال: أمقبل أنت أم مدبر؟
قال: أخزاك الله، أو قد عمى بصرك؟
إذ لا ترى أنفا ولا أذنين ... أما ترى وبّاصة العينين
هذا أحد الأقوال في هذا المثل: يضرب لمن يؤمر بالصبر على ما يكره. ويقال:
إن أعرابيا قدم الحضر بإبل، فباعها بمال كثير وأقام لحوائج له، ففطن قوم من جيرته لما معه من المال، فعرضوا عليه تزويج جارية وصفوها بالجمال والحسب طمعا في ماله، فرغب فيها فزوّجوه إياها، ثم اتخذوا طعاما وجمعوا الحىّ، وجلس الأعرابىّ في صدر المجلس، فأكلوا الطعام وأداروا الكؤوس وشرب الأعرابىّ، ثم أتوه بكسوة فاخرة، فلبسها وقدّموا له مجمرة فيها بخور لا عهد له به، وكان لا يلبس السراويل، فلما جلس على المجمرة، سقطت مذاكيره في النار، فظن أن ذلك سنّة لا بدّ منها، واستحيا أن يكشف ثوبه. فقال: صبرا على مجامر الكرام، فذهبت مثلا واحترقت مذاكيره، وتفرّق القوم، وارتحل إلى البادية وترك المرأة والمال، فلما وصل إلى قومه وقصّ عليهم القصة. قالوا: است لم تعوّد المجمر، فذهبت مثلا: يضرب لمن لا قديم له.
وقولهم: «صار الزّجّ قدّام السّنان» : يضرب في سبق المتأخّر المتقدّم من غير استحقاق لذلك.
وقولهم: «صرّح المحض عن الزّبد» : يضرب للأمر إذا انكشف وتبيّن.
стр. 853
وقولهم: «صفقة لم يشهدها حاطب» هو حاطب بن أبى بلتعة كان حازما، فباع بعض أهله بيعة غبن فيها حين لم يشهدها حاطب، فسارت مثلا لكلّ أمر ينبرم دون صاحبه.
حرف الضاد
قولهم: «ضربه ضرب غرائب الإبل» وذلك أن الغريبة تزدحم على الحياض عند الورود، وصاحب الحوض يطردها ويضربها بسبب إبله: يضرب فى دفع الظالم عن ظلمه بأشدّ ما يمكن.
وقولهم: «ضلّ الدّريص نفقه» الدّريص: ولد الفأرة واليربوع والهرّة وأشباه ذلك، ونفقه: حجره: يضرب لمن يعنى بأمره ويعدّ حجّة لخصمه، فينسى عند الحاجة.
وقولهم: «ضلّ حلم امرأة فأين عيناها؟» أى هب أنّ عقلها ذهب فأين ذهب بصرها؟: يضرب في استبعاد عقل الحليم.
وقولهم: «ضائف اللّيث قتيل المحل» : يضرب لمن اضطرّ لشىء فغرّر بنفسه في طلبه.
حرف الطاء
قولهم: «طويته على بلاله وعلى بللته» قال الشاعر
وصاحب مرامق داجيته ... على بلال نفسه طويته
ويقال: طويت السقاء على بللته إذا طويته وهو ند لأنه إن طوى يابسا تكسّر، وإن طوى نديّا عفن: يضرب للرجل يحمل على ما فيه من العيب؛ قال الشاعر
стр. 854
ولقد طويتكم على بللاتكم ... وعلمت ما فيكم من الأذراب
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودّة أقرب الأنساب
والأذراب: جمع ذرب وهو الفساد.
وقولهم: «طويته على غرّه» : غرّ الثوب: أثر كسره الأوّل: يضرب لمن يوكل إلى رأيه وما انطوى عليه.
حرف الظاء
قولهم: «ظالع يعود كسيرا» : يضرب للضعيف ينصر من هو أضعف منه.
وقولهم: «ظئر رءوم، خير من أمّ سؤوم» : الظئر؛ الحاضنة، والرءوم:
العطوف، والسؤوم: الملول: يضرب في عدم الشفقة وقلة الاهتمام.
وقولهم: «ظاهر العتاب خير من باطن الحقد» معناه ظاهر.
وقولهم: «ظلال صيف ما لها قطار» : يضرب لمن له ثروة ولا يجدى على أحد.
حرف العين
قولهم: «عند الصباح يحمد القوم السّرى» أوّل من قاله خالد بن الوليد لما بعث إليه أبو بكر رضى الله عنه. وكان باليمامة أن يسير إلى العراق، ونالته مشقة بسبب العطش، فأسرى حتى أدرك الماء فقال: عند الصباح يحمد القوم السرى:
يضرب لمن يحمل المشقة رجاء الراحة.
وقولهم: «عند جهينة الخبر اليقين» : يضرب في معرفة الشىء حقيقة.
стр. 855
وقولهم: «عير عاره وتده» أى أهلكه؛ وأصله أنّ رجلا أشفق على حماره فربطه إلى وتد، فهجم عليه السبع فلم يمكنه الفرار فأهلكه.
وقولهم: «عند النّطاح يغلب الكبش الأجمّ» وهو الذى لا قرن له:
يضرب لمن غلبه صاحبه بما أعدّ له.
وقولهم: «على أهلها تجنى براقش» قالوا: كانت براقش كلبة لقوم من العرب، فأغير عليهم فهربوا وهى معهم، فنبحت فاتبع القوم آثارهم بنباحها، فأدركوهم فقتلوهم، ففيها بقول حمزة بن بيض
بل جناها أخ علىّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجنى
وقيل في هذا المثل غير ذلك.
وقولهم: «عسى الغوير أبؤسا» الغوير: تصغير غار، والابؤس: جمع بؤس وهو الشدّة، قالته الزّبّاء عند رجوع قصير من العراق، ومعه الرجال، وكان الغوير على طريقه، ومعناه لعل الشرّ يأتيكم من قبل الغار: يضرب للرجل يقال له: لعل الشرّ جاء من قبلك.
وقولهم: «عشب ولا بعير» : يضرب للرجل له مال كثير ولا ينفقه على نفسه ولا على غيره.
وقولهم: «عاد غيث على ما أفسد» : يضرب للرجل فيه فساد، وصلاحه أكثر.
وقولهم: «عاد السهم الى النّزعة» أى رجع الحق إلى أهله.
стр. 856
وقولهم: «عصا الجبان أطول» لانه يفعل ذلك من فشله، يرى أن طولها أشدّ ترهيبا لعدوّه من قصرها.
وقولهم: «على الخبير سقطت» المثل لمالك بن جبير العامرىّ، وتمثّل به الفرزدق حين لقى الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، عند مقدمه من العراق وخروج الحسين إليه وقد قال له: ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت؛ قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أميّة، والنصر من السماء.
وقولهم: «عادة السّوء شرّ من المغرم» معناه أن المغرم إذا أدّيته فارقك، وعادة السوء لا تفارق صاحبها.
وقولهم: «عجعج لمّا عضّه الظّعان» أى صاح، والظعان: نسع يشدّ به الهودج: يضرب لمن يضجّ إذا لزمه الحقّ.
وقولهم: «عند الرّهان تعرف السّوابق» : يضرب لمن يدّعى ما ليس فيه.
وقولهم: «عاد الأمر إلى نصابه» : يضرب في الأمر يتولّاه أربابه.
وقولهم: «عينك عبرى والفؤاد في دد» الدّد والدّدن والدّدا: اللعب واللهو: يضرب لمن يظهر حزنا لحزنك وفي قلبه خلاف ذلك.
وقولهم: «عرفطة تسقى من الغوادق» ويروى: الغوابق؛ العرفطة: شجرة خشنة المسّ، والغوادق: السحاب الكثير الماء: يضرب للشّرّير يكرّم ويبجّل.
стр. 857
حرف الغين
قولهم: «غدّة كغدّة البعير وموت في بيت سلوليّة» قاله عامر بن الطّفيل؛ وذلك أنه لما قدم على النبىّ ﷺ ! وقدم معه أربد بن قيس اخو لبيد ابن ربيعة العامرىّ الشاعر لأمّه، فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطّفيل قد أقبل، قال: «دعه، فإن يرد الله به خيرا يهده» فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد، مالى إن أسلمت؟ قال: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم» قال: تجعل لى الأمر بعدك، قال: «ليس ذاك إلىّ، إنما ذاك إلى الله تعالى يجعله حيث يشاء» قال:
فتجعلنى على الوبر وأنت على المدر، قال: «لا» قال: فماذا تجعل لى؟ قال: «أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها» ، قال: أو ليس ذلك إلىّ اليوم؟ وكان قد أوصى إلى أربد بن قيس: «إذا رأيتنى أكلّمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف» فاخترط أربد سيفه شبرا فحبسه الله تعالى فلم يقدر على سلّه، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: «اللهمّ اكفنيهما بما شئت» فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وولّى عامر بن الطّفيل هاربا وقال:
يا محمد، دعوت ربّك فقتل أربد، والله لأملأنّها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا، فقال:
رسول الله ﷺ «يمنعك الله من ذلك» فسار عامر حتى نزل ببيت امرأة سلوليّة، فخرجت على ركبته غدّة عظيمة، فقال: غدّة كغدّة البعير وموت فى بيت سلوليّة، ثم مات على ظهر فرسه؛ وسلول أقلّ العرب وأذلّهم، فسار كلامه مثلا:
يضرب في خصلتين إحداهما شرّ من الأخرى.
وقولهم: «غرّنى برداك من خدافلى» ويروى: من غدافلى؛ أصل المثل
стр. 858
أن رجلا استعار بردى امرأة فلبسهما، ورمى بخلقان كانت عليه، فاسترجعت المرأة برديها فقاله: يضرب لمن ضيّع ماله طمعا في مال غيره.
حرف الفاء
قولهم: «فى وجه المال تعرف أمرته» أى نماءه وخيره؛ ويقال: أمرت أموال بنى فلان إذا نمت وكثرت: يضرب لمن يستدلّ بحسن ظاهره على حسن باطنه.
وقولهم: «فى بيته يؤتى الحكم» زعمت العرب أن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضبّ، فقالت الأرنب:
يا أبا الحسل، قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال:
عادلا حكّمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: فى بيته يؤتى الحكم، قالت: إنى وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: لطمته، قال: بحقّك أخذت، قالت: لطمنى، قال: حرّ انتصر، قالت: فاقض بيننا، قال: حدّث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة؛ فذهبت أقواله كلّها أمثالا.
وقولهم: «فتى ولا كمالك» قاله متمّم بن نويرة في أخيه مالك لمّا قتل.
وقولهم: «فى دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها» أوّل من قاله جارية من مزينة، قال الحكم بن صخر الثّقفىّ: خرجت منفردا فرأيت بإمّرة (وإمّرة موضع) ، جاريتين أختين لم أر كجمالهما، فكسوتهما وأحسنت إليهما، قال: ثم حججت من قابل ومعى أهلى، وقد اعتللت ونصل خضابى، فلمّا صرت بإمرة، إذا إحداهما قد جاءت، فسألت
стр. 859
سؤال منكرة، قال فقلت: فلانة؟ قالت: فدّى لك أبى وأمّى، أنّى تعرفنى وأنكرك؟
قال فقلت: أنا الحكم بن صخر، قالت: رأيتك عام أوّل شابا سوقة، وأراك العام شيخا ملكا، وفي دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها، فذهبت مثلا، قال قلت: ما فعلت أختك؟ قال: فتنفّست الصّعداء، وقالت: تزوّجها ابن عمّ لها وذهب بها، فذاك حيث تقول
إذا ما قفلنا نحو نجد وأهلها ... فحسبى من الدنيا قفول إلى نجد
قال قلت: أمّا إنى لو أدركتها لتزوّجتها، قالت: وما يمنعك من شريكتها فى حسنها وجمالها وشقيقتها؟ قال قلت: يمنعنى من ذلك قول كثيّر حيث يقول
إذا وصلتنا خلة كى تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل
فقالت: كثيّر بينى وبينك، أليس الذى يقول
هل وصل عزّة إلا وصل غانية؟ ... فى وصل غانية من وصلها خلف
قال: فتركت جوابها عيّا.
وقولهم: «فاتكة واثقة برىّ» زعموا أن امرأة كثر لبنها وطفقت تهريقه، فقال لها زوجها: لم تهر يقينه؟ فقالت: فاتكة واثقة برىّ: يضرب للمفسد الذى وراء ظهره ميسرة.
حرف القاف
قولهم: «قطعت جهيزة قول كلّ خطيب» أصله أن قوما اجتمعوا يخطبون في صلح بين حيّين، قتل أحدهما من الآخر قتيلا ليرضوا بالدية، فبينماهم فى ذلك، إذ جاءت أمة يقال لها: جهيزة، فقالت: إن القاتل قد ظفر به بعض
стр. 860
أولياء المقتول فقتله، فقالوا: قطعت جهيزة قول كلّ خطيب: يضرب لمن يقطع على الناس ما هم فيه بجهله.
وقولهم: «قبل البكاء كان وجهك عابسا» : يضرب للبخيل يعتلّ بالإعدام.
ومثله: «قبل النّفاس كنت مصفرّة» .
وقولهم: «قلب الأمر ظهرا لبطن» : يضرب في حسن التدبير.
وقولهم: «قد شمّرت عن ساقها فشمّرى» : يضرب في الحثّ على الجدّ فى الأمر.
وقولهم: «قد يضرط العير والمكواة في النار» قاله عرفطة بن عرفجة سيّد بنى هزّان، وكان بينه وبين الحصين بن نبيت العكلىّ حروب ووقائع، فقتلت عكل رجلا من بنى هزّان، وأسر عرفطة بن عكل رجلين، فقال لهما: أيّكم أفضل لأقتله بصاحبنا؟ فجعل كلّ واحد منهما يخبر أنّ صاحبه أكرم منه، فأمر بقتلهما جميعا، فقدّم أحدهما للقتل، فجعل الآخر يضرط، فقال عرفطة: قد يضرط العير والمكواة في النار، فأرسلها مثلا: يضرب للرجل يخوّف بالأمر فيجزع قبل وقوعه. وهذا أحد الأقوال فيه؛ وقيل غير ذلك.
وقولهم: «قد بيّن الصبح لذى عينين» : يضرب في ظهور الأمر كلّ الظهور.
وقولهم: «قد أنصف القارة من راماها» القارة: قبيلة قد تقدّم ذكرها فى الأنساب.
وقولهم: «قبل الرّماء تملأ الكائن» أى تؤخذ أهبة الأمر قبل وقوعه.
стр. 861
ومثله. «قبل الرّمى يراش السهم» : يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة اليها.
وقولهم: «قلب له ظهر المجنّ» : يضرب لمن كان لصاحبه على مودّة، ثم حال عن عهده.
وقولهم: «قد ألقى عصاه» إذا استقرّ من سفر أو غيره؛ يقال: إنه لما بويع لأبى العباس السفّاح، قام خطيبا فسقط القضيب من يده، فقام رجل من القوم وأنشد
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقولهم: «قد ونى طرفاه» : يضرب لمن ذلّ وضعف عن أن يتمّ له أمر؛ قال النجاشىّ
وإنّ فلانا والإمارة كالذى ... ونى طرفاه بعد ما كان أجدعا
وقولهم: «قدّت سيورهم من أديمك» : يضرب للشيئين يستويان في الشبه قال الشاعر
وقدّت من أديمهم سيورى
وقولهم: «قد بلغ الشّظاظ الوركين» الشظاظ: عويد يجعل في عروة الجوالق: يضرب فيما جاوز الحدّ، وهو كقولهم: جاوز الحزام الطّبيين.
حرف الكاف
قولهم: «كان كراعا، فصار ذراعا» : يضرب للذليل الضّعيف صار عزيزا قويّا.
وقولهم: «كلام كالعسل، وفعل كالأسل» : يضرب في اختلاف القول والفعل.
стр. 862
وقولهم: «كنت تبكى من الأثر العافى فقد لا قيت أخدودا» : يضرب لمن يشبكو القليل من الشرّ ثم يقع في الكثير.
وقولهم: «كلّ ذات بعل ستئيم» هذا من أمثال أكثم بن صيفىّ؛ قال الشاعر
أفاطم إنى هالك فتثبّتى ... ولا تجزعى، كلّ النساء تئيم
أى ستفارق زوجها.
وقولهم: «كلّ أزبّ نقور» قاله زهير بن جذيمة لأخيه أسيد، ونذكر الخبر فى وقائع العرب.
وقولهم: «كلّ فتاة بأبيها معجبة» : يضرب في عجب الرجل بعشيرته ورهطه.
وقولهم: «كلّ الصيد في جوف القرا» الفرا: الحمار الوحشى؛ أضل المثل أن ثلاثة نفر خرجوا متصيّدين، فاصطاد أحدهم أرنبا، والآخر ظبيا، والثالث حمارا، فتطاولا عليه بصيدهما، فقال: كلّ الصيد في جوف الفرأ: يضرب لمن يفضّل على أقرانه، وقد تمثّل به رسول الله ﷺ .
وقولهم: «كدمت غير مكدم» : يضرب لمن يطلب شيئا في غير مطلبه.
وقولهم: «كالثور يضرب لمّا عافت البقر» : يضرب في عقوبة البرىء بذنب المجرم، ويأتى ذكر ذلك في أوابد العرب.
وقولهم: «كالكبش يحمل شفرة وزنادا» : يضرب لمن يتعرّض للهلاك.
وقولهم: «كالمستغيث من الرمضاء بالنار» : يضرب في الخلتين يجتمعان على الرجل.
стр. 863
وقولهم: «كالقابس العجلان» : يضرب لمن عجّل في طلب حاجته.
وقولهم: «كلاهما وتمرا» أوّل من قاله عمرو بن حمران الجعدىّ، وذلك أنه مرّ برجل وبين يديه زبد وسنام وتمر، فقال: أنلنى ممّا بين يديك، فقال:
أيّما أحبّ إليك أزبد أم سنام؟ فقال: كلاهما وتمرا، فسارت مثلا.
وقولهم: «كالباحث عن المدية» يقال: إن رجلا وجد صيدا، ولم يكن معه ما يذبحه به، فبحث الصيد بأظلافه في الأرض، فسقط على شفرة فذبحه بها: يضرب فى طلب الشىء يؤدّى صاحبه إلى تلف النفس.
وقولهم: «كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع» : يضرب في أخذ البرىء بذنب الجانى، ويأتى ذكره في أوابد العرب.
وقولهم: «كالمحتاض على عرض السراب» : يضرب لمن يطمع في محال.
وقولهم: «كلّ لياليه لنا حنادس» : يضرب لمن لا يصل إليك منه إلا ما تكره.
حرف اللام
قولهم: «لو ذات سوار لطمتنى» معناه لو ظلمنى من كان كفؤا لى لهان علىّ، ولكن ظلمنى من هو دونى، وهو كقول بعضهم
فلو أنى بليت بهاشمىّ ... خؤولته بنو عبد المدان
لهان علىّ ما ألقى ولكن ... تعالى فانظرى بمن ابتلانى
وقولهم: «لو غير ذات سوار لطمتنى» روى الأصمعىّ: أن حاتما الطائىّ مرّ ببلاد عنزة في بعض الأشهر الحرم فناداه أسير لهم: يا أبا سفانة: أكلنى الإسار
стр. 864
والقمل، فقال: ويحك، أسأت إذ نوّهت باسمى في غير بلاد قومى، فساوم القوم به ثم قال: أطلقوه واجعلوا يدىّ في القدّ مكانه، ففعلوا ذلك؛ ثم جاءته امرأة ببعير ليفصده فنحره فلطمته فقال: لو غير ذات سوار لطمتنى، يعنى أنى لا أقتصّ من النساء، ثم عرف، ففدى نفسه فداء عظيما.
وقولهم: «لو ترك القطا ليلا لنام» قالته امرأة عمرو بن مامة، وقد نزل عليه قوم من مراد، فطرقوه ليلا، فأثاروا القطا، فرأته امرأته فنبّهته فقال: إنما هذا القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام؛ فسار مثلا: يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته؛ وقيل: إن التى قالته له حذام بنت الريّان.
وقولهم: «لبس له جلد النمر» : يضرب في إظهار العداوة وكشفها.
وقولهم: «لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب» أصله أن رجلا من العرب كان يعبد صنما، فجاء ثعلب فبال عليه، فقال في ذلك:
أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب
وقولهم: «ليس هذا بعشّك فادرجى» : يضرب لمن يرفع نفسه فوق قدره.
وقولهم: «لم أجد لشفرتى محزّا» : يضرب عذرا في تعذّر الحاجة.
وقولهم: «لو سئلت العارية أين تذهبين لقالت أكسب أهلى ذمّا» هذا من كلام أكثم بن صيفىّ: يضرب في سوء الجزاء للمنعم.
وقولهم: «ليس من العدل، سرعة العذل» أى لا ينبغى أن تعجّل بالعذل قبل أن تعرف العذر.
стр. 865
وقولهم: «ليس القدامى كالخوافى» : يضرب عند التفضيل.
وقولهم: «لو كويت على داء لم أكره» أى لو عوتبت على ذنب ما امتعضت.
وقولهم: «ليس على الشّرق طخاء يحجب» أى ليس على الشمس سحاب:
يضرب في الامر المشهور الذى لا يخفى على أحد.
وقولهم: «لأكوينّه كيّة المتلوّم» أى كيّا بليغا؛ والمتلوّم: الذى يتتبّع الداء حتى يعلم مكانه: يضرب في التهديد الشديد.
وقولهم: «لأمر ما جدع قصير أنفه» قالته الزّبّاء لما رأت قصيرا مجدوعا؛ وخبره يأتى في باب المكايد.
حرف الميم
قولهم: «ما تنفع الشّفعة في الوادى الرّغب» الشّفعة: المطرة الهيّنة، والرّغب:
الواسع: يضرب للذى يعطيك قليلا لا يقع منك موقعا.
وقولهم: «ما وراءك يا عصام؟» يقال: أوّل من قال ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة، وذلك أنه بلغه جمال ابنة عوف بن محلّم فأرسل إليها امرأة ذات عقل ولسان، يقال لها: عصام، وقال: اذهبى لتعلمينى بحالها، فلما انتهت إليها ونظرتها خرجت وهى تقول: «ترك الخداع، من كشف القناع» فذهبت مثلا، ثم عادت اليه، فقال لها: ما وراءك يا عصام؟ فقالت: «صرّح المحض عن الزّبد» فأرسلتها مثلا؛ وساق الميدانىّ على هذا المثل كلاما طويلا قالته عصام في وصف أعضاء المخطوبة.
стр. 866
وقولهم: «ما يوم حليمة بسرّ» هى حليمة بنت الحارث بن أبى شمر، كان أبوها وجّه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت لهم طيبا في مركن فطيّبتهم؛ فلما انتهت إلى لبيد بن عمرو وذهبت لتخلّقه، قبّلها، فلطمته وأتت أباها، فقال لها:
ويلك اسكتى عنه، فهو أرجاهم عندى ذكاء فؤاد، وإنى مرسله، فإن قتل فقد كفى الله شرّه؛ فسار إلى المنذر بالجيش، فقتلوا المنذر وكان يوما مشهورا، فقيل فيه:
ما يوم حليمة بسرّ.
وقولهم: «ما أشبه الليلة بالبارحة» أى ما أشبه بعض القوم ببعض.
وقولهم: «مرعى ولا كالسّعدان» قالوا: السّعدان أخثر العشب لبنا، ومنابته السهول: يضرب مثلا للشىء يفضّل على أقرانه وأشكاله؛ وأوّل من قال المثل: خنساء بنت عمرو بن الشريد، وقيل: بل قالته امرأة من طيىء تزوّجها امرؤ القيس بن حجر الكندىّ فقال لها: أين أنا من زوجك الأوّل؟ فقالت:
مرعى ولا كالسّعدان، أى إنك إن كنت رضا فلست كفلان.
وقولهم: «ماء ولا كصدّاء» صدّاء: ركيّة عذبة؛ قال ضرار السعدىّ
وإنى وتهيامى بزينب كالذى ... تطلّب من أحواض صدّاء مشربا
معناه أنه لا يصل إليها إلا بالمزاحمة لفرط حسنها، كالذى يرد الماء فإنه يزاحم عليه لفرط عذوبته.
وقولهم: «محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا» هو سالم بن دارة الغطفانىّ، ودارة: أمّه، وكان قد هجا بعض بنى فزارة فاغتاله زميل فقتله، ففيه يقول الكميت
فلا تكثروا فيه الضّجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
стр. 867
وقولهم: «ملكت فأسجح» الإسجاح: حسن العفو، أى ملكت الأمر فأحسن العفو؛ وقد تمثّل به رسول الله ﷺ في بعض غزواته؛ ونذكر الخبر فى ذلك في المغازى.
وقولهم: «من ينكح الحسناء يعط مهرها» أى من طلب حاجة بذل ماله فيها.
وقولهم: «من سرّه بنوه ساءته نفسه» قاله ضرار بن عمرو الضبىّ: وكان ولده ثلاثة عشر رجلا، كلّهم قد غزا ورأس، فرآهم يوما وأولادهم، فعلم أنهم لم يبلغوا هذه الأسنان إلا مع كبر سنّه، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه، فأرسلها مثلا.
وقولهم: «من أشبه أباه فما ظلم» معناه ظاهر.
وقولهم: «من ير يوما يربه» قاله كلحب بن شؤبوب الأسدىّ، وكان يغير على طيىء وحده، فدعا حارثة بن لأم رجلا من قومه يقال له: عترم، فقال له: أما تستطيع أن تكفينى مؤونة هذا الخبيث؟ فقال: بلى، فأرسل عشرة عيون عليه، فعلموا مكانه فانطلق إليه عترم فوجده نائما في ظلّ أراكة فنزل ومعه آخر فأخذ كلّ واحد منهما بإحدى يديه فانتبه فنزع يده اليمنى من ممسكها وقبض على حق الآخر فقتله وبادر الباقون فأخذوه وشدّوه وثاقا وأتوا به حارثة، فقال له: يا كحب، إن كنت أسيرا فطالما أسرت، فقال: من ير يوما ير به، فأرسلها مثلا، وقال حوذة وهو ابن المقتول لحارثة: أعطينه أقتله بأبى، فقال: دونكه! وجعلوا يتكلّمون وهو يعالج كتافه حتى انحلّ، ثم وثب على رجليه فاتبعوه بالخيل فأعجزهم.
وقولهم: «من سلك الجدد أمن العثار» الجدد: الأرض المستوية: يضرب فى طلب العافية.
стр. 868
وقولهم: «من يشترى سيفى وهذا أثره؟» قاله الحارث بن ظالم، وذلك انه لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب بزهير بن جذيمة العبسىّ على ما نذكره إن شاء الله فى وقائع العرب وهرب، فوجّه النعمان فوارس في طلبه فأدركوه سحرا فعطف عليهم وقتل منهم جماعة وكرّوا عليه فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرّقها وهو يقول: من يشترى سيفى وهذا أثره، فارتدعوا عنه وانصرفوا إلى النعمان.
وقولهم: «من مال جعد وجعد غير محمود» قاله جعد بن الحصين أبو صخر ابن جعد الشاعر، وكان قد كبر فتفرّق عنه بنوه وأهله، وبقيت له جارية سوداء تخدمه، فعلقت بفتى من الحىّ يقال له: عرابة، فجعلت تنقل إليه ما في بيت جعد، ففطن جعد لذلك، فقال في ذلك
أبلغ لديك بنى عمرو مغلغلة ... عمرا وعوفا وما قولى بمردود
بأنّ بيتى أمسى فوق داهية ... سوداء قد وعدتنى شرّ موعود
تعطى عرابة بالكفّين مجتنحا ... من الخلوق وتعطينى على العود
أمسى عرابة ذا مال يسرّ به ... من مال جعد، وجعد غير محمود
يضرب للرجل يصاب من ماله ويذمّ.
وقولهم: «من مأمنه يؤتى الحذر» قاله أكثم بن صيفىّ.
وقولهم: «من يمش يرض بما ركب» : يضرب للذى يضطرّ إلى ما كان يرغب عنه.
وقولهم: «من يلق أبطال الرجال يكلم» قاله عقيل بن علقمة المرّى، وقد رماه عملّس ابنه بسهم فحلّ فخذيه، فقال أبياتا منها
стр. 869
إنّ بنىّ زمّلونى بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
من يلق أبطال الرجال يكلم
وقولهم: «من لا يذد عن حوضه يهدّم» أى من لم يدفع عن نفسه يظلم، قاله زهير بن أبى سلمى.
وقولهم: «مكره أخوك لا بطل» قاله أبو حنش خال بيهس: يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه.
وقولهم: «من نام لا يشعر بشجو الأرق» : يضرب لمن غفل عما يعانيه صاحبه من المشقّة.
حرف النون
قولهم: «نفس عصام سوّدت عصاما» هو عصام بن شهبر حاجب النعمان ابن المنذر: يضرب في نباهة الرجل من غير قديم؛ وقيل في هذا
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
وصيّرته ملكا هماما
وقولهم: «نظرة من ذى علق» أى من ذى هوى: يضرب لمن ينظر بودّ.
وقولهم: «نزت به البطنة» : يضرب لمن لا يحتمل النّعمة؛ قال الشاعر
فلا تكوننّ كالنازى ببطنته ... بين القرينين حتى ظلّ مقرونا
стр. 870
وقولهم: «نجوت وأرهنتهم مالكا» قال عبد الله بن همّام السّلولىّ
فلمّا خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنتهم مالكا
يضرب لمن ينجو من هلكة نشب فيها شركاؤه وأصحابه.
وقولهم: «نام عصام ساعة الرحيل» : يضرب لمن طلب الأمر بعد ما ولّى.
حرف الهاء
قولهم: «هدنة على دخن» .
وقولهم: «هذا أوان شدّكم فشدّوا» .
ومثله قولهم: «هذا أوان الشدّ فاشتدّى زيم» قال الأصمعىّ: زيم: اسم فرس: يضرب للرجل يؤمر بالجدّ.
وقولهم: «هو على حبل ذراعك» أى الأمر فيه إليك: يضرب في قرب المتناول؛ وحبل الذراع: عرق في اليد.
وقولهم: «هان على الأملس ما لا قى الدّبر» : يضرب في سوء اهتمام الرجل بشأن صاحبه.
وقولهم: «هو بين حاذف وقاذف» لحاذف بالعصا، والقاذف بالحصى:
يضرب لمن هو بين الشرّين.
وقولهم: «هو على طرف الثّمام» الثمام: نبت ضعيف سهل المتناول تسدّ به خصاص البيوت، وربما حشيت به المخادّ؛ قالوا: إنه ينبت على قدر قامة الإنسان:
يضرب في تسهيل الحاجة وقرب النجاح.
стр. 871
وقولهم: «هى الخمر تكنى الطّلاء» : يضرب للأمر ظاهره حسن وباطنه على خلاف ذلك.
حرف الواو
قولهم: «وافق شنّ طبقة» قال الشرقىّ بن القطامىّ: كان رجل من دعاة العرب وعقلائهم يقال له: شنّ، فآلى أنه يطوف البلاد حتى يجد امرأة مثله فيتزوّجها، فبينا هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق فسارا جميعا، فقال له شنّ: أتحملنى أم أحملك؟ فقال: أنا راكب وأنت راكب، فكيف تحملنى أو أحملك؟! ثم سارا فانتهيا إلى زرع قد استحصد، فقال شنّ: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال: لم أر أجهل منك، نبتا مستحصدا فتقول: أكل أم لا! فسكت؛ ثم سارا حتى دخلا القرية فلقيا جنازة، فقال شنّ: أترى صاحب هذا النعش حيّا أم ميّتا؟ فقال له الرجل:
ترى جنازة تسأل عنها أميّت صاحبها أم حىّ! فسكت عنه شنّ وأراد مفارقته فأبى أن يتركه وسار به إلى منزله، وكان للرجل بنت يقال لها: طبقة، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه، فقال: ما رأيت أجهل منه، وحدّثها بحديثه، فقالت: يا أبت ما هذا بجاهل! قوله: أتحملنى أو أحملك؟ أراد أتحدّثنى أم أحدّثك، وأما قوله:
أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فأراد هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا؟ وأما الجنازة فأراد هل ترك عقبا يحيا بهم ذكره أم لا؟ فخرج الرجل فقعد مع شنّ فحادثه، وقال له:
أتحب أن أفسر لك ما سألتنى؟ قال نعم، ففسره، فقال شنّ: ما هذا من كلامك، فأخبرنى من صاحبه؟ فقال: ابنة لى، فخطبها إليه فزوّجه إياها وحملها إلى أهله، فلما رأوها قالوا: وافق شنّ طبقة، فذهبت مثلا: يضرب للمتوافقين؛
стр. 872
وقال الاصمعىّ: هم قوم كان لهم وعاء من أدم فتشنّن فجعلوا له طبقا فوافقه فقيل:
وافق شنّ طبقه، ورواه أبو عبيدة في كتابه، وقال ابن الكلبىّ: طبقة: قبيلة من إياد كانت لا تطاق فأوقعت بها شنّ بن أفصى بن دعمىّ فانتصفت منها وأصابت فيها فضربتا مثلا وأنشد
لقيت شنّ إيادا بالقنا ... طبقا، وافق شنّ طبقه
وقولهم: «وجدت الناس اخبر تقله» أصله اخبر الناس تقلهم: يضرب فى ذمّ الناس وسوء معاشرتهم.
وقولهم: «ولود الوعد عاقر الإنجاز» : يضرب لمن يكثر وعده ويقلّ نقده.
وقولهم: «ودّع مالا مودعه» لأنه إذا استودعه غيره فقد ودّعه وغرّر به ولعله لا يرجع اليه.
وقولهم: «ومورد الجهل وبىء المنهل» : يضرب في النّهى عن استعمال الجهل.
ما جاء في ما أوّله (لا)
قولهم: «لا مخبأ لعطر بعد عروس» ويقال: «لا عطر بعد عروس» أوّل من قاله امرأة من عذرة، يقال لها: أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بنى عمّها يقال له: عروس، فمات عنها، فتزوّجها رجل من قومها يقال له نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلا ذميما، فلما دخل بها قال: ضمّى إليك عطرك، فقالت: لا عطر بعد عروس، فذهبت مثلا، ويقال: إن رجلا تزوّج امرأة، فلما أهديت إليه
стр. 873
وجدها تفلة فقال لها: أين الطّيب؟ فقالت: خبّأته، فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس: يضرب مثلا لمن لا يدّخر عنه نفيس.
وقولهم: «لا يلدغ «١» المؤمن من حجر مرّتين» : يضرب لمن أصيب ونكب مرّة بعد أخرى، يقال هذا من امثال النبىّ ﷺ قاله لأبى عزّة الشاعر وكان رسول الله ﷺ قد أسره يوم بدر فمنّ عليه وأطلقه ثم أتاه يوم أحد فأسره، فقال: منّ علىّ، فقال رسول الله ﷺ «لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين» أى لو كنت مؤمنا لم تعد لقتالنا.
وقولهم: «لا أطلب أثرا بعد عين» أوّل من قاله مالك بن عمرو العامرى «٢» ، وكان من حديثه أن بعض ملوك غسّان كان يطلب في بنى عامر ذحلا فأخذ منهم مالكا وسماك ابنى عمرو العامرىّ فاحتبسهما زمانا ثم دعا بهما، فقال لهما: إنى قاتل أحدكم فأيكما أقتل؟ فجعل كلّ واحد منهما يقول: اقتلنى مكان أخى، فقتل سماكا وخلّى سبيل مالك، فقال سماك حين ظنّ أنه مقتول فأقسم لو قتلوا مالكا، لكنت لهم حيّة راصده
برأس سبيل على مرقب ... ويوما على طرق وارده
فأمّ سماك فلا تجزعى ... فللموت ما تلد الوالده
وانصرف مالك إلى قومه فأقام فيهم زمانا ثم إنّ ركبا مرّوا وواحد منهم يتغنّى بقول سماك
فأقسم لو قتلوا مالكا
فسمعته أمّ سماك، فقالت: يا مالك، قبح الله الحياة بعد سماك، اخرج في الطلب فخرج فلقى قاتل أخيه يسير في ناس من قومه فقال:
стр. 874
من أحسّ لى الجمل الأحمر، فقالوا له وقد عرفوه: يا مالك اكفف ولك مائة من الإبل، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فذهبت مثلا.
وقولهم: «لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا» أصله في الحرباء: يضرب لمن لا يدع حاجة إلا سأل أخرى.
وقولهم: «لا ماءك أبقيت، ولا حرك أنقيت» ويروى: ولا درنك؛ اصله أنّ رجلا كان في سفر ومعه امرأته، وكانت عاركا فطهرت وكان معها ماء يسير فاغتسلت به فنفد ولم يكفها لغسلها فعطشا فقال هذا القول فسار مثلا، وقيل: إنّ الذى قاله الضبّ بن أروى الكلاعىّ قاله لامرأته عمرة بنت سبيع؛ قال الفرزدق
وكنت كذات الحيض لم تبق ماءها ... ولا هى من ماء العذابة طاهر
وقولهم: «لا ناقتى في هذا ولا جملى» المثل للحارث بن عبّاد حين قتل جسّاس بن مرّة كليبا وحاجت الحرب بين الفريقين واعتزلهما الحارث؛ قال الراعى
وما هجرتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لى في هذا ولا جمل
يضرب عند التبرؤ من الظلم والإساءة.
وقولهم: «لا ينتطح فيها عنزان» قاله رسول الله ﷺ .
وقولهم: «لا ينبت البقلة، إلا الحقلة» الحقلة: القراح، أى لا يلد الوالد.
إلا مثله: ويضرب مثلا للكلمة الخسيسة تخرج من الرجل الخسيس.
وقولهم: «لا تدخل بين العصا ولحائها» : يضرب في المتخالّين المتصافيين.
وقولهم: «لا يحزنك دم هراقه أهله» قال هذا المثل جذيمة: يضرب لمن يوقع نفسه فيما لا مخلص له منه.
стр. 875
حرف الياء
قولهم: «يداك أوكتا وفوك نفخ» أصله أن رجلا كان في جزيرة من جرائر البحر فأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه، فلمّا توسّط البحر خرجت منه الريح فغرق فاستغاث برجل، فقال له: يداك أوكتا وفوك نفخ، فذهبت مثلا: يضرب لمن يجنى على نفسه الحين.
وقولهم: «يشجّ ويأسو» : يضرب لمن يصيب في التدبير مرّة ويخطىء أخرى؛ قال الشاعر
إنى لأكثر ممّا سمتنى عجبا ... يد تشجّ وأخرى منك تأسونى
وقولهم: «يسرّ حسوا في ارتغاء» أصله أن الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرّغوة خاصّة فيشربها، وهو في ذلك ينال من اللبن: يضرب لمن يريك أنه يعينك وإنما يجرّ النفع إلى نفسه؛ قال الكميت
فإنى قد رأيت لكم صدودا ... وتحساء بعلّة مرتغينا
وقولهم: «يمشى رويدا ويكون أوّلا» : يضرب للرجل يدرك حاجته في تؤدة ودعة، وينشد فيه
تسألنى أمّ الوليد جملا ... يمشى رويدا ويكون أوّلا
وقولهم: «يصبح ظمآن وفي البحر فمه» : يضرب لمن يعاشر بخيلا مثريا.
وقولهم: «يملأ الدّلو الى عقد الكرب» مأخوذ من قول عتبة بن أبى لهب
من يساجلنى يساجل ماجدا ... يملا الدّلو إلى عقد الكرب.
وهو الحبل الذى يشدّ في وسط العراقىّ: يضرب لمن يبالغ فيما يلى من الأمر.
стр. 876
وقولهم: «يكوى البعير من يسير الداء» : يضرب في حسم الأمر الضائر قبل أن يعظم ويتفاقم.
وقولهم: «يعود على المرء ما يأتمر» ويروى: يعدو؛ معناه يعود على الرجل ما تأمره به نفسه فيأتمر، أى يمتثله ظنّا منه أنه رشد، وربما كان هلاكه فيه، ومنه قول امرئ القيس
أحار بن عمرو كأنى خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر
ومما يتمثل به من أشعار الجاهلية
امرؤ القيس بن حجر:
قد تقدّم من شعره في الاستشهاد على أمثال العرب ما يستغنى عن إعادته في هذا المكان.
ومن شعره
والبرّ خير حقيبة الرّجل ... رضيت من الغنيمة بالإياب
إن الشقاء على الأشقين مصبوب
وقال أيضا
وقاهم جدّهم بينى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العتاب
وقال فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
زهير بن أبى سلمى
يقول
ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه ... ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم
ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم
стр. 877
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه ... مطيع العوالى ركّبت كلّ لهذم
وقال أيضا
وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وقال أيضا
والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال أيضا
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
يقول: إنما الحقوق تصحّ بواحدة من هذه الثلاث: يمين أو محاكمة أو حجّة واضحة؛ وكان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه يتعجّب من معرفته بمقاطع الحقوق.
النابغة الذّبيانى:
اسمه زياد بن عمرو، ويكنى أبا أمامة؛ غلب عليه «النابغة» لأنه عبر برهة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله؛ وكذلك الجعدىّ؛ وقيل: إنما لقّب بالنابغة لقوله
فقد نبغت لهم منّا شؤون
وقيل في نسبه: زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرّة ابن عوف بن سعد بن ذبيان.
стр. 878
فمما يتمثّل به من شعره قوله
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... فإن مطيّة الجهل الشباب
وقال
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب؟
وقال أيضا
استبق ودّك للصديق ولا تكن ... قتبا يعضّ بغارب ملحاحا
طرفة بن العبد
يقول
حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض ... ما أشبه الليلة بالبارحه
وقال أيضا
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقال أيضا
وأعلم علما ليس بالشكّ أنه ... إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل
أوس بن حجر
يقول
فإنكما يا ابنى حباب وجدتما ... كمن دبّ يستخفى وفي الكفّ جلجل
وقال أيضا
وما ينهض البازى بغير جناحه ... ولا يحمل الماشين إلا الحوامل
اذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقال أيضا
ولست بخابئّ أبدا طعاما ... حذار غد، لكلّ غد طعام
стр. 879
بشر بن أبى خازم
يقول
وأيدى الندى في الصالحين قروض ... كفى بالموت نأيا واغترابا
المتلمس
وهو جرير بن عبد المسيح يقول
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال أيضا
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
ولو غير أخوالى أرادوا نقيصتى ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
وقال أيضا
ولا يقيم على ذلّ يراقبه ... إلا الأذلّان عير السوء والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثى له أحد
الأفوه الأودىّ
يقول
إنما نعمة دنيا متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
وصروف الدهر في أطباقه ... حلقة فيها ارتفاع وانحدار
بينما الناس على عليائها ... إذ هووا في هوّة منها فغاروا
وقال أيضا
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أوتاد وأعمدة ... وساكن، بلغوا الأمر الذى كادوا
تهدى الأمور بأهل الرأى ما صلحت ... وإن تولّت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
стр. 880
تميم بن أبى مقبل
يقول
خليلىّ لا تستعجلا وانظرا غدا ... عسى أن يكون الرفق في الأمر أرشدا
وقال أيضا
ما أنعم العيش! لو أن الفتى حجر ... تنبوا الحوادث عنه وهو ملموم
حميد بن ثور
يقول
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
ولن يلبث العصران يوما وليلة ... إذا طلبا- أن يدركا ما تيّمما
عدى بن زيد
يقول
كفى واعظا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدى
عن المرء لا تسأل وسل عن قريبه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدى
وظلم ذوى القربى أشدّ مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
إذا ما رأيت الشرّ يبعث أهله ... وقام جناة الشرّ للشرّ فاقعد
قال أيضا
يا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
وقال
قد يدرك المبطئ من حظّه ... والخير قد يسبق جهد الحريص
وقال
لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى
وقال
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار؟
следующие страницы →