← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

إلى السلطان مسعود بن محمد يعرّفه ذلك وأنه على قصد الموصل وحصرها، وتمادت الأيام إلى شعبان فسار الخليفة فى النصف منه فى ثلاثين ألف مقاتل.، فلما قارب الموصل فارقها زنكى فى بعض عساكره إلى سنجار ونزل بقية العسكر بها مع نائبه نصير الدين جقر ذردارها «١» فنازلها الخليفة وضيّق على من بها. وكان عماد الدين يركب كلّ/ ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ويأخذ من ظفر به من عسكر الخليفة، ودام الحصار ثلاثة أشهر فتضايقت الأمور بالعسكر الخليفى ولم يبلغه عمّن بها أنهم احتاجوا إلى ميرة ولا وهنوا، فعاد إلى بغداد فى الماء فى شبارة فوصل يوم عرفة من السنة. وفى سنة سبع وعشرين أيضا اشترى الإسماعيلية بالشام حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون، وصعدوا إليه، وقاموا بحرب من يحاربهم من المسلمين والفرنج. وفى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عزل الخليفة أنوشروان بن خالد، وألزم داره، وأعيد إلى الوزارة شرف الدين على ابن طرّاد الزينبى. ذكر مسير المسترشد بالله لحرب السلطان مسعود بن محمد وأسره وفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة كانت الحرب بين الخليفة والسلطان فى شهر رمضان. وكان سبب ذلك أن السلطان مسعود

стр. 8822

توفى أخوه الملك طغرل فى المحرم من هذه السنة بهمذان، وكان بينهما من العداوة والحروب ما نذكره فى أخبارهم إن شاء الله. وكان الخليفة يعين السلطان مسعود على أخيه/ ويساعده ويقوّيه، وكان السلطان مسعود قد انهزم من أخيه طغرل ورحل إلى بغداد، فأعانه الخليفة لجميع ما يحتاج إليه وأمره بالمسير إلى همذان ووعده أن يسير معه ويعينه على حرب أخيه. وكان البقش السّلاحىّ وغيره من الأمراء قد التحقوا بالخليفة وصاروا معه واتّفق أن إنسانا أخذ فوجد معه ملطفات من طغرل إلى بعض الأمراء وخاتمه بإقطاع لهم فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه غلبك ونهب ماله فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة، فهربوا إلى عسكر السلطان مسعود؛ فأرسل الخليفة إليه فى إعادتهم فلم يفعل، فعظم ذلك على الخليفة وحدث بينهما نفرة ووحشة أوجبت تأخّره عن المسير معه فأرسل إليه يأمره بالمسير معه حتما. فيبنما هم فى ذلك إذ ورد الخبر بوفاة طغرل، فسار مسعود من يومه واحتوى على مملكة الجبل، فلما استقرّ بهمذان فارقه جماعة من أعيان الأمراء خوفا منهم على أنفسهم. منهم يرنقش البازدار، وقزل، وسنقر الخمارتكين والى همذان وعبد الرحمن ابن طغايرك «١» ومعهم دبيس، وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون أمانة

стр. 8823

ليحضروا إلى خدمته فقيل للخليفة إنها مكيدة لأن دبيس بن صدقة معهم. فساروا نحو خوزستان/ واتفقوا مع برسق بن برسق، فأرسل الخليفة إلى الأمراء سديد الدولة بن الأنبارى بتوقيعات يطيّب قلوبهم، وأمرهم بالحضور فعزموا على قبض دبيس بن صدقة ليتقربوا به إلى الخليفة، فهرب إلى السلطان مسعود. وسار الأمراء إلى بغداد فى شهر رجب فأكرمهم وقطع خطبة السلطان مسعود من بغداد. وبرز الخليفة فى العشرين من شهر رجب على عزم المسير لحرب مسعود، وأقام بالشفيعى «١» ، فهرب منه بكبه «٢» صاحب البصرة إليها، فراسله وبذل له الأمان فلم يعد. فتوقف الخليفة عن المسير، فحسّن له الأمراء الرحيل، وضعّفوا أمر السلطان مسعود، فسيّر مقدّمته إلى حلوان فنهبوا البلاد وأفسدوا فلم ينكر عليهم. تم سار فى ثامن شعبان والتحق به الأمير برسق بن برسق فبلغت عدّته سبعة آلاف فارس، وتخلّف بالعراق مع إقبال الخادم ثلاثة آلاف فارس وكان السلطان فى ألف وخمسمائة فارس. وكان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة فاستصلح السلطان أكثرهم، فعادوا إليه، فصار فى نحو خمسة عشر ألف فارس. فأرسل الملك داود بن السلطان محمود

стр. 8824

إلى الخليفة يشير عليه بالميل إلى الدينور ليحصّن نفسه ومن/ معه فلم يفعل المسترشد بالله. وسار حتى بلغ دايمرج، وعبأ أصحابه. وسار السلطان مسعود إليهم فوافاهم فى عشر رمضان، فانحازت ميسرة الخليفة إلى السلطان وقاتلت الميمنة قتالا ضعيفا، ودارت عساكر السلطان حول عسكر الخليفة وهو ثابت لم يحترك من مكانه، فانهزم عسكره وأخذ هو أسيرا ومعه جمع كثير من أصحابه منهم: شرف الدين على بن طرّاد الزينبى وقاضى القضاة، وصاحب المخزن ابن طلحة، وابن الأنبارى، والخطباء، والفقهاء والشهود وغيرهم. وأنزل الخليفة فى خيمة وأخذ ما فى عسكره، وحمل الأعيان إلى قلعة سرجهان ولم يقتل فى هذه المعركة أحد ألبتة. وعاد السلطان إلى همذان، وأمر فنودى «من تبعنا من البغداديين إلى همذان قتلناه» فرجع الناس كلّهم على أقبح صورة وسير السلطان الأمير بكبه المحمودى شحنة إلى بغداد فوصلها فى رمضان. فقبض جميع أملاك الخليفة وأخذ غلّاتها، وثار جماعة من عامة بغداد فكسروا المنبر والشباك، ومنعوا من الخطبة، وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويصيحون ويبكون، وخرج النساء حاسرات فى الأسواق يلطمن ويبكين، واقتتل أصحاب/ الشحنة والعامة فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين رجلا.

стр. 8825

ذكر مقتل المسترشد بالله كان مقتله فى يوم الأحد سابع عشر ذى القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة على باب مراغة، وذلك أن السلطان سار فى شوال من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود، وكان قد عصى عليه، فنزل على فرسخين منها والمسترشد معه وقد وكل به من يحفظه. وترددت الرسائل بينهما فى تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة للسلطان وأنه لا يعود يجمع العساكر ولا يخرج من داره فأجاب السلطان إلى ذلك. وركب الخليفة وحمل الغاشية ولم يبق إلا عود الخليفة إلى بغداد، فوصل الخبر أن الأمير قرآن خوان «١» قد ورد رسولا من السلطان سنجر فتأخّر مسير المسترشد لذلك وخرج النّاس إلى لقائه مع السلطان. وفارق الخليفة بعض الموكلين به وكانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة وعشرون رجلا من الباطنية «٢» فدخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وتركوه عريان وقتل نفر من أصحابه، منهم: أبو عبد الله ابن سكينه وبقى الخليفة حتى دفنه أهل مراغة. وقتل من الباطنية عشرة وقيل بل قتلوا كلهم، وقد قيل إن السلطان سنجر أرسلهم لقتله «٣» .

стр. 8826

وقتل رحمه الله تعالى وله ثلاث وأربعون سنة وثلاثة أشهر. ومدّة خلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر ويوم واحد وكان ﵀ شهما شجاعا كبير الإقدام بعيد الهمّة وكان فصيحا بليغا حسن الخط. قال «١» : ولما قتل حمل إلى باب مراغة وخرج أهلها حفاة حاسرين رؤوسهم فبلغوا جنازته وكسروا المنابر. وقال: وصل الخبر إلى بغداد فى يوم الجمعة لستّ بقين من ذى القعدة فاجتمع الرجال والنساء وناحوا عليه فى الطرقات وكسروا منابر الجوامع واكثروا الشناعات وسبّوا السلطان سنجر ومسعودا أفبح سبّ من غير مراقبة ولا حشمة: ولما قتل ولى بعده ابنه الخليفة الراشد بالله. ذكر خلافة الراشد بالله هو أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله أبى منصور الفضل بن المستظهر بالله وهو الخليفة الثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له عند وصول الخبر بمقتل أبيه فى يوم الإثنين السابع/ والعشرين من ذى القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وكتب السلطان مسعود ابن محمذ السّلجقى إلى بكبه الشحنة ببغداد، فبايع له، وحضر النّاس

стр. 8827

البيعة. وحضر بيعته واحد وعشرون رجلا من أولاد الخلفاء وبايع له الشيخ أبو النجيب ووعظه وبالغ فى الموعظة. ذكر الحرب بين عسكر الخليفة الراشد بالله وعسكر السلطان مسعود وفى سنة ثلاثين وخمسمائة وصل يرنقش الزكوى «١» من عند السلطان مسعود يطالب الخليفة بما كان استقر على أبيه المسترشد بالله من المال وهو أربعمائة ألف دينار فقال الخليفة: لا شىء عندى والمال جميعه كان مع المسترشد فنهب! ثم بلغ الراشد بالله أن يرنقش يربد الهجم على دار الخليفة وتفتيشها ليأخذ المال، فجمع العساكر وأعاد عمل السور. فلما علم يرنقش بذلك اتّفق هو وشحنة بغداد على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة فبلغ ذلك الراشد فاستعد لمنعهم وركب يرنقش ومعه الأمراء البكجية «٢» والعسكر، واجتمعوا فى نحو خمسة آلاف فارس ولقيهم عسكر الخليفة فاقتتلوا، وأعان العامّة عسكر الخليفة/ فأخرجوا عسكر السلطان ونهبت العامّة دار السلطنة. ثم حضر الملك داود بن محمود بعسكر أذربيجان واجتمع الأطراف ببغداد على الخروج عن طاعة السلطان مسعود وفيهم عماد الدين زنكى وغيره، وولى الملك دواد يرنقش بازدار شحنكية بغداد. واتفق أن الخليفة قبض على ناصح الدّولة أبى عبد الله الحسن

стр. 8828

ابن جهير أستاذ الدار وكان هو السبب فى ولايته، وقبض على جمال الدولة إقبال المسترشدىّ وعلى غيرهما من أعيان الدولة، فتفرقت نيّات أصحابه عليه فشفع أتابك زنكى فى إقبال. وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبى الرضى بن صدقة «١» » إلى عماد الدين زنكى يهنئه بالقدوم، فأقام الوزير عنده وسأله أن يمنعه من الخليفة فأجابه إلى ذلك. وعاد الموكب بغير وزير، وأرسل زنكى من حرس دار الوزير ثم أصلح حاله مع الخليفة وأعاده إلى وزارته. ثم جدّ الخليفة فى عمارة السور فأرسل الملك داود من قلع أبوابه وخرّب قطعة منه، فانرعج الناس ببغداد ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة، وقطعت خطبة السلطان، وخطب للملك داود، وجرت الأيمان بين الخليفة والملك داود وعماد الديكى زنكى. ووصلت الأخبار بمسير السلطان مسعود إلى بغداد لقتال ابن أخيه داود وزنكى. ثم وصلت رسل السلطان إلى الخليفة بالبذل من نفسه الطاعة والموافقة والتهديد لمن اجتمع عنده، فعرض الخليفة الرسالة عليهم وكلمهم فى قتاله، فكلّ رأى ذلك ووافقهم الخليفة! ذكر مسير الراشد بالله إلى الموصل وخلعه كان سبب ذلك أن السلطان مسعودا لما بلغه اجتماع العساكر والملوك والأمراء ببغداد على خلافه والخطبة للملك داود ابن أخيه جمع العساكر وسار إلى بغداد ونزل بالملكية، فسار بعض العسكر

стр. 8829

وطاردوا عسكره وعادوا، ونزل السلطان على بغداد وحصرها نيّفا وخمسين يوما، فلم يظفر منها بشىء. ثم عاد إلى النهروان عازما على العود إلى همذان فوصل إليه طرنطاى صاحب واسط ومعه سفن كثيرة، فعاد إلى بغداد وعبر إلى غربى دجلة واختلفت كلمة العسكر البغدادى فعاد الملك داود إلى بلاده فى ذى القعدة وتفرق الأمراء. وكان زنكى بالجانب الغربى فعبر إلى الخليفة وسار إلى الموصل. ودخل/ السلطان بغداد واستقر بها، وذلك فى نصف ذى القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة. قال «١» وأمر السلطان فجمع القضاة والشهود والفقهاء وعرض عليهم اليمين التى حلف بها الراشد وفيها بخط يده «إننى متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسّيف فقد خلعت نفسى من الأمر» فافتوا بخروجه من الخلافة، وقيل إن الوزير شرف الدين على بن طراد الزينبى وكاتب الإنشاء ابن الأنبارى وصاحب المخزن كمال الدين طلحة كانوا منذ أسرهم مع المسترشد، فحضروا الآن معه، واجتمعوا فى يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة سنة ثلاثين، وكتبوا محضرا شهد فيه جماعة من العدول بما صدر من الراشد من الظّلم وأخذ الأموال بغير حقها وسفك الدماء وشرب الخمور وارتكاب المحارم، واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك هل تصحّ معه إمامة أم لا؟ وهل يجوز للسلطان أن يخلعه

стр. 8830

ويستبدل به من أهل بيته من هو خير منه طريقة ودينا؟ فأفتى الفقهاء بخلعه وفسخ عهده والاستبدال به غيره، وعرضت الفتيا والمحضر على السلطان فقال: هذا أمر قلدتكم إياه وأنا برىء منه عند الله! ثم خلع وقطعت خطبته من بغداد وسائر البلاد فى ذى القعدة وبويع بعده للمقتفى. / وكانت خلافته أحد عشر شهرا وأياما، وكتب السلطان إلى أتابك زنكى فى القبض عليه وإرساله إلى بغداد فمنع من ذلك فارس الإسلام زين الدين على بن بكتكين صاحب إربل ﵀ وقال: والله لا سلّمناه حتى تراق دماؤنا! واعتذر إلى السلطان وقال: أنا أخرجه من ولايى؟ فأرسل أنت عسكرا للقبض عليه من غير جهتنا! وأعد زين الدين جماعة من الأكراد فساروا بين يديه على طريق لا يعرفها كثير من الناس فوصل إلى مراغة أذربيجان ونزل ببريّة أبيه وتلقّاه أهلها وولّوه أمرهم فأقام بها يسيرا ثم ارتحل إلى الرّىّ فلما قرب من بلاد الباطنية جرّد عسكره لقتل من وجد منهم فقتل منهم جماعة ثم تنقّلت به الحال وكابد الغربة ووصل إلى همذان وسار منها يريد إصفهان. فلما كان فى الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثب عليه نفر من الباطنية- وكانوا فى خدمته على زىّ الخراسانية- فقتلوه وهو يريد القيلولة وكان [قد بلّ] «١» من أثر مرض قد برأ منه ودفن فى شهرستان على فرسخ من إصفهان، وقتل أصحابه الباطنية الذين قتلوه. ولما ورد الخبر بمقتل

стр. 8831

الراشد بغداد جلسوا للعزاء فى دار النوبة يوما واحدا. وكان الراشد بالله أشقر اللون حسن الصورة، مهيبا شديد القوة/ والبطش ذكر خلافة المقتفى لأمر الله هو أبو عبد الله محمد وقيل الحسين بن المستظهر بالله أبى العباس أحمد بن المقتدى بأمر الله أبى القاسم عبد الله، وأمّه أمّ ولد تدعى ياعى. وهو الخليفة الحادى والثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع ابن أخيه الراشد بالله فى ثامن عشر ذى الحجة سنة ثلاثين وخمسمائة. وذلك أنه لما خلع الراشد بالله استشار السلطان مسعود بن محمد السّلجقى جماعة من أعيان بغداد فيهم الوزير شرف الدين على بن طرّاد الزّينبى وكمال الدين صاحب المخزن وغيرهما فيمن يصلح أن يلى الخلافة فقال الوزير: أحد عمومة الراشد بالله وهو رجل صالح! قال: من هو؟ قال: لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يقتل: فتقدّم إليهم بعمل محضر فعمل المحضر على ما ذكرناه فلما كمل المحضر أحضر القاضى أبو طاهر الكرخى وشهدوا عنده بما تضمّنه المحضر فحكم بفسق الراشد وخلعه وحكم بعده غيره. ولم يكن قاضى القضاة ببغداد ليحكم فإنه كان بالموصل عند أتابك زنكى فلما كمل ذلك ذكره الوزير للسلطان وذكر دينه وعفّته ولين جانبه، فحضر السلطان إلى دار الخلافة ومعه الوزير وصاحب المخزن وغيرهما وأمر/ بإحضار الأمير أبى عبد الله بن المستظهر من المكان الذى كان يسكن فيه، فأحضر وأجلس فى الميمنة ودخل السلطان وتحالفا وقررا القواعد

стр. 8832

بينهما. وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء. ولقّب المقتفى بأمر الله. وقيل فى سبب هذا اللقب أنه رأى رسول الله ﷺ قبل أن يلى الخلافة بستة أيام وهو يقول: إن هذا الأمر يصير إليك فاقتف بى فلقّب بذلك ولما بويع له سيّرت الكتب الحكيمة بخلافته إلى سائر الأمصار واستوزر شرف الدين على بن طرا الزينبى، وأرسل إلى الموصل فأحضر قاضى القضاة على بن حسين الرينبى- وهو بن عم الوزير- وأعاده إلى منصبه، وأقرّ كمال الدين صاحب المخزن على منصبه، وأجرى الأمور على أحسن نظام. قال «١» : وأرسل السلطان مسعود إلى الخليفة فى تقرير إقطاع يكون لخاصته فكان جوابه «إن فى الدار ثمانين بغلا تنقل الماء من دجلة، فلينظر السلطان ما يحتاج إليه من يشرب هذا الماء فتقرّرت القاعدة على أن يجعل له ما كان للمستظهر فأجاب إلى ذلك وقال السلطان لما بلغه قوله: «لقد جعلنا فى الخلافة رجلا عظيما نسأل الله تعالى أن يكفينا أمره» قال «٢» : وخطب له على سائر/ المنابر إلا فى الموصل، فإنه لم يخطب له فيها إلا فى شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. وفى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة تزوج الخليفة المقتفى فاطمة أخت السلطان مسعود وكان الصداق مائة ألف دينار، والوكيل فى

стр. 8833

قبول النكاح وزير الخليفة على بن طراد، ووكيل السلطان فى العقد وزيره الكمال الدّركزينى. وفيها فى الرابع والعشرين من آيار ظهر بالشام سحاب أسود وأظلمت له الدنيا، وصار الجوّ كالليل المظلم، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، وهبّ ريح عاصف ألقت كثيرا من الشّجر، وكان أشد ذلك بحوران ودمشق وجاء بعد ذلك مطر كثير وبرد كبار. وفى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وصل ملك الروم صاحب القسطنطينية إلى الشام وملك بزاغة «١» بالأمان لخمس بقين من شهر رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم وسبى على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الأتابكية فى أيام زنكى. وفيها انقطعت كسوة الكعبة للاختلاف الواقع بين الملوك السّلجقية فقام بكسوتها رامشت الفارسى التاجر، وكان من التجار المسافرين إلى الهند- وهو كثير المال- فكساها من الثياب الحبرة «٢» وبكل ما وجد/ إليه السبيل، فبلغ ثمن الكسوة ثمانية عشر ألف دينار مصرية. وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وديار بكر والموصل والعراق وغير ذلك من البلاد فخرّب كثير منها، وهلك عالم كثير تحت الرّدم. ثم كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام والجزيرة وكثير

стр. 8834

من البلاد فى سنة ثلاث وثلاثين، وكانت متوالية عدّة أيام كلّ ليلة عدّة دفعات وكان أشدها بالشام، فعدّوا فى ليلة واحدة ثمانين مرة. ففارق الناس مساكنهم، ولم تزل تتعاهد من أربع صفر إلى تاسع عشر، وكان معها صوت وهدة شديدة. وفى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة جرى بين الخليفة المقتفى وبين الوزير على بن طراد منافرة، وسببها أن الوزير كان يعارض الخليفة فى جميع ما يأمر به فنفر الخليفة من ذلك، فغضب الوزير ثم خاف فقصد دار السلطان واحتمى بها، فأرسل الخليفة إليه فى العود إلى منصبه فامتنع. فاستناب قاضى القضاة الزينبى، وأرسل الخليفة رسلا إلى السلطان مسعود فى معنى الوزير فأرخص السلطان للخليفة فى عزله فعزله، ثم عزل الزينبى من النيابة، وناب سديد الدولة بن الأنبارى. وفيها كانت زلزلة عظيمة بكنجة وغيرها من أعمال أذربيجان وأرّان، وكان أشدها بكنجة فخرّب منها كثير، وهلك عالم قيل كانوا مائتى ألف وثلاثين ألفا/ وتهدّمت قلعة هناك. وفيها ابتنى الخليفة بفاطمة أخت السلطان مسعود وكان يوم حملها إلى دار الخلافة يوما مشهودا. وغلّقت بغداد عدة أيام، وتزوج السلطان مسعود بابنة الخليفة. وفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وصل رسول السلطان سنجر ملكشاه إلى المقتفى ومعه بردة النبى ﷺ والقضيب، وكان أخذهما من المسترشد لما قتل.

стр. 8835

وفيها ملك الإسماعيلية حصن مصاف بالشام وكان واليه مملوكا لبنى منقذ أصحاب شيزر، فاحتالوا عليه ومكروا به حتى صعدوا إليه فقتلوه وملكوا الحصن. وفيها توفى سديد الدولة بن الأنبارى فاستوزر الخليفة بعده نظام الدين أبا نصر محمد بن الأنبارى وكان قبل ذلك أستاذ الدار. وفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد بناها كمال الدين أبو الفتوح حمزة بن على صاحب المخزن «١» . ولما فرغت درّس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل. وفى سنة أربعين وخمسمائة اتّصل بالخليفة عن أخيه أبى طالب ما كرهه فضيّق عليه وعلى غيره من أقاربه. وفى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فى جمادى الأولى خطب للمستنجد بالله يوسف بن المقتفى بولاية العهد. / وفى سنة أربع وأربعين استوزر الخليفة أبا المظفر يحيى ابن هبيرة وكان قبل ذلك صاحب ديوان الزّمام فظهرت منه كفاءة عظيمة، فرغب الخليفة فيه واستوزره يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر «٢» .

стр. 8836

وفيها كانت زلزلة عظيمة، فيقال إن جبلا بالقرب من حلوان ساخ فى الأرض. وفى سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان فلما وصل الخبر إلى بغداد بموته هرب شحنتها مسعود بلال إلى تكريت فاستظهر الخليفة المقتفى على داره ودور أصحاب السلطان ببغداد وأخذ أموالهم وودائعهم. واستبدّ الخليفة بالأمر وقطع خطبة الملوك السّلجقية «١» وفوّض الأمر إلى الوزير ابن هبيرة! ذكر تفويض أمور الدولة والوزارة إلى الوزير عون الدين بن هبيرة وما أقطعه الخليفة من الإقطاعات كان الخليفة المقتفى لأمر الله لمّا استخلف حلف أن ألا يملّك تركيّا لما جرى على أخيه المسترشد ولم يمكنه المبادرة بذلك فلما تمكّن وقوى أمره ومات السلطان مسعود فوّض الأمور إلى الوزير عون الدين أبى المظفر يحيى بن هبيرة، ولقّبه بتاج الملوك ملك/ الجيوش وأقطعه إقطاعا عظيما وهو: واسط وبطائحها والبصرة والحلّة، والنيل، والنعمانية، وقرسان «٢» ونهر الملك «٣» ، ونهر

стр. 8837

عيسى «١» ، ودجيل، والراذان «٢» ، وطريق خراسان، والقرايا، والنجف، والبندنيجين «٣» وبادرايا «٤» ، وباكسايا «٥» ، وهيت «٦» والأنبار، وعين التمر «٧» ، وشفاثا «٨» . وأقطعه إقطاع وزير السلطان وأعانه على الإستعداد للحرب وجهزه بالجيوش فاستولى على الحلة والكوفة وواسط ثم عاد إلى بغداد وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما. ذكر حصر تكريت وعود عسكر الخليفة عنها وأسر ابن الوزير وفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سيّر الخليفة المقتفى لأمر الله عسكرا إلى تكريت «٩» وأرسل عليهم مقدّما أبا المنذر بن الوزير

стр. 8838

عون الدين والأمير ترشك وهو من خواصّ الخليفة وغيرهما، فجرى بين أبى المنذر وبين ترشك منافرة اقتضت أن كتب ابن الوزير يشكو منه، فأمر الخليفة بالقبض على ترشك فعرف ذلك فأرسل إلى مسعود صاحب تكريت وصالحه وقبض على/ أبى المنذر ومن معه من المقدمين، وسلّمهم إلى مسعود بلال فانهزم العسكر وسار مسعود وترشك من تكريت إلى طريق خراسان فهنباها وأفسدا. فسار الخليفة لدفعهما، فهربا من بين يديه فقصد تكريت وحصرها أياما، ثم عاد بعد أن جرى بينه وبين أهلها قتال من وراء السور وقتل من عسكر الخليفة جماعة بالنّشاب. ذكر حصار تكريت ووقعة بكمزا وفى سنة تسع وأربعين وخمسمائة أرسل الخليفة رسولا إلى صاحب تكريت بسبب من عنده من المأسورين فقبض على الرسول. فسيّر المقتفى عسكرا فخرج أهل تكريت فقاتلوا عسكر الخليفة، فسير عسكرا آخر، فمانعوه. فسار الخليفة بنفسه ونزل على البلد فهرب أهله، فدخل عسكر الخليفة فشغبوا ونهبوا بعضه، ونصب على القلعة ثلاثة عشر منجنيقا فسقط من أسوارها برج، وبقى الجيش «١» كذلك إلى الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول فأمر الخليفة بالقتال والزّحف. فاشتد القتال، وكثرت القتلى، ولم يبلغ منها غرضا، فعاد إلى بغداد ودخلها فى آخر الشهر.

стр. 8839

ثم أمر الوزير عون الدين بالعود إليها والاستعداد والاستكثار من آلات/ الحصار، فسار إليها فى شهر ربيع الآخر وضيق عليها. فبلغه الخبر أن مسعود بلال وصل إلى شهر ابان ومعه البغوش كون خر «١» وترشك فى عسكر كبير ونهبوا البلاد فعاد الوزير إلى بغداد وكان سبب تحوّل هذا العسكر أنهم حثّوا الملك محمدا «٢» على قصد العراق فلم يتهيأ له ذلك، فسير إليه هذا العسكر وانضاف إليهم خلق كثير من التركمان. فخرج الخليفة إليهم فأرسل مسعود بلال إلى تكريت وأخرج منها الملك أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد وكان محبوسا بها وقال: هذا سلطان نقاتل بين يديه بازاء الخليفة! والتقى العسكران عند بكمزا بالقرب من بعقوبا، ودامت الحرب بينهم والمناوشة ثمانية عشر يوما، ثم التقوا فى آخر شهر رجب واقتتلوا فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة وبعض القلب حتى بلغت الهزيمة بغداد. ونهبت خرائنه وقتل خازنه. فحمل الخليفة بنفسه هو وولى عهده وصاح: يا آل هاشم كذب الشيطان! وقرأ» وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا» وحمل هو وبقية العسكر فانهزم مسعود ومن معه، وظفر الخليفة، وغنم العسكر جميع ما هو للتركمان من دوابّ وغنم وغير ذلك. وكانوا قد أحضروا نساءهم وأولادهم وخركاهاتهم فأخذ جميع ذلك. فبيع

стр. 8840

كل كبش/ بدانق وأخذ كون خر الملك أرسلان وانهزم به إلى بلد النجف وقلعة الماهكى «١» ورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها فى أوائل شعبان المبارك، فأتاه الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط. فنهبا وخربا فسيّر إليهم الوزير فى عسكر، فانهزم العجم، ولحقهم عسكر الخليفة ونهب شيئا كثيرا، وعاد إلى بغداد فلقّب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش، وسيّر الخليفة عسكرا إلى بلد النجف فاحتوى عليه. وفى سنة خمسين وخمسمائة سار الخليفة إلى دقوقا فحصرها وقاتل من ها، ثم رحل عنها ولم يبلغ غرضا «٢» . وفيها استولى شملة التركمانى على خوزستان وصاحبها حينئذ ملكشاه محمود. فسيّر الخليفة إليه عسكرا فقاتلهم شملة وهزمهم وأسر وجوههم. ثم أحسن إليهم وأطلقهم. وأرسل إلى الخليفة المقتفى لأمر الله يعتذر منه فقبل عذره. وفى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة حصر السلطان محمد بن محمود السّلجقى بغداد، وكان قد راسل الخليفة فى الخطبة له ببغداد والعراق، فامتنع الخليفة من إجابته، فسار من همذان وواعده قطب الدين صاحب الموصل أن يرسل إليه العساكر، فقدم

стр. 8841

فى ذى الحجة ودام الحصار والقتال إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين، فبلغ/ السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكر وأرسلان طغرل دخلوا همذان واستولوا عليها، فرجع عن بغداد ولم يبلغ رضا، وتفرقت العساكر. وفى شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين أطلق ابن الوزير! ابن هبيرة من حبس تكريت فتلقته المواكب وكان يوما مشهودا «١» . وفيها فى شهر ربيع الآخر احترق أكثر بغداد، واحترقت دار الخلافة. وفى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كان بالشام زلازل كثيرة خربت كثيرا من البلاد والقلاع والأسوار، وهلك من العالم مالا يحصى كثرة. ومما يدل على ذلك ما حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل «أن معلما كان بمدينة حماه يعلّم الصبيان. ففارق المكتب لحاجة عرضت له فجاءت الزلزلة فخرّبت البلد وسقط المكتب على الصبيان فهلكوا عن آخرهم- قال- فقال المعلم: فلم يأت أحد يسألنى عن صبىّ كان له! فيدل على موت جميع أهاليهم «٢» . وفيها قلع الخليفة المقتفى لأمر الله باب الكعبة وعمل عوضة بابا

стр. 8842

مصفحا بالفضة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه إذا مات! وفى سنة أربع وخمسين وخمسمائة فى ثامن عشر ربيع الأول كثرت الزيادة فى دجلة فغرقت بغداد، وتهدّمت الدور وسور/ المدينة وكثر الخراب ولم يعرف الناس حدودهم على التحرير، بل بالتخمين. وفيها مات السلطان محمد الذى حاصر بغداد بمرض السّلّ. وفيها عاد ترشك إلى بغداد ولم يعرفه أحد ولا شعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه سيف وكفن. فرضى عنه الخليفة، وأذن له فى دخول الدار وأنعم عليه بمال! ذكر وفاة المقتفى لأمر الله وشىء من أخباره كانت وفاة المقتفى لأمر الله فى شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقيل لليلتين خلتا من شهر رجب. ومولده فى ثانى عشر شر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكان عمره ستّا وستين سنة تقريبا، ومدّة خلافته أربعا وعشرين سنة وشهورا. وكان شيخا أبيض الرأس واللحية طويلها، وكان حليما كريما عادلا حسن السيرة جميل الرأى وافر العقل، شجاعا مقداما يباشر الحروب بنفسه. وكان يحب جمع المال. وفى أول خلافته ولّى القضاء بمدينة السلام لرجل يعرف بابن المرخم، وجعله يتولى عقوبة عماله

стр. 8843

ووجوه دولتة وأخذ أموالهم، فقال/ بعض الشعراء فى ذلك: ضخّمى ويك والطمى ... ولى ابن المرخّم «١» واه على الحكم والقضا ... وعلى كلّ مسلم وأرى المقتفى الإما ... م عن الحقّ قد عمى فبلغ المقتفى ذلك فأخذ الشاعر بنكاله وعذبه وما زاده ذلك إلا تماديا فى حاله. وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه من أوّل أيام الدّيلم وإلى هذا الوقت، وأول خليفة تمكن من عسكره وأصحابه وحكم على الخلافة منذ تحكم المماليك على الخلفاء فى خلافة المستنصر بالله وإلى الآن، إلا أن يكون المعتضد بالله. وكان المقتفى يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار فى جميع البلاد حتى لا يفوته منها شىء، وكانت دعوته بالعراق والحجاز والشام وخراسان. ذكر خلافة المستنجد بالله هو أبو المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمد بن المستظهر بالله. وأمه أم ولد ندعى طاوس وقيل نرجس، رومية. وهو الخليفة الثانى والثلاثون من الخلفاء بويع له بعد وفاة أبيه فى شهر

стр. 8844

ربيع الأول فى سنة خمس وخمسين وخمسمائة وقيل لليلتين خلتا من شهر رجب منها والله تعالى أعلم. قال «١» : وكان للمقتفى حظية وهى أم ولده أبى على. فلما اشتدّ مرضه وأيست منه، أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير أبو على خليفة فقالوا: كيف الحيلة مع ولى العهد؟ فقررت أنها تقبض عليه إذا دخل. وكان يدخل على أبيه فى كلّ يوم فقالوا: لا بد لنا من أحد أرباب الدّولة فوقع اختيارهم على أبى المعالى بن الكيال الهراس «٢» فدعوه إلى ذلك فأجابهم على أن يكون وزيرا. فبذلوا له ما طلب. فلما استقرت القاعدة بينهم أحضرت عدّة من الجوارى وأعتطهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولى العهد المستنجد بالله. وكان له خصىّ صغير يرسله فى كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجوارى وبأيديهن السكاكين وبيد أبى على وأمه سيفين. فعاد إلى المستنجد وأخبره. وأرسلت هى إلى المستنجد تقول: «إن والدك قد حضرته الوفاة فاحضر لتشاهده «فاستدعى أستاذ لدار عضد الدين، وأخذ معه جماعة من الفراشين، ودخل الدار وقد لبس الدّرع والسيف فى يده، فلما دخل ثار به الجوارى/ فضرب وحدة منهن فجرحها وجرح أخرى وصاح فدخل أستاذ الدار والفراشون فهرب الجوارى وأخذ أخاه

стр. 8845

أبا على وأمّه فسجنهما، وقتل من الجوارى وغرّق وجلس للمبايعة فبايعه أهله وأقاربه. وأول من بايعه عمّه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفى وكان أكبر من المستنجد، ثم بايعه الوزير ابن هبيرة، وقاضى القضاة، وأرباب الدولة والعلماء. وخطب له فى يوم الجمعة، ونثرت الدنانير والدراهم. قال ابن هبيرة الوزير عنه: إنه قال «رأيت رسول الله ﷺ فى المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لى: يبقى أبوك فى الخلافة خمس عشرة سنة فكان كما قال رسول الله ﷺ فى المنام «ثم قال» رأيته قبل موت المقتضى بأربعة أشهر، فدخل بى فى باب كبير ثم ارنقى إلى رأس جبل وصلّى بى ركعتين وألبسنى قميصا ثم قال لى: قل (أللهم اهدنى فيمن هديت) وذكر دعاء القنوت.» قال: «١» ولما ولى المستنجد بالله أقر ابن هبيرة على وزارته، وأصحاب الولايات على ولاياتهم، وأزال المكوس والضرائب، وقبض على ابن المرخّم وأخذ منه مالا كثيرا وأخذ كتبه فأحرق منها ما كان من علوم الفلاسفة. وقدم عضد الدين ابن رئيس الرؤساء- وكان أستاذ الدار- فمكّنه وتقدّم إلى الوزير بأن يقوم له، وعزل قاضى القضاة على بن أحمد الدامغانى، ورتّب مكانه أبا جعفر عبد الواحد (الثقفى) وخلع عليه.

стр. 8846

ذكر ملك الخليفة قلعة الماهكى وفى شهر رجب سنة سبع وخمسين وخمسمائة ملك الخليفة قلعة الماهكى، وسبب ذلك أن صاحبها سنقر الهمذاتى سلّمها إلى أحد مماليكه ومضى إلى همذان فضعف مملوكه عن حفظها ومقاومة من حولها من الأكراد والتركمان فأشير عليه ببيعها من الخلية فراسل فى ذلك؛ فاستقرّ بينهما خمسة عشر ألف دينار وسلاح ومتاع وعدّة من القرى فسلّمها وتسلّم ما استقر له وأقام ببغداد، ولم تزل هذه القلعة من أيام المقتدر بالله بيد التركمان إلى الآن. ذكر اجلاء بنى أسد من العراق وفى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة أمر الخليفة باهلاك بنى أسد أهل الحلة المزيديّة لما ظهر من فسادهم ولما كان فى نفسه منهم من مساعدتهم للسلطان محمد فى حصار بغداد، فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإخراجهم من البلاد، وكانوا منبسطين/ فى البلاد فى البطائح. فتوجّه إليهم وجمع العساكر الكثيرة، وأرسل إلى ابن معروف [مقدم المقتفى] «١» وهو بأرض البصرة فجاء فى خلق كثير وحصرهم وسكّ عنهم الماء وضيّق عليهم فاستسلموا، فقتل منهم أربعة آلاف ونادى فيمن بقى «من وجد فى الحلة المزيدية بعد هذا فقد حل دمه فتفرقوا فى البلاد، ولم يبق فى العراق منهم من يعرف، وسلّمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف.

стр. 8847

وفى سنة ستين وخمسمائة فى صفر قبض المستنجد بالله على الأمير ثوبة بن العقيلى وكان قد قرب منه قربا عظيما حتى كان يخلو معه، وأحبّه محبة عظيمة، فحسده الوزير ابن هبيرة، فوضع كتبا من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعرضوا ليؤخذوا ففعلوا ذلك، وأخذوا وأحضروا عند الخليفة. وأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد فلما وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر الملك يتصيّد وكانت حلل ثوبة على الفرات، فحضر عنده فأمر بالقبض عليه، فقبض عليه وأدخل بغداد ليلا وحبس فكان آخر العهد به فما تمتع الوزير بعده بالحياة، ومات بعد ثلاثة أشهر وكان ثوبة من أكمل العرب مروءة وسخاء وعقلا وإجادة، واجتمع فيه من خلال الكمال ما تفرق فى غيره. وفيها فى جمادى الأولى توفى الوزير عون الدين يحيى بن محمد ابن هبيرة ومولده سنة/ تسعين وأربعمائة ودفن بمدرسته التى هو بناها للحنابلة بباب البصرة، ولما مات قبض على أولاده وأهله! وفى سنة ثلاث وستين وخمسمائة استوزر الخليفة المستنجد بالله شرف الدين أبا جعفر أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن البلدى. وكان ناظرا بواسط، وظهر عن كفاءة عظيمة، فأحضره الخليفة واستوزره وكان عضد الدين أستاذ الدار قد تحكّم تحكّما عظيما، فتقدّم أمر الخليفة إلى وزيره بكفّ يده وأيدى أصحابه ففعل ذلك، ووكل بأخيه تاج الدين وطالبه بحساب نهر الملك وكان يتولاه أيام

стр. 8848

المقتفى، وكذلك فعل بغيره، فحصّل أموالا جمّة وخافه أستاذ الدار على نفسه فحمل مالا كثيرا وأعطاه الورقة التى بخط الخليفة فقال له: تعود إليه وتقول قد أوصلت الخطّ إلى الوزير! ففعل ذلك وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش وعرض عليهم الخط فاتفقوا على قتل الخليفة. فدخل عليه يزدن وقايماز فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه وأغلقا الباب عليه وهو يصيح حتى مات. وقبض على الحسين بن محمد المعروف بابن البستى وعلى أخيه الصغير، وكانا ابنى عمّ عضد الدين. وكان الصغير عامل البيمارستان فقطع يده ورجله؛ فقيل إنه كان يستخرج المال بصنوج كبار ويحمله إلى الديوان بصنجة صحيحة وقيل غير ذلك، وحمل إلى البيمارستان فمات «١» . ذكر وفاة المستنجد بالله وشىء من أخباره وسيرته كانت وفاته فى تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة ومولده فى مستهل شهر ربيع الآخر سنة عشرة وخمسمائة. وكان عمره ستا وخمسين سنة وثمانية أيام، ومدة خلافته أحد عشر سنة وشهرا واحدا وستة أيام على القول الأول. وكان أسمر، تامّ القامة؛ طويل اللحية. وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه؛ وكان بجانبه أستاذ الدار عضد الدين [أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء] «٢» وقطب

стр. 8849

الدين قايماز المقتفوى- وهما من الأمراء ببغداد- فوصيا الطبيب على أن يصف له ما يقتله فوصف له دخول الحمام فامتنع لضعفه، فأدخله وأغلق عليه بابه فمات «١» . وقيل إنه كتب إلى الوزير ... النصرانى ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار. وكان ﵀ من أحسن الخلفاء سيرة، عادلا فى الرعية كثير الرّفق بهم، وأطلق كثيرا من المكوس/ حتى لم يترك بالعراق شيئا منها. وكان شديدا على أهل العبث والفساد والسعاية قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل «٢» «بلغنى أن المستنجد قبض على إنسان كان يسعى بالناس فأطال حبسه، فشفع فيه بعض خواصّه، وبذل عنه عشرة آلاف دينار فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لى آخر مثله أحبسه لأكف شره عن الناس!» ولم يطلقه وردّ كثيرا من الأموال على أصحابها ﵀. ذكر خلافة المستضىء بأمر الله هو أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظقر يوسف ابن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وأمّه أم ولد أرمينية تدعى غضّة وهو الخليفة الثالث والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه فى التاسع من شهر ربيع الآخر فى سنة ست وستين وخمسمائة. قال «٣» : ولما مات المستنجد بالله كان بين الوزير أبى جعفر ابن البلدى

стр. 8850

وبين أستاذ الدار عضد الدين وقطب الدين عداوة شديدة لأن المستنجد كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلها فيظنان أنه هو الذى يسعى بهما فلما أرجف بموت المستنجد ركب الوزير ومعه الأمراء والأجناد/ وغيرهم يالعدوة ولم يتحققوا موت الخليفة. فأرسل إليه أستاذ الدار يقول: إن أمير المؤمنين قد خفّ ما به من المرض وأقبلت العافية إليه! فخاف الوزير أن يدخل دار الخلافة بالجند فربما أنكر عليه ذلك، فعاد إلى داره وتفرّق النّاس عنه. وكان عضد الدين وقطب الدين قد استعدّا للهرب لما ركب الوزير خوفا أن يدخل الدار فيأخذهما، فلما عاد أغلق أستاذ الدار أبواب دار الخلافة وأظهر موت الخليفة، وأحضر ولده أبا الحسن محمدا وبايعه هو وقطب الدين بالخلافة، ولقباه بالمستضىء بأمر الله، وشرطوا عليه شروطا منها: أن يكون عضد الدين وزيرا، وابنه جمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، وبايعه أهل بيته البيعة الخاصة فى يوم وفاة أبيه، وبايعه الناس من الغد فى الناج بيعة عامة، وأظهر العدل وفرق أموالا جليلة المقدار. ذكر مقتل الوزير أبى جعفر بن محمد المعروف بابن البلدى قال «١» : ولما علم الوزير بوفاة الخليفة سقط فى يده وقرع سنّه ندما على عوده، وأتاه من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة

стр. 8851

للمستضىء، فمضى إلى دار الخلافة فلما دخلها صرف إلى موضع وقتل وقطّع وألقى فى دجلة، وأخذا جميع ما فى داره، فرأيا خطوط المستنجد بالله يأمره بالقبض عليهما، وخطّ الوزير وقد راجعه فى ذلك وصرفه عنه. فندما على قتله. وفى سنة سبع وستين وخمسمائة أقيمت الدعوة العباسية بالديار المصرية وخطب للخليفة بها، وانقرضت الدولة العبيديّة المنسوبة إلى العلوية بخلع العاضد لدين الله، وكان ذلك على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ على ما نذكر ذلك مبيّنا- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الدولة العبيديّة «١» . وفيها عزل الخليفة وزيره عضد الدين من الوزارة لأن قطب الدين قايماز ألزمه ذلك فلم يمكنه مخالفة، ثم قصد الخليفة إعادته فى جمادى الأولى سنة تسع وستين فثارت الفتنة بين الخليفة وقايماز. وأغلق قايماز باب النوبى وباب العامّة وبقيت دار الخلافة محاصرة. فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته فقال قايماز: لا أقنع إلا بخروج عضد الدين من بغداد! فأمر بإخراجه منها فالتجأ إلى صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل وهو شيخ الشيوخ وصار فى رباطه فأجازه، ثم عاد إلى داره فى جمادى الآخرة. وفى سنة تسع وستين وخمسمائة زادت دجلة فتجاوزت كلّ زيادة كانت ببغداد منذ بنيت إلى الآن بذراع وكسر. وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد ونبع الماء من البلاليع، وخرّب كثير من الدور

стр. 8852

وغرق البيمارستان العضدى، ودخلت المراكب من شبابكيه وكانت قد تقلعت. وفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد- وهو الذى صار خليفة ولقّب الناصر لدين الله- من قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح، فألقى نفسه بعده وسلما جميعا فقيل لنجاح: لم ألقيت بنفسك؟ فقال: ما كنت أريد البقاء بعد مولاى! فرعى له الأمير أبو العباس ذلك فلما صار خليفة جعله شرابيا وحكّمه فى الدولة ولقبه الملك الرحيم عز الدين وخدمه جميع أمراء العراق. وفيها فى شهر رمضان وقع ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله فهدم الدّور وقتل جماعة من الناس والمواشى، فوزنت بردة منه فكانت سبعة أرطال، وكان عامته كالنارنج يكسر الأغصان، قال ابن الأثير هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزى فى تاريخه والعهدة عليه فيه «١» . ذكر هرب قطب الدين قايماز/ من بغداد وعود عضد الدين إلى الوزارة كان سبب ذلك وابتداؤه أن علاء الدين تنامش- وهو من أكابر الأمراء ببغداد- وقطب الدين قايماز زوج أخته سيّرا عسكرا إلى العراق فى شوال سنة سبعين وخمسمائة فنهبوا النّاس وبالغوا فى

стр. 8853

أذاهم، فجاء جماعة منهم إلى بغداد واستغاثوا فلم يغاثوا لضعف الخلافة وتحكم قايماز وتنامش على الدولة، فقصدوا جامع القصر واستغاثوا ومنعوا الخطيب من الخطبة فأنكر الخليفة ما جرى، فلم يلتفت قايماز وتنامش إلى قوله. فلما كان فى خامس ذى القعدة قصد قايماز دار ظهير الدين بن العطار صاحب المخزن- وللخليفة به عناية تامة وبينهما صحبة- فلم يراع قايماز الخليفة فيه، واستدعاه فهرب، فأحرق قطب الدين قايماز داره وحالف الأمراء على المساعدة والمعاضدة له، وجمعهم وقصد دار الخلافة لعلمه أن ابن العطار فيها. فلما علم الخليفة ذلك صعد إلى سطح داره وظهر للعامة وأمر خادما فصاح وقال للعامة: مال قطب الدين لكم ودمه لى! فقصد الخلق كلّهم دار قطب الدين للنهب، فلم يمكنه المقام لضيق الشوارع، وغلبت العامة، فهرب من داره من باب فتحه من ظهرها لكثرة من على بابها من الخلق. وخرج من بغداد، ونهبت داره وسلبت نعمته فى/ ساعة واحدة وتبعه تنامش وجماعة من الأمراء، فنهبت دورهم وأحرق بعضها، وأخذت أموالهم. وسار قطب الدين إلى الحلة ومعه من التحق من الأمراء، فسيّر الخليفة إليه شيخ الشيوخ صدر الدين فخدعه حتى سار عن الحلة نحو الموصل على البرّ فلحقه هو ومن معه عطش عظيم فهلك أكثرهم ومات قيماز قبل وصوله إلى الموصل. ودفن بظاهر

стр. 8854

باب العمادى وكانت وفاته فى ذى الحجة. ووصل تنامش إلى الموصل فأقام مدة، ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد فسار إليها وبقى بغير إقطاع! قال «١» : ولما هرب قايماز أعيد عضد الدين إلى الوزارة وقال بعض الشعراء فى قطب الدين قايمار وتنامش بن قماج: إن كنت معتبرا بملك زائل ... وحوادث عنقية الإدلاج «٢» فدع العجائب والتواريخ الألى ... وانظر إلى قيماز وابن قماج عطف الزّمان عليهما فسقاها ... من صرفه كأسا بعير مزاج «٣» فتبدّلوا بعد القصور وظلّها ... ونعيمها بمهامه وفجاج فليحذر الباقون من أمثالها ... نكبات دهر خائن مزعاج قال «٤» : وكان قطب الدين كريما طلق الوجه، محبا للعدل والإحسان، كثير البذل للمال، وإنما كان يحمله على ما يقع منه تنامش بغير إرادته. وفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ولّى الخليفة المستضىء حجبة الباب أبا نصر على بن الناقد «٥» وكان الناس تلقبه

стр. 8855

فى صغره قنبرا، فصار الناس يصيحون به بهذا اللقب إذا ركب. فأمر أن يركب معه جماعة من الأتراك يمنعون الناس من ذلك، فامتنعوا فلما كان قبل العيد بثلاثة أيام خلع عليه ليركب فى الموكب، فاشترى جماعة من أهل بغداد شيئا كثيرا من القنابر وعزموا على إرسالها فى الموكب، فأنهى ذلك إلى الخليفة فعزله وولى ابن المعوج. وفيها قبض الخليفة على عماد الدين صندل المقتفوى أستاذ الدار ورتّب مكانه أبا الفضل هبة الله بن على بن هبة الله بن الصاحب «١» . ذكر مقتل الوزير عضد الدولة «٢» وولاية ظهير الدين بن العطار كان مقتله ﵀ فى رابع ذى القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبى القاسم [بن المسلمة] وسبب مقتله أنه عزم على الحج وعبر دجلة للمسير ومعه أرباب المناصب وهو فى موكب عظيم، وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحدا، فلقيه إنسان/ كهل وقال: أنا مظلوم! وتقدّم إليه يسمع كلامه فضربه بسكين فى خاصرته، فصاح الوزير: قتلنى! ووقع إلى الأرض وسقطت عمامته، فغطّى رأسه بكمه وضرب الباطنىّ بسيف، وعاد إلى الوزير فضربه بسكين وأقبل صاحب الباب ابن المعوج لينصر الوزير. فضربه الباطنىّ بسكين،

стр. 8856

وقيل بل ضربه رفيق له، وكان له رفيق ثالث فصاح وبيده سكين فقتل ولم يصنع شيئا. وأحرق الثلاثة، وحمل الوزير إلى دار له هناك، وحمل الحاجب إلى بيته فمات هو والوزير. وكان الوزير قد رأى فى منامه أنه يعانق عثمان بن عفان، قال ابن الأثير «١» : وحكى عنه ولده أنه اغتسل قبل خروجه وقال: هذا غسل الإسلام وأنا مقتول بلا شك! وكان له معروف كثير وكانت داره مجمعا للعلماء وسمع الحديث، وختمت أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج ﵀. ولما قتل حكم فى الدولة ظهير الدين أبو بكر ابن منصور المعروف بابن العطار، وكان حسن السيرة وتمكن تمكّنا عظيما. ذكر فتنة ببغداد وهدم بيعة اليهود وفى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة كانت الفتنة ببغداد، وسببها أن قوما من مسلمى المدائن حضروا إلى بغداد وشكوا من يهود المدائن وقالوا: لنا مسجد نؤذّن فيه ونصلّى وهو مجاور لبيعة اليهود، فقال لنا اليهود قد آذيتمونا بكثرة الأذان وأنهم اختصموا هم والمؤذن، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود. فلما شكوا أمر ابن العطّار بحبسهم فحبسوا، ثم خرجوا فقصدوا جامع القصر واستغاثوا قبل صلاة الجمعة فخفّف الخطيب الخطبة والصلاة، فعادوا يستغيثون فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم، فغضب عامة بغداد لذلك واستغاثوا، وخلعوا طوابيق الجامع ورجموا الجند بها،

стр. 8857

ثم قصدوا دكاكين المخلطين لأن أكثرهم يهود فنبهوها. فأراد حاجب الباب منعهم فرجموه فهرب منهم، وضربوا الكنيسة التى عند دار البساسيرى، وأحرقوا الورق الذى فيها الذى يزعم اليهود أنه التوراة. واختفى اليهود فأمر الخليفة بنقض الكنيسة التى بالمدائن وتبنى مسجدا ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها أقوام من المفسدين فظنّها العامة تخويفا لهم لأجل ما فعلوه باليهود، فجعلوا عليها جرذانا ميتة، فأخرج جماعة من الحبس من اللصوص فصلبوا عليها وسكنت الفتنة! ذكر وفاة المستضىء بأمر الله / كانت وفاته لليلتين خلنا من ذى القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ومولده فى سنة ست وثلاثين، وكان عمره أربعين سنة تقريبا، ومدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر إلا أياما. وكان ﵀ عادلا حسن السيرة فى الرعية، كثير البذل للأموال، حليما، قليل المعاقبة على الذنوب، محبا للعفو والصّفح عن المذنهين، وأولاده أبو العباس أحد وأبو منصور هاشم. ذكر خلافة الناصر لدين الله هو أبو العباس أحمد بن المستضىء بأمر الله وأمّه أمّ ولد تركية اسمها زمرّد وهو الخليفة الرابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالبيعة العامّة فى يوم الأحد ثانى ذى القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقام له بالبيعة ظهير الدين بن العطار وبايع له،

стр. 8858

فلما تمّت البيعة صار الحاكم فى الدولة أستاذ الدار مجد الدين الصاحب، وسيّر الرسل إلى الآفاق يأخذ البيعة له. ذكر القبض على ابن العطار وموته وفى سابع ذى القعدة قبض على ظهير الدين بن العطار الوزير ووكل به فى داره، ثم نقل إلى التاج وقيّد وأخذت أمواله وطلبت ودائعه وأخرج ميتا فى ليلة الأربعاء ثانى عشر الشهر على رأس حمّال. فغمز به بعض الناس فثار به العامّة وألقوه عن رأس الحمال وكشفوا عن سوأته، وشدّوا فى ذكره حبلا وسحبوه فى البلد وكانوا يضعون بيده مغرفة ويقولون: وقع لنا مولانا! إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة، ثم خلص منهم ودفن. قال «١» وفعلوا به هذه الأفعال القبيحة مع حسن سيرته فيهم وكفّه عن أموالهم وأعراضهم. وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإراقة الخمور وأخذ المفسدات، فبينما امرأة منهن فى موضع علمت يمجىء الحاجب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنينها، فرأوها على ذلك فانصرفوا عنها، فهمت بالقيام فلم تستطع وعجزت وجعلت تصيح: الكرب الكرب! إلى أن ماتت. وفى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة قبض الخليفة على أستاذ الدار مجد الدين أبى الفضل بن الصاحب وقتله، وكان قد تحكّم فى

стр. 8859

الدولة ليس للخليفة معه حكم. وكان الذى سعى به عند الخليفة وقبّح آثاره رجل من صنائعه وأصحابه يقال له عبيد الله بن يونس فقبض/ عليه الخليفة وقتله، وأخذ أمواله وكانت عظيمة. وكان ﵀ حسن السيرة، واستوزر الخليفة بعده أبا المظفر عبيد الله بن يونس فى شوال، ولقبه جلال الدين، ومشى أكابر الدولة فى ركابه حتى قاضى القضاة، وكان ابن يونس هذا من شهوده، فكان يمشى ويقول: لعن الله طول العمر! ذكر انهزام عسكر الخليفة من طغرل كان طغرل «١» السّلجقى قد قوى أمره فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكثر جمعه، وأرسل إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم إلىّ الديوان بعمارة دار السلطنة لأنزل فيها إذا قدمت! فرد الخليفة رسوله بعير جواب، وأمر بنقض دار السلطنة فهدّمت إلى الأرض وعفى أثرها «٢» ووصل رسول قزل- وهو صاحب أران وأذربيجان وهمذان وإصفهان والرى وما بينهما- ببذل الطاعة والخدمة ويستنجد الخليفة على طغرل، فأكرم الخليفة رسوله ووعده بتجهيز العساكر إليه، وجهّزها فى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وقدم عليها الوزير جلال الدين [عبيد الله] بن يونس وسيرهم لمساعدة قزل وكف السلطان طغرل عن البلاد، فسار العسكر فى ثالث صفر إلى أن

стр. 8860

قارب همذان، فلم يصل قزل إليهم. وأقبل طغرل فى عساكره، والتقوا فى ثامن شهر ربيع الأول بمرج عند همذان، فلم تثبت عساكر الخليفة وانهزمت «١» ، وبقى الوزير قائما ومعه مصحف وسيف، فأسر وأخذ ما معه من خزانة وسلاح وغيره، وعاد العسكر إلى بغداد متفرقين. وفى سنة خمس وثمانين وخمسمائة خطب لولى العهد أبى نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد، ونثرت الدنانير والدراهم، وأرسل إلى البلاد فى إقامة الخطبة له. وفيها فى شوال ملك الخليفة تكريت، وسبب ذلك أن صاحبها الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة بعده، فسير الخليفة إليهم عسكرا فحصروها وتسلموها، ودخل أصحابها إلى بغداد فأعطوا إقطاعا. وفى سنة ستّ وثمانين وخمسمائة فى شهر ربيع الأول ملك الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة، وكان قد سيّر إليها جيشا فى سنة خمس وثمانين وخمسمائة فحاصروها وقاتلوا عليها شديدا، وقتل من الفريقين خلق كثير، ودام الحصار فضاقت الأقوات على أهلها، فسلموها على إقطاع عيّنوه، ووصل صاحبها وأهلها بغداد وأعطوا إقطاعا ثم تفرّقوا فى البلاد، واشتدت بهم الحاجة حتى تعرّض بعضهم للسؤال وبعضهم خدم/ الناس
следующие страницы →