← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

عمر بن أكثم. حجابه: بختيار بن معز الدولة ويخلفه عبد الواحد ابن أبى عمر الشرابى «١» . الأمير بمصر: الإخشيد إلى أن مات، ثم ثم ابنه أنوجور، ثم أخوه، ثم كافور الإخشيدى إلى أن مات، ثم عقد الأمر لأحمد بن علىّ بن الإخشيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، ثم خرجت مصر عن الدولة العباسية باستيلاء المعاربة عليها. القضاة بمصر: أبو الوليد، ثم عمر بن الحسن بن عبد العزيز العباسى من قبل أخيه محمد، واستخلف ابن الحدّاد، ثم وليها أبو بكر عبد الله بن محمد بن الخصيب، ثم ابنه محمد، ثم أبو طاهر محمد بن نصر. ذكر خلافة الطائع لله هو أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر، وأمه أم ولد اسمها عتب. وهو الخليفة الرابع والعشرون من الخلفاء العباسيين، وبويع له فى يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وسنّة يوم ذلك ثمان وأربعون سنة، ولم يل الخلافة أكبر منه سنّا من بنى العباسى، ولم يتقلّد الخلافة من له/ أب حىّ بعد أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه غيره «٢» ! ذكر الحوادث فى أيام خلافته فى هذه السنة خطب للمعزّ صاحب مصر بمكة والمدينة. وفى سنة أربع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وقبض على

стр. 8752

بختيار، ثم عاد بختيار إلى ملكه على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفى سنة خمس وستين وثلاثمائة توفى المعز لدين الله صاحب مصر، وقام بعده ابنه العزيز. وفى سنة ست وستين وثلاثمائة توفى ركن الدولة بن بويه، وملك ابنه عضد الدولة وفيها كان ابتداء الدولة الغزنوية وأول من ملك منهم بغزنة سبكتكين «١» ، وسنذكر أخباره فى دولتهم إن شاء الله تعالى. وفيها فى جمادى الأولى نقلت ابنة عزّ الدولة بختيار إلى الطائع لله، وكان قد تزوّجها. وفى سنة سبع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وأخرج بختيار عنها ثم قتله، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم «٢» . وفى سنة تسع وستين وثلاثمائة تزوج الطائع ابنة عضد الدولة، وكان عضد الدولة قد زوجه بها، وقال: لعلها/ تلد منه ولدا ذكرا فنجعله ولى عهده فتكون الخلافة فى ولدهم! وكان الصداق مائة ألف دينار، وزفت إليه فى سنة سبعين وكان معها من الجواهر والجهاز ما لا يحصى.

стр. 8753

وفى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة توفى عضد الدولة بن بويه «١» ، وولى صمصام الدولة ولده. وفى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج طائر من البحر بعمان وهو أكبر من الفيل، ووقف على تل هناك وصاح بصوت عال ولسان فصيح: قد قرب قد قرب قد قرب! ثلاثا، ثم غاص فى البحر، فعل ذلك ثلاثة أيام ثم غاب ولم ير بعد ذلك. وفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة ملك شرف الدولة العراق، وقبض على أخيه صمصام الدولة وسمله فى سنة تسع وسبعين، ومات شرف الدّولة فى السنة، وملك بعده أخوه بهاء الدولة وله إخوة. ذكر القبض على الطائع وشىء من أخباره وفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة فى يوم السبت لثمان من شعبان قبض بهاء الدولة بن بويه على الخليفة الطائع لله،/ وكان سبب ذلك أن بهاء الدولة قلّت عنده الأموال وكثر شغب الجند عليه، فقبض على وزيره سابور فلم يغن عنه شيئا. وكان أبو الحسن بن المعلم «٢» قد غلب على بهاء الدولة وحكم فى مملكته فحسّن له القبض على الطائع وأطعمه فى ماله، وهوّن ذلك عليه وسهّله. فأقدم عليه بهاء الدولة وأرسل إلى الطائع لله وسأله الإذن فى الحضور إليه ليجدّد العهد

стр. 8754

بخدمته، فأدن له بذلك. وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كبير فلما دخل قبّل الأرض. فأجلس على كرسى، فدخل بعض الدّيلم كأنه يريد تقبيل يد الخليفة، فجذبه وأنزله عن سريره والخليفة يقول: إنّا لله وإنا إليه راجعون! ويستغيث ولا يلتفت إليه، وأخذ ما فى دار الخلافة من الذخائر، ونهب الناس بعضهم بعضا. وكان فى جملتهم الشريف الرضى فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتا من جملتها: من بعد ما كان ربّ المال مبتسما ... إلىّ أدنوه فى النجوى ويدنينى «١» أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بين العزّ والهون «٢» ومنظر كان بالسراء يضحكنى ... يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكينى هيهات اعتزّ بالسّلطان ثانية ... قد ضلّ ولّاج أبواب السلاطين قال «٣» : ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع، فكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وبقى فى حبس القادر بالله إلى أن توفى فى يوم

стр. 8755

الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وصلّى عليه القادر بالله فى دار الخلافة وكبّر خمسا، وتحدّث الناس فى ذلك فقال: هكذا يصلى على الخلفاء! ودفن بالرصافة، ويقال: إن القادر بالله شيّع جنازته إليها ورثاه الشريف الرّضىّ بقصيدته التى أولها: ما بعد يومك ما يسلو به السّالى ... ومثل يومك لم يخطر على بالى وكان مولده فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان أبيض مربوعا حسن الجسم، وكان أنفه كبيرا جدا، وكان شديد القوة كثير الإقدام، ولم يكن له من الحكم فى ولايته ما يعرف به حاله ويستدلّ على سيرته. ذكر خلافة القادر بالله هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى أحمد بن الموفق، وأمه أم ولد اسمها دمنة وقيل تمنى «١» ، وهو الخليفة الخامس والعشرون من الخلفاء العباسيين. وبويع له فى يوم خلع الطائع لثمان/ بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وكان يوم ذاك بالبطيحة «٢» عند مهذّب الدولة أميرها.

стр. 8756

وكان سبب توجهه إليها أن إسحاق بن المقتدر والد القادر لما توفى جرى بين القادر وبين أخيه منازعة فى ضيعة، وطال الأمر بينهما. ثم إن الطائع لله مرض مرضا شديدا أشفى «١» منه ثم أبلّ «٢» فسعت إليه بأخيها القادر وقالت: إنه شرع فى طلب الخلافة عند مرضك! فتعيّر رأيه فيه، وأنفذ أبا الحسن ابن حاجب النّعمان وغيره للقبّض عليه وكان بالحريم الطاهرى، فأصعدوا فى الماء إليه. وكان القادر قد رأى فى منامه كأن رجلا يقرأ عليه.. «الّذين قال لهم النّاس إن النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» «٣» فهو يحكى هذا المنام لأهله ويقول: أنا خائف من طلب يطلبنى! ووصل أصحاب الطائع لله وقبضوا عليه، فأراد لبس ثيابه فمنعوه ولم يمكّنوه من مفارقتهم، فأخذه النساء منهم قهرا وخرج من داره واستتر وذلك فى سنة تسع وسبعين. ثم سار إلى البطيحة فسار فنزل على مهذب الدولة، فأكرم نزله ووسّع عليه وبالغ فى خدمته، ولم يزل عنده حتى أفضى إليه الأمر فجعل علامته «حسبنا الله ونعم الوكيل» . قال «٤» : ولما قبض على الطائع ذكر/ بهاء الدولة من يصلح

стр. 8757

للخلافة فاتفقوا على القادر بالله، فأرسل بهاء الدولة خواص أصحابه ليحضروه إلى بغداد. وشغب الجند والدّيلم ببغداد، ومنعوا من الخطبة له، فقيل على المنبر: اللهمّ أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله! ولم يذكر اسمه، ثم أرضاهم بهاء الدولة «١» . قال «٢» : ولما وصل الرسول إلى القادر بالله كان فى تلك الساعة يحكى مناما رآه فى تلك الليلة هو ما حكاه عبد الله بن عيسى كاتب مهذّب الدولة قال: كنت أحضر عند القادر بالله كلّ أسبوع مرتين، فكان يكرمنى، فدخلت عليه يوما فوجدته قد تأهب لم تجر به عادته، ولم أرمنه ما ألفت من كرامته «٣» فاختلفت بى الظنون، فسألته عن سبب ذلك فإن كان لزلّة منى اعتذرت عن نفسى فقال: «بل رأيت البارحة فى منامى كأن نهركم هذا نهر الصليق قد اتّسع فصار مثل دجلة دفعات، فسرت على جانبه متعجبا منه، ورأيت عليه قنطرة عظيمة فقلت من قد حدّث نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم؟ ثم صعدتها- وهى محكمة- فبينا أنا عليها أتعجب منها إذ رأيت شخصا يتأملنى من ذلك الجانب فقال: أتريد أن تعبر؟ قلت: نعم، فمد يده حتّى وصلت إلىّ فأخذنى وعبربى فهالنى، وتعاظمنى فعله، فقلت:/ من أنت؟ قال: علىّ بن

стр. 8758

أبى طالب وهذا الأمر صائر إليك ويطول عمرك فيه فأحسن إلى ولدى وشيعتى» ! قال «١» : فما انتهى القادر إلى هذا القول حتى سمعنا صياح الملّاحين وغيرهم فسألنا عن ذلك فإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولى الخلافة، فخطابته «يا أمير المؤمنين» وقام مهذّب الدولة بخدمته أحسن قيام، وحمل إليه من المال وغيره ما يحمله كبار الملوك إلى الخلفاء وشيّعه، فسار القادر إلى بغداد، فلما وصل جبّل «٢» انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس إليه واستقبلوه وساروا فى خدمته، فدخل دار الخلافة فى ثانى عشر شهر رمضان وبايعه بهاء الدولة والناس، وخطب له فى ثالث عشر الشهر المذكور. وجدّد أمر الخلافة وعظم ناموسها» وحمل إليه ما نهب من دار الخلافة، ولم يخطب له فى جميع خراسان بل كانت الخطبة فيها للطائع لله وحلف له بهاء الدولة على الطاعة والقيام بشروط البيعة، وحلف القادر له بالوفاء والخلوص، وأشهد عليه أنه قلّده ماوراء بابه. ذكر تسليم الطائع لله الى القادر وما فعله معه/ وفى شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة سلّم بهاء الدولة الطائع لله إلى الخليفة القادر بالله، فأنزله فى حجرة من خاصّ

стр. 8759

حجره، ووكل به من ثقات خدمه من يقوم بخدمته وبالغ فى الإحسان إليه، وكان الطائع يطلب الزيادة فى الخدمة كما كان أيام الخلافة فيؤمر له بذلك. حكى عنه أن القادر أرسل إليه طيبا فقال: من هذا يتطيب أبو العباس؟ يعنى القادر فقالوا: نعم! فقال: قولوا له عنى: فى الموضع الفلانى كندوج «١» فيه طيب مما كنت أستعمله، فليرسل إلىّ بعضه ويأخذ الباقى لنفسه! ففعل ذلك، وأرسل إليه القادر يوما عدسية فقال: ما هذا؟ قالوا: عدس وسلق! فقال: أوقد أكل أبو العباس من هذا؟ قالوا: نعم! قال: قولوا له عنى: لمّا أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت فما كانت العدسية تعوزك، ولم تقلدت هذا الأمر؟ فأمر حينئذ القادر أن تفرد له جارية من طباخاته تحضر له ما يلتمسه فى كل يوم، فأقام على هذا إلى أن توفى. وفى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة عقد نكاح القادر بالله على بنت بهاء الدولة «٢» على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وماتت قبل النّقلة إليه. وفيها اشتدّ الغلاء بالعراق وبيعت الكارة الدقيق بمائتين وستين درهما، والكرّ الحنطة بستة آلاف/ وستمائة درهم غياثية «٣» .

стр. 8760

وفى سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة توفى العزيز بالله صاحب مصر، وولى بعده ابنه الحاكم. وفى سنة تسع وثمانين انقرضت الدّولة السامانية وملك التّرك ماوراء النهر «١» . وفيها عمل أهل باب البصرة ببغداد يوم السادس والعشرين من ذى الحجة زينة عظيمة وفرحا كثيرا، وعملوا فى ثامن عشر المحرم مثل ما تعمل الشيعة فى يوم عاشوراء. وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب ويعلّقون الثياب للزينة فى اليوم الثامن عشر من ذى الحجة، وهو يوم الغدير. وكانوا يعملون- يوم عاشوراء- المآتم والنّوح، ويظهرون الحزن لمقتل الحسين، فعمل أهل باب البصرة مقابل ذلك بعد يوم الغدير بثمانية أيام مثلهم وقالوا: يوم دخول النبى ﷺ وأبو بكر رضى الله تعالى عنه الغار! وعملوا بعد عاشوراء بثمانية أيام مثل عمل الشيعة يوم عاشوراء وقالوا: هذا يوم قتل مصعب بن الزبير رضى الله تعالى عنهما. وفى سنة تسعين وثلاثمائة ظهر فى سجستان معدن الذهب الأحمر «٢» .

стр. 8761

ذكر البيعة لولى العهد وفى شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة أمر القادر بالله/ بالبيعة لولده أبى الفضل بولاية العهد، ولقّبه الغالب بالله. وكان سبب ذلك أن أبا عبد الله بن عثمان الواثقى من ولد الواثق بالله كان من أهل نصيبين، فقصد بغداد ثم سار إلى خراسان وعبر النّهر إلى هارون بن أيلك بغراخان «١» ، وصحبه الفقيه أبو الفضل التميمى وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره بالبيعة لهذا الواثقىّ وأنه ولىّ عهده. فأجاب بغراخان إلى ذلك وبايع له وخطب له ببلاده، فبلغ ذلك القادر فعظم عليه وأرسل إلى بغراخان فى معناه فلم يصغ إلى رسالته. فلما توفى هارون وولى بعده أحمد بغراخان كاتبه الخليفة فى معناه، فأمر بإبعاده فحينئذ بايع القادر لولده، وأحضر حجاج خراسان وأعلمهم ذلك. وأما الواثقىّ فإنه خرج من عند أحمد بغراخان وقصد بغداد فعرف بها، فطلب منها فهرب إلى البصرة ثم إلى فارس وكرمان، ثم إلى بلاد الترك، فلم يتم له ما أراد، وأرسل الخليفة إلى الملوك يطلبه فضاقت عليه الأرض، فسار إلى خوارزم فأقام بها ثم فارقها، فأخذه يمين الدولة محمود بن سبكتكين فحبسه إلى أن مات.

стр. 8762

وفى سنة إحدى وأربعمائة خطب قرواش «١» بن المقلد أمير بنى عقيل للحاكم العلوى صاحب مصر بالكوفة/ والموصل والأنبار والمدائن وغيرها من أعماله ثم قطعت فى السنة «٢» . وفى سنة إحدى عشرة وأربعمائة مات الحاكم صاحب مصر وولى بعده ابنه الظاهر لاعزاز دين الله «٣» . وفى سنة اثنتى عشرة وأربعمائة توفى على بن هلال المعروف بابن البواب، وإليه انتهى الخطّ، ونقل عنه إلى وقتنا هذا، ودفن بجوار أحمد بن حنبل، وكان يقص بجامع بغداد، وقيل إنه مات فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ورثاه المرتضى «٤» . ذكر الفتنة بمكة وفى سنة أربع عشرة وأربعمائة فى يوم النفر الأول وكان يوم الجمعة، قام رجل من أهل [مصر] «٥» بإحدى يديه سيف

стр. 8763

مسلول والأخرى دبوس، بعد فراغ الإمام من الصلاه فقصد الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بالدبوس وقال: إلى متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلىّ؟ فليمنعنى مانع من هذا، فإنى أريد هدم هذا البيت! فخاف أكثر من حضر وتراجعوا عنه وكاد يفلت، فثار به رجل فضربه بخنجر فقتله، وقطّعه النّاس وأحرقوه، وقتل ممّن اتّهم بمصاحبته جماعة وأحرقوا، وثارت الفتنة، وكان الظّاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلا غير ما أخفى منهم. وألحّ/ النّاس فى ذلك اليوم على المغاربة والمصريين بالنّهب والسّلب، فلما كان الغدماج النّاس واضطربوا وأخذوا أربعة من أصحاب ذلك الرجل فقالوا: نحن مائة رجل! فضربت أعناق الأربعة. وتقشّر بعض وجه الحجر من الضربات، فأخذ ذلك الفتات وعجن بلك وأعيد إلى موضعه. وفى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة سقط بالعراق جميعه برد كبار وزن الواحدة رطل ورطلان، وأصغره كالبيضة، فأهلك الغلّات ولم يصح منها إلى القليل، هكذا حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل «١» . وفيها فى آخر تشرين الثانى هبّت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخلّ، وبطل دوران الدواليب التى على دجلة. وفى سنة تسع عشرة وأربعمائة انقطع الحجّ من العراق، فمضى

стр. 8764

بعض حجاج خرامان إلى كرمان وركبوا فى البحر إلى جدة وحجوا!. ذكر البيعة لولى العهد كان القادر بالله قد جعل ولاية العهد لولده أبى الفضل كما قدمناه فمات «١» فلما كان فى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة مرض القادر وأرجف بموته، فجلس جلوسا عاما وأذن للخاصة والعامة/ فدخلوا عليه. فلما اجتمعوا قام الصّاحب أبو الغنائم فقال: خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بالبقاء وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبى جعفر لولاية العهد! فقال القادر للناس: قد أذنّا لكم فى العهد له! وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك فنهاه عنه الحسن ابن حاجب النعمان، فلما عيّنه القادر الآن جلس على السرير الذى كان قائما عليه. وألقيت الستارة التى على القادر، فتقدم الحاضرون وخدموا ولىّ العهد وهنّئوه، وتقدّم أبو الحسن ابن حاجب النعمان فقبّل يده وهنّأه فقال له أبو جعفر: «وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال» «٢» يعرض له بإفساده رأى القادر فيه فأكب على تقبيل قدميه وتعفير خدّه بين يديه، فقبل عذره. ودعى لأبى جعفر على المنابر يوم الجمعة لستّ بقين من جمادى الأولى، ومات أبو الحسن ابن حاجب النعمان فى نفس السنة.

стр. 8765

ذكر ملك الروم مدينة الرها وفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ملك الرّوم مدينة الرّها وكانت بيد نصير الدولة «١» بن مروان صاحب ديار بكر، ملكها من صاحبها عطير فى سنة ست عشرة وأربعمائة ثم مات عطير فشفع صالح بن مرداس صاحب حلب إلى نصير الدولة فى إعادتها إلى ابن عطير وإلى ابن شبل بينهما، فقبل شفاعته وسلمها إليهما. وكان فى الرّهابرجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر فتسلم ابن عطير الكبير وابن شبل الصغير، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة. فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم وباعه حصّنه من الرّها بعشرين ألف دينار وعدّة قرى من جملتها القرية التى عرفت بسن ابن عطير، وتسلموا البرج الذى له ودخلوا البلد فملكوه وهرب منه أصحاب ابن شبل. وقتل الرّوم المسلمين، وخرّبوا المساجد، فسمع نصير الدولة الخبر فسيّر جيشا كثيفا إلى الرها فحصرها وفتحها عنوة، واعتصم من بها من الروم بالبرجين واحتمى النّصارى بالبيعة التى لهم، فحصرهم المسلمون بها وأخرجوهم وقتلوا أكثرهم ونهبوا البلد، وبقى الروم بالبرجين. فسيّر إليهم ملكهم عسكرا نحو عشرة آلاف مقاتل، فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم، ودخل الروم البلد ونهبوا ما جاورهم من بلاد المسلمين وصالحهم ابن وثّاب [النميرى] «٢» على حرّان وسروج وحمل إليهم خراجا.

стр. 8766

ذكر وفاة القادر بالله وشىء من أخباره وسيرته كانت وفاته ﵀ فى اليوم الحادى والعشرين من ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر. وكانت مدّة خلافته إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر إلا أياما. وكان حليما كريما خيّرا يحبّ الخير وأهله ويأمر به، وينهى عن الشرّ ويبغض أهله. وكان حسن الاعتقاد، وصنّف كتابا على مذهب السنة. وكان يخرج من داره فى زىّ العامّة ويزور قبور الصالحين كقبر معروف الكرخىّ وغيره. قال القاضى الحسين بن هارون: كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له قيمة جيّدة، فأرسل إلىّ ابن حاجب النعمان- وهو حاجب القادر بالله- يأمرنى أفكّ الحجر عنه ليشترى بعض أصحابه ذلك الملك فلم أفعل فأرسل إلى يستدعينى فقلت لغلامه: «تقدمنى حتى ألحقك» وخفته وقصدت قبر معروف الكرخى فدعوت الله أن يكفينى شرّه وهناك شيخ فقال: «على من تدعو؟» فذكرت له الخبر ووصلت إلى الحاجب فأغلظ لى فى القول ولم يقبل عذرى، فأتاه خادم برقعة ففتحها فقرأها فتغير لونه واعتذر إلى ثم قال: «كتبت إلى الخليفة رقعة؟» / قلت: «لا» وعلمت أن ذلك الشّيخ كان الخليفة! وقيل إنه كان يقسم إفطاره كلّ ليلة ثلاثة أقسام؛ فقسم يتركه بين يديه، وقسم يرسله إلى جامع الرصافة، وقسم يرسله إلى جامع المدينة يفرّقه على المقيمين فيهما. فاتّفق أن الفرّاش حمل

стр. 8767

الطعام ليلة إلى جامع المدينة ففرّقه على الجماعة، فأخذوا إلا شابّا فإنه رده، فلما صلّوا المغرب خرج الشاب وتبعه الفرّاش فوقف على باب فاستطعم فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع فقال له الفراش: ويحك أما تستحى. ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فتردّه وترجع فتأخذه من الأبواب؟ فقال: والله ما رددته إلا لأنك عرضته علىّ قبل المغرب وكنت غير محتاج إليه فلما احتجت طلبت! فعاد الفراش وأخبر القادر بالله فبكى وقال له: راع مثل هذا واغتنم أجره وأقم إلى وقت الإفطار. ومناقبه كثيرة مشهورة وكان أبيض نقىّ الجسم كثّ اللحية طويلها يخضب. ودبّر الملك فى أيامه بهاء الدولة إلى أن مات، ثم ابنه سلطان الدولة أبو شجاع إلى أن مات، ثم أخوه أبو على شرف الدولة إلى أن مات، ثم أخوه أبو طاهر جلال الدولة. وكان للقادر بالله من الأولاد أبو الفضل الغالب بالله مات فى حياته، وأبو جعفر عبد الله القائم، وأبو القاسم ومات فى حياتة أيضا. وزراؤه: محمد بن أحمد الشيرازى الصاحب، وسعيد بن نصر بن على الفيروزابادى، وسعيد بن الحسن بن برتك «١» البصرى، وعلى بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان، ثم ابنه أبو الفضل محمد بن على.

стр. 8768

حجابه: أبو الفتح محمد بن الحسين السعيدى، ثم أبو القاسم بكران، ثم ولده أبو منصور وغيرهم، نقش خاتمه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقيل: «حسبى الله ونعم الوكيل» . ذكر خلافة القائم بأمر الله هو أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أبى العباس أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر، وقد تقدم ذكر نسبه. وأمه أم ولد اسمها بدر الدجى، وقيل: قطر الندى وقيل: علم، وكانت أرمنية وقيل: رومية. وهو الخليفة السادس والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له البيعة العامّة بعد وفاة أبية فى الحادى والعشرين من ذى الحجة فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة «١» . وصلّى بالناس عشاء المغرب فى صحن السلام من دار الخلافة، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى وعشرين كما ذكرناه، وأول/ من بايعه الآن الشريف أبو القاسم المرتضى، وأنشد: فإمّا مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسى وإما فجعنا يبدر التّمام ... فقد بقيت منه شمس الضّحى فكم حزن فى محلّ السرور ... وكم ضحك فى خلال البكى «٢» فيا صارما أغمدته يد ... لنا بعدك الصارم المنتضى

стр. 8769

وأرسل القائم بأمر الله قاضى القضاة أبا الحسن الماوردى إلى الملك أبى كاليجار ليأخذ عليه البيعة، ويخطب له فى بلاده، فأجاب وبايع، وخطب له فى بلاده، وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالا كثيرة. ذكر الحوادث فى أيام القائم فى منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة توفى الظّاهر صاحب مصر، وولى بعده ابنه المستنصر «١» . وفى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة كان ابتداء الدولة السّلجقية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم «٢» . وفى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة أظهر المعزّ بن باديس الدّعوة للدولة العباسية، وخطب ببلاده للخليفة القائم بأمر الله فسيّرت إليه الخلع والتقليد «٣» . وفى سنة إحدى وأربعين/ وأربعمائة فى ذى القعدة ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلا فزادت ظلمتها على ظلمة الليل، وظهر فى جوانب السماء كالنار المضطرمة، وهبّت ريح قلعت روشن «٤» دار الخليفة، ثم انكشف ذلك فى بقية الليل.

стр. 8770

وفى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة فى يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر ظهر ببغداد كوكب غلب نوره على نور الشمس له ذؤابة نحو دراعين، وسار سيرا بطيئا، ثم انقض والناس يشاهدونه. وفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة زلزلت الأرض نحورستان وأرّجان وغيرها زلازل كثيرة كان معظمها بأرجان فخرّب كثير من بلادها، وانفرج جبل كبير بالقرب من أرجان فانصدع فظهر فى وسطه درجة بالآجرّ والجصّ وقد خفيت فى الجبل، فعجب الناس من ذلك! وفى سنة سبع وأربعين وأربعمائة وصل طغرلبك السّلجقى إلى بغداد «١» وخطب له بها، وانقرضت الدولة البويهية. وفى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة تزوّج الخليفة القائم بأمر الله بأرسلان خاتون واسمها خديجة ابنة داود أخى السلطان طغرلبك، وقبل الخليفة النّكاح لنفسه. وفى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة فى الشعر/ الثانى من جمادى الآخرة ظهر وقت السّحر فى السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذرع فى رأى العين وعرضها ذراع، وبقيت كذلك إلى نصف شهر رجب واضمحلّت.

стр. 8771

وفيها أمر الخليفة القائم بأمر الله أن يؤذّن بالكرخ والمشهد وغيرهما «الصلاة خير من النوم» وأن يتركوا «حى على خير العمل» ففعلوا ذلك. وفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة اشتدّ الغلاء ببغداد والعراق حتّى بيعت الكارة الدقيق السميذ بثلاثة عشر دينارا والكارة الشعير والذرة بثمانية دنانير، ومقدار الكارة [] «١» وأكل النّاس الميتة والكلاب وغيرها وكثر الوباء، حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانوا يجعلون الجماعة فى الحفيرة. وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل: إنه مات فى يوم واحد ثمانية عشر ألف إنسان من أعمال بخارى، وهلك فى هذه الولاية فى مده الوباء ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألفا، وكان بسمرقند مثل ذلك، ووجد ميّت وقد دخل عليه تركى يأخذ لحافا عليه فمات التركى وطرف اللّحاف بيده، وبقيت أموال الناس سائبة لا تجد من يجمعها «٢» !

стр. 8772

ذكر أخبار أبى الحارث أرسلان البساسيرى وابتداء حاله وما كان منه إلى أن تغلب على بغداد وقطع خطبة القائم بأمر الله وخطب للمستنصر العلوى صاحب مصر كان أبو الحارث البساسيرى مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهى، وهو منسوب إلى مدينة بساسير من بلاد فارس، كان سيده الأول منها فقيل له: البساسيرى لذلك «١» . وأما ما وليه من المناصب التى ترقّى منها إلى أن صار منه ما صار، فإنه ولى فى سنة خمس وعشرين وأربعمائة حماية الجانب الغربى ببغداد، لأن العيارين كان قد اشتد أمرهم وعظم فسادهم وعجز عنهم نواب السلطان فاستعمل لكفاءته ونهضته وذلك فى سلطنة جلال الدولة أبى طاهر بهاء الدولة بن بويه، فظهرت كفاءته. وتقلّبت به الحال وصحب جلال الدولة فى حروبه وأبلى بين يديه بلاء حسنا، فعظم شأنه وارتفع محلّه وعلت رتبته وتقدّم على الجيوش، وكان بينه وبين العرب الذين خالفو جلال الدولة وخرجوا عن طاعته وكاشفوه بالعداوة حروب كان [النّصر] فى/ أكثرها له، ثم صار يخلف الملك الرحيم ببغداد. واستولى على الأنبار فى سنة

стр. 8773

إحدى وأربعين وأربعمائة وملكها من قرواش بن المقلّد، واستولى على الدّردار، وملكها من سعيد بن أبى الشول. ولما استولى الملك الرحيم على البصرة فى سنة أربع وأربعين وأربعمائة وأخذها من أخيه أبى على بن أبى كاليجار سلّمها إلى البساسيرى فنهض فيها وضبطها وأوقع بالأكراد والأعراب فى سنة خمس وأربعين وأربعمائة- وكانوا قد أفسدوا فى البلاد- فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم أموالهم وأجلاهم عن البلاد. ثم أتى بغداد ووقع بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله وحشة عظيمة فى سنة ستّ وأربعين وأربعمائة لأسباب يطول شرحها أدّت إلى إسقاطه مشاهرات الخليفة ومشاهرات رئيس الرؤساء «١» الوزير وحواشى الدار، ودام ذلك من شهر رمضان إلى ذى الحجة! ثم سار إلى الأنبار فمنعه أبو الغنائم ابن المحلبان من دخولها فحاصرها ونصب عليها المجانيق، وفتحها عنوة ونهبها وأسر من أهلها خمسمائة رجل ومائة من بنى خفاجة وأسر أبو الغنائم. وعاد إلى بغداد وهو بين يديه على جمل وعليه قميص أحمر وعلى رأسه برنس وهو مقيّد، وأنّى إلى مقابل التّاج وقبّل الأرض وعاد إلى منزله وهو يجعل الذّنب كلّه لرئيس الرؤساء/ وزير الخليفة- ويقول لست أشكو إلا منه فإنه أخرب البلاد. وكاتب السّلجوقية وأطمعهم فى البلاد، ثم توجه البساسيرى إلى واسط، فلما كان فى سنة سبع وأربعين وضع رئيس الرؤساء

стр. 8774

الأتراك البغداديين على البساسيرى وثلبه ونسب ما يقع من النقص إليه، ففعلوا ذلك وزادوا عليه حتى حضروا إلى دار الخلافة فى شهر رمضان واستأذنوا فى قصد دور البساسيرى ونهبها فأذن لهم فى ذلك، فنهبوا دوره وأحرقوها، ووكلوا بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابّه وجميع ما بملكه ببغداد. وأطلق رئيس الرؤساء لسانه فى البساسيرى وذمّه ونسبه إلى مكاتبة المستنصر صاحب مصر، وأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيرى فأبعده، وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب فى ملك السلطان طغرلبك العراق. ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد إثر هذه الحادثة وملكها، وانقرضت الدّولة البويهية، فعند ذلك أظهر البساسيرى الخلاف وجاهر بالعصيان، وانضم إليه نور الدولة دبيس بن مزيد. والتقوا هم وقريش بن بدران «١» صاحب الموصل وكان مع قريش قتلمش «٢» السّلجوقى-/ وهو ابن عم طغرلبك- واقتتلوا فكانت الهزيمة على قريش وقتلمش، وكانت هذه الواقعه عند سنجار فى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. ثم صار قريش بن بدران مع البساسيرى ونور الدولة دبيس، فساروا إلى الموصل وخطبوا بها للمستتصر بالله العلوى صاحب مصر- وكانوا قد كاتبوه بطاعتهم فأرسل إليهم الخلع عن مصر- فلما بلغ ذلك السلطان طغرلبك سار إلى الموصل وديار بكر لإخلائها من البساسيرى وغيره من المفسدين، فاستولى

стр. 8775

على الموصل وأعمالها وسلّمها إلى أخيه إبراهيم ينال «١» وعاد إلى بغداد فى سنة تسع وأربعين وأربعمائة فأقام بها إلى سنة خمسين وأربعمائة. ثم فارقها وتوجه نحو بلاد الجبل فعاد البساسيرى إلى الموصل واستولى عليها وحصر قلعتها أربعة أشهر، وملكها فهدمها وعفى أثرها، وكان السلطان قد فرق عساكره فكتب إلى أخيه إبراهيم واستدعاه، فحضر إليه إلى بلاد الجبل فسار السلطان جريدة «٢» فى ألفى فارس إلى الموصل فوجد البساسيرى وقريش بن بدران قد فارقاها. فسار إلى نصيبين ليتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ينال إلى همذان فكاتبه البساسيرى وأطمعه فى السلطنة، فأظهر إبراهيم العصيان/ على السلطان طغرلبك فسار طغرلبك إلى همذان فى منتصف شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة، واشتغل بحرب أخيه حتى ظفر به، ثم عرض له ما شغله عن العود إلى بغداد. ذكر استيلاء أبى الحارث البساسيرى على العراق وخروج الخليفة القائم بأمر الله من بغداد والخطبة للمستنصر بالله العلوى صاحب مصر وقطع الدعوة العباسية قال «٣» : ولما اشتغل السلطان طغرلبك بحرب أخيه

стр. 8776

قصد البساسيرى بغداد، فلما وصل إلى هيت أمر الخليفة الناس بالعبور إلى الجانب الشرقى، وكان الأتراك كلّهم قد التحقوا بالسلطان إلى همذان. وكان الخليفة قد كتب إلى نور الدولة دبيس يأمره بالوصول إلى بغداد فورد إليها فى مائة فارس، فلما قوى الإرجاف بوصول البساسيرى أرسل دبيس بن مزيد إلى الخليفة وإلى رئيس الرؤساء (الوزير يقول: الرأى عندى خروجكما من البلد معى، فإننى أجتمع أنا وهزارسب بواسط على دفع عدوّكما. فأتاه الجواب أن يقيم حتى يقع/ الفكر فى ذلك، فقال: العرب لا تطيعنى على المقام، وأنا أتقدم إلى ديالى فإذا انحدرتم سرت فى خدمتكم! وسار وأقام بديالى ينتظرهما فلم ير لذلك أثرا، فسار إلى بلده. ثم وصل البساسيرى إلى بغداد فى يوم الأحد ثامن ذى القعدة ومعه أربعمائة غلام فى غاية الضر والفقر، فنزل بمشرعة الروايا وكان معه قريش بن بدران وهو فى مائتى فارس فنزل مشرعة باب البصرة. وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بإزاء عسكر البساسيرى وعادوا، وخطب البساسيرى بجامع المنصور للمستنصر العلوى صاحب مصر فأذّن «حى على خير العمل» وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الزاهر واجتمعوا فيه، وخطب فى الجمعة الثانية للمصرى بجامع الرصافة، وجرى بين الطائفتين حروب فى أثناء الأسبوع. وكان عميد العراق يشير على رئيس الرؤساء وزير الخليفة بالتوقف عن المناجزة، ويرى المحاجزة ومطاولة الأيام انتظارا لقدوم

стр. 8777

طغرلبك، ولما يراه من ميل العوام للبساسيرى. فاتّفق فى بعض الأيام أن القاضى الهمذانى حضر إلى رئيس الرؤساء واستأذنه فى الحرب وضمن له قتل البساسيرى فأذن له من/ غير علم عميد الدولة، فخرج ومعه الخدم والهاشميون والعجم والعوام إلى الخليفة فاستخرجهم البساسيرى حتى أبعدوا، ثم حمل عليهم فعادوا منهزمين، وقتل جماعة منهم، ومات فى الزّحمة جماعة، ونهب باب الأزج. وكان رئيس الرؤساء واقفا دون الباب فدخل الدار وهرب كل من فى الحريم، ورجع البساسيرى إلى معسكره. واستدعى الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم فلم يرعهم إلا والزعقات قد علت ونهب الحريم، ودخلوا الباب النوبى. فركب الخليفة لابسا السّواد وعلى كتفه البردة وبيده سيف على رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة، فرأى النّهب قد وصل إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ورائه ومضى نحو عميد العراق.، فوجده قد استأمن إلى قريش فعاد وصعد إلى المنظرة. وصاح رئيس الدولة «يا علم الدين» يعنى قريشا «أمير المؤمنين يستدنيك» فدنا منه فقال له رئيس الرؤساء: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك، وأمير المؤمنين يستذم «١» منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسوله صلى الله عليه

стр. 8778

وسلم وذمام العربية. قال: أذم الله تعالى! قال: ولى ولمن معه؟ / قال نعم! وخلع قلنسوته وأعطاها الخليفة، وأعطى رئيس الرؤساء ذماما. فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه فأرسل إليه اليساسيرى: أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ «١» فقال قريش: لا! وكانا قد تعاهدا على المشاركة فى الذى يحصل لهما وأن لا يستبدّ أحدهما دون الآخر بشىء، فاتفقا على أن يسلّم قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيرى لأنه عدوّه ويترك الخليفة عنده! ذكر مقتل رئيس الرؤساء وعميد العراق قال «٢» ولما أرسل قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيرى قال له: مرحبا بمهلك الدول ومخرّب البلاد! فقال: العفو عند المقدرة! فقال له المبساسيرى: قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وركبت الأفعال الشنيعة مع حرمى وأطفالى، فكيف أعفو أنا وأنا صاحب السيف؟ وأمر به فحبس إلى آخر ذى الحجة، ثم أخرجه من محبسه مقيدا وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفى رقبته- مخنّقة/ [جلد بعير] «٣» وهو يقرأ «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ

стр. 8779

تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ» الآية.. «١» وطيف به محالّ بغداد وهو على جمل ووراءه من يصفعه. فلما اجتاز بالكرخ بصق أهل الكرخ فى وجهه لأنه كان يتعصّب عليهم! وجىء به إلى البساسيرى وقد نصبت له خشبة فأنزل من على الجمل وألبس جلد ثور قد سلخ فى ذلك اليوم، وجعلت قرونه على رأسه وعلّق بكلوبين من حديد، فلم يزل يضطرب إلى آخر النهار ومات، فقال بعض الشعراء فى هذه الواقعة: أقبلت الرّايات مبيضّة ... يقدمهنّ الأسد الباسل وولت السوداء منكوسة ... ليس لها من ذلّة سائل انظر إلى الباغى على جدعه ... والدّم من أوداجه سائل يعنى رئيس الرؤساء، قال: ودخل البساسيرى داره ونهب ما فيها وشهر حرمه وأمر بنقض داره وقال عند ذلك: فواحدة بواحدة جزاء! قال «٢» : وكان رئيس الرؤساء حسن التّلاوة جيّد المعرفة بالنّحو. وقتل البساسيرىّ عميد العراق وكان فيه شجاعة وله فتوة، وهو الذى بنى رباط شيخ الشيوخ. وأما الخليفة فإن قريشا نقله إلى معسكره/ راكبا وعليه السّواد والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء وأنزله فى خيمة، وأخذ أرسلان خاتون ابنة أخى السلطان طغرلبك فسلّمها إلى أبى عبد الله بن جردة ليقوم بخدمتها.

стр. 8780

ونهبت دار الخلافة وحريمها أياما، ثم سلّم قريش الخليفة إلى ابن عمّه مهارش بن المجلّى «١» وهو رجل فيه دين وله مروءة فحمله فى هودج وسار به إلى حديثة عانة «٢» فنزل بها، ولما وصل إلى الأنبار شكا البرد، فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه شيئا يلبسه فأرسل إليه جبة فيها قطن ولحافا. قال «٣» وركب البساسيرى يوم عيد النّحر وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقى وعلى رأسه الألوية المصرية، فأحسن إلى الناس وأجرى الجرايات على المتفقّهة ولم يتعصب لمذهب، وأقام بالعراق إلى ذى القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. واشتغل السلطان طغرلبك فى هذا لمدّة بأمر أخيه إبراهيم حتى ظفر به وقتله، ومات أخوه داود بخراسان فاحتاج طغرلبك إلى المقام حتى قرّر القواعد بعده لإلب أرسلان ابن أخيه داود «٤» ثم عاد إلى العراق

стр. 8781

ذكر عود الخليفة القائم بأمر الله الى بغداد وخروج البساسيرى منها وقتله / قال: «١» ولما فرغ السلطان طغرلبك من أخيه إبراهيم ينال وقتله، وقتل ابنيه معه- وكان قد خرج عليه مرارا فعفا عنه، وإنما قتله فى هذه الوقعة لأنه علم أن الذى جرى على الخليفة كان بسببه فلهذا لم يعف عنه- عاد إلى العراق وليس له هم إلا إعادة الخليفة القائم بأمر الله إلى داره. فأرسل إلى البساسيرىّ وقريش فى إعادة الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغرلبك العراق ويقنع بالخطبة والسّكة، فلم يجب البساسيرىّ إلى ذلك، فرحل طفرلبك إلى العراق، فلما وصلت مقدّمته إلى قصر شيرين خرج حرم البساسيرى وأولاده، ورحل أهل الكرخ بنسائهم وأولادهم فى دجلة وعلى الظهر. وكان دخول البساسيرىّ بغداد فى سادس ذى القعدة سنة خمسين وأربعمائة، وخروجه منها فى سادس ذى القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ووصل طغرلبك إلى بغداد وقد أرسل من الطريق الإمام أبا بكر أحمد المعروف بابن فورك «٢» إلى قريش ابن بدران يشكره على فعله بالخليفة وحفظه وصيانته ابنة أخيه امرأة الخليفة، ويعرفه أنه أرسل أبا بكر بن فورك لإحضارهما. ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل إلى مهارش يقول له:/ «إنا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك لينكشف بلاء الغزّ عنا والآن فقد عادوا وهم عازمون على قصدك،

стр. 8782

فارحل بأهلك إلى البرية فإنهم إذا علموا أن الخليفة عندنا فى البرية لم يقصدوا العراق ونتحكم عليهم بما نريد» فقال مهارش: «إن الخليفة قد استحلفنى بعهود لا أخلص منها» . وسار مهارش ومعه الخليفة فى حادى عشر ذى القعدة سنة إحدى وخمسين إلى العراق فوافيا ابن فورك فى الطريق، وأرسل إليه طغرلبك الخيام العظيمة والسرادقات والخيل بمراكب الذهب وغير ذلك من التحف فلقوه. ووصل الخليفة إلى النهروان فى الرابع والعشرين من ذى القعدة، وخرج السلطان إلى خدمته وقبّل الأرض بين يديه وهنأه بالسلامة واعتذر من تأخره. فشكر له ذلك وقلّده سيفا وقال: لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه وقد تبرّك أمير المؤمنين به! قال: «١» ولم يبق ببغداد من أعيانها من يستقبل الخليفة غير القاضى أبى عبد الله بن الدامغانىّ وثلاثة نفر من الشّهود. وتقدّم السلطان فى المسير ووصل إلى بغداد، وجلس إلى الباب النوبى مكان الحاجب، ووصل القائم بأمر الله فقام طغرلبك وأخذ بلجام بغلته/ حتى صار إلى حجرته. وكان وصوله يوم الإثنين لخمس بقين من ذى القعدة، وكانت السنة مجدبة، ولم ير النّاس فيها مطرا فجاء المطر فى تلك الليلة «٢» .

стр. 8783

قال «١» : ولما استقرّ الخليفة القائم بأمر الله أنفذ السلطان جيشا عليهم خمار تكين الطّغرائى فى ألفى فارس نحو الكوفة، وسار فى أثرهم فلم يشعر دبيس والبساسيرى إلا والسّريّة قد وصلت إليهم فى ثامن ذى الحجة من طريق الكوفة، فجعل أصحاب دبيس ابن مزيد يرتحلون بأهليهم فيتبعهم الأتراك فيتقدم دبيس ليردّ العرب إلى القتال فلا يرجعون! فمضى، ووقف البساسيرىّ وقاتل فسقط عن فرسه ووقع فى وجهه ضربة، ودلّ عليه بعض الجرحى فأخذه كمشتكين، وأتى عميد الملك الكندرى «٢» وزير السلطان وقتله، وحمل رأسه إلى السلطان فأمر بحمله إلى دار الخليفة، فطيف به على قناة فى نصف ذى الحجة، ومضى، ومضى نور الدولة دبيس إلى البطيحة. وفى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة رتّب الخليفة أبا تراب الأثيرىّ فى الأنهار وحضور المواكب ولقّبه حاجب الحجّاب، واستوزر أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست، بعد أن شرط على نفسه أن يخدم بغير إقطاع/ ويحمل مالا. وفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله وحمل مائة ألف دينار، ولم يقع مثل هذا فيما تقدّم، وامتنع الخليفة من ذلك ثم أجاب إليه.

стр. 8784

وفى هذه السنة عزل ابن دارست عن الوزارة ووليها أبو نصر ابن جهير. وفيها عمّ الرخص جميع الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من الثمر بثمانية قراريط «١» . وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة وصل السلطان بابنة الخليفة فى شهر المحرم، وسار من بغداد فى شهر ربيع الأول إلى الرّىّ فمرض بها وتوفى لثمان خلون من شهر رمضان. وفيها ملك ألب أرسلان بعد عمّه طغرلبك «٢» . وفى سنة ستّ وخمسين وأربعمائة عادت ابنة الخليفة زوجة السلطان طغرلبك وسيّر السلطان فى خدمتها الأمير إيتكين السليمانى وجعله شحنة «٣» على بغداد وسأل ألب أرسلان أن يخطب له ببغداد واقترح أن يخاطب بالولد المؤيد فأجيب إلى ذلك، ولقّب ضياء الدين عضد الدولة وجلس الخليفة جلوسا عاما وشافه «٤» الرسل بتقديم ألب أرسلان فى السلطنة وسيّر إله الخلع.

стр. 8785

وفيها/ فى شهر ربيع الأول ظهر ببغداد والعراق وخوزستان وكثير من البلاد أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا فى البرية خيما سودا، وسمعوا فيها لطما شديدا وسمعوا فيها قائلا يقول: قد مات سيدوك ملكّ الجن وأى بلد لم يلطم أهله عليه ويعملون له المأتم قلع أصله وأهلك أهله! فخرج كثير من النساء فى البلاد إلى المقابر يلطمن وينحن وينشرن شعورهن، وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك. قال ابن الاثير «١» : وقد جرى فى أيامنا نحن فى الموصل وما والاها إلى العراق وغيره أنّ الناس فى سنة ستمائة أصابهم وجع كثير فى حلوقهم ومات منه كثير من الناس فظهر أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود وأنّ كلّ من لا يعمل له مأتما أصابه هذا المرض! فكثر فعل ذلك، وكانوا يقولون: يا أمّ عنقود اعذرينا ... قد مات عنقود وما درينا وكان النساء يلطمن وكذلك الأوباش! وفى سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد، وكملت عمارتها فى ذى القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة. وفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة فى العشر الأوسط من جمادى ظهر كوكب كبير له ذؤابة/ طويلة ممتدة إلى وسط السماء عرضها نحو ثلاثة أذرع فى رأى العين وهو بناحية المشرق، وبقى إلى السابع والعشرين من الشهر وغاب.

стр. 8786

وفيها فى جمادى الآخرة كان بخراسان والجبال زلزلة عظيمة بقيت تتردد أياما تصدّعت منها الجبال وأهلكت خلقا كثيرا، وانخسفت منها عدة قرى، وخرج النّاس إلى الصحراء. وفيها ولدت صبيّة بباب الأزج لها رأسان ورقبتان ووجهان وأربع أيد على بدن واحد «١» . وفى سنة تسع وخمسين وأربعمائة فى ذى القعدة قتل الصّليحى صاحب اليمن «٢» وخطب بها للدولة العباسية. وفى سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة عظيمة بمصر وفلسطين خربت الرملة، وطلع الماء من رءوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة، وانشقت صخرة البيت المقدس ثم عادت بإذن الله تعالى، وانحسر البحر عن الساحل مسيرة يوم فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا. وفيها عزل فخر الدولة بن جهير عن الوزارة ثم أعيد فى سنة إحدى وستين بشفاعة نور الدولة دبيس بن مزيد فمدحه أبو الفضل فقال: قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به «٣» ما كنت إلّا السيف سلّته يد ... ثم أعادته إلى قرابه

стр. 8787

وهى قصيدة طويلة. وفيها فى شعبان احترق جامع دمشق، وكان سبب ذلك أنه وقع بين المغاربة والمشارقة حرب فأحرقوا دارا مجاورة للجامع فاتصل الحريق بالجامع، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. وفى سنة اثنتين وستين ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبى هاشم بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله والسلطان ألب أرسلان بمكة وإسقاط خطبة صاحب مصر وترك الأذان ب «حى على خير العمل» فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وأجرى له فى كلّ سنة عشرة آلاف دينار. وخطب محمود بن صالح بن مرداس صاحب حلب لهما أيضا فى سنة ثلاث وستين على ما نشرحه فى أخبار الدولة السّلجقية فقال أبو عبد الله بن عطية يمدح الخليفة: كم طائع لك لم تجلب عليه ولم ... تعرف لطاعته غير التّقى سببا هذا البشير بإذعان الحجاز وذا ... داعى دمشق وذا المبعوث من حلبا وفيها خرج أرمانوس ملك الروم فى مائتى ألف إلى/ خلاط. «١» وأسر على ما نذكره- إن شاء الله- فى إيام ألب أرسلان. وفى سنة أربع وستين وأربعمائة عزل إيتكين السليمانى من شحنكية بغداد واستعمل عليها سعد الدولة كوهر آيين «٢» ، وكان سبب

стр. 8788

عزل السليمانى أنه كان قد سار إلى السلطان ألب أرسلان واستخلف ابنه شحنة بغداد فقتل أحد مماليك الدارية فأنفذ قميصة من الديوان إلى السلطان ووقع الخطاب فى عزله، فورد إلى بغداد فى ربيع الأول من هذه السنة وقصد دار الخلافة وسأل العفو عنه وأقام أياما فلم يجب إلى ذلك، وكان نظام الملك يعتنى بالسليمانى فأضأف إلى إقطاعه تكريت، فكوتب واليها من ديوان الخلافة بالتوقّف عن تسليمها. فلما رأى السلطان ونظام الملك إصرار الخليفة على الغضب على السليمانى عزلاه، وسيّرا سعد الدولة إليها «١» ، فتلقاه الناس وجلس له الخليفة. وفى سنة خمس وستين وأربعمائة قتل السلطان ألب أرسلان وملك بعده ابنه السلطان ملكشاه. وفيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس قدسه الله ... ذكر غرق بغداد وفى سنة ستّ وستين وأربعمائة غرق الجانب الشرقى/ وبعض الغربى من بغداد، وسبب ذلك أن دجلة زادت زيادة عظيمة وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة، وجاء الماء إلى المنازل ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقى، وهلك خلق كثير تحت الهدم «٢» ، وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق. وقام

стр. 8789

الخليفة يتضرّع ويصلّى وعليه البردة وبيده القضيب، وغرق من الجانب الغربى مقبرة أحمد بن حنبل ومشهد باب التنين وتهدّم سوره، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدىّ. ذكر وفاة القائم بأمر الله وشىء من سيرته كانت وفاته فى ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان سبب وفاته أنه كان قد أصابه مأشر فافتصد «١» ونام، فانتفخ فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوّته. فأيقن بالموت وأحضر ولىّ عهده ووصّاه وأحضر نقيب العباسيين ونقيب الطالبيين وقاضى القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير وأشهدهم على نفسه/ أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم ولىّ عهده. ولما توفى غسله الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الهاشمى، وصلّى عليه المقتدى بأمر الله. ومات وله من العمر ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وثمانية أشهر إلا أياما. وقيل كان مولده فى ثامن عشر ذى القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة فعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام. وكان جميلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه والجسم، ورعا ديّنا زاهدا عالما قوى اليقين بالله تعالى، وله عناية بالأدب ومعرفة

стр. 8790

حسنة بالكتابة، ولم يكن يرضى [عن] أكثر ما يكتب من الديوان ويصلح أشياء منه. وكان مؤثرا للعدل والاحسان؛ مريدا لقضاء حوائج الناس؛ لا يرى أن يمنع ما يطلب منه، حكى عن محمد بن على ابن عامر الوكيل قال: «دخلت يوما إلى المخرن فلم يبق أحد إلا وأعطانى قصة فامتلأت أكمامى فقلت فى نفسى لو كان الخليفة أخى لأعرض عن هذه كلّها فألقيتها فى البركة والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت عليه أمر الخدم بإخراج الرّقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها، ووقّع بأغراض أصحابها ثم قال لى: يا عامى «١» ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها! فقال: لا تعود إلى مثلها فإنا ما/ أعطيناهم من أموالنا شيئا. ومما يحكى من جملة كرمه أن أحد السلاطين فى أيامه سأله أن يتقدّم باعتقال وزرائه وذكر أنهم استولوا على أمواله فخرج توقيعه «ليست دارنا دار حبس وسجن بل هى دار طمأنينة وأمن» وكان له شعر رائق فمنه قوله: قالوا: الرحيل، فأنشبت أظفارها ... فى خدّها وقد اعتلقن خضابا واخضرّ تحت بنانها فكأنما ... غرست بأرض بنفسج عنّابا وفى أيامه أسلم من كفار الأتراك ألف خركاه وضحّوا بثلاثين ألف رأس من الغنم وقيل: أكثر من ذلك.
следующие страницы →