← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

ابن داود الجراح وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضى، ومن القوّاد الحسين بن حمدان وبدر الأعجمى ووصيف بن صوار تكين ثم إن الوزير رأى أمره صالحا مع المقتدر، وأنه على ما يحب، فبدا له فى ذلك فوثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذى تولّى قتله منهم الحسين بن حمدان وبدر الأعجمى ووصيف.. لحقوه وهو سائر إلى بستان له فقتلوه، وقتلوا معه فانكا المعتضدى، وذلك فى العشرين من شهر ربيع الأول، وخلع المقتدر من الغد، وبايع الناس لابن المعتز. وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة «١» ظنا منه أن المقتدر يلعب هناك بالكرة فيقتله، فلم يصادفه لأنه لما بلغه قتل الوزير ركض دابته «٢» ودخل الدار. وغلّقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر! وأحضروا ابن المعتز وبايعوه بالخلافة، وتولى أخذ البيعة له محمد بن سعيد الأزرق، وحضر الناس والقواد وأصحاب الدواوين سوى أبى الحسن بن الفرات وخواصّ المقتدر فإنهم لم يحضروا. ولقّب ابن المعتزّ المرتضى بالله «٣» أبا العباس عبد الله بن المعتز. ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر- التى كان

стр. 8577

بها قبل الخلافة- لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال الى الليل: وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والعلمان والرّجّالة «١» /من وراء السور عامة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار. فلما جنّه الليل «٢» سار عن بغداد بأهله وماله الى الموصل لا يدرى لم فعل ذلك؟ ولم يكن قد بقى مع المقتدر من القوّاد غير مؤنس الخادم ومؤنس وغريب الخال «٣» وحاشية الدار. فلما همّ المقتدر بالانتقال عن الدار قال بعضهم لبعض: لا نسلم الخلافة من غير أن نبلى عدوا «٤» ونجتهد فى دفع ما أصابنا! فاجتمع رأيهم على أن يصعدو فى الماء إلى الدار التى فيها ابن المعتز يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديات «٥» وركبوا السميريات «٦» . فلما رآهم من عند ابن المعتزّ هالهم كثرتهم، واضطربوا، وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إنّ الحسين بن حمدان ما يريد يجرى، فلهذا هرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر. ولما رأى عبد الله بن المعتزّ ذلك ركب ومعه وزيره محمد بن داود وهربا،

стр. 8578

وغلام له ينادى: يا معشر العامة ادعوا لخليفتكم السّنىّ اليربهارى! وإنما نسبه لذلك لأنّ الحسين بن القاسم بن عبيد الله البربهارى كان مقدّم الحنابلة والسّنّة من العامة ولهم فيه اعتقاد عظيم، فأراد استمالتهم بهذا القول. ثم إنّ ابن المعتزّ ومن معه ساروا نحو الصحراء ظنّا منهم أنّ من بايعه من الجند يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد. فرجعوا،/ واختفى محمد بن داود فى داره، ونزل ابن المعتزّ عن دابته ومعه غلامه يمن، وانحدرا إلى دار عبد الله بن الجصّاص، فاستجارا به. واستتر أكثر من بايع ابن المعتز، ووقعت الفتنة والنّهب والقتل ببغداد، وثار العيارون والسّفلة «١» ينهبون الدّور. وكان ابن عمرويه- صاحب الشرطة- ممن بايع ابن المعتزّ، فلما هرب جمع ابن عمرويه أصحابه ونادى بشعار المقتدر يدلّس بذلك فناداه العامّة: يا مراء يا كذاب! وقاتلوه، فهرب واستتر وتفرّق أصحابه. وقلّد المقتدر فى تلك الساعة الشرطة مؤنسا الخازن، وخرج بالعسكر وقبض على.. وصيف بن صوار تكين وغيره، فقتلهم.

стр. 8579

وقبض على القاضى أبى المثنّى أحمد بن يعقوب فقتله لأنه قيل له «بايع المقتدر» فقال: لا أبايع صبيا! فذبح، وأرسل المقتدر إلى أبى الحسن على بن الفرات- وكان مختفيا- فأحضره، واستوزره، وخلع عليه. وكان فى هذه الحادثة عجائب منها أنّ الناس كلّهم أجمعوا على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتزّ، فلم يتم ذلك، بل كان بالعكس. ومنها أنّ ابن حمدان على شدّة تشيّعه يسعى فى البيعة لابن المعتزّ على غلوّه فى النّصب «١» . ثم إن خادما لابن الجصاص- يعرف بسوسن «٢» - أخبر صافيا الحرمى أن ابن المعتز عند مولاه ومعه جماعة، فكبست داره وأخذ ابن المعتزّ منها/ وحبس إلى الليل، ثم عصرت خصيتاه حتى مات وسلّم إلى أهله «٣» . وصودر ابن الجصّاص على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير المعتزّ فقتل، ونفى علىّ بن عيسى إلى واسط، وصودر القاضى أبو عمرو على مائة ألف دينار، وسيّرت العساكر من بغداد فى طلب الحسين بن حمدان، فتبعوه إلى الموصل ثم إلى بلده، فلم يظفروا به، فعادوا إلى بغداد. وأخذ الوزير الجرائد التى كان فيها أسماء من أعان

стр. 8580

على المقتدر فغرّقها فى دجلة، وبسط ابن الفرات العدل والإحسان وأخرج الإدارات للطالبيين والعباسيين. وأرضى القواد بالأموال، ففرّق معظم ما كان فى بيوت الأموال وفى هذه السنة كان ابتداء ظهور الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية بأفريقية على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبارهم «١» . وفيها سيّر المقتدر القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد فى طلب الحسين بن حمدان، فساروا حتى بلغوا قرقيسيا فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان- وهو الأمير على الموصل- يأمره بطلب أخيه الحسين. فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت فانهزم الحسين، وأرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب له الأمان فأجيب إلى ذلك، ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاجان «٢» فسار إليهما. / وفيها وصل بارس غلام إسماعيل السامانى، وقلّد ديار ربيعة. وفيها خلع على المظفر مؤنس الخادم، وأمر بالمسير إلى غزو

стр. 8581

الروم. فسار فى جمع كثيف فغزا من ناحية ملطية «١» ومعه أبو الأغرّ السّلمى، فظفر وغنم، وأسر منهم جماعة، وعاد. وفيها قلّد يوسف بن أبى الساج «٢» أعمال أرمينية وأذربيجان، وضمنها بمائة ألف وعشرين ألف دينار. وفيها أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنّصارى، فألزموا بيوتهم، وأخذوا بلبس العسلىّ «٣» و [تعليق] «٤» الرّقاع من خلف ومن قدام، وأن يكون ركبهم خشنا. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك. ودخلت سنة سبع وتسعين ومائتين: فى هذه السنة وجه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة «٥» ، وحجّ بالناس، الفضل بن عبد الملك. وفيها مات عيسى النّوشرى- أمير مصر- واستعمل المقتدر

стр. 8582

تكين «١» الخادم، وخلع عليه فى منتصف رمضان. وقال أبو الفرج بن الجوزى «٢» فى حوادث هذه السنة «قال ثابت بن سنان رأيت فى صدر أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وكان لها كفّان بأصابع تامة متعلقة فى رأس كتفيها لا تعمل بهما/ شيئا وكانت تعمل أعمال اليدين برجليها، ورأيناها تغزل برجليها وتمدّ الطاقة وتسوّيها- قال- ورأيت امرأة أخرى بعضدين وذراعين وكفّين إلا أنّ كلّ واحد من الكفين ينخرط ويدقّ إذا فارق النّهدين حتى ينتهى إلى رأس دقيق يمتدّ ويصير إصبعا واحدة، وكذلك رجلها على هذه الصورة، ومعها ابن لها على مثل صورتها!» ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين: فى هذه السنة جعلت أم موسى الهاشمية قهرمانة دار «٣» المقتدر بالله، فكانت تؤى الرسائل عن المقتدر بالله وأمّه إلى الوزراء. ثم صار لها [أن] «٤» تحكم كثيرا فى الدولة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى. ودخلت سنة تسع وتسعين ومائتين:

стр. 8583

ذكر القبض على ابن الفرات ووزارة الخاقانى فى هذه السنة قبض المقتدر بالله على وزيره ابن الفرات، ووكل بداره، وهتك حرمه، وهب أمواله ودور أصحابه ومن يتعلّق به فافتتنت بغداد لقبضه، وكانت مدة وزارته- وهى الأولى- ثلاث سنين وثمانية أشهر/، وثلاثة عشر يوما. وقلد أبو على محمد بن يحيى بن عبيد الله بن خاقان الوزارة، فرتّب أصحاب الدواوين، وتولى مناظرة ابن الفرات «١» . ثم انجلت أمور الخاقانى لأنه كان ضجورا «٢» ضيّق الصدر، مهملا لقراءة كتب العمال، وجباية الأموال، وكان يتقرّب إلى الخاصة والعامة؛ فكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامة يصلون- جماعة- ينزل ويصلّى معهم، وإذا سأله أحد حاجة دقّ صدره وقال: نعم وكرامة! فسمّى «دقّ صدره» إلا أنه قصّر فى إطلاق الأموال للقوّاد والفرسان فنفروا عنه. وكان أولاده قد تحكّموا عليه وكلّ منهم يسعى لمن يرتشى منه؛ فكان يولّى فى الأيام القليلة عدّة من العمال حتى إنه ولّى ماه الكوفة «٣» فى مدة عشرة أيام «٤» سبعة من العمال،

стр. 8584

فاجتمعوا فى الطريق فعرضوا توقيعاتهم، فسار الأخير وعاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل فى ذلك: وزير قد تكامل فى الرقاعه ... يولّى ثم يعزل بعد ساعه «١» إذا أهل الرّشا اجتمعوا لديه ... فخير القوم أوفرهم بضاعه «٢» وليس يلام فى هذا بحال ... لأنّ الشيخ أفلت من مجاعه «٣» قال «٤» : ثم زاد الأمر حتى تحكّم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال؛ فانحلّت القواعد، وخبثت النيات/ واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم والرجوع إلى قول النساء والخدم والتصرف على مقتضى إرادتهم، فخرجت الممالك وطمع العمّال فى الأطراف، فصار مآل الأمر إلى ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال «٥» : ثم أحضر المقتدر الوزير ابن الفرات من محبسه، وجعله فى حجرة- من ضمن الحجر- مكرّما، فكان يعرض عليه مطالعات العمال وغير ذلك بارّا به بعد أن أخذ أمواله. وفى هذه السنة غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية

стр. 8585

طرسوس «١» ومعه دميانة «٢» ، فحصر حصن مليح الأرمنى، ثم دخل بلده وأحرقه. قال ابن الجوزى «٣» : وفى هذه السنة ورد من مصر أربعة أحمال مال، وقيل إنه وجد هناك كنز قديم. وكان معه ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا فى عرض شبر، وزعمو أنه من قوم عاد.. وكان مبلغ المال خمسمائة ألف دينار، وكان مع ذلك هدايا عجيبة- قال- وذكر الصولى أنه كان فى الهدايا تيس له ضرع يحلب اللبن ووردت رسل أحمد بن إسماعيل بهدايا فيها بدنة «٤» مرصّعة بفاخر الجوهر، وتاج من ذهب مرصّع بجوهر له قيمة كبيرة، ومناطق ذهب مرصعة، وخلع سلطانية فاخرة، وربعة ذهب مرصعة فيها شمّامات مسك وعنبر كلّه مرصع، وعشر/ أفراس بسروجها ولاحداها سرج ذهب. ووردت هدايا ابن أبى السّاج وهى أربعمائة دابّة وثمانون ألف دينار وفرش أرمنى لم ير مثله، فيه بساط طوله سبعون ذراعا فى عرض ستين، لا قيمة له! وحجّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ. ودخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة النبوية

стр. 8586

ذكر عزل الخافانى عن الوزارة وزارة علىّ بن عيسى فى هذه السنة ظهر للمقتدر بالله تخليط الخاقانىّ وعجزه عن الوزارة، فأراد عزله وإعادة أبى الحسن بن الفرات، فمنعه مؤنس الخادم وقال له: متى أعدته ظنّ النّاس أنّك إنما قبضت عليه شرها فى ماله! وأشار عليه باستدعاء علىّ بن عيسى من مكة وتقليده الوزارة وشكره مؤنس الخادم وأثنى عليه. فأمر المقتدر باحضاره، فوصل إلى بعداد فى أوّل سنة إحدى وثلاثمائة، فجلس فى الوزارة وسلّم إليه الخاقانىّ فأحسن إليه ووسّع عليه. ولما تولّى علىّ بن عيسى لازم العمل والنظر فى الأمور وردّ المظالم، وأطلق من المكوس شيئا كثيرا، وأسقط زيادات كان الخاقانى قد زادها/ للجند؛ لأنه عمل معدّل الدّخل والخرج فرأى الخرج أكثر من الدّخل، فأسقط الزيادات. وأمر بعمارة المساجد والجوامع وتبييضها وبسطها بالحصر وإشعال الأضواء فيها. وأمر بإصلاح البيمارستانات وعمل ما تحتاج إليه، وغير ذلك من وجوه البر والقربات «١» . قال «٢» : ولما عزل الخاقانى أكثر الناس التزوير على خطّ الخاقانىّ بصلات وإدرارات، فنظر علىّ بن عيسى فى ذلك فأنكر

стр. 8587

الخطوط وأراد إسقاطها، فخاف ذمّ الناس، فأنفذها للخاقانىّ فقال: كلّها خطّى وأنا أمرت بها فلما عاد الرسول إلى علىّ بن عيسى قال: والله لقد كذب، وقد علم المزوّر من غيره ولكنه اعترف بها لتحمده الناس ويذمونى! وأمر بإحراقها «١» ، وقال الخاقانىّ لولده: يا بنى، هذه ليست خطى ولكنه أنفذها إلىّ وقد عرف الصحيح من السقيم وأراد أن نأخذ الشّوك بأيدينا ويبغضنا إلى النّاس، وقد علمت مقصوده، وعكسته عليه! قال ابن الجوزىّ «٢» : وفيها لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بانخساف جبل بالدّينور يعرف بالتل وخرج من تحته ماء كثير أغرق عدّة من القرى، ووصل الخبر بانخساف قطعة عظيمة من جبل لبنان وسقوطها فى البحر «٣» . وفى هذه السنة خرج أهل صقيلة عن طاعة المهدىّ صاحب/ أفريقية، وخطب للمقتدر بالله بها. وكان الذى قام بهذه الدعوة أحمد بن قرهب، فسيّر إليه الخلع السّود والألوية، ثم خرج أهل الجزيرة عليه وقبضوه وبعثوه للمهدى فقتله. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك. ودخلت سنة إحدى وثلا ثمائة: وفى هذه السنة خلع المقتدر بالله على ابنه أبى العباس وقلّده أعمال مصر والمغرب وعمره أربع

стр. 8588

سنوات، واستخلف [له] «١» على مصر مؤنس الخادم. وهذا أبو العباس الذى ولى الخلافة بعد القاهر ولقّب الراضى بالله على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وخلع أيضا على ابنه على وولاه الرىّ «٢» ودنباوند «٣» وقزوين وزنجان «٤» وأبهر «٥» . وفيها خالف أبو الهيجاء بن حمدان بالمؤصل على المقتدر بالله، فسير إليه المظفّر مؤنسا، فأتاه ابن حمدان مستأمنا، وورد [مؤنس] «٦» معه إلى بغداد فخلع المقتدر عليهما. وفيها استولى الحسن بن علىّ بن عمر بن الحسين بن علىّ على برسنان، وتلقّب بالناصر على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الطالبيين. وفيها جهّز المهدىّ- صاحب أفريقية- العساكر مع ابنه القائد إلى الديار المصرية، فسار إلى برقة واستولى عليها، وسار إلى مصر فملك الإسكندرية والفيوم، وصار فى يده أكثر البلاد فسيّر المقتدر لحربه مؤنسا الخادم فى جيش كثيف،/ فحارب عساكر

стр. 8589

المهدىّ وأجلاهم عن الديار المصرية، فعادوا إلى المغرب منهزمين. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك أيضا ودخلت سنة اثنتين وثلاثمائة: فى هذه السنة أمر المقتدر بالقبض على أبى عبد الله الحسين بن عبد الله الجوهرىّ المعروف بابن الجصاص وأخذ ما فى بيته من صنوف الأموال؛ فأخذ منه ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار، وكان هو يدّعى أن ما أخذ منه عشرون ألف ألف دينار، وأكثر من ذلك «١» . وفيها أنفذ الملقّب بالمهدى- صاحب أفريقية- جيشا إلى الد يار المصرية مع قائد من قواده يقال له حباسة «٢» فى البحر، فغلب على الاسكندرية ثم سار منها إلى مصر. فأرسل المقتدر لحربه مؤنسا الخادم فى عسكر فالتقوا فى جمادى الأولى واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الفريقين وجرح خلق كثير. ثم كانت بينهم وقعة ثانية، ثم وقعة ثالثة ورابعة انهزم فيها المغاربة وقتل منهم وأسر سبعة آلاف وذلك فى سلّخ جمادى الآخرة. وعاد من بقى إلى المهدى فقتل حباسة.

стр. 8590

وفيها غزا بشر الخادم والى طرسوس بلاد الروم، ففتح فيها وغزا وسبى وأسر مائة وخمسين بطريقا، وكان السّبى نحوا من ألفى رأس. وفيها قلّد أبو الهيجاء [عبد الله] بن حمدان الموصل [والجزيرة] «١» /قال ابن الجوزى «٢» : وفيها فى جمادى الأولى ختن المقتدر خمسة أولاد له، ونثر عليهم خمسة آلاف دينار ومائة ألف درهم ورقا- قال- ويقال إنه بلغت النفقة فى هذا الختان ستمائة ألف دينار، وختن قبل ذلك جماعة من الأيتام وفرّقت فيهم دراهم كثيرة. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى. ودخلت سنة ثلاث وثلاثمائة: ذكر خروج الحسين بن حمدان عن طاعة المقتدر فى هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن الطاعة، وسبب ذلك أن الوزير علىّ بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة- وهو يتولّاها- فدافعه فأمر بتسليم البلاد إلى العمال، فامتنع، فجهّز الوزير رائقا الكبير فى جيش لمحاربته، وكتب إلى مؤنس الخادم- وهو بمصر- يأمره بالمسير إلى الجزيرة لقتال ابن حمدان بعد فراغه من أصحاب المهدىّ. فسار رائق إلى الحسين بن حمدان

стр. 8591

فالتقيا واقتتلا قتلالا شديدا، فانهزم رائق، وغنم الحسين سواده، وسار رائق إلى مؤنس فأمره بالمقام بالموصل، وجدّ مؤنس فى السّير فى طلب الحسين. فلما قارب منه راسله الحسين واعتذر وتكرّرت الرسائل بينهما، فلم يستقر حال. فرحل مؤنس نحو الحسين، فسار إلى أرمينية بثقله وأولاده، وتفرق عسكر الحسين عنه، وصاروا إلى مؤنس. ثم جهز مؤنس جيشا فى أثره مقدّمهم يلبق «١» فتبعوه إلى تلّ فافان، فإذا هى خاوية على عروشها قد قتل أهلها، وأحرقها فجدّوا فى اتّباعه، فأدركوه فقاتلوه، فانهزم من بقى معه من أصحابه، وأسر هو وابنه عبد الوهاب وجميع أهله وأكثر من صحبه وقبض أملاكهم. وعاد مؤنس إلى بغداد على طريق الموصل والحسين معه، فأركب على جمل هو وابنه وعليهما اللّبود «٢» الطّوال وقمصان من شعر أحمر. وحبس الحسين وابنه عند زيدان القهرمانة، وقبض المقتدر على أبى الهيجاء بن حمدان وعلى جميع إخوته وحبسوا. وكان بعض أولاد الحسين بن حمدان قد هرب فجمع جمعا ومضى نحو آمد «٣» ، فأوقع بهم مستحفظها وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد.

стр. 8592

وفيها خرج مليح الأرمنى إلى مرعش، فعاث فى بلدها، وأسر جماعة ممّن حولها. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك. ودخلت سنة أربع وثلاثمائة: ذكر وزارة ابن الفرات الثانية وعزل على بن عيسى/ فى هذه السنة فى ذى الحجة عزل على بن عيسى عن الوزارة وأعيد إليها أبو الحسن على بن الفرات. وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن الفرات كان محبوسا، وكان المقتدر بالله يشاوره فى الأمور وهو فى محبسه، ويرجع إلى قوله. وكان على بن عيسى يمشّى أمر الوزارة ولم يتّبع أصحاب ابن الفرات ولا أسبابه ولا غيره وكان جميل المحضر قليل الشر، فبلغه أن ابن الفرات قد تحدّث له جماعة من أصحاب الخليفة فى إعادته إلى الوزارة، فاستعفى من الوزارة، وسأل فى ذلك فأنكر المقتدر عليه ومنعه من ذلك. فلما كان فى آخر ذى القعدة جاءت أمّ موسى القهرمانة لتتفّق معه على ما يحتاج إليه حرم الدار والحاشية التى للدار من الكسوات والنفقات فوصلت إليه وهو نائم فقال لها حاجبه: إنه نائم ولا أجسر أن أوقظه فاجلسى فى الدار حتى يستيقظ! فغضبت من هذا وعادت، واستيقظ. الوزير فى الحال فأرسل إليها حاجبه وولده يعتذر فلم تقبل منه، ودخلت إلى المقتدر وخاطبته فى عزله وحرّضته على ذلك فعزله عن الوزارة وقبض عليه فى ثامن ذى الحجة «١» .

стр. 8593

وأعيد ابن الفرات إلى الوزارة وضمن على نفسه أن يحمل فى كلّ يوم ألف دينار إلى بيت المال وخمسمائة دينار، فقبض على أصحاب الوزير علىّ بن عيسى وعاد فقبض على الخاقانى الوزير وأصحابه، واعترض العمّال وغيرهم/ وعاد عليهم بأموال عظيمة. وكان أبو علىّ بن مقلة قد استخفى منذ قبض على ابن الفرات إلى الآن، فلما عاد ابن الفرات إلى الوزارة ظهر فأشخصه ابن الفرات الوزير وقرّبه وأحسن إليه وحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزىّ فى تاريخه المنتظم «١» أنّه لما قلّد الوزارة خلع عليه سبع خلع وحمل إليه من دار السّلطان ثلاثمائة ألف درهم، وعشرون خادما، وثلاثون دابّة لرحله، وخمسون دابة لغلمانه، وخمسون بغلا لنقله، وبغلان للعمارية بقبابها وثلاثون جملا، وعشر تخوت ثياب «٢» وأنه ركب معه مؤنس الخادم، وغلمان المقتدر، وصار إلى داره بسوق العطش، وردّت إليه ضياعه، وأقطع الدار التى بالمخرم فسكنها. وأنه سقى النّاس فى ذلك اليوم وتلك الليلة أربعين ألف رطل ثلج، وزاد ثمن الشّمع والكاغد «٣» وكانت هذه عادته! قال: «٤»

стр. 8594

وكانت مدّة اعتقاله إلى أن رجع إلى الوزارة خمس سنين وأربعة أيام. قال: وسمع بعض العوام يقول يوم خلع على ابن الفرات: والله خذلونا، أخذوا منّا مصحفا وأعطونا طنبورا! فبلغ ذلك إلى الخليفة، فكان ذلك سببا للإحسان إلى على بن عيسى وحسن النيّة فيه إلى أن خرج من الحبس [والله تعالى أعلم] ذكر أمر يوسف بن أبى الساج / كان يوسف بن أبى السّاج على أذربيجان وأرمينة قد ولى الحرب والصلاة والأحكام وغيرها منذ أول وزارة ابن الفرات الأولى، فلما عزل ابن الفرات وتولى الخاقانىّ طمع فأخر حمل بعض المال، فاجتمع له من المال ما قويت به نفسه على الامتناع، وبقى كذلك إلى هذه السنة. فلما بلغه القبض على على الوزير علىّ بن عيسى أظهر أنّ الخليفة أنفذ إليه عهد الرىّ وأن الوزير علىّ بن عيسى سعى له فى ذلك، وجمع العساكر وسار إلى الرىّ وبها محمد بن صعلوك يتولّى أمرها لصاحب خراسان نصر بن أحمد السامانى. وكان ابن صعلوك قد تغلّب على الرىّ وما يليها أيام وزارة على بن عيسى، ثم أرسل إلى ديوان الخلافة يقاطع عليها بمال يحمله، «١» فلما بلغه مسير يوسف نحوه سار إلى خراسان، فدخل يوسف الرّىّ واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وأبهر، فلما اتصل فعله بالمقتدر بالله أنكره

стр. 8595

وكتب يوسف إلى الوزير ابن الفرات يعرفه أنّ علىّ بن عيسى أنفذ إليه بالعهد واللواء وأنه افتتح هذه الأماكن وطرد عنها المتغلّبين عليها واعتدّ بذلك، وذكر كثرة ما أخرج عليه من الأموال، فعظم ذلك على المقتدر وأمر ابن الفرات أن يسأل علىّ بن عيسى عن الذى ذكره يوسف فأحضره وسأله فأنكر ذلك فصدّقه. وكتب ابن الفرات إلى ابن أبى الساج/ ينكر عليه تعرّضه إلى هذه البلاد وكذبه على الوزير وجهّز العساكر لمحاربته. فسارت فى سنة خمس وثلاثمائة وعليها خاقان المفلحى ومعه جماعة من القواد «١» ، فساروا ولقوا يوسف واقتتلوا، فهزمهم يوسف وأسر منهم جماعة وأدخلهم الرىّ مشهّرين على الجمال. فسيّر الخليفة مؤنسا الخادم فى جيش كثيف لمحاربته، فسار وانضم إليه من كان مع خاقان، فصرف خاقان عن أعمال الجبل ووليها نحرير الصغير وسار مؤنس وأتاه أحمد بن على- وهو أخو محمد بن صعلوك- مستأمنا فأكرمه، ووصلت كتب ابن أبى الساج يسأل الرّضى عنه وأن يقاطع على أعمال الرى وما يليها على سبعمائة ألف دينار لبيت المال سوى ما تحتاج إليه الجند وغيرهم، فلم يجبه المقتدر إلى ذلك وقال: لو بذل ملك الأرض لما أقررته على الرّىّ يوما واحدا لإقدامه على التّزوير! فلما عرف ابن أبى السّاج ذلك سار عن الرّىّ بعد أن أخربها وجبى خراجها فى

стр. 8596

عشرة أيام. وقلّد المقتدر الرّىّ وقزوين وأبهر وصيفا البكتمرىّ «١» ، وطلب يوسف بن أبى الساج أن يقاطع على ما كان بيده من الولاية فأشار ابن الفرات بإجابته إلى ذلك، فعارضه نصر الحاجب وابن الحوارىّ وقالا: لا يجاب إلى ذلك إلا بعد أن يطأ البساط.! ونسب الوزير ابن الفرات إلى مواطأته والميل معه. فامتنع/ المقتدر بالله من إجابته إلا أن يحضر إلى الخدمة بنفسه. فلما رأى يوسف ذلك حارب مؤنسا فانهزم مؤنس إلى زنجان، وقتل من قواده جماعة «٢» وأسر جماعة منهم هلال بن بدر، فأدخلهم أردبيل مشهّرين على الجمال. وأقام مؤنس بزنجان بجمع من العساكر ويستمد الخليفة، وكاتبه يوسف فى الصّلح وراسله فيه؛ فكتب مؤنس إلى الخليفة فلم يجبه إليه. فلما كان فى المحرم سنة نسع «٣» وثلاثمائة اجتمع لمؤنس خلق كثير فسار نحو يوسف، فتواقعا على باب أردبيل، فانهزم عسكر يوسف، وأسر هو وجماعة من أصحابه فعاد بهم مؤنس إلى بغداد فدخلها فى المحرم. وأدخل يوسف مشهّرا على جمل وعليه برنس بأذناب الثعالب، فأدخل على المقتدر، ثم حبس عند زيدان القهرمانة.

стр. 8597

وفى سنة أربع وثلاثمائة نوفّى الناصر العلوىّ صاحب طبرستان. وفيها خالف أبو يزيد خالد بن محمد على المقتدر بكرمان- وكان يتولى الخراج- وسار منها إلى شيراز يريد التغلب على فارس، فحاربه بدر الحمامى وقتله وحمل رأسه إلى بغداد. وفيها سار مؤنس المظفّر إلى بلاد الروم للغزاة، فسار إلى ملطية وغزا منها، وكتب إلى أبى القاسم على بن أحمد بن بسطام. أن يغزو من طرسوس فى أهلها، ففعل وفتح مؤنس حصونا كثيرة من الروم وأثر آثارا جميلة وعاد إلى بغداد فأكرمه الخليفة وخلع عليه. قال أبو الفرج [عبد الرحمن بن الجوزى] «١» وفيها ورد الخبر من خراسان أنه وجد بالقندهار فى أبراج سورها أزج «٢» متصل بها، فيه ألف رأس فى سلاسل، من هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأسا «٣» فى أذن كلّ رأس رقعة مشدودة بخيط إبريسم «٤» مكتوب فيها اسم الرجل. قال وكان من الأسماء شريح بن حيان وخباب بن الزبير والخليل بن موسى وطلق ابن معاد، وحاتم بن حسنة، وهانىء بن عروة، وفى الرقاع تاريخ من سنة [سبعين من] «٥» الهجرة، ووجدوا على حالهم لم لم يتغيّر شعرهم إلا أن جلودهم قد جفّت.

стр. 8598

ودخلت سنة خمس وثلاثمائة: قال أبو الفرج «١» : فى هذه السنة ورد على السلطان هدايا جليلة من أحمد بن هلال صاحب عمان، وفيها أنواع من الطّيب وطرائف من طرائف البحر وطائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء وظباء سود قال: ابن الأثير: «٢» وفى هذه السنة من المحرم وصل رسولان من مالك الرّوم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء فأجاب المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء، وسير مؤنسا الخادم ليحضر الفداء، وجعله أميرا على كل بلد يدخله، يتصرف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه، وأرسل معه/ مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسارى المسلمين. قال [أبو الفرج] بن الجوزىّ فى خبر الرسل «٣» إنهما أدخلا وقد عبّىء العسكر بالأسلحة التّامة وكانوا مائة ألف وستين ألفا، وكانوا من أعلى باب الشماسية إلى الدار، وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم الخوص بالبزة الظاهرة «٤» والمناطق المحلاة، وكانوا سبعة آلاف خادم منهم أربعة آلاف بيض وثلاثة آلاف سود، وكان الحجّاب سبعمائة حاجب، وفى دجلة الطيّارات والزّبازب والسّميريّات بأفضل زينة. فسار الرسولان فمرّا على دار نصر القشورى الحاجب، فرأيا منظرا عجيبا فظنّاه الخليفة وهاباه حتى

стр. 8599

قيل إنه الحاجب، ثم حملا إلى دار الوزير فرأيا أكثر من ذلك ولم يشكا أنه الخليفة فقيل إنه الوزير. قال: وزيّنت دار الخلافة، وطيف بهما فيها فشاهدا ما هالهما، وكانت الستور ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج، المذهبة منها اثنا عشر ألفا وخمسمائة، وكانت البسط والنّخاخ «١» اثنين وعشرين ألفا وكان فى الدار من الوحش قطعان تأنس بالناس وتأكل من أيديهم، وكان هناك مائة سبع كلّ سبع بيد سبّاع. ثم أخرجا إلى دار الشجرة، وكانت شجرة فى وسط بركة فيها ماء صاف، والشجرة/ ثمانية عشر غصنا لكلّ غصن منها شاخات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كلّ نوع مذهبة ومفضضة. وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها مذهبة وهى تتمايل، وبها ورق مختلف الألوان، وكل من هذه الطيور تصفر. ثم أدخلا إلى الفردوس، وكان فيه من الفراش والآلات ما لا يحصى، وفى دهاليزه عشرة آلاف جوشن «٢» مذهبة معلقة قال: ويطول شرح ما شاهدا من العجائب إلى أن وصلا إلى المقتدر وهو جالس على سرير أبنوس قد فرش بالدّيبقى المطرّز وعن يمنة السرير تسعة عقود معلقة وعن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر يضىء ضوؤها على ضوء النهار

стр. 8600

قال: فلما وصل الرسولان إلى الخليفة، وقفا على نحو مائة ذراع وابن الفرات قائم بين يديه والتّرجمان قائم يخاطب الخليفة. ثم أخرجا وطيف بهما فى الدار حتى أخرجا إلى دجلة وقد أقيمت على الشطوط الفيلة والسباع والفهود! قال: ثم خلع عليهما وحمل إليهما خمسون بدرة ورقا فى كلّ بدرة خمسة آلاف درهم. قال: وفيها ورد كتاب من مرو أنّ نفرا عثروا على نقب فى سور المدينة فكشفوا عنه فوصلوا إلى أزج فأصابوا فيه ألف رأس، وفى أذن كلّ رأس رقعة قد أثبت فيها اسم صاحبها «١» /وفيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته وأهل بيته من الحبس، وحج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك. ودخلت سنة ست وثلاثمائة: ذكر عزل ابن الفرات عن الوزارة ووزارة حامد بن العباس فى هذه السنة فى جمادى الآخرة قبض على الوزير أبى الحسن ابن الفرات، وكانت مدة وزارته هذه- وهى الثانية- سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما وكان سبب ذلك أنّه أخّر إطلاق أرزاق الفرسان، واحتجّ عليهم بضيق الأموال وأنها خرجت فى محاربة ابن أبى السّاج وأنّ الارتفاع نقص

стр. 8601

بأخذ يوسف أموال الرىّ؛ فشغب الجند شغبا عظيما وخرجوا إلى المصلّى فالتمس الوزير من المقتدر إطلاق مائتى ألف دينار من بيت مال الخاصّة ليضيف إليها مائتى ألف دينار يحصّلها ويصرف الجميع فى أرزاق الجند، فاشتد ذلك على المقتدر وأرسل إليه: إنك ضمنت أن ترضى جميع الأجناد وتقوم بجميع النفقات وتحمل بعد ذلك ما ضمنت حمله يوما بيوم وأراك الآن تطلب من بيت مال الخاصة! فاحتج بقلة/ الارتفاع وما أخذه! ابن أبى السّاج منه وما خرج على محاربته، فلم يسمع المقتدر حجّته وتنكّر له. وقيل كان سبب قبضه أن المقتدر قيل له إنّ ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان لمحاربة ابن أبى الساج فإذا صار عنده اتفقا عليك. ثم إن ابن الفرات قال للمقتدر أن يرسل ابن حمدان لحربه فقتل ابن حمدان فى جمادى الأولى، وقبض ابن الفرات فى جمادى الآخرة. قال: «١» وكان بعض العمال قد ذكر لابن الفرات ما يتحصّل لحامد بن العبّاس من أعمال واسط زيادة على ضمانه فاستكثره، وكاتبه فى ذلك، فخاف حامد أن يؤخذ ويطالب بالمال، فكتب «٢» إلى نصر الحاجب وإلى والدة المقتدر وضمن لهما مالا ليتحدّثا له فى الوزارة. فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه وكثرة أتباعه وأنّ له

стр. 8602

أربعمائة مملوك يحملون السّلاح، ووافق ذلك نفرة المقتدر عن ابن الفرات فأمره بالحضور من واسط، فحضر وقبض على ابن الفرات وولده المحسن وأصحابهما وأتباعهما. ولما وصل حامد إلى بغداد أقام ثلاثة أيام فى دار الخلافة، فكان يتحدّث مع النّاس ويضاحكهم ويقوم لهم، فبان للخدم وحاشية الدّار قلة معرفته بالوزارة، وقال له حاجبه/ يا مولانا.. الوزير يحتاج إلى لبسة وجلسة وعبسة! فقال له: تعنى أنه يلبس ويقوم ويقعد ولا يقوم لأحد ولا يضحك فى وجه أحد؟ قال نعم! قال حامد: إنّ الله تعالى أعطانى وجها طلقا وخلقا حسنا وما كنت بالذى أعبس وجهى وأقبّح خلقى لأجل الوزارة «١» ! فأمر المقتدر بإطلاق علىّ بن عيسى من محبسه، وجعله يتولى الدواوين شبه النائب عن حامد «٢» فكان يراجعه فى الأمور ويصدر عن رأيه. ثم إنه استبد بالأمور دون حامد، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها لعلى حتى قيل فيهما: أعجب من كلّ ما تراه ... أنّ وزيرين فى بلاد هذا سواد بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد «٣»

стр. 8603

قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى «١» : وفى هذه السنة أمرت السيدة أم المقتدر. قهرمانة لها تعرف بثمل أن تجلس بالتّربة التى بنتها بالرّصافة للمظالم وتنظر فى رقاع الناس فى كل جمعة «٢» ، فجلست وأحضرت القاضى أبا الحسين الإسنانى «٣» وخرجت التوقيعات على السداد- قال- وقال أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ: قعدت ثمل القهرمانة فى أيام المقتدر بالله للمظالم، وحضر مجلسها القضاة والفقهاء. / وفيها غزا يسر الأفشينى بلاد الرّوم فافتتح عدّة حصون وغنم وسلم، وغزا ثمال «٤» فى بحر الروم فغنم وسبى وعاد. وفيها أمر المقتدر ببناء بيمارستان فبنى وأجرى عليه النفقات الكثيرة، وكان يسمّى المقتدرىّ، وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمى «٥» . ودخلت سنة سبع وثلاثمائة: فى هذه السنة وصل القائم بن المهدى من أفريقية من قبل أبيه بجيش كثيف فكان وصوله إلى الإسكندرية فى شهر ربيع

стр. 8604

الآخر «١» ، فخرج عنها عامل المقتدر «٢» ودخل القائم، ثم رحل إلى مصر فدخل الجيزة وملك الأشمونين وأكثر الصعيد. وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى الدّخول فى طاعته فلم يجيبوه، فبعث المقتدر بالله مؤنسا الخادم فى شعبان وجدّ فى السير فوصل إلى مصر وكان بينه وبين القائم عدة وقعات. ووصل من أفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم، فأمر المقتدر بالله أن تسير مراكب طرسوس إليهم، فسارت خمسة وعشرون مركبا وفيها النّفط والعدد ومقدّمها أبو اليمن، فالتفت المراكب بالمراكب واقتتلوا على رشيد، فظفر أصحاب مراكب المقتدر بالله وأحرقوا كثيرا من مراكب أفريقية وأسر منهم كثير. وكان ممن أسر سليمان الخادم ويعقوب الكتامى وهما مقدما المراكب/ فمات سليمان فى الحبس بمصر، وحمل يعقوب إلى بغداد ثم هرب منها وعاد إلى أفريقية. وفيها ضمن حامد بن العباس الوزير أعمال الخراج والضّياع الخاصّة والعامّة والمستحدثة والفراتة بسواد بغداد والكوفة والبصرة وواسط والأهواز وأصبهان. وسبب ذلك أنه رأى أنه قد تعطّل عن الأمر والنّهى وتفرّد به علىّ بن عيسى، فشرع فى هذا ليصير له حديث وأمر ونهى، ثم استأذن المقتدر فى الانحدار إلى واسط ليدبّر أمر ضمانه الأوّل فأذن له فانحدر إليها، واسم

стр. 8605

الوزارة عليه، وعلىّ يدبر الأمور! وأظهر حامد زيادة عظيمة ظاهرة فى الأموال، فسرّ المقتدر بذلك وبسط يد حامد فى الأعمال حتى خافه علىّ بن عيسى. ثم تحرّك السّعر «١» ببغداد فثارت العامّة والخاصّة، لذلك، واستغاثوا وكسروا المنابر، وكان حامد يخزن الغلال، وكذلك غيره من القواد، فأمر المقتدر بإحضار حامد فحضر من الأهواز، فعاد النّاس إلى شغبهم. فأنفذ حامد جماعة لمنعهم، فقاتلهم العامّة، وأحرقوا الجسرين وأخرجو المحبسين من السجن ونهبو دار صاحب الشّرطة، فأنفذ المقتدر جيشا مع غريب الخال فقاتل العامّة، فانهزموا بين يديه ودخلوا الجامع بباب الطّاق، «٢» فأخذوا وحبسوا، ثم ضرب بعضهم وقطعت أيدى من عرف بالفساد. ثم أمر المقتدر من الغد فنودى/ فى النّاس بالأمان فسكنت الفتنة، ثم ركب حامد إلى دار المقتدر فى الطيّار «٣» فرجمه العامّة، فأمر الخليفة بفتح مخازن الحنطة والشّعير التى لحامد ولأم المقتدر وغيرهما، وبيع ما فيها فرخصت الأسعار وسكنت الناس، فقال على بن عيسى للمقتدر: إنّ سبب غلاء الأسعار ضمان حامد، فإنه منع بيع الغلال فى البيادر وخزنها! فأمر المقتدر بفسخ الضّمان عن حامد وصرف عمّاله عن السواد، وأمر علىّ بن عيسى أن يتولى ذلك، فسكن الناس واطمأنوا.

стр. 8606

وفيها قلّد ابراهيم بن حمدان ديار ربيعة، وحجّ بالناس فى هذه السنة أحمد بن العباس أخو أمّ موسى القهرمانة. ودخلت سنة ثمان وثلاثمائة: فى هذه السنة خلع المقتدر بالله على أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقلّده طريق خراسان والدينور، وخلع على إخوته أبى العلاء وأبى السرايا وفيها توفى ابراهيم بن حمدان فى المحرم، وحجّ بالناس فى هذه السنة أحمد بن العباس. ودخلت سنة تسع وثلاثمائة: ذكر قتل الحسين بن منصور الحلاج وشىء من أخباره وفى هذه السنة قتل الحسين بن منصور الحلّاج الصوفى، وأحرق بالنار «١» /وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزّهد والتصوّف، ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الصيف فى الشتاء وفاكهة الشتاء فى الصيف. ويمدّ يده فى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم وعليها مكتوب «قل هو الله أحد» ويسميها دراهم القدرة. ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه فى بيوتهم، ويتكلم بما فى ضمائرهم. فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، واختلفت فيه اعتقاداتهم؛ فمن قائل إنه حلّ فيه جزء إلهى ويدّعى فيه الربوبية، ومن قائل إنه ولىّ الله تعالى وإنّ الذى

стр. 8607

يظهر منه من جملة كرامات الصلحاء، ومن قائل إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهّن وإن الجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة فى غير أوانها. وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة وأقام بها سنة فى الحجر لا يستظل تحت سقف صيفا ولا شتاء، وكان يصوم الدّهر فإذا جاء وقت العشاء أحضر له القوم كوزا من ماء وقرصا فيشرب وبعض من القرص ثلاث عضات من جوانبها فيأكلها ويترك الباقى فيأخذونه، ولا يأكل شيئا آخر إلى وقت الفطر من الليلة الثانية. وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربى فأخذ أصحابه وجاء لزيارة الحلّاج فلم بجده فى الحجر، وقيل قد صعد إلى جبل أبى قبيس، فصعد إليه فوجده على صخرة حافيا/ مكشوف الرأس، والعرق يجرى منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلّمه وقال: هذا يتصيّر على قضاء الله وسوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته! وعاد الحسين إلى بغداد. وأما سبب قتله فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد بن العباس أنه أحيا جماعة وأنه يحيى الموتى وأن الجنّ يخدمونه فيحضرون عنده بما يشتهى. وإنّه قدّموه على جماعة من حاشية الخليفة، وإنّ نصرا الحاجب قد مال إليه هو وغيره. فالتمس حامد من المقتدر أن يسلّم إليه الحلاج وأصحابه فدفع عنه نصر الحاجب وألح الوزير فى طلبه، فأمر المقتدر بتسليمه إليه، فأخذ وأخذ معه

стр. 8608

إنسان يعرف بالشميرى وغيره- قيل إنهم كانوا يعتقدون أنه إله- فقرّرهم حامد فاعترفوا أنهم قد صحّ عندهم أنه إله وأنه يحيى الموتى، وقابلوا الحلّاج على ذلك. فأنكره وقال: أعوذ بالله أن أدّعى الربوبية والنّبوّة وإنما أنا رجل أعبد الله ! فأحضر الوزير القاضى أبا عمر والقاضى أبا جعفر بن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود واستفتاهم فقالوا: لا نفسى فى أمره بشىء إلا أن يصحّ عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول من يدّعى عليه ما ادّعاه إلا ببيّنة أو إقرار! وكان حامد يخرج الحلّاج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه/ ما تكرهه الشريعة، وطال الأمر وحامد مجد له فى أمره، وجرى له معه قصص يطول شرحها. وفى آخرها أن الوزير رأى له كتابا حكى فيه أنّ الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتا لا يلحقه شىء من النجاسات ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيما ويعمل أجود طعام يمكنه ويطعمهم فى ذلك البيت ويتولّى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم وأعطى كلّ واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمن حج فلما قرىء هذا على الوزير قال القاضى أبو عمر للحلاج: من أين لك هذا؟ قال من كتاب الإخلاص للحسن البصرى. قال له القاضى: كذبت يا حلال الدم قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا. فلما قال له «يا حلال الدم» وسمعها الوزير قال: له: اكتب بهذا رقعة،

стр. 8609

فدافعه أبو عمر فألزمه حامد فكتب بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس. قال: «١» ولما سمع الحلّاج ذلك قال: ما يحلّ لكم دمى وإعتقادى الإسلام ومذهبى السنة ولى فيها كتب موجودة فالله الله فى دمى! وتفرق الناس، وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه فى قتله وأرسل إليه الفتاوى فأذن فى قتله فسلّمه الوزير إلى صاحب الشّرطة فضربه ألف سوط فما تأوّه ثم قطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم قتل/ وأحرق فى النار، فلما صار رمادا ألقى فى دجلة ونصب رأسه ببغداد وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب، وأقبل بعض أصحابه يقولون: إنه لم يقتل وإنما ألقى شبهه على دابّة وإنه يعود بعد أربعين يوما! وبعضهم يقول: لقيته على حمار بطريق النهروان وإنه قال لهم «لا تكونوا مثل هؤلاء النّفر الذين يظنون أنى ضربت وقتلت» ! وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمد بن نصر الحاجب، فسار إليها وأوقع بمن خالفه من الأكراد فقتل وأسر، وأرسل إلى بغداد نيّفا وثمانين أسيرا فشهروا، وفيها قلّد داود بن حمدان ديار ربيعة. ودخلت سنة عشر وثلاثمائة: فى هذه السنة أطلق يوسف بن أبى السّاج من الحبس بشفاعة مؤنس الخادم، ودخل إلى المقتدر وخلع عليه، ثم عقد له على الرّىّ وقزوين وزنجان وأبهر. وقرّر

стр. 8610

عليه خمسمائة ألف دينار محمولة إلى بيت المال فى كلّ سنة سوى أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد. وفيها وصلت هدية أبى زنبور الحسين الماذرائى «١» من مصر، وفيها بغلة معها فلو «٢» يتبعها ويرضع منها وغلام طويل اللسان يلحق لسانه أرنبة أنفه! وفيها قبض المقتدر على أمّ موسى القهرمانة وكان سبب ذلك أنها/ زوّجت ابنة أخيها من أبى العباس أحمد بن محمد بن إسحاق بن المتوكل على الله وكان يرشّح للخلافة، فلما صاهرته أكثرت من النّثار والدعوات وخسرت أموالا جليلة،: فتكلم أعداؤها وسعوا بها إلى المقتدر وقالوا: إنها قد سعت لأبى العباس فى الخلافة، وحلفت له القوّاد، وكثر القول فيها، فقبض عليها وأخذ منها أموالا جليلة وجواهر نفيسة «٣» ، قال ابن الجوزى: صحّ منها لبيت المال ألف ألف دينار «٤» ودخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة:

стр. 8611

ذكر عزل حامد بن العباس وولاية ابن الفرات فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر عزل المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة، وعلىّ بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبى الحسن بن الفرات وأعيد إلى الوزارة. وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد والحرم والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم؛ فإن علىّ بن عيسى كان يؤخّرها، فإذا اجتمع لهم عدّة شهور أعطاهم البعض، وحطّ من أرزاق العمال فى كل سنة شهرين وكذلك من أرزاق من له رزق فزادت عداوة النّاس له. وكان حامد بن العباس قد ضجر من المقام ببغداد وليس له من الأمر شىء غير لبس السواد، وأنف/ من اطّراح على بن عيسى لجانبه، فإنه كان يهينه فى توقيعاته بالإطلاق عليه لضمانه بعض الأعمال، فكان بكتب ليطلق جند «١» الوزير أعزّه الله، وليبادر نائب الوزير، وكان إذا شكا إليه بعض نوّاب حامد يكتب على القصة «إنما عقد الضّمان على النائب الوزيرىّ عن الحقوق الواجبة السلطانية فليتقدم إلى عمّاله بكف الظلم عن الرّعيّة» . فاستأذن حامد وسار إلى واسط لينظر فى ضمانه فأذن له، وجرى بين مفلح الأسود «٢» وبين حامد كلام فقال له حامد:

стр. 8612

لقد هممت أن أشترى مائة خادم أسود أسميهم مفلحا وأهبهم لغلمانى فحقدها مفلح- وكان خصيصا بالمقتدر- فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة وضمن أموالا جليلة، وكتب على يده رقعة يقول إن سلّم إليه الوزير وعلىّ بن عيسى وابن الحوارى وشفيع اللؤلؤى ونصر الحاجب وأم موسى القهرمانة والماذرائيون استخرج منهم سبعة آلاف ألف دينار! وكان المحسن مطلقا، وكان يواصل السّعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحوارى فى كلّ سنة من المال فاستكثره. فقبض على علىّ بن عيسى فى شهر ربيع الآخر وسلّم إلى زيدان القهرمانة فحبسته فى الحجرة التى كان ابن الفرات محبوسا فيها، وأطلق ابن الفرات وخلع عليه، وتولّى/ الوزارة وخلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات. قال «١» : وسيّر ابن الفرات إلى واسط من يقبض على حامد فهرب واختفى ببغداد، ثم إن حامدا لبس زىّ راهب وخرج من مكانه الذى كان فيه ومشى إلى نصر الحاجب ودخل عليه وسأله إيصال حاله إلى الخليفة إذا كان عند حرمه، فاستدعى نصر مفلحا الخادم فلما رآه قال: أهلا بمولانا الوزير أين مماليك السودان الذين سمّيت كلّ واحد منهم مفلحا؟

стр. 8613

فسأله نصر أن لا يؤاخذه وقال له: حامد يسأل أن يكون محبسه فى دار الخلافة ولا يسلّم إلى ابن الفرات. فدخل مفلح وقال ضدّ ما قيل له فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات، فأرسل إليه فحبسه فى دار حسنة وأجرى له من الطّعام والكسوة والطّيب وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثم أحضره وأحضر الفقهاء والعمال وناظره على ما وصل إليه من المال وطالبه به، فأقرّ بجهات تقارب ألف ألف دينار، وضمنه المحسن بن أبى الحسن بن الفرات الوزير من المقتدر بخمسمائة ألف دينار فسلمه إليه فعذّبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ماله هناك، وأمرهم أن يسقوه سمّا فسقوه سمّا فى بيض مشوىّ كان طلبه، فأصابه إسهال فلما وصل إلى واسط أفرط القيام به. وكان قد/ تسلّمه محمد بن على البروجردى «١» فلما رأى حاله أحضر القاضى والشهود ليشهدوا عليه أنه ليس له فى أمره صنع! فلما حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب المحسن سقونى سما فى بيض مشوىّ فإنا أموت منه وليس لمحمد فى أمرى صنع، لكنه أخذ قطعة من أموالى وأمتعتى وجعل يحشوها فى المساور وتباع المسورة بمحضر من أمين السلطان بخمسة دراهم فبضع من يشتريها ويحملها إليه فيكون فيها أمتعة تساوى ثلاثة آلاف درهم، فاشهدوا على

стр. 8614

ذلك! وكان صاحب الخبر حاضرا فكتب بذلك، ثم مات حامد فى شهر رمضان من هذه السنة. وصودر على بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار وعذّبه المحسن بن الفرات وصفعه فأنكر عليه أبوه لأن عليا كان محسنا إليهم فى أيام ولايته وأعطى المحسن فى أيام نكبته عشرة آلاف درهم، فلم يرع له حقّ إحسانه. قال: «١» ولما أدّى على بن عيسى مال المصادرة سيره ابن الفرات إلى مكة وكتب إلى أميرها أن يسيّره إلى صنعاء، ثم قبض ابن الفرات على أبى علىّ بن مقلة لأنه بلغه أنه سعى به أيام نكبته ونقلّد بعض الأعمال فى أيام حامد ثم أطلقه ابن الفرات وقبض أيضا على ابن الحوارى وكان خصيصا بالمقتدر وسلمه إلى ابنه المحسن فعذّبه عذابا شديدا-/ وكان المحسن وقحا ظالما سيء الأدب ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمونه الخبيث بن الطيب، وسير ابن الحوارى إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال فضربه الموكّل به حتى مات. وقبض أيضا على الحسين بن أحمد ومحمد بن على الماذرائيين «٢» فصادرهما على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دنيار، ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم. ثم إنّ

стр. 8615

ابن الفرات- خوّف المقتدر من مؤنس الخادم وأشار عليه أن يسيّره إلى الشام فأخرجه عن الحضرة فى يوم شديد المطر، ثم سعى بنصر الحاجب وأطمع المقتدر فى ماله وكثرته فالتجأ نصر إلى أم المقتدر فحمته من ابن الفرات وفيها غزا مؤنس المظفر بلاد الروم فغنم وفتح حصونا وغزا ثمال فى البحر فغنم من السبى ألف رأس، ومن الغنم ألف رأس، ومن الذهب والفضة شيئا كثيرا. وفيها دخل القرمطىّ «١» البصرة وقتل عاملها «٢» وأقام بها سبعة عشر يوما يقتل وينهب ويأسر. ودخلت سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة: فى هذه السنة ظهر فى دار الخليفة إنسان أعجمى عليه ثياب فاخرة وتحته مما يلى بدنه قميص صوف ومعه قدّاحة وكبريت ودواة وأقلام وسكين وكاغد، وفى كيس سويق وسكر وحبل/ طويل من القنّب، فأحضر إلى ابن الفرات الوزير فسأله عن حاله فقال: لا أخبر إلا صاحب الدار! فأمر بضربه ليقر فقال: بسم الله بدأتم بالشر! ولزم هذا القول ثم جعل يقول بالفارسية ما معناه «لا أدرى» ثم أمر به فأحرق، وأنكر ابن الفرات على نصر الحاجب هذا الحال وعظّم الأمر بين يدى المقتدر ونسبه إلى أنه أخفاه ليقتل المقتدر، وتفاوضا فقال الحاجب: لم أسعى فى
следующие страницы →