Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.
стр. 8506
ذكر البيعة للمعتضد بالله بولاية العهد
قال: ولما مات الموفّق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوّض إلى الله ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله، وخطب له فى يوم الجمعة بعد المفوّض وذلك لسبع بقين من صفر، واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولىّ ما كان أبوه يتولّاه.
وفيها قبض المعتضد «١» على أبى الصقر وأصحابه وانتهبت منازلهم، وطلب بنى الفرات فاختفوا، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم.
قال ابن الجوزى «٢» : وفى هذه السنة غار ماء النيل، وكان ذلك شيئا لم يعهد مثله ولا سمع «٣» فى الأخبار السالفة «٤» .
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
ذكر خلع المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد وولاية أبى العباس المعتضد بالله بن الموفّق
فى المحرم من هذه السنة خرج المعتمد على الله وجلس للقوّاد والقضاة ووجوه الناس، وأعلمهم أنّه خلع ابنه المفوّض إلى الله جعفرا من ولاية العهد، وجعلها للمعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفّق، وشهدوا على المفّوض أنّه قد تبرأ من العهد، وأسقط اسمه من الخطبة والسكة والطرز وغير ذلك، وخطب للمعتضد وكان يوما مشهودا.
стр. 8507
وفيها نودى بمدينة السلام ألا يقعد على الطريق ولا بالمسجد الجامع قاض ولا منجم ولا زاجر، وحلف الورّاقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل.
ذكر وفاة المعتمد على الله وشىء من أخباره
كانت وفاته ببغداد ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان قد شرب على الشط بالجسر يوم الأحد شرابا كثيرا فمات ليلا، وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه وحمل إلى سامرّا فدفن بها، وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، وكان فى خلافته محكوما عليه، ضيّق عليه أخوه الموفّق حتى إنه احتاج فى بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها، فقال:
أليس من العجائب أنّ مثلى ... يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شىء فى يديه
إليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه
وهو أول من انتقل من الخلفاء من سامرّا، ولم يعد إليها بعده خليفة.
وكان طويل القدّ واللحية واسع العينين مقبلا على اللذات، مشغولا عن الرعيّة مضطرب الأحوال. وكان نقش خاتمه: السعيد من وعظ بغيره.
أولاده: عبد العزيز وجعفر ومحمد وإسحاق. وزراؤه: عبيد الله بن يحيى ابن خاقان ثم سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثم صاعد بن مخلد أخوه ثم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل. حجّابه: موسى بن بغا ثم جعفر بن غانم بن على الجهشيارى. قضاته: الحسن بن أبى الشوارب ثم أخوه على بن محمد.
الأمراء بمصر: أحمد بن طولون ثم ابنه خمارويه. قضاتها: بكّار بن قتيبة
стр. 8508
إلى أن توفى فى سنة سبعين ومائتين بعد وفاة أحمد بن طولون بأربعين يوما، وكانت ولايته أربعا وعشرين سنة ونصف سنة، وبقيت مصر بغير قاض، ثم وليها أبو عبدة «١» محمد بن عبدة واستخلف أبا جعفر الطحاوى واستكتبه وأعفاه. وقد قيل فى وفاة المعتمد على الله أنّه مات مسموما والله أعلم
خلافة المعتضد بالله
هو أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة الملقب الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل بن المعتصم بالله بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها ضرار وقيل اسمها خفيرة «٢» ، وهو السادس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد وفاة عمّه المعتمد على الله.
قال: ولما ولى استعمل غلامه بدرا على الشرطة، واستوزر عبيد الله ابن سليمان بن وهب وجعل على حرسه محمد بن الشاه بن ميكال «٣» ؛ ووصله فى شوال رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة، وسأله أن يوليه خراسان فعقد له عليها، وسيّر إليه الخلع واللواء والعهد، فنصب اللواء فى داره ثلاثة أيام. وفيها كانت وفاة نصر السامانى بما وراء النهر، فقام بعمله أخوه إسماعيل بن أحمد. وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة منّ خمارويه، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه وهى قطر
стр. 8509
الندى، وأصدقها المعتضد ألف ألف درهم، وفيها ملك أحمد بن عيسى ابن «١» الشيخ قلعة ماردين- وكانت بيد إسحاق بن كنداجق.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد العباسى، وهى آخر حجة حجّها وأول سنة حج بالناس سنة أربع وستين ومائتين.
ودخلت سنة ثمانين ومائتين
ذكر حبس عبد الله بن المهتدى وقتل محمد بن الحسن «٢»
فى هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدى ومحمد بن الحسن المعروف بشيلمة وحبسهما، وكان شيلمة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفّق بأمان؛ وكان سبب أخذهما أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، وأنّه يدعو لرجل لا يعرف اسمه، وأنّه قد أفسد جماعة من الجند وغيرهم، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشىء وقال: لو كان تحت قدمى ما رفعتها عنه، فأمر به فشدّ فى خشبة من خشب الخيم، ثم أوقد نارا عظيمة وأدير عليها حتى تقطّع جلده، ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر. وحبس ابن المهتدى إلى أن علم براءته فأطلقه
ذكر قصد المعتضد بنى شيبان وصلحه معهم وإغارته على الأعراب
فى أول صفر سار المعتضد من بغداد يريد بنى شيبان بالمكان الذى
стр. 8510
يحتمون «١» به من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصده جمعوا أموالهم، وأغار المعتضد على أعراب عند السنّ، فنهب أموالهم وقتل منهم مقتله عظيمة، وغرق منهم فى الزاب مثل ذلك، وعجز الناس عن حمل ما غنموه، فبيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وسار إلى الموصل وبلد فلقه بنو شيبان «٢» يسألون العفو، وبذلوا له رهائن فأجابهم إلى ما طلبوا، وعاد إلى بغداد، وأرسل إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ يطالبه بما أخذ من أموال ابن كنداجق، فبعثها إليه ومعها هدايا كثيرة.
وفيها غارت المياه بالرى وطبرستان حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وفى شوال منها انخسف القمر وأصبح أهل دبيل وقد أظلمت الدنيا عليهم، ودامت الدنيا مظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبّت ريح سوداء ودامت إلى ثلث الليل، ثم زلزلوا فى الثلث فخربت المدينة، ولم يبق من دورها إلا قدر مائة دار، وزلزلوا بعد ذلك خمس مرّات، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألف كلهم موتى.
وحج بالناس أبو بكر محمد بن هارون «٣»
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر مسير المعتضد إلى ماردين وملكها
فى هذه السنة توجّه المعتضد بالله- وهى الخرجة الثانية إلى الموصل- قاصدا حمدان بن حمدون، لأنّه بلغه أنّه مايل هارون الخارجى ودعا له،
стр. 8511
فلما بلغ الأعراب مسير المعتضد تحالفوا أنّهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا وعبئوا عساكرهم، فسار المعتضد إليهم فى خيل جريدة، فأوقع بهم وقتل منهم وغرّق فى الزاب، وسار إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت لحمدان، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازله المعتضد، وقاتل من فيها يومه ذلك فلما كان الغد ركب المعتضد، وصعد إلى باب القلعة وصاح لابن حمدان فأجابه، فقال: افتح الباب ففتحه، فجلس المعتضد فى باب القلعة وأمر بنقل ما فيها وهدمها، ثم وجّه خلف حمدان وطلبه أشد الطلب وأخذت أمواله، ثم ظفر به المعتضد بعد عوده من بغداد؛ وفى عوده قصد الحسنيّة وبها رجل كردى يقال له شدّاد، فى جيش كثيف قيل كانوا عشرة آلاف، فظفر به وهدم قلعته. وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل وقصد الديّنور وولّى ابنه عليا- وهو المكتفى- الرىّ وقزوين وزنجان وأبهر وقمّ وهمذان والدينور، وجعل كتابته لأحمد بن الأصبغ، وقلّد عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف أصفهان ونهاوند والكرخ، وعاد إلى بغداد.
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين
ذكر قصد حمدان وانهزامه وعوده إلى الطاعة
فى هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه وهو بالموصل، فبادر إسحاق وتحصّن حمدان بقلاعه وأودع أمواله وحرمه، فبعث المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير «١» ونصر القشورى وغيره فساروا إلى حمدان فواقعوه، فقتل من أصحابه جماعة وانهزم، واتبعه الجند «٢» حتى ضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق ابن أيوب وهو مع المعتضد فاستجار به، فأحضره إلى المعتضد فأمر بالاحتفاظ به وتتابع رؤساء الأكراد فى طلب الأمان.
стр. 8512
وفيها انهزم هارون الخارجى من عسكر الموصل على ما نذكره فى أخباره. وفيها فى ربيع الأول قبض على بكتمر بن طاشتمر وقيّد وكان أميرا على الموصل، واستعمل عليها الحسن بن على الخراسانى ويعرف بكوره.
وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه زوجة المعتضد ومعها أحد عمومتها، وكان المعتضد بالموصل وعاد إلى الجبل وبلغ الكرج، وفيها قتل خماوريه بن أحمد بن طولون على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
فى هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الخارجى، وأحضر الحسين بن حمدان وسيّره فى طلب هارون فى جماعة من الفرسان والرجال، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلى ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، أولها إطلاق أبى وحاجتان أذكرهما إذا جئت به، فقال: لك ذلك، فانتخب ثلاثمائة فارس وسار بهم نحوه، فظفر به وأحضره إلى المعتضد فانصرف إلى بغداد، فوصلها لثمان بقين من شهر ربيع الأول وخلع على الحسين بن حمدان وطوّقه، وخلع على إخوته وأمر بفك قيود حمدان والتوسعة عليه ووعد بإطلاقه، وأدخل هارون على فيل وصلبه.
وفيها كان الفداء بين الروم والمسلمين، وكان جملة من فودى به ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس «١» . وفيها أمر المعتضد بالكتب إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذوى الأرحام وبطل ديوان المواريث وفيها قتل رافع بن الليث وجىء برأسه إلى المعتضد، فوصل فى سنة أربع وثمانين فأمر بنصبه ببغداد «٢» ، وكان الذى قتله أصحاب عمرو بن الليث.
стр. 8513
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول ظهر بمصر ظلمة شديدة وحمرة فى السماء، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخره، وخرج الناس من منازلهم يدعون ويتضرعون إلى الله.
وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على المنابر، وذكر فى الكتاب يزيد وغيره من بنى أمية، وعملت بالكتاب نسخ قرئت فى جانبى بغداد، ومنع القصاص والعامة من القعود فى الجامعين، ونهى عن الاجتماع على قاض أو مناظرة وجدل فى أمر الدين، ونهى الذين يسقون فى الجامعين ألا يترحّموا على معاوية ولا يذكروه، فقال له عبيد الله بن سليمان: إنّا نخاف إضطراب العامة وإثارة فتنة، فلم يرجع إليه، فقال عبيد الله للقاضى يوسف بن يعقوب ليحتال فى منعه، وكلّم يوسف المعتضد وحذّره اضطراب العامة فلم يلتفت، فقال:
يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية، ويميل إليهم خلق كثير من الناس؟ فإذا سمع الناس ما فى هذا الكتاب مالوا إليهم، وصاروا هم أبسط ألسنة وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد ولم يأمر فى الكتاب بشىء بعد ذلك.
وفيها ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه فهرب الخادم، ودخل الشخص فى زرع البستان فتوارى فيه، وطلب فلم يعرف له خبر واستوحش المعتضد، وكثر الناس القول حتى قالوا إنّه من الجن، وظهر مرارا كثيرة فوكل المعتضد بسور داره وأحكمه، ثم أحضر المجانين والمعزّمين بسبب الشخص، فقال المعزّمون: نحن نعزّم على بعض المجانين فإذا صرع سئل الجنّى فيخبر بخبره،
стр. 8514
فعزّموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعتضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمى المعروف بأثرجّة
ودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين
فى هذه السنة كان بالكوفة ريح صفراء فبقيت إلى المغرب ثم اسودّت، ثم وقع مطر شديد برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ «١» أحجار بيض وسود مختلفة الألوان، فى أوساطها ضيق «٢» . وفيها كان بالبصرة ريح صفراء ثم عادت خضراء ثم سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم ير مثله، ثم برد كبار الوزن البردة مائة وخمسون درهما. وفيها غزا راغب مولى الموفّق فى البحر، فغنم مراكب كثيرة من الروم فضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم كانوا فيها، وأحرق المراكب وفتح حصونا كثيرة وعاد سالما. وفيها توفى أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام بعده ابنه محمد بآمد وما يليها على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد فوصلها فى ذى الحجة، وحصرها إلى شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين ونصب عليها المجانيق، فطلب محمد الأمان لنفسه ولمن معه فأمنّهم المعتضد، فخرج إليه وسلّم البلد فخلع عليه المعتضد وأكرمه وهدم سور البلد، ثم بلغه أن محمدا يريد الهرب فقبض عليه وعلى أهله.
وحكى أبو الفرج بن الجوزى فى المنتظم عن أبى بكر الصولى أنّه قال «٣» : كان مع المعتضد رجل أعرابى فصيح يقال له شعلة بن شهاب
стр. 8515
اليشكرى وكان يأنس به، فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ ليرغّبه فى الطاعة ويحذّره العصيان، قال: فصرت إليه فخاطبته فلم يجبنى، فتوجهت إلى عمتّه فصرت إليها، فقالت: يا أبا شهاب كيف خلّفت أمير المؤمنين؟
فقلت: خلّفته أمارا بالمعروف فعّالا للخير، فقالت، أهل لذلك ومستحقه، وكيف لا! وهو ظل الله الممدود على بلاده، وخليفته المؤتمن على عباده، فكيف رأيت صاحبنا؟ قلت: رأيت غلاما حدثا معجبا قد استحوذ عليه السفهاء، واستبدّ بآرائهم، يزخرفون له الكذب، فقالت:
هل لك أن ترجع إليه بكتابى قبل لقاء أمير المؤمنين؟ قلت: أفعل، فكتبت إليه كتابا لطيفا أجزلت فيه الموعظة، وكتبت فى آخره:
اقبل نصيحة أمّ قلبها وجع ... خوفا عليك واشفقا وقل سددا
واستعمل الفكر فى قولى فإنّك ان ... فكّرت ألفيت فى قولى لك الرشدا
ولا تثق برجال فى قلوبهم ... ضغائن تبعث الشنآن والحسدا
مثل النعاج خمولا فى بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا
وداو داءك والأدواء ممكنة ... وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا
أعط الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا
واردد أخا يشكر ردا يكون له ... ردا من السوء لا تشمت به أحدا
قال: فأخذت الكتاب وصرت إليه فلما نظر إليه رمى به إلىّ ثم قال:
يا أخا يشكر ما بآراء النساء تتم الدول، ولا بعقولهّن يستأمن «١» الملك، ارجع إلى صاحبك، ورجعت إلى المعتضد بالله فأخبرته الخبر، فأخذ الكتاب فقرأه فأعجبه شعرها وعقلها، ثم قال: إنى لأرجو أن أشفّعها فى كثير من القوم، فلما كان من فتح ما كان أرسل إلىّ المعتضد، فقال: هل عندك علم من تلك المرأة، قلت: لا، قال: فامض مع الخادم فإنّك
стр. 8516
ستجدها فى جملة نسائها، فمضيت فلما بصرت بى من بعيد كشفت «١» عن وجهها، وجعلت تقول:
ريب الزمان وصرفه ... وعثاره «٢» كشف القناعا
وأذلّ بعد العزّ م ... نّا الصعب والبطل الشجاعا
ولكم نصحت فما أطع ... ت وكم صرخت بأن أطاعا
فأبى بنا المقدور «٣» إل ... لا أن نقسّم أو نباعا
يا ليت شعرى هل نرى ... أبدا لفرّقتنا اجتماعا
ثم بكت حتى علا صوتها وضربت بيدها على الأخرى، وقالت: إنّا لله وإنا إليه راجعون، كأنى والله كنت أرى ما أرى «٤» ، فقلت لها: إن أمير المؤمنين وجّه بى إليك، وما داك إلا لجميل رأيه فيك، قالت: فهل لك أن توصل لى رقعة إليه؟ قلت: أفعل «٥» ، فدفعت إلىّ رقعة فيها:
قل للخليفة والإمام المرتضى ... وابن الخلايف من قريش الأبطح
علم الهدى ومناره وسراجه ... مفتاح كل عظيمة لم تفتح
بك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطال ما لم تصلح
وتزحزحت بك هضبة العرب التى ... لولاك بعد الله لم تتزحزح
أعطاك ربّك ما تحب فأعطه ... ما قد يحب وجد بعفو واصفح
يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمىّ ومفسدىّ لمصلح
قال: فصرت بها إلى المعتضد بالله، فلما قرأها ضحك وقال: لقد نصحت لو قبل منها، وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختا
стр. 8517
من الثياب، وأمر أن يحمل إلى ابن عيسى «١» .
وفيها «٢» وصل رسول هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد على أن يقاطع على ما فى يده ويد نوّابه «٣» من مصر والشام، ويسلّم أعمال قنّسرين إلى المعتضد، ويحمل فى كل سنة أربعمائة ألف دينار وخمسين «٤» ألف دينار، فأجابه المعتضد إلى ذلك، وسار من آمد واستخلف ابنه المكتفى، فوصل إلى قنّسرين والعواصم فتسلّمها من أصحاب هارون بن خمارويه، وذلك فى سنة ست وثمانين- حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل وقال ابن الجوزى فى المنتظم «٥» : إن هارون بذل هذا المال على أن يسلّم له أعمال قنّسرين والعواصم، وأن تجدّد له ولاية مصر والشام فأجيب إلى ذلك، والصواب ما حكاه ابن الأثير وحجّ بالناس: محمد بن عبد الله بن داود الهاشمى
ودخلت سنة ست وثمانين ومائتين
فى هذه السنة وجّه محمد بن أبى الساج- المعروف بأبى المسافر- رهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة، وكان المعتضد قد ولّاه فى سنة خمس وثمانين أعمال أذربيجان وأرمينية وبعث إليه الخلع فقبلها بعد أن كان تغلّب على ذلك. وفيها أرسل عمرو بن الليث هديّة من نيسابور إلى المعتضد، قيمتها أربعة آلاف ألف درهم- قال ابن الجوزى «٦» : كان مبلغ المال الذى وجّهه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدواب
стр. 8518
بسروج «١» ولجم محلاة، ومائة وعشرين «٢» دابة بجلال مشهّرة، وكسوة وطيب وبزاة وطرف «٣» .
وفيها كان ابتداء أمر القرامطة بالبحرين على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم. وفيها ولّى المعتضد بالله ابنه عليا المكتفى قنّسرين والعواصم والجزيرة، وكان كاتبه الحسين بن عمرو النصرانى ينظر فى الأمور.
قال أبو الفرج بن الجوزى «٤» فى حوادث هذه السنة بسند رفعه إلى محمد بن نعيم الضبّى قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضى بالرىّ سنة ست وثمانين ومائتين يقول: تقدّمت امرأة فادعى ولّيها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر، فقال القاضى: شهودك، قال:
قد أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها فى شهادته، فقام الشاهد وقال للمرأة: قومى، فقال الزوج: تفعلون ماذا؟
قال الوكيل ينظرون إلى امرأتك وهى مسفرة، لتصحّ عندهم معرفتها، فقال الزوج: فإنى أشهد القاضى أنّ لها علّى هذا المهر الذى تدعيه ولا تسفر عن وجهها «٥» ، فقالت المرأة: فإنى أشهد القاضى أنّى قد وهبت له هذا المهر، وأبرأته منه فى الدنيا والآخرة، فقال القاضى: يكتب هذا فى مكارم الأخلاق.
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول أسر عمرو بن الليث الصفّار، وملك إسماعيل بن أحمد السامانى خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله
стр. 8519
تعالى فى أخبارهم وفيها قتل محمد «١» بن زيد العلوى صاحب طبرستان والديلم على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار الدولة العلوية.
وحج بالناس فى هذه السنة: محمد بن عبد الله بن داود. وفيها توفيت قطر الندى بنت خماروية زوجة المعتضد لسبع خلون من شهر رجب، ودفنت داخل قصر الرصافة.
ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين
فى هذه السنة توفى عبيد الله بن سليمان الوزير، فعظم موته على المعتضد وفوّض الوزارة إلى ابنه القاسم بن عبيد الله. وكان من أخبار المتغلبين على الأطراف على ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد.
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين
فى هذه السنة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول أخرج من كان له دار أو حانوت بباب الشماسية عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا أنقاضكم «٢» واخرجوا، وسبب ذلك أن المعتضد بالله كان قد عزم أن يبتنى لنفسه دارا يسكنها هنالك، فخط موضع السور وحفر بعضه، وابتدأ فى دكة على دجلة لينتقل إليها فيقيم بها، إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر، فمرض المعتضد ومات قبل ذلك.
ذكر وفاة المعتضد بالله وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته ليلة الإثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين
стр. 8520
ومائتين، قال: ولما اشتد مرضه اجتمع يونس «١» الخادم وغيره من القواد إلى الوزير القاسم ليجدّد البيعة للمكتفى، وقالوا: إنّا لا نأمن الفتنة، فقال: أخاف أن أطلق المال فيبرأ أمير المؤمنين من علّته فينكر ذلك، فقالوا: إن برىء فنحن المحتجون والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنا ونحن نطلب الأمر له، فأطلق المال وجدّد البعية للمكتفى بالله، وأحضر أولاد المعتمد ووكل بهم، ثم توفى المعتضد وكانت علّته فساد الجوف والمزاج والجفاف من «٢» كثرة الجماع، وكان يؤمر بأن يقلّ الغذاء ويرطب معدته ولا يتعب نفسه، فيستعمل ضد ذلك ويريهم أنّه يحتمى، فإذا خرجوا من عنده دعا بالجبن والزيتون والسمك فأكل، فسقطت لذلك قوّته واشتدت علّته، ومات ﵀ وتولّى غسله محمد بن يوسف القاضى، وصلّى عليه الوزير- حكاه ابن الأثير «٣» . وقال أبو الفرج بن الجوزى «٤» :
غسّله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس، وصلّى عليه يوسف بن يعقوب القاضى «٥» . ودفن ليلا فى دار محمد بن عبد الله بن طاهر بوصيّة منه، وجلس الوزير فى دار الخلافة للعزاء وجدّد البيعة للمكتفى، ومات المعتضد وله من العمر ست وأربعون «٦» سنة وقيل إلا شهرين، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام «٧» ، وقيل وثلاثة وعشرين يوما. وكان نحيفا خفيف العارضين يخضب بالسواد، ولما حضرته الوفاة أنشد:
стр. 8521
تمتّع من الدنيا فإنّك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمننّ الدهر إنى أمنته ... فلم يبق لى حالا «١» ولم يرع لى حقا
قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدوا ولم أمهل على ظنة «٢» خلقا
وأخليت دار الملك من كل نازع ... فشرّدتهم غربا وشرّدتهم «٣» شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لى رقا
رمانى الردى سهما فأخمد جمرتى ... فهأنذا فى حفرتى عاجلا ألقى
فياليت شعرى بعد موتى ما ألقى ... إلى نعم الرحمن «٤» أم ناره ألقى
قال: وكان المعتضد ذا عزم وشهامة ونهضة، بصيرا بالأمور حسن السياسة والسيرة، ولما ولى وضع عن الناس البواقى وأسقط المكوس بالحرمين، وبث العدل فى الآفاق وبذل الأموال، وغزا وجالس المحدّثين وأهل الفضل والدين. قال ثابت بن قرة الحرّانى: ولى المعتضد الخلافة وليس فى بيت المال إلا قراريط لا تبلغ الدينار، والحضرة مطلوبة والأعمال منهوبة والأعراب والأكراد عائثون والأعداء متسلطون، فأصلح الأمور وأحسن التدبير وقمع الخوارج وبالغ فى العمارة وأنصف فى المعاملة ورفق بالرعيّة، حتى استفضل من ارتفاعه فى سنى خلافته تسعة عشر ألف ألف دينار، وتقدّم إلى اجناده وأتباعه بلزوم الطريقة الحميدة، وعرّفهم أنّه متى أفسد غلام أحد منهم كان المأخوذ به مولاه، فسمع يوما صوتا من بعض الكروم مما يلى دجلة فأمر باستعلام الحال، فأخبر أنّ غلام بعض الأمراء أخذ حصر ما من الكرم فأمر بإحضار الأمير، وتقدّم بضرب عنقه، فلم يجسر أحد من الجند بعد ذلك على الفساد؛ ثم قال المعتضد بعد ذلك لوزيره عبيد الله ابن سليمان: لعلّك أنكرت ما جرى من قتلى هذا الأمير بجرم جناه غيره،
стр. 8522
فقال: هو ذاك يا أمير المؤمنين، قال: كنت فى خلافة المعتمد فرأيت هذا الأمير قتل رجلا عمدا بغير ذنب، ولم يكن له وارث فنذرت لله تعالى إن ولّانى الله أن أقتله به، فلما وليت كنت أتطلّب له العورات حتى جرى ما جرى من غلامه، فقتلته بذلك الرجل وأقمت السياسة بقتله. قال:
وكان المعتضد يسمى السفّاح الثانى لأنّه جدّد ملك بنى العباس، ووطّده بعد أن كانت الأتراك قد أخلقته، وفى ذلك يقول ابن الرومى:
هنيئا بنى العبّاس إنّ إمامكم ... إمام الهدى والجود والباس أحمد
كما بأبى العبّاس أسّس ملككم ... كذا بأبى العباس أيضا تجدّد
وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى فى المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم بسند رفعه إلى أبى محمد عبد الله بن حمدون «١» :
قال: كان المعتضد بالله فى بعض متصيّداته مجتازا «٢» بعسكره وأنا معه، فصاح «٣» ناظور فى قراح قثاء فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه فقال: أخذ بعض الجيش من القثاء شبئا، فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة نفر «٤» ، فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الناظور: نعم، فقيّدهم فى الحال وأمر بحبسهم، فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح وضرب أعناقهم فيه، وسار فأنكر الناس ذلك وتحدّثوا به، ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة فقال لى: يا أبا عبد الله- هل يعيب الناس علىّ شيئا؟ عرّفنى حتى أزيله، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، فقال:
أقسمت عليك بحياتى إلا صدقتنى، قلت: يا أمير المؤمنين- وأنا آمن؟
стр. 8523
قال: نعم، قلت: سفك «١» الدماء، قال: والله ما هرقت دما منذ وليت إلا بحقه، قال: فأمسكت إمساك من ينكر عليه، فقال: بحياتى ما تقول؟ فقلت: يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيّب- وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة، قال: دعانى إلى الإلحاد- قلت له يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلّم، وأنا الآن منتصب منصبه فألحد- حتى أكون من؟! فسكت سكوت من يريد الكلام، فقال: فى وجهك كلام؟ فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة الذين قتلتهم فى قراح القثّاء، فقال: والله ما كان أولئك الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر القثّاء، وأردت أن أهول على الجيش بأنّ من [عاث «٢» ] فى عسكرى وأفسد فى هذا القدر كانت عقوبتى له هكذا ليكفّوا عمّا فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم فى الحال، وإنما حبستهم وأمرت بإخراج اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال إنّهم أصحاب القثّاء، فقلت: فكيف تعلم العامّة هذا؟ قال: بإخراج القوم الذين أخذوا القثّاء وإطلاقهم فى هذه الساعة، ثم قال: هاتوا القوم، فجاءوا بهم وقد تغيّرت حالهم من الحبس والضرب، فقال:
ما قصّتكم؟ فقصّوا عليه قصّة القثّاء، قال: أفتتوبون من مثل هذا الفعل حتى أطلقكم؟ قالوا: نعم، فأخذ عليهم التوبة وخلع عليهم وأمر بإطلاقهم وردّ أرزاقهم عليهم، فاشتهرت «٣» الحكاية وزالت عنه التهمة.
وحكى عبد الله بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر «٤» :
стр. 8524
أنّ أحد كبراء دولته ووزرائه كان قد بنى بناء عاليا مشرفا على جيرانه، فلم يعارضه أحد منهم لمكانه من الخليفة، وكان يجلس فيه فنظر يوما إلى دار من دور جيرانه، فرأى جاربة بارعة الجمال فأولع بها، وسأل عنها وإذا هى ابنة أحد التجار، فخطبها «١» من أبيها فامتنع من زواجه- وكان من أهل اليسار، وقال: لا أزوّج ابنتى إلا من تاجر مثلى، فإنّه إن ظلمها قدرت على الانتصاف «٢» منه، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على حيلة، فأرغبه بالأموال وهو يأبى، فلما أيس منه شكى ذلك إلى أحد خواصّه، فقال:
ألف مثقال تقوم لك بهذا الأمر، فقال: والله لو علمت أنى أنفق عليها مائة ألف دينار وأنالها لفعلت، قال له: لا عليك تحضر لى ألف دينار، وأمر بألف دينار فأحضرت فأخذها الرجل، ومشى بها إلى عشرة من العدول، وذكر لهم الأمر وسهّله عليهم، وقال: إنّكم تحيون نفسا قد أشرفت على الهلاك، وقال: إنّه قد بذل لها كذا وكذا من المهر وأعلى لهم، وأبوها إنما هو عاضل لها وإلا فما يمنعه، وقد خطبها مثل فلان فى جلاله قدره، وقد أعطاها صداقا لا يعطى إلا لبنت ملك، ثم هو يتأبى- هل هذا إلا عضل بيّن؟ ولكم ألف مثقال لكل منكم مائة، وتشهدون أنّه زوجها منه على صداق مبلغه كذا وكذا، ورفع قدر الصداق إلى غاية، وقال: إن أباها إذا علم أنّكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا، وليس فيه إلا الخير والعزّ، فأجابوه إلى ذلك وأخذوا الذهب، وشهدوا أن أباها زوّجها منه على صداق كبير، فلما علم أبوها بذلك زاد نفاره، فمشى الوزير إلى القاضى وقال: إنى تزوّجت ابنة فلان على هذا الصداق وهؤلاء الشهود على أبيها، وقد أنكر ذلك، فأمر القاضى بإحضار أبيها فحضر، فشهد الشهود عليه، وأحضر
стр. 8525
الوزير مال النقد بين يدى القاضى- والرجل متماد على الإنكار، فحكم القاضى عليه وأمر بحمل المال إليه، وأن تؤخذ ابنته أحبّ أم كره، فأخذت منه ونقلت إلى الوزير، فأعمل أبوها الحيلة فى الوصول إلى المعتضد، وكان المعتضد غليظ الحجاب لا يصل إليه غير الخاصة، فقيل للرجل: إنه يحضر ساعة فى كل يوم لبنيان بنى له بقصره، فإن استطعت أن تكون فى جملة رجال الخدمة فإنّك تصل إليه، فغيّر الرجل شكله ودخل فى جملة رجال الخدمة للبناء، فلما جاء المعتضد ترامى الرجل إلى الأرض ونثر التراب على رأسه، فسأله المعتضد عن شأنه فقصّ عليه القصّة، فأحضر الوزير وأغلظ له فى القول، فحملته هيبة المعتضد على أن ذكر له الواقعة كما وقعت، ثم أحضر الشهود فقالوا كما قال، كل ذلك إجلالا له أن يقعوا فى الكذب بين يديه، وهم يظنّون أنّه لا يؤاخذهم لتمكن ذلك الوزير منه، فلما تبيّن له الأمر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره، وأن يجعل ذلك الوزير فى جلد ثور طرىّ السلخ، ويضرب حتى يختلط عظمه ولحمه بدمه، فصنع به ذلك، ثم أمر أن يفرغ بين يدى نمور كانت عنده، فلعقته تلك النمور، وأمر بتسليم الجارية إلى أبيها، وأن تعطى ما أقرّ الوزير لها به من الصداق من عقار وغيره.
وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى «١» :
أنّ شيخا من التجار كان له على أحد القوّاد فى أيام المعتضد بالله مال، قال التاجر: فمطلنى «٢» وكان يحجبنى إذا حضرت إلى بابه، ويضع غلمانه على الاستخفاف بى والاستطالة علىّ إذا رمت لقاء؟؟؟
وتظلّمت إلى عبيد الله بن سليمان الوزير منه، فما نفعنى ذاك، فعزمت على الظلامة إلى المعتضد بالله، فبينما أنا مترو فى أمرى قال لى بعض أصدقائى:
стр. 8526
علىّ أن آخذ لك مالك من غير حاجة إلى ظلامة- فاستبعدت هذا، فقمت معه فجئنا إلى خياط شيخ فى سوق الثلاثاء، يقرأ القرآن فى مسجد هناك ويخيط بأجرة، فقصّ عليه قصّتى وشرح له الصورة «١» ، وسأله أن يقصد القائد ويخاطبه فى الخروج إلىّ من حقّى، وكانت دار القائد قريبة من مسجد الخيّاط، فنهض معنا فلما مشينا خفت بادرة القائد وسطوته، وتصورت أنّ قول الخيّاط لا ينفع مع مثله مع محلّه وبسطته، فتأخرت قلت لصديقى:
قد عرّضنا هذا الشيخ ونفوسنا لمكروه عظيم، وما هو إلا أن يراه غلمانه وقد أوقعوا به، وإن كان لم يقبل أمر الوزير فأولى ألا يقبل منه ولا يفكّر فيه، فضحك وقال: لا عليك، وجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخيّاط تلقّوه وأعظموه، وأهووا ليقبّلوا يده، فمنعهم منها، وقالوا: ما جاء بك أيها الشيخ فإنّ قائدنا راكب، فإن كان لك أمر تقدّم بذكره لنا ونحن نخبره به «٢» ، وإن أردت الجلوس وانتظاره فالدار بين يديك، فلما سمعت ذلك قويت نفسى ودخلنا وجلسنا، ووافى القائد فلما رآه أكرمه إكراما شديدا، وقال له: لست أنزع ثيابى حتى تأمر بأمرك، فخاطبه فى أمرى «٣» ، فقال: والله ما معى إلا خمسة آلاف درهم، فتسأله أن يأخذها ويأخذ رهونا من مراكبى الذهب والفضّة بقيمة ما بقى من ماله لأعطيه إياه بعد شهر، فبادرت أنا إلى الإجابة وأحضر الدراهم والمراكب بقيمة الباقى «٤» ، وأشهدت الخيّاط وصديقى: أن الرهن عندى إلى مدة شهر، فإن جاز كنت وكيله فى بيعه وأخذ مالى من تمنه، وخرجنا فلما بلغنا مسجد الخيّاط ودخله طرحت الدراهم بين يديه، وقلت: قد ردّ الله مالى بك وعلى يديك فخذ ما تريده منه على طيب نفس منّى «٥» ، فقال:
стр. 8527
يا هذا- ما أسرع ما قابلتنى بالقبيح على الجميل، انصرف بمالك بارك الله لك فيه، قلت: قد بقيت لى حاجة، قال: ما هى «١» ؟ قلت: أحبّ أن تخبرنى عن سبب طاعة هذا القائد لك، مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة، فقال: قد بلغت غرضك فلا تقطعنى عن شغلى بحديث لا فائدة لك فيه، فألححت عليه فقال: أنا رجل أقرأ وأؤم وأقرئ فى هذا المسجد منذ أربعين سنة، لا أعرف كسبا إلا من الخياطة، وكنت صلّيت المغرب منذ مدة وخرجت أريد منزلى، فاجتزت على تركى كان فى هذه الدار، وأومأ إلى دار بالقرب منه، وإذا امرأة جميلة الوجه قد اجتازت عليه، فعلق بها وهو سكران وطالبها بالدخول إلى داره، وهى تمتنع وتستغيث وتقول فى جملة كلامها: إنّ زوجى قد حلف بالطلاق لا أبيت عنه، وإن أخذنى هذا وغصبنى وبيّتنى عن منزلى خرب بيتى ولحقنى من العار ما لا تدحضه «٢» الأيام عنى، وما أحد يغيثها ولا يمنع منها، فجئت إلى التركى ورفقت به فى أن يخلى عنها فلم يفعل، وضرب رأسى بدبّوس كان فى يده فشجّه، وأدخل المرأة، فصرت إلى منزلى وغسلت الدم عن وجهى وشددت رأسى، وخرجت لصلاة العشاء الآخرة، فلما فرغنا منها قلت لمن حضر: قوموا معى إلى هذا التركى عدو الله، لننكر عليه ونخرج المرأة من عنده، فقاموا فجئنا وصحنا على بابه، فخرج إلينا فى عدة من غلمانه فأوقع بنا، وقصدنى من بين الجماعة بالضرب الشديد الذى كاد يتلفنى، وحملت إلى منزلى وأنا لا أعقل أمرى، فنمت قليلا للوجع ثم طار النوم عن عينى، وسهرت متقلّبا على فراشى ومفكرا فى أمر المرأة، فإنّها متى أصبحت طلّقت، ثم قلت: هذا رجل شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت لوقع له أن الفجر قد طلع، فربما أخرج المرأة فمضت إلى بيتها وبقيت فى حبال زوجها، فتكون قد
стр. 8528
تخلّصت من أحد المكروهين، فخرجت متحاملا الى المسجد وصعدت المنارة وأذّنت، وجلست أطّلع إلى الطريق فأرتقب خروج المرأة من الدار «١» ، فما مضت ساعة حتى امتلأ الشارع خيلا ورجلا ومشاعل، وهم يقولون من ذا الذى أذّن؟ ففزعت وسكتّ ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمرى لعلّهم يعينوننى على خروج المرأة، فصحت من المنارة: أنا أذّنت، فقالوا: أنزل وأجب أمير المؤمنين، فنزلت ومضيت معهم فإذا هم غلمان بدر، فأدخلنى على المعتضد بالله فلما رأيته هبته وأخذتنى رعدة شديدة فقال لى: اسكن- ما حملك على الآذان فى غير وقته؟ وأن تغرّ الناس فيخرج ذو الحاجة فى غير حينه، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب، قلت:
يؤمّننى أمير المؤمنين لأصدقه، قال: أنت آمن، فقصصت عليه قصة التركى، وأريته الآثار التى فى رأسى ووجهى، فقال: يا بدر- علىّ بالغلام والمرأة، فجىء بهما فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له، فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره «٢» بالتمسك بها والإحسان إليها ثم استدعانى فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعنى، ويقول له: كم رزقك؟ وكم عطاؤك؟ فيقول كذا وكذا «٣» قال: فما كان لك فى هذه النعمة وفى هذه السعة وفى هؤلاء الجوارى ما يكفيك ويكفك عن محارم الله؟ وخرق سياسة السلطان والجرأة عليه؟ وما كان عذرك فى الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر «٤» ؟
فأسقط فى يد الغلام ولم يكن له جواب يورده، ثم قال: يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل. فأحضر جميع ذلك فقّيده وغلّه وأدخله
стр. 8529
الجوالق، وأمر فدقّوه بمداق الجص وهو يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسّه، وأمر به فطرح إلى دجلة وتقدم إلى بدر بتحويل ما فى داره، ثم قال لى:- وقد شاهدت ذلك كله- متى رأيت يا شيخ منكرا كبيرا أو صغيرا فأنكره ولو على هذا- وأشار «١» إلى بدر، ومن تقاعس عن القبول منك فالعلامة بيينا أن تؤذن فى مثل هذا الوقت لأسمع صوتك وأستدعيك، قال الشيخ: فدعوت له وانصرفت، وشاع الخبر بين «٢» الجند والغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا أو كفا عن قبيح إلا أطاعتى فما رأيت خوفا من المعتضد، وما احتجت أن أؤذّن فى مثل ذلك الوقت إلى الآن.
وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى أيضا بسند رفعه إلى أبى بكر بن حورى- وكان يصحب أبا عبد الله بن أبى عوف قال «٣» كنت ألزم ابن أبى عوف سنين «٤» بيننا جوار ومودة «٥» ، وكان رسمى كل ليلة أن أجىء بعد العتمة، فحين يرانى يمد رجله فى حجرى فأغمزها، وأحادثه ويسألنى عن الحوادث ببغداد وكتب استقربها له، فإذا أراد أن ينام قبض رجله فقمت إلى بيتى، وقد مضى ثلث الليل أو نصفه أو أقل «٦» ، فلما كان ذات يوم جاءنى رجل كان يعاملنى، فقال: قد دفعت إلى أمر إن تمّ علىّ افتقرت، قلت وما هو؟ قال: رجل كنت أعامله فاجتمع لى عليه ألف دينار، فطالبته فرهننى عقد جوهر قوّم بألف دينار إلى أن يفتكه بعد شهور أو أبيعه، وأذن لى فى ذلك، فلما كان أمس وجّه يونس «٧» صاحب الشرطة
стр. 8530
من كبس دكانى، وفتح صندوقى وأخذ العقد، فقلت: أنا أخاطب ابن أبى عوف فيلزمه بردّه، قال: وأنا مدلّ بابن أبى عوف لمكانى منه ومكانته من المعتضد، فلما كانت تلك الليلة جئته وحادثته على رسمى، وذكرت له فى جملة حديثى حديث العقد، فلما سمع نحّى رجله من حجرى وقال: مالى ولهذا!! أعادى خادما صاحب شرطة الخليفة؟! فورد علىّ أمر عظيم وخرجت من بيته ألا أعود، فلما صلّيت العتمة من الليلة المقبلة جاءنى خادم لابن أبى عوف، وقال: يقول لك لم تأخرت الليلة؟ إن كنت مشتكيا جئناك، فاستحييت وقلت أمضى الليلة، فلما رآنى مدّ رجله وأقبلت أحدّثه بحديث متكلف، فصبر على ساعة ثم قبض رجله فقمت، فقال: يا أبا بكر انظر أى شىء تحت المصلّى فخذه، فرفعت المصلّى فإذا برقعة فأخذتها، وتقدمت إلى الشمعة فإذا فيها: يا يونس جسرت على قصد دكّان رجل تاجر، وفتحت صندوقه وأخذت منه عقد جوهر- وأنا فى الدنيا، والله لولا أنّها أول غلطة غلطتها ما جرى فى ذلك مناظرة، اركب بنفسك إلى دكّان الرجل حتى تردّ العقد فى الصندوق بيدك ظاهرا، فقلت لأبى عبد الله: ما هذا؟ فقال: خط المعتضد- مثلث بين وجدك وبين يونس فاخترتك عليه، فأخذت خط أمير المؤمنين بما تراه، وامض وأرسله إليه، فقبّلت رأسه وجئت إلى الرجل، فأخذت بيده ومضينا إلى يونس وسلّمت التوقيع إليه، فلما رآه أسودّ وجهه وارتعد، حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قال: يا هذا- الله بينى وبينك- هذا شىء ما علمت به، فألا تظلّمتم فإن لم أنصفكم فإلى الوزير- بلغتم الأمر أمير المؤمنين من أول وهلة! [قال] «١» فقلت: بعملك جرى والعقد معك فأحضره، فقال: خذ الألف دينار التى عليه، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه، فقلت: لا نفعل، فقال:
ألف وخمسمائة، فقلت: والله لا نرضى حتى تركب بنفسك إلى الدكان فتردّ
стр. 8531
العقد، فركب وردّ العقد إلى مكانه.
وحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزى «١» أيضا بسند رفعه إلى أبى محمد عبد الله بن حمدون «٢» قال:
قال لى المعتضد ليلة- وقد قدّم له العشاء- لقّمنى، وكان الذى قدّم فراريج ودراريج، فلقّمته من صدر فرّوج، قال: لا، لقّمنى من فخده فلقّمته لقما، ثم قال: هات من الدراريج فلقّمته من أفخاذها، فقال:
ويلك- هوذا أتتنادر علىّ، هات من صدورها، فقلت: يا مولاى ركبت القياس، فضحك، فقلت: إلى كم أضحكك ولا تضحكنى، فقال: شل المطرح وخذ ما تحته، قال: فشلته فإذا دينار واحد، فقلت آخذ هذا؟ قال: نعم، فقلت: بالله هوذا تتنادر أنت الساعة علىّ، خليفة يجيز «٣» نديمه بدينار!! فقال: ويلك- لا أجد لك فى بيت المال حقا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسى أن أعطيك من مالى شيئا، ولكن هوذا احتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبّلت يده فقال: إذا كان غدا وجاء القاسم- يعنى ابن عبيد الله- فهوذا أسارّك حتى تقع عينى عليه سرارا طويلا، ألتفت فيه إليه كالمغضب وانظر أنت إليه فى خلال ذلك كالمخالس لى نظر المترثى، فإذا انقطع السرار فاخرج ولا تبرح من الدهاليز، فإذا خرج خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلّة وقلّة حظّك معى وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك واطلب كل ما تقع عليه عينك، فإنّه لا يمنعك حتى تستوفى خمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى فاصدقه وإياك أن تكذبه، وعرّفه أن ذلك حيلة منّى عليه حتى وصل إليك هذا وحدّثه بالحديث كله على
стр. 8532
شرحه، وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد، وإحلاف لك منه بالطلاق والعتاق أن تصدقه وبعد أن تخرج من داره كل ما يعطيك إياه ويصير فى بيتك. قال: فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يساررنى، وفعل وفعلت كما تقرّر، ثم خرجت فإذا القاسم فى الدهليز ينتظرنى، فقال:
يا أبا محمد- ما هذا الجفاء! لا تجيئنى ولا تزورنى ولا تسألنى حاجة! فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علىّ، فقال: لا يقنعنى إلا أن تزورنى اليوم ونتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير- فأخذنى إلى طيّارة وجعل يسألنى عن حالى وأخبارى فأشكو إليه الخلة والإضافة والبنات وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيسترجع ويقول: يا هذا مالى لك ولم تضيّق عليك ما يتسع علىّ؟ أو تتجاوز نعمة خلصت لى؟ أو يتخطّاك حظ نازل [فى فنائى] «١» ؟ ولو عرّفتنى لعاونتك على إزالة هذا كله فشكرته، وبلغنا داره فصعد ولم ينظر فى شىء، وقال: هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبى محمد، ولا يقطعنى أحد عنه، وأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال، وخلّانى فى دار الخلوة وجعل يجادثنى ويبسطنى، وقدّمت الفاكهة فجعل يلقمنى بيده، وجاء الطعام وكانت هذه سبيله، ووقّع لى بثلاثة آلاف دينار فأخذتها للوقت، وأحضر لى ثيابا وطيبا ومركوبا فأخذت ذلك، وكان بين يدىّ صينيّة فضّة فيها مغسل فضّة فأخذتها، وخرداذى «٢» بللور وكوز وقدح بللور فأمر بحمله إلى طيّارى، وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا له قيمة طلبته. فحمل إلىّ فرشا «٣» وقال:
هذا للبنات، فلما تقوّض المجلس خلا بى وقال لى: يا أبا محمد- أنت عالم بحقوق أبى عليك ومودّتى لك، فقلت: أنا خادم الوزير، فقال: أريد أن أسالك عن شىء وتحلف لى أنك تصدقنى عنه، فقلت: السمع
стр. 8533
والطاعة- فأحلفنى بالله وبالطلاق وبالعتاق على الصدق، ثم قال: بأى شىء سارّك الخليفة اليوم فى أمرى؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفا بحرف، فقال: فرّجت عنّى، ولكون هذا هكذا مع سلامة نيّته لى أسهل علىّ فشكرته وودّعته وانصرفت إلى منزلى «١» ، فلما كان من غد بكرت إلى المعتضد فقال: هات حديثك فسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك أنّى أعمل مثلها معك بسرعة.
وحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزى أيضا بسند رفعه إلى إسماعيل ابن إسحاق القاضى «٢» قال:
دخلت على المعتضد بالله وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآنى المعتضد بالله «٣» ، فلما أردت القيام أشار إلىّ فمكثت ساعة، فلما خلا بى قال: أيها القاضى- والله ما حللت سراويلى على حرام قط.
وحكى أيضا بسند رفعه إلى أبى محمد الحسن بن محمد الطلحى قال «٤» :
حدّثنى أحد خدم المعتضد المختص «٥» بخدمته، قال: كنّا حوالى سرير المعتضد ذات يوم نصف النهار وقد نام بعد أن أكل، وكان رسمنا أن نكون حول سريره أوقات منامه من ليل أو نهار، فانتبه منزعجا وقال:
يا خدم- فأسرعنا الجواب، فقال: ويلكم أغيثونى والحقوا الشط، وأول ملاح ترونه منحدرا فى سفينة فارغة فاقبضوا عليه، وجيئونى به ووكلوا بسفينته، فأسرعنا فوجدنا ملاحا فى سميرية منحدرا- وهى فارغة- فقبضنا عليه، ووكلنا بسميريّته وأصعدناه إليه، فحين رآه الملاح تلف «٦» ، فصاح
стр. 8534
عليه صيحة عظيمة كادت روحه تخرج معها، وقال: اصدقنى يا ملعون عن قصّتك مع المرأة التى قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك، قال: فتلعثم وقال:
نعم، كنت اليوم من سحر فى مشرعتى فنزلت امرأة «١» وعليها ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر، فطمعت فيها فاحتلت عليها حتى سددت فاها وغرّقتها، وأخذت جميع ما كان عليها، ولم أجسر على حمل سلبها إلى بيتى كيلا يفشو الخبر، فعملت على الهرب وانحدرت الساعة لأمضى إلى واسط، فعلقنى هؤلاء الخدم وحملونى «٢» ، فقال له: أين الحلى والسلب؟ قال:
فى «٣» السفينة تحت البوارى، فقال المعتضد للخدم: جيئونى به، فمضوا «٤» وأحضروه، فقال: خذوا الملّاح فغرّقوه ففعلوا، ثم أمر أن ينادى ببغداد على امرأة خرجت إلى المشرعة الفلانيّة سحرا وعليها الثياب والحلى فليحضر من يعرفها، ويعطى صفة ما كان عليها ويأخذه فقد تلفت المرأة، فحضر فى اليوم الثانى أو الثالث أهل المرأة، وأعطوا صفة ما كان عليها فسلّم ذلك إليهم، قال: فقلنا يا مولانا أوحى إليك، فقال: رأيت فى منامى كأنّ رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادى بالأخذ لأوّل «٥» ملّاح ينحدر الساعة فاقبض عليه، وقرّره عن خبر امرأة قتلها اليوم وسلبها، وأقم عليه الحدّ- فكان ما شاهدتم.
وكان المعتضد بالله ﵀ شجاعا مقداما، فما حكى عن شجاعته ما حكاه أبو الفرج بسند رفعه إلى خفيف السمرقندى قال «٦» :
كنت مع مولاى المعتضد فى بعض متصيّداته، وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيرى، فخرج علينا أسد فقصدنا، فقال لى المعتضد:
стр. 8535
يا خفيف «١» - أفيك خير؟ فقلت: لا يا مولاى، قال: ولا حتى تمسك فرسى وأنزل أنا إلى الأسد، فقلت: بلى، فنزل وأعطانى فرسه وشدّ أطراف ثيابه فى منطقته، واستلّ السيف ورمى بالقراب إلىّ، فأقبل يمشى إلى الأسد، فحين قرب منه وثب الأسد عليه فتلقّاه المعتضد فضربه، فإذا يده طارت فتشاغل الأسد بالضربة، فغشيه «٢»
بأخرى ففلق هامته فخرّ صريعا، فدنا منه- وقد تلف- فمسح السيف فى صوفه، فرجع إلىّ فأغمد السيف وركب، ثم عدنا إلى العسكر «٣» ، فإلى أن مات ما سمعته تحدّث بحديث الأسد، ولا علمت أنّه لفظ منه «٤» بلفظة، فلم أدر من أى شىء أعجب:
من شجاعته وشدته أو من قلة احتفاله بما صنع حتى كتمه أو من عفوه عنّى، فما عاتبنى على ضنّى بنفسى.
وكان ﵀ حسن الفراسة صادقا، فمن ذلك ما حكاه خفيف السمرقندى قال «٥» :
كنت واقفا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر وهو يبكى، وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد الله بن سليمان الوزير عند موته، فأعلم المعتضد بالله الخبر، فقال: أو قد صحّ الخبر؟ أو هى غشية؟ قال: بل توفى وشدّ لحينه، فرأيت المعتضد بالله وقد سجد فأطال السجود، فلما رفع رأسه قال له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة مجتهدا فى خدمتك عفيفا عن الأموال، قال: يا بدر- أظننت أنى سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا لله إذ وفّقنى فلم أصرفه ولم أوحشه، ورفّهت على ورثته ما خلفه لهم من كسبه معى ما يجاوز قيمته ألفى ألف دينار، وقد كنت
стр. 8536
عزمت على أخذ ذلك منهم، وأن استوزر أحد الرجلين: إما جرادة- وهو أقوى الرجلين فى نفسى لهيبته فى قلوب الجيش، والآخر أحمد بن محمد بن الفرات وهو أعرف بمواقع الأموال، فقال له بدر: يا مولاى- غرست غرسا حتى إذا أثمر قلعته، أنت ربّيت القاسم وقد ألف خدمتك عشر سنين، وعرف ما يرضى حاشيتك، وجرادة رجل متكبّر ويخرج من الجيش جائعا وابن الفرات لا هيبة له فى النفوس، وإنما يصلح أن يكون بحضرة وزير ليحفظ المال، ومال القاسم وورثته لك أى وقت أردته أخذته، فراجعه المعتضد وبيّن له فساد هذا الرأى، فعدل عن المناظرة إلى تقبيل الأرض مرّات، فقال له المعتضد: قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزّه بأبيه، وبشّره بتقرير رأيى على استيزاره، وليسلو عن مصابه، ومره بالبكور إلى الجامع، قال خفيف: فولّى بدر وخرجت معه فدعانى المعتضد [فعدت] «١» ، فقال: أرأيت ما جرى؟ قلت: نعم، قال: والله ليقتلنّ بدرا القاسم «٢» - وكان الأمر كذلك، قتله فى خلافة المكتفى بالله على ما نذكره إن شاء الله، فقال خفيف: رحم الله المعتضد كأنّه نظر إلى هذا من وراء ستر.
وكان المعتضد ﵀ جيد الشعر، فمن شعره ما قاله عند موت جارية كان يحبها وتحبه غاية المحبة، فلما «٣» ماتت جزع لموتها جزعا منعه عن الطعام والشراب فقال «٤» :
يا حبيبا لم يكن يع ... دله عندى حبيب
стр. 8537
أنت عن عينى بعيد ... ومن القلب قريب
ليس لى بعدك فى شى ... ء من اللهو نصيب
لك من قلبى على قل ... بى وإن بنت رقيب
وخيالى منك مذغب ... ت خيال لا يغيب
لو ترانى كيف لى بع ... دك عول ونحيب
وفؤادى حشوه من ... حرق الحزن لهيب
لتيقّنت بأنّى ... بك محزون كئيب
ما أرى نفسى وإن طبّ ... بتها «١» عنك تطيب
لى دمع ليس يعصي ... نى وصبرء ما يجيب
وقال أيضا:
لم أبك للدار ولكن بما ... قد كان فيها مرّة ساكنا
فخاننى الدهر بفقدانه ... وكنت من قبل له آمنا
ودّعت صبرى يوم «٢» توديعه ... وبان «٣» قلبى معه ظاعنا
فقال له عبيد الله بن سليمان: يا أمير المؤمنين- مثلك تهون عليه المصائب، لأنه يجد من كل فقيد خلفا، ويقدر على ما يريد، والعوض منك لا يوجد، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمّره ببقائك. وقد قال الشاعر فى المعنى الذى ذكرته.
يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... ونحن «٤» أغلظ أكبادا من الإبل
فضحك المعتضد وعاد إلى عادته.
وقال عبد الله بن المعتز يعزى المعتضد عن هذه الجارية:
стр. 8538
يا إمام الهدى بنا لا بك اله ... مّ «١» وأفنيتنا وعشت سليما
أنت علّمتنا على النعم الشك ... ر وعند المصائب التسليما
فاسل عمّا مضى فإنّ التى كا ... نت سرورا صارت ثوابا عظيما
قد رضينا بأن تموت وتحيا ... إنّ عندى فى ذاك خطا جسيما
من يمت طائعا لديك فقد أع ... طى نورا ومات موتا كريما
وأخبار المعتضد بالله كثيرة، قد أشرنا إلى ما فيه كفاية.
وكان له من الأولاد على- وهو المكتفى بالله، وجعفر- وهو المقتدر بالله، وهارون، ومحمد- وهو القاهر بالله، ومن البنات إحدى عشرة وقيل تسع.
عشرة «٢» .
وكان نقش خاتمه: الاضطرار يزيل الاختيار. ووزراؤه: عبيد الله ابن سليمان بن وهب ثم ابنه القاسم بن عبيد الله. قضاته: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل «٣» بن حماد بن زيد، ثم أبو العباس أحمد بن محمد «٤» البرتى، ثم أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكّونى، ثم يوسف بن يعقوب «٥» بن إسماعيل بن حماد بن زيد، ثم على بن أبى الشوارب، ثم أبو
стр. 8539
عمر «١» محمد بن يوسف بن يعقوب «٢» . حاجبه: صالح الأمير.
الأمراء بمصر: خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم ابنه جيش بن خمارويه، ثم هارون بن خمارويه. القضاة بها: أبو عبدة إلى أن خلع جيش ابن خمارويه فاستتر فى داره، وولى بعده أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقى من قبل هارون بن خمارويه.
(نهاية الجزء العشرين بتجزئة المؤلف)
стр. 8540
مراجع التحقيق
١- الأعلام لخير الدين الزركلى- طبعة القاهرة سنة ١٩٥٤ م ٢- الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى
- طبعة بولاق سنة ١٢٨٥ هـ- طبعة الساسى سنة ١٣٢٣ هـ- طبعة دار الكتب سنة ١٣٤٥ هـ
٣- البداية والنهاية لابن كثير- طبعة القاهرة سنة ١٩٣٢ م
٤- بلدان الخلافة الشرقية للسترينج- طبعة كمبردج سنة ١٩٣٠ م
٥- تاريخ ابن عساكر- مخطوط دار الكتب ١٠٤١ تاريخ تيمور
٦- تاريخ بغداد للخطيب البغدادى- طبعة القاهرة سنة ١٩٣١ م
٧- تاريخ الطبرى؛ المسمى بتاريخ الأمم والملوك- طبعة أوربا سنة ١٩٣٧ م- طبعة القاهرة سنة ١٩٣٩ م
٨- تنبيه الغافلين للسمرقند
- طبعة بولاق سنة ١٣١٣ هـ
٩- تهذيب تاريخ ابن عساكر- طبعة دمشق سنة ١٣٥١ هـ.
стр. 8541
١٠- فتوح البلدان للبلاذرى- طبعة أوربا سنة ١٨٦٦ م
١١- الكامل لابن الأثير- طبعة أوربا سنة ١٨٧٦ م- طبعة القاهرة سنة ١٣٥٧ هـ
١٢- كمامة الزهر وصدفة الدر، وتسمى أيضا شرح البسامة بأطواق الحمامة لابن بدرون- مطبعة السعادة، القاهرة، سنة ١٣٤٠ هـ- مخطوط دار الكتب ٧٩١٧ أدب
١٣- مسالك الممالك لأبى اسحق الأصطخرى- طبعة ليدن سنة ١٨٧٠ م
١٤- معجم البلدان لياقوت الحموى طبعة ليبزج سنة ١٨٦٦ م
١٥- المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزى- طبعة حيدر أباد سنة ١٣٥٧ هـ- مخطوط دار الكتب ١٢٦٩ تاريخ.
١٦- النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى- طبعة دار الكتب سنة ١٩٢٩ م
١٧- الوزراء والكتاب للجهشيارى- طبعة القاهرة سنة ١٩٣٨ م
١٨- وفيات الأعيان لابن خلكان- طبعة القاهرة سنة ١٩٤٨ م
١٩- الولاة والقضاة للكندى- طبعة بيروت سنة ١٩٠٨ م
стр. 8542
فهرس الجزء الثانى والعشرين
تقديم
الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة العباسية بالعراق وغيره والديار المصرية وما معها خاصة، وابتداء أمر الشيعة وظهورهم، وما كان منهم إلى أن أفضى إلى أبى العباس عبد الله السفاح ومن قام بالأمر بعده إلى وقتنا هذا.
ذكر ابتداء ظهور دعوة بنى العباس وأمر الشيعة ٩
ذكر تفويض أمر الشيعة إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس وبثه الدعاة. ١٠
ذكر مولد أبى العباس السفاح ١٢
ذكر خبر أبى مسلم الخراسانى وابتداء أمره ١٥
ذكر ولاية أبى مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراسانى أمر الشيعة. ١٨
ذكر إظهار الدعوة بخراسان ١٩
ذكر دخول أبى مسلم مرو والبيعة بها ٢١
ذكر هرب نصر بن سيار أمير خراسان من مرو ٢٣
ذكر مقتل ابنى الكرمانى ٢٤
ذكر قدوم قحطبة بن شبيب من قبل إبراهيم الإمام على أبى مسلم. ٢٦
ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور واستيلائه عليها ومن استعمله أبو مسلم على الجهات. ٢٦
ذكر مقتل نباته بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان ٢٧
стр. 8543
سنة إحدى وثلاثين ومائة ٢٨
ذكر وفاة نصر بن سيار ودخول قحطبة الرى ٢٨
ذكر مقتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصفهان ٣٠
ذكر دخول قحطبة نهاوند ٣١
ذكر فتح شهر زور ٣٢
سنة إثنتين وثلاثين ومائة ٣٢
ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة. ٣٣
ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسودا ٣٤
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام ٣٥
ذكر ابتداء الدولة العباسية وانقضاء الدولة الأموية. ٣٧
ذكر بيعة أبى العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس عم رسول الله ﷺ ٣٧
ذكر هزيمة مروان بالزاب ٤٥
ذكر مقتل مروان بن محمد ودخول أهل الشام وغيرهم فى الطاعة. ٤٦
ذكر من قتل من بنى أمية بعد مقتل مروان بن محمد ٤٩
ذكر الخلاف على أبى العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع. ٥٢
ذكر خلع أبى الورد وأهل قنسرين ودمشق ٥٢
ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم ٥٣
ذكر قتل أبى سلمة الخلال وسليمان بن كثير ٥٤
ذكر أخبار ابن هبيرة وما كان من أمره ٥٦
ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل ومن قتله بها ٥٨
ذكر عمال السفاح ٥٩
سنة ثلاث وثلاثين ومائة ٥٩
ذكر دخول ملك الروم ملطية وقاليقلا ٥٩
سنة أربع وثلاثين ومائة ٦١
ذكر خلع بسام بن إبراهيم وما كان من أمره وقتل أخوال السفاح. ٦١
ذكر خبر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز ٦٢
سنة خمس وثلاثين ومائة ٦٣
ذكر خروج زياد بن صالح ٦٤
سنة ست وثلاثين ومائة ٦٤
ذكر وفاة أبى العباس السفاح ٦٥
ذكر خلافة المنصور ٦٦
стр. 8544
سنة سبع وثلاثين ومائة ٦٧
ذكر خروج عبد الله بن على وقتاله وهزيمته ٦٧
ذكر مقتل أبى مسلم الخراسانى ٦٩
ذكر خروج سنباذ بخراسان ٧٧
ذكر خروج ملبد الشيبانى وقتله ٧٨
سنة ثمان وثلاثين ومائة ٧٩
ذكر خلع جمهور بن مرار وقتله ٧٩
سنة تسع وثلاثين ومائة ٨٠
سنة أربعين ومائة ٨٠
سنة إحدى وأربعين ومائة ٨١
ذكر خروج الراوندية على المنصور وقتلهم ٨١
ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدى إليه ٨٢
ذكر فتح طبرستان ٨٤
سنة إثنتين وأربعين ومائة ٨٥
ذكر خلع عيينة بن موسى ٨٥
ذكر نكث الإصبهبذ ٨٥
سنة ثلاث وأربعين ومائة ٨٦
سنة أربع وأربعين ومائة ٨٦
سنة خمس وأربعين ومائة ٨٨
ظهور محمد بن عبد الله ٨٨
ذكر وثوب السودان بالمدينة ٨٨
ذكر بناء مدينة بغداد وانتقال أبى جعفر المنصور إليها ٨٩
سنة ست وأربعين ومائة ٩٢
سنة سبع وأربعين ومائة ٩٢
ذكر البيعة للمهدى وخلع عيسى بن موسى ٩٢
ذكر وفاة عبد الله بن على وخبر عيسى بن موسى ٩٣
سنة ثمان وأربعين ومائة ٩٤
ذكر خروج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمدانى. ٩٤
سنة تسع وأربعين ومائة ٩٥
سنة خمسين ومائة ٩٥
ذكر خروج استاذسيس ٩٥
стр. 8545
سنة إحدى وخمسين ومائة ٩٦
ذكر بناء الرصافة للمهدى ٩٦
سنة إثنتين وخمسين ومائة ٩٨
سنة ثلاث وخمسين ومائة ٩٨
ذكر القبض على أبى أيوب الموريانى الوزير وقتله ٩٨
سنة أربع وخمسين ومائة ١٠٠
سنة خمس وخمسين ومائة ١٠٠
سنة ست وخمسين ومائة ١٠٠
سنة سبع وخمسين ومائة ١٠١
سنة ثمان وخمسين ومائة ١٠١
ذكر وفاة أبى جعفر المنصور ١٠١
ذكر وصية المنصور لابنه المهدى ١٠٣
ذكر شىء من سيرة أبى جعفر المنصور ١٠٧
ذكر خلافة المهدى ١٠٨
سنة تسع وخمسين ومائة ١٠٩
ذكر ظهور المقنع بخراسان وهلاكه ١٠٩
سنة ستين ومائة ١١١
ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادى ١١١
سنة إحدى وستين ومائة ١١٣
سنة إثنتين وستين ومائة ١١٣
ذكر قتل عبد السلام الخارجى ١١٣
سنة ثلاث وستين ومائة ١١٤
سنة أربع وستين ومائة ١١٤
سنة خمس وستين ومائة ١١٥
سنة ست وستين ومائة ١١٥
سنة سبع وستين ومائة ١١٧
سنة ثمان وستين ومائة ١١٧
سنة تسع وستين ومائة ١١٨
ذكر وفاة أبى عبد الله المهدى ١١٨
ذكر شىء من سيرته وأخباره ١١٩
ذكر خلافة الهادى ١٢١
ذكر ظهور الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ١٢٢
следующие страницы →