← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

الأمير أبو منصور بن المتقى وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقى. فلما أراد الانصراف من عنده ركب ولد المتقى وأراد ابن رائق الركوب فقال له ناصر الدولة: أقم اليوم عندى لنتحدث فيما تفعله! فاعتذر بابن المتقى، فألح عليه ابن حمدان فاستراب به/ وجذب كمّه من يده فقطعه، وأراد الركوب فشبّ به فرسه فسقط، فصاح ابن حمدان «أن اقتلوه» فقتلوه وألقوه فى دجلة. وأرسل ابن حمدان إلى المتقى يقول: إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله ففعل ما فعل «١» ، فردّ عليه المتقى ردا جميلا وأمره بالمسير إليه فسار ناصر الدولة إليه فخلع المتقى عليه ولقّبه ناصر الدّولة وجعله أمير الأمراء، وذلك فى مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبى الحسين ولقّبه سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق يوم الإثنين لسبع بقين من شهر رجب «٢» ، ولما قتل سار الإخشيد من مصر إلى الشام فتسلمها. ذكر عود المتقى لله الى بغداد وهرب البريدى عنها قال «٣» : ولما قتل ابن رائق سارع الجند إلى الهرب من البريدىّ لسوء سيرته فهرب جخجخ وتوزون إلى المتقى فى جماعة من الأتراك، فأتوا الموصل فى خامس شهر رمضان فقوى

стр. 8717

بهم ابن حمدان، وسار هو والمتقى لله إلى بغداد. فلما قارباها هرب أبو الحسين البريدىّ منها إلى واسط، وكان مقامه ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما. ودخل المتقى إلى بغداد ومعه بنو حمدان فى/ جيوش كثيرة، واستوزر المتقى أبا إسحاق القراريطى وقلّد توزون جانبى بغداد وذلك فى شوال. ذكر الحرب بين ابن حمدان والبريدى قال «١» : ثم خرج بنو حمدان نحو واسط لقتال البريدى، وسار أبو الحسين البريدى من واسط أيضا لقتالهم. فأقام ناصر الدولة بالمدائن وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه الحسين بن سعيد فى الجيش لقتاله، فالتقوا تحت المدائن بفرسخين واقتتلوا عدّة أيام آخرها رابع ذى الحجة فانهزم سيف الدّولة إلى أخيه، فأضاف إليه جماعة وردّه، فقاتل وهزم أبا الحسين البريدىّ وأسر جماعة من أصحابه وقتل جماعة. وعاد ناصر الدّولة إلى بغداد، فدخلها فى ثالث عشر ذى الحجة، وانحدر سيف الدولة من موضع المعركة إلى واسط فرأى البريدىّ قد انحدر منها إلى البصرة، فأقام سيف الدولة بها. ودخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. ذكر ما اتفق لسيف الدولة بواسط ورجوع ناصر الدولة إلى الموصل قال «٢» : ولما أقام سيف الدولة بواسط، قصد الانحدار إلى

стр. 8718

البصرة ليأخذها من البريديين، فلم يمكنه لقلة المال عنده. فكتب إلى أخيه ناصر الدولة مرة بعد أخرى فأنفذ إليه مالا مع أبى عبد الله الكوفى ليفرّقه فى الأتراك فأسمعه توزون وجخجخ المكروه وثارا به فغيّبه سيف الدولة عنهما، وسيّره إلى بغداد. وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة «١» ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر جخجخ أن يسير إلى المذار «٢» ويأخذ حاصلها. وكان سيف الدولة يزهّد الأتراك فى العراق ويحسّن لهم قصد الشّام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر ويقع فى أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه فى أخيه ولا يجيبونه إلى الشام ويتجنّون عليه، ثم ثاروا به فى سلخ شعبان وكبسوه ليلا، فهرب من معسكره إلى بغداد ونهب سواده وقتل جماعة من أصحابه. وأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه الكوفىّ وأخبره الخبر برز للمسير إلى الموصل، فركب المتقى إليه وسأله التوقّف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد ثم سار إلى الموصل، ونهبت داره، ودبّر الأمر أبو إسحاق القراريطى من غير تسمية بوزارة، وكانت إمارة ناصر الدولة ببغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام، ووصل سيف الدولة إلى بغداد!

стр. 8719

ذكر حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولة من واسط قال «١» : ولما هرب سيف الدولة عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين توزون وجخجخ وتنازعا الإمارة، ثم استقرت الحال أن يكون توزون أميرا وجخجخ صاحب الجيش، وتصاهرا. وطمع البريدى فى واسط فأصعد إليها، وتراسل هو وتوزون ولم يتفقا، ثم بلغ توزون أن جخجخ يريد الانتقال إلى البريدى فكبسه فى فراشه فى ليلة الثانى عشر من شهر رمضان وسمله «٢» . ذكر عود سيف الدولة الى بغداد وهربه منها قال «٣» : ولما هرب سيف الدولة من واسط قصد بغداد، وأرسل إلى المتقى لله يطلب منه ما لا ليقاتل توزون إن قصد بغداد، فأنفذ إليه أربعمائة ألف درهم ففرقها فى أصحابه. وكان وصوله فى ثالث عشر شهر رمضان، ولما بلغ توزون وصول [ابن حمدان] «٤» سيف الدولة إلى بغداد ترك كيغلغ بواسط فى ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد/، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من بغداد.

стр. 8720

ذكر امارة توزون قال «١» : ولما فارق سيف الدولة بغداد دخلها توزون، وكان دخوله فى الخامس والعشرين من شهر رمضان، فخلع عليه المتقى لله وجعله أمير الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخى ينظر فى الأمور كما كان الكوفى ينظر فيها. ولما سار توزون عن واسط أصعد إليها البريدى، فهرب من بها من أصحاب توزون إلى بغداد، فلم يمكنه المبادرة إلى واسط، حتى استقرّت الأمور ببغداد، ثم انحدر إلى واسط فى ذى القعدة، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد هاربا من البريدىّ، ففرح «٢» توزون به وقلّده جميع أموره. ذكر الوحشة بين المتقى وتوزون قال «٣» : كان محمد بن ينال الترجمان أكبر قواد توزون- وهو خليفته ببغداد- فلما انحدر إلى واسط سعى بمحمد إليه وقبّح ذكره عنده «٤» فبلغ ذلك محمدا، فنفر منه. وكان الوزير أبو الحسين ابن مقلة ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد فخسر فيها جملة، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد بتوزون/ فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مسيره إلى توزون

стр. 8721

باتّفاق من البريدىّ، فاتفق الترجمان وابن مقلة، وكتبا إلى ابن حمدان لينفذ عسكرا يسير صحبة المتقى لله، وقالا للمتقى: قد رأيت ما فعل البريدىّ معك بالأمس، أخذ منك خمسمائة ألف دينار وأخرجت على الأجناد مثلها، وقد ضمنك البريدى من توزون بخمسمائة ألف دينار أخرى رغم أنها فى يدك من تركة بجكم، وابن شيرزاد واصل ليتسلمك ويخلعك ويسلمك إلى البريدىّ! فانزعج لذلك، وعزم على الإصعاد إلى ابن حمدان، وورد ابن شيرزاد جريدة «١» فى ثلاثمائة رجل، فوصل فى خامس المحرم. وفيها تزوج الأمير أبو منصور بن المتقى لله بابنة ناصر الدولة بن حمدان، وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مائة ألف دينار. وفيها صرف ناصر الدولة أبا إسحاق القراريطى عن الوزارة وقبض عليه، واستوزر أبا العباس، أحمد بن عبد الله الأصفهانى فى شهر رجب، ثم استوزر المتقى لله بعد إصعاد ناصر الدولة من بغداد إلى الموصل أبا الحسين بن مقلة فى ثامن شهر رمضان. وفيها أرسل ملك الروم إلى المتقى لله يطلب منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه فصارت صورة وجهه فيه، وأنه فى بيعة الرّها «٢» ، وذكر أنه إن أرسل إليه أطلق عددا كبيرا

стр. 8722

من أسارى المسلمين، فأحضر المتقى لله الفقهاء والقضاة واستفتاهم فاختلفوا فيه، فقال بعضهم إنّ فى تسليمه غضاضة على الإسلام، وبعضهم رأى تسليمه وفكاك الأسرى أولى من بقائه، فقال على ابن عيسى الوزير: إن خلاص المسلمين من الأسر والضّرّ والضّنك الذى هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل! فأمر الخليفة المتقى لله بتسليمه إليهم وإطلاق الأسرى من بلاد الروم، فأطلقوا «١» ! ودخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ذكر مسير المتقى لله الى الموصل فى هذه السنة أصعد المتقى لله إلى الموصل، وسبب ذلك ما ذكرناه من إغراء من أغراه بتوزون وخوفه منه ووصول ابن شيرزاد إلى بغداد فى خامس المحرم جريدة، فازداد خوف المتقى لله. وأقام ابن شيرزاد ببغداد يأمر وينهى ولا يراجع المتقى فى شىء، وكان المتقى قد أنفذ فى طلب جيش من ناصر الدولة ليصحبه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمه الحسين بن سعيد، فوصلوا إلى بغداد ونزلوا بباب حرب. فاستتر ابن شيرزاد وخرج المتقى لله إليهم فى حرمه وأهله ووزيره وأعيان بغداد، ولما سار المتقى لله من بغداد ظلم ابن شيرزاد الناس وعسفهم وصادرهم/، وأرسل إلى توزون وهو بواسط يخبره بذلك. فلما بلغه الخبر عقد ضمان واسط على البريدى وزوّجه ابنته وسار إلى بغداد، وسار

стр. 8723

ناصر الدولة للقاء المتقى إلى تكريت فوصل فى الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر وركب إليه الخليفة وأكرمه. وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار توزون نحو تكريت فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين فاقتتلوا ثلاثة أيام ثم انهزم سيف الدولة لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر، وغنم توزون سواده وسواد أخيه ناصر الدّولة. وعادا من تكريت إلى الموصل ثم التقوا مرة ثانية فانهزم سيف الدولة وتبعه توزون، فسار المتقى لله وبنو حمدان إلى نصيبين ودخل توزون الموصل وسار المتّقى إلى الرّقّة، ولحقه سيف الدولة. وأرسل المتقى لله إلى توزون يذكر أنه استوحش منه لاتصاله بالبريدىّ، فإن آثر رضاه يصالح ناصر الدولة وسيف الدولة ليعود إلى بغداد، وترددت الرسائل بين المتقى وتوزون حتى تم الصلح، وعقد الضمان على ناصر الدولة عمّا بيده من البلاد «١» ثلاث سنين كلّ سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم، وعاد توزون إلى بغداد وأقام المتقى لله عند بنى حمدان. ذكر قتل أبى يوسف البريدى فى هذه السنة قتل أبو عبد الله البريدىّ أخاه أبا يوسف، وسبب ذلك أنّ أبا عبد الله كان نفذ ما عنده من المال فى محاربة بنى حمدان ومقامهم بواسط ومحاربة توزون، فلما رأى جنده

стр. 8724

قلة ماله مالوا إلى أخيه أبى يوسف لكثرة أمواله، فاستقرض أبو عبد الله منه المال مرة بعد أخرى فكان يعطيه القليل من المال ويعيبه ويذكر تضييعه وهوجه وتهوّره، فبلغ ذلك أبا عبد الله. ثم صحّ عنده أنه يريد القبض عليه والاستبداد بالأمر وحده، واستوحش كل منهما من صاحبه؛ فدبّر أبو عبد الله عليه وأقام غلمانه فى طريق مسقف بين داره والشط، فدخل أبو يوسف فى ذلك الطريق فثار به الغلمان فقتلوه وهو يستغيث: يا أخى قتلونى! وهو يقول: إلى لعنة الله! ولما قتل دفنه فثار الجند وشغبوا ظنّا منهم أنه حى، فأمر به فنبش وألقاه على الطريق، فلما رأوه سكتوا فأمر بدفنه. وانتقل أبو عبد الله إلى دار أبى يوسف، فأخذ ما فيها ولم يحصل من مال أخيه على طائل فإن أكثره انكسر عند الناس! ذكر وفاة أبى عبد الله البريدى ومن قام بعده بالأمر وفى هذه السنة فى شوال مات أبو عبد الله البريدى بعد أن قتل أخاه بثمانية أشهر/ واستقر الأمر بعده لأخيه أبى الحسين؛ فأساء السيرة فى الجند، فثاروا به ليقتلوه فهرب إلى هجر واسنجار بالقرامطة، ونصب الجند أبا القاسم بن أبى عبد الله. قال «١» : لو سار أخوان لأبى طاهر مع أبى الحسين فى جيش إلى البصرة، فرأوا أبا القاسم قد حفظها صلحوا بينه وبين ابن

стр. 8725

أخيه، وعادوا ودخل أبو الحسين البصرة، فتجهز منها وسار إلى توزون ببغداد، واستقام أمر أبى القاسم بن أبى عبد الله البريدى. ودخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ذكر ما كان من أمر المتقى لله إلى أن خلع وسمل كان المتقى لله قد راسل توزون فى طلب العود إلى بغداد، وسبب ذلك أنه رأى من بنى حمدان تضجّرا «١» منه وإيثارا لمفارقته، فاضطر إلى مراسلة توزون. فأرسل إليه الحسن بن هارون وأبا عبد الله بن أبى موسى الهاشمى فى الصلح، فلقيهما توزون وابن شيرزاد بنهاية الرّغبة فيه والحرص عليه واستوثقا من/ توزون وحلّفاه للمتقى وحضر اليمين خلق كثير من القضاة والعدول، والعباسيون والعلويون وغيرهم. وحلف توزون للمتقى والوزير، وكتبوا خطوطهم بذلك، وكان ذلك فى سنة اثنتين وثلاثين. وكان أيضا قد كتب إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر يشكو إليه حاله ويستقدمه، فقدم إليه إلى الرّقّة فى منتصف المحرم من هذه السنة ووقف بين يديه موقف الغلمان، ومشى بين يديه، وحمل إلى المتقى لله هدايا جليلة وإلى الوزير أبى الحسين بن مقلة وسائر الأصحاب، واجتهد بالمتقى ليسير معه إلى مصر والشام ويكون بين يديه فلم يفعل، فأشار عليه

стр. 8726

بالمقام مكانه ولا يرجع إلى بغداد وخوفه من توزون فأبى إلا العود إلى بغداد. وعرض على ابن مقلة المسير معه إلى مصر ليحكّمه فى جميع بلاده، فلم يجبه إلى ذلك، فخوّفه أيضا من توزون، فكان ابن مقلة يقول بعد ذلك: نصحنى الإخشيد فلم أقبل نصيحته.! ثم انحدر المتقى لله إلى بغداد لأربع بقين من المحرم، وعاد الإخشيد إلى مصر، فلما وصل المتقى لله إلى هيت «١» أقام بها وأنفذ من يجدّد اليمين على توزون، فحلف وسار عن بغداد لعشر بقين من صفر للقاء المتقى لله، فلقيه بالسندية ونزل توزون وقبّل الأرض بين يدى المتقى وقال: ها أنا قد وفيت بيمينى/ والطاعة لك! ثم وكل به وبالوزير وبالجماعة وأنزلهم فى مضربه مع حرم المتقى ثم كحله فأذهب عينيه، فصاح وصاح من عنده من الحرم والخدم فارتجّت الأرض فأمر توزون بضرب الدبادب «٢» فخفيت الأصوات، وعمى المتقى «٣» وانحدر توزون من الغد إلى بغداد، وكان خلع المتقى لله وسمله فى يوم السبت لعشر بقين من صفر، فكانت مدة خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا، وعاش إلى أيام المطيع، وتوفى فى منتصف شعبان سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وله ستون سنة وأمر المطيع أبا تمام الزينبى فصلّى عليه وكبر خمسا، ودفن فى

стр. 8727

داره ثم ابتاعها عز الدولة بختيار من ورثتة بثلاثين ألف دينار فنقلوه إلى تربة بإزائها فامتحن فى الحياة وفى الممات. قال أبو الحسين عياش اجتمع فى أيام المتقى إسحاقات كثيرة، فانسحقت خلافة بنى العباس فى أيامه وانهدمت قبّة المنصور الخضراء التى كان فخرهم بها، قيل له ما كانت الإسحاقات؟ قال: كان يكنى أبا إسحاق، وكان وزيره القراريطى يكنى بأبى إسحاق، وكان قاضيه ابن إسحاق الخرقى «١» وكان محتسبه أبو إسحاق بن بطحاء، وكان صاحب شرطته أبو إسحاق بن أحمد أمير خراسان،/ وكانت داره القديمة دار إسحاق بن إبراهيم المعصبى وهى دار إسحاق ابن كنداج «٢» وكان المتقى لله أبيض أشهل العينين «٣» أشقر الشعر. قال بعض المؤرخين: كان فى أيامه غلاء وشدة حتى بيع كرّ الحنطة بمائتين وعشرة دنانير، وخرج عدة من الخدم من قصر الخلافة بالرصافة ينادون: الجوع الجوع! «٤» وكان نقش خاتمه «المتقى لله» . ولده ولى عهده: أبو منصور، وزراؤه: قد تقدم ذكرهم فى أنباء دولته، ولم يكن لهم من الأمر شىء على ما قدمناه

стр. 8728

قضاته: أبو نصر يوسف بن عمر، ثم أخوه أبو محمد الحسين، ثم محمد بن عيسى بن إبراهيم، ثم أبو طاهر محمد بن أحمد بن نصر، ثم أبو الحسن أحمد بن أبى موسى. حجابه: سلامة الطولونى مولى خمارويه، ثم بدر الخرشنى «١» ثم أحمد بن خاقان. الأمير بمصر: الإخشيد محمد بن طغج. القضاة بها: عبد الله بن الوليد، ثم محمد بن بدر، ثم أبو الذكر التمّار، ثم الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق، ثم أحمد بن عبد الله الليثى، ثم عبد الله بن وليد. ذكر خلافة المستكفى بالله / هو أبو القاسم عبد الله بن المكتفى بالله أبى محمد على ابن المعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفق بالله بن المتوكل على الله أبى الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبى إسحاق محمد بن هارون الرشيد أبى محمد بن المهدى أبى عبد الله محمد ابن أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم. يجتمع هو والمتقى لله فى المعتضد بالله، وأمّه أمّ ولد اسمها غصن، وهو الخليفة الثانى والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له بعد خلع المتقى لله لعشر بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 8729

قال «١» : ولما قبض توزون على المتقى أحضر المستكفى إلى السندية وبايعه هو وعامّة الناس، وكان سبب البيعة له ما حكاه أبو العباس التميمى الرازى وكان من خواصّ توزون قال: أنا كنت السبب فى البيعة للمستكفى، وذلك أننى دعانى إبراهيم بن الزوبيندار «٢» الديلمى فمضيت إليه، فذكر لى أنه تزوج [إلى] قوم وأن امرأة منهم قالت له: «إن هذا المتقى قد عاداكم وعاديتموه وكاشفكم ولا يصفوا قلبه لكم، وهاهنا رجل من أولاد الخلفاء/ من ولد المكتفى» وذكرت عقله ودينه «تنصبونه للخلافة فيكون صنيعتكم وغرسكم، وبدلكم على أموال جليلة لا يعرفها غيره، وتستربحون من الخوف والحراسة» - قال- فعلمت أنّ هذا أمر لا يتم إلا بك، فدعوتك له فقلت: أريد أسمع كلام المرأة، فجاءنى بها فرأيت امرأة عاقلة جزلة فذكرت لى نحوا من ذلك، فقلت: لا بد أن ألقى الرجل! فقالت: تعود [غدا] «٣» إلى هاهنا حتى أجمع بينكما فعدت من الغد فوجدته قد أخرج من دار ابن طاهر فى زىّ امرأة فعرّفنى نفسه وضمن لى إظهار ثمانمائة ألف دينار منها مائة ألف لتوزون، وذكر وجوهها وخاطبنى خطاب رجل فهم عاقل، ورأيته يتشيع- قال- فأتيت توزون فأخبرته فوقع الكلام بقلبه وقال: أريد أبصر الرجل! فقلت: لك ذلك، ولكن اكتم أمرنا من ابن شيرزاد [فقال:

стр. 8730

أفعل!] «١» - قال- وعدت إليهم وأخبرتهم الذى جرى، ووعدتهم حضور توزون من الغد، فلما كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر مشيت مع توزون مستخفيّين واجتمعنا به، وخاطبه توزون وبايعه تلك الليلة وكتم الأمر. فلما وصل المتقى قلت لتوزون: أنت على ذلك العزم؟ قال: نعم! قلت: فافعله الساعة فإنه إن دخل الدار بعد عليك مرامه، فوكل به وسمله وجرى ما جرى، وبويع للمستكفى بالخلافة،/ وأحضر المتقى فبايعه وأخذ منه البردة والقضيب، وصارت تلك المرأة قهرمانة المستكفى وسمّت نفسها «علم» وغلبت على أمره كلّه، واستوزر المستكفى بالله أبا الفرج محمد ابن على السامرى «٢» يوم الأربعاء لست بقين من صفر منها ولم يكن [له] «٣» غير اسم الوزارة ومعناها لابن شيرزاد، ثم قبض عليه المستكفى فى شهر ربيع الآخر وصادره على ثلاثمائة ألف درهم فكانت وزارته اثنين وأربعين يوما. قال «٤» : وخلع المستكفى بالله على توزون وتوّجه، وطلب أبا الفضل بن المقتدر بالله- وهو الذى ولى الخلافة ولقب المطيع لله- لأنه كان يعرفه يطلب الخلافة فاستتر مدّة خلافة المستكفى بالله فهدّمت داره حتى لم يبق منها شىء.

стр. 8731

ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. فى هذه السنة فى المحرم لقّب المستكفى بالله نفسه إمام الحق، وضرب ذلك على الدنانير والدارهم، وكان يخطب له بلقبين إمام الحق والمستكفى بالله. ذكر وفاة توزون وامارة ابن شيرزاد فى هذه السنة فى المحرم مات توزون ببغداد، وكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما. ولما مات كان ابن شيرزاد كاتبه ببغداد بهيت ليخلّص أموالها، فلما بلغه الخبر أراد عقد/ الإمارة لناصر الدولة بن حمدان فاضطرب الجند، وعقدوا الرياسة عليهم لابن شيرزاد فعاد إلى بغداد ونزل بباب حرب «١» فى مستهل صفر. وخرج إليه الأجناد جميعهم وحلفوا له ووجّه إلى المستكفى بالله ليحلف له فأجابه إلى ذلك، وحلف له بحضرة القضاة والعدول ودخل إليه وولاه إمرة الأمراء. فزاد الأجناد زيادة كثيرة فضاقت عليه الأموال، فأرسل إلى ناصر الدّولة يطالبه بحمل المال ويعده بردّ الرياسة إليه، فأرسل له خمسمائة ألف درهم ففرقها فى عسكره فلم تغن شيئا، فقسط أرزاق الجند على العمال والكتّاب والتجار وغيرهم، وظلم الناس ببغداد. واستعمل على واسط ينال كوشة وعلى تكريت الفتح اليشكرى، فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه واستقدمه وصار معه، وأما الفتح فإنه التحق بناصر الدولة بن حمدان وصار معه فأقره على تكريت.

стр. 8732

ذكر استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد قال «١» : لما كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه وهو بالأهواز ودخل فى طاعته سار نحوه، فاضطرب الناس فلما وصل إلى باجسرى «٢» اختفى المستكفى بالله وابن شيرزاد. فلما استترا سار الأتراك إلى الموصل، فلما بعدوا ظهر المستكفى بالله وعاد إلى دار الخلافة. وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلّبى صاحب معز الدولة إلى بغداد فاجتمع بابن شيرزاد بمكانه الذى استتر فيه، ثم اجتمع بالمستكفى بالله فأظهر السّرور بقدوم معزّ الدولة بن بويه وأعلمه أنه إنما استتر من الأتراك ليتفرقوا ليحصل الأمر لمعز الدولة بغير قتال. ثم وصل معز الدولة إلى بغداد لإحدى عشرة خلت من جمادى الأولى فنزل بباب الشمّاسية ودخل من الغد إلى المستكفى وبايعه، وحلف له المستكفى. وسأله معز الدولة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور وأن يأذن له أن يستكتبه فأجابه إلى ذلك، فظهر ولقى معزّ الدولة فولّاه الخراج وجباية الأموال. وخلع الخليفة على معز الدولة ولقبه بهذا اللقب، وأمر بضرب ألقابه وألقاب إخوته وكناهم على الدنانير والدارهم «٣» . ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه

стр. 8733

فى دور الناس فنال الناس من ذلك شدة عظيمة وصار رسما علهم وهو أول من فعله ببغداد، ولم يعرف بها قبله. وأقيم للمستكفى بالله فى كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته، وكانت ربما/ تأخرت عنه فأقرت له بعد ذلك ضياع سلّمت إليه تولاها له أبو أحمد الشيرازى كاتبه! ذكر خلع المستكفى بالله وسمله فى هذه السنة خلع المستكفى بالله لثمان بقين من جمادى الآخرة، وكان سبب ذلك أن علم القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من قواد الدّيلم والأتراك، فاتهمها معزّ الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ البيعة للمستكفى بالله ويزيلوا معز الدولة، فساء ظنه لذلك. فلما كان فى التاريخ المذكور حضر معز الدولة والناس عند الخليفة، وحضر رسول صاحب خراسان ومعز الدولة جالس، ثم حضر رجلان من نقباء الدّيلم فتناولا يد الخليفة فظنّ أنهما يريدان يقبّلان يده، فجذباه عن سريره وجعلا عمامته فى حلقه. ونهض معزّ الدولة، واضطرب النّاس وأخرج الديلميان المستكفى بالله إلى دار معز الدولة ماشيا واعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق فيها شىء، وقبض على أبى أحمد الشيرازى كاتب المستكفى وأخذت علم القهرمانة فقطع لسانها. وكانت مدة خلافة المستكفى بالله سنة واحدة وأربعة أشهر وما زال مغلوبا/ على أمره. ولما بويع للمطيع لله سلّم إليه المستكفى فسمله، وبقى محبوسا إلى أن توفى فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وله ست

стр. 8734

وأربعون سنة. وكان أبيض حسن الوجه قد وخطه الشيب، ولقّب نفسه فى آخر سنة ثلاث وثلاثين إمام الحق، ونقشه على الدنانير والدراهم وقد تقدم ذكر ذلك، وكان نقش خاتمه «المستكفى بالله» . وزراؤه: محمد بن على السامرى وهو آخر من دعى بالوزارة، ثم استكتب أحمد بن عبد الرحمن الشيرازى. قضاته فى الجانبين: أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقى وقلّد محمد بن أبى الحسن بن أبى الشوارب [الجانب] «١» الشرقىّ والمدينة ثم صرفه عن الشرقى بأبى الطّاهر محمد بن أحمد بن نصر، وعن المدينة بأبى السّائب عتبة بن عبد الله الهمدانى، ثم جمع لعتبة الجانبين بعد وفاة ابن أبى موسى، وجعل المدينة إلى محمد بن صالح بن شيبان الكوفى الهاشمى. حاجبه: أحمد بن خاقان. الأمير بمصر: الإخشيد بن طغج. القضاة بها: الحسين بن عيسى بن هارون، ثم الوليد من قبل المستكفى. ذكر خلافة المطيع لله هو أبو القاسم الفضل وقيل أبو العباس بن المقتدر بالله/ أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد، وأمّه أم ولد اسمها مشعلة، وهو الخليفة الثالث والعشرون من الخلفاء العباسيين بويع له يوم خلع المستكفى، وهو يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان مستترا كما قد مناه من

стр. 8735

أول خلافة المستكفى بالله. فلما قدم معزّ الدّولة إلى بغداد قيل إن المطيع انتقل إليه واستتر عنده وأغراه بالمستكفى بالله حتى قبض عليه وسمله، وبويع للمطيع بالله ولقب بهذا اللقب، وحضر المستكفى عنده فسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع. وزاد أمر الخلافة إدبارا ولم يبق لهم من الأمر شىء ألبتّة، وقد كانوا يراجعون قبل ذلك والحرمة قائمة بعض شىء، فلما كان فى أيام معزّ الدولة زال ذلك جميعه بحيث إن الخليفة لم يبق له وزير، إنما كان له كاتب يدير إقطاعه وأخراجاته لا غير. وصارت الوزارة إلى معز الدولة يستوزر لنفسه من يريد، وكان الديلم يغالون فى التشيع «١» ويعتقدون أن بنى العباس قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقّيها فلم يكن باعث دينى يحثهم على الطاعة حتى قيل إنّ معز الدولة قصد إخراج الأمر عن بنى العباس والبيعة للمعتز لدين الله العلوى أو لغيره/ من العلويين. واستشار جماعة من خواصّ أصحابه فكلّهم أشار عليه بذلك إلا بعض خواصّه، فإنه قال: ليس هذا برأى فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلّين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته ولو أمرتهم بقتله لقتلوك! فأعرض عن ذلك. ومن حيث استقل معزّ الدّولة بالأمر اختصرنا الأخبار فى أيام

стр. 8736

الخلفاء، ونذكر ذلك فى أخبار الدّولة البويهية وغيرها من الدول؛ فإن الأمر والنّهى صار لهم دون الخلفاء، ولم يبق للخليفة من الأمر شىء إلا ما أقطعه له معزّ الدّولة ما يقوم ببعض حاجته. فالذى نذكره الآن فى أيام الخلفاء بنى العباس ما يتعلق بحال الخليفة وأتباعه وأقاربه ومن خرج عليه من أهل بيته، وننبه على ابتداء دول الملوك وانقراضها ونحيل عليها فى موضعها الذى تشرح فيه، ونذكر أيضا فى أيام الخلفاء ما غلب عليه الروم والفرنج من البلاد الإسلامية وما وقع من الحوادث العامة كالزلازل العظيمة والسيول، وما يناسب ذلك على ما يراه المطالع فى مواضعه إن شاء الله تعالى. / وفى هذه السنة توفى القائم بن المهدى صاحب إفريقية والمغرب، وولى بعده ابنه المنصور. وفيها توفى الإخشيد صاحب مصر والشام وولى بعده ابنه أبو القاسم ودبر الأمر كافور الخادم بمصر «١» ، واستولى سيف الدولة بن حمدان على دمشق. وفيها اشتدّ الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الميتة والكلاب والسنانير، وأخذ بعضهم ومعه صبىّ قد شواه ليأكله، وأعقبه وباء حتى عجز النّاس عن دفن موتاهم فكانت الكلاب تأكل الناس والناس تأكل الكلاب.

стр. 8737

قال أبو الفرج بن الجوزى «١» : وفى هذه السنة كثر القمل برستاق اليمن الكبرى «٢» حتى يئس الناس من غلاتهم فانحط من الطير طائر يزيد على جرم العصفور، فكان الطائر يعلو على شجرة فيصفر فتطير الطير أفواجا، فينحطّ كلّ فوج منها على ضيعة فيلقط القمل حتى فنى! ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. فى هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم على يد نصر الثملى «٣» أمير الثغور لسيف الدولة، وكان عدّة الأسرى ألفين وأربعمائة أسير وثمانين أسيرا. وفى سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة استولى معزّ الدولة بن بويه على البصرة وهرب أبو القاسم بن أبى عبد الله البريدى منها إلى هجر إلى القرامطة، ثم/ استأمن بعد ذلك، ووصل إلى بغداد فى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة فأحسن إليه وأقطعه. وفى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ملك الروم مرعش من سيف الدولة بن حمدان، وكان قد قاتلهم فهزموه. وفى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة كانت وفاة عماد الدولة أبى الحسن على بن بويه بمدينة شيراز «٤» .

стр. 8738

ذكر اعادة القرامطة الحجر الأسود وفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة شرفها الله تعالى وقالوا: أخذناه بأمر وأعدناه بأمر! وكان بجكم قد بذل لهم فى رده خمسين ألف دينار فلم يجيبو إلى رده وردوه الآن بغير شىء فى ذى القعدة، وكانوا أخذوه فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة. ولما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة وعلقوه بجامعها، حتى رآه الناس ثم حلوه إلى مكة «١» . وفى سنة تسع وثلاثين أيضا توفى أبو نصر محمد بن الفارابى الحكيم الفيلسوف صاحب التصانيف، وكانت وفاته بدمشق. وفى سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة توفى المنصور العلوىّ صاحب المغرب/، وملك بعده ابنه المعزّ لدين الله. وفيها ملك الرّوم مدينة سروج «٢» وسبوا أهلها وغنموا أموالهم وخرّبوا المساجد. وفى سنة ست وأربعين نقص البحر ثمانين باعا فظهر فيه جبال وجزائر لم تعرف قبل ذلك. وفيها كان بالعراق وبلاد الجبل وقمّ ونواحيها زلازل كثيرة متتابعة دامت نحو أربعين يوما، تسكن

стр. 8739

وتعود؛ فتهدمت الأبنية، وغارت المياه وهلك تحت الرّدم ما لا يحصى من العالم، وكذلك كانت أيضا بالرّىّ والطالقان «١» . ذكر ظهور المستجير بالله وفى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ظهر بأدربيجان رجل من أولاد عيسى بن المكتفى بالله وتلقّب بالمستجير بالله وبايع للوصى من آل محمد، ولبس الصّوف، وأظهر العدل، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر. وكثر أتباعه واستفحل أمره، فسار إليه جستان «٢» وإبراهيم ابنا المرزبان صاحب أذربيجان والتقوا فاقتتلوا، فانهزم أصحاب المستجير وأخذوه أسيرا فعدم فقيل إنه مات! وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتى ألف خركاه «٣» . ذكر ضمان الحسبة والقضاء والشرطة ببغداد / وفى سنة خمسين وثلاثمائة مات القاضى أبو السائب «٤» عتبة بن عبد الله وقبضت أملاكه وتولى قضاء القناة أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبى الشوارب، وضمن أن يؤدى فى كل سنة مائتى ألف درهم ولم يسمع بمثل ذلك فيما سلف! فلم يأذن له الخليفة المطيع لله بالدخول إليه، وأمر أن لا يحضر الموكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت الحسبة والشرطة. ثم عزل ابن أبى الشوارب عن

стр. 8740

القضاء وأمر بإبطال أحكامه وسجلاته، وذلك فى سنة اثنتين وخمسين وتقلّد القضاء بعده أبو بشر بن أكثم بغير ضمان ذكر استيلاء الروم على عين زربة وما حولها من الحصون وفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة فى المحرم نزل الدمستق بالروم على عين زربة «١» ، وهى فى سفح جبل عظيم والجبل مشرف عليها. وكان فى جمع عظيم «٢» فأنفذ بعض عسكره، فصعدوا الجبل وملكوه. فلما رأى أهلها ذلك وأنّ الدمستق قد ضيق عليهم ووصل إلى السور وشرع فى التقرب طلبوا الأمان، فأمّنهم الدمستق ففتحوا أبواب المدينة فدخلها، فرأى أصحابه الذين فى الجبل نزلوا إلى المدينة فندم على إجابتهم إلى/ الأمان ونادى فى البلد أن يخرج أهله إلى المسجد الجامع ومن تأخّر فى منزله قتل. وكان ذلك فى أول الليل، فخرج إلى الجامع من أمكنه الخروج، فلما أصبح أنفذ رجّالته إلى المدينة وأمرهم بقتل من يجدونه فى منزله، فقتلوا خلقا كثيرا. ثم أمر من بالمسجد أن يخرجوا من البلد حيث شاءوا، فخرجوا على وجوههم لا يرون أين يتوجهون فماتوا فى الطرقات. وقتل الرّوم من وجدوه بالمدينة إلى آخر النهار، وهدم سور المدينة. وأقام الدمستق فى بلاد الإسلام واحدا وعشرين يوما، وفتح حول عين زربة أربعة وخمسين حصنا للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها

стр. 8741

بالأمان، فلما أدركه الصوم انصرف على أن يعود بعد العيد، وخلف جيشه بقيسارية وراسله أهل بغراس «١» وبذلوا له مائة ألف درهم فأقرهم وترك معارضتهم. وفيها استولى الدمستق على مدينة حلب وعاد عنها، على ما نذكره فى أخبار ابن حمدان. ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس كان استيلاؤهم عليهما فى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وذلك أن الدمستق حصر المصيصة فى سنة ثلاث وخمسين «٢» وقاتل أهلها ونقب أسوارها واشتد القتال وأحرق الروم رستاقها/ ورستاق «٣» أذنه وطرسوس لمساعدتهم أهلها، وقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل. ثم ضاقت الميرة على الروم فرحل الدمستق إلى بلاد الروم، وأرسل إلى أهل المصيصة وأذنه وطرسوس «أنى منصرف عنكم لا لعجز ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء، وأنا عائد إليكم، فمن انتقل منكم فقد نجا ومن وجدته بعد عودى قتلته «٤» .

стр. 8742

ونزل ملك الروم أيضا على طرسوس وحصرها وجرى بينه وبين أهلها حروب كثيرة سقط فى بعضها الدمستق ابن الشمشقيق «١» إلى الأرض وكاد يؤسر فقاتل عليه الروم وخلصوه. وأسر أهل طرسوس بطريقا كبيرا من بطارقة الروم، ورحل الروم عنهم لاشتداد الغلاء والعناء. وكان نقفور «٢» ملك الروم قد بنى بقيسارية «٣» مدينة وأقام بها بأهله ليقرب من بلاد الإسلام، فلما كان فى سنة أربع وخمسين أرسل أهل طرسوس والمصيصة إليه يبذلون الطاعة ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه ليقيم عندهم، فعزم على إجابتهم إلى ذلك فأتاه الخبر أنهم قد ضعفوا وعجزوا وأنهم لا ناصر لهم وأن الغلاء قد اشتد عندهم وعدموا القوت وأكلوا الكلاب والميتة وكثر فيهم الوباء فيموت منهم فى اليوم ثلاثمائة نفس، فرجع نقفور عن إجابتهم وأحضر الرسول وأحرق الكتاب على/ رأسه فاحترقت لحيته وقال لهم: أنتم كالحية فى الشتاء تخدر وتذبل حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها وأدفأها انتعشت ونهشته، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم، وإن تركتم حتى تستقيم أحوالكم تأذّيت بكم!

стр. 8743

وأعاد الرسول وجمع جيوش الروم وسار إلى المصيصة بنفسه، فحاصرها وفتحها عنوة يوم السبت ثالث عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، ووضع السيف فى أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم أمر برفع السيف عنهم، ونقل كل من بقى منهم إلى بلد الروم، وكانوا نحو سائتى ألف إنسان. ثم سار إلى طرسوس فحاصرها فأذعن أهلها بالطاعة وطلبوا الأمان فأمّنهم، وفتحوا له البلد فلقيهم بالجميل وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون حمله ففعلوا ذلك برّا وبحرا، وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا أنطاكية. وجعل الملك المسجد الجامع إسطبلا لدوابه، وأحرق المنبر، وعمّر طرسوس وحصّنها، وجلب إليها الميرة حتى رخصت الأسعار ورجع إليها كثير من أهلها ودخلوا فى طاعة الملك وتنصّر بعضهم، وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام ثم عاد إلى القسطنطينية. وأراد الدمستق وهو ابن الشمشقيق أن يقصد ميافارقين وبها سيف الدولة بن/ حمدان فأمره الملك باتباعه إلى القسطنطينية فمضى إليه. ثم فتح نقفور أذنه. وفى سنة أربع وخمسين أيضا قتل المتنبى الشاعر واسمه أحمد بن الحسين الجعفىّ «١» بالقرب من النعمانية وقتل معه ابنه، وكان قد عاد من عند عضد الدولة بفارس فقتله الأعراب وأخذوا ما معه.

стр. 8744

وفى سنة ست وخمسين وثلاثمائة كانت وفاة معز الدولة بن بويه وولاية ابنه عز الدولة بختيار على ما نذكره فى أخباره. ومات وشمكير بن زيار، والحسن بن الفيرزان، وكافور الإخشيدى «١» ، ونقفور ملك الروم، وأبو على محمد بن إلياس صاحب كرمان، وسيف الدولة بن حمدان. وفيها توفى أبو الفرج على بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصفهانى الأموى، وهو من ولد مروان بن الحكم وكان شيعيا وهذا من العجب، وهو صاحب كتاب الأغانى «٢» . ذكر البيعة لمحمد بن المستكفى وما كان من أمره وفى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة «٣» ظهر ببغداد بين الخاص والعام دعوة إلى رجل من أهل البيت اسمه محمد بن عبد الله، وقيل إنه الرجل الذى وعد به النبى ﷺ ، وإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحدد ما عفى من أمور الدين، فمن كان من السّنة قال: إنه عباسى، ومن كان من الشيعة قال: إنه

стр. 8745

علوى. فكثرت دعاته وظهرت بيعته، وكان الرجل بمصر وقد أكرمه كافور الإخشيدىّ وأحسن إليه. وكان فى جملة من بايع له سبكتكين العجمى «١» من أكابر قواد معز الدولة وكان يتشيع فظنه علويا، فكتب إليه يستدعيه من مصر. فسار حتى بلغ الأنبار، وخرج سبكتكين إلى طريق الفرات وهو يتولى حمايتها فلقى ابن المستكفى وترجل له وخدمه وأخذه، وعاد به إلى بغداد وهو لا يشك فى حصول الأمر له. ثم ظهر لسبكتكين أنه عباسى فعاد عن رأيه فيه، فخاف ابن المستكفى وهرب هو وأصحابه وتفرقوا، ثم أخذ ومعه أخ له وأحضرا عند بختيار فأمنهما ثم تسلمه المطيع لله من بختيار فجدع أنفه، ثم خفى خبره «٢» . وفى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة انقطعت الدعوة العباسية من الديار المصرية والشامية، وقامت الدعوة العلوية بها للمعز لدين الله صاحب أفريقية والمغرب، على يد جوهر القائد غلام المنصور ووالد المعز على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الدولة العبيدية. وفيها مات ناصر الدولة بن حمدان «٣» . ذكر ما فعله الروم بالشام والجزيرة فى هذه السنة دخل ملك الروم الشام فلم يمنعه أحد ولا قاتله، فسار فى البلاد إلى طرابلس وأحرق بلدها، وملك قلعة عرقة. وكان

стр. 8746

صاحب طرابلس قد أخرجه الروم لشدّة ظلمه، فقصد عرقة فأخذه الرّوم وجميع ماله، وقصد ملك الروم حمص وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها، فأحرقها الروم ورجع إلى بلد الساحل، فأتى عليها نهبا وتخريبا وملك ثمانية عشر شهرا وما لا يحصى من القرى، وأقام بالشام شهرين يقصد أى موضع شاء ويخرب ما شاء فلا يمنعه أحد، وعاد إلى بلاده ومعه من السّبى نحو مائة ألف رأس ولم يأخذ إلا الصّبيان والصبايا والشباب، وأما الكهول والشيوخ والعجائز فمنهم من قتله ومنهم من أطلقه، وسيّر سريّة إلى بلد الجزيرة فبلغوا كفر توثا وتعصبوا وسبوا وأحرقوا وعادوا. ذكر ملك الروم مدينة أنطاكية وفى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ملك الروم مدينة أنطاكية، وسبب ذلك أنهم حصروا حصنا بالقرب منها يقال له حصن لوقا، فوافقوا أهله وهم نصارى على أن يرتحلوا منه إلى أنطاكية، ويظهر أنهم/ انتقلوا منه خوفا من الروم فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها. وانصرف الرّوم عنهم بعد هذا التقرير، وانتقل أهل الحصن ونزلوا بأنطاكية بالقرب من الجبل الذى بها. فلما كان بعد انتقالهم بشهرين وافى الروم مع أخى نقفور وكانوا نحو أربعين ألف رجل، فأحاطوا بالسور وصعدوا الجبل إلى الناحية التى بها أهل الحصن فأخلوا لهم السور، فملكه الروم وملكوا البلد ووضعوا السيف فى أهله، ثم أخرجوا العجائز والأطفال والمشايخ من البلد وقالوا لهم: اذهبوا حيث شئتم! وأخذوا الشباب من الرجال والنساء

стр. 8747

والصبيان والصبايا فحملوهم إلى بلاد الروم سبيا، وكانوا يزيدون على عشرين ألف إنسان. قال «١» : وأنفذ الرّوم جيشا كثيفا إلى حلب وبها قرعويه غلام سيف الدولة بن حمدان قد تغلب عليها ونزع يده من طاعة أبى المعالى بن سيف الدولة، فملك الرّوم المدينة دون القلعة وحصروا القلعة، وترددت الوسائط والرسائل بينهم وبين قرعوية، فاستقرّ الأمر على هدنة مؤبدة على مال يحمله قرعوية إليهم وأن يكون الرّوم إذا أرادوا الغزو لا يمكن قرعوية أهل القرى عن الجلاء عنها ليبتاع الرّوم ما يحتاجون إليه منهم. وكان مع حلب فى الهدنة حماه وحمص وكفرطاب/ والمعرة وأفامية وشيزر «٢» وما بين ذلك من الحصون والقلاع والقرى، وسلّموا الرهائن إلى الروم، وعادوا عن حلب. ذكر ملك الروم ملازكرد وفيها أرسل الروم جيشا إلى ملازكرد من أعمال أرمينية، فملكها عنوة وقهرا من المسلمين، وعظمت شوكتهم، وخافهم المسلمون فى أقطار البلاد. ذكر مقتل ملك الروم نقفور وفى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قتل نقفور ولم يكن من أهل بيت المملكة، وإنما كان دمستقا والد مستق عندهم الذى يلى بلاد

стр. 8748

الروم التى هى شرقى خليج قسطنطينية. وكان نقفور هذا شديدا على المسلمين، وهو الذى فتح طرسوس والمصيصة وأذنه وعين زربة وغيرها، ولم يكن نصرانىّ الأصل وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقاس «١» تنصر، وكان ابنه هذا شهما شجاعا حسن التدبير لما يتولاه. فلما عظم أمره وصار دمستقا قتل الملك الذى كان قبله وملك الروم بعده، وتزوّج امرأة الملك المقتول على كره منها وكان لها ابنان من الملك/، فعزم على أن يخصيهما ليقطع نسلهما ويبقى الملك فيه وفى ذرّيته. فلما علمت أمهما ذلك احتالت فى قتله، فأرسلت إليه ابن الشمشقيق- وهو الدمستق حينئذ- ووافقته على أن يسير إليها فى زىّ النساء ومعه جماعة وقالت لزوجها: إن نسوة من أهلها قد زرنها! فلما سار إليها هو ومن معه جعلتهم فى بيعة تتصل بدار الملك. فلما كان فى ليلة الميلاد نام نقفور واستثقل فى نومه، ففتحت امرأته الباب وأدخلتهم إليه فقتلوه، وثاربهم جماعة من خاصته وأهله فقتل منهم نيّف وسبعون رجلا، وأجلس فى الملك الأكبر من ولدى الملك المقتول، وصار المدبر له ابن الشمشقيق، ويقال: إن نقفور ما بات قطّ بغير سلاح إلا فى تلك الليلة التى قتل فيها «٢»

стр. 8749

ذكر الفتنة ببغداد ومصادرة الخليفة المطيع لله وفى سنة إحدى وستين وثلاثمائة وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وكان سببها أن الرّوم استطالوا على أهل بلاد الجزيرة وامتدوا فى البلاد وعظم أمرهم وقويت شوكتهم، فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين، وقاموا فى المساجد/ والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الرّوم من النّهب والأسر والسّبى. فاستعظمه النّاس واجتمع أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة، وأرادوا أن يهجموا عليه فمنعوا وأغلقت الأبواب فأسمعوه القبيح، ثم تجمعوا وثاروا فى البلد، ونهبت الأموال وقتلت الرّجال، وأحرقت الدور، وفى جملة ما أحرق محلة الكرخ وكانت معدن التجار والشيعة. فأنفد عز الدولة بختيار «١» إلى المطيع لله يطلب منه مالا يخرجه على الغزاة فقال المطيع: إنّ النفقة على الغزاة وغيرها من مصالح المسلمين تلزمنى إذا كانت الدّنيا فى يدىّ والأموال تجبى إلىّ، وأما إذا كانت حالى هذه فلا يلزمنى شىء من ذلك، وإنما يلزم من البلاد فى يده وأنا ليس لى إلا الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت! وترددت الرسائل بينهما حتى بلغا إلى التهديد، فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وإنقاص داره وغير ذلك. وشاع عند النّاس من أهل العراق وحجاج خرسان وغيرهم

стр. 8750

أن الخليفة قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه فى مصالح نفسه وبطل حديث الغزاة، ولم يسمع بمثل هذا فيما مضى. وفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة/ وقعت الفتنة بين بختيار وسبكتكين التركى الحاجب «١» ، فانتصر الحاجب عليه واستولى على بغداد، وأخرج من فيها من أهل بختيار وأصحابه، وترك الأتراك فى دور الدّيلم، وأخذوا أموالهم على ما نذكر ذلك مبيّنا فى أخبار الدولة البويهية إن شاء الله تعالى. ذكر خلع المطيع لله نفسه من الخلافة وخلافة ابنه الطائع لله وفى منتصف ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وقيل فى الثالث عشر منه خلع المطيع لله نفسه من الخلافة. وكان سبب ذلك أنه أصابه مرض الفالج وثقل لسانه وتعذّرت الحركة عليه، وكان يستر ذلك، فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه إلى خلع نفسه وتسليمها لولده ففعل ذلك وأشهد عليه به. فكانت مدّة خلافته تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وعشرين يوما، وكان له من الأولاد أبو بكر وهو الطائع وعبد العزيز وجعفر. وزراؤه: أبو الحسن محمد بن على بن مقلة، وأبو الفضل أحمد الشيرازى. قضاته: محمد بن الحسين بن أبى الشوارب، ومحمد بن أمّ شيبان الهاشمى «٢» /، وأبو السائب «٣» ، وأبو بشر

стр. 8751

عمر بن أكثم. حجابه: بختيار بن معز الدولة ويخلفه عبد الواحد ابن أبى عمر الشرابى «١» . الأمير بمصر: الإخشيد إلى أن مات، ثم ثم ابنه أنوجور، ثم أخوه، ثم كافور الإخشيدى إلى أن مات، ثم عقد الأمر لأحمد بن علىّ بن الإخشيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، ثم خرجت مصر عن الدولة العباسية باستيلاء المعاربة عليها. القضاة بمصر: أبو الوليد، ثم عمر بن الحسن بن عبد العزيز العباسى من قبل أخيه محمد، واستخلف ابن الحدّاد، ثم وليها أبو بكر عبد الله بن محمد بن الخصيب، ثم ابنه محمد، ثم أبو طاهر محمد بن نصر. ذكر خلافة الطائع لله هو أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر، وأمه أم ولد اسمها عتب. وهو الخليفة الرابع والعشرون من الخلفاء العباسيين، وبويع له فى يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وسنّة يوم ذلك ثمان وأربعون سنة، ولم يل الخلافة أكبر منه سنّا من بنى العباسى، ولم يتقلّد الخلافة من له/ أب حىّ بعد أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه غيره «٢» ! ذكر الحوادث فى أيام خلافته فى هذه السنة خطب للمعزّ صاحب مصر بمكة والمدينة. وفى سنة أربع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وقبض على

стр. 8752

بختيار، ثم عاد بختيار إلى ملكه على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفى سنة خمس وستين وثلاثمائة توفى المعز لدين الله صاحب مصر، وقام بعده ابنه العزيز. وفى سنة ست وستين وثلاثمائة توفى ركن الدولة بن بويه، وملك ابنه عضد الدولة وفيها كان ابتداء الدولة الغزنوية وأول من ملك منهم بغزنة سبكتكين «١» ، وسنذكر أخباره فى دولتهم إن شاء الله تعالى. وفيها فى جمادى الأولى نقلت ابنة عزّ الدولة بختيار إلى الطائع لله، وكان قد تزوّجها. وفى سنة سبع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وأخرج بختيار عنها ثم قتله، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم «٢» . وفى سنة تسع وستين وثلاثمائة تزوج الطائع ابنة عضد الدولة، وكان عضد الدولة قد زوجه بها، وقال: لعلها/ تلد منه ولدا ذكرا فنجعله ولى عهده فتكون الخلافة فى ولدهم! وكان الصداق مائة ألف دينار، وزفت إليه فى سنة سبعين وكان معها من الجواهر والجهاز ما لا يحصى.

стр. 8753

وفى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة توفى عضد الدولة بن بويه «١» ، وولى صمصام الدولة ولده. وفى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج طائر من البحر بعمان وهو أكبر من الفيل، ووقف على تل هناك وصاح بصوت عال ولسان فصيح: قد قرب قد قرب قد قرب! ثلاثا، ثم غاص فى البحر، فعل ذلك ثلاثة أيام ثم غاب ولم ير بعد ذلك. وفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة ملك شرف الدولة العراق، وقبض على أخيه صمصام الدولة وسمله فى سنة تسع وسبعين، ومات شرف الدّولة فى السنة، وملك بعده أخوه بهاء الدولة وله إخوة. ذكر القبض على الطائع وشىء من أخباره وفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة فى يوم السبت لثمان من شعبان قبض بهاء الدولة بن بويه على الخليفة الطائع لله،/ وكان سبب ذلك أن بهاء الدولة قلّت عنده الأموال وكثر شغب الجند عليه، فقبض على وزيره سابور فلم يغن عنه شيئا. وكان أبو الحسن بن المعلم «٢» قد غلب على بهاء الدولة وحكم فى مملكته فحسّن له القبض على الطائع وأطعمه فى ماله، وهوّن ذلك عليه وسهّله. فأقدم عليه بهاء الدولة وأرسل إلى الطائع لله وسأله الإذن فى الحضور إليه ليجدّد العهد

стр. 8754

بخدمته، فأدن له بذلك. وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كبير فلما دخل قبّل الأرض. فأجلس على كرسى، فدخل بعض الدّيلم كأنه يريد تقبيل يد الخليفة، فجذبه وأنزله عن سريره والخليفة يقول: إنّا لله وإنا إليه راجعون! ويستغيث ولا يلتفت إليه، وأخذ ما فى دار الخلافة من الذخائر، ونهب الناس بعضهم بعضا. وكان فى جملتهم الشريف الرضى فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتا من جملتها: من بعد ما كان ربّ المال مبتسما ... إلىّ أدنوه فى النجوى ويدنينى «١» أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بين العزّ والهون «٢» ومنظر كان بالسراء يضحكنى ... يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكينى هيهات اعتزّ بالسّلطان ثانية ... قد ضلّ ولّاج أبواب السلاطين قال «٣» : ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع، فكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وبقى فى حبس القادر بالله إلى أن توفى فى يوم

стр. 8755

الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وصلّى عليه القادر بالله فى دار الخلافة وكبّر خمسا، وتحدّث الناس فى ذلك فقال: هكذا يصلى على الخلفاء! ودفن بالرصافة، ويقال: إن القادر بالله شيّع جنازته إليها ورثاه الشريف الرّضىّ بقصيدته التى أولها: ما بعد يومك ما يسلو به السّالى ... ومثل يومك لم يخطر على بالى وكان مولده فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان أبيض مربوعا حسن الجسم، وكان أنفه كبيرا جدا، وكان شديد القوة كثير الإقدام، ولم يكن له من الحكم فى ولايته ما يعرف به حاله ويستدلّ على سيرته. ذكر خلافة القادر بالله هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى أحمد بن الموفق، وأمه أم ولد اسمها دمنة وقيل تمنى «١» ، وهو الخليفة الخامس والعشرون من الخلفاء العباسيين. وبويع له فى يوم خلع الطائع لثمان/ بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وكان يوم ذاك بالبطيحة «٢» عند مهذّب الدولة أميرها.
следующие страницы →