Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.
стр. 8681
طباب «١» وما كرد الدّيلمى- وهو من الساجية- وانحدر إلى بغداد فى منتصف شوال. فلما فارق الموصل عاد إليها [ناصر الدولة] «٢» بن حمدان فاقتتل هو وما كرد الديلمى، فانهزم ابن حمدان. ثم عاد وجمع عسكرا آخر، والتقوا على نصيبين فى ذى الحجة فانهزم ما كرد إلى الرّقّة ثم إلى بغداد، وانحدر ابن طباب أيضا، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد وكتب إلى الخليفة يسأله الصّلح وأن يضمن البلاد فأجيب إلى ذلك. وفيها فى المحرم قلّد الراضى بالله ولديه أبا جعفر وأبا الفضل ناحيتى المشرق والمغرب مما/ بيده، وكتب بذلك إلى البلاد.
وفيها فى ليلة الثانى عشر من ذى القعدة انقضّت الكواكب انقضاضا دائما مستمرا من أوّل الليل إلى آخره، وهى الليلة التى أوقع القرمطى فيها بالحجاج.
وفيها مات محمد بن ياقوت فى الحبس، وانهم ابن مقلة أنه سمه وأطلق أخوه المظفر من الحبس بشفاعة ابن مقلة، وحلف للوزير أنه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له ولا لولده بمكروه فلم يف له.
وفيها أرسل الوزير ابن مقلة رسولا إلى محمد بن رائق بواسط وكان قطع الحمل عن الخليفة فطالبه بارتفاع أموال واسط والبصرة
стр. 8682
وما بينهما فأحسن إلى رسوله وردّه برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة يغالطه، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضى بالله مضمونها أنه إن استدعى إلى الحضور وفوّضت إليه الأمور وتدبير الدولة، فام بجميع ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند. ولما سمع الخليفة، لم يعد إليه جوابها.
ودخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة:
ذكر القبض على الوزير ابن مقلة ووزارة عبد الرحمن بن عيسى وغيره
فى هذه السنة عزم الوزير على المسير إلى ابن رائق لما عاد رسوله/ بغير مال، وحضر إلى دار الراضى فى منتصف جمادى الأولى. فلما حضر الدّار قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية وأعلموا الراضى بذلك، فوافق رأيه فيه، واستحسن فعلهم «١» . واختفى أبو الحسين بن أبى على بن مقلة الوزير، وسائر أولاده، وحرمه وأصحابه. وطلب الحجرية والساجية من الخليفة أن يشير بوزير فردّ الاختيار إليهم، فأشاروا بوزارة على بن عيسى، فأحضره الراضى بالله، فامتنع وأشار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره. وسلّم إليه ابن مقلة فصادره، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه المال فاستعفى من الوزارة وقبض عليه وعلى أخيه علىّ فى سابع شهر رجب، واستوزر أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخى،
стр. 8683
وخلع عليه وسلّم إليه على بن عيسى فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين «١» ألف دينار.
وفيها قتل ياقوت، وعظم البريدى وإخوته، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عزل أبى جعفر ووزارة سليمان بن الحسن «٢»
قال «٣» : ولما تولى أبو جعفر الكرخى الوزارة رأى قلة الأموال وانقطاع/ المواد فعجز عن تدبير الحال، وضاق الأمر عليه، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريدى حمل الأهواز وأعمالها. وكان ابن بويه قد تغلب على فارس، فتحير أبو جعفر وكثرت المطالبات عليه ونقصت هيبته، فاستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فاستوزر الراضى أبا القاسم سليمان بن الحسن فكان فى الوزارة كأبى جعفر فى وقوف الحال وقلة المال «٤» ! ذكر استيلاء ابن رائق على العراق وتغلب الملوك على الأعمال وخروجهم عن الطاعة وتغير أحوال الوزارة وإبطال الدواوين قال «٥» : لما رأى الراضى بالله وقوف الحال بالحضرة ألجأته
стр. 8684
الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمد بن رائق وهو بواسط يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد. فلما أتاه الرسول فرح بذلك وشرع يتجهز للمسير إلى بغداد، فأنفذ إليه الراضى بالله الساجية وقلّده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولّاه الخراج والمعاون فى جميع البلاد والدواوين.
وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخلع وانحدر إليه أصحاب الدواوين/ والكتّاب والحجّاب وتأخر الحجرية. فلما استقر الذين نزلوا إلى واسط بها قبض على الساجية فى ذى الحجة ونهب أموالهم ودوابّهم، وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفّر أرزاقهم على الحجرية، فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغد لنا وخيّموا بدار الخلافة. وصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم، فخلع الخليفة عليه فى أواخر ذى الحجة، وأتاه الحجرية يسلّمون عليه فأمرهم بقلع خيامهم فقلعوها وعادوا إلى منازلهم.
وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، فلم يكن الوزير ينظر فى شىء من الأمور، إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران فى الأمور جميعها «١» ، وكذلك كل من تولّى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون، وبطلت بيوت الأموال. وتغلب أصحاب الأطراف وخلعوا الطاعة، ولم يبق بيد الخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فى جميعها لابن رائق ليس
стр. 8685
للخليفة حكم. وأما باقى الأطراف فكانت البصرة بيد ابن رائق، وخوزستان والأهواز فى يد البريدى، وفارس فى يد عماد الدّولة ابن بويه، وكرمان فى يد أبى محمد على بن إلياس، والرى وأصفهان والجبل فى يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير أخى مرداويج يتنازعان عليها،/ والموصل وديار بكر ربيعة ومضر فى يد بنى حمدان، ومصر والشام فى يد إلاخشيد أبى بكر محمد بن طغج والمغرب وأفريقية فى يد أبى القاسم القائم بأمر الله بن المهدى، والأندلس فى يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموى، وخراسان وما وراء النهر فى يد نصر بن أحمد السامانى، وطبرستان وجرجان فى يد الدّيلم، والبحرين واليمامة فى يد أبى طاهر القرمطى «١» .
ذكر وزارة الفضل بن جعفر [ابن الفرات]
«٢» قال «٣» : ولما ولى ابن رائق كتب كتابا عن الراضى بالله إلى أبى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات يستقدمه للوزارة. وكان يتولى الخراج بمصر والشام، فظن ابن رائق أنه إن استوزر جبى له أموال الشام ومصر، فنفذت إليه الخلع قبل وصوله فلقيته بهيت، فلبسها ودخل بغداد وتولى وزارة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعا.
ودخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة:
стр. 8686
ذكر مسير الراضى بالله لحرب البريدى
فى هذه السنة أشار ابن رائق على الراضى بالله بالانحدار/ معه إلى واسط ليقرب من الأهواز ويراسل أبا عبد الله البريدى، فإن أجاب إلى ما يطلب منه وإلا قرّب قصده عليه، فأجاب الراضى بالله إلى ذلك. وانحدر أول المحرم فخالف الحجرية وقالوا:
هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجية! فلم يلتفت ابن رائق إليهم، وانحدر ومعه بعضهم، ثم انحدروا بعده.
فلما صاروا بواسط اعترضهم ابن رائق فأسقط أكثرهم، فاضطربوا وثاروا فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم الحجرية وقتل منهم جماعة. ولما وصل المنهزمون إلى بغداد ركب لؤلؤ صاحب الشرطية ببغداد، ولقيهم وأوقع بهم، فاستتروا، فنهبت دورهم وقبضت أملاكهم، وقطعت أرزاقهم.
ولما فرغ ابن رائق منهم قتل من كان قد اعتقله من الساجية سوى صافى الخازن وهارون بن موسى، ثم أخرج مضاربه ومضارب الراضى بالله نحو الأهواز، وراسل البريدىّ فى تأخير الأموال وما قد ارتكبه من الاستبداد وإفساد الجيوش إلى غير ذلك، ثم قال له بعد ذلك: إنه إن حمل الواجب عليه وسلّم الجند الذين أفسدهم أقرّ على عمله وإن أبى قوبل بما يستحق. فلما سمع الرسالة جدّد ضمان الأهواز فى كل سنة بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار يحمل كل شهر بقسطه وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من/ يؤمر بتسليمه إليه، ممن يسير بهم إلى قتال ابن بويه إذ كانوا
стр. 8687
كارهين للعود إلى بغداد لضيق الأموال بها واختلاف الكلمة. فعقد عليه الضمان وعاد الراضى وابن رائق إلى بغداد فدخلاها فى ثامن صفر، وكان هذا القول من البريدى خديعة ومكرا؛ فإنه ما حمل من المال درهما واحدا ولا سلّم الجيش.
قال «١» : ثم سعى ابن مقاتل عند ابن رائق فى عزل وزيره الحسين بن على النّوبختى، وأشار عليه بالاعتضاد بالبريدى وأن يجعله وزيرا، وبذل له ثلاثين ألف دينار، فأجاب ابن رائق إلى ذلك بعد امتناع شديد وأمر ابن مقاتل أن يكتب إلى البريدىّ أن يرسل من ينوب عنه فى وزارته فكتب إليه بإنفاذ أحمد الكوفى لينوب عنه فى وزارة محمد بن رائق فأنفذه واستولى على الأمور هو وابن مقاتل، وشرعا فى تضمين البصرة من أبى يوسف أخى أبى عبد الله البريدى. فامتنع ابن رائق فخدعاه حتى أجاب إليه، وكان نائب ابن رائق بالبصرة محمد بن يزداد، وقد أساء السيرة وظلم أهلها، فوعدهم يوسف ومنّاهم وذمّ ابن رائق عنده بما كان يفعله ابن يزداد، فدعوا له. ثم أنفذ أبو عبد الله البريدىّ غلامه إقبالا فى ألفى رجل وأمرهم بالمقام بحصن مهدى إلى أن يأمرهم بأمره، فلما علم ابن يزداد بهم علم أن البريدىّ يريد/ التغلّب على البصرة، وأمر البريدىّ بإسقاط بعض ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة، فاطمأنوا وقاتلوا معه عسكر ابن
стр. 8688
رائق، ثم عطف عليهم بعد ذلك وعمل بهم أعمالا تمنّوا أيام ابن رائق وعدّوها أعيادا!
ذكر الوحشة بين محمد بن رائق والبريدى والحرب بينهما
فى هذه السنة ظهرت الوحشة بينهما، وكان لذلك أسباب منها أن ابن رائق لما عاد إلى بغداد أمر بظهور من اختفى من الحجرية، واستخدم منهم نحو ألفى رجل، وأمر من بقى بطلب أرزاقهم؛ فخرجوا [من بغداد] والتحقوا بأبى عبد الله البريدىّ فأكرمهم وأحسن إليهم وذمّ ابن رائق وعابه، وكتب إلى بغداد يقول: إنى خفتهم فلهذا قبلتهم! وجعلهم طريقا إلى قطع ما استقر عليه من المال، وذكر أنهم اتفقوا مع الجيش الذى عنده ومنعوه من حمل المال؛ فأنفذ إليه ابن رائق يلزمه بإيفادهم فاعتذر ولم يفعل.
ومنها أنه بلغه ما ذمّه به عند أهل البصرة فساءه ذلك وبلغه مقام إقبال فى جيشه بحصن مهدى فعظم عليه، فأمر الكوفى أن يكتب/ إلى البريدى يعاتبه على هذه الأشياء ويأمره بإعادة عسكره من حصن مهدىّ، فكتب إليه فى ذلك فأجاب «أن أهل البصرة يخافون القرامطة وأنّ ابن يزداد عاجز عن حمايتهم وقد تمسكوا لخوفهم بأصحابى» فسار ابن رائق إلى واسط فبلغ البريدى، فكتب إلى عسكره بحصن مهدىّ يأمرهم بدخول البصرة وقتال من منعهم «١» ،
стр. 8689
وأنفذ إليهم جماعة من الحجرية فقدموا وقاتلوا ابن يزاداد مرة بعد أخرى وهزموا إلى الكوفة، فكتب ابن رائق إلى البريدىّ يأمره بإعادة أصحابه من البصرة وتهدّده إن لم يفعل، فاعتذر إليه وغالطه!
ذكر استيلاء بجكم على الأهواز وخروج ابن البريدى منها
قال «١» : ولما وصل جواب رسالة ابن البريدىّ إلى محمد بن رائق بالمعالطة عن إعادة جنده من البصرة استدعى بدرا الخرشنى وخلع عليه وعلى بجكم وسيّرهما فى جيش وأمرهما أن يقيما بالجامدة، فبادر بجكم ولم يتوقف على بدر وسار إلى السوس، فأخرج إليه البريدىّ جيشا مع غلامه المعروف بالحمال عدته ثلاثة آلاف مقاتل، فالتقوا واقتتلوا بظاهر السوس. وكان مع/ بجكم مائتان وسبعون رجلا من الأتراك فانهزم أصحاب البريدى وعادوا إلى صاحبهم فضرب الحمال وسبّه ووبّخه على انهزامه ثم ردّه وأضاف إليه من لم يشهدوا الواقعة فبلغوا ستة آلاف رجل.
فلما التقوا انهزموا من غير قتال، فلما رآهم البريدى ركب هو وإخوته ومن يلزمه فى سفينة «٢» ومعه ما بقى عنده من المال وهو ثلاثمائة ألف دينار فغرقت السفينة بهم، فأخرجهم الغواصّون وقد كادوا يهلكون، وأخرج الغواصون باقى المال لبجكم ووصل
стр. 8690
أولاد البريدى إلى البصرة وأقاموا بالأبلة «١» وأعدّوا المراكب للهرب إن هزم إقبال، وسيّر أبو عبد الله البريدى غلامه إقبالا إلى مطارا فالتقوا مع أصحاب ابن رائق فانهزمت الرائقية وأسر منهم جماعة فأطلقهم البريدى، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، وأرسل إليه جماعة من أعيان البصرة فلم يجبهم وطلبوا منه أن يحلف لأهل البصرة ليكونوا معه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنها ويقتل كل من فيها فازدادوا بصيرة فى قتاله واطمأن البريدىّ وأقام بالبصرة.
ثم جهز ابن رائق جيشا آخر وسيّره فى البرّ وفى الماء، فالتقى عسكره الذى فى البرّ مع عسكر البريدى فانهزم الرائقية، وأما عسكر الماء فانهم استولوا على الكلاء «٢» فلما رأى أبو عبد الله/ البريدى ذلك ركب فى السفن وهرب إلى جزيرة أوال، وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة فى عسكر يحميها. فخرج أهل البصرة مع أبى الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاء فقاتلوهم وأجلوهم عنه فسار ابن رائق بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر وكتب إلى بجكم ليلحق به فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدّموا وقاتلوا أهل البصرة فاشتد القتال. فرجع ابن رائق وبجكم إلى معسكرهم، وأما أبو عبد الله البريدى فإنه سار إلى عماد
стр. 8691
الدولة بن بويه واستجار به وأطمعه فى العراق وهوّن عليه أمر الخليفة وابن رائق، فنفّذ معه أخاه معز الدولة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: «١» ولما سمع ابن رائق إقبالهم من فارس إلى الأهواز سيّر بجكم إليها، ثم قصد جماعة من أصحاب البريدىّ عسكر ابن رائق ليلا فصاحوا فى جوانبه، فانهزموا. فلما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا يغنمه البريديون. وسار إلى الأهواز جريدة «٢» وأقام بها أياما، وعاد إلى واسط وكان باقى عسكره قد سبقه إليها.
ودخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة:
ذكر استيلاء معز الدولة بن بويه على الأهواز
/ فى هذه السنة سار معزّ الدّولة أبو الحسين بن بويه «٣» إلى الأهواز وتلك النواحى فملكها، وسبب ذلك ما
стр. 8692
ذكرناه من مسير أبى عبد الله البريدى إلى عماد الدولة بن بويه وترك البريدى ولديه أبا الحسن محمدا وأبا جعفر الفيّاض عند عماد الدولة رهينة. وساروا فبلغ الخبر بجكم بنزولهم أرّجان «١» ، فسار لحربهم فانهزم من بين أيديهم إلى الأهواز، ثم إلى واسط.
وأرسل إلى ابن رائق يعلمه الخبر ويقول له «إن العسكر يحتاج إلى المال فإن كان معك مائتا ألف درهم فأقم بواسط حتى نصل إليك وتنفق فيهم المال وإلا فالرأى أن تعود إلى بغداد» فعاد ابن رائق من واسط إلى بغداد، ووصل بجكم إلى واسط.
قال «٢» : ودخل [معز الدولة] «٣» بن بويه الأهواز فأقام بها خمسة وثلاثين يوما، ثم هرب البريدى خوفا منه على نفسه، وأمر جيشه الذين بالسوس فصاروا إلى البصرة، وكاتب معز الدولة أن يفرج له عن الأهواز حتى يتمكن من ضمانه؛ فإنه كان قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد الدولة فى كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم. فرحل عنها عسكر مكرم «٤» وأنفذ البريدى خليفته إلى الأهواز وأنفذ إلى معز الدولة يذكر خوفه ويطلب منه أن ينتقل إلى السوس ليبعد عنه ويأمن بالأهواز،
стр. 8693
فامتنع/ معز الدولة من ذلك وعلم بجكم بذلك فأنفذ جماعة من أصحابه واستولوا على السوس وجنديسابور وبقيت الأهواز بيد البريدى، ولم يبق مع معزّ الدّولة من كور الأهواز إلا عسكر مكرم فاشتد الحال عليه وفارقه بعض جنده وأراد الرجوع إلى فارس فكتب إلى أخيه عماد الدّولة يعرّفه الحال فأنفذ إليه جيشا تقوّى بهم، وعاد استولى على الأهواز، وهرب البريدى إلى البصرة. واستقر ابن بويه بالأهواز، وبجكم بواسط طامعا فى الاستيلاء على بغداد ومكان ابن رائق، وهو لا يظهر ذلك.
قال «١» : ولمّا رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأمور أطمع ابن رائق فى مصر والشام، وصاهره وعقد بينه وبين ابن طغج عهدا وصهرا وقال لابن رائق: أنا أجبى لك مال مصر والشام إن سيرتنى إليهما! فسيره إلى الشام فى شهر ربيع الآخر.
ذكر الحرب بين بجكم والبريدى
والصلح بعد ذلك قال: «٢» ولما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه خافه ابن رائق أن يتغلّب على العراق، فراسل أبا عبد الله البريدى وطلب منه/ الصلح على بجكم، فإذا انهزم تسلّم البريدىّ واسطا وضمنها بستمائة ألف دينار فى السنة. فسمع بجكم بذلك
стр. 8694
فاستشار أصحابه فيما يفعله فأشاروا عليه أن يبتدئ بأبى عبد الله البريدىّ وأن لا يهجم إلى حضرة الخلافة ولا يكاشف ابن رائق إلا بعد الفراغ من البريدىّ. فجمع عسكره وسار إلى البصرة يريد البريدى، فسير أبو عبد الله البريدىّ جيشا بلغت عدّتهم عشرة آلاف رجل عليهم علامة أبو جعفر محمد الحمال، فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر البريدى فلم يتبعهم بجكم وكفّ عنهم. ثم أرسل إلى البريدى فى ثانى يوم الهزيمة يعتذر إليه مما جرى ويقول له: أنت بدأت وتعرّضت لى وقد عفوت عنك وعن أصحابك ولو تبعتهم لقتلت أكثرهم «١» ، وأنا أصالحك على أن أقلدك واسطا إن ملكت الحضرة وأصاهرك! فسجد البريدى شكرا لله تعالى وحلف لبجكم وتصالحا، وعاد إلى واسط وأخذ فى التدبير على ابن رائق
ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانه
فى هذه السنة فى منتصف شوال قطعت يد الوزير أبى على بن مقلة «٢» وكان سبب ذلك أنّ الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى الشام استوزر الراضى بالله أبا على/ بن مقلة وليس له من الأمر شىء، وإنما الأمر والنّهى لمحمد بن رائق.
وكان ابن رائق قد قبض على أموال ابن مقلة وأملاكه وأملاك ابنه،
стр. 8695
فخاطبه فى ردّها فلم يفعل، فاستمال أصحابه وسألهم مخاطبته فى ردّها فوعدوه ولم يفعلوا. فلما رأى ذلك سعى بابن رائق فكاتب بجكم يطمعه فى موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير مثل ذلك، وكتب إلى الراضى بالله يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق فأطمعه الراضى وهو كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضى ويستحثه على الحركة والمجىء إلى بغداد. وطلب ابن مقلة من الراضى بالله أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما اتّفقا عليه، فأذن له فى ذلك فحضر متنكرا فى آخر ليلة من شهر رمضان. فلما حضر إلى دار الخلافة لم يصل إلى الراضى وأمر باعتقاله فاعتقل فى حجرة.
فلما كان من الغد أرسل الراضى إلى ابن رائق يعرفه الحال، وعرض عليه خطّ ابن مقلة، وما زالت الراسل تتردد بينهما فى المعنى إلى منتصف شوال، فأخرج ابن مقلة من محبسه وقطعت يده، وعولج فبرأ.
ثم كاتب الراضى يخطب الوزارة ويذكر/ أنّ قطع يده لم يمنعه من عمله، وكان يشدّ القلم على يده المقطوعة ويكتب، فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون بذلك فقال: إن وصل بجكم فهو يستخلصنى وأكافئ ابن رائق! وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده، فوصل خبره إلى الراضى بالله وابن رائق فأمر
стр. 8696
بقطع لسانه، ثم نقل فى محبس ضيّق ولم يكن عنده من يخدمه، فآلت به الحال إلى أن كان يستقى الماء من البئر بيده اليسرى ويمسك الحبل بفيه وناله شقاء شديد إلى أن مات فى حادى عشر شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بدار الخلافة ثم إن أهله سألوا فنبش وسلّم إليهم فد فنوه، ثم نبشته زوجته ودفنته فى دارها. ومن العجب أنه ولى الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لئلاثة خلفاء وسافر ثلاث سفرات اثنتين منفيا إلى شيراز وواحدة إلى الموصل فى وزارته، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخصّ به من خدمه ثلاثة، وكان فى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فى شهر ربيع الآخر ضرب ابن شنّبوذ «١» سبع درر لقراءات أنكرت عليه، فدعا عليه بقطع اليد وتشتيت الشّمل، فاستجاب الله له!
ذكر استيلاء بحكم على بغداد
وشىء من أخباره وكيف تنقّلت به الحال إلى أن بلغ هذه الرتبة «٢» قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل «٣» : كان بجكم هذا
стр. 8697
من غلمان أبى العارض وزير ماكان بن كالى الدّيلمى فطلبه ما كان منه فوهبه له، ثم فارق ما كان مع من فارقه. من أصحابه، والتحق بمرداويج، وكان من جملة من قتله، وسار إلى العراق والتحق بمحمد بن رائق. وكان من أمره ما ذكرناه، فلما استقر بواسط تعلقت همته بالاستيلاء على حضرة الخليفة، وهو مع ذلك يظهر التبعية لابن رائق، وكان على أعلامه وتراسه بجكم الرائقى. فلما وصلته كتب [الوزير] «١» ابن مقلة تذكر أنه استقرّ مع الراضى أن يقلده إمرة الأمراء زاد طمعه فى ذلك وكاشف ابن رائق وقلع نسبته إليه من أعلامه، وسار من واسط نحو بغداد فى غرة ذى القعدة. واستعدّ ابن رائق لحربه وسأل الراضى أن يكتب إلى بجكم يأمره بالعود إلى واسط، فكتب إليه فلما قرأ الكتاب ألقاه من يده وسار حتى نزل شرقى نهر ديالى. وكان أصحاب ابن رائق على غير تعبئة، فألقى أصحاب بجكم نفوسهم فى الماء فانهزم أصحاب ابن رائق، وعبر أصحاب بجكم وساروا إلى بغداد، وخرج/ ابن رائق عنها إلى عكبرا. وكان دخول يجكم بغداد فى ثالث عشر ذى القعدة، ولقى الراضى من الغد وخلع عليه وجعله أمير الأمراء، وكتب كتابا عن الراضى إلى القواد الذين كانوا مع إبن رائق بالرجوع إلى بغداد، ففارقوه جميعهم وعادوا. فلما رأى ابن رائق ذلك عاد
стр. 8698
إلى بغداد واستتر، فكانت مدة إمارته سنة واحدة وعشرة أشهر وستة عشر يوما.
ودخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة:
ذكر مسير الراضى بالله وبجكم الى الموصل وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام
فى هذه السنة فى المحرم سار الراضى وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة لقصد ناصر الدّولة ابن حمدان، فإنه كان قد أخّر المال المقرّر عليه من ضمان البلاد، فلما بلعا تكريت «١» أقام الراضى بها وسار بجكم، فلقيه [ناصر الدولة] «٢» بن حمدان على ستّة فراسخ من الموصل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ابن حمدان إلى نصيبين وتبعه بجكم إليها، فسار إلى آمد ثم وقع الصّلح بينهما على أن يحمل ابن حمدان خمسمائة ألف درهم معجلة فأجابه إلى ذلك.
قال «٣» : وفى هذه الغيبة ظهر ابن رائق ببغداد واستولى عليها ولم يتعرض لدار الخليفة/ فعاد الراضى وبجكم إليها فراسلهما ابن رائق فى طلب الصلح فأجابا إلى ذلك، فعقد له الخليفة على طريق الفرات، وديار مضر حرّان والرّها وما
стр. 8699
جاورهما، وجند قنسرين والعواصم، فأجاب ابن رائق أيضا وسار عن بغداد إلى ولايته، ودخل الراضى وبجكم بغداد فى تاسع شهر ربيع الآخر، ثم استولى ابن رائق على الشام وملك مدينة حمص ثم سار إلى دمشق وبها بدر بن عبد الله الإخشيدى المعروف ببدير واليا عليها من قبل الإخشيد، فأخرجه ابن رائق وملكها. وسار إلى الرّملة وإلى عريش مصر يريد الدّيار المصرية، فلقيه الإخشيد وحاربه فانهزم الإخشيد. واشتغل أصحاب ابن رائق بالنّهب ونزلوا فى خيم الإخشيدية، فخرج عليهم كمين للإخشيد فأوقع بهم وهزمهم، فنجا ابن رائق فى سبعين رجلا ووصل إلى دمشق فى أقبح صورة.
فسيّر إليه الإخشيد أخاه أبا نصر بن طغج فى جيش كثيف، فالتقوا فى رابع ذى الحجة سنة ثمان وعشرين فانهزم الإخشيديون وقتل أبو نصر فأخذه ابن رائق وكفّنه وحمله إلى أخيه بمصر، وأنفذ معه ابنه مزاحما، وكتب إلى الإخشيد يعزّيه بأخيه ويعتذر مما جرى ويحلف أنه ما أراد قتله، وأنه قد أنقذ ابنه ليقيده به إن أحبّ ذلك،/ فلقى الإخشيد مزاحم بن محمد بن رائق بالجميل وخلع عليه وردّه إلى أبيه واصطلحا، على أن تكون الرّملة وما وراءها إلى مصر للإخشيد وباقى الشام لمحمد بن رائق، ويحمل إليه الإخشيد عن الرّملة فى كلّ سنة مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار.
نعود إلى أخبار الراضى وبجكم.
стр. 8700
ذكر وزارة أبى عبد الله البريدى
للخليفة الراضى بالله وفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة سعى أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد «١» وزير بجكم فى الصلح بين بجكم والبريدىّ «٢» حتّى تمّ وضمن البريدىّ أعمال واسط بستمائة ألف دينار فى كل سنة. ثم شرع ابن شيرزاد فى تقليد البريدىّ الوزاره، فأرسل إليه الراضى فى ذلك فأجاب إليه، وذلك فى شهر رجب واستناب بالحضرة عبد الله بن على النقرى.
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى: «٣» كان الحج قد بطل من سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فلم يحج أحد من العراق، فلما كان فى هذه السنة كاتب أبو على عمر بن يحيى العلوى القرامطة وسألهم أن يؤمّنوا الحاج ليسيربهم ويعطيهم عن كل جمل خمسة دنانير ومن المحمّل سبعة دنانير، فأذنوا له فى الحج فحج الناس.
وهى أوّل سنة مكس «٤» فيها الحاجّ. وخرج فى تلك السنة القاضى أبو على بن أبى هريرة الشافعى فلما طولب بالخفارة لوى راحلته
стр. 8701
ورجع وقال: لم أرجع شحا على الدراهم ولكن قد سقط الحج بهذا المكس! ودخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة: فى هذه السنة سار ركن الدولة أبو على الحسن بن بويه إلى واسط فنزل بالجانب الشرقى، وكان البريدى بالجانب الغربىّ فاستأمن من أصحاب ابن بويه مائة إلى البريدى «١» . ثم سار الراضى وبجكم من بغداد نحو واسط يريدان حرب ابن بويه فاد إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز «٢» .
وفيها استولى بجكم على واسط فى ذى الحجة، وسار إليها ففارقها ابن البريدى إلى البصرة، وأسقط بجكم اسم البريدى من الوزارة، وجعل مكانه أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد.
ودخت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر وفاة الراضى بالله وشىء من أخباره
كانت وفاته فى منتصف شهر ربيع الأول من هذه السنة، وكانت مدة خلافته ستّ سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وعمره/ اثنتان وثلاثون سنة وأشهرا «٣» ، وكانت علّته الاستسقاء، وكان أديبا شاعرا، فمن شعره:
стр. 8702
يصفرّ وجهى إذا ما تأمّله ... طرفى ويحمرّ وجهه خجلا
حتى كأنّ الذى بوجنته ... من دم جسمى إليه قدنقلا «١»
وقال يرثى أباه المقتدر بالله:
ولو أنّ حيّا كان قبرا لميّت ... لصيّرت أحشائى لأعظمه قبرا
ولو أن عمرى كان طوع مشيئتى ... وساعدنى التقدير قاسمته العمرا
بنفسى ثرى ضاجعت فى تربة البلى ... لقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا
وكان سمحا سخيا، يحبّ محادثة الأدباء والفضلاء. وكان الراضى بالله أسمر أعين، خفيف العارضين. وختم الخلفاء فى عدّة أشياء فمنها أنه آخر خليفة له شعر يدوّن، وآخر خليفة خطب على المنبر كثيرا- وإن كان غيره خطب نادرا- وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل النّدماء، وآخر خليفة كانت [له] «٢» نفقاته وجوائزه وعطاياه وخزائنه ومطابخه وجراياته وخدّامه وحجّابه وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين «٣» . وكان له من الأولاد أبو جعفر أحمد، وأبو الفضل عبد الله.
وزراوه: أبو على بن مقلة، وابنه الحسن، ثم عبد الرحمن بن عيسى، ثم محمد بن القاسم الكرخى، ثم سليمان بن الحسين بن
стр. 8703
مخلد، ثم الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم أبو عبد الله البريدى.
قضائه: عمر بن محمد بن يوسف، ثم ابنه يوسف بن عمر حجابه: محمد بن ياقوت، وذكا مولاه الأمير بمصر: الإخشيد محمد بن طعج بن جفّ الفرغانى القضاة بها: محمد بن الحسن بن أبى الشوارب من قبل الراضى واستخلف أبا بكر محمد بن بدر «١» ، ثم صرفه بعبد الرحمن بن أحمد بن الزين، ثم ولّى الإخشيد الحسين بن محمد بن أبى زرعة القضاء، واستخلف له أبا بكر محمد بن أحمد بن الحدّاد الشافعى، ثم ورد العهد للحسين بن محمد بن أبى زرعة من قبل محمد بن أبى الشوارب، ثم صرفه محمد بأبى نصر يوسف بن عمر بن أبى عمر القاضى، وأقرّ الحسين بن أحمد إلى أن توفى وأبو بكر بن الحداد خليفته، ثم صرف يوسف بن عمر عن قضائها بمحمد بن أبى الشوارب واستخلف أحمد بن بدر ثانية، ثم صرف ابن أبى الشوارب بالحسين بن عيسى بن هارون فأقرّ محمد بن بدر، ثم عاد ابن أبى الشوارب فاستخلف عبيد الله بن أحمد بن رزين، ثم استخلف عبد الله بن الوليد من قبل الحسين بن على
ذكر خلافة المتقى لله
هو أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وأمّه أم ولد اسمها خلوب. وهو الخليفة الحادى
стр. 8704
والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
قال «١» : ولما مات الراضى بالله بقى الأمر فى الخلافة موقوفا انتظارا لورود خبر من بجكم، فإنه كان بواسط واحتيط على دار الخلافة. فورد كتاب بجكم مع كاتبه أبى العباس عبد الله الكوفى يأمر فيه بأن يجتمع مع أبى القاسم سليمان بن الحسن وزير الرّاضى وكلّ من تقلّد الوزارة وأصحاب الدواوين والعلويون والعباسيون والقضاة ووجوه البلد ويشاورهم الكوفى فيمن ينصب للخلافة ممّن يرضى مذهبه وطريقه. فجمعهم الكوفى واستشارهم، فذكر بعضهم إبراهيم بن المقتدر وتفرّقوا على هذا، فلما كان الغد اتّفق النّاس عليه فأحضروه إلى دار الخلافة وبويع له فى التاريخ الذى تقدم، وعرضت عليه ألقاب فاختار منها المتقى لله. وبايعه/ الناس كافّة وسيّر الخلع واللواء إلى بجكم بواسط «٢» وكان بجكم بعد موت الراضى وقبل استخلاف المتقى أرسل إلى دار الخلافة أخذ منها فرشا وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولونى حاجبه، وأقرّ سليمان بن الحسين على وزارته وليس له من الوزارة إلا اسمها والتدبير كله للكوفى كاتب بجكم «٣» .
стр. 8705
ذكر مقتل بجكم
كان سبب قتله أن أبا عبد الله البريدى أنفذ جيشا من البصرة إلى المذار، فأنفذ بجكم جيشا إليهم عليه توزون «١» فاقتتلوا قتالا شديدا. كانت الحرب أولا على توزون فكتب إلى بجكم أن يلحق به فسار من واسط فى منتصف شهر رجب، فلقيه كتاب توزون «أنه ظفر بهم وهزمهم» فأراد الرجوع إلى واسط، فأشار عليه بعض أصحابه أن يتصيّد فقبل منه وتصيّد حتى بلغ نهر جور «٢» ، فسمع أن هناك أكرادا لهم مال وثروة فشرهت نفسه فى أموالهم فقصدهم فى قلة من أصحابه وهو بغير جنّة «٣» تقيه، فهرب الأكراد من بين يديه فأتاه غلام من الأكراد من خلفه وطعنه فى خاصرته فقتله وهو لا يعرفه، وذلك لأربع بقين من شهر رجب/ واختلف عسكره فمضى الدّيلم خاصة نحو البريدى- وكانوا ألفا وخمسمائة- فأحسن إليهم وأضعف أرزاقهم وأوصلها إليهم دفعة واحدة، وعاد الأتراك إلى واسط وكان تكينك محبوسا بها- حبسه بجكم- فأخرجوه فسار بهم إلى بغداد وأظهروا طاعة المتقى. وصار أبو الحسين أحمد بن ميمون يدبّر الأمور.
قال «٤» : واستولى المتقى لله على دار بجكم وأخذ ما فيها،
стр. 8706
وكان مبلغ ما أخذه من دفائنه ألف ألف ومائتى ألف دينار «١» ، وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام
ذكر اصعاد أبى عبد الله البريدى الى بغداد
قال «٢» : لما قتل بجكم وسارت الدّيلم إلى [أبى عبد الله] «٣» البريدى تقوّى بهم وعظمت شوكته، فأصعدوا من البصرة إلى واسط فى شعبان، فأرسل المتقى إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا فقالوا:
نحن محتاجون إلى مال! فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار، فقال الأتراك للمتقى: نحن نقاتل بنى البريدىّ فأطلق لنا مالا وانصب لنا مقدّما! فأنفق فيهم وفى جند بغداد القدماء أربعمائة ألف دينار وجعل عليهم سلامة الطولونى، وبرزوا مع المتقى لله إلى نهر ديالى «٤» يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان. وسار البريدى من واسط إلى بغداد، فلما قرب منها اختلفت الأتراك البجكمية، واستأمن بعضهم إلى البريدى، وبعضهم [استتر] «٥» وسار إلى الموصل، واستتر سلامة الطولونىّ وأبو عبد الله الكوفى، ولم يحصل الخليفة
стр. 8707
إلا على أخراج المال «١» . وهمّ أرباب النّعم والأموال بالانتقال من بغداد خوفا من ظلم البريدى وتهوّره.
ودخل أبو عبد الله البريدى إلى بغداد فى ثانى شهر رمضان ونزل بالشفيعى، ولقيه الوزير أبو الحسين والقضاة والكتّاب وأعيان الناس. وأنفذ إليه المتقى يهنّئه بالسلامة، وأنفذ له طعاما وغيره عدّة ليال، وكان يخاطب بالوزير، وكذلك أبو الحسين بن ميمون وزير الخليفة، ثم عزل أبو الحسين، وكانت مدة وزارته ثلاثة وثلاثين يوما، وقبض عليه وسيّره إلى البصرة فحبسه بها إلى أن مات فى صفر سنة ثلاثين.
قال «٢» : ثم أنفذ البريدىّ إلى المتقى لله يطلب منه خمسمائة ألف دينار ليفرّقها فى الجند، فامتنع فأرسل إليه يتهدّده ويذكّره بما جرى على المعتز والمستعين والمهتدى، وترددت الرسائل حتى أنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار، ولم يلق أبو عبد الله البريدىّ المتّقى مدة مقامه ببغداد «٣» .
ذكر عود البريدى الى واسط هاربا
قال «٤» : كان البريدى يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة، فلما أنفذ إليه الخليفة المال انصرفت أطماع الجند عن الخليفة
стр. 8708
إلى البريدى، فشغب الجند عليه. وكان الديلم قد قدّموا على أنفسهم كورتكين الديلمى، وقدّم الأتراك عليهم تكينك التركى غلام بجكم. وسار الدّيلم إلى دار البريدى فأحرقوا دار أخيه أبى الحسين التى كان ينزلها، وانضاق تكينك التركى إليهم واتفقوا على قصد البريدىّ ونهب ما عنده. فساروا إلى النجمى ووافقهم العامة، فقطع البريدىّ الجسر ووقعت الحرب فى الماء ووثب العامّة بالجانب العربى على أصحاب البريدىّ، فهرب هو وإخوته وابنه وانحدروا فى الماء إلى واسط، ونهبت داره ودور قواده، وكان هربه فى سلخ شهر رمضان من السنة.
ذكر امارة كورتكين الديلمى
لما هرب البريدى استولى كورتكين الديلمى على الأمور ببغداد، ورحل إلى المتقى لله فقلّده إمارة الأمراء، وخلع عليه.
واستدعى المتقى/ علىّ بن عيسى وأخاه عبد الرحمن، فأمر عبد الرحمن فدبّر الأمر من غير تسميته بوزارة، ثم قبض كورتكين على تكينك «١» التركى فى خامس شهر شوال وغرّقه وتفرّد بالأمر. ثم اجتمع العامّة يوم الجمعة سادس شوال وتظلموا من الدّيلم ونزولهم فى دورهم فلم ينكر ذلك، فمنعوا الخطيب من الصلاة واقتتلوا هم والدّيلم فقتل من الفريقين جماعة.
стр. 8709
ذكر عود محمد بن رائق الى بغداد وولايته إمرة الأمراء
كان سبب عوده أن الأتراك البجكمية لما ساروا إلى الموصل لم يروا عند ابن حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائق، وكان فيهم من القوّاد توزون وجخجخ ونوشتكين وصيغون. فلما وصلوا إليه أطمعوه فى العود إلى العراق، ثم وصل إليه كتب المتقى تستدعيه، فسار من دمشق فى العشرين من شهر رمضان واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن على بن مقاتل، وسار حتّى وصل إلى الموصل فتنحّى عن طريقه ناصر الدولة.
ابن حمدان، ثم تراسلا وتصالحا على مائة ألف دينار يحملها [ناصر الدولة] «١» ابن حمدان إليه.
وسار ابن رائق إلى بغداد، وخرج كورتكين إلى عكبرا، ووصل/ إليه ابن رائق فوقعت الحرب بينهما عدّة أيام. فلما كان ليلة الخميس لتسع بقين من ذى الحجة سار ابن رائق ليلا من عكبرا هو وجيشه فأصبح ببغداد، فدخلها من الجانب الغربى، ونزل فى النجمى، وعبر من الغد إلى الخليفة فلقبه، وركب المتقى معه.
ووصل فى هذا اليوم بعد الظهر كورتكين من الجانب الشرقى بجميع جيشه وهم يستهزئون بأصحاب ابن رائق ويقولون:
أين نزلت هذه القافلة الواصلة من الشام؟ ولما دخل كورتكين
стр. 8710
بغداد أيس «١» ابن رائق من ولايتها وعزم على العود، وأمر بحمل أثقاله فرفعت، ثم عزم على أن يناوشهم شيئا من قتال قبل مسيره، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا دجلة ويأتوا الأتراك من ورائهم. ثم ركب هو فى سميرية وركب معه عدّة من أصحابه فى عشرين سميرية ووقفوا يترامون بالنشاب، ووصل أصحابه وصاحوا من خلفهم، واجتمعت العامة وصاحوا على أصحاب كورتكين فانهزم هو وأصحابه واختفى هو. ورجمتهم العامّة بالآجرّ وغيره، وقوى أمر ابن رائق، وقتل من أساء إليه من الدّيلم وكانوا نحو أربعمائة، وقتل من قوادهم بضعة عشر رجلا، وخلع عليه المتقى وجعله أمير الأمراء، ثم ظفر بكورتكين فحبسه بدار الخليفة.
وفى هذه السنة فى شوال استوزر المتقى لله/ أبا إسحاق محمد ابن أحمد الإسكافى المعروف بالقراريطى بعد عود البريدى، وجعل بدرا الخرشنى «٢» حاجبه، فبقى وزيرا إلى الخامس والعشرين من ذى القعدة فقبض عليه كورتكين واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخى، فبقى وزيرا إلى الثامن والعشرين من ذى الحجة منها فعزله ابن رائق، ودبّر الأمور أبو عبد الله أحمد الكوفى كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة.
стр. 8711
وفيها انقطع الغيث بالعراق فاستسقى الناس فى شهر ربيع الأول فسقوا مطرا قليلا لم يجر منه ميزاب، فاشتد الغلاء والوباء وكثر الموت حتى دفن الجماعة فى القبر الواحد من غير غسل ولا صلاة عليهم، ورخص العقار والأثاث ببغداد حتى بيع ما ثمنه دينار بدرهم، وانقضى تشرين الأول وتشرين الثانى وكانون الأول وكانون الثانى وشباط الأول ولم يمطر الناس غير المطرة التى كانت عند الاستسقاء، ثم جاء المطر فى آذر ونيسان.
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى فى سبب هذا المطر بسند رفعه إلى أبى محمد الصّليحى «١» الكاتب أنه قال: لما نادى المتقى فى زمن خلافته فى الأسواق أن أمير المؤمنين يقول لكم معشر رعيته: إنّ امرأة صالحة رأت النبىّ ﷺ فى منامها فشكت/ احتباس المطر فقال لها: «قولى للناس يخرجون فى يوم الثلاثاء الأدنى ويستسقون ويدعون فإنه يسقيهم فى يومهم» وإن أمير المؤمنين يأمركم كما أمركم رسول الله صلى الله وسلم عليه، وأن تدعوا وتستسقوا بإصلاح من نيّاتكم وإقلاع عن ذنوبكم- قال- فأخبرنى الجمّ الغفير «٢» أنهم لما سمعوا النداء ضجّت الأسواق بالبكاء والدعاء، فشق ذلك علىّ وقلت: «منام امرأة لا ندرى ما تأويله، هل يصحّ أم لا، ينادى به فى الأسواق فى مدينة السلام، فإن لم يسقوا كيف يكون
стр. 8712
حالنا مع الكفار؟ فليته أمر الناس بالخروج ولم يذكر هذا» وما زلت قلقا حتى أتى يوم الثلاثاء فقيل لى: إن الناس قد خرجوا إلى المصلى مع أبى الحسين أحمد بن الفضل بن عبد الملك إمام الجامع، وخرج أكثر أصحاب السلطان والفقهاء والأشراف، فلما كان قبل الظهر ارتفعت «١» سحابة ثم طبقت الآفاق ثم أسلمت غزالتها «٢» بمطر جود، فرجع الناس حفاة من الوحل.
ودخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
ذكر وزارة أبى عبد الله البريدى
/ فى هذه السنة وزر أبو عبد الله البريدى للخليفة المتقى لله، وسبب ذلك أن ابن رائق استوحش منه لأنه أخّر حمل المال وانحدر إلى واسط عاشر المحرم، فهرب البريدى إلى البصرة وسعى أبو عبد الله الكوفى للبريدى وإخوته حتى عادوا وضمنوا بقايا واسط بمائة وتسعين ألف دينار، وضمنوها كلّ سنة بستمائة ألف دينار. وعاد ابن رائق إلى بغداد فشغب الجند عليه ثانى شهر ربيع الآخر وفيهم توزون وغيره من القواد، وتوجّهوا إلى البريدى فى العشر الآخر من شهر ربيع الآخر بواسط، فقوى بهم فاحتاج ابن رائق إلى مداراته فكاتبه بالوزارة، وأنفذ إليه
стр. 8713
الخلع واستخلف أبا عبد الله بن شيرزاد. ثم وردت الأخبار إلى بغداد فعزم البريدىّ على الإصعاد إلى بغداد، فأزال ابن رائق اسم الوزارة عنه، وأعاد أبا إسحاق القراريطى ولعن بنو البريدى على المنابر بجانبى بغداد.
ذكر استيلاء البريدى على بغداد وإصعاد المتقى لله إلى الموصل
قال «١» : وسير أبو عبد الله البريدى أخاه أبا الحسين إلى بغداد فى/ جميع الجيش من الأتراك والدّيلم، فعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخلافة، فأصلح سورها ونصب عليها العرادات «٢» والمجانيق وعلى دجلة، وأنهض العامة وجنّد بعضهم؛ فثاروا فى بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلا ونهارا. وخرج المتقى لله وابن رائق إلى نهر ديالى فى منتصف جمادى الآخرة، ووافاهم أبو الحسين فى الماء والبر، واقتتل النّاس فانهزم أهل بغداد، واستولى أصحاب البريدىّ على دار الخلافة ودخلوا إليها من الماء، وذلك لتسع بقين من جمادى الآخرة. وهرب المتّقى وابنه الأمير أبو منصور فى نحو عشرين فارسا، ولحق بهما ابن رائق فى جيشه، وساروا جميعا إلى الموصل.
وقتل أصحاب البريدىّ من وجدوه فى دار الخليفة من الحاشية، ونهبوا دور الحرم، وكثر النّهب فى بغداد ليلا ونهارا.
стр. 8714
وأخرجوا كورتكين من محبسه، فأنفذه أبو الحسين إلى أخيه بواسط، فكان آخر العهد به. ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التى يسكنها ابن رائق، وأقام أبو الحسين توزون على الشرطة بشرقى بغداد، وجعل نوشتكين على شرطة الجانب الغربىّ فسكن الناس، وأخذ أبو الحسين رهائن القواد فسيّرهم إلى أخيه أبى عبد الله بواسط.
قال «١» : وعسف أهل العراق وظلمهم ظلما لم يسمع بمثله قطّ، ذكر/ ابن الأثير ﵀ ذلك فى تاريخه الكامل وأفرده بترجمة وهى «ذكر ما فعله البريدىّ ببغداد» ، ولما انتهى كلامه قال «وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظّلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا إذا لم يتركوه لله «٢» » وأظنه رحمه الله تعالى قال هذا لما علمه من حال الظلمة فى عصره، وأنهم يستقبحون الظلم.
ويتركونه خشية أن ينقل عنهم. وإنما تركت أن أشرح ما قاله من ظلم البريدى خوفا أن يسمعه ظلمة هذا العصر فيقتدون بأفعاله ويحملون الناس على مثاله؛ فإن فيهم من يتحلى بالظلم ولا يتحاشى من فعله ويردّ فرع كل مظلمة إلى أصله ويقول: قد فعله فلان وفلان وجرت عليه القاعدة فى كل عصر وأوان! ويبرز بالظّلم بروز الليث من غابه، وتصدر عنه الحوادث كصدور الغيث من
стр. 8715
سحابه، ويرى أنّ ذلك فرصة يغتنمها وكعبة يستلمها، ثم لا يقنعه ذلك إلى أن يسمّى المظالم بالحقوق الواجبة، ويرى الملازمة عليها من السنن الراتبة. لا جرم أن الله تعالى يأخذه من مأمنه، ويسلبه ما حوله من نعمه ومننه، لأن ملك هذا العصر «١» - خلّد الله سلطانه وثبّت أركانه ونصر جيوشه وأعوانه-/ ينكر المظالم إذا أنهيت إليه ويزيل اسمها، ويمحو من دواوين دولته رسمها، ويكف الأكفّ العادية إذا عدت، ويقبض الأيدى الجارية إذا انبسطت فى العالم واعتدت «٢» .
ذكر قتل ابن رائق وولاية ابن حمدان إمرة الأمراء
كان المتقى لله قد أنفذ إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على البريدىّ، فأرسل أخاه سيف الدولة «٣» نجدة فى جيش كثيف، فلقى المتقى لله وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدّولة المتقى خدمة عظيمة، وسار معه إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقى وتوجه نحو معلثايا «٤» وترددت الرسائل بينه وبين ابن رائق. ثم تعاهدا واتفقا فحضر ناصر الدولة ونزل على دجلة بالجانب الشرقى، فعبر إليه
стр. 8716
الأمير أبو منصور بن المتقى وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقى. فلما أراد الانصراف من عنده ركب ولد المتقى وأراد ابن رائق الركوب فقال له ناصر الدولة:
أقم اليوم عندى لنتحدث فيما تفعله! فاعتذر بابن المتقى، فألح عليه ابن حمدان فاستراب به/ وجذب كمّه من يده فقطعه، وأراد الركوب فشبّ به فرسه فسقط، فصاح ابن حمدان «أن اقتلوه» فقتلوه وألقوه فى دجلة. وأرسل ابن حمدان إلى المتقى يقول: إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله ففعل ما فعل «١» ، فردّ عليه المتقى ردا جميلا وأمره بالمسير إليه فسار ناصر الدولة إليه فخلع المتقى عليه ولقّبه ناصر الدّولة وجعله أمير الأمراء، وذلك فى مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبى الحسين ولقّبه سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق يوم الإثنين لسبع بقين من شهر رجب «٢» ، ولما قتل سار الإخشيد من مصر إلى الشام فتسلمها.
ذكر عود المتقى لله الى بغداد وهرب البريدى عنها
قال «٣» : ولما قتل ابن رائق سارع الجند إلى الهرب من البريدىّ لسوء سيرته فهرب جخجخ وتوزون إلى المتقى فى جماعة من الأتراك، فأتوا الموصل فى خامس شهر رمضان فقوى
стр. 8717
بهم ابن حمدان، وسار هو والمتقى لله إلى بغداد. فلما قارباها هرب أبو الحسين البريدىّ منها إلى واسط، وكان مقامه ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما. ودخل المتقى إلى بغداد ومعه بنو حمدان فى/ جيوش كثيرة، واستوزر المتقى أبا إسحاق القراريطى وقلّد توزون جانبى بغداد وذلك فى شوال.
ذكر الحرب بين ابن حمدان والبريدى
قال «١» : ثم خرج بنو حمدان نحو واسط لقتال البريدى، وسار أبو الحسين البريدى من واسط أيضا لقتالهم. فأقام ناصر الدولة بالمدائن وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه الحسين بن سعيد فى الجيش لقتاله، فالتقوا تحت المدائن بفرسخين واقتتلوا عدّة أيام آخرها رابع ذى الحجة فانهزم سيف الدّولة إلى أخيه، فأضاف إليه جماعة وردّه، فقاتل وهزم أبا الحسين البريدىّ وأسر جماعة من أصحابه وقتل جماعة.
وعاد ناصر الدّولة إلى بغداد، فدخلها فى ثالث عشر ذى الحجة، وانحدر سيف الدولة من موضع المعركة إلى واسط فرأى البريدىّ قد انحدر منها إلى البصرة، فأقام سيف الدولة بها.
ودخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر ما اتفق لسيف الدولة بواسط ورجوع ناصر الدولة إلى الموصل
قال «٢» : ولما أقام سيف الدولة بواسط، قصد الانحدار إلى
стр. 8718
البصرة ليأخذها من البريديين، فلم يمكنه لقلة المال عنده. فكتب إلى أخيه ناصر الدولة مرة بعد أخرى فأنفذ إليه مالا مع أبى عبد الله الكوفى ليفرّقه فى الأتراك فأسمعه توزون وجخجخ المكروه وثارا به فغيّبه سيف الدولة عنهما، وسيّره إلى بغداد. وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة «١» ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر جخجخ أن يسير إلى المذار «٢» ويأخذ حاصلها.
وكان سيف الدولة يزهّد الأتراك فى العراق ويحسّن لهم قصد الشّام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر ويقع فى أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه فى أخيه ولا يجيبونه إلى الشام ويتجنّون عليه، ثم ثاروا به فى سلخ شعبان وكبسوه ليلا، فهرب من معسكره إلى بغداد ونهب سواده وقتل جماعة من أصحابه.
وأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه الكوفىّ وأخبره الخبر برز للمسير إلى الموصل، فركب المتقى إليه وسأله التوقّف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد ثم سار إلى الموصل، ونهبت داره، ودبّر الأمر أبو إسحاق القراريطى من غير تسمية بوزارة، وكانت إمارة ناصر الدولة ببغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام، ووصل سيف الدولة إلى بغداد!
стр. 8719
ذكر حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولة من واسط
قال «١» : ولما هرب سيف الدولة عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين توزون وجخجخ وتنازعا الإمارة، ثم استقرت الحال أن يكون توزون أميرا وجخجخ صاحب الجيش، وتصاهرا.
وطمع البريدى فى واسط فأصعد إليها، وتراسل هو وتوزون ولم يتفقا، ثم بلغ توزون أن جخجخ يريد الانتقال إلى البريدى فكبسه فى فراشه فى ليلة الثانى عشر من شهر رمضان وسمله «٢» .
ذكر عود سيف الدولة الى بغداد وهربه منها
قال «٣» : ولما هرب سيف الدولة من واسط قصد بغداد، وأرسل إلى المتقى لله يطلب منه ما لا ليقاتل توزون إن قصد بغداد، فأنفذ إليه أربعمائة ألف درهم ففرقها فى أصحابه. وكان وصوله فى ثالث عشر شهر رمضان، ولما بلغ توزون وصول [ابن حمدان] «٤» سيف الدولة إلى بغداد ترك كيغلغ بواسط فى ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد/، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من بغداد.
стр. 8720
ذكر امارة توزون
قال «١» : ولما فارق سيف الدولة بغداد دخلها توزون، وكان دخوله فى الخامس والعشرين من شهر رمضان، فخلع عليه المتقى لله وجعله أمير الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخى ينظر فى الأمور كما كان الكوفى ينظر فيها. ولما سار توزون عن واسط أصعد إليها البريدى، فهرب من بها من أصحاب توزون إلى بغداد، فلم يمكنه المبادرة إلى واسط، حتى استقرّت الأمور ببغداد، ثم انحدر إلى واسط فى ذى القعدة، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد هاربا من البريدىّ، ففرح «٢» توزون به وقلّده جميع أموره.
ذكر الوحشة بين المتقى وتوزون
قال «٣» : كان محمد بن ينال الترجمان أكبر قواد توزون- وهو خليفته ببغداد- فلما انحدر إلى واسط سعى بمحمد إليه وقبّح ذكره عنده «٤» فبلغ ذلك محمدا، فنفر منه. وكان الوزير أبو الحسين ابن مقلة ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد فخسر فيها جملة، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد بتوزون/ فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مسيره إلى توزون
следующие страницы →