Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.
стр. 8786
وفيها فى جمادى الآخرة كان بخراسان والجبال زلزلة عظيمة بقيت تتردد أياما تصدّعت منها الجبال وأهلكت خلقا كثيرا، وانخسفت منها عدة قرى، وخرج النّاس إلى الصحراء.
وفيها ولدت صبيّة بباب الأزج لها رأسان ورقبتان ووجهان وأربع أيد على بدن واحد «١» .
وفى سنة تسع وخمسين وأربعمائة فى ذى القعدة قتل الصّليحى صاحب اليمن «٢» وخطب بها للدولة العباسية.
وفى سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة عظيمة بمصر وفلسطين خربت الرملة، وطلع الماء من رءوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة، وانشقت صخرة البيت المقدس ثم عادت بإذن الله تعالى، وانحسر البحر عن الساحل مسيرة يوم فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا.
وفيها عزل فخر الدولة بن جهير عن الوزارة ثم أعيد فى سنة إحدى وستين بشفاعة نور الدولة دبيس بن مزيد فمدحه أبو الفضل فقال:
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به «٣»
ما كنت إلّا السيف سلّته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
стр. 8787
وهى قصيدة طويلة.
وفيها فى شعبان احترق جامع دمشق، وكان سبب ذلك أنه وقع بين المغاربة والمشارقة حرب فأحرقوا دارا مجاورة للجامع فاتصل الحريق بالجامع، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.
وفى سنة اثنتين وستين ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبى هاشم بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله والسلطان ألب أرسلان بمكة وإسقاط خطبة صاحب مصر وترك الأذان ب «حى على خير العمل» فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وأجرى له فى كلّ سنة عشرة آلاف دينار. وخطب محمود بن صالح بن مرداس صاحب حلب لهما أيضا فى سنة ثلاث وستين على ما نشرحه فى أخبار الدولة السّلجقية فقال أبو عبد الله بن عطية يمدح الخليفة:
كم طائع لك لم تجلب عليه ولم ... تعرف لطاعته غير التّقى سببا
هذا البشير بإذعان الحجاز وذا ... داعى دمشق وذا المبعوث من حلبا
وفيها خرج أرمانوس ملك الروم فى مائتى ألف إلى/ خلاط. «١» وأسر على ما نذكره- إن شاء الله- فى إيام ألب أرسلان.
وفى سنة أربع وستين وأربعمائة عزل إيتكين السليمانى من شحنكية بغداد واستعمل عليها سعد الدولة كوهر آيين «٢» ، وكان سبب
стр. 8788
عزل السليمانى أنه كان قد سار إلى السلطان ألب أرسلان واستخلف ابنه شحنة بغداد فقتل أحد مماليك الدارية فأنفذ قميصة من الديوان إلى السلطان ووقع الخطاب فى عزله، فورد إلى بغداد فى ربيع الأول من هذه السنة وقصد دار الخلافة وسأل العفو عنه وأقام أياما فلم يجب إلى ذلك، وكان نظام الملك يعتنى بالسليمانى فأضأف إلى إقطاعه تكريت، فكوتب واليها من ديوان الخلافة بالتوقّف عن تسليمها.
فلما رأى السلطان ونظام الملك إصرار الخليفة على الغضب على السليمانى عزلاه، وسيّرا سعد الدولة إليها «١» ، فتلقاه الناس وجلس له الخليفة.
وفى سنة خمس وستين وأربعمائة قتل السلطان ألب أرسلان وملك بعده ابنه السلطان ملكشاه. وفيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس قدسه الله ...
ذكر غرق بغداد
وفى سنة ستّ وستين وأربعمائة غرق الجانب الشرقى/ وبعض الغربى من بغداد، وسبب ذلك أن دجلة زادت زيادة عظيمة وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة، وجاء الماء إلى المنازل ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقى، وهلك خلق كثير تحت الهدم «٢» ، وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق. وقام
стр. 8789
الخليفة يتضرّع ويصلّى وعليه البردة وبيده القضيب، وغرق من الجانب الغربى مقبرة أحمد بن حنبل ومشهد باب التنين وتهدّم سوره، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدىّ.
ذكر وفاة القائم بأمر الله وشىء من سيرته
كانت وفاته فى ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان سبب وفاته أنه كان قد أصابه مأشر فافتصد «١» ونام، فانتفخ فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوّته. فأيقن بالموت وأحضر ولىّ عهده ووصّاه وأحضر نقيب العباسيين ونقيب الطالبيين وقاضى القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير وأشهدهم على نفسه/ أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم ولىّ عهده.
ولما توفى غسله الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الهاشمى، وصلّى عليه المقتدى بأمر الله. ومات وله من العمر ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وثمانية أشهر إلا أياما. وقيل كان مولده فى ثامن عشر ذى القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة فعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام.
وكان جميلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه والجسم، ورعا ديّنا زاهدا عالما قوى اليقين بالله تعالى، وله عناية بالأدب ومعرفة
стр. 8790
حسنة بالكتابة، ولم يكن يرضى [عن] أكثر ما يكتب من الديوان ويصلح أشياء منه. وكان مؤثرا للعدل والاحسان؛ مريدا لقضاء حوائج الناس؛ لا يرى أن يمنع ما يطلب منه، حكى عن محمد بن على ابن عامر الوكيل قال: «دخلت يوما إلى المخرن فلم يبق أحد إلا وأعطانى قصة فامتلأت أكمامى فقلت فى نفسى لو كان الخليفة أخى لأعرض عن هذه كلّها فألقيتها فى البركة والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت عليه أمر الخدم بإخراج الرّقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها، ووقّع بأغراض أصحابها ثم قال لى: يا عامى «١» ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها! فقال: لا تعود إلى مثلها فإنا ما/ أعطيناهم من أموالنا شيئا.
ومما يحكى من جملة كرمه أن أحد السلاطين فى أيامه سأله أن يتقدّم باعتقال وزرائه وذكر أنهم استولوا على أمواله فخرج توقيعه «ليست دارنا دار حبس وسجن بل هى دار طمأنينة وأمن» وكان له شعر رائق فمنه قوله:
قالوا: الرحيل، فأنشبت أظفارها ... فى خدّها وقد اعتلقن خضابا
واخضرّ تحت بنانها فكأنما ... غرست بأرض بنفسج عنّابا
وفى أيامه أسلم من كفار الأتراك ألف خركاه وضحّوا بثلاثين ألف رأس من الغنم وقيل: أكثر من ذلك.
стр. 8791
ولم يخلف ولدا لأن ابنه ذخيرة الدين توفى فى ذى القعدة سنة سبع وأربعين وعمره خمس عشرة سنة.
وزراؤه وكتابه: كتب له عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب، ثم رئيس الرؤساء أبو القاسم على بن الحسن بن مسلمة- وزر له ولقّبه بهذا اللقب وبجمال الورى- ووزر له بعده أبو الفتح منصور ابن أحمد بن دارست، ثم فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد ابن جهير. قضاته: قاضى القضاة أبو عبد الله الحسن بن على بن ماكولا البصرى إلى أن مات، فولّى أبا عبد الله محمد بن على الدامغانى شيخ أصحاب أبى حنيفة./ حجّابه: أبو منصور بن بكران ثم أبو عبد الله الحسن بن على المردوسى «١» .
ذكر خلافة المقتدى بأمر الله
هو أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبى العباس أحمد بن القائم بأمر الله، وأمّه أمّ ولد اسمها أرجوان وقيل شراب، وتدعى قرة العين. وهو الخليفة السابع والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له بعد وفاة جدّه القائم بأمر الله فى يوم وفاته وهو يوم الخمس لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. وكان القائم جدّه قد عهد له كما ذكرنا، فلما مات القائم حضر مؤيد
стр. 8792
الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو اسحاق وأبو نصر الصباغ ونقيب النقباء طرّاد والنقيب المعمر بن محمد وقاضى القضاة أبو عبد الله الدامغانى وغيرهم من الأعيان والأتابكة فبايعوه، وكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر محمد بن أبى موسى الهاشمى بعد فراغه من غسل القائم وأنشد:
إذا سيّد منا مضى قام سيّد وأرتج عليه فقال المقتدى:
/ قؤول بما قال الكرام فعول.
ولما فرغوا من البيعة صلّى المقتدى بأمر الله بهم العصر.
ذكر الحوادث فى أيام المقتدى
فى ذى القعدة ملك الأقسيس دمشق وخطب بها للمقتدى بأمر الله، وكان آخر من خطب بها للمصريين «١» .
وفيها ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج من الروم.
وفيها قدم سعد الدولة بن كوهر آيين شحنة إلى بغداد من قبل السلطان ملكشاه ومعه العميد أبو نصر ناظرا على أعمال بغداد.
وفى سنة تسع وستين وأبعمائة قدم أبو نصر ابن الأستاذ أبى القاسم القشيرىّ حاجّا، وجلس فى المدرسة النظامية يعظ النّاس، وفى رباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع الحنابلة فتن لأنه كلّم على مذهب
стр. 8793
الأشعرى ونصره. وكثر أتباعه والمتعصبون له، فثار الحنابلة ومن تبعهم من سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة من المتعصبين للقشيرى كالشيخ أبى إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان، فجرى بين الطائفتين أمور عظيمة. فنسب أصحاب/ نظام الملك ذلك إلى الوزير فخر الدولة بن جهير وكتب أبو الحسين محمد ابن على بن أبى القصر الواسطى الفقيه الشافعى إلى نظام الملك:
يا نظام الملك قد حلّ ببغداد النّظام ... وابنك القاطن فيها مستلان مستضام «١»
وبها أودى له قتلى غلام فغلام ... والذى منهم تبقّى سالما فيه سهام
يا قوام الدّين لم ييق ببغداد قوام ... عظم الخطب فللحرب اتّصال ودوام
فمتى لم يحسم الدّاء بأيديك الحسام «٢» ... ويكفّ القوم فى بغداد قتل وانتقام
فعلى مدرسة فيها ومن فيها السلام ... واعتصام بحريم لك من بعد حرام
فلما اتّصل ذلك بنظام الملك عظم عليه فأعاد سعد الدولة كوهر آيين شحنة إلى العراق فى سنة إحدى وسبعين، وحمله رسالة إلى الخليفة
стр. 8794
تتضمّن الشكوى من بنى جهير ويسأل عزل فخر الدولة عن الوزارة، فلما وصل إلى بغداد وأبلغ الخليفة الرسالة أمر فخر الدولة بلزوم داره واستوزر بعده أبا شجاع محمد بن الحسين! / قال: «١» ولما بلغ ابن جهير تغيّر نظام الملك عليه أرسل ابنه عميد الدولة إليه يستعطفه، فسار إليه قبل وصول كوهر آيين إلى بغداد، ولم يزل يستعطفه حتى عاد إلى ما ألفه منه وزوّجه بابنته. فعاد إلى بغداد فلم يردّ الخليفة أباه إلى الوزارة وأمرهما بملازمة منازلهما فأرسل نظام الملك إلى الخليفة فى إعادة بنى جهير إلى الوزارة فأعيد عميد الدولة إليها وأذن لأبيه فخر الدولة بفتح بابه، وذلك فى صفر سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
وفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ملك تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان دمشق على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة السّلجقية.
وفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة فى شوال توفى نور الدولة أبو الأغرّ دبيس بن على بن مزيد الأسدى، وولى بعده أبو كامل منصور ولقّب بهاء الدولة.
وفيها أرسل الخليفة الوزير فخر الدولة إلى السلطان ملكشاه بأصبهان يخطب ابنته للخليفة فسار إليه وخطبها، فتقررت القاعدة على أن يكون الحمل المعجل خمسين ألف دينار وأن لا يبقى الخليفة سرو لا زوجة غيرها فأجيب إلى ذلك.
стр. 8795
ذكر الفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة
وفى سنة خمس وسبعين كانت الفتنة بين الطائفيين، وسببها أنه ورد إلى بغداد الشريف أبو القاسم البكرى المقرىء الواعظ وكان أشعرىّ المذهب، وكان قد قصد نظام الملك فأحبّه ومال إليه وسيّره إلى بغداد، وأجرى عليه الجراية الوافرة. وكان يعظ بالمدرسة النظامية، ويذكر الحنابلة ويعيبهم ويقول «وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا» «١» وما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا ثم قصد يوما دار قاضى القضاة أبى عبد الله الدامغانى فجرى بينه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدّت إلى الفتنة. وكثر جمعه فكبس دور بنى الفرّاء وأخذ كتبهم ومنها كتاب الصفات لأبى يعلى فكان يقرأه بين يديه وهو جالس على الكرسى للوعظ، وشنّع عليهم وجرى له معهم خصومات وفتن. ولقّب البكرىّ من الديوان بعلم السّنّة، ومات ببغداد ودفن عند قبر أبى الحسن الأشعرى رحمهما الله تعالى.
ذكر مسير الشيخ أبى اسحاق برسالة الخليفة
إلى السلطان ملكشاه وفى ذى الحجة سنة خمس وسبعين وأربعمائة أرسل الخليفة المقتدى الشيخ أبا إسحاق الشيرازى برسالة إلى السلطان تتضمن الشكوى من العميد أبى الفتح بن أبى الليث عميد العراق، وأمره أن ينهى إليه وإلى نظام الملك ما يجرى على أهل البلاد من النّظّار.
فسار الشّيخ، فكان الشّيخ كلما وصل إلى مدينة من بلاد العجم يخرج أهلها إليه بنسائهم وأولادهم يتمسحون بركابه ويأخذون
стр. 8796
من تراب بغلته للتبرّك. وكان فى صحبته جماعة من أعيان أصحابه فلما وصل إلى ساوة خرج إليه جميع أهلها وسأله كلّ من فقهائها أن يدخل بيته فلم يفعل. ولقيه أرباب الصناعات ومعهم ما ينثرونه على محفته، فخرج الخبازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم فلم ينتهوا، وكذلك أصحاب الفاكهة والحلوى وغيرهم، وخرج إليه الأساكفة وقد عملوا مداسات لطافا تصلح لأرجل الأطفال ونثروها فكانت تسقط على رؤوس النّاس فكان الشيخ يتعجب ويذكر ذلك لأصحابه بعد رجوعه ويقول: ما كان حظكم من ذلك النثار؟ فقال بعضهم: ما كان حظ سيدنا منه! فقال الشيخ. أما أنا فتغطيت بالمحفة! يقول ذلك وهو يضحك.
قال «١» : ولما وصل الشّيخ إلى السلطان وإلى نظام الملك أكرماه، وأجيب إلى جميع ما التمسه من الخليفة. ولما عاد أهين عميد العراق، ورفعت يده عن جميع ما يتعلق بحواشى الخليفة.
وفيها قدم مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداد من أصفهان ونزل بالمدرسة النظامية، وضرب على بابه الطبول فى أوقات الصلوات الخمس، فأعطى ما لا جزيلا حتى قطع ذلك، فأرسل الطبول إلى تكريت والله تعالى أعلم.
ذكر عزل عميد الدولة عن الوزارة وميسر والده إلى ديار بكر
وفى سنة ستّ وسبعين وأربعمائة فى صفر عزل عميد الدولة فخر الدولة بن جهير عن الوزارة، ووصل فى يوم عزله له رسول
стр. 8797
من السلطان ومن نظام الملك إلى الخليفة يطلبان [معه] أن يرسل إليهما بنى جهير فأذن لهم. فساروا بجميع أهلهم ونسائهم، فصادفوا من السلطان ومن نظام الملك الإكرام والاحترام، وعقد السلطان لفخر الدولة بن جهير على ديار بكر وخلع عليه وأعطاه الكوسات «١» وسيّر معه العساكر وأمره أن يأخذها من بنى مروان، وأن يخطب لنفسه ويذكر اسمه على السّكّة، فسار إليها.
قال «٢» : ولما فارق بنو جهير بغداد رتّب الديوان أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء، ثم عزله فى السنة وولى أبا شجاع محمد ابن الحسين وخلع عليه خلع الوزراء «٣» .
وفى سنة سبع وسبعين وأربعمائة استولى عميد الدولة على الموصل.
وفيها فتح سليمان بن قتلمش السّلجقى صاحب الروم أنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وفى شهر صفر انقضّ كوكب من الشرق إلى الغرب كان حجمه وضوؤه كالقمر، وسار مدى بعيدا على مهل فى نحو ساعة.
وفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة استولى الفرنج على مدينة طليطلة وأخذوها من المسلمين على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الأندلس «٤» .
стр. 8798
وفيها فى شهر ربيع الأول هاجت ريح عظيمة سوداء بعد العشاء، وكثر الرّعد والبرق وسقط على الأرض رمل أحمر وتراب كثير، وكانت النيران تضطرم فى أطراف السماء، وكان أكثر ذلك بالعراق والموصل، فألقت النخل، وسقط معها صواعق فى كثير من البلاد ثم انجلى ذلك نصف الليل.
وفيها فى شهر ربيع الأول توفى أبو المعالى عبد الملك بن عبد الله ابن يوسف الجوينى إمام الحرمين، ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة «١» .
وفى سنة تسع وسبعين وأربعمائة ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب واللاذقية وكفر طاب وأفامية «٢» .
وفيها فى شهر/ ربيع الأول توفى بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن على بن مزيد الأسدى صاحب الحلة والنيل «٣» وولى ابنه سيف الدولة صدقة.
وفيها أسقط اسم العلوىّ صاحب مصر من الحرمين الشريفين وذكر اسم الخليفة المقتدى بأمر الله.
وفيها أسقطت المكوس من العراق.
وفى سنة ثمانين وأربعمائة فى المحرم زفّت ابنة السلطة ن ملكشاه إلى الخليفة، ونقل جهازها على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج
стр. 8799
الرومى، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة، وثلاث عماريات، وعلى أربعة وسبعين بغلا مجللّة بأنواع الديباج الملكى وأجراسها وقلائدها من الذهب، وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة فيها من الجواهر والحلى ما لا تقدّر قيمته، وأمام البغال ثلاث وثلاثون فرسا من الخيول السّوابق عليها مراكب الذهب. وسار أمام الجهاز سعد الدولة والأمير برسق وغيرهما، وكانت ليلة مشهورة، فلما كان من العد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله حكى أنه عمل فيه أربعون ألف منّ من السكر. وخلع الخليفة على جميع أمراء السلطان ومن له ذكر فى العسكر، وأرسل الخلع إلى جميع الخواتين. وولدت فى هذه السنة من الخليفة ولدا وهو أبو الفضل جعفر.
/ وفى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة فى شهر ربيع الآخر أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع الخاتون زوجته من حريم دار الخلافة، وكان سبب ذلك أن تركيّا منهم اشترى فاكهة من طواف فتكالما فشتمه الطواف فضربه التركى فشجّه، فاجتمعت العامّة وشنّعوا واستغاثوا، فأمر الخليفة بإخراج الأتراك فأجرخوا على أقبح صورة.
وفى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أرسل السلطان ملكشاه إلى الخليفة يطلب ابنته طلبا لا بدّ منه، وسبب ذلك أنها كانت قد أرسلت إليه تشكو من اطراح الخليفة لها وإعراضه عنها فأذن لها فى المسير، فسارت فى شهر ربيع الأول ومعها ابنها من الخليفة فوصلت إلى أصفهان فأقامت إلى ذى القعدة وتوفيت.
стр. 8800
وفى سنة أربع وثمانين وأربعمائة فى شهر ربيع الأول عزل الوزير أبو شجاع، وكان عزله فى يوم الخميس فقال:
تولاها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق
فلما كان من الغد يوم الجمعة خرج من داره إلى الجامع ماشيا فاجتمع عليه خلق كثير، فأمر أن لا يخرج من بيته، واستنيب فى الوزارة أبو سعد بن موصلايا كاتب الإنشاء وأرسل الخليفة إلى السلطان يستدعى منه عميد الدولة بن جهير يستوزره، فسيّر إليه فاستوزره/ فى ذى الحجة من السنة.
وفيها ملك الفرنج جزيرة صقلية.
وفيها فى تاسع شعبان كان بالشام وكثير من البلاد زلازل، ففارق النّاس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن والدور، وهلك تحتها خلق كثير، وخرّب من بروجها تسعون برجا.
وفى سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل نظام الملك فى عاشر شهر رمضان.
وفيها توفى السلطان ملكشاه وملك بعده ابنه محمود.
وفى سنة سبع وثمانين وأربعمائة خطب للسلطان بركيارق بن ملكشاه ببغداد فى يوم الجمعة رابع المحرم «١» .
стр. 8801
ذكر وفاة المقتدى بأمر الله وشىء من أخباره
كانت وفاته فى يوم السبت خامس عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة فجأة، وكان قد أحضر إليه تقليد السلطان بركيارق ليعلّم عليه فقرأه ثم قدّم إليه الطعام فأكل منه وغسل يديه وعنده قهرمانته شمس النهار فقال لها: ما هذه الأشخاص التى قد دخلت على بغير إذن- قالت- فالتفتّ فلم أر شيئا فرأيته قد تغيّرت حالته واسترخت يداه ورجلاه/ وانحلّت قوّته فسقط إلى الأرض، فظننتها غشية لحقته، فحللت أزرار ثوبه فوجدته قد ظهرت عليه أمارات الموت، فتماسكت وقلت لجارية عندى: ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء! وأحضرت الوزير وأعلمته الحال فشرعوا فى البيعة لولى العهد، وجهّزوا المقتدى وصلّى عليه ابنه المستظهر بالله ودفن.
وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام، وخلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر ويومين، وكان عظيم الهمة شديد العزمة، ولم يكن له أعوان على ذلك تذبّ عنه بل كانت له دعوة مجابة، وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق. وعظمت الخلافة فيها أكثر ممن كان قبله، وعمّر ببغداد عدة محال فى خلافته منها البصلية والقطيعية والحلبية والمعيدية والأجمة ودرب القبار وخرانة الهراس والخاتونتين.
قال «١» : وأمر بنفى المغنيّات والمفسدات من بغداد، وأمر
стр. 8802
ببيع دورهن ومنع دخول الحمّام إلا بمئزر، وقلع الهرادى والأبراج التى للطيور، ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم الناس، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة، وألزم أربابها بحفر آبار للمياه، ومنع الملاحين/ من حمل النساء والرجال مجتمعين.
ووزر له: من ذكرناهم. قضاته: أبو عبد الله الدامغانى إلى أن مات، ثم أبو بكر محمد بن المظفر الشامى الشافعى. حجابه: أبو عبد الله ابن دوشتى «١» ثم أبو منصور بن محمد محمد.
ذكر خلافة المستظهر بالله
هو أبو العباس أحمد بن المقتدى بأمر الله أبى القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبى العبّاس أحمد بن القائم بأمر الله، وهو الخليفة الثامن والعشرون من الخلفاء العباسيين قال «٢» : ولما مات المقتدى بأمر الله أحضر ولده المستظهر بالله وأعلم بموته فبايعه الوزير، وركب إلى السلطان بركيارق فأعلمه الحال، وأخذ بيعته للمستظهر بالله.
فلما كان فى اليوم الثالث من وفاة المقتدى أظهر موته، وحضر عزّ الملك بن نظام الملك وزير بركيارق، وأمر السلطان جميع أرباب المناصب بالجلوس للعزاء والبيعة للمستظهر بالله. فبويع له البيعة العامة فى السادس عشر من المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وله من العمر ستة عشر سنة وشهران.
стр. 8803
ذكر الحوادث فى أيام المستظهر بالله
/ فى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة كان بين الملوك السلاجقة وبين بعضهم حروب كثيرة نذكرها إن شاء الله تعالى فى أخبارهم «١» .
وفيها شرع الخليفة فى عمل سور على الحريم، وأمر الوزير عميد الملك بالجدّ فى عمارته.
وفيها فى شهر ربيع الأول خطب لولى العهد أبى الفضل منصور بن المستظهر بالله.
وفى سنة تسع وثمانين وأربعمائة اجتمع ستّة كواكب فى برج الحوت، وهى الشمس والقمر والمشترى والزهرة والمريخ وعطارد فحكم المنجمون بطوفان يكون فى الناس، وأحضر الخليفة ابن عسون المنجم فسأله فقال: إن فى طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة فى برج الحوت والآن فقد اجتمع منها فيه ستة وليس فيها زحل، فلو كان فيها لكان مثل طوفان نوح، ولكن أقول إنّ مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة فيغرقون، فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها! فأحكمت المواضع التى يخشى منها الانفجار والغرق. واتّفق أنّ الحجاج نزلوا فى المناقب «٢» فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم، ونجا من تعلّق بالجبال،
стр. 8804
وذهب المال والدواب والأزواد وغير ذلك، فخلع الخليفة على المنجم! وفى سنة تسعين وأربعمائة كان ابتداء الدولة الخوازرمية/ وفيها خطب الملك رضوان بولايته بالشام للمستعلى صاحب مصر «١» ، ثم رجع عن ذلك وأعاد الخطبة للدولة العباسية «٢» .
وفى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة كان ابتداء استيلاء الفرنج على بلاد السواحل الشامية، وملكوا مدينة أنطاكية ومعرة النعمان وبيت المقدس، وغير ذلك على ما نذكره فى أخبار العلويين ملوك مصر، فإن أكثر ذلك كان فى ولايتهم.
وفى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قتل أبو القاسم ابن إمام الحرمين أبى المعالى الجوينى بنيسابور- وكان خطيبها- فاتهم العامة أبا البركات الثعلبى أنه هو الذى سمعى فى قتله، فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه.
وفى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة فى شهر رمضان عزل عميد الدولة من وزارة الخلافة وأخذ من ماله خمسة وعشرون ألف دينار، وتوفى فى سادس عشر شوال.
وفى سنة أربع وتسعين وأربعمائة ملك الفرنج مدينة سروج من ديار الجزيرة، وقتلوا كثيرا من أهلها، ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم، ولم يسلم إلا من انهزم، وملكوا مدينة حيفا وهى بقرب
стр. 8805
عكا، وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا منها أهلها/، وملكوا قيسارية بالسّيف وقتلوا أهلها «١» .
وفيها تقدّم أمر الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع القصر وأن يصلّى فيه التراويح ولم تجر بذلك عادة، وأمر الخليفة بالجهر بالبسملة وبالقنوات على مذهب الإمام الشافعى.
وفى سنة خمس وتسعين وأربعمائة فى شهر رمضان استوزر الخليفة سديد الملك أبا المعالى بن عبد الرزاق ولقبه عضد الدوله.
وفيها بنى سيف الدّولة صدقة بن مزيد الحلّة بالجامعين وسكنها [وإنما كان يسكن هو وآباؤه فى البيوت العربية] «٢» وفى سنة ستّ وتسعين وأربعمائة فى منتصف شهر رجب قبض على الوزير سديد الملك وحبس بدار الخليفة، وأعيد أمين الدولة أبو سعيد ابن موصلايا إلى الوزارة، ثم استوزر فى شعبان زعيم الرؤساء أبا القاسم ابن جهير واستقدمه من الحلة، وكان عند سيف الدولة صدقة، ولما حضر خلع عليه وجلس فى الديوان ولقّب قوام الدين.
وفى سنة سبع وتسعين وأربعمائة ملك الفرنج جبيل «٣» وعكا.
وفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة توفى السلطان بركيارق بأصفهان
стр. 8806
وخطب لابنه ملكشاه «١» بالجوامع ببغداد.
وفى سنة خمسمائة فى صفر عزل الوزير أبو القاسم ابن جهير فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئا إليها فأرسل من أخذه وحمله إليه، فأمر الخليفة بنقض داره، وكان فى ذلك عبرة لمن يعتبر، فإن أباه أبا نصر كان قد بناها بأنقاض دور الناس فخربت عن قريب، ولما عزل استنيب فى الوزارة قاضى القضاة أبو الحسن الدامغانى، ثم تقررت الوزارة فى المحرم سنة إحدى وخمسمائة لأبى المعالى هبة الله بن محمد عبد المطلب وخلع عليه.
وفى سنة إحدى وخمسمائة فى شهر رجب قتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدى أمير العرب، وهو الذى بنى الحلة السيفية بالعراق وكان قد عظم شأنه واتّسع جاهه واستجار به كبار الناس وصغارهم.
وفيها فى شهر رمضان ورد القاضى فخر الملك أبو على بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد مستنفرا على الفرنج، فأنزله الخليفة وأكرمه وأجرى عليه الجرايات العظيمة، وأحضر معه من التقدمة والهدية من الأعلاق النفسية والخيل العربية، وغير ذلك ما لم يوجد مثله عند ملك، وأقام ببغداد إلى أن رحل السلطان محمد عن بغداد فى شوال. فتقدم/ إلى الأمير حسين بن أتابك قتلغتكين أن يسيّر معه العساكر التى سيّرها إلى الموصل مع أولاد مودود، وخلع عليه السلطان خلعا سنية وأعطاه شيئا كثيرا وودعه: وسار مع الأمير حسين فلم يجد ذلك نفعا.
стр. 8807
وفيها عزل الخليفة وزيره مجد الدين هبة الله بن المطلب برسالة من السلطان، ثم أعيد إلى الوزارة بإذن السلطان محمد، وشرط عليه شروطا منها العدل وحسن السّيرة وأن لا يستعمل أحدا من أهل الذمة.
وفى سنة اثنتين وخمسمائة فى نيسان زادت دجلة زيادة عظيمة انقطعت منها الطرق، وغرقت الغلال الشّتوية والصيفية، وحدث غلاء عظيم بالعراق، وعدم الخير، وأكل الناس التّمر والباقلاء الأخضر، وأما أهل السّواد فإنهم لم يأكلوا فى شهر رمضان ونصف شوال إلا الحشيش والتّوت.
وفيها فى شهر رجب عزل وزير الخليفة أبو المعالى هبة الله ابن المطلب، ووزر أبو القاسم على بن نصر بن جهير.
وفيها فى شعبان تزوّج الخليفة المستظهر بالله ابنة السلطان ملكشاه وهى أخت السلطان محمد، وتولّى قبول العقد بوكالة الخليفة نظام الملك وزير السلطان، والصداق/ مائة ألف دينار، ونثرت الجواهر والدنانير، وكان العقد بأصفهان، وخطب خطبه النّكاح القاضى أبو العلاء صاعد بن محمد النيسابورى الحنفى.
وفيها تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد.
وفى سنة ثلاث وخمسمائة فى حادى عشر ذى الحجة ملك الفرنج طرابلس وجبيل وبيروت وبانياس «١» .
وفى سنة أربع وخمسمائة ملكوا صيدا فى شهر ربيع الأول، وفيها
стр. 8808
فى شهر رمضان المبارك زفّت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة المستظهر بالله فزيّنت بغداد لذلك وفى سنة خمس وخمسمائة توفى الإمام أبو حامد الغزالى ﵀ «١» وفى سنة سبع وخمسمائة توفى أبو القاسم على بن جهير وزير الخليفة، ووزر بعده الربيب أبو منصور ابن الوزير أبى شجاع محمد بن الحسين [وزير السلطان] «٢» .
وفى سنة ثمان وخمسمائة فى جمادى الآخرة كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة والشام وغيرها، فخرّبت كثيرا من الرّها وحران وسميساط ويالس وغيرها، وهلك كثير من الخلق تحت الرّدم.
وفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة توفى السلطان محمد بن ملكشاة وملك اينه محمود بن محمد.
وفيها غرقت مدينة سنجار وكان سبب/ ذلك أن المطر دام فيها ليلا ونهارا واشتد، وجاء السّيل فى واديها وأفسد الشباك الذى يجرى فيه الماء فى سورها، فاجتمع الماء وعظم على السور حتى ألقاه، وهجم على المدينة بشدّة وقوة فلم يطق الناس ينتقلون عنه، فخرب كل ما مرّ به من البلد، وغرق جمع كثير من من الناس. ومن عجيب ما حكى أن الماء حمل مهدا فيه مولود فتعلّق المهد بشجرة زيتون، ثم نقص الماء والمهد معلّق بالشجرة، فسلم المولود.
وفيها تناثرت النجوم بديار الجزيرة جميعها- الموصل وغيرها-
стр. 8809
وكثير من البلاد، وكانت الكواكب تنزل حتّى تقرب من الأرض ثم تضمحل فلا يوجد لها أثر.
وفيها فى يوم عرفة كانت زلزلة بالعراق والجزيرة وكثير من البلاد، وخرّبت ببغداد دوارا كثيرة بالجانب الغربى.
ذكر وفاة المستظهر بالله وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته فى سادس عشر ربيع الآخر سنة اثنتى عشرة وخمسمائة وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر. خلافته خمس وعشرون سنة وثلاثة أشهر،/ وكانت دعوته قائمة بالمغرب، قام بها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ولم تزل إلى أن ظهر محمد بن تومرت على ما نذكره فى أخبار ملوك المغرب إن شاء الله تعالى.
وكان المستظهر بالله- ﵀ ليّن الجانب كريم الأخلاق مشكور المساعى، يحب اصطناع المعروف وفعل الخير ويسارع إلى أعمال البرّ والمثوبات، لا يردّ مكرمة تطلب منه. وكان كثير الوثوق بمن يولّيه، غير مصغ إلى سعاية ساع ولا راجع إلى قوله. وكانت أيامه أيام سرور للرعية، وكان يسره ذلك، وكان حسن الخط جيّد التوقيعات. ولما توفى صلى عليه ابنه المسترشد بالله، وكبّر أربعا، ودفن فى حجرة له كان يألفها.
أولاده: أبو منصور الفضل المسترشد، وأبو عبد الله محمد المقتفى، وأبو طالب، وأبو الحسن. وكان له من الوزراء من قدّمنا ذكرهم فى أخباره، ومضى فى أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم: تاج
стр. 8810
الدولة تتش بن ألب أرسلان، وبركيارق ومحمد بن ملكشاه. ومن عجب الاتفاق أنه لما توفى السلطان ألب أرسلان توفى معه القائم بأمر الله، ولما توفى السلطان ملكشاة توفى بعده المقتدى بأمر الله، ولما توفى السلطان محمد توفى بعده الخليفة المستظهر بالله.
ذكر خلافة المسترشد بالله
هو أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله أبى العباس أحمد، وهو الخليفة التاسع والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه فى سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتى عشرة وخمسمائة. وكان ولىّ عهد أبيه الخليفة المستظهر وخطب له فى خلافة أبيه ثلاثا وعشرين سنة.
قال «١» وبايعه أخواه أبو عبد الله محمد- وهو المقتفى لأمر الله- وأبو طالب العباسى، وعمومته بنو المقتدى بأمر الله، وغيرهم من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان. وكان المتولى لأخذ البيعة القاضى أبو الحسن الدامغانى- وكان نائبا عن الوزارة- فأقر المسترشد عليها، ثم عزله «٢» واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبى منصور وزير السلطان محمود.
ذكر هرب الأمير أبى الحسن أخى المسترشد بالله وعوده
قال «٣» ولما اشتغل الناس ببيعة المسترشد ركب أخوه/ الأمير أبو الحسن ابن المستظهر بالله سفينة ومعه ثلاثة نفر وانحدروا إلى المدائن، وسار
стр. 8811
منها إلى دبيس بن صدقة بالحلة فأكرمه دبيس ورتّب له الإقامات الكثيرة. فلما علم المسترشد بالله خبره أهمّه ذلك وأقلقه، وأرسل إلى دبيس يطلب منه إعادته فأجاب «إننى عبد الخليفة وواقف عند أمره وقد استذمّ بى ودخل منزلى ولا أكرهه على أمر أبدا» . وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين على بن طرّاد الزينبى «١» ، فقصد الأمير أبا الحسن وتحدّث معه فى العود وضمن له كل ما يريد، فأجاب إلى ذلك وقال: إننى لم أفارق خدمة أخى لشرّ أريده، وإنما الخوف حملنى على ذلك، فإذا امّننى قصدته! وتكفّل له دبيس إصلاح الحال والمسير معه إلى بعداد، فعاد النقيب وأعلم الخليفة فأجاب إلى ما طلب ثم تأخّر بعد ذلك ولم يحضر وأقام عند دبيس إلى ثانى عشر صفر سنة ثلاث عشرة. وسار عن الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوى الإرجاف بأمره، وملك مدينة واسط وخيف جانبه، فتقدّم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولده أبى جعفر المنصور وجعله ولىّ عهده وعمره يومئذ اثنتا عشرة سنة.
فخطب له فى ثانى شهر ربيع الأول ببغداد وكتب إلى البلاد بذلك، وأرسل إلى دبيس فى معنى الأمير أبى الحسن وأنه الآن فارق جواره ومدّ يده إلى بلاد الخليفة وأمره بقصده ومعاجلته قبل فوته. فأرسل دبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحيّر هو وأصحابه فضلوا الطريق، وصادفتهم عساكر دبّيس فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك، وعاد الباقون.
стр. 8812
وبقى الأمير أبو الحسن فى عشرة من أصحابه وهو عطشان وبيّنه وبين الماء خمسة فراسخ، وكان الزمان قيظا فأيقن بالتلف.
وكان معه بدويان فأراد الهرب منهما فلم يقدر، وأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه الماء وحملاه إلى دبيس فسيره إلى بغداد وسلمه إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرة آلاف دينار. وكان بين خروجه وعوده أحد عشر شهرا، ولما دخل على المسترشد بالله قبّل قدمه وقبله المسترشد وبكيا، وأنزله فى دار حسنة كان يسكنها قبل أن يلى الخلافة، وحمل إليه الخلع والتحف وأمّنه.
وفيها نقل الخليفة المسترشد بالله من دار الخلافة إلى الرصاقة، ونقل كلّ من كان مدفونا بها.
ذكر ظهور قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
/ قال ابن الأثير وأحال على حمرة بن أسد بن على بن محمد التميمى «١» أنه ذكر فى تاريخه: وفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ظهر قبر إبراهيم الخليل وقبرا ولديه إسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلّم بالقرب من المقدس، ورآهم الناس ولم تبل أجسادهم، وعندهم قناديل من ذهب وفضة.
وفيها توفى قاضى القضاة أبو الحسن على بن محمد الدامغانى، ومولده فى شهر رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وولى القضاء بباب الطّاق من بغداد إلى الموصل وعمره ست عشرة «٢» سنة ولم يكن
стр. 8813
ذلك لغيره. ولما توفى ولى القضاء بعده الأكمل أبو القاسم على بن طراد بن محمد الزينبى، وخلع عليه فى ثالث صفر.
وفى سنة أربع عشرة وخمسمائة خرج الكرج «١» - وهم الخزر- إلى دار الإسلام ومعهم القفجاق وغيرهم من الأمم، وحاصروا مدينة تفليس، ودام الحصار إلى سنة خمس عشرة فملكوها عنوة.
وفى سنة خمس عشرة كانت زلزلة تضعضع منها الركن اليمانى فى البيت الحرام- زاده الله شرفا- وانهدم بعضه وتشعّث بعض حرم النبى ﷺ .
وفيها ظهر بمكة إنسان علوىّ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكثر جمعه ونازع/ أمير مكة ابن أبى هاشم وقوى أمره، وعزم على أن يخطب لنفسه، ثم ظفر به ابن أبى هاشم ونفاه عن الحجاز إلى البحرين، وكان هذا العلوىّ من فقهاء المدرسة النظامية ببغداد.
وفى سنة ستّ عشرة وخمسمائة قبض الخليفة المسترشد بالله على وزيره جلال الدولة صدقة «٢» وأقيم نقيب النقباء على بن طراد فى نيابة الوزارة، فأرسل السلطان إلى الخليفة أن يستوزر نظام الدين أحمد بن نصر بن نظام الملك فاستوزره وخلع عليه «٣» وفيها ظهر بديار بكر بالقرب من قلعة ذى القرنين معدن نحاس.
стр. 8814
ذكر مسير المسترشد بالله لحرب دبيس بن صدقة
وفى سنة سبع عشرة وخمسمائة كانت الحرب بين دبيس بن صدقة وبين الخليفة، وكان سبب ذلك أنّ دبيسا كان عنده عفيف خادم الخليفة مأسورا، فأطلقه وحمّله رسالة فيها تهديد للخليفة، وبالغ فى وعيده ولبس السواد وجزّ شعره، وحلف لينهبنّ بغداد ويخربها فاغتاظ الخليفة لهذه/ الرسالة وغضب، وتقدم إلى البرسقىّ بالتبريز إلى حرب دبيس، فبرز فى شهر رمضان سنة ست عشرة.
وتجهز الخليفة وبرز من بغداد، واستدعى العساكر فأتاه سليمان ابن مهارش صاحب الحديثة، وأتاه قرواش بن مسلم وغيرهما. وأرسل دبيس إلى نهر الملك فنبهه وعمل أصحابه كلّ عظيم من الفساد فوصل أهل نهر الملك إلى بغداد، فأمر الخليفة فنودى ببغداد «لا يتخلّف من الجند أحد ومن أحبّ الجندية فليحضر» فجاء خلق كثير ففرّق فيهم الأموال والسّلاح فلما علم دبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرّضى عنه، فلم يجب إلى ذلك. وأخرجت خيام الخليفة فى العشرين من ذى الحجة سنة ست عشرة فنادى أهل بغداد: النفير النفير الغراة الغراة! وكثر الضجيج من الناس وخرج عالم كثير لا يحصون كثرة وبرز الخليفة لستّ بقين من ذى الحجة سنة ست عشرة، وعبر دجلة وعليه قباء أسود وعمامة سوداء وطرحة، وعلى كتفه البردة وفى يده القضيب وفى وسطه منطقة حديد صينىّ.
стр. 8815
وسار فى سنة سبع عشرة إلى النيل ونزل بالمباركة، وعبأ البرسقىّ/ أصحابه ووقف الخليفة وراء الجمع فى خاصّته وجعل دبيس أصحابه صفّا واحدا وجعل الرّجّالة أمام الخيالة بالسلاح وكان قد وعد أصحابه بنهب وسبى النّساء. فلمّا تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس وبين أيديهم الإماء يضربن بالدّفوف والمخانيث بالملاهى، ولم ير فى عسكر الخليفة غير قارئ ومسبّح وداع. فقامت الحرب على ساق، فلما رأى الخليفة ذلك جرّد سيفه وكبّر وتقدم للقتال، فانهزم دبيس وحملت الأسرى بين يدى الخليفة فأمر بقتلهم فضربت أعناقهم صبرا.
وكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارس واثنى عشر ألف راجل، وعسكر البرسقى ثمانية آلاف فارس وخمسة آلاف راجل، ولم يقتل من أصحاب الخليفة غير عشرة «١» وجعلت نساء دبيس وسراريه تحت الأسر.
وعاد الخليفة إلى بغداد فدخلها فى يوم عاشوراء من السنة وأما دبيس بن صدقة فإنه لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه واتبعته الخيل ففاتها. وعبر الفرات فرأته عجوز فقالت له: دبير جئت؟ فقال دبير من لم يجىء! واختفى خبره بعد ذلك وأرجف بقتله ثم ظهر أنه قصد غزيّة من عرب نجد، وطلب منهم أن يحالفوه/ فامتنعوا عن ذلك وقالوا لا نسخط الخليفة والسلطان! ثم رحل إلى طائفة من
стр. 8816
الأعراب واتّفق معهم على قصد البصرة وأخذها، فساروا إليها ودخلوها ونهبوها وقتل مقدّم عسكرها فتجهز البرسقى لقتاله. فسمع دبيس ذلك ففارق البصرة وسار على البرّ إلى قلعة جعبر والتحق بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وأطمعهم فى أخذها فلم يظفروا وعادوا عنها فى سنة ثمانى عشرة ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل ابن السلطان محمد، وأقام معه وحسّن له قصد العراق «١» .
وفيها فى صفر أمر المسترشد ببناء سور بغداد وأن يجبى ما يخرج عليه من البلد فشقّ ذلك على النّاس، وجمع منه مال كثير. فلما علم كراهة النّاس لذلك أمر بإعادة ما أخذ منهم فسروا بذلك، وقيل إن الوزير أحمد ابن نظام الملك بذل من ماله خمسة عشر ألف دينار وقال «نقسط الباقى على أرباب الدولة» وكان أهل بغداد يعملون بأنفسهم فيه ويتناوبون العمل.
وفى سنة ثمانى عشرة وخمسمائة ملك الفرنج مدينة صور من نواب العلوى المصرى «٢»
ذكر الاختلاف الواقع بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان محمود:
/ وفى سنة عشرين وخمسمائة وقع الاختلاف بينهما وسببه أن يرنقش شحنة بغداد جرى بينه وبين نواب الخليفة منافرة فهدّده الخليفة بسببها فخاف على نفسه، فسار عن بغداد إلى السلطان وشكا إليه وحذره جانب الخليفة، وأعلمه أنه قاد العساكر وباشر الحرب وقويت
стр. 8817
نفسه و «متى لم تعالجه بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعا ومنعك عنها، فتوجه السلطان نحو العراق، فأرسل إليه الخليفة يعرّفه البلاد وما أهلها عليه من الضّعف والوهن بسبب دبيس بن صدقة وأن الغلاء قد اشتد لعدم الغلات والأقوات، وطلب أن تتأخر هذه الدفعة إلى أن ينصلح الحال ثم يعود إلى البلاد ولا مانع له عنها وبذل له على ذلك مالا عظيما «١» .
فلما سمع السلطان هذه الرسالة قوى عنده ما ذكر برنقش وصمّم على العزم وجدّ فى السّير فلما بلغ الخليفة الخبر عبر هو وأهله وجيوشه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب لغربى فى ذى القعدة مظهرا الغضب والانتزاح عن بغداد إن قصدها السلطان، فبكى النّاس بكاء شديدا لخروجه من داره فبلغ ذلك من السلطان كلّ مبلغ واشتدّ عليه، وأرسل/ إلى الخليفة يستعطفه ويسأله العود إلى داره فأعاد الجواب «أنه لا بد من عودة هذه الدفعة فإنّ الناس هلكى لشدة الغلاء وخراب البلاد» وأنه لا يرى فى دينه أن يزاد ما بهم! فغضب السلطان ورحل نحو بغداد، وأقام الخليفة بالجانب الغربى وأرسل عفيفا الخادم- وهو من خواصّه- فى عسكر إلى واسط ليمنع عنها نوّاب السلطان، وكان بها عماد الدين زنكى فقاتله فانهزم عسكر الخليفة وقتل منهم جماعة وأسر مثلهم، وتغافل زنكى عن عفيف حتى نجا لمودة كانت بينهما.
стр. 8818
ثم إن الخليفة جمع السّفن جميعها وسدّ أبواب دار الخلافة سوى باب النوبى، وأمر صاحب الباب بالمقام فيه لحفظ الدار ولم يبق من حواشى الخليفة بالجانب الغربى سواه. ووصل السلطان إلى بغداد فى العشرين من ذى الحجة ونزل بباب الشماسيّة ودخل بعض عسكره إلى بغداد ونزلوا فى دور الناس، فشكا الناس إليه ذلك، وأمر بإخراجهم، وبقى بها من له دار. وبقى السلطان يراسل الخليفة فى العود ويطلب الصّلح وهو يمتنع، وكان يجرى بين العسكرين مناوشة والعامّة من الجانب الشرقى يسبّون السلطان أقبح سبّ وأفحشه.
ثم دخل جماعة من عسكر السلطان إلى دار الخلافة/ ونهبوا التّاج، فضجّ النّاس ونادوا: الغزاة الغزاة! وأقبلوا من كلّ ناحية، وخرج الخليفة من السرادق والشمسية على رأسه والوزير بين يديه، وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى بأعلى صوته: يا آل هاشم! وأمر بتقديم السّفن، ونصب الجسر وعبر النّاس دفعة واحدة وكان له فى الدار ألف رجل قد أخفاهم فى السرداب، فظهروا وعسكر السلطان قد اشتغل بالنّهب فأسر منهم جماعة من الأمراء، ونهب العامّة دار وزير السلطان ودور جماعة من الأمراء ودار عز الدين المستوفى ودار الحكم أوحد الزمان، وقتل خلق كثير ممّن فى الدروب.
ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقى ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل بغداد والسّواد وأمر بحفر الخنادق فحفرت بالليل وحفظت
стр. 8819
بغداد من عسكر السلطان، ووقع الغلاء عند العسكر واشتد الأمر عليهم وكان القتال كلّ يرم عند أبواب البلد وعلى شاطىّ دجلة.
وعزم عسكر الخليفة أن يكبسوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردى صاحب إربل «١» وخرج كأنه يريد القتال فالتحق بالسلطان! وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين زنكى وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه/ المقاتلة فى السفن وعلى الظهر، فجمع كلّ سفينة بالبصرة وشحنها بالرجال المقاتلة. وسار إلى بغداد فلما قاربها أمر من معه بلبس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلد والنهضة وسارت السفن فى الماء والعسكر فى البر على شاطىء دجلة وقد انتشروا وملأوا الأرض. فرأى النّاس ما ملأ قلوبهم هيبة، وعزم السلطان على الجد فى القتال، فعندها أجاب الخليفة المسترشد بالله إلى الصلح، وترددت الرسائل بينهما فاصطلحا.
وأقام السلطان ببغداد إلى عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، وحمل الخليفة إليه من المال ما استقرت القاعدة عليه، وأهدى إليه سلاحا وخيلا وغير ذلك. ومرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها فرحل إلى همذان فلما وصلها عوقى
стр. 8820
من مرضه، ودام فى الملك إلى سنة خمس وعشرين فتوفى. وملك بعده ابنه داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه على ما نذكره «١» .
وفى سنة ست وعشرين وخمسمائة قبض المسترشد بالله على وزيره شرف الدين على بن الزينبى واستوزر أنوشران بن خالد بعد الامتناع منه.
ذكر حصار الخليفة المسترشد بالله الموصل
/ وفى سنة سبع وعشرين وخمسمائة حاصر الخليفة المسترشد بالله الموصل فى العشرين من شهر رمضان المبارك، وسبب ذلك أنها كانت قد صارت فى مملكة عماد الدين زنكى وكان قد حضر إلى بغداد لمّا وقعت الحرب بين السلطان مسعود السّلجقى وبين أخيه سلجوق شاه على ما نذكره فى أخبار السّلجقية وظهر منه مباينة للخليفة المسترشد بالله، فلما كانت هذه السنة واشتغل الملوك السلجقية بقتال بعضهم بعضا قصد جماعة من الأمراء السلجقية باب المسترشد بالله وصاروا معه.
واتفق أنّ الخليفة المسترشد بالله أرسل الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الواعظ الإسراينى برسالة إلى عماد الدين زنكى فيها خشونة فأداها أبو الفتوح وزاد عليها ثقة منه بقوة الخليفة وناموس الخلافة فقبض عليه زنكى وأهانه ولقيه بما يكره. فأرسل الخليفة
стр. 8821
إلى السلطان مسعود بن محمد يعرّفه ذلك وأنه على قصد الموصل وحصرها، وتمادت الأيام إلى شعبان فسار الخليفة فى النصف منه فى ثلاثين ألف مقاتل.، فلما قارب الموصل فارقها زنكى فى بعض عساكره إلى سنجار ونزل بقية العسكر بها مع نائبه نصير الدين جقر ذردارها «١» فنازلها الخليفة وضيّق على من بها.
وكان عماد الدين يركب كلّ/ ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ويأخذ من ظفر به من عسكر الخليفة، ودام الحصار ثلاثة أشهر فتضايقت الأمور بالعسكر الخليفى ولم يبلغه عمّن بها أنهم احتاجوا إلى ميرة ولا وهنوا، فعاد إلى بغداد فى الماء فى شبارة فوصل يوم عرفة من السنة.
وفى سنة سبع وعشرين أيضا اشترى الإسماعيلية بالشام حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون، وصعدوا إليه، وقاموا بحرب من يحاربهم من المسلمين والفرنج.
وفى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عزل الخليفة أنوشروان بن خالد، وألزم داره، وأعيد إلى الوزارة شرف الدين على ابن طرّاد الزينبى.
ذكر مسير المسترشد بالله لحرب السلطان مسعود بن محمد وأسره
وفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة كانت الحرب بين الخليفة والسلطان فى شهر رمضان. وكان سبب ذلك أن السلطان مسعود
стр. 8822
توفى أخوه الملك طغرل فى المحرم من هذه السنة بهمذان، وكان بينهما من العداوة والحروب ما نذكره فى أخبارهم إن شاء الله. وكان الخليفة يعين السلطان مسعود على أخيه/ ويساعده ويقوّيه، وكان السلطان مسعود قد انهزم من أخيه طغرل ورحل إلى بغداد، فأعانه الخليفة لجميع ما يحتاج إليه وأمره بالمسير إلى همذان ووعده أن يسير معه ويعينه على حرب أخيه.
وكان البقش السّلاحىّ وغيره من الأمراء قد التحقوا بالخليفة وصاروا معه واتّفق أن إنسانا أخذ فوجد معه ملطفات من طغرل إلى بعض الأمراء وخاتمه بإقطاع لهم فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه غلبك ونهب ماله فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة، فهربوا إلى عسكر السلطان مسعود؛ فأرسل الخليفة إليه فى إعادتهم فلم يفعل، فعظم ذلك على الخليفة وحدث بينهما نفرة ووحشة أوجبت تأخّره عن المسير معه فأرسل إليه يأمره بالمسير معه حتما.
فيبنما هم فى ذلك إذ ورد الخبر بوفاة طغرل، فسار مسعود من يومه واحتوى على مملكة الجبل، فلما استقرّ بهمذان فارقه جماعة من أعيان الأمراء خوفا منهم على أنفسهم. منهم يرنقش البازدار، وقزل، وسنقر الخمارتكين والى همذان وعبد الرحمن ابن طغايرك «١» ومعهم دبيس، وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون أمانة
стр. 8823
ليحضروا إلى خدمته فقيل للخليفة إنها مكيدة لأن دبيس بن صدقة معهم. فساروا نحو خوزستان/ واتفقوا مع برسق بن برسق، فأرسل الخليفة إلى الأمراء سديد الدولة بن الأنبارى بتوقيعات يطيّب قلوبهم، وأمرهم بالحضور فعزموا على قبض دبيس بن صدقة ليتقربوا به إلى الخليفة، فهرب إلى السلطان مسعود.
وسار الأمراء إلى بغداد فى شهر رجب فأكرمهم وقطع خطبة السلطان مسعود من بغداد. وبرز الخليفة فى العشرين من شهر رجب على عزم المسير لحرب مسعود، وأقام بالشفيعى «١» ، فهرب منه بكبه «٢» صاحب البصرة إليها، فراسله وبذل له الأمان فلم يعد. فتوقف الخليفة عن المسير، فحسّن له الأمراء الرحيل، وضعّفوا أمر السلطان مسعود، فسيّر مقدّمته إلى حلوان فنهبوا البلاد وأفسدوا فلم ينكر عليهم. تم سار فى ثامن شعبان والتحق به الأمير برسق بن برسق فبلغت عدّته سبعة آلاف فارس، وتخلّف بالعراق مع إقبال الخادم ثلاثة آلاف فارس وكان السلطان فى ألف وخمسمائة فارس.
وكان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة فاستصلح السلطان أكثرهم، فعادوا إليه، فصار فى نحو خمسة عشر ألف فارس. فأرسل الملك داود بن السلطان محمود
стр. 8824
إلى الخليفة يشير عليه بالميل إلى الدينور ليحصّن نفسه ومن/ معه فلم يفعل المسترشد بالله. وسار حتى بلغ دايمرج، وعبأ أصحابه.
وسار السلطان مسعود إليهم فوافاهم فى عشر رمضان، فانحازت ميسرة الخليفة إلى السلطان وقاتلت الميمنة قتالا ضعيفا، ودارت عساكر السلطان حول عسكر الخليفة وهو ثابت لم يحترك من مكانه، فانهزم عسكره وأخذ هو أسيرا ومعه جمع كثير من أصحابه منهم: شرف الدين على بن طرّاد الزينبى وقاضى القضاة، وصاحب المخزن ابن طلحة، وابن الأنبارى، والخطباء، والفقهاء والشهود وغيرهم. وأنزل الخليفة فى خيمة وأخذ ما فى عسكره، وحمل الأعيان إلى قلعة سرجهان ولم يقتل فى هذه المعركة أحد ألبتة.
وعاد السلطان إلى همذان، وأمر فنودى «من تبعنا من البغداديين إلى همذان قتلناه» فرجع الناس كلّهم على أقبح صورة وسير السلطان الأمير بكبه المحمودى شحنة إلى بغداد فوصلها فى رمضان.
فقبض جميع أملاك الخليفة وأخذ غلّاتها، وثار جماعة من عامة بغداد فكسروا المنبر والشباك، ومنعوا من الخطبة، وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويصيحون ويبكون، وخرج النساء حاسرات فى الأسواق يلطمن ويبكين، واقتتل أصحاب/ الشحنة والعامة فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين رجلا.
стр. 8825
ذكر مقتل المسترشد بالله
كان مقتله فى يوم الأحد سابع عشر ذى القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة على باب مراغة، وذلك أن السلطان سار فى شوال من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود، وكان قد عصى عليه، فنزل على فرسخين منها والمسترشد معه وقد وكل به من يحفظه. وترددت الرسائل بينهما فى تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة للسلطان وأنه لا يعود يجمع العساكر ولا يخرج من داره فأجاب السلطان إلى ذلك. وركب الخليفة وحمل الغاشية ولم يبق إلا عود الخليفة إلى بغداد، فوصل الخبر أن الأمير قرآن خوان «١» قد ورد رسولا من السلطان سنجر فتأخّر مسير المسترشد لذلك وخرج النّاس إلى لقائه مع السلطان.
وفارق الخليفة بعض الموكلين به وكانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة وعشرون رجلا من الباطنية «٢» فدخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وتركوه عريان وقتل نفر من أصحابه، منهم: أبو عبد الله ابن سكينه وبقى الخليفة حتى دفنه أهل مراغة. وقتل من الباطنية عشرة وقيل بل قتلوا كلهم، وقد قيل إن السلطان سنجر أرسلهم لقتله «٣» .
следующие страницы →