← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

وقيل بل ضربه رفيق له، وكان له رفيق ثالث فصاح وبيده سكين فقتل ولم يصنع شيئا. وأحرق الثلاثة، وحمل الوزير إلى دار له هناك، وحمل الحاجب إلى بيته فمات هو والوزير. وكان الوزير قد رأى فى منامه أنه يعانق عثمان بن عفان، قال ابن الأثير «١» : وحكى عنه ولده أنه اغتسل قبل خروجه وقال: هذا غسل الإسلام وأنا مقتول بلا شك! وكان له معروف كثير وكانت داره مجمعا للعلماء وسمع الحديث، وختمت أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج ﵀. ولما قتل حكم فى الدولة ظهير الدين أبو بكر ابن منصور المعروف بابن العطار، وكان حسن السيرة وتمكن تمكّنا عظيما. ذكر فتنة ببغداد وهدم بيعة اليهود وفى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة كانت الفتنة ببغداد، وسببها أن قوما من مسلمى المدائن حضروا إلى بغداد وشكوا من يهود المدائن وقالوا: لنا مسجد نؤذّن فيه ونصلّى وهو مجاور لبيعة اليهود، فقال لنا اليهود قد آذيتمونا بكثرة الأذان وأنهم اختصموا هم والمؤذن، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود. فلما شكوا أمر ابن العطّار بحبسهم فحبسوا، ثم خرجوا فقصدوا جامع القصر واستغاثوا قبل صلاة الجمعة فخفّف الخطيب الخطبة والصلاة، فعادوا يستغيثون فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم، فغضب عامة بغداد لذلك واستغاثوا، وخلعوا طوابيق الجامع ورجموا الجند بها،

стр. 8857

ثم قصدوا دكاكين المخلطين لأن أكثرهم يهود فنبهوها. فأراد حاجب الباب منعهم فرجموه فهرب منهم، وضربوا الكنيسة التى عند دار البساسيرى، وأحرقوا الورق الذى فيها الذى يزعم اليهود أنه التوراة. واختفى اليهود فأمر الخليفة بنقض الكنيسة التى بالمدائن وتبنى مسجدا ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها أقوام من المفسدين فظنّها العامة تخويفا لهم لأجل ما فعلوه باليهود، فجعلوا عليها جرذانا ميتة، فأخرج جماعة من الحبس من اللصوص فصلبوا عليها وسكنت الفتنة! ذكر وفاة المستضىء بأمر الله / كانت وفاته لليلتين خلنا من ذى القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ومولده فى سنة ست وثلاثين، وكان عمره أربعين سنة تقريبا، ومدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر إلا أياما. وكان ﵀ عادلا حسن السيرة فى الرعية، كثير البذل للأموال، حليما، قليل المعاقبة على الذنوب، محبا للعفو والصّفح عن المذنهين، وأولاده أبو العباس أحد وأبو منصور هاشم. ذكر خلافة الناصر لدين الله هو أبو العباس أحمد بن المستضىء بأمر الله وأمّه أمّ ولد تركية اسمها زمرّد وهو الخليفة الرابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالبيعة العامّة فى يوم الأحد ثانى ذى القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقام له بالبيعة ظهير الدين بن العطار وبايع له،

стр. 8858

فلما تمّت البيعة صار الحاكم فى الدولة أستاذ الدار مجد الدين الصاحب، وسيّر الرسل إلى الآفاق يأخذ البيعة له. ذكر القبض على ابن العطار وموته وفى سابع ذى القعدة قبض على ظهير الدين بن العطار الوزير ووكل به فى داره، ثم نقل إلى التاج وقيّد وأخذت أمواله وطلبت ودائعه وأخرج ميتا فى ليلة الأربعاء ثانى عشر الشهر على رأس حمّال. فغمز به بعض الناس فثار به العامّة وألقوه عن رأس الحمال وكشفوا عن سوأته، وشدّوا فى ذكره حبلا وسحبوه فى البلد وكانوا يضعون بيده مغرفة ويقولون: وقع لنا مولانا! إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة، ثم خلص منهم ودفن. قال «١» وفعلوا به هذه الأفعال القبيحة مع حسن سيرته فيهم وكفّه عن أموالهم وأعراضهم. وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإراقة الخمور وأخذ المفسدات، فبينما امرأة منهن فى موضع علمت يمجىء الحاجب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنينها، فرأوها على ذلك فانصرفوا عنها، فهمت بالقيام فلم تستطع وعجزت وجعلت تصيح: الكرب الكرب! إلى أن ماتت. وفى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة قبض الخليفة على أستاذ الدار مجد الدين أبى الفضل بن الصاحب وقتله، وكان قد تحكّم فى

стр. 8859

الدولة ليس للخليفة معه حكم. وكان الذى سعى به عند الخليفة وقبّح آثاره رجل من صنائعه وأصحابه يقال له عبيد الله بن يونس فقبض/ عليه الخليفة وقتله، وأخذ أمواله وكانت عظيمة. وكان ﵀ حسن السيرة، واستوزر الخليفة بعده أبا المظفر عبيد الله بن يونس فى شوال، ولقبه جلال الدين، ومشى أكابر الدولة فى ركابه حتى قاضى القضاة، وكان ابن يونس هذا من شهوده، فكان يمشى ويقول: لعن الله طول العمر! ذكر انهزام عسكر الخليفة من طغرل كان طغرل «١» السّلجقى قد قوى أمره فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكثر جمعه، وأرسل إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم إلىّ الديوان بعمارة دار السلطنة لأنزل فيها إذا قدمت! فرد الخليفة رسوله بعير جواب، وأمر بنقض دار السلطنة فهدّمت إلى الأرض وعفى أثرها «٢» ووصل رسول قزل- وهو صاحب أران وأذربيجان وهمذان وإصفهان والرى وما بينهما- ببذل الطاعة والخدمة ويستنجد الخليفة على طغرل، فأكرم الخليفة رسوله ووعده بتجهيز العساكر إليه، وجهّزها فى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وقدم عليها الوزير جلال الدين [عبيد الله] بن يونس وسيرهم لمساعدة قزل وكف السلطان طغرل عن البلاد، فسار العسكر فى ثالث صفر إلى أن

стр. 8860

قارب همذان، فلم يصل قزل إليهم. وأقبل طغرل فى عساكره، والتقوا فى ثامن شهر ربيع الأول بمرج عند همذان، فلم تثبت عساكر الخليفة وانهزمت «١» ، وبقى الوزير قائما ومعه مصحف وسيف، فأسر وأخذ ما معه من خزانة وسلاح وغيره، وعاد العسكر إلى بغداد متفرقين. وفى سنة خمس وثمانين وخمسمائة خطب لولى العهد أبى نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد، ونثرت الدنانير والدراهم، وأرسل إلى البلاد فى إقامة الخطبة له. وفيها فى شوال ملك الخليفة تكريت، وسبب ذلك أن صاحبها الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة بعده، فسير الخليفة إليهم عسكرا فحصروها وتسلموها، ودخل أصحابها إلى بغداد فأعطوا إقطاعا. وفى سنة ستّ وثمانين وخمسمائة فى شهر ربيع الأول ملك الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة، وكان قد سيّر إليها جيشا فى سنة خمس وثمانين وخمسمائة فحاصروها وقاتلوا عليها شديدا، وقتل من الفريقين خلق كثير، ودام الحصار فضاقت الأقوات على أهلها، فسلموها على إقطاع عيّنوه، ووصل صاحبها وأهلها بغداد وأعطوا إقطاعا ثم تفرّقوا فى البلاد، واشتدت بهم الحاجة حتى تعرّض بعضهم للسؤال وبعضهم خدم/ الناس

стр. 8861

وفى سنة تسع وثمانين وخمسمائة أمر الخليفة الناصر لدين الله بعمارة خزانة الكتب بالمدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها من الكتب النفيسة ألوفا لا يقدر على مثلها. وفيها فى شهر ربيع الأول كملت عمارة الرباط الذى أمر الخليفة بإنشائه بالحريم الطاهرى غربى بغداد على دجلة. وفيها ملك الخليفة قلعة من بلاد خوزستان، وسبب ذلك أن صاحبها سوسيان بن شملة جعل عليها ذردارا فأساء السيرة مع جندها فغدر به بعضهم فقتله وأرسل إلى الخليفة، وأرسل إليها وملكها. وفيها انقضّ كوكبان عظيمان بعد طلوع الفجر واصطدما وسمع صوت هدّة عظيمة وغلب ضوؤهما ضوء القمر والنهار. وفى سنة تسعين وخمسمائة قتل السلطان طغرل السلجقى فى حرب كانت بينه وبين خوارزم شاه علاء الدين، وملك خوارزم شاه البلاد. ذكر ملك الخليفة خوزستان وفى سنة تسعين أيضا خلع الخليفة الناصر لدين الله على نائب الوزارة مؤيد الدين أبى عبد الله محمد بن على المعروف بابن/ القصاب خلع الوزارة، وسار فى شهر رمضان من السنة إلى بلاد خوزستان بالعساكر. وقد كان قد خدم بها أولا وعرفها، فلما ولى نيابة الوزارة ببغداد أشار على الخليفة الناصر لدين الله أن يرسله بعسكر ليملكها. واتّفق وفاة صاحبها ابن شملة التركمانى واختلاف

стр. 8862

أولاده، فأرسل بعضهم إلى مؤيد الدين يستنجده، فقوى طمعه فيها، فسار إليها ودخلها فى سنة إحدى وتسعين، وملكها فى المحرّم منها، وملك غيرها من البلاد والقلاع: منها قلعة الناظر، وقلعة كاكرد، وقلعة لاموج، وغيرها من القلاع والحصون، وأنفذ بنى شملة التركمانى أصحاب خوزستان إلى بغداد فوصلوا فى ربيع الأول. ذكر ملك الوزير همذان وغيرها من بلاد العجم قال «١» : ثم ملك الوزير مؤيد الدين المذكور همذان فى شوال سنة إحدى وتسعين وخمسمائة من عسكر خوارزم شاه وولده، فتوجه الخوارزميون إلى الرّىّ فتبعهم الوزير ففارقوها من غير قتال وتوجهوا إلى دامغان وبسطام «٢» وجرجان. فعاد عسكر الخليفة إلى الرى فأقاموا بها، ثم رحل الوزير إلى همذان فأقام بها نحو ثلاثة أشهر وأتته رسل/ خوارزم شاه بطلب إعادة البلاد وتقرير قواعد الصلح فلم يجب الوزير إلى ذلك. فسار خوارزم شاه محمد بن تكش إلى همذان فوجد الوزير قد توفى فى شعبان، فوقع بينه وبين عسكر الخليفة الناصر لدين الله مصافّ فى نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين، فقتل من العسكرين خلق كثير، وانهزم عسكر الخليفة، وغنم الخوارزميون منهم شيئا كثيرا، وملك خوارزم شاه همذان ونبش الوزير وقطع رأسه وسيره إلى خوارزم وأظهر أنه قتله فى المعركة، ثم رجع خوارزم شاه إلى خراسان لموجب عرض له.

стр. 8863

ذكر ملك عسكر الخليفة أصفهان وفى سنة إحدى وتسعين جهّز الخليفة جيشا وسيّره إلى إصفهان، ومقدم الجيش سيف الدين طغرل فقطع بلد [اللحف] «١» من العراق، وكان بإصفهان عسكر الخوارزم شاه مع ولده، وأهل إصفهان يكرهونهم. فكاتب صدر الدين الخجندى رئيس الشافعية الديوان العزيز ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل إلى الديوان العزيز بالعسّكر. فلما وصلت العساكر ظاهر إصفهان فارقها العسكر الخوارزمى إلى خراسان وتبعهم عسكرا لخليفة، فأخذوا من قدروا عليه من ساقة العسكر، ودخل عسكر الخليفة إلى/ إصفهان وملكوها. قال «٢» : واجتمع مماليك ابن البهلوان وقدّموا على أنفسهم كوكجه وهو من أعيان البهلوانية، واستولوا على الرّىّ وما حولها من البلاد، وساروا إلى إصفهان لإخراج الخوارزمية منها، فسمعوا بوصول عسكر الخليفة إليها. فأرسل إلى طغرل مملوك الخليفة يعرض نفسه على خدمة الديوان وأظهر العبودية وأنه إنما قصد إصفهان فى طلب العسكر الخوارزمى، وأنه ساق فى طلبهم فلم يدركهم. قال «٣» : ثم سار عسكر الخليفة من إصفان إلى همذان، وساق كوكجه خلف العسكر الخوارزمى إلى بلاد الإسماعيلية، وعاد فقصد

стр. 8864

إصفهان وملكها. فأرسل إلى بغداد يسأل أن تكون له الرى وجواره «١» وساوة «٢» وقم وقاجان وما ينضم إليها، وتكون إصفهان وهمذان وزنجان وقزوين لديوان الخليفة. فأجيب إلى ذلك، وكتب منشوره بما طلب، وأرسلت إليه الخلع، فعظم شأنه وقوى أمره وكثرت عساكره. وفى سنة إحدى وستمائة يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة قطعت خطبة ولىّ العهد أبى نصر بن الخليفة الناصر لدين الله، وذلك أنه أظهر خطّه بدار الوزير نصير الدين الرازى إلى أبيه يتضمن العجز عن القيام بولاية العهد، ويطلب الإقالة، وشهد عدلان أنه/ خطه وأن الخليفة أقاله، وعمل بذلك محضر شهد فيه القضاة والعلماء والعدول والفقهاء. وفى سنة أربع وستمائة عزل وزير الخليفة نصير الدين ناصر ابن مهدى العلوى، وكان من أهل الدين. قدم إلى بغداد لما ملك الوزير ابن القصّاب الرّىّ، فلقى نصير الدين من الخليفة قبولا فجعله نائب الوزارة، ثم استوزره وجعل ابنه صاحب المخزن. فلما كان فى الثانى والعشرين من جمادى الآخرة، عزل وأغلق بابه. وسبب عزله أنه ساعات سيرته مع أكابر مماليك الخليفة حتى هرب

стр. 8865

من يده أمير الحج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع إلى الشام فى سنة ثلاث وستمائة وكتب إلى الخليفة أن هذا الوزير لا يبقى فى خدمة الخليفة أحدا من مماليكه، ولا شك أنه يريد أن يدّعى الخلافة، وأكثر النّاس القول فى ذلك وقالوا فيه الشعر، فمنه قول بعضهم: ألا مبلغ عنّى الخليفة أحمدا ... توقّ وقيت السّوء ما أنت صانع وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... فعالك يا خير البريّة ضائغ فإن كان حقّا من سلالة أحمد ... فهذا وزير فى الخلافة طامع وان كان فيما يدّعى غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه الصّنائع فعزله، وقيل فى سبب عزله غير ذلك. ولما عزل عاد أمير الحج/ من مصر وعاد قشتمر، وأقيم فى نيابة الوزارة فخر الدين أبو المنذر «١» محمد بن أمسنا الواسطى إلا أنه لم يكن متحكما. وفيها أطلق الخليفة جميع حقّ البيع، وما يؤخذ من أرباب الأمتعة من المكوس من سائر المبيعات، وكان مبلغا كبيرا. وسبب ذلك أن ابنة عز الدين نجاح الشرابى توفيت فاشترى بقرة لتذبح ويتصدق بلحمها، فرفعوا فى حسابها مؤونة البقرة- وكانت كثيرة- فوقف الخليفة على ذلك، فأمر بإطلاق المؤونة جميعا. وفيها فى شهر رمضان أمر الخليفة ببناء دور بمحال بغداد يفطر فيها الفقراء وسمّيت دور الخلافة.

стр. 8866

وفى سنة ستّ وستمائة فى شهر ربيع الأول عزل فخر الدين بن أمسينا عن نيابة الوزارة، وألزم بيته، ثم نقل إلى المخزن، وولى بعده لنيابة الوزارة مكين الدين محمد بن محمد بن القمى كاتب الإنشاء ولقب مؤيد الدين، ونقل إلى دار الوزارة. وفى مسنة اثنتى عشرة وستمائة فى العشرين من ذى القعدة توفى الملك المعظم أبو الحسن على ولد الخليفة الناصر لدين الله- وهو الولد الصغير- فحصل للخليفة عليه ألم عظيم لم يسمع بمثله، وأمر الخليفة أن لا يعزّوه به وكانت له جنازة عظيمة لم يسمع بمثلها، ولم ييق ببغداد منزل إلا وفيه نعى. ذكر وفاة الناصر لدين الله وشىء من أخباره وسيرته كانت وفاته فى آخر ليلة من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكانت علّته عشرين يوما إصابة دوسنطاريا. وكانت مدة خلافته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما، قال ابن الأثير «١» : وكان قبيح السيرة فى رعيته ظالما، فخرّب فى أيامه العراق وتفرّق أهله فى البلاد، فأخذ أموالهم وأملاكهم. وكان كثير التلوّن يفعل الشىء وضدّه، فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد ثم قطعها، ثم عمل دارا لضيافة الحج وأبطلها، وأطلق بعض المكوس التى جددها ببغداد ثم أعادها، وجعل جلّ همه

стр. 8867

فى رمى البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوّة، وبطل الفتوة من البلاد أجمع إلا من لبس منه، ومنع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره، ومنع من الرّمى بالبندق إلا من ادّعى له وانتسب إليه. فأجابه النّاس إلى ذلك إلا رجلا واحدا يقال له ابن السفت فإنه فارق العراق والنحق بالشام فأرسل إليه يرغبه بالمال الجريل/ ليرمى عنه وينتسب إليه فأبى. فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك فقال: يكفينى افتخارا أنّ كل رام فى الدنيا رمى الخليفة إلا أنا! والعجم ينسبون إلى الناصر أنه هو الذى راسل التتار وجرّأهم على البلاد، وهذه المصيبة العظمى إن كانت! ذكر خلافة الظاهر بأمر الله هو أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضىء بأمر الله، وهو الخليفة الخامس والثلاثون من الخلفاء العباسيين. بويع له البيعة العامّة بعد وفاة والده الناصر لدين الله فى شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وكان قد خلع من ولاية العهد وقطعت خطبته كما تقدّم، وإنما فعل ذلك أبوه لميله إلى ولده الصغير، فلما مات اضطر إلى أعادته لولاية العهد. قال «١» ولما ولى الخلافة أظهر العدل والإحسان وأمر بإبطال المظالم وكفّ الأيدى عن الناس، وأعاد على الناس ما كان أبوه قد اغتصبه من أموالهم وأملاكهم، وأبطل المكوس والحوادث. فمن ذلك أن المخزن كان له صنجة للذهب تزيد على صنجة البلد نصّف

стр. 8868

قيراط فى الدينار، فيقبضون بها المال ويصرفون بصنجة البلد، فسمع بذلك فخرج/ خطه للوزير أوله: «ويل للمطففين إلى قوله ليوم عظيم «١» قد بلغنا الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصحيحة المتعامل بها. فكتب إليه بعض النواب يقول «إن هذا مبلغ كبير وقد حسبناه فكان فى السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار» فأعاد عليه الجواب بالإنكار ويقول: لو كان ثلاثمائة ألف دينار وخمسين ألفا يطلق،! وأطلق زيادة صنجة الديوان وهى فى كل دينار حبة، وتقدم إلى القاضى أنّ كل من عرض كتابا قديما بملك صحيح يعيده إليه من غير إذنه. وأقام رجلا صالحا لولاية الحشرى وبيت المال وكان حنبليا فقال: إن مذهبى أن أورث ذى الأرحام فان أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت وإلا فلا! فقال أعط كلّ ذى حقّ حقّه واتّق الله ولا تتّق سواه! وأبطل مطالعات حراس الدروب ببغداد بأخبار الناس وقال «لا يكتب إلينا إلا فما يتعلق بمصالح دولتنا» . ومنه أنه لما ولى الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان وجّه فى خلافة الناصر لتحصيل الأموال، فأحضر ما يزيد على مائة ألف دينار وطالع بذلك، فأعاد الخليفة الظاهر الجواب بإعادة المال إلى أربابه، فأعيد إليهم. وأطلق من كان فى السجون وأمر أن يحمل إلى القاضى/ عشرة آلاف دينار يوفى بها دين من هو فى سجن الحاكم على شىء يعجز عنه. وتصدّق فى ليلة عيد الفطر

стр. 8869

وفرّق فى العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار، ولم تطل مدّته فى الخلافة. وكانت وفاته فى رابع عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فكانت مدة خلافته منذ أفضى إليه الأمر تسعة أشهر وأربعة عشر يوما. قال «١» : وأخرج قبل وفاته توقيعا بخطه إلى الوزير ليقرأ على أرباب الدولة فقال الرسول: إنّ أمير المؤمنين يقول ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم أو نفذ مثال لا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوال! فقرأ المرسوم فإذا فبه بعد البسملة «اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا ولا إغضاؤنا إغفالا ولكن نبلوكم أيكم أحسن عملا، وقد غفرنا لكم ما سلف من إخراب البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح الشنعة وإظهار الباطل الجلىّ فى صورة الحسن الخفىّ حيلة ومكيدة، وتسمية الاستئصال والاحتياج استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسل وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون/ إلى هواكم، وتمزجون باطلكم بحقّه فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون. والآن فقد بدل الله سبحانه بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا. ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ولا يؤاخذ إلا من أصرّ، ولا ينتقم إلا ممن استمر، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى فيخوفكم

стр. 8870

مكره ويرجو الله تعالى ويرغبكم فى طاعته فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله فى أرضه وأمنائه على خلقه وإلّا هلكتم، والسلام» قال «١» : ووجد فى داره رقاع مختومة لم يفتحها فقيل له: ما عليك لو فتحتها! فقال: لا حاجة لنا فيها كلها سعايات! ذكر خلافة المستنصر بالله هو أبو جعفر المنصور ولقّب فى خلافته بالمستنصر بن الظاهر بأمر الله أبى نصر محمد بن الناصر لدين الله أبى العباس أحمد، وهو الخليفة السادس والثلاثون من الخلفاء العباسيين. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه الظاهر بأمر الله فى رابع عشر شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فسلك من العدل والخير والإحسان مسلك والده، ونادى بإفاضة/ العدل وأن يطالع الناس بحوائجهم. ولما كان أول جمعة أتت فى خلافته أراد أن يصلى الجمعة فى القصورة التى يصلى فيها الخلفاء فقيل له إن المطبق الذى يسلك إليها فيه خراب لا يسلك فركب فرسا وسار إلى الجامع ظاهرا للناس بخادم وركاب دار وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير، ولم يترك أحدا يمشى فى خدمته. وكذلك فعل فى الجمعة الثانية حتى صلح المطبق! وفى سنة خمس وثلاثين وستمائة كانت وقعة بين التتار وعساكر الخليفة، وكان مقدم العسكر الحليفتى «٢» جمال الدين بكلك

стр. 8871

الناصرى. وقتل من الطائفتين خلق كثير، فانهزم عسكر الخليفة وهو أول مصاف كان بين التتار وعسكر الخلفاء، ودامت أيام المنتصر إلى سنة أربعين وستمائة. وكانت وفاته بكرة يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة منها، وكان سبب وفاته أنه فصد بمبضع مسموم فتوفى. وكانت مدّة خلافته سبع عشرة سنة إلا ثلاثة وثلاثين يوما، وكان الناس فى زمن خلافته فى شغل شاغل عن ضبط أيامه بالتاريخ، لما دهمهم من حادثة التتار «١» . فلذلك اختصرنا أيامه وسترد أخبار التتار وخروجهم وما استولوا عليه من الممالك وما فعلوه بأهل البلاد مبيّنا عند ذكرنا للدولة الخوارزمية والجنكزخانية- إن شاء الله تعالى. ذكر خلافة المستعصم بالله هو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبى جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله أبى نصر محمد بن الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضىء بأمر الله أبى محمد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله بن المستظهر بالله أبى العباس أحمد بن المقتدى بأمر الله أبى القاسم عبد الله بن ذخيرة

стр. 8872

الدّين أبى العباس أحمد بن القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله بن القادر بالله أبى العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفق بالله أبى أحمد طلحة- وهو الملقّب بالناصر- ولم يل الخلافة- بن المتوكل على الله أبى الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبى إسحاق محمد بن الرشيد أبى محمد هرون بن المهدى أبى عبد الله محمد بن أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس- رضى الله عنه- بن عبد المطلب، وهو الخليفة السابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه المستنصر بالله فى يوم الجمعة لعشر خلون/ من جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة. وكان متديّنا متمسكا بمذهب السّنّة والجماعة، وحسّن له أصحابه جمع الأموال والاقتصار على بعض من ببغداد من الجند، وقطع الباقى، ومسالمة التتار وحمل القطيعة إليهم ليكفّوا عنهم، وقالوا له: هؤلاء ملكوا معظم بلاد الإسلام ولم يقف أحد من الملوك أمامهم» ! فأذعن إلى ذلك. وفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة قصد التتار بغداد، حتى انتهوا إلى ظاهرها ونهبوا ما مرّوا عليه من البلاد، فخرجت إليهم العساكر الخليفتية فأجّجوا النيران بالليل ورحلوا، ودامت أيام المستعصم بالله إلى أن ملك التتار بغداد. ذكر مقتل المستعصم بالله وانقراض الدولة العباسية واستيلاء هولاكو على بغداد كان مقتله فى العشرين من المحرم سنة ستّ وخمسين وستمائة عندما استولى هولاكو على بغداد على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار

стр. 8873

التتار. ولما ملك هولاكو بغداد أحضر الخليفة المستعصم بالله وأمر أن يجعل فى عدل ويداس بأرجل الخيل حتى يموت، ففعل به ذلك «١» /ومن عادة التتار أن لا يسفكوا دماء الملوك والأكابر، وسبى كلّ من حواه قصر الخلافة من الحريم، واستولى على ذخائر الخلفاء، ونهبت بغداد، وبذلوا السيف فيها سبعة أيام متوالية ثم رفع فى اليوم الثامن «٢» . وكانت خلافة المستعصم بالله خمسة عشر سنة، وسبعة أشهر، وعشرة أيام. وكان الذى بعث هولاكو على قصد بغداد أنّ الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمى كان شيعيا والشيعة يسكنون بالكرخ وهى محلة مشهورة بالجانب الغربى من بغداد، فأحدث أهلها حدثا فأمر الخليفة ينهبهم فنهبهم العوام، فوجد «٣» الوزير لذلك وكاتب هولاكو، وأخذ فى التدبير على الخليفة وقطع أرزاق الجند، وأضعفهم حتّى تمكّن التتار من أخذ البلاد. قال «٤» : ولما فتح هولاكو بغداد وأحضر الوزير المذكور فقال: كيف كانت حالك مع الخليفة؟ فذكر ما كان عليه من التقدّم ونفاذ الكلمة وكثرة الأتباع وأنه كان يركب فى جمع عظيم، فقال: إذا كان هذا فعلك فى حقّ من قدّمك وأحسن إليك كيف يكون منك

стр. 8874

معنا؟ وأمر بقتله. وقيل استبقاه وأنّ امرأة رأته فى يوم وهو على برذون ليس معه أحد فنظرت إليه وقالت: يابن العلقمى هكذا كنت فى أيام أمير المؤمنين «١» ؟ جامع أخبار خلفاء الدولة العباسية بالعراق ومن ولى منهم ومدة خلافتهم ولى منهم بالعراق سبعة وثلاثون خليفة وهم: أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس وهو السفاح، ثم المنصور أبو جعفر عبد الله أخوه، ثم المهدى أبو عبد الله محمد بن أبى جعفر المنصور، ثم ابنه الهادى أبو محمد موسى، ثم أخوه الرشيد أبو محمد هارون، ثم ابنه الأمين أبو عبد الله محمد، ثم أخوه المأمون أبو العباس عبد الله، ثم أخوه المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد وهو أول من أضاف إلى لقبه اسم الله ، ثم ابنه الواثق بالله أبو جعفر هارون، ثم أخوه المتوكل على الله أبو الفضل جعفر، ثم ابنه المنتصر بالله أبو جعفر محمد، ثم المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله، ثم المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل، ثم المهتدى بالله أبو عبد الله محمد بن الواثق، ثم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله، ثم المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، ثم المكتفى بالله أبو محمد على بن المعتضد، ثم المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن

стр. 8875

/ المعتضد وخلع مرتين فالأولى بويع لابن المعتز والثانية بويع للقاهر، ثم القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد، ثم الراضى بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر، ثم المتقى لله أبو إسحاق إبراهيم ابن المقتدر، ثم المستكفى بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفى، ثم المطيع لله أبو القاسم الفضل بن المقتدر، ثم الطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن المطيع، ثم القادر بالله أبو العباس أحمد بن إسحاق ابن المقتدر، ثم القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر، ثم المقتدى بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبى العباس أحمد بن القائم، ثم المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدى، ثم المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن المستظهر، ثم الراشد بالله أبو العباس جعفر المنصور بن المسترشد، ثم المقتفى لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر، ثم المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى ثم ابنه المستضىء بأمر الله أبو محمد الحسن، ثم ابنه الناصر لدين الله أبو العباس أحمد، ثم ابنه الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد، ثم ابنه المستنصر بالله أبو جعفر المنصور، ثم ابنه المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله. وكانت مدّة خلافتهم منذ بويع أبو العباس السفاح وإلى أن قتل المستعصم بالله/ خمسمائة سنة وثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وستة أيام وانقرضت الدّولة العباسية وانقطعت دعوتهم من سائر أقطار الدنيا ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما إلى أن عادت بالدّيار المصرية المحروسة فى الدولة الظاهرية

стр. 8876

ذكر عود الدولة العباسية وقيامها بالديار المصرية المحروسة ذكر خلافة المستنصر بالله هو أبو العباس أحمد بن الظاهر بأمر الله أبى نصر محمد بن الناصر لدين الله أبى العباس أحمد، بويع له بالخلافة بالدّيار المصرية فى التاسع من شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وذلك أنه وصل إلى الديار المصرية فى هذا اليوم، فركب السّلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس للقائه فى موكب مشهود، وأنزله بقلعة الجبل وأمر بإثبات نسبه. وحضر الأمراء والوزير وقاضى القضاة ونوّاب الحكم والفقهاء والصلحاء وأكابر المشايخ وأعيان الصوفية واجتمعوا بقاعة/ العمد بقلعة الجبل وأمر السّلطان بإحضار العربان الذين حضروا مع الخليفة فحضروا وحضر خادم من البغاددة فسئلوا عنه هل هو أحمد بن الظاهر فقالوا إنه هو! فتشهد جماعة من القضاة الأكابر بالاستفاضة وهم: جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر والفقيه علم الدين ابن رشيق صدر الدين مرهوب الجزرى ونجيب الدين الحرانى، وسديد الدين التزمنتى «١» نائب الحكم بالقاهرة. أنه هو فأسجل قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأغر وحلف على نفسه بثبوت

стр. 8877

نسبه وهو قائم على قدميه، ولقّب المستنصر بالله على اسم أخيه. وبايعه السلطان على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ والأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، والجهاد فى سبيل الله، وأخذ الأموال بحقّها وصرفها فى مستحقّها، ثم بايعه النّاس على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم. ولما تمّت بيعته قلّد السلطان البلاد الإسلامية وما يضاف إليها وما يفتحه الله تعالى على يديه من البلاد، وكتب السلطان إلى سائر الأعمال بأخذ البيعة له، وأن يخطب باسمه على المنابر، وتنقش السّكّة باسمه واسم السلطان. وخطب الخليفة بالناس فى يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب بجامع القلعة، ونثرت عليه الدنانير والدراهم، وخلع على السلطان/ وطوقه يوم الإثنين «١» . واستخدم السلطان للخليفة من يحتاج إليه من أرباب الوظائف فجعل الأمير سابق الدين بوزبا «٢» أتابك العسكر، وكتب له بألف فارس وجعل الطواشى بهاء الدين صندل شرابيا وكتب له بخمسمائة فارس والأمير ناصر الدين محمد بن صريم «٣» خزندارا وكتب له بمائتى فارس، والأمير نجم الدين أستاذ الدار وكتب له

стр. 8878

بخمسمائة فارس، والأمير سيف الدين بلبان الشمسى داوادارا وكتب له بخمسمائة فارس. وأمر جماعة من العربان بالطبلخانات واشترى للخليفة مائة مملوك جعلهم جمدارية وسلحدارية وأعطى كلّا منهم ثلاثة أرؤس خيل وجملا لعدته. واستخدم له صاحب ديوان وكتّاب إنشاء وأئمة ومؤذنين، وحكماء وجرائحية «١» ، وغلمانا. وكمّل له البيونات وجهّزه وجهّز معه ملوك الشرق الذين كانوا قد وصلوا إلى السلطان وهم: الملك الصالح عماد الدين «٢» إسماعيل بن الملك الرحيم صاحب الموصل، وكتب له بالموصل وولاياتها ورساتقها ونصيبين وولاياتها، ودارا وأعمالها، والقلاع العمادية وبلادها، وغير ذلك مما جاوره. وكتب للملك المجاهد سيف الدين إسحق أخيه بلاد الجزيرة، وكتب للملك المظفر علاء الدين على سنجار وأعمالها التى كانت بيده. وأرسل إليهم الطبلخانات والسناجق، وتقدم إليهم بسفرهم/ صحبته إلى الشام ليجهزهم إلى مستقرهم صحبة الخليفة. ذكر مسير الخليفة المستنصر بالله إلى بلاد الشرق وقتله قال «٣» : وتوجه الخليفة والسلطان والملوك إلى الشام فى سادس شوال من السنة، وكان مبلغ النفقة على الخليفة والملوك

стр. 8879

ألف ألف دينار وستين ألف دينار عينا، ووصلوا إلى دمشق. ونزل الخليفة بجبل الصالحية فى برية الملك الناصر «١» ، وجرد السلطان عسكرا صحبه الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى وشمس الدين سنقر الرومى وودع السلطان الخليفة والملوك وسفرهم وأوصى الرشيدىّ والرومىّ ومن معهما أن يقيموا بجهة حلب وبر الفرات ومتى طلبهم الخليفة ساروا إليه. وسار الخليفة من دمشق وعبر الفرات- ولم يتأنّ فى أمره- فوصل عانة والحديثة. فخرج عليه مقدم من مقدمى التتار اسمه أورداى ومعه بمانا «٢» ، فالتقوا واقتتلوا فاستشهد الخليفة، وقتل أكثر من كان معه. وأما عن الملك الصالح «٣» فإنه دخل الموصل وملكها واستقرّ بها، فسار إليه أورداى المذكور وحاصره، وملك البلد، وصلبه هو وابنه على باب الموصل، وانهزم أخواه الملك المجاهد والمظفر علىّ إلى الديار المصرية، فأقاما بها إلى أن ماتا فى الدولة المنصورية السيفية، رحمهما الله. وانقضت الخلافة، وانقرضت الدّولة العباسية ثانية من سائر

стр. 8880

الأرض، وتعطّلت المنابر من ذكر دعوتهم إلى أن عادت بالديار المصرية أيضا ببيعة الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد. ذكر خلافة الحاكم بأمر الله هو أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن بن أبى بكر بن الحسن بن على الفتى بن الحسن بن الخليفة الراشد بالله بن جعفر المنصور بن المسترشد بالله وقد تقدم نسبه مستوفى. بويع له بالخلافة بالديار المصرية فى يوم الخميس الثانى من المحرم سنة إحدى وستين وستمائة. وذلك أنه وصل إلى الديار المصرية فى سنة ستين وستمائة، فلما كان فى هذا اليوم جلس السلطان الملك الظاهر مجلسا عاما، وحضر الخليفة راكبا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل. وجلس إلى جانب السلطان. وبايعه بعد ثبوت نسبه كما بايع المستنصر، ثم قلّد السلطان أمور البلاد والجيوش./ وبايعه النّاس على اختلاف طبقاتهم، وكان ذلك بحضور الرسل ومن وفد من التتار «١» . وخطب يوم الجمعة بجامع القلعة، ثم خطب مرة ثانية فى ثامن عشر شعبان بحضور رسل بركة، ودعا للسلطان وللملك بركة «٢» وصلّى بالناس. وحجب عن الناس ببرج فى القلعة إلى سنة تسعين وستمائة، فأخرجه السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين

стр. 8881

المنصورى من البرج وأسكنه بالمناظر الصالحية المعروفة بالكبش ووسّع عليه فى رزقه ورزق أولاده. وحجّ فى هذه السنة ورجع، فكان بالمناظر إلى أن مات. وكانت وفاته فى الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة فى دولة السلطان الملك الناصر الثانية وصلّى عليه الشيخ كريم الدين عبد الكريم الأبلّى الصوفى- شيخ الصوفية بمشهد السيدة نفيسة- ودفن بجوار المشهد. وكانت مدة خلافته أربعين سنة وأربعة أشهر، وستة عشر يوما. وهو أول خليفة دفن بمصر من الخلفاء العباسيين، ﵀. ذكر خلافة المستكفى بالله هو أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله/ وهو الثالث من خلفاء بنى العباس بمصر، والخليفة الأربعون من خلفائهم. بويع له يوم وفاة والده الحاكم بأمر الله فى الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة وخطب له على المنابر وحضر مع السلطان الملك الناصر مصافّ مرج الصّفر «١» الذى انهرم فيه التّتار فى ثانى شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة.

стр. 8882

واستمر فى صحبة السلطان، يركب معه إلى الصيد وإلى الميدان، ويلعب الكرة. وسكن بمناظر الكبش وغيرها من المساكن الحسنة المترفة على نهر النيل، ورتّب له من النفقات والكساوى وغير ذلك ما يحتاج إليه هو ومن عنده. وكذلك رتّب لابن أخيه إبراهيم، ولم يحجر السلطان عليهما، بل يركب كلّ منهما متى شاء ويزور من شاء «١» .

стр. 8883

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة الأموية ببلاد الأندلس «١» كان ابتداء هذه الدولة فى سنة ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائة، فى خلافة أبى جعفر المنصور الثانى من الخلفاء العباسيين، وأول من ملك بلاد الأندلس من بنى أمية أبو المظفر عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان . وقيل كنيته أبو المطرّف، وقيل أبو سليمان، وقيل أبو زيد، وأمه بربرية من سبى أفريقية واسمها راح ولقّب عبد الرحمن بالدّاخل عند دخوله. وكان استيلاء عبد الرحمن على الأندلس فى سنة ثمان وثلاثين ومائة. وقيل تسع وثلاثين. وكان سبب دخوله إليها واستيلائه عليها أنه لما قتل مروان بن محمد، وانقرضت الدولة الأموية، وقتل من قتل من بنى أمية، وتشتتوا فى البلاد....

стр. 8884

/ كان عبد الرحمن هذا بذات الزّيتون «١» ففرّ منها إلى فلسطين، فأقام بها هو ومولاه بدر يتجسّس له الأخبار، فحكى عنه أنه قال: «لما أعطينا الأمان ثم نكث بنا بنهر أبى فطرس «٢» أتانى الخبر وكنت منتبذا عن الناس. فرجعت إلى منزلى آيسا ونظرت فيما يصلحنى وأهلى، وخرجت خائفا حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض. فبينا أنا ذات يوم فيها وولدى سليمان يلعب بين يدى- وهو يومئذ ابن أربع سنين- فخرج عنى ثم دخل علىّ باكيا فزعا، فتعلق بى وجعلت أدفعه، وخرجت لأنظر فإذا بالخوف قد نزل بالقرية والرايات السّود منحطّة عليها وأخ لى حدث يقول لى: النجاة النجاة! فأخذت دنانير معى ونجوت بنفسى وأخى وأعلمت أخواتى بمقصدى وأمرتهنّ أن يلحقننى مولاى بدرا [- قال-] وأحاطت الخيل بالقرية فلم يجدوا لى أثرا. فأتيت رجلا من معارفى وأمرته فاشترى لى دوابّ وما يصلحنى فدلّ علىّ عبد له العامل، فأقبل فى خيله يطلبنى فخرجنا على أرجلنا والخيل تبصرنا، فدخلنا الفرات فسبحنا فنجوت أنا والخيل ينادون بالأمان وأنا لا أرجع وأما أخى فإنه عجز عن السباحة فى نصف الفرات فرجع إليهم بالأمان، فقتلوه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة فاحتملت ثكله/ ومضيت وتواريت فى غيضة حتى انقطع الطّلب عنى. وخرجت فقصدت

стр. 8885

المغرب فبلغت أفريقية، ثم ألحقتنى أختى أمّ الإصبع مولاى بدرا بنفقة وجوهر. قال المؤرخ «١» : ولما بلغ أفريقية كان بها عبد الرحمن بن حبيب الفهرى عاملا لمروان بن محمد، فظنّ عبد الرحمن بن معاوية أن ابن حبيب يرعاهم ويحوطهم ويحسن مجاورتهم. فلما علم ابن حبيب أن مروان قد قتل وأن أهله وولده قد تفرقوا وأن رجاله قد استأمنوا إلى أعمال أبى العباس السّفاح طلب لنفسه السلامة، وكتب بالسّمع والطّاعة، وأراد قتل عبد الرحمن بن معاوية ومن معه والتقرّب بهم إلى عمال السفاح. وأرسل فى طلبه فهرب منه وأتى مكناسة وهى قبيلة من البربر وعندهم شدة، ثم هرب منهم وأتى نفراوة «٢» وهم أخواله. وقيل أتى قوما من الزناتيين فأحسنوا قبوله فيهم وأخذوا فى التدبير والمكاتبة إلى الأمويين من أهل الأندلس يعلمونهم بقدومه ويدعونهم إلى عبد الرحمن. ووجه بدرا مولاه إليهم، وكان أمير الأندلس يومذاك يوسف ابن عبد الرحمن الفهرى فسار بدر إليهم وأعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إليه فأجابوه، ووجّهوا إليه مركبا فيه تمّام بن علقمة ووهب بن الأصفر وشاكر بن أبى الأسمط، فوصلوا إليه وأبلغوه طاعتهم، وأخذوه ورجعوا به إلى الأندلس/ فأرسى بالمركب

стр. 8886

بالجزيرة فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائة. فأتاه جماعة من رؤسائهم من أهل إشبيلية «١» ، ثم انتقل إلى كورة ريّة فبايعه إبراهيم بن شجرة عاملها «٢» . ثم سار إلى إشبيلية فبايعه أبو صالح يحيى بن يحيى، ونهض إلى قرطبة فبلغ خبره يوسف بن عبد الرحمن وكان غائبا عن قرطبة بنواحى طليطلة «٣» ، فأتاه الخبر وهو راجع إلى قرطبة فتراسل هو ويوسف فى الصلح فخادعه، فلم يشك أصحاب يوسف فى انتظام الصّلح وذلك فى يومين أحدهما يوم عرفة، فأقبل يوسف فى إعداد الطعام ليأكله الناس فى يوم الأضحى وعبد الرحمن يرتّب خيله ورجله وعبر النهر فى أصحابه. وأنشب القتال ليلة الأضحى، وصبر الفريقان حتى ارتفع النهار، وركب عبد الرحمن على بغلة وأسرع القتل فى أصحاب يوسف فانهزم وظفر عبد الرحمن بن معاوية. ولما انهزم يوسف

стр. 8887

أتى ماردة «١» وأتى عبد الرحمن قرطبة، وأخرج حشم يوسف وأهله من القصر على تؤدة ورفق، ودخله بعد ذلك. ثم سار فى طلب يوسف، فلما أحس به يوسف سار إلى قرطبة فدخلها وملك قصرها، وأخذ جميع أهله وماله، ولحق بمدينة إلبيرة «٢» . ورجع عبد الرحمن إلى قرطبة فلم يجده فسار إلى إلبيرة، وتراسلا فى الصلح فاصطلحا على أن ينزل/ يوسف هو ومن معه بأمان وأن يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة ويرهنه يوسف ابنه أبا الأسود محمدا وسار يوسف مع عبد الرحمن إلى قرطبة فلما دخل قرطبة تمثل: فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصّف قال «٣» واستقر عبد الرحمن بقرطبة وبنى القصر والمسجد الجامع، وأنفق فيه ثمانين ألف دينار، ومات قبل تمامه «٤» .

стр. 8888

ذكر مقتل عبد الرحمن بن يوسف الفهرى قال «١» : وفى سنة إحدى وأربعين ومائة نكث يوسف بن عبد الرحمن الفهرى، وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن كان يضع عليه من يهينه وينازعه فى أملاكه، فإذا أظهر حجّته الشرعية لا يعمل بها، ففطن لما يراد منه. فقصد ما ردة واجتمع عليه عشرون ألفا فسار نحو عبد الرحمن، وخرج عبد الرحمن من قرطبة نحوه إلى حصن المدور «٢» ثم رأى يوسف أن يسير إلى عبد الملك ابن عمر بن مروان- وكان واليا على إشبيلية وإلى ابنه عمر بن عبد الملك وكان على المدوّر- فسار نحوهما فخرجا إليه واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب يوسف، وبقى متردّدا فى البلاد فقتله بعض أصحابه فى شهر/ رجب سنة اثنتين وأربعين ومائة بنواحى طليطلة وحمل رأسه إلى عبد الرحمن بن معاوية فنصبه بقرطبة وقتل ابنه عبد الرحمن بن يوسف الذى كان عنده رهينة ونصب رأسه مع رأس أبيه وبقى ابنه الأسود عند عبد الرحمن. وفى سنة ثلاث وأربعين ومائة ثار رزق بن النعمان الغسّانى وكان على الجزيرة الخضراء «٣» . فاجتمع إليه خلق كثير، فسار

стр. 8889

إلى شذونة «١» فملكها ودخل مدينة إشبيلية. وعاجله عبد الرحمن فحصره بها وضيّق على من فيها، فتقربوا إليه بتسليمه له. وأمّنهم ورجع عنهم. وفى سنة أربع وأربعين ومائة ثار هشام بن عذرة الفهرى وهو من بنى عمّ يوسف بن عبد الرحمن الفهرى بطليطلة فحاصره الأمير عبد الرحمن وشدّد عليه الحصار فمال إلى الصلح وأعطاه ابنه أفلح رهينة فأخذه عبد الرحمن ورجع إلى قرطبة. ثم عاد هشام وخلع عبد الرحمن، فعاد إليه وحاصره ونصب المجانيق عليها [أى على طليطلة] فلم يؤثر فيها لحصانتها فقتل ابنه أفلح ورمى برأسه إلى أبيه فى المنجنيق ورحل إلى قرطبة. ولم يظفر بهشام فى هذه السنة واستمر إلى سنة سبع وأربعين ومائة فبعث عبد الرحمن مولاه بدرا وتمام بن علقمة فحصرا طليطلة وضيّقا على هشام ثم أسراه هو وحيوة بن الوليد اليحصبى وعثمان بن حمزة/ بن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه. فأتى بهم إلى عبد الرحمن بن معاوية فى جباب صوف وقد حلقت رؤوسهم ولحاهم. وركبوا الحمير وهم فى السلاسل. فصلبهم بقرطبة!

стр. 8890

ذكر خروج العلاء وقتله وفى سنة ستّ وأربعين ومائة سار العلاء بن مغيث اليحصبى من أفريقية إلى مدينة باجة «١» من الأندلس، ولبس السواد وقام بالدّعوة العباسية. وخطب لأبى جعفر المنصور، واجتمع إليه خلق كثير. فخرج إليه الأمير عبد الرحمن فالتقيا بنواحى إشبلية وتحاربا زمانا، فانهزم العلاء وأصحابه، وقتل فى المعركة سبعة آلاف فارس وقتل العلاء، فأمر عبد الرحمن بعض التجار بحمل رأسه ورؤوس أصحابه إلى القيروان وإلقائها فى السّوق سرّا ففعل ذلك. ثم حمل منها إلى مكة ومعه لواء أسود فوصلت والمنصور بمكة ومعه كتاب كان المنصور قد كتبه إلى العلاء «٢» . وفى سنة سبع وأربعين ومائة قدم رسول عبد الرحمن الذى أرسله إلى الشام فى إحضار ولده الأكبر سليمان، وحضر معه سليمان. ذكر خروج سعيد اليحصبى المعروف بالمطرى وقتله / قال «٣» : وكان خروجه فى سنة ثمان وأربعين ومائة بمدينة لبلة «٤» من الأندلس وسبب ذلك أنه سكر يوما، فتذكّر

стр. 8891

من قتل من قومه اليمانية مع العلاء، فعقد لواء فلما صحا رآه معقودا، فسأل عنه فأخبروه فأراد حلّه ثم قال: ما كنت لأعقد لواء ثم أحلّه بغير شىء وشرع فى الخلاف، فاجتمعت اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلّب عليها وكثر جمعه، فبادره عبد الرحمن فى جموعه. فامتنع المطرى فى قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فحصره بها وضيق عليه، ومنع أهل الخلاف من الوصول إليه. وكان قد وافقه على الخلاف علقمة اللخمى وكان بمدينة شذونة وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل وهم يريدون إمداد المطرىّ فى جمع كثير. فلما سمع عبد الرحمن بذلك سيّر إليهم بدرا مولاه فى جيش فحال بينهم وبين المطرىّ، وطال الحصار وقلّت رجاله بالقتل، وفارقه بعضهم. فخرج يوما من القلعة فقاتل فقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فقدّم أهل القلعة عليهم خليفة بن مروان، فدام الحصار عليها. فأرسل أهلها يطلبون الأمان من عبد الرحمن على أن يسلموا إليه خليفة فأجابهم إلى ذلك، وتسلّم الحصن وخرّبه وقتل خليفة وخلقا كثيرا ممّن معه ثم انتقل إلى غياث الأزدى وكان ممّن وافق المطرىّ على الخلاف/ فحصره ومن معه وضيّق عليهم فطلبوا الأمان فأمّنهم إلا نفرا فقبض عليهم، وعاد إلى قرطبة فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدى بكورة جيّان «١» واجتمع إليه

стр. 8892

جموع فأغار على قرطبة فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فتفرق جمعه، فطلب الأمان فأمنه ووفى له. وفى سنة تسع وأربعين ومائة أغزى عبد الرحمن مولاه بدرا إلى بلاد العدو فأخذ الجزية منهم. وفيها عزل عبد الرحمن أبا الصباح حىّ بن يحيى عن إشبيلية فدعاه إلى الخلاف، فخدعه عبد الرحمن حتى حضر عنده فقتله. وفيها خرج غياث بن المسيّر الأزدى، فخرج إليه عامل عبد الرحمن وقاتله فانهزم غياث ومن معه، وقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة. وفيها أمر عبد الرحمن ببناء سور مدينة قرطبة. ذكر أخبار شقنا «١» بن عبد الواحد وخروجه بالأندلس كان خروجه بشرق الأندلس فى سنة إحدى وخمسين ومائة وكان من بربر مكناسة يعلّم الصبيان وكانت أمّه تدعى فاطمة فادّعى أنه من ولد فاطمة رضى الله تعالى عنها وأنه من ولد الحسين، وتسمّى بعبد الله بن/ محمد وسكن شنتبرية «٢» واجتمع

стр. 8893

عليه خلق كثير من البربر وعظم أمره فسار إليه عبد الرحمن فلم يقف له وزاغ فى الجبال، فكان إذا أمن انبسط وإذا خاف صعد الجبال حيث يصعب طلبه. فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن عبد الملك، واستعمل حبيب على شنتبرية سليمان بن عفان ابن مروان بن أبان بن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه، وأمر بطلب شقنا فنزل شقنا إلى سليمان فقتله. واشتدّ ذكر شقنا وطار اسمه، وغلب على ناحية قورية «١» ، وأفسد فى الأرض، فعاد عبد الرحمن وغزاه فى سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه، فلم يثبت له شقنا، فأعياه أمره فعاد عنه، وسير إليه فى سنة ثلاث وخمسين بدرا مولاه، فهرب شقنا وأخلى حصنه شيطران، ثم غزاه عبد الرحمن بنفسه فى سنة أربع وخمسين فلم يثبت له، فعاد عنه وبعث لحربه أبا عثمان عبد الله بن عثمان فخدعه شقنا وأفسد عليه جنده. فهرب عبد الله وغنم شقنا عسكره، وقتل جماعة من بنى أمية كانوا فى العسكر وذلك فى سنة خمس وخمسين ومائة. وسار شقنا إلى حصن الهواريين وبه عامل لعبد الرحمن فمكر به شقنا حتى خرج إليه، فقتله وأخذ خيله وسلاحه وما كان معه. ولم يزل/ شقنا كذلك وعبد الرحمن يغزوه تارة بنفسه وتارة بجيوشه إلى سنة ستين ومائة فاغتاله أبو معن وأبو خريم وهما من أصحابه، فقتلاه وأخذا رأسه ولحقا بعبد الرحمن واستراح الناس من شره!

стр. 8894

ذكر عصيان أهل اشبيلية على الأمير عبد الرحمن قال «١» : وفى سنة خمس وخمسين ومائة خرج أهل إشبيلية عن الطاعة مع عبد الغفار وحيوة بن ملابس، وكان عبد الرحمن قد خرج من قرطبة لحرب شقنا واستخلف عليها ابنه سليمان فأتاه كتابة بخروجهم عن طاعته وعصيانهم عليه واتّفاق من بها من اليمانية على ذلك. فرجع عبد الرحمن إليها ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، فقدّم ابنه عمّه عبد الملك ابن عمر، فلما قارب عبد الملك إشبيلية قدّم ابنه أمية ليعلمه حالهم، فرآهم متيقظين فرجع إلى أبيه فلامه أبوه على رجوعه وإظهار الوهن، فضرب عنقه وجميع بنيه وخاصّته وقال: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصّقع ونحسد على لقمة تبقى الرّمق، اكسروا جفون سيوفكم فالموت أولى أو الظفر! ففعلوا، وحمل أمامهم فهزم اليمانية/ وأهل إشبيلبة فلم يقم بعدها لليمانية قائمة. وجرح عبد الملك وبلغ الخبر عبد الرحمن فأتاه وجرحه يجرى دما وسيفه يقطر وقد لصقت يده بقائمة سيفه، فقبّل بين عينيه وجزاه خيرا وقال له: يابن عم قد أنكحت ابنى ولىّ عهدى هشاما ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا وكذا، وأولادك كذا وكذا، وأقصعتك وإياهم كذا وكذا، ووليتك الوزارة! وعبد الملك هذا هو الذى ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة

стр. 8895

المنصور وقال له: تقطعها وإلا قتلت نفسى! وكان قد خطب له عشرة أشهر وقطعها. قال «١» : وفى سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية وقتل خلقا كثيرا ممّن كان مع عبد الغفار، وبسبب هذه الوقعة وغشّ العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد. وفى سنة ستّ وخمسين سخط الأمير عبد الرحمن على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، وأخذ ماله وسلب نعمته ونفاه إلى الثغور ولم يرع له حقوق الخدمة. وفى سنة ثمان وخمسين ومائة زا الأمير عبد الرحمن مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقا كثيرا من أعيانهم! ذكر عبور الصقلبى الى الأندلس وما كان من أمره إلى أن نتل وفى سنة إحدى وستين ومائة وقيل سنة ستين عبر عبد الرحمن ابن حبيب الفهرى المعروف بالصقلبى- ولم يكن صقلبيا وإنما سمّى بذلك لطوله ورقته وشقرته- من أفريقية إلى الأندلس ليحارب عبد الرحمن ويدعوه إلى طاعة المهدى بن أبى جعفر المنصور. وكان
следующие страницы →