Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
ذكر عزل حامد بن العباس
وولاية ابن الفرات فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر عزل المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة، وعلىّ بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبى الحسن بن الفرات وأعيد إلى الوزارة. وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد والحرم والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم؛ فإن علىّ بن عيسى كان يؤخّرها، فإذا اجتمع لهم عدّة شهور أعطاهم البعض، وحطّ من أرزاق العمال فى كل سنة شهرين وكذلك من أرزاق من له رزق فزادت عداوة النّاس له. وكان حامد بن العباس قد ضجر من المقام ببغداد وليس له من الأمر شىء غير لبس السواد، وأنف/ من اطّراح على بن عيسى لجانبه، فإنه كان يهينه فى توقيعاته بالإطلاق عليه لضمانه بعض الأعمال، فكان بكتب ليطلق جند «١» الوزير أعزّه الله، وليبادر نائب الوزير، وكان إذا شكا إليه بعض نوّاب حامد يكتب على القصة «إنما عقد الضّمان على النائب الوزيرىّ عن الحقوق الواجبة السلطانية فليتقدم إلى عمّاله بكف الظلم عن الرّعيّة» .
فاستأذن حامد وسار إلى واسط لينظر فى ضمانه فأذن له، وجرى بين مفلح الأسود «٢» وبين حامد كلام فقال له حامد:
стр. 8612
لقد هممت أن أشترى مائة خادم أسود أسميهم مفلحا وأهبهم لغلمانى فحقدها مفلح- وكان خصيصا بالمقتدر- فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة وضمن أموالا جليلة، وكتب على يده رقعة يقول إن سلّم إليه الوزير وعلىّ بن عيسى وابن الحوارى وشفيع اللؤلؤى ونصر الحاجب وأم موسى القهرمانة والماذرائيون استخرج منهم سبعة آلاف ألف دينار! وكان المحسن مطلقا، وكان يواصل السّعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحوارى فى كلّ سنة من المال فاستكثره.
فقبض على علىّ بن عيسى فى شهر ربيع الآخر وسلّم إلى زيدان القهرمانة فحبسته فى الحجرة التى كان ابن الفرات محبوسا فيها، وأطلق ابن الفرات وخلع عليه، وتولّى/ الوزارة وخلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات.
قال «١» : وسيّر ابن الفرات إلى واسط من يقبض على حامد فهرب واختفى ببغداد، ثم إن حامدا لبس زىّ راهب وخرج من مكانه الذى كان فيه ومشى إلى نصر الحاجب ودخل عليه وسأله إيصال حاله إلى الخليفة إذا كان عند حرمه، فاستدعى نصر مفلحا الخادم فلما رآه قال: أهلا بمولانا الوزير أين مماليك السودان الذين سمّيت كلّ واحد منهم مفلحا؟
стр. 8613
فسأله نصر أن لا يؤاخذه وقال له: حامد يسأل أن يكون محبسه فى دار الخلافة ولا يسلّم إلى ابن الفرات.
فدخل مفلح وقال ضدّ ما قيل له فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات، فأرسل إليه فحبسه فى دار حسنة وأجرى له من الطّعام والكسوة والطّيب وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثم أحضره وأحضر الفقهاء والعمال وناظره على ما وصل إليه من المال وطالبه به، فأقرّ بجهات تقارب ألف ألف دينار، وضمنه المحسن بن أبى الحسن بن الفرات الوزير من المقتدر بخمسمائة ألف دينار فسلمه إليه فعذّبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ماله هناك، وأمرهم أن يسقوه سمّا فسقوه سمّا فى بيض مشوىّ كان طلبه، فأصابه إسهال فلما وصل إلى واسط أفرط القيام به. وكان قد/ تسلّمه محمد بن على البروجردى «١» فلما رأى حاله أحضر القاضى والشهود ليشهدوا عليه أنه ليس له فى أمره صنع! فلما حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب المحسن سقونى سما فى بيض مشوىّ فإنا أموت منه وليس لمحمد فى أمرى صنع، لكنه أخذ قطعة من أموالى وأمتعتى وجعل يحشوها فى المساور وتباع المسورة بمحضر من أمين السلطان بخمسة دراهم فبضع من يشتريها ويحملها إليه فيكون فيها أمتعة تساوى ثلاثة آلاف درهم، فاشهدوا على
стр. 8614
ذلك! وكان صاحب الخبر حاضرا فكتب بذلك، ثم مات حامد فى شهر رمضان من هذه السنة.
وصودر على بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار وعذّبه المحسن بن الفرات وصفعه فأنكر عليه أبوه لأن عليا كان محسنا إليهم فى أيام ولايته وأعطى المحسن فى أيام نكبته عشرة آلاف درهم، فلم يرع له حقّ إحسانه. قال: «١» ولما أدّى على بن عيسى مال المصادرة سيره ابن الفرات إلى مكة وكتب إلى أميرها أن يسيّره إلى صنعاء، ثم قبض ابن الفرات على أبى علىّ بن مقلة لأنه بلغه أنه سعى به أيام نكبته ونقلّد بعض الأعمال فى أيام حامد ثم أطلقه ابن الفرات وقبض أيضا على ابن الحوارى وكان خصيصا بالمقتدر وسلمه إلى ابنه المحسن فعذّبه عذابا شديدا-/ وكان المحسن وقحا ظالما سيء الأدب ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمونه الخبيث بن الطيب، وسير ابن الحوارى إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال فضربه الموكّل به حتى مات. وقبض أيضا على الحسين بن أحمد ومحمد بن على الماذرائيين «٢» فصادرهما على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دنيار، ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم. ثم إنّ
стр. 8615
ابن الفرات- خوّف المقتدر من مؤنس الخادم وأشار عليه أن يسيّره إلى الشام فأخرجه عن الحضرة فى يوم شديد المطر، ثم سعى بنصر الحاجب وأطمع المقتدر فى ماله وكثرته فالتجأ نصر إلى أم المقتدر فحمته من ابن الفرات وفيها غزا مؤنس المظفر بلاد الروم فغنم وفتح حصونا وغزا ثمال فى البحر فغنم من السبى ألف رأس، ومن الغنم ألف رأس، ومن الذهب والفضة شيئا كثيرا.
وفيها دخل القرمطىّ «١» البصرة وقتل عاملها «٢» وأقام بها سبعة عشر يوما يقتل وينهب ويأسر.
ودخلت سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة: فى هذه السنة ظهر فى دار الخليفة إنسان أعجمى عليه ثياب فاخرة وتحته مما يلى بدنه قميص صوف ومعه قدّاحة وكبريت ودواة وأقلام وسكين وكاغد، وفى كيس سويق وسكر وحبل/ طويل من القنّب، فأحضر إلى ابن الفرات الوزير فسأله عن حاله فقال:
لا أخبر إلا صاحب الدار! فأمر بضربه ليقر فقال: بسم الله بدأتم بالشر! ولزم هذا القول ثم جعل يقول بالفارسية ما معناه «لا أدرى» ثم أمر به فأحرق، وأنكر ابن الفرات على نصر الحاجب هذا الحال وعظّم الأمر بين يدى المقتدر ونسبه إلى أنه أخفاه ليقتل المقتدر، وتفاوضا فقال الحاجب: لم أسعى فى
стр. 8616
قتل أمير المؤمنين وقد رفعنى من الثرى إلى الثريا؟ إنما يسعى فى قتله من صادره وأخذ أمواله وضياعه وأطال حبسه! وفيها أخذ القرمطى الحاجّ بعد عودتهم من الحجاز- وكان لأبى الهيجاء طريق مكة- فسار إلى القرمطى فأوقع به، وأسر أبو الهيجاء وأحمد بن كشمرد ونحرير وأحمد بن بدر عمّ والدة المقتدر وغيرهم، وأخذ القرمطى جمال الحاجّ جميعها وما أراد من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان، وعاد إلى هجر «١» وترك الحاجّ فى مواضعهم فمات أكثرهم جوعا وعطشا، فاجتمع حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين «٢» الذين نكبهم ابن الفرات وجعلن ينادين: القرمطى الصغير «٣» قتل المسلمين بطريق مكة والقرمطى «٤» الكبير قتل المسلمين ببغداد! وشنّعوا عليه وكسر العامّة منابر الجوامع وسوّدوا المحاريب يوم الجمعة لستّ خلون من صفر،/ فضعفت نفس ابن الفرات وحضر عند المقتدر ليأخذ أمره فيما يصنع.
وحضر نصر الحاجب المشورة فانبسط لسانه على ابن الفرات وقال: الساعة تقول: اى شىء نصنع وما هو الرأى بعد أن زعزعت أركان الدولة وعرضتها للزوال؛ فى الباطن بالميل مع
стр. 8617
كل عدوّ يظهر ومكاتبته ومهاداته، وفى الظاهر بإبعادك مؤنسا ومن معه إلى الرّقّة وهم سيوف الدولة، فمن يدفع الآن هذا الرجل إذا قصد الحضرة أنت أم ولدك؟ وقد ظهر الآن مقصودك بإبعاد مؤنس وبالقبض علىّ وعلى غيرى، أن تستضعف الدولة وتقوّى أعداءها لتشفى غيظك ممّن صادرك وأخذ أموالك! ومن الذى سلّم النّاس إلى القرمطى غيرك لما يجمع بينكما من التّشيّع والرّفض؟
وقد ظهر أيضا أنّ ذلك العجمى من أصحاب القرمطى وأنت أوصلته! فحلف ابن الفرات أنه ما كاتب القرمطى ولا هاداه ولا رأى ذلك الأعجمى إلا تلك الساعة، والمقتدر معرض عنه. وأشار نصر على المقتدر بالله أن يحضر مؤنسا ومن معه ففعل ذلك، وكتب إليه بالحضور ففعل وسارع، وقام ابن الفرات فركب فرجمه العامّة، ثم وصل مؤنس المظفر إلى بغداد، ولما رأى المحسن.
ابن الفرات انحلال أمورهم أخذ كل من كان محبوسا فقتله، لأنه كان قد أخذ متهم أموالا/ جليلة ولم يوصلها إلى المقتدر فخاف أن يقروا عليه بما أخذه منهم.
ذكر القبض على ابن الفرات الوزير وولده المحسن
قال «١» : ثم كثر الإرجاف على ابن الفرات فكتب إلى المقتدر يعرّفه بذلك، وأن الناس إنما عادوه لشفقته ونصحه وأخذ حقوقه منهم فأنقذ المقتدر إليه يسكّنه ويطيّب قلبه فركب هو وولده إلى المقتدر
стр. 8618
فطيّب قلوبهما، وخرجا من عنده فمنعهما نصر الحاجب ووكل بهما، فدخل مفلح على المقتدر وأشار عليه بتأخير عزله فأمر بإطلاقهما فخرجا، فأما المحسن فإنه اختفى، وأما الوزير فإنه جلس عامّة نهاره يقضى الأشغال إلى الليل ثم بات مفكرا، فلما أصبح سمع بعض خدمه ينشد:
وأصبح لا يدرى وإن كان حازما ... أقدّامه خير له أم وراءه
فلما ارتفع النهار وهو الثامن من شهر ربيع الأول أتاه نازوك «١» ويلبق فى عدة من الجند فدخلوا عليه وهو عند حرمه فأخرجوه حافيا مكشوف الرأس فألقى عليه يلبق طيلسانا غطّى به رأسه وحمل إلى طيّار فيه مؤنس المظفر ومعه هلال/ بن بدر «٢» فاعتذر إليه ابن الفرات وألان كلامه له فقال له: أنا الآن الأستاذ وكنت بالأمس الخائن الساعى فى فساد الدّولة وأخرجتنى والمطر على رأسى ورؤوس أصحابى ولم تمهلنى! وسلّم إلى شفيع اللؤلؤى فحبس عنده، وكانت مدّة وزارته هذه عشرة أشهر وثمانية عشر يوما، وأخذ أصحابه وأولاده ولم ينج منهم إلا المحسن، وصودر ابن الفرات على ألف ألف دينار.
стр. 8619
ذكر وزارة ابى القاسم الخاقانى
قال «١» : ولما تغيّر حال ابن الفرات سعى عبد الله بن أبى على محمد بن عبد الله «٢» بن يحيى بن خاقان فى الوزارة، وكتب خطه أنه يتكفّل ابن الفرات وأصحابه بمصادرة ألفى ألف دينار.
وسعى له مؤنس الخادم وهارون بن غريب الخال ونصر الحاجب فتولى أبو القاسم الوزارة فى تاسع شهر ربيع الأول، وكان المقتدر يكرهه فلما سمع ابن الفرات وهو محبوس بولايته قال: الخليفة هو الذى نكب لا أنا! يعنى أن الوزير عاجز لا يعرف أمر الوزارة، ولما ولى الخاقانىّ شفع إليه مؤنس الخادم فى إعادة علىّ بن عيسى من صنعاء إلى مكة، فكتب بإعادته وأذن له فى الاطّلاع على أعمال مصر والشام.
ذكر مقتل ابن الفرات وولده
قال كان المحسن بن الوزير أبى الحسن بن الفرات «٣» مختفيا كما ذكرنا، وكان عند حماته خنزابة- «٤» وهى والدة الفضل بن جعفر بن الفرات- وكانت تأخذه كلّ يوم وتتوجّه به إلى المقبرة فى زىّ النّساء وتعود به إلى المنازل التى تشق بها، فمضت به يوما إلى مقابر قريش. وأدركها اللّيل فبعدت عليها الطريق وأشارت
стр. 8620
عليها أمرأة معها أن تقصد امرأة صالحة تعرفها بالخير، فأخذته وقصدت به تلك المرأة وقالت لها: معنا صبية [بنت] «١» بكر نريد منك بيتا تكون فيه! فأمرتهم بالدّخول إلى بيتها وسلّمت إليهم قبّة فى الدار، فأدخلوا المحسن إليها، وجلس النساء الذين معه فى صفّه أمام القبة، فجاءت جارية سوداء فرأت المحسن فأخبرت مولاتها أنّ فى الدار رجلا، فجاءت المرأة صاحبة الدار فرأته وعرفته- وكان المحسن قد أخذ زوجها ليصادره فلما رأى الناس يعذبون فى داره مات «٢» فجأة- فلما رأت المرأة المحسن ركبت فى سفينة وقصدت دار الخليفة وقالت عندى نصيحة.
فأحضرها نصر الحاجب فأخبرته الخبر فطالع به المقتدر، فأمر صاحب الشرطة أن يسير معها فسار معها إلى منزلها وأخذ/ المحسن وجاء به إلى المقتدر، فبعث به إلى دار الوزارة فعذّب بأنواع العذاب ليجيب إلى مال يحمله فقال: لا أجمع بين الروح والمال! فأمر المقتدر بحمله مع أبيه «٣» إلى دار الخلافة فقال الوزير أبو القاسم لمؤنس وهارون بن غريب الخال ونصر الحاجب: إن نقل ابن الفرات إلى دار الخلافة بذل أمواله وأطمع المقتدر فى أموالنا وضمننا منه وتسلّمنا فأهلكنا! فوضعوا القواد
стр. 8621
والجند وقالوا: لا بدّ من قتل ابن الفرات وولده فإننا لا نأمن على أنفسنا ما داما فى الحياة! فأمر المقتدر نازوك بقتلهما فبدأ بقتل المحسن فذبحه كما تذبح الشاه وحمل رأسه إلى أبيه فارتاع لذلك، ثم عرض أبوه على السّيف فقال: راجعوا فى أمرى فإنّ عندى أموالا جمّة وجواهر كثيرة، فقبل له جلّ الأمر عن ذلك. ثم ذبح فى يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر منها، وكان عمره إحدى وسبعين سنة وعمر ولده ثلاثا وثلاثين سنة وحمل رأساهما «١» إلى المقتدر فأمر بتغريقهما ولما قتلا ركب هارون بن غريب الخال مسرعا إلى الوزير الخاقانى وهنأه بقتلهما فأغمى عليه حتى ظنّ هارون ومن هناك أنه مات، وصرخ عليه أهله، ثم أفاق من غشينه وأعطى هارون ألفى دينار. وشفع/ مؤنس فى إبنى ابن الفرات عبد الله وأبى نصر فأطلقا له، فخلع عليهما ووصلهما بعشرين ألف دينار من ماله.
قال: «٢» وكان ابن الفرات كريما ذا رياسة وكفاية فى عمله، حسن السؤال والجواب، وكان مصطنعا للناس؛ فإنّ جميع كتّابه الذين اصطنعهم صاروا وزراء. وكان يستغلّ من ضياعه فى كلّ سنة ألفى ألف دينار وينفقها، وكان إذا وزر غلا الشّمع والكاغد والسكر والكافور لكثرة استعماله لذلك! وكان يجرى على
стр. 8622
خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوتات والفقراء، قال الصولى «١» : ومن فضائله التى لم يسبق إليها أنه كان إذا رفعت له قضية فيها سعاية بأحد خرج «٢» من حضرته غلام فينادى.
ابن فلان بن فلان الساعى! فامتنع النّاس من السّعاية بأحد، ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنّ أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون ويظلمون فلا يمنعهم؛ فمن ذلك أن بعضهم ظلم امرأة فى ملك لها فكتبت إليه نشكو غير مرة ولا يرد لها جوابا فلقيته يوما فقالت: أسألك بالله أن تسمع كلامى! فوقف لها فقالت:
قد كتبت إليك فى ظلامتى غير مرة فلم تجبنى وقد تركتك وكتبتها إلى الله تعالى! فلما رأى تغيّر حاله قال لمن معه: قد خرج جواب رقعة تلك المظلومة.
/ وفى هذه السنة دخل أبو طاهر القرمطىّ الكوفة وأقام بها ستة أيام يقيم بالجامع نهارا فإذا أمسى خرج إلى عسكره وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال وغيرها وعاد إلى هجر، ولم يحج فى هذه السنة أحد.
وفيها ظهر «٣» عند الكوفة رجل ادعى أنه محمد بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب- رضى الله تعالى عنه- وهو رئيس الإسماعيلية وجمع جمعا عظيما من الأعراب
стр. 8623
وأهل السّواد واستفحل «١» أمره فى شوال، فسيّر إليه جيش من بعداد، فقاتلوه وظفروا به وانهزم وقتل كثير ممّن معه.
ودخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة:
ذكر عزل الخاقانى عن الوزارة ووزارة أبى العباس الخصيبى
فى هذه السنة فى شهر رمضان، عزل أبو القاسم الخاقانى عن الوزارة.
وكان سبب ذلك أنّ أبا العباس الخصيبى علم مكان أمرأة المحسن بن الفرات فسأل أن يتولى النّظر فى أمرها فأذن له المقتدر فى ذلك، فاستخلص منها سبعمائة ألف دينار إلى المقتدر، وصار له معه حديث. فخافه الخاقانى فوضع من وقع عليه وسعى به فلم يصغ المقتدر إلى ذلك، فلما علم الخصيبى بالحال كتب إلى المقتدر يذكر معائب الخاقانى وابنه عبد الوهاب وعجزهما وضياع الأموال وطمع العمال. ثم مرض الخاقانى مرضا شديدا وطال به، فوقفت الأحوال وطلب الجند أرزاقهم وشغبوا فأرسل المقتدر إليه فى ذلك فلم يقدر على شىء فعزله، واستوزر أبا العباس وخلع عليه. وكان يكتب لأم المقتدر قبل ذلك، ولما ولى أقر علىّ بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام فكان يتردد من مكة إليهما فى الأوقات.
وفيها كتب ملك الرّوم إلى أهل الثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه فإن فعلوا وإلا قصدهم فقتل الرجال وسبى الذرية، وقال:
إننى صحّ عندى ضعف ولاتكم! فلم يفعلوا ذلك، فسار إليهم
стр. 8624
وأخرب البلاد، ودخل ملطية فى سنة أربع عشرة وثلاثمائة؛ فأخربها وسبى ونهب، وأقام بها ستة عشر يوما.
ودخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة:
ذكر عزل أبى العباس الخصيبى ووزارة علىّ بن عيسى
فى هذه السنة فى ذى القعدة عزل المقتدر أبا العباس/ الخصيبى عن الوزارة، وسبب ذلك أنه أضاق «١» إضاقة شديدة. ووقفت أمور السلطان، واضطرب أمر الخصيبى، وكان حين ولى الوزارة قد اشتغل بالشرب كلّ ليلة ويصبح وهو سكران لا فضل فيه لعمل. وكان يترك الكتب الواردة عليه من العمال، فلا يقرؤها إلا بعد مدّة ويهمل الأجوبة عنها فضاعت [الأموال] «٢» وفاتت المصالح، ثم وكل الأمور إلى نوّابه وأهمل الاطّلاع عليهم فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم.
فلما صار الأمر إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفر بعزله وتولية علىّ بن عيسى، فقبض عليه «٣» ، فكانت وزارته سنة وشهرين، وأخذ ابنه وأصحابه فحبسوا. وأرسل المقتدر يستدعى علىّ بن عيسى، وأمر أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذانىّ بالنيابة عن على إلى أن يحضر وقدم علىّ بغداد فى أوائل سنة خمس عشرة،
стр. 8625
واشتغل بأمور الوزارة، «١» ولازم النظر فيها. فمشت الأمور واستقامت الأحوال. وكان قد اجتمع عند الخصيبى عدّة من رقاع المصادرين وكفالات من كفل منهم وضمانات العمال بما ضمنوا من الأموال بالسّواد وفارس والأهواز والمغرب «٢» ، فنظر فيها وأرسل فى طلب الأموال فأتته شيئا بعد شىء فأدرّ الأرزاق وأخرج العطاء، وأسقط من الجند من لا يحمل السلاح، ومن أولاد المرتزقة من هو/ فى المهد.. فانّ آباءهم أثبتوا أسماءهم! ومن أرزاق المغنين والمساخرة «٣» والصّغاغنة «٤» والندماء. وتولى الأعمال بنفسه ليلا ونهارا، فاختار الكفاة «٥» من العمال واستعملهم فى الولايات.
وأمره المقتدر بالله بمناظرة أبى العباس الخصيبى، فأحضره، وأحضر الفقهاء والقضاة والكتّاب وغيرهم فسأله عما صحّ من الأموال والمصادرات والبواقى القديمة وغير ذلك فقال: لا أعلم! وما أجاب عن شىء، فأنكر عليه كونه دخل فى الوزارة وهو لا يعرفها، ووبّخه توبيخا كثيرا.
وفيها فى شهر ربيع الأول خرجت الروم إلى ملطية وما يليها
стр. 8626
مع الدّمستق ومعه مليح الأرمنى صاحب الدروب، فحصروا ملطية ودخلوا الرّبض فقاتلهم أهله وأخرجوهم منه، فلم يظفروا من المدينة بشىء، وخرّبوا قرى كثيرة من قراها، ونبشوا الأموات ومثّلوا بهم ثم رحلوا، وقصد أهل ملطية بغداد مستغيثين فلم يغاثوا، فعادو إلى بلدهم بغير مقصود! ودخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة:
ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر بالله وبين مؤنس
فى هذه السنة هاجت الرّوم وقصدوا الثعور ودخلوا شمشاط «١» /وغنموا جميع ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك، ودقّوا الناقوس فى الجامع ثم خرج المسلمون فى أثر الروم فقاتلوهم وغنموا منهم غنيمة عظيمة، فأمر المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفّر، وخلع عليه فى شهر ربيع الآخر ولم يبق غير الوداع، فامتنع مؤنس من الدخول إلى دار الخليفة واستوحش من المقتدر بالله وظهر ذلك. وكان قد أتاه بعض خدّام المقتدر وقال له:
стр. 8627
إنّ الخليفة أمر خواصّ خدمه أن يحفروا جبّا فى دار الشجرة ويغطّوه ببراية «١» وتراب فإذا حضرت ألقيت فيه وخنقت! فامتنع وركب إليه جميع الأجناد وفيهم عبد الله بن حمدان وإخوته وخلت دار المقتدر بالله، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك حتى تنبت لك لحية! فوجّه المقتدر رقعة بخطّه يحلف أنه ما أراد به سوءا، فصرف مؤنس الجيش وكتب الجواب أنه العبد المملوك، وأنّ الذى أبلغه ذلك قد كان وضعه من يريد إيحاشه «من مولانا» وأنه ما استدعى الجند وإنما هم حضروا وقد فرّقهم! ثم قصد دار الخليفة فى جميع القوّاد ودخل إليه وقبّل يده وحلف له المقتدر على صفاء نيته له وودّعه وسار إلى الثّغر وخرج لوداعه أبو العباس بن المقتدر والوزير علىّ بن عيسى.
وفيها قتل أبو طاهر القرمطىّ يوسف بن أبى السّاج فى وقعة/ كانت بينهما. وكان يوسف قد ندب لقتال القرامطة فأسره القرمطى، ثم قتله.
وفيها سار الدمستق فى جيش عظيم من بلاد الروم إلى مدينة دبيل «٢» وبها نصر السبكى فى عسكر يحميها وكان مع الدمستق دبّابات ومجانيق، فحاصروا المدينة ونقبوا السّور ودخلوها فقاتلهم
стр. 8628
أهلها ومن فيها قتالا شديدا، فانتصر المسلمون وأخرجوا الرّوم منها وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف رجل.
ودخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة:
ذكر عزل على بن عيسى عن الوزارة ووزارة أبى علىّ بن مقلة
فى هذه السنة عزل علىّ بن عيسى عن وزارة الخليفة ورتّب فيها علىّ بن مقلة، وكان سبب ذلك أنّ عليا لما رأى نقص الارتفاع واختلال الأعمال بوزارة الخاقانىّ والخصيبى وزيادة النفقات استعفى من الوزارة واحتجّ بالشيخوخة وقلّة النّهضة، فأمره المقتدر بالصّبر وقال له: أنت عندى بمنزلة والدى المعتضد! فألحّ فى الاستعفاء، فشاور المقتدر مؤنسا فى ذلك فأشار بمداراته وإبقائه. ثم لقى مؤنس الوزير ولاطفه وسكّنه فأبى/ إلا العزل، وبلغ الخبر ابن مقلة فسعى وضمن الضمانات الكثيرة وواصل بالهدايا واستمال نصرا الحاجب، فساعده عند المقتدر، فأمر فى نصف شهر ربيع الأول بالقبض على علىّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وخلع على أبى على بن مقلة واستوزره وأعانه عليها أبو عبد الله البريدى لمودّة كانت بينهما.
ذكر الحرب بين نازوك وهارون بن غريب الخال واستيحاش مؤنس
فى هذه السنة وقعت الفتنة بين نازوك- صاحب الشرطة- وهارون بن غريب، وأدّت إلى خلع المقتدر. وسبب ذلك أنّ ساسة
стр. 8629
دوابّ هارون وساسة دوّاب نازوك تغايروا «١» على غلام أمرد «٢» وتضاربوا بالعصىّ، فضرب نازوك ساسة هارون وحبسهم. فسار أصحاب هارون إلى مجلس الشرطة، ووثبوا على نائب نازوك وانتزعوا أصحابهم من الحبس، فركب نازوك وشكا إلى المقتدر بالله فقال:
كلاكما عزيز ولست أدخل بينكما! فعاد وجمع رجاله وجمع هارون رجاله، وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون فأغلق بابه، وبقى بعض أصحابه خارج الدار فقتّل فيهم أصحاب نازوك وجرحوا. ففتح هارون الباب، وخرج أصحابه فوضعوا السلاح فى أصحاب نازوك، فقتلوا منهم وجرحوا، واشتبكت الحرب بينهم. وأرسل المقتدر ينكر عليهما ذلك فكفّا، وسكنت الفتنة، واستوحش نازوك. ثم ركب إليه هارون وصالحه، وخرج بأصحابه ونزل بالبستان النجمى ليبعد عن نازوك، فأكثر النّاس الأراجيف وقالوا: قد صار هارون أمير الأمراء! فعظم ذلك على أصحاب مؤنس وكتبوا له بذلك وهو بالرّقّة، فأسرع العود إلى بغداد، ونزل بالشمّاسية فى أعلى بغداد. ولم يلق المقتدر فصعد إليه أبو العباس بن المقتدر والوزير ابن مقلة فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له ثم عادا واستشعر كلّ من المقتدر
стр. 8630
ومؤنس من صاحبه «١» فأحضر المقتدر هارون بن غريب الخال- وهو ابن خاله- فجعله معه فى داره. فلما علم مؤنس بذلك ازداد نفورا واستيحاشا وأقبل أبو الهيجاء بن حمدان من بلاد الجبل فى عسكر كبير فنزل [عند] «٢» مؤنس وترددت المراسلات من الخليفة إلى مؤنس، وانقضت السّنة وهم على ذلك.
ودخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة:
ذكر خلع المقتدر بالله وبيعة القاهرة
فى هذه السنة خلع المقتدر بالله من الخلافة وبويع أخوه القاهر بالله محمد بن المعتضد، فبقى يومين ثم أعيد المقتدر بالله. قال «٣» : ولما نزل مؤنس باب الشمّاسية وانضم إليه ابن حمدان ونازوك صاحب الشرطة وغيرهما جمع المقتدر عنده هارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والغلمان الحجرية والرجّالة المصافية وغيرهم. فلما كان آخر النهار مستهلّ المحرم انفضّ أكثر من عند المقتدر، وخرجوا إلى مؤنس. ثم كتب إلى المقتدر رقعة يذكر أنّ الجيش عاتب منكر للسّرف فيما يطلق باسم الخدم والحرم من الأموال والضياع، ولدخولهم فى الرّأى وتدبير المملكة، ويطالبون بخروجهم من الدار وأخذ ما فى أيديهم من الأموال
стр. 8631
والأملاك، وإخراج هارون بن غريب من الدار. فأجابه المقتدر أنه يفعل من ذلك ما يمكنه ويقتصر على ما لا بدّ له منه، واستعطفه وذكره ومن معه ببيعته التى فى أعناقهم مرة بعد أخرى وخوّفهم عاقبة النكث. وأمر هارون أن يخرج من بغداد وأقطعه الثغور الشامية والجزيرية فخرج فى تاسع المحرم، فعندها دخل مؤنس وابن حمدان ونازوك إلى بغداد، وأرجف النّاس أن مؤنسا ومن معه قد عزموا على خلع المقتدر.
فلما كان فى الثانى عشر من المحرم خرج مؤنس بالجيش إلى باب الشماسية فتشاوروا ساعة ثم زحفوا «١» /بأسرهم إلى دار الخليفة، فلما قربوا منها هرب المظفّر بن ياقوت الحاجب وسائر الحجّاب والخدم والوزير ابن مقلة، ودخل مؤنس والجيش إلى دار الخليفة وأخرج المقتدر ووالدته وخالته وخواصّ جواريه وأولاده من دار الخلافة، وحملوا إلى دار مؤنس واعتقلوا بها. وبلغ الخبر هارون وهو بقطربّل «٢» فدخل بغداد واستتر، ومضى ابن حمدان إلى دار ابن طاهر فأحضر محمد بن المعتضد وبايعوه بالخلافة ولقّبوه القاهر بالله، وأحضروا القاضى أبا عمر عند المقتدر ليشهدوا عليه بالخلع وعنده مؤنس ونازوك وابن حمدان وبنىّ بن يعيش «٣» فقال مؤنس للمقتدر ليخلع نفسه من
стр. 8632
الخلافة فأجاب وأشهد عليه القاضى بالخلع، فقام ابن حمدان وقال للمقتدر: يا سيدى يعزّ علىّ أن أراك على هذه الحال وقد كنت أخافها عليك وأحذرها وأنصح لك وأحذّرك عاقبة القبول من الخدم والنساء فتؤثر أقوالهم على قولى، وكأنى كنت أرى هذا، وبعد فنحن عبيدك وخدمك! ودمعت عيناه وعينا المقتدر وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع وأودعوا الكتاب عند القاضى أبى عمر فكتمه ولم يظهر عليه غيره. فلما عاد المقتدر إلى الخلافة سلّمه إليه وأعلمه أنه ما أطلع عليه أحدا، فاستحسن ذلك منه، وولّاه قضاء القضاة قال «١» : ولما استقرّ/ أمر القاهر بالله أخرج مؤنس المظفر علىّ بن عيسى من الحبس وأقر أبا علىّ بن مقلة على وزارته، وأضاف نازوك مع الشرطة حجبة الخليفة وأقطع ابن حمدان مضافا إلى ما بيده من أعمال طريق خرسان حلوان «٢» والدّينور وهمذان وكنكور «٣» وكرمان شاهان «٤»
стр. 8633
والراذانات ودقوقا «١» وخانيجار «٢» ونهاوند والصيمرة «٣» والسّيروان «٤» وماسبذان «٥» وغيرها. ونهبت دار الخليفة ومضى بننىّ بن يعيش إلى بريّة لوالدة المقتدر فأخرج من قبر فيها ستمائة ألف دينار وحملها إلى دار الخليفة. وكان خلع المقتدر للنصف من المحرم منها، ثم سكن النّهب وانقطعت الفتنة.
قال «٦» : ولما تقلّد نازوك حجبة الخليفة أمر الرجّاله المصافية «٧» بقلع خيامهم من دار الخليفة وأن لا يعبر الدار إلا من له وطر، وأمر رجاله وأصحابه أن يقيموا مقام المصافية، فعظم ذلك عليهم وتقدم إلى خلفاء الحجّاب أن لا يمكّنوا أحدا أن يدخل إلى دار الخليفة إلا من كانت له مرتبة، فاضطرب الحجرية من ذلك.
ذكر عود المقتدر بالله الى الخلافة وقتل نازوك وابن حمدان
/ قال «٨» : ولما كان فى يوم الإثنين سابع عشر المحرم بكّر
стр. 8634
النّاس إلى دار الخلافة لأنه يوم موكب ودولة جديدة، فامتلأت الممرات والرّحاب وشاطىء دجلة من الناس، وحضر الرجالة المصافية فى السلاح يطالبون بحقّ البيعة ورزق سنة وهم حنقون لما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفّر ذلك اليوم. وارتفعت الأصوات وزعقات الرّجال، فسمعها نازوك فأشفق أن يقع بينهم وبين أصحابه فتنة وقتال. فأمر أصحابه أن لا يتعرّضوا لهم ولا يقاتلوهم، فزاد شغب الرجالة وهجموا يريدون الصّحن التسعينى، فلم يمنعهم أصحاب نازوك. ودخل من كان على الشّطّ بالسّلاح، وقويت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله وعنده الوزير ابن مقلة، ونازوك «١» وأبو الهيجاء ابن حمدان، فقال القاهر لنازوك: اخرج إليهم فسكّنهم وطيّب قلوبهم! فخرج إليهم نازوك وهو مخمور قد شرب طول ليلته، فلما رآه الرجالة تقدموا إليه ليشكوا إليه حالهم بسبب أرزاقهم فخافهم على نفسه وهرب منهم، فطمعوا فيه وتبعوه، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سدّه بالأمس فقتلوه عنده، وقتلوا خادمه عجيبا وصاحوا: مقتدر يا منصور! فهرب كلّ من كان فى الدّار من الوزير والحجّاب وسائر الطبقات وبقيت الدار فارغة. وصلبوا نازوك وعجيبا بحيث يراهما من على شاطىء دجلة، ثم صار الرجّالة إلى دار مؤنس يصيحون ويطالبونه بالمقتدر بالله. وبادر الخدم فأغلقوا أبواب دار الخليفة وكانوا جميعا خدم المقتدر ومماليكه وصنائعه.
стр. 8635
وأراد ابن حمدان الخروج من الدار فتعلّق به القاهر وقال:
أنا فى ذمامك فقال: والله لا أسلّمك أبدا! وأخذ بيده وقال: قم بنا نخرج جميعا، وأدعو أصحابى وعشيرتى فيقاتلون دونك! فقاما ليخرجا فوجدا الأبواب مغلقة ومعهما فائق المعروف بوجه القصعة، فأشرف القاهر من سطح فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق فقال ابن حمدان للقاهر: قف حتى أعود إليك! ونزع سواده وثيابه وأخذ جبّة صوف لغلام هناك فلبسها ومشى نحو باب النوبىّ «١» فرآه مغلقا والناس حوله. فعاد إلى القاهر وتأخر عنهما وجه القصعة، وأمر من معه من الخدم بقتلهما أخذا بثأر المقتدر وما صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسّلاح «٢» ، فعاد إليهم أبو الهيجاء وسيفه بيده فقاتلهم فقتلوه، وهرب القاهر إلى آخر البستان واختفى.
وأما الرجّالة فإنهم لما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم قال: ما الذى تريدون؟ قالوا: نريد المقتدر! فأمر/ بتسليمه إليهم فامتنع المقتدر من ذلك وخاف أن تكون حيلة، فحمل وأخرج إليهم فحملوه على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة. فلما حصل فى الصّحن التسعينى اطمأنّ وجلس وسأل عن أخيه القاهر وعن ابن حمدان فقيل إنهما حيّان فامّنهما بخطّه، وأمر خادما بالسّرعة بكتاب الأمان لئلا يحدث على أبى الهيجاء حادث، فمضى بالخط إليه فلقيه خادم
стр. 8636
ومعه رأسه فرجع به إلى المقتدر، فلما رآه استرجع وقال: ما كان يدخل إلىّ ويسلينى ويطهّر لى الغمّ غيره! ثم أخذ القاهر وأحضر إلى المقتدر فأجلسه إلى جانبه وقبّل جبينه وقال: قد علمت أنّك لا ذنب لك وأنك قهرت ولو لقّبوك بالمقهور كان أولى بك من القاهر! والقاهر يبكى ويقول: يا أمير المؤمنين نفسى نفسى اذكرنّ الرّحم التى بينى وبينك! فحلف له أنه لا يناله بسوء أبدا «١» ، فسكن.
قال»
: ثم أخرج رأس نازوك ورأس أبى الهيجاء وشهرا، ونودى عليهما «هذا جزاء من عصى مولاه» وأما بنىّ بن يعيش فإنه كان من أشدّ القوم على المقتدر بالله، فهرب عن بغداد وغيّر زيّه وسار حتى بلغ الموصل ومنها إلى أرمينية، وسار حتى دخل القسطنطينة وتنصّر. وهرب أبو السرايا نصر بن حمدان أخو أبى الهيجاء إلى الموصل وسكنت الفتنة. وعاد الوزير ابن مقلة إلى/ وزارته، وكتب إلى البلاد بهذه الحادثة، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم وباع ما فى الخزائن من الأمتعة والجواهر، وأذن فى بيع الأملاك من الناس فبيع ذلك بأرخص الأثمان لتتم أعطيات الجند. وقيل إن مؤنسا المظفر لم يكن مؤثرا لما جرى على المقتدر من الخلع، وإنما وافق الجماعة مغلوبا على رأيه ولعلمه أنه إن خالفهم لم ينتفع به المقتدر فوافقهم ليأمنوه وسعى مع الغلمان المصافية والحجربة ووضع قوادهم على أن عملوا ما عملوا، فلهذا أمّنه المقتدر. وأما القاهر
стр. 8637
فإن المقتدر حبسه عند والدته فأحسنت إليه وأكرمته ووسعت عليه النّفقة واشترت له السرارى والجوارى للخدمة وبالغت فى إكرامه نعود إلى بقية حوادث سنة ست عشرة [وثلاثمائة] فيها وصل الدمستق «١» فى جيش كبير «٢» من الروم إلى أرمينية فحصروا خلاط «٣» فصالحه أهلها، وأخرج المنبر من الجامع وجعل مكانه صليبا ورحل إلى بدليس «٤» ففعل بها مثل ذلك وخافه أهل أرزن «٥» الروم وغيرهم، ففارقوا بلادهم، وانحدر أعيانهم إلى بغداد فلم يغاثوا.
وفيها وصل سبعمائة رجل من الروم والأرمن إلى ملطية ومعهم الفؤوس والمعاول وأظهروا أنهم يتكسبون بالعمل، ثم ظهر أن مليحا الأرمنى صاحب الدروب/ وضعهم ليكونوا بها، فإذا حضر سلّموها إليه، فعلم بهم أهل ملطية فقتلوهم [عن آخرهم «٦» وفى سنة سبع عشرة جاء أبو طاهر القرمطى إلى مكة يوم التروية «٧» فنهب أموال الحجاج، وقتلوهم حتى فى المسجد الحرام وفى البيت، وقلع الحجر الأسود، وفعل ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
стр. 8638
ودخلت سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة:
ذكر هلاك الرجالة المصافية
فى هذه السنة هلك الرجالة المصافية فى المحرم. وسبب ذلك أنهم لما أعادوا المقتدر إلى الخلافة- كما ذكرنا- زاد إدلالهم واستطالتهم، وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء، منها أنهم يقولون: من أعان ظالما سلّط عليه، ومن يصعد الحمار إلى السّطح يقدر أن يحطه وإن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقه قابلناه بما يستحق! إلى غير ذلك، وكثر شغبهم ومطاولتهم وأدخلوا فى الأرزاق أولادهم وأهليهم ومعارفهم وأثبتوا أسماءهم، فصار لهم فى الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار.
واتفق أن الفرسان شعبوا فى طلب أرزاقهم فقيل لهم إن بيت المال فارغ وقد انصرفت الأموال إلى الرّجّالة، فثار بهم الفرسان واقتتلوا «١» /فقتل من الفرسان جماعة فاحتج المقتدر على الرجالة بقتلهم وأمر محمد ابن ياقوت «٢» صاحب الشرطة فطرد الرّجّالة من دار المقتدر ونودى فيهم بخروجهم عن بغداد ومن أقام حبس، وهدّمت دور عرفائهم وقبضت أملاكهم، وظفر بعد النّداء بجماعة منهم فضربهم وحلق لحاهم وشعورهم
стр. 8639
وشهرهم. وهاج السودان تعصّبا للرّجّالة فركب محمد أيضا فى الحجربة وأوقع بهم وأحرق منازلهم، فاحترق فيها جماعة منهم ومن أولادهم ونسائهم، فخرجوا إلى واسط واجتمع منهم جمع كبير وتغلّبوا عليها وطردوا عامل الخليفة، فسار إليهم مؤنس فأوقع بهم وأكثر القتل فبهم، فلم يقم لهم بعدها قائمة.
ذكر عزل ابن مقلة ووزارة سليمان
فى هذه السنة عزل أبو على محمد بن مقلة عن وزارة الخليفة.
وكان سبب عزله أن المقتدر كان يتهمه بالميل إلى مؤنس المظفّر وكان المقتدر مستوحشا من مؤنس ويظهر له الجميل، فاتّفق أنّ مؤنسا خرج إلى أوانا وعكبرا، فركب ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى فقبض عليه وكان بين ابن مقلة وبين محمد بن ياقوت عداوة فأنفذ إلى داره من حرقها ليلا.
قال: وأراد المقتدر أن/ يستوزر الحسين بن القاسم بن عبد الله وكان مؤنس قد عاد، فأنفذ إلى المقتدر يسأل أن يعاد ابن مقلة فلم يجبه إلى ذلك وأراد قتله، فردّه علىّ بن عيسى عن ذلك فسأل مؤنس أن لا يستوزر الحسين، فتركه واستوزر سليمان بن الحسن فى منتصف جمادى الآخرة، وأمر المقتدر علىّ بن عيسى بالاطّلاع على الدواوين وأن لا ينفرد سليمان عنه
стр. 8640
بشىء. وصودر ابن مقلة بمائى ألف دينار، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة «١» أيام وفيها أمر المقتدر بالقبض على أولاد البريدى. وكان ابن مقلة لما ولى الوزارة قلّدهم الأعمال، فقلد أبا عبد الله الأهواز جميعها سوى السوس «٢» وجنديسابور وقلّد أخاه الحسين الفراتية، وقلد أخاهما يوسف الخاصة والأسافل، وارتشى منهم على ذلك عشرين ألف دينار من أبى عبد الله. فلما قبض على ابن مقلة كتب المقتدر بخطّه إلى أحمد بن نصر القشورى الحاجب يأمره بالقبض عليهم، ثم استحضرهم إلى بغداد، وصودروا على أربعمائة ألف دينار، وكان لا يطمع منهم بهذا المبلغ وإنما طلب منهم ليجيبوا إلى بعضه فأجابوا إلى الجميع.
ذكر خروج صالح والأغر
فى هذه السنة فى جمادى الأولى خرج خارجى من بجيلة من أهل/ البوازيج «٣» بها اسمه صالح بن محمود وعبر إلى البريّة، واجتمع إليه جماعة من بنى مالك. وسار إلى سنجار «٤» فأخذ من أهلها مالا وخطب بها، فذكّر بأمر الله وحذّر وأطال فى هذا
стр. 8641
ثم قال: نتولّى الشيخين ونبرأ من الخبيثين ولا نرى المسح على الخفّين! وسار منها إلى الشجاجية من أرض الموصل فطالب أهلها بالعشر ثم انحدر إلى الحديثة تحت الموصل وطالب المسلمين بزكاة أموالهم والنّصارى بجزية رؤوسهم فجرى بينهم حرب فقتل من أصحابه جماعة، فعبر إلى الجانب الغربى فأسر أهل الحديثة ابنا له اسمه محمد فأدخلوه الموصل. ثم صار صالح إلى السن «١» فصالحه أهلها على مال أخذه، وانحدر إلى تكريت فحاربه أهلها فقتل منهم جماعة ثم صالحوه على مال أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج وتنقّل فى بلاد الموصل فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من السنة فقاتله قتالا شديدا فقتل من رجال صالح نحو مائة رجل، وأسر صالح وابنان له فأدخلوا إلى الموصل، وحملوا إلى بغداد فأدخلوا مشهّرين.
وخرج فى شعبان خارجىّ بارض الموصل اسمه الأغرّبن مطر «٢» الثغلبى، وسار من رأس عين إلى كفرتوثا واجتمع عليه ألف رجل فدخلها ونهبها وقتّل فيها، وسار إلى نصيبين فنزل بالقرب منها فقاتله/ أهلها ومعهم جمع من الجند فقتل منهم مائة رجل وأسر ألف رجل فباعهم نفوسهم، وصادر أهلها على أربعمائة ألف درهم. وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان- وهو أمير ديار ربيعة-
стр. 8642
فسيّر إليه جيشا فقاتلوه فظفروا به وأسروه فسيّره ناصر الدولة إلى بغداد.
وفيها خلع المقتدر بالله على ابنه هارون، وركب معه الوزير والجيش وأعطاه ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران. وفيها أيضا خلع على ابنه أبى العباس الراضى وأقطعه بلاد المغرب ومصر والشام وجعل مؤنسا المظفر يخلفه فيها، وحج بالناس عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمى.
ودخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة
ذكر عزل سليمان عن الوزارة
وتولية أبى القاسم الكلوذانى الوزارة فى هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان. وسبب ذلك أن الأموال ضاقت عليه، وكثرت المطالبات من الجند وغيرهم بأرزاقهم، واتصلت رقاع من يرشّح للوزارة بالسّعاية فيه والضمان بالقيام بأرزاق الجند وأرباب الوظائف، فأمر المقتدر بالقبض عليه/ وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحسين بن القاسم، فامتنع مؤنس من الموافقة عليه، وأشار بتولية أبى القاسم الكلوذانىّ فاستوزره المقتدر بالله لثلاث بقين من شهر رجب، فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين، ولم يستمر الكلوذانىّ فى الوزارة غير شهرين وثلاثة أيام.
стр. 8643
ذكر عزل الكلوذانى ووزارة الحسين
فى هذه السنة عزل أبو القاسم الكلودانىّ عن وزارة الخليفة، ووزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. وكان سبب ذلك أنه كان ببغداد إنسان يعرف بالدانيالى وكان زرّافا ذكيا محتالا، فكان يعتّق الكاغد ويكتب فيه أشياء قد وقعت فيما مضى من الزمان وأشياء تقع فى المستقبل ويرى ذلك للناس. واتصل هذا الدانيالى بمفلح الخادم وأظهره على أشياء استماله بها. فتوصّل الحسين لهذا الرجل حتى جعل اسمه فى جملة كتاب وضعه وعتّقه، وذكر فيه علامة فى وجهه وما فيه من الآثار ويقول «إنه يزر للخليفة الثامن عشر من الخلفاء العباسيين وتستقيم الأمور على يديه ويقهر الأعادى» وذكر فى هذا الكتاب حوادث وقعت وحوادث تقع فى المستقبل، ونسب ذلك إلى دانيال. وقرأ الكتاب على مفلح فأخذه/ منه وأوقف المقتدر عليه فقال له: أتعرف فى الكتاب من هو بهذه الصفة؟ فقال: ما أعرف إلا الحسين بن القاسم قال:
صدقت، قلبى يميل إليه، فإن جاءتك رقعة منه فاعرضها علىّ واكتم حاله.
فخرج مفلح إلى الدنيالى وقال: هل تعرف فى الكتّاب من هو بهذه الصفة؟ قال: لا! قال: فمن أين لك هذا الكتاب؟ قال:
ورثته عن أبى، وورثه أبى عن آبائه، وهو من ملاحم دانيال ﵇! فأعاد ذلك إلى المقتدر بالله فقبله. فكتب الحسين
стр. 8644
رقعة إلى مفلح وهو يطلب الوزارة، فكان ذلك من أعظم الأسباب لوزارته مع كثرة الكارهين له.
ثم اتفق أنّ الكلوذانىّ عمل حسبة بما يحتاج إليه من النفقات ومالهم «١» من الأموال وعليها خطوط الدواوين فبقى يحتاج إلى سبعمائة ألف دينار لا جهة لها، فعرضها على المقتدر وقال: ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين من بيت مال الخاصة! فعظم ذلك على المقتدر، وكتب الحسين رقعة عندما بلغه ذلك سأل فيها الوزارة وأنه يضمن جميع النفقات ويستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار تكون فى بيت المال، فاستقال الكلوذانى، فعزل لليلتين بقبتا من شهر رمضان، واستوزر المقتدر بالله الحسين بن القاسم فى هذا التاريخ
ذكر تأكيد الوحشة بين مؤنس والمقتدر
/ فى هذه السنة فى ذى الحجة تجددت الوحشة بينهما.
وسبب ذلك أن مؤنسا بلغه أنّ الوزير قد وافق جماعة من القوّاد فى التدبير عليه، فتنكّر له مؤنس. وبلغ الوزير أن مؤنسا يريد أن يكبس داره ليلا ويقبض عليه، فتنقل فى عدّة مواضع ثم انتقل إلى دار الخلافة. وطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته فأجابه إلى عزله ولم يصادره، وأمر الحسين بلزوم داره فلم يقنع مؤنس بذلك فبقى فى وزارته. فأوقع الحسين عند المقتدر أن مؤنسا
стр. 8645
يريد أخذ ولده أبى العباس ويسيره إلى الشام ويبايع له، فردّه المقتدر إلى دار الخلافة فعلم ذلك أبو العباس، فلما أفضت إليه الخلافة فعل بالحسين ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكتب الحسين إلى هارون- وهو يريد العاقول- بعد انصرافه من حرب مرداويج وانهزامه وهو يستقدمه إلى بغداد، وكتب إلى محمد بن ياقوت- وهو بالأهواز- يأمره بالإسراع إلى بغداد، فصحّ عند مؤنس أن الوزير يدبّر عليه وزاد مؤنسا نفارا.
ودخلت سنة عشرين وثلاثمائة:
ذكر مسير مؤنس الى الموصل
فى هذه السنة فى المحرم سار مؤنس المظفر إلى الموصل مغاضبا، للمقتدر لما صح عنده إرسال الوزير إلى هارون بن غريب الخال ومحمد بن ياقوت يستحضرهما. قال: «١» وسير مؤنس خادمه بشرى «٢» برسالة إلى المقتدر، فسأله الحسين عن الرسالة فقال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر رسالته للوزير فامتنع وقال: ما أمرنى صاحبى بهذا! فسبه الوزير وشتم صاحبه وأمر بضربه وصادره بثلاثمائة ألف دينار وأخذ خطّه بها وحبسه ونهب داره. فلما بلغ مؤنسا ما جرى على خادمه وكان ينتظر أنّ المقتدر يطيّب قلبه ويعيده، سار ومعه جميع قوّاده ومماليكه، ومعه من الساجية ثمانمائة رجل. فتقدم الوزير بقبض إقطاع
стр. 8646
مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصّل من ذلك أموالا عظيمة فزاد ذلك فى محلّه عند المقتدر ولقّبه عميد الدولة وضرب اسمه على الدنانير والدراهم وتمكّن من الوزارة وولى وعزل ثم أخذ فى التهوير فعزله المقتدر بالله.
ذكر عزل الحسين عن الوزارة
ووزارة ابن الفرات كان سبب عزله أنه ضاقت عليه الأموال وكثر الخرج، فاستسلف جملة من مال هذه السنة وأخرجها فى سنة تسعة عشر.
فأنهى هارون/ بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتّب معه الخصيبى.
فلما تولّى معه نظر فى أعماله فرآه قد عمل حسبة للمقتدر ليس فيها عليه [وجه] «١» فأظهر ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتّاب وكشف الحال. فاعترفوا بصدق الخصيبى وقابلوا الوزير، فقبض عليه فى شهر ربيع الآخر فكانت وزارته سبعة أشهر إلا أياما.
واستوزر المقتدر بالله الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات «٢» ، وسلم إليه الحسين بن القاسم فلم يؤاخذه بإساءته.
ذكر استيلاء مؤنس على الموصل
قال «٣» : ولما سار مؤنس إلى الموصل كتب الحسين الوزير إلى سعيد وداود ابنى حمدان وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن
стр. 8647
ابن عبد الله بن حمدان يأمرهم بمحاربته وصدّه عن الموصل، فاجتمع بنو حمدان على محاربته إلا داود فإنه امتنع لإحسان مؤنس إليه؛ فإنه قد كان ربّاه فى حجره بعد أبيه فما زال به إخوته حتى وافقهم، ولما أجابهم قال لهم: إنكم لتحملونى على البغى وكفران النّعمة والإحسان وما آمن أن يجيئنى سهم عاثر فيقع فى نحرى فيقتلنى! فلما التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله، ولما قرب مؤنس من الموصل كان فى ثمانمائة فارس. واجتمع بنو حمدان فى ثلاثين ألفا فالتقوا واقتتلوا فانهزم بنو حمدن/ ودخل مؤنس الموصل واستولى على أموال بنى حمدان وديارهم، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان فصار معه وكان دخول مؤنس إلى الموصل فى ثالث صفر، وأقام بها سبعة أشهر، وعزم على الانحدار إلى بغداد.
ذكر مقتل المقتدر بالله
قال «١» : ولما اجتمعت العساكر إلى مؤنس بالموصل قالوا له:
اذهب بنا إلى الخليفة فإن أنصفنا وأجرى أرزاقنا وإلا قاتلناه فانحدر مؤنس من الموصل فى شوّال، وبلغ خبره جند بغداد فشغبوا وطلبوا أرزاقهم، ففرّق المقتدر فيهم أموالا كثيرة إلا أنها لم تسعهم وأنفذ المقتدر أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصرى فى خيل عظيمة إلى سامراء. وأنفذ أبا بكر محمد
стр. 8648
ابن ياقوت فى ألفى فارس ومعه الغلمان الحجرية إلى المعشوق.
فلما وصل مؤنس إلى تكريت جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى بغداد، ونزل مؤنس بباب الشمّاسية فلما رأى ذلك رجع ابن ياقوت إلى عكبرا، وسار مؤنس فتأخر ابن ياقوت وغيره وعادوا إلى بعداد. ونزل مؤنس بباب الشماسيّة، ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم واجتهد المقتدر بخاله «١» هارون بن غريب/ ليخرج فلم يفعل وقال: أخاف من عسكرى فإنّ بعضهم أصحاب مؤنس وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج فأخاف أن يسلمونى وينهزموا عنى! فلم يزل به حتى أخرجه، وأشار النّاس على المقتدر بإخراج المال منه ومن أمّه ليرضى الجند وقالوا: إنه متى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه، فاضطر إلى الهرب فقال: لم يبق لى ولا لوالدتى شىء! وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط ويكاتب العساكر من البصرة والأهواز وفارس وكرمان وغيرها ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع إليه العساكر ويعود إلى قتاله، فردّد ابن ياقوت عن ذلك، وزيّن له اللقاء وقوّى نفسه أنّ القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه فرجع إلى قوله وهو كاره، ثم أشار عليه بحضور الحرب فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف منشورة وعليه البردة «٢»
стр. 8649
والناس حوله، فوقف على تلّ عال بعيد من المعركة فأرسل إليه قواده يسألونه التّقدّم مرة بعد أخرى، فلما ألحّوا عليه تقدّم من موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم. وكان قد أمر فنودى.
«من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة» .
فلما انهزم أصحابه لقيه علىّ بن يلبق- وهو من أصحاب مؤنس- فترجّل وقبل الأرض وقال له: أين تمضى؟ ارجع، فلعن الله من أشار عليك/ بالحضور! فأراد الرّجوع، فلحقه قوم من المغاربة والبربر، فتركه علىّ وسار، فشهروا سيوفهم فقال: ويحكم أنا الخليفة! فقالوا:
قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة إبليس، تبذل فى كلّ رأس خمسة دنانير وفى كلّ أسير عشرة دنانير. وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، وذبحه بعضهم- وقيل إنّ علىّ بن يلبق رمز إلى بعضهم فقتله- وذلك فى يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوّال سنة عشرين وثلاثمائة.
قال «١» : ولما قتل رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبّرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله، وتركوه مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل أكّار فستره بحشيش، ثم حفر له فى موضعه ودفن، وعفا قبره. هذا ومؤنس فى الراشدية لم يشهد الحرب، فلما حمل رأس المقتدر إليه بكى ولطم وجهه ورأسه وقال: يا مفسدون ما هكذا أوصيتكم، والله لنقتلنّ كلّنا، وأقلّ ما فى الأمر أن تظهروا أنكم قتلتموه خطأ ولم تعرفوه!
стр. 8650
وتقدم مؤنس إلى الشمّاسية، وأنفذ إلى دار الخلافة من يمنعها من النّهب. ومضى عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ومحمد ابن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن. وكان ما فعله مؤنس سببا لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم واستبدادهم، وانحرفت حرمة الخلافة لقتل المقتدر، وضعف أمرها حتى انتهى إلى ما نذكره إن شاء الله تعالى «١» .
قال «٢» : وقتل وعمره ثمان وثلاثون سنة وخمسة أيام، وكان مدّة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وستة عشر يوما، وكان ربع «٣» القامة درّىّ اللون أحور أصهب، وكان نقش خاتمة «الحمد لله الذى ليس كمثله شىء وهو السميع خالق كل شىء» ويقال إن المقتدر بذّر من الأموال تضييعا فى غير وجهها نيّفا وتسعين ألف ألف دينار «٤» سوى ما أنفقه فى الوجوه، وكان يصرف إلى الحرمين وفى طريقهما فى كلّ سنة ثلاثمائة ألف وخمسة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وعشرين دينارا، وإلى الثغور أربعمائة الف وواحدا وتسعين ألفا وأربعمائة وستة وخمسين دينارا وكان يجرى على القضاة فى كلّ الممالك ستة وخمسين ألفا
следующие страницы →