← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصّل من ذلك أموالا عظيمة فزاد ذلك فى محلّه عند المقتدر ولقّبه عميد الدولة وضرب اسمه على الدنانير والدراهم وتمكّن من الوزارة وولى وعزل ثم أخذ فى التهوير فعزله المقتدر بالله. ذكر عزل الحسين عن الوزارة ووزارة ابن الفرات كان سبب عزله أنه ضاقت عليه الأموال وكثر الخرج، فاستسلف جملة من مال هذه السنة وأخرجها فى سنة تسعة عشر. فأنهى هارون/ بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتّب معه الخصيبى. فلما تولّى معه نظر فى أعماله فرآه قد عمل حسبة للمقتدر ليس فيها عليه [وجه] «١» فأظهر ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتّاب وكشف الحال. فاعترفوا بصدق الخصيبى وقابلوا الوزير، فقبض عليه فى شهر ربيع الآخر فكانت وزارته سبعة أشهر إلا أياما. واستوزر المقتدر بالله الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات «٢» ، وسلم إليه الحسين بن القاسم فلم يؤاخذه بإساءته. ذكر استيلاء مؤنس على الموصل قال «٣» : ولما سار مؤنس إلى الموصل كتب الحسين الوزير إلى سعيد وداود ابنى حمدان وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن

стр. 8647

ابن عبد الله بن حمدان يأمرهم بمحاربته وصدّه عن الموصل، فاجتمع بنو حمدان على محاربته إلا داود فإنه امتنع لإحسان مؤنس إليه؛ فإنه قد كان ربّاه فى حجره بعد أبيه فما زال به إخوته حتى وافقهم، ولما أجابهم قال لهم: إنكم لتحملونى على البغى وكفران النّعمة والإحسان وما آمن أن يجيئنى سهم عاثر فيقع فى نحرى فيقتلنى! فلما التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله، ولما قرب مؤنس من الموصل كان فى ثمانمائة فارس. واجتمع بنو حمدان فى ثلاثين ألفا فالتقوا واقتتلوا فانهزم بنو حمدن/ ودخل مؤنس الموصل واستولى على أموال بنى حمدان وديارهم، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان فصار معه وكان دخول مؤنس إلى الموصل فى ثالث صفر، وأقام بها سبعة أشهر، وعزم على الانحدار إلى بغداد. ذكر مقتل المقتدر بالله قال «١» : ولما اجتمعت العساكر إلى مؤنس بالموصل قالوا له: اذهب بنا إلى الخليفة فإن أنصفنا وأجرى أرزاقنا وإلا قاتلناه فانحدر مؤنس من الموصل فى شوّال، وبلغ خبره جند بغداد فشغبوا وطلبوا أرزاقهم، ففرّق المقتدر فيهم أموالا كثيرة إلا أنها لم تسعهم وأنفذ المقتدر أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصرى فى خيل عظيمة إلى سامراء. وأنفذ أبا بكر محمد

стр. 8648

ابن ياقوت فى ألفى فارس ومعه الغلمان الحجرية إلى المعشوق. فلما وصل مؤنس إلى تكريت جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى بغداد، ونزل مؤنس بباب الشمّاسية فلما رأى ذلك رجع ابن ياقوت إلى عكبرا، وسار مؤنس فتأخر ابن ياقوت وغيره وعادوا إلى بعداد. ونزل مؤنس بباب الشماسيّة، ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم واجتهد المقتدر بخاله «١» هارون بن غريب/ ليخرج فلم يفعل وقال: أخاف من عسكرى فإنّ بعضهم أصحاب مؤنس وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج فأخاف أن يسلمونى وينهزموا عنى! فلم يزل به حتى أخرجه، وأشار النّاس على المقتدر بإخراج المال منه ومن أمّه ليرضى الجند وقالوا: إنه متى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه، فاضطر إلى الهرب فقال: لم يبق لى ولا لوالدتى شىء! وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط ويكاتب العساكر من البصرة والأهواز وفارس وكرمان وغيرها ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع إليه العساكر ويعود إلى قتاله، فردّد ابن ياقوت عن ذلك، وزيّن له اللقاء وقوّى نفسه أنّ القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه فرجع إلى قوله وهو كاره، ثم أشار عليه بحضور الحرب فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف منشورة وعليه البردة «٢»

стр. 8649

والناس حوله، فوقف على تلّ عال بعيد من المعركة فأرسل إليه قواده يسألونه التّقدّم مرة بعد أخرى، فلما ألحّوا عليه تقدّم من موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم. وكان قد أمر فنودى. «من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة» . فلما انهزم أصحابه لقيه علىّ بن يلبق- وهو من أصحاب مؤنس- فترجّل وقبل الأرض وقال له: أين تمضى؟ ارجع، فلعن الله من أشار عليك/ بالحضور! فأراد الرّجوع، فلحقه قوم من المغاربة والبربر، فتركه علىّ وسار، فشهروا سيوفهم فقال: ويحكم أنا الخليفة! فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة إبليس، تبذل فى كلّ رأس خمسة دنانير وفى كلّ أسير عشرة دنانير. وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، وذبحه بعضهم- وقيل إنّ علىّ بن يلبق رمز إلى بعضهم فقتله- وذلك فى يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوّال سنة عشرين وثلاثمائة. قال «١» : ولما قتل رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبّرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله، وتركوه مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل أكّار فستره بحشيش، ثم حفر له فى موضعه ودفن، وعفا قبره. هذا ومؤنس فى الراشدية لم يشهد الحرب، فلما حمل رأس المقتدر إليه بكى ولطم وجهه ورأسه وقال: يا مفسدون ما هكذا أوصيتكم، والله لنقتلنّ كلّنا، وأقلّ ما فى الأمر أن تظهروا أنكم قتلتموه خطأ ولم تعرفوه!

стр. 8650

وتقدم مؤنس إلى الشمّاسية، وأنفذ إلى دار الخلافة من يمنعها من النّهب. ومضى عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ومحمد ابن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن. وكان ما فعله مؤنس سببا لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم واستبدادهم، وانحرفت حرمة الخلافة لقتل المقتدر، وضعف أمرها حتى انتهى إلى ما نذكره إن شاء الله تعالى «١» . قال «٢» : وقتل وعمره ثمان وثلاثون سنة وخمسة أيام، وكان مدّة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وستة عشر يوما، وكان ربع «٣» القامة درّىّ اللون أحور أصهب، وكان نقش خاتمة «الحمد لله الذى ليس كمثله شىء وهو السميع خالق كل شىء» ويقال إن المقتدر بذّر من الأموال تضييعا فى غير وجهها نيّفا وتسعين ألف ألف دينار «٤» سوى ما أنفقه فى الوجوه، وكان يصرف إلى الحرمين وفى طريقهما فى كلّ سنة ثلاثمائة ألف وخمسة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وعشرين دينارا، وإلى الثغور أربعمائة الف وواحدا وتسعين ألفا وأربعمائة وستة وخمسين دينارا وكان يجرى على القضاة فى كلّ الممالك ستة وخمسين ألفا

стр. 8651

وخمسمائة وواحدا وأربعين دينارا. وعلى الفقهاء بالحضرة ثلاثة عشر ألفا وخمسمائة وتسعة وستين دينارا، وعلى من يتولّى الحسبة والمظالم فى جميع البلاد أربعة وثلاثين ألفا وأربعمائة وتسعة وثلاثين دينارا، وعلى أصحاب البريد تسعة وسبعين ألفا وأربعمائة دينار، وغير ذلك من الجرايات على أصناف الناس وطبقاتهم. وعجز ارتفاع ممالكه عن نفقاته ألفى ألف وتسعة وثمانين ألفا وثمانمائة وأربعة وسبعين دينارا، ولم ينقض أحدا شيئا فأنفق ما كان فى بيوت الأموال قبله «١» . قال «٢» : ومات فى أيامه خمسة عشر ألف أمير ومقدّم مذكور فكانت والدته تطوى عنه الرزايا والفجائع وتقول: إظهارها يؤلم قلبه! فأدّى ذلك إلى انتشار الفساد فى ممالكه» . وكان الناس قد ملّوا أيّامه لطولها، حتى إذا تصرّمت تمنّوا ساعة منها، فأعوزتهم، وشملتهم الحوادث والطوارق. وكان له من الأولاد الرّاضى والمتقى والمطيع وعبد الواحد وعباس وهارون وعلىّ وإسماعيل وعيسى وموسى وأبو العباس «٤» .

стр. 8652

ووزر له من ذكرنا وهم: العباس بن الحسن «١» ، وأبو الحسن بن الفرات ثلاث دفعات وقد ذكرنا أخباره، ومحمد بن عبد الله بن خاقان. وعلى بن عيسى دفعتين، وكان موصوفا بالعلم والدين والعقل، وساس الدنيا السياسة التى عمّرت البلاد، وكان يستغل ضياعه فى السنة سبعمائة ألف دينار يخرج منها فى وجوه البرّ ستمائة ألف دينار وينفق أربعين ألف دينار على خاصته، وكان يصوم نهاره ويقوم ليله، ولما حبس كان يلبس ثيابه ويتوضأ ويقوم ليخرج إلى صلاة الجمعة فيرده الموكلون به فيقول: اللهمّ اشهد! وكانت له آثار حسنة ومآثر جميلة منها أنه أشار على المقتدر/ أن يوقف المستغلّات ببغداد على الحرس والثغور- وغلّتها فى كلّ شهر ثلاثة عشر ألف دينار- والضياع الموروثة بالسّواد وارتفاعها نيّف وثمانون ألف دينار سوى الغلة، ففعل ذلك وأفرد لهذا الوقف ديوانا سمّاه ديوان البرّ، وكان يجرى على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم، وخدم السلطان سبعين سنة لم يزل فيها نعمة أحد ولم يقتل أحدا، ولم يسع فى ذمّه ولم يهتك حرمة أحد، ومات فى آخر ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة «٢» وله تسع وثمانون سنة وستة أشهر ويوم واحد، ﵀!

стр. 8653

ووزر له حامد بن العباس، وأبو القاسم الخاقانى، وأحمد بن عبد الله الخصيبى، وأبو على بن مقلة، وسليمان بن الحسين بن مخلد، وعبد الله الكلوذانىّ، والحسين بن القاسم بن عبيد الله، والفضل ابن جعفر بن الفرات. قضاته: يوسف بن يعقوب ثم ابنه محمد «١» بن يوسف، ثم أبو عمر، ثم عبد الله بن أبى الشوارب، ثم ابنه محمد، ثم أحمد بن إسحاق بن البهلول، ثم عمر بن محمد بن يوسف، والحسن بن عبد الله، وعمر بن الحسن بن أبى الشوارب. حجّابه: سوسن مولى المكتفى؛ ونصر القشورىّ، وياقوت مولى المعتضد، وغيرهم. الأمراء بمصر: عيسى النّوشرى، ثم تكين الخزرى «٢» ، ثم وصل مؤنس/ إلى مصر فصرف تكين وولّاها ذكاء الأعور ثم مات فأعيد تكين، ثم هلال بن بدر، ثم أحمد بن كيغلغ «٣» ، ثم تكين مرة ثالثة. القضاة بها: أبو عبيد الله بن على بن الحسين البزّاز «٤» إلى أن ورد كتاب ابن الفرات بصرفه وردّ القضاء إلى عبد الله بن

стр. 8654

مكرم شابّ من شهود أبى عمر، فاستخلف له أبو الذكر محمد بن يحيى التمّار، ثم ورد إبراهيم بن محمد الطبرى خليفة لعبد الله، ثم صرف عبد الله وولى إبراهيم بن حمّاد فاستخلف أبا علىّ عبد الرحمن بن إسحاق، ثم صرف هارون وولى أبو محمد عبد الله بن أحمد بن رزين، وولىّ تكين أبا هاشم إسماعيل بن عبد الواحد الرّبعى. ذكر خلافة القاهر بالله هو أبو منصور محمد بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد و [قد] «١» تقدم ذكر نسبه، وأمّه أمّ ولد اسمها قبول. وهو التاسع عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له بعد مقتل أخيه المقتدر فى يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. قال. «٢» ولمّا قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس كما ذكرناه فقال:/ الرأى ننصب ولده أبا العباس فى الخلافة فإنه تربيتى، وهو صبىّ عاقل فيه دين وكرم ووفاء بما يقول، فإذا جلس فى الخلافة سمحت نفس جدّته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه ببذل الأموال ولم ينتطح فى قتل المقتدر عنزان! فعارضه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختى «٣» وقال: بعد الكدّ استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحالة، لا والله لا نرضى إلا برجل كامل يدبر نفسه ويدبرنا!

стр. 8655

وما زال حتى ردّ مؤنسا عن رأيه، وذكر له أبا منصور محمد فأجابه مؤنس إلى ذلك. وكان النوبختى فى ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه! فإنّ القاهر قتله كما نذكر إن شاء الله تعالى، فأمر مؤنس بإحضاره فبايعوه بالخلافة، ولقّبوه القاهر بالله. وكان مؤنس كارها لخلافته والبيعة له ويقول: أنا عارف بشرّه وسوء نيته ولكن لا حيلة! قال: «١» ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه علىّ بن يلبق، وأخذ خطّه بذلك. ولما استقرّت الخلافة له وبايعه النّاس استوزر أبا علىّ بن مقلة وكان بفارس فاستقدمه، واستحجب علىّ بن يلبق. وشرع القاهر فى البحث عمن استتر من أولاد أخيه المقتدر وحرمه، وأحضر والدته «٢» - وكانت مريضة بالاستسقاء- وسألها عن المال/ فاعترفت له بما عندها من المصوغ والثياب ولم تعترف بشىء من المال والجوهر، فضربها أشدّ ما يكون من الضرب وعلّقها برجلها وضرب المواضع المستورة من بدنها فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته عليه وقالت: لو كان عندى مال لما سلّمت ولدى للقتل! ولم تعترف بشىء وصادر جميع حاشية المقتدر بالله وأصحابه، وأخرج والدته لتشهد على نفسها القضاة والعدول بأنها قد حلّت أوقافها ووكّلت فى بيعها، فامتنعت من ذلك وقالت: قد أوقفتها على أبواب البرّ والقربات

стр. 8656

بمكة والمدينة والثّغور وعلى الضعفاء والمساكين ولا أستحل حلّها ولا بيعها، وإنما أوكل فى بيع أملاكى! فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضى والشهود وأشهد هم على نفسه أنه قد حل وقوفها جميعها ووكل فى بيعها، فبيع ذلك كله واشتراه الجند من أرزاقهم. وتقدم القاهر بكبس الدار التى سعى إليه أنّ أولاد المقتدر اختفوا بها، فلم يزل كذلك إلى أن وجد منهم أبا العباس الراضى وعليّا والعباس وهارون وإبراهيم والفضل فحملوا إلى دار الخلافة فصودروا على مال كثير، وسلّمهم على بن يلبق لكاتبه الحسن بن هارون، فأحسن صحبتهم وخدمهم. قال: «١» وقبض الوزير على جماعة من العمال وعزل بنى البريدىّ وصادرهم. / ودخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة: ذكر خبر عبد الواحد بن المقتدر ومن معه كان عبد الواحد بن المقتدر بالله قد هرب عند قتل أبيه ومعه هارون بن غريب ومفلح ومحمد بن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن كما قدمنا، ثم انحدروا منها إلى واسط، فخافهم الناس. فأما هارون بن غريب «٢» فإنه كتب إلى بغداد فى طلب الأمان لنفسه ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه وينزل

стр. 8657

عن الأملاك التى استأجرها، ويؤدى من أملاكه حقوق بيت المال القديمة. فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك، وكتب له كتاب أمان. وقلّد أعمال ماه الكوفة وماسبذان ومهرجانقذق، وسار إلى بغداد وأما عبد الواحد فإنه خرج من واسط فيمن بقى معه ومضوا إلى السوس وسوق الأهواز فجنوا المال وطردوا العمال، وأقاموا بالأهواز، فجهز مؤنس إليهم جيشا كثيفا وجعل عليه يلبق وكان الذى حرّضهم على إيفاد الجيش أبو عبد الله البريدى وبذل مساعدته معجلة خمسين ألف دينار على أن يولىّ الأهواز وعند استقراره فى الولاية يعجّل ما بقى. فسنار الجيش وفيهم أبو عبد الله، وكان محمد بن ياقوت قد استبدّ/ بالأموال والأمر، فنفرت قلوب من معه من القوّاد لذلك. فلما قرب يلبق من واسط أظهروا ما فى نفوسهم وفارقوه. ولما وصل إلى السوس فارق عبد الواحد ومحمد بن ياقوت الأهواز وسار إلى تستر، وفارقهما من معهما من القواد إلى يلبق بأمان. وبقى مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد فقالا لمحمد بن ياقوت: أنت معتصم بهذه المدينة وبمالك ورجالك ونحن لا مال معنا ولا رجال ومقامنا يضرّك ولا ينفعك وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن المقتدر،! فأذن لهما فى ذلك فكتب إلى يلبق فأمّنهم، فعبروا إليه. وبقى محمد بن ياقوت منفردا فتحير وضعفت نفسه فتراسل هو ويلبق واستقر بينهما أن يلبق يؤمنه ويضمن له أمان مؤنس والقاهر، ففعل. وخرج محمد بن ياقوت

стр. 8658

معه إلى بغداد ولما وصلوا وفى لهم القاهر بالله، وأطلق لعبد الواحد أملاكه وترك لوالدته المصادرة التى كان صادرها بها. واستولى أبو عبد الله البريدىّ على البلاد، وعسف أهلها، وأخذ أموال التجار وعمل بأهل البلاد ما لا تعمله الفرنج ولم يمنعه أحد عما يريد وأعاد إخوانه إلى أعمالهم. ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر / فى هذه السنة استوحش مؤنس المظفر ويلبق الحاجب وولده علىّ والوزير أبو على بن مقلة من القاهر بالله وضيقّوا عليه وعلى أسبابه. وكان سبب ذلك أن محمد بن ياقوت تقدم عند القاهر وعلت منزلته وصار يخلوبه ويشاوره، فعظم ذلك على ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبين ابن ياقوت؛ فألقى إلى مؤنس أن محمدا يسعى به عند القاهر وأن عيسى الطبيب يسفر بينهما فى التدبير عليه، فوجّه مؤنس علىّ بن يلبق لإحضار عيسى الطبيب فوجده بين يدى القاهر، فأخذه وأحضره عند مؤنس فسيره من ساعته إلى الموصل، واجتمعوا على الإيقاع بمحمد بن ياقوت وكان فى الخيام. فركب على ابن يلبق فى جند ليكسه، فوجده قد اختفى فنهب أصحابه، واستتر محمد بن ياقوت. ووكل على بن يلبق على دار الخليفة أحمد بن زيزك «١» وأمره بالتضييق على القاهر بالله وتفتيش كل من يدخل الدار ويخرج منها،

стр. 8659

وأن يكشف وجوه النساء، وإن وجد رقعة رفعها إلى مؤنس ففعل ذلك وزاد عليه حتى إنه جمل إلى دار القاهر لبن فأدخل يده فيه. ونقل يلبق من كان بدار القاهر محبوسا إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها، وقطع أرزاق حاشيته. فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد وأنّ ذلك برأى مؤنس وابن مقلة، فأخذ فى الحيلة والتدبير/ على جماعتهم. وكان قد عرف فساد قلب طريف السبكرى وبشرى خادم مؤنس «١» وحسدهما ليلبق وولده على مراتبهما، فشرع فى إغرائهما بيلبق وابنه. وعلم أيضا أن مؤنسا ويلبق أكثر اعتمادهما على الساجية أصحاب يوسف بن أبي الساج وغلمان المنتقلين إليهما بعده، وكانا قد وعداهم بالموصل مواعد أخلفاها فأرسل القاهر إليهم وأغراهم بهما وحلف لهم على الوفاء بما أخلفاه، فتغيرت قلوب الساجية. ثم أرسل أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله وكان صاحب مشورة ابن مقلة، ووعده بالوزارة فكان يطالعه بالأخبار. ذكر القبض على مؤنس المظفر ويلبق الحاجب وابنه وسبب ذلك أنه صحّ عندهم أن القاهر يدبّر عليهم فخافوه، وحملهم الخوف على الجدّ فى خلعه، واتّفق رأيهم على البيعة لأبى أحمد بن المكتفى، فاستخلفوه وعقدوا له البيعة سرّا، وحلف له يلبق وابنه علىّ والوزير ابن مقلة والحسن بن هارون ثم كشفوا الأمر لمؤنس فقال: لست أشكّ فى شرّ القاهر وخبثه، ولقد كنت كارها

стр. 8660

/ لخلافته وأشرت بابن المقتدر بالله فخالفتم رأيى، وفد بالغتم فى الاستهانة به وما صبر على الهوان إلا من خبث طويّته ليدبّر عليكم، فلا تعجلوا حتى تؤنسوه وينبسط إليكم ثم تعرفوا من وطأه من القواد والساجبة والحجرية واعملوا بعد ذلك! فقال علىّ بن يلبق والحسن بن هارون: ما يحتاج إلى هذا التطويل فإن الحجبة لنا والدار فى أيدينا وما نحتاج [إلى] «١» أن نستعين فى القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر فى قفص! وعملوا على معالجته. فاتفق أن سقط يلبق من الدّابة فاعتلّ ولزم بيته، فاتفق على وابن مقلة وحسّنا لمؤنس خلع القاهر وهوّنا عليه أمره، فأذن لهما. فاتّفق رأيهما على أن يظهر أنّ أبا طاهر القرمطى دخل الكوفة وأن علىّ بن يليق سائر لقتاله ومنعه من بغداد، فإذا دخل لوداع القاهر بالله قبض عليه،. فأشاعا ذلك، وكتب ابن مقلة رقعة إلى الخليفة يعرّفه ذلك ويقول: «إننى قد جهّزت علىّ بن يلبق ليسير فى هذا اليوم وأن يحضر العصر للخدمة ليأمره مولانا بما يراه» فكتب القاهر فى جوابه يشكره ويأذن فى حضور ابن يلبق. فجاء جواب الخليفة وابن مقلة نائم فتركوه ولم يوصلوه إليه. فلما استيقظ كتب رقعة أخرى فى المعنى، فأنكر القاهر الحال. فهو فى هذا إذ وصلته رقعة طريف السبكرى يذكر أن عنده نصيحة وأنه قد حضر فى زىّ النّساء لينهيها إليه، فاجتمع به القاهر، فذكر له جميع ما عزموا عليه [وما هم فيه] «٢» وما فعلوه من

стр. 8661

التدبير. فأنفذ القاهر إلى الساجية فأحضرهم متفرقين وكمنهم فى الدهاليز والمرات والرّواقات، وحضر على بن يلبق بعد العصر وفى رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من أصحابه فى طيار له. وأمر جماعة من أصحابه بالركوب إلى الأبواب وصعد من الطيار وطلب إذن القاهر فلم يأذن له فغضب وأساء أدبه وقال: لا بدّ من لقائه شاء أو أبى! فأمر القاهر الساجية بردّه، فخرجوا إليه وشتموه وشتموا أباه، وشهروا سلاحهم وتقدموا إليه، ففرّ أصحابه عنه وألقى نفسه فى الطيّار وعبر إلى الجانب الغربى واختفى من ساعته. وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر، واستتر الحسن بن هارون، فلما سمع طريف الخبر ركب فى أصحابه بالسلاح، وحضر إلى دار الخليفة ووقف عند القاهر بالله. فعظم الأمر حينئذ على ابن يلبق وجماعتهم وأنكر يلبق ما جرى على ابنه، وسبّ الساجية وركب إلى دار الخليفة فى جميع القوّاد الذين بدار مؤنس، فلم يصل إلى القاهر وقبض عليه وعلى أحمد بن زيرك صاحب الشرطة وحبسهما وحصل الجيش/ كلّهم فى الدّار فأنفذ القاهر إليهم وطيّب قلوبهم ووعدهم الزيارة، وأنه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثم يطلقهم ويحسن إليهم فعادوا وراسل القاهر مؤنسا فى الحضور عنده ليعرض عليه ما وقع عليهم ليفعل ما يراه وقال:: إنه عندى بمنزلة الوالد، وما أحبّ أن أعمل إلا عن رأيه! فاعتذر مؤنس عن الحركة، ونهاه أصحابه عن الحضور إليه فلما كان من الغد أحضر القاهر طريفا السبكرى وناوله خاتمه

стр. 8662

وقال له: قد فوّضت إلى ولدى عبد الصّمد ما كان المقتدر فوّضه إلى ابنه محمد وقلدتك خلافته ورئاسة الجيش وإمارة الأمراء وبيوت الأموال كما كان ذلك إلى مؤنس فامض إليه واحمله إلى الدار فإنه مادام فى منزله يجتمع إليه من يريد الشر ولا نأمن أمره! فمضى إلى دار مؤنس وعنده أصحابه فى السلاح فسأله أصحاب مؤنس عن الحال فذكر سوء صنيع يلبق وابنه فكلّهم سبّهما، وعرّفهم ما أخذ لهم من الأمان والعهود فسكنوا. ودخل إلى مؤنس وقد استولى عليه الكبر والضّعف وأشار عليه بالحضور عند القاهر وقال: إن تأخرت طمع ولو رآك نائما ما تجاسر أن يوقظك! / فسار إليه، فلما دخل الدّار قبض عليه وحبسه، وذلك فى مستهل شهر شعبان. وأمر القاهر بالختم على دور من قبض عليهم ونقل دوابّهم ووكل بحريمهم، وأمر بنقل ما فى دار ابن مقلة وحرقها، ونهبت دور المعتقلين بها. وظهر محمد بن ياقوت وقام بالحجبة، ثم رأى كراهة طريف والساجية له فاختقى وهرب إلى ابنه بفارس، فكاتبه القاهر يلومه على عجلته بالهرب وقلده كور الأهواز، واستقدم القاهر عيسى الطبيب من الموصل، وجدّ القاهر بالله فى طلب أحمد بن المكتفى، فظفر به، فبنى عليه حائطا وهو حىّ فمات. وظفر بعلى بن يلبق، واستعمل على الحجبة سلامة الطولونىّ وعلى الشرطة أحمد بن خافان.

стр. 8663

ذكر مقتل مؤنس ويلبق وابنه على والنوبختى كان مقتل هؤلاء فى شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وسبب ذلك أن أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا، وتبعهم سائر الجند، ونادوا بشعار مؤنس، وقالوا لا نرضى إلا بإطلاقه. وكان القاهر قد ظفر بعلىّ بن يلبق، وأفرد كلّ واحد منهم فى بيت، فلما/ شغب الجند دخل القاهر إلى على بن يلبق فأمر به فذيح وجعل رأسه فى طست. ومضى والطست بين يديه حتى دخل على يلبق، فلما رأى رأس ابنه بكى وقبّله، فأمر به القاهر فذبح وجعل رأسه فى طست. وحملا بين يديه، ومضى حتى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه. فلما رآهما تشهّد واسترجع ولعن قاتلهما، فقال القاهر: جرّوا برجل الكلب الملعون! فجرّوا برجله وذبحوه، وجعلوا رأسه فى طست. وطيف بالرؤوس فى جانبى بغداد وتودى عليها «هذا جزاء من يخون الإمام ويسعى فى فساد دولته» ثم أعيدت فنظّفت وجعلت فى خزانة الرؤوس على العادة «١» . ولما قتلهم القاهر بالله اشتد أمره، وقويت نفسه، وخافه من حوله ممّن وافقه وباطنه على قتلهم. وقتل أبا يعقوب النوبختى، ولقّب نفسه بعد ذلك «القاهر بالله المنتقم من أعداء الله لدين الله.» وضرب ذلك على الدنانير والدراهم.

стр. 8664

ذكر وزارة أبى جعفر محمد بن القاسم وعزله وولاية الخصيبى قال «١» : ولما قبض القاهر بالله على من ذكرناه وهرب ابن مقلة سأل:/ من يصلح للوزارة؟ فدلّ على أبى جعفر ابن القاسم بن عبيد الله، فاستوزره فى شعبان فبقى وزيرا إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر ذى القعدة من السنة، فقبض القاهر بالله عليه وعلى أولاده وأخيه عبيد الله وحرمه، وكان مريضا بقولنج، فبقى محبوسا ثمانية عشر يوما ومات، فحمل إلى منزله وأطلق أولاده. واستوزر أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن سليمان الخصيبى فكانت وزارة أبى جعفر ثلاثة أشهر واثنى عشر يوما [والله تعالى أعلم] «٢» . ذكر القبض على طريف السبكرى كان طريف كما ذكرناه قد أعان القاهر بالله على القبض على من ذكرنا، وثبّت قواعد دولته. فلما قوى القاهر بالله لم يقف عند أيمانه لطريف وبقى يسمعه ما يكره، ويستخّف به، ويعرض له بالأذى. فلما رأى ذلك خافه وتيقن السوء، فلما قبض القاهر على الوزير أبى جعفر أحضر طريفا وقبض عليه، فبقى محبوسا يتوقع القتل صباحا ومساء إلى أن خلع القاهر بالله.

стр. 8665

وفى هذه السنة أمر القاهر بتحريم الخمرة والغناء «١» وسائر الأنبذة، ونفى بعض من كان يعرف بذلك إلى البصرة والكوفة وأمر ببيع الجوارى والمغنيات على أنّهنّ سواذج لا يعرفن/ الغناء، ثم وضع من يشترى له كلّ حاذقة فى صنعة الغناء، فاشترى له منهن ما أراد بأبخس الأثمان. وكان القاهر مشتمهرا بالغناء والسّماع، فجعل ذلك طريقا إلى تحصيل غرضه، وهذه نهاية فى الخسّة والشّحّ، نعوذ بالله من ذلك! وفيها كان ابتداء الدولة الدّيلمية البويهية، وسيأتى ذكرها إن شاء الله تعالى «٢» . وفيها أمر علىّ بن يلبق- قبل القبض عليه- بلعن معاوية بن أبى سفيان وابنه يزيد على المنابر «٣» . ودخت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة: ذكر خلع القاهر وسمله وشىء من أخباره كان خلع القاهر وسمله فى يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة، وسبب ذلك أنّ أبا علىّ بن مقلة والحسن بن

стр. 8666

هارون كانا قد استترا من القاهر، وجدّ فى طلبهما فلم يظفر بهما فكانا يراسلان قوّاد السّاجية والحجرية ويخوّفانهم من شرّه ويذكران غدره، وأنه لا يتمسّك بأيمانه، وأنه قبض على طريف بعد نصحه له، إلى غير ذلك. وكان ابن مقلة يجتمع بالقوّاد ليلا- تارة فى زىّ أعمى وتارة فى زىّ مكد وتارة فى زىّ امرأة- ويغربهم بالقاهر. ثم إنه أعطى منجما كان لسيما رئيس الساجية ومقدّمهم مائتى دينار،/ وأعطاه الحسن مائة دينار فكان يذكر لسيما أن طالعه يقتضى أنّ القاهر ينكبه ويقتله. وأعطى ابن مقلة. أيضا شيئا لمعبّر «١» كان لسيما، فكان يحذّره من القاهر [بالله] «٢» فازداد نفورا ونقل إلى سيما أنّ القاهر يريد القبض عليه، فجمع الساجية وأعطاهم السّلاح، وأنفذ إلى الحجرية فاجتمعوا وتحالفوا على اجتماع الكلمة وقتل من خالف منهم. فاتصل ذلك بالقاهر وبوزيره الخصيبى فأرسل إليهم «ما الذى حملكم على هذا؟» فقالوا: قد صحّ عندنا أنّ القاهر يريد القبض على سيما وقد عمل مطامير ليحبس قوادنا فيها!. فلما كان فى يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الأولى اجتمع الساجية والحجرية عند سيما وتحالفوا على القبض على القاهر، فقال سيما: قوموا بنا الساعة حتى نمضى العزم، فإنه إن تأخر علم به واحترز وأهلكنا! وبلغ ذلك الوزير فأرسل سلّاما الحاجب

стр. 8667

وعيسى الحاجب وعيسى الطبيب ليعلماه بذلك، فوجداه نائما قد شرب أكثر ليلته، فلم يقدر على إعلامه بذلك،. وزحف الحجرية والساجية إلى دار الخلافة، ووكل سيما بأبوابها من يحفظها، وبقى هو على باب العامّة وهاجموا الدّار من سائر الأبواب. فلما سمع القاهر الأصوات والجلبة استيقظ وهو مخمور، وطلب بابا يهرب منه، فقيل له إن الأبواب جميعها مشحونة بالرجال/ فهرب إلى سطح حمام ودخل القوم فلم يجدوه، فدلّهم خادم صغير على موضعه فقصدوه. فإذا بيده سيف فألانوا له واجتهدوا به، فلم ينزل وقال: من صعد إلىّ قتلته! فأخذ بعضهم سهما وقال:: إن نزلت وإلا وضعته فى نحرك! فنزل حينئذ إليهم وساروا إلى الموضع الذى فيه طريف السبكرى فأخرجوه وحبسوا القاهر مكانه «١» واستدعوا فى تلك الليلة أحمد بن أبى الحسين الصابىّ فكحل «٢» القاهر بعد أن أقيم بين يدى الراضى بالله، وسلّم عليه بالإمارة. وقيل فى سبب خلعه إنه لما تمكّن من الخلافة تنّقص الساجية والحجرية على مرّ الأيام حتى كان لا يقضى لأكابرهم حاجة، ويلزمهم النّوبة فى داره، ويؤخر أعطياتهم ويغلظ لمن يخاطبه منهم فى أمر، فأقبل بعضهم ينذر بعضا ويتشاكون. ثم كان يقول

стр. 8668

لسلامة حاجبه: أنت بين يدىّ كنز مال يمشى فأى شىء يتبيّن فى مالك لو أعطيتنى ألف ألف دينار! فيحمل ذلك على الهزل، وكان وزيره الخصيبى خائفا لما يرى منه ثم إنّه حفر فى الدار نحو خمسين مطمورة وأحكم أبوابها، فقيل إنها لمقدّمى الساجية والحجرية، فازدادوا نفورا، ثم إنّ جماعة من القرامطة أخذوا من فارس وأرسلوا إلى بغداد فحبسوا فى تلك المطامير، فتقدم القاهر سرّا بفتح الأبواب/ عليهم والإحسان إليهم، وعزم على أن يتقوّى بهم بالقبض على مقدّمى الساجية والحجرية. فأنكروا حال القرامطة وكونهم معه فى داره وهو يحسن إليهم، وذكروا ذلك لوزيره وحاجبه فقالا له، فأخرجهم من دار الخلافة وسلّمهم إلى محمد بن ياقوت وهو على شرطة بغداد فأنزلهم فى دار وأحسن إليهم. ثم صار القاهر يذمّ الساجية والحجرية فى مجلسه ويظهر كراهتهم، فلما تبينوا ذلك من وجهه وحركاته أظهروا أنّ لبعض قوادهم عرسا، فاجتمعوا بحجبته «١» وقرروا بينهم ما أرادوا وافترقوا. وأرسلوا إلى سابور خادم والدة المقتدر «٢» وكان قد اختصّ به فقالوا له: قد علمت ما فعل القاهر بمولاتك وقد ركبت فى موافقته كلّ عظيم فإن وافقتنا على ما نحن عليه وتقدمت إلى الخدم بحفظه فعفا الله عما سلف منك وإلا فنحن نبدأ بك!

стр. 8669

فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر، وأنه موافقهم، هذا وابن مقلة يسعى كما ذكرنا قال «١» : ولما قبض على القاهر هرب وزيره الخصيبى وحاجبه سلامة، فكانت خلافة القاهر بالله سنة واحدة وستة أشهر وثمانية أيام وهو أول خليفة سمل، ولم يزل فى دار السلطان إلى أن أخرج المستكفى بالله فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وردّه إلى داره فأقام/ مدة ثم خرج إلى جامع المنصور فى يوم الجمعة، وقام فعرّف النّاس نفسه وتصدّق منهم وقال: أنا خليفتكم بالأمس وسائلكم اليوم! فأعطاه ابن أبى موسى ألف درهم» وردّه إلى داره وتوفى فى خلافة المطيع فى يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين، ودفن فى دار طاهر وله اثنتان وخمسون سنة. وكان أبيض يعلوه حمرة مربوعا أعين وافر اللحية ألثغ شديد الإقدام على سفك الدّماء، أهوج محبّا لجمع المال قبيح السياسة. وقد تقدم من أفعاله وضربه لوالدة أخيه المقتدر ومصادرتها ومصادرة أولاد أخيه وأمهات أولاده ما يستدل به على قبح أفعاله وسوء طويّته وعدم تمسكه بما يبذله من الأيمان المغلّظة والعهود المؤكّده ثم لا يقف عند ذلك. وكان نقش خاتمه «محمد رسول الله» وكان له من الأولاد أبو الفضل عبد الصمد وأبو القاسم عبد العزيز وهو ولى عهده.

стр. 8670

وزراؤه: أبو على بن مقلة، ثم محمد بن القاسم، ثم أحمد بن عبد الله الخصيبى. حجّابه: على بن يلبق، ثم سلامة الطولونى. قاضيه: عمر بن محمد بن يوسف. الأمراء بمصر: تكين ثم محمد بن صغج الفرغانى «١» المعروف بالإخشيد، ثم أحمد بن كيغلع، وتغلّب محمد بن تكين فى أيامه ثم عاد الأمر إلى ابن كيعلغ. القضاة بها: ولّى القاهر محمد بن الحسين بن أبى الشوارب فاستخلف أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن قتيبة فشغب الرعية عليه ولم يزل إلى أن صرف ابن أبى الشوارب، ورد القضاء إلى أبى عثمان أحمد ابن إبراهيم بن حماد وإلى عبد الله بن موسى السرخسى. ذكر خلافة الراضى بالله هو أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وأمه أم ولد اسمها ظلوم، وهو الخليفة العشرون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع عمّه القاهر فى يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وذلك أنه لما قبض القاهر كما ذكرناه سألوا الخدم عن المكان الذى هو فيه وكان محبوسا هو ووالدته، فدلّوهم عليه فقصدوه وفتحوا عليه وسلموا عليه بالخلافة وأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر بالله ولقبوه الراضى

стр. 8671

بالله، وبايعه القوّاد والناس، وأقيم القاهر بين يديه وسلّم عليه بالإمارة.. قال «١» : ولما ولى أمر بإحضار علىّ بن عيسى وزير المقتدر بالله وأخيه عبد الرحمن وصدر/ «٢» عن رأيهما فيما يفعله. وأراه علىّ بن عيسى على الوزارة فامتنع، لكبره وضعفه، وأشار بابن مقلة ثم قال سيما للراضى بالله: إن الوقت لا يحتمل أخلاق علىّ وابن مقلة أليق، فكتب له أمانا فحضر واستوزره. فلما وزر أحسن إلى كلّ من أساء إليه وقال عاهدت الله عند استتارى بذلك! وأرسل إلى الخصيبى وعيسى الطبيب بالأمان فظهرا، فأحسن ابن مقلة إليهما، فاستعمل الخصيبى واستعمل [أبا] «٣» الفضل بن جعفر بن الفرات نائبا عنه على سائر الأعمال بالموصل والجزيرة وديار بكر وطريق الفرات والثغور الجزيرية والشامية، وأجناد الشام ومصر. واستعمل الراضى بالله على الشرطة بدرا الخرشنى واستعمل محمد بن ياقوت على الحجبة ورئاسة الجيش، وأدخل يده فى أمر الدواوين، وتقدم إليهم بأن لا يقبلوا توقيعا بولاية وعزل وإطلاق إلا إذا خطّه عليه، وأمرهم بحضور مجلسه فصبر ابن مقلة على ذلك وألزم نفسه بالمصير إلى دار إبن ياقوت فى بعض الأوقات كالمتعطل.

стр. 8672

ذكر مقتل هارون بن غريب فى هذه السنة قتل هارون بن غريب الخال، وسبب ذلك أن القاهر بالله كان استعمله على ماه الكوفة وماسبذان وغير ذلك كما ذكرناه. فلما استخلف الراضى بالله رأى هارون أنه أحق بالدولة من غيره لقرابته من الراضى بالله. وكاتب القوّاد ببغداد يعدهم الإحسان والزيادة فى الأرزاق، ثم سار من الدينور إلى خانقين «١» ، فعظم ذلك على ابن مقلة وابن ياقوت والحجرية والساجية، وشكوا ذلك إلى الراضى بالله فأعلمهم أنه كاره له وأذن لهم فى منعه. فراسلوا له وبذلوا طريق خراسان زيادة على ما بيده، فلم يقنع وتقدّم إلى النّهروان وشرع فى جباية الأموال، وظلم النّاس وسفهم؟؟؟ وقويت شوكته. فخرج إليه محمد بن ياقوت فى سائر جيوش بغداد ونزل قريبا منه، فهرب بعض أصحاب محمد ابن ياقوت إلى هارون. فراسله ابن ياقوت يستميله، ويبذل له فقال: لا بدّ من دخول بغداد! فلما كان فى يوم الثلاثاء لستّ بقين من جمادى الآخرة تزاحف العسكران واشتد القتال فاستظهر أصحاب هارون لكثرتهم، وانهزم أكثر من مع ابن ياقوت ونهب أكثر سوادهم وكثر فيهم القتل والجراح، فسار محمد حتى قطع قنطرة نهر هناك. فبلغ ذلك هارون، فسار نحو القنطرة منفردا عن أصحابه طمعا فى أسر محمد بن ياقوت وقتله،

стр. 8673

فتقنطر به فرسه فسقط عنه فى ساقية فلحقه غلام له اسمه يمن فضربه بالطبرزين حتى أثخنه/ وكسر عظامه ثم نزل إليه فذبحه، ثم رفع رأسه وكبّر فانهزم أصحابه وتفرقوا ودخل بعضهم بغداد سرّا. ونهب سواد هارون، وقتل جماعة قواده، وأسر جماعة، وسار محمد إلى موضع جثة هارون فأمر بحملها إلى مضربه وأمر بغسله وتكفينه وصلّى عليه ودفنه، ودخل بغداد ورأس هارون بين يديه ورؤوس جماعة من قواد هارون فنصبت ببغداد! ذكر مقتل ابن الشلمغانى ومذهبه فى هذه السنة قتل أبو جعفر محمد بن على الشّلمغانى المعروف بابن أبى العراقيد «١» ، وشلمغان التى ينسب إليها قرية بنواحى واسط، وكان سبب ذلك أنه قد أحدث مذهبا غاليا فى التشيّع والتناسخ وحلول الإلهية فيه، إلى غير ذلك، وكان ظهوره فى مبدأ وزارة حامد بن العباس أحد وزراء المقتدر بالله، ثم اتصل الشّلمععانى بالمحسن بن الفرات فى وزارة أبيه الثالثة، ثم طلب في وزارة الخاقانى فاستتر وهرب إلى الموصل. وبقى سنين عند ناصر الدولة بن حمدان، ثم انحدر إلى بغداد واستتر، ثم ظهر عنه أنه يدّعى الربوبية لنفسه. وقيل إنه اتّبعه على ذلك الحسين ابن القاسم بن عبيد الله «٢» بن سليمان بن وهب/ الذى

стр. 8674

وزر للمقتدر بالله، وأبو جعفر، وأبو على ابنا بسطام، وإبراهيم ابن محمد بن أبى عون، وابن شبيب ويزيد وأحمد بن محمد بن عبدوس.. كانوا يعتقدون ذلك فيه وظهر ذلك عنهم، وطلبوا فى وزارة بن مقلة للمقتدر فلم يوجدوا. فلما كان فى شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر ابن الشّلمغانىّ فقبض عليه الوزير ابن مقلة وسجنه وكبس داره فوجد فيها رقاعا وكتبا ممّن يدعى فيه الربوبية يخاطبونه بما لا تخاطب به البشر بعضهم بعضا. وفيها خط الحسين بن القاسم، فعرضت الخطوط عليه فأقرّ أنها خطوطهم وأنكر مذهبه، وأظهر الإسلام وتبّرأ مما يقال فيه. فأخذ ابن أبى عون وابن عبدوس فأحضرا معه عند الخليفة وأمرا بصفعه فامتنعا، فلما أكرها صفعه ابن عبدوس، ومدّ ابن أبى عون يده إلى لحيته ورأسه فارتعدت يده فقبّل لحيته ورأسه وقال: إلهى وسيدى ورازقى! فقال له الراضى: قد زعمت أنك لا تدّعى الإلهيه فما هذا؟ فقال: وما علىّ من قول ابن أبى عون، والله يعلم أننى ما قلت له إنى إله قط! فقال ابن عبدوس: إنه لم يدّع الإلهية وإنما ادّعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر مكان الحسين بن روح! ثم أحضروا عدة مرات ومعهم القضاة والفقهاء وغيرهم، وفى آخر الأمر أفتى الفقهاء بإباحة دمه/ فصلب هو وابن أبى عون، وأحرقا بالنّار فى ذى القعدة. وكان الحسين بن القاسم بالرّقّة فأرسل الراضى بالله إليه فقتل فى ذى القعدة، وحمل رأسه إلى بغداد.

стр. 8675

وكان مذهب الشلمغانى أنه إله الآلهة بحقّ الحق، وأنه الأول القديم، الظاهر الباطن، الرازق التام، المومأ إليه بكلّ معنى. وكان يقول: إن الله يحلّ فى كل شىء على قدر ما يحتمل، وإنه خلق الضّدّ ليدلّ على المضدود، فمن ذلك أنه حل فى آدم ﵇ لما خلقه، وفى إبليس لما خلقه وكلاهما ضدّ لصاحبه لمضادته إياه فى معناه، وأنّ الدليل على الحقّ أفضل من الحقّ، وأن الضد أقرب إلى الشى من شبيهه، وأن الله إذا حلّ فى جسد ناسوتى أظهر من المقدرة المعجزة ما يدل على أنه هو، وأنه لما غاب آدم ظهر اللاهوت فى خمسة ناسوتية كلما غاب منهم واحد ظهر مكانه آخر فى خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتية فى إدريس وإبليسه وتفرّقت بعدهما كما تفرقت بعد آدم، واجتمعت فى نوح ﵇ وإبليسه وتفرّقت بعدهما، واجتمعت فى صالح وإبليسه عاقر الناقة وتفرقت بعدهما، واجتمعت فى إبراهيم ﵇ وإبليسه نمرود وتفرقت لمّا غابا واجتمعت فى موسى وإبليسه/ فرعون وتفرقت بعدهما، واجتمعت فى سليمان وإبليسه وتفرقت بعدهما، واجتمعت فى عيسى وإبليسه فلما غابا تفرقت فى تلاميذ عيسى وأبالستهم، ثم اجتمعت فى على بن أبى طالب وإبليسه. وإنّ الله يظهر فى كل شىء وكلّ معنى، وإنه فى كل أحد بالخاطر الذى يخطر فى قلبه فيتصوّر له ما يغيب عنه حتّى كأنه يشاهده. وإن الله اسم لمعنى، وإن من احتاج الناس إليه فهو إله،

стр. 8676

ولهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلها، وأن كل أحد من أشياعه لعنه الله يقول: إنه ربّ لمن هو فى دون درجته. وأن الرجل منهم يقول «أنا رب لفلان وفلان رب ربى» حتى يقع الانتهاء إلى ابن الشلمعانى فيقول: أنا رب الأرباب لا ربوبية بعده! ولا ينسبون الحسن والحسين رضى الله تعالى عنهما إلى علىّ، لأن من اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولد ولا والد. وكانوا يسمون موسى ومحمدا صلوات الله عليهما الخائنين، لأنهم يدّعون أن هارون أرسل موسى وعليا أرسل محمدا فخاناهما. ويزعمون أن عليا أمهل محمدا عدة سنين أصحاب الكهف فإذا انقضت العدة وهى ثلاثمائة وخمسون سنة انتقلت الشريعة. ويقولون: إن الملائكة كل من ملك نفسه وعرف الحق، وإن الجنة معرفتهم وانتحال مذهبهم والنار الجهل بهم والعدول عن مذهبهم/ ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقد ويبيحون الفروج، ويقولون: إن محمدا ﷺ بعث إلى كبراء قريش وجهابذة العرب ونفوسهم أبية فأمرهم بالسجود، وإن من الحكمة الآن أن يمتحن النّاس بإباحة فروج نسائهم، وإنه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوى رحمه وحرم صديقه وابنه بعد أن يكون على مذهبه، وإنه لا بدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النورّ فيه، ومن امتنع من ذلك قلب فى الدور الذى يأتى بعد هذا العالم إمرأة؛ إذ كان مذهبهم التناسخ.

стр. 8677

وكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبير! وهذه المقالة شبيهة بالمقالة النصيرية، فإنهم يعتقدون فى ابن الفرات، ويجعلونه رأسا فى مذهبهم. ذكر ظهور انسان ادعى النبوة وفى هذه السنة ظهر بباسند «١» من أعمال الصغانيان رجل ادّعى النبوة فقصده فوج بعد فوج واتّبعه خلق كثير وحارب من خالفه، فقتل خلقا كثيرا ممن كذبه، وكثر أتباعه خصوصا من أهل الشاش. وكان صاحب حيل ومخاريق، وكان يدخل يده فى حوض ماء فيخرجها مملوءة دنانير إلى غير ذلك من المخاريق، فكثر جمعه. فأنفذ إليه، أبو على بن المظفر، جيشا فحاربوه وضيّقوا عليه- وهو فوق جبل عال- حتى قبضوا عليه، وقتلوه وحملوا رأسه إلى أبى على، وقتلوا خلقا كثيرا ممن اتبعه وآمن به. وكان يدّعى أنه متى مات عاد إلى الدنيا، فبقى جماعة كبيرة بتلك الناحية مدة طويلة على ما دعاهم إليه ثم اضمحلوا وفنوا. وفيها سار الدمستق قرقاش فى خمسين ألفا من الروم فنازل ملطية وحصرها مدة طويلة حتى هلك أهلها بالجوع، وضرب خيمتين

стр. 8678

على إحداهما صليب وقال: من أراد النصرانية انحاز إلى خيمة الصليب ليردّ عليه أهله وماله، ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى وله الأمان على نفسه ونبلغه مأمنه، فانحاز أكثر المسلمين إلى خيمة الصّليب طمعا فى أهلهم ومالهم. وسيّر مع الباقين بطريقا يبلغهم مأمنهم، وفتحها بالأمان فى مستهل جمادى الآخرة، وملكوا شمشاط «١» وخرّبوا الأعمال، وأكثروا القتل، وفعلوا الأفاعيل الشنيعة، وصار أكثر البلاد فى أيديهم. ودخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة: ذكر القبض على ابنى ياقوت / فى هذه السنة فى جمادى الأولى قبض الراضى بالله على محمد والمظفر ابنى ياقوت، وكان سبب ذلك أن الوزير أبا على بن مقلة كان قد قلق لتحكّم محمد بن ياقوت فى الدولة بأسرها، وأنه هو ليس له حكم فى شىء، فسعى به إلى الرّاضى وأدام السّعاية. فلما كان فى خامس الشهر ركب جميع القواد إلى دار الخليفة على عادتهم، وحضر الوزير وأظهر الرّاضى أنه يريد يقلد جماعة من القواد أعمالا، وحضر محمد بن ياقوت للحجبة ومعه كاتبه أبو إسحاق القراريطى. فخرج الخدم فاستدعوا محمد بن ياقوت إلى الخليفة فدخل مبادرا، فعدلوا به إلى حجرة هناك فحبسوه، ثم استدعوا القراريطى فدخل فعدلوا به إلى حجرة، ثم استدعوا

стр. 8679

المظفر من بيته وكان مخمورا فحبسوه أيضا،. وأنفذ الوزير ابن مقلة إلى دار محمد من يحفظها من النّهب، وكان ياقوت حينئذ مقيما بواسط، فلما بلغه القبض على ابنيه انحدر يطلب فارس ليحارب ابن بويه، وكتب إلى الراضى بالله يستعطفه ويسأل إيفاد ولديه ليساعداه على حربه. ذكر حال أبى عبد الله محمد البريدى وتقدمه فى هذه السنة قوى أمر أبى عبد الله البريدى وعظم شأنه،/ وسبب ذلك أنه كان ضامنا لأعمال الأهواز، ثم استولى عليها عسكر مرداويج الدّيلمى «١» ، وهزم ياقوت، فجاء إلى البصرة وصار يتصرف فى أسافل أعمال الأهواز مضافا إلى كتابة ياقوت. وادّعى أخواه- وكان إليهما ضمان السوس وجند يسابور أنّ دخل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج وأنّ دخل البلاد لسنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شىء، لأنّ نوّاب مرداويج ظلموا الناس فلم يبق لهم ما يزرعونه. وكان الأمر بضدّ ذلك فى السنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مقلة فأنفذ نائبا له ليحقّق الحال فواطأ ابنى البريدى وكتب بصدقهما فحصّل لهما بذلك مالا عظيما وقويت نفوسهما وكان مبلغ ما أخذاه أربعة آلاف ألف دينار. وفيها قتل ناصر الدولة بن حمدان عمّه أبا العلاء بن حمدان،

стр. 8680

وسبب ذلك أن أبا العلاء سعيدا ضمن الموصل وديار ربيعة سرا، وكان بها ناصر الدولة أميرا. فلما وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه للقائه فخالفه فى الطريق قصدا منه، فوصل أبو العلاء ودخل دار ابن أخيه وقعد ينتظره، فأنفذ ناصر الدولة جماعة من غلمانه فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة غيرهم فقتلوه. ذكر مسير ابن مقلة الى الموصل وما كان بينه وبين ناصر الدولة / قال «١» : لما قتل ناصر الدّولة عمّه أبا العلاء واتّصل خبره بالراضى بالله عظم ذلك عليه وأنكره، وأمر الوزير ابن مقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها فى شعبان بالعساكر. فلما قاربها رحل عنها ناصر الدولة ودخل الزوزان «٢» ، وتبعه الوزير إلى جبل التّنين «٣» ثم عاد عنه، وأقام بالموصل يجبى أموالها. فلما طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير- وكان ينوب عنه فى الوزارة ببغداد- فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه يستدعيه فكتب إليه يقول: إن الأمور بالحضرة قد اختلّت وإنّ تأخّره لم يؤمن معه حدوث ما يبطل أمرهم. فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل علىّ بن خلف بن

стр. 8681

طباب «١» وما كرد الدّيلمى- وهو من الساجية- وانحدر إلى بغداد فى منتصف شوال. فلما فارق الموصل عاد إليها [ناصر الدولة] «٢» بن حمدان فاقتتل هو وما كرد الديلمى، فانهزم ابن حمدان. ثم عاد وجمع عسكرا آخر، والتقوا على نصيبين فى ذى الحجة فانهزم ما كرد إلى الرّقّة ثم إلى بغداد، وانحدر ابن طباب أيضا، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد وكتب إلى الخليفة يسأله الصّلح وأن يضمن البلاد فأجيب إلى ذلك. وفيها فى المحرم قلّد الراضى بالله ولديه أبا جعفر وأبا الفضل ناحيتى المشرق والمغرب مما/ بيده، وكتب بذلك إلى البلاد. وفيها فى ليلة الثانى عشر من ذى القعدة انقضّت الكواكب انقضاضا دائما مستمرا من أوّل الليل إلى آخره، وهى الليلة التى أوقع القرمطى فيها بالحجاج. وفيها مات محمد بن ياقوت فى الحبس، وانهم ابن مقلة أنه سمه وأطلق أخوه المظفر من الحبس بشفاعة ابن مقلة، وحلف للوزير أنه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له ولا لولده بمكروه فلم يف له. وفيها أرسل الوزير ابن مقلة رسولا إلى محمد بن رائق بواسط وكان قطع الحمل عن الخليفة فطالبه بارتفاع أموال واسط والبصرة

стр. 8682

وما بينهما فأحسن إلى رسوله وردّه برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة يغالطه، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضى بالله مضمونها أنه إن استدعى إلى الحضور وفوّضت إليه الأمور وتدبير الدولة، فام بجميع ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند. ولما سمع الخليفة، لم يعد إليه جوابها. ودخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة: ذكر القبض على الوزير ابن مقلة ووزارة عبد الرحمن بن عيسى وغيره فى هذه السنة عزم الوزير على المسير إلى ابن رائق لما عاد رسوله/ بغير مال، وحضر إلى دار الراضى فى منتصف جمادى الأولى. فلما حضر الدّار قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية وأعلموا الراضى بذلك، فوافق رأيه فيه، واستحسن فعلهم «١» . واختفى أبو الحسين بن أبى على بن مقلة الوزير، وسائر أولاده، وحرمه وأصحابه. وطلب الحجرية والساجية من الخليفة أن يشير بوزير فردّ الاختيار إليهم، فأشاروا بوزارة على بن عيسى، فأحضره الراضى بالله، فامتنع وأشار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره. وسلّم إليه ابن مقلة فصادره، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه المال فاستعفى من الوزارة وقبض عليه وعلى أخيه علىّ فى سابع شهر رجب، واستوزر أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخى،

стр. 8683

وخلع عليه وسلّم إليه على بن عيسى فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين «١» ألف دينار. وفيها قتل ياقوت، وعظم البريدى وإخوته، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر عزل أبى جعفر ووزارة سليمان بن الحسن «٢» قال «٣» : ولما تولى أبو جعفر الكرخى الوزارة رأى قلة الأموال وانقطاع/ المواد فعجز عن تدبير الحال، وضاق الأمر عليه، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريدى حمل الأهواز وأعمالها. وكان ابن بويه قد تغلب على فارس، فتحير أبو جعفر وكثرت المطالبات عليه ونقصت هيبته، فاستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فاستوزر الراضى أبا القاسم سليمان بن الحسن فكان فى الوزارة كأبى جعفر فى وقوف الحال وقلة المال «٤» ! ذكر استيلاء ابن رائق على العراق وتغلب الملوك على الأعمال وخروجهم عن الطاعة وتغير أحوال الوزارة وإبطال الدواوين قال «٥» : لما رأى الراضى بالله وقوف الحال بالحضرة ألجأته

стр. 8684

الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمد بن رائق وهو بواسط يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد. فلما أتاه الرسول فرح بذلك وشرع يتجهز للمسير إلى بغداد، فأنفذ إليه الراضى بالله الساجية وقلّده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولّاه الخراج والمعاون فى جميع البلاد والدواوين. وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخلع وانحدر إليه أصحاب الدواوين/ والكتّاب والحجّاب وتأخر الحجرية. فلما استقر الذين نزلوا إلى واسط بها قبض على الساجية فى ذى الحجة ونهب أموالهم ودوابّهم، وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفّر أرزاقهم على الحجرية، فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغد لنا وخيّموا بدار الخلافة. وصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم، فخلع الخليفة عليه فى أواخر ذى الحجة، وأتاه الحجرية يسلّمون عليه فأمرهم بقلع خيامهم فقلعوها وعادوا إلى منازلهم. وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، فلم يكن الوزير ينظر فى شىء من الأمور، إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران فى الأمور جميعها «١» ، وكذلك كل من تولّى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون، وبطلت بيوت الأموال. وتغلب أصحاب الأطراف وخلعوا الطاعة، ولم يبق بيد الخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فى جميعها لابن رائق ليس

стр. 8685

للخليفة حكم. وأما باقى الأطراف فكانت البصرة بيد ابن رائق، وخوزستان والأهواز فى يد البريدى، وفارس فى يد عماد الدّولة ابن بويه، وكرمان فى يد أبى محمد على بن إلياس، والرى وأصفهان والجبل فى يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير أخى مرداويج يتنازعان عليها،/ والموصل وديار بكر ربيعة ومضر فى يد بنى حمدان، ومصر والشام فى يد إلاخشيد أبى بكر محمد بن طغج والمغرب وأفريقية فى يد أبى القاسم القائم بأمر الله بن المهدى، والأندلس فى يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموى، وخراسان وما وراء النهر فى يد نصر بن أحمد السامانى، وطبرستان وجرجان فى يد الدّيلم، والبحرين واليمامة فى يد أبى طاهر القرمطى «١» . ذكر وزارة الفضل بن جعفر [ابن الفرات] «٢» قال «٣» : ولما ولى ابن رائق كتب كتابا عن الراضى بالله إلى أبى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات يستقدمه للوزارة. وكان يتولى الخراج بمصر والشام، فظن ابن رائق أنه إن استوزر جبى له أموال الشام ومصر، فنفذت إليه الخلع قبل وصوله فلقيته بهيت، فلبسها ودخل بغداد وتولى وزارة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعا. ودخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة:
следующие страницы →