Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.
стр. 8891
من قتل من قومه اليمانية مع العلاء، فعقد لواء فلما صحا رآه معقودا، فسأل عنه فأخبروه فأراد حلّه ثم قال: ما كنت لأعقد لواء ثم أحلّه بغير شىء وشرع فى الخلاف، فاجتمعت اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلّب عليها وكثر جمعه، فبادره عبد الرحمن فى جموعه. فامتنع المطرى فى قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فحصره بها وضيق عليه، ومنع أهل الخلاف من الوصول إليه.
وكان قد وافقه على الخلاف علقمة اللخمى وكان بمدينة شذونة وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل وهم يريدون إمداد المطرىّ فى جمع كثير. فلما سمع عبد الرحمن بذلك سيّر إليهم بدرا مولاه فى جيش فحال بينهم وبين المطرىّ، وطال الحصار وقلّت رجاله بالقتل، وفارقه بعضهم. فخرج يوما من القلعة فقاتل فقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فقدّم أهل القلعة عليهم خليفة بن مروان، فدام الحصار عليها. فأرسل أهلها يطلبون الأمان من عبد الرحمن على أن يسلموا إليه خليفة فأجابهم إلى ذلك، وتسلّم الحصن وخرّبه وقتل خليفة وخلقا كثيرا ممّن معه ثم انتقل إلى غياث الأزدى وكان ممّن وافق المطرىّ على الخلاف/ فحصره ومن معه وضيّق عليهم فطلبوا الأمان فأمّنهم إلا نفرا فقبض عليهم، وعاد إلى قرطبة فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدى بكورة جيّان «١» واجتمع إليه
стр. 8892
جموع فأغار على قرطبة فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فتفرق جمعه، فطلب الأمان فأمنه ووفى له.
وفى سنة تسع وأربعين ومائة أغزى عبد الرحمن مولاه بدرا إلى بلاد العدو فأخذ الجزية منهم.
وفيها عزل عبد الرحمن أبا الصباح حىّ بن يحيى عن إشبيلية فدعاه إلى الخلاف، فخدعه عبد الرحمن حتى حضر عنده فقتله.
وفيها خرج غياث بن المسيّر الأزدى، فخرج إليه عامل عبد الرحمن وقاتله فانهزم غياث ومن معه، وقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة.
وفيها أمر عبد الرحمن ببناء سور مدينة قرطبة.
ذكر أخبار شقنا «١» بن عبد الواحد وخروجه بالأندلس
كان خروجه بشرق الأندلس فى سنة إحدى وخمسين ومائة وكان من بربر مكناسة يعلّم الصبيان وكانت أمّه تدعى فاطمة فادّعى أنه من ولد فاطمة رضى الله تعالى عنها وأنه من ولد الحسين، وتسمّى بعبد الله بن/ محمد وسكن شنتبرية «٢» واجتمع
стр. 8893
عليه خلق كثير من البربر وعظم أمره فسار إليه عبد الرحمن فلم يقف له وزاغ فى الجبال، فكان إذا أمن انبسط وإذا خاف صعد الجبال حيث يصعب طلبه. فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن عبد الملك، واستعمل حبيب على شنتبرية سليمان بن عفان ابن مروان بن أبان بن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه، وأمر بطلب شقنا فنزل شقنا إلى سليمان فقتله. واشتدّ ذكر شقنا وطار اسمه، وغلب على ناحية قورية «١» ، وأفسد فى الأرض، فعاد عبد الرحمن وغزاه فى سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه، فلم يثبت له شقنا، فأعياه أمره فعاد عنه، وسير إليه فى سنة ثلاث وخمسين بدرا مولاه، فهرب شقنا وأخلى حصنه شيطران، ثم غزاه عبد الرحمن بنفسه فى سنة أربع وخمسين فلم يثبت له، فعاد عنه وبعث لحربه أبا عثمان عبد الله بن عثمان فخدعه شقنا وأفسد عليه جنده. فهرب عبد الله وغنم شقنا عسكره، وقتل جماعة من بنى أمية كانوا فى العسكر وذلك فى سنة خمس وخمسين ومائة.
وسار شقنا إلى حصن الهواريين وبه عامل لعبد الرحمن فمكر به شقنا حتى خرج إليه، فقتله وأخذ خيله وسلاحه وما كان معه. ولم يزل/ شقنا كذلك وعبد الرحمن يغزوه تارة بنفسه وتارة بجيوشه إلى سنة ستين ومائة فاغتاله أبو معن وأبو خريم وهما من أصحابه، فقتلاه وأخذا رأسه ولحقا بعبد الرحمن واستراح الناس من شره!
стр. 8894
ذكر عصيان أهل اشبيلية على الأمير عبد الرحمن
قال «١» : وفى سنة خمس وخمسين ومائة خرج أهل إشبيلية عن الطاعة مع عبد الغفار وحيوة بن ملابس، وكان عبد الرحمن قد خرج من قرطبة لحرب شقنا واستخلف عليها ابنه سليمان فأتاه كتابة بخروجهم عن طاعته وعصيانهم عليه واتّفاق من بها من اليمانية على ذلك. فرجع عبد الرحمن إليها ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، فقدّم ابنه عمّه عبد الملك ابن عمر، فلما قارب عبد الملك إشبيلية قدّم ابنه أمية ليعلمه حالهم، فرآهم متيقظين فرجع إلى أبيه فلامه أبوه على رجوعه وإظهار الوهن، فضرب عنقه وجميع بنيه وخاصّته وقال: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصّقع ونحسد على لقمة تبقى الرّمق، اكسروا جفون سيوفكم فالموت أولى أو الظفر! ففعلوا، وحمل أمامهم فهزم اليمانية/ وأهل إشبيلبة فلم يقم بعدها لليمانية قائمة.
وجرح عبد الملك وبلغ الخبر عبد الرحمن فأتاه وجرحه يجرى دما وسيفه يقطر وقد لصقت يده بقائمة سيفه، فقبّل بين عينيه وجزاه خيرا وقال له: يابن عم قد أنكحت ابنى ولىّ عهدى هشاما ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا وكذا، وأولادك كذا وكذا، وأقصعتك وإياهم كذا وكذا، ووليتك الوزارة! وعبد الملك هذا هو الذى ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة
стр. 8895
المنصور وقال له: تقطعها وإلا قتلت نفسى! وكان قد خطب له عشرة أشهر وقطعها.
قال «١» : وفى سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية وقتل خلقا كثيرا ممّن كان مع عبد الغفار، وبسبب هذه الوقعة وغشّ العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد.
وفى سنة ستّ وخمسين سخط الأمير عبد الرحمن على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، وأخذ ماله وسلب نعمته ونفاه إلى الثغور ولم يرع له حقوق الخدمة.
وفى سنة ثمان وخمسين ومائة زا الأمير عبد الرحمن مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقا كثيرا من أعيانهم!
ذكر عبور الصقلبى الى الأندلس وما كان من أمره إلى أن نتل
وفى سنة إحدى وستين ومائة وقيل سنة ستين عبر عبد الرحمن ابن حبيب الفهرى المعروف بالصقلبى- ولم يكن صقلبيا وإنما سمّى بذلك لطوله ورقته وشقرته- من أفريقية إلى الأندلس ليحارب عبد الرحمن ويدعوه إلى طاعة المهدى بن أبى جعفر المنصور. وكان
стр. 8896
عبوره فى ساحل تدمير «١» ، وكاتب سليمان بن يقظان بالدّخول معه، وكان سليمان ببرشلونة فلم يجبه، فاغتاظ الصقلبى وقصد بلده فيمن معه من البربر. فقصده سليمان والتقوا واقتتلوا، فهزمه سليمان، فعاد الصقلبى إلى تدمير، وجاء عبد الرحمن نحوه وأحرق السفن ليمنعه من الهرب، فقصد الصقلبى جبلا منيعا بناحية بلنسية «٢» . فبذل عبد الرحمن ألف دينار لمن يأتيه برأسه فاغتاله رجل من البربر وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار، وكان قتله فى سنة اثنتين وستين ومائة.
وفى سنة اثنتين وستين ومائة أرسل عبد الرحمن شهيد بن عيسى إلى دحيّة الغسانى وكان عاصيا فى بعض حصون إلبيرة، فقتله وسير بدرا مولاه «٣» /إلى إبراهيم بن شجرة وكان قد عصى عليه فقتله. وسير تمّام بن علقمة إلى العباس البربرى- وهو فى جمع البربر وأظهر العصيان- فقتله وفرق جموعه.
وفيها سيّر جيشا مع حبيب بن عبد الملك القرشى إلى القائد السّلمى، وكان حسن المنزلة عند عبد الرحمن. فشرب ليلة وقصد باب
стр. 8897
القنطرة ليفتحه على سكر، فمنعه الحرس فعاد. فلما صحا من سكره خاف فهرب إلى طليطلة واجتمع إليه كثير ممّن يريد الخلاف والثّمرّ فعاجله عبد الرحمن بإنفاذ الجيوش، فحصره فى مكان كان قد تحصّن به، فطلب السّلمى البراز فبرز إليه عبد أسود فاختلفا ضربتين فوقعا صريعين ومانا جميعا.
وفى سنة ثلاث وستين ومائة أظهر الأمير عبد الرحمن النّجهّز إلى الخروج لقصد الشام لطلب الثأر من بنى العباس فعصى عليه سليمان بن يقظان والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصارى بسرقسطة «١» واشتدّ أمرهما فرجع عن ذلك وترك ما كان أظهره منه.
وفى سنة خمس وستين ومائة غدر الحسين بن يحيى بسرقسطة ونكث، فسيّر إليه عبد الرحمن غالب بن تمام بن علقمة فى جند كثيف فاقتتلوا، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم ابنه عيسى، فسيّرهم إلى عبد الرحمن/ فقتلهم، وأقام غالب بن تمام بن علقمة يحاصر الحسين. ثم سار عبد الرحمن فى سنة ستّ وستين إلى سرقسطة فحصرها وضايقها ونصب عليها ستّة وثلاثين منجنيقا، فملكها عنوة وقتل الحسين أقبح قتلة، ونفى أهل سرقسطة منها ليمين كانت تقدّمت منه، ثم ردّهم إليها.
стр. 8898
وفى سنة ستّ وستين ومائة قتل عبد الرحمن ابن أخته المغيرة ابن الوليد بن هشام وهذيل بن الصّميل وسمرة بن جبلة لاجتماعهم على خلعه مع العلاء.
ذكر مخالفة أبى الأسود محمد بن يوسف الفهرى
وفى سنة ثمان وستين ومائة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف ابن عبد الرحمن الفهرى ببلاد الأندلس. وكان من خبره أنه كان فى السجن بقرطبة منذ هرب أبوه على ما تقدّم، فأظهر أنه عمى وصار لا يطرف عينه لشىء، وبقى دهرا طويلا حتى صح عند عبد الرحمن ذلك. وكان فى أقصى السجن سرداب يفضى إلى النّهر الأعظم يخرج منه السجونون يقضون حوائجهم من غسل وغيره، وكان الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه فإذا رجع من النهر بقول، من يدل الأعمى إلى موضعه! وكان مولى له/ بحادثه على شاطىء النهر فلا ينكر عليه.
فواعده أن يأتيه بخيل يحمله عليها فخرج يوما ومولاه ينتظره فعبر النهر سباحة وركب الخيل ولحق بطليطلة فاجتمع إليه خلق كثير فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن. فالتقيا على الوادى الأحمر بقسطلونة «١» واشتدّ القتال فانهزم ابن الفهرى، وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردّى فى النهر. وأتبعه عبد الرحمن فقتل
стр. 8899
من لحق حتى جاوز قلعة رباح، ثم جمع أبو الأسود الرجال وعاد إلى قتال عبد الرحمن سنة تسع وستين ومائة فهلك بقرية من أعمال طليطلة. وقام بعده أخوه قاسم وجمع جمعا فغزاه عبد الرحمن فجاء إليه بغير أمان فقتله وفى سنة سبعين ومائة أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة- وكان موضعه كنيسة- وأخرج عليه مائة ألف دينار، ولم يتم بناؤه فى حياته فأتمه ابنه بعده
ذكر وفاة عبد الرحمن وصفته وشىء من أخباره وسيرته
/ كانت وفاته بقرطبة فى يوم الثلاثاء لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة، وقيل توفى فى غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة، وهو الصحيح وصلّى عليه ابنه عبد الله، وكان قد عهد إلى ابنه هشام بمدينة ماردة واليا عليها، وابنه سليمان بطليطلة واليا عليها، فلم يحضرا موت أبيهما.
وكان مولد عبد الرحمن بدير حنا من عمل دمشق، وقيل بالعلياء من ناحية تدمر فى سنة ثلاث عشرة ومائة فكان عمره تسعا وخمسين سنة، ومدة ولايته بالأندلس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان أصهب «١» خفيف العارضين طويل القامة نحيف الجسم أعور، وكان فصيحا لسنا شاعرا حليما عالما حازما، سريع النهضة فى طلب الخارجين عليه، لا يخلد إلى راحة،
стр. 8900
ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل أموره إلى غيره، ولا ينفرد فى إبرامها برأيه. وكان يشبّه بأبى جعفر المنصور فى حزمه وشدّته وضبطه لملكه «١» ، وبنى الرصافة بقرطبة تشبها بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام، وقال «٢» .: وكان عبد الرحمن من ذوى الآداب، وله شعر حسن، فمن شعره ما قاله بالأندلس يتشوق معاهده بالشام:
أيّها الراكب الميمّم أرضى ... أقر من بعضى السّلام لبعضى
إنّ جسمى كما علمت بأرض ... وفؤادى كما عملت بأرض
قدّر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفونى غمضى
قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضى
ومن شعره ما قاله لما عمّر الرصافة بقرطبة، وقد رأى فيها نخلة منفردة، فقال:
تبدّت لنا بين الرّصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل
فقلت شبيهى فى التّغرّب مثلها ... وطول اكتئابى عن بنىّ وعن أهلى
نشأت بأرض أنت فيه غريبة ... فمثلك فى الإقصاء والمنتأى مثلى
سقتك غوادى المزن من صوبها الذى ... يسحّ وبستمرى السّماكين بالوبل «٣»
стр. 8901
وله غير ذلك من الشعر. وسار أحسن سيرة وكان نقش خاتمه «بالله يثق عبد الرحمن ويعتصم» . وكان له من الأولاد الذكور أحد عشر ولدا وهم أيوب الشامى ولد بالشام، وسليمان وهشام ولى عهده وهو الوالى بعده ولد بالأندلس، وعبد الله ولد ببلنسية وعرف بالبلنسى ومسلمة المعروف بكليب وأمية، ويحيى، والمنذر، وسعيد الخير، ومحمد، والمغيرة، ومعاوية، وتسع بنات.
حاجبه: تمام بن علقمة وغيره.
كتّابه: أبو عثمان، وعبد الله بن خالد، وغيرهما قضاته: يحيى بن يزيد التجيبى ومعاوية بن يوسف/ الحضرمى، وعمر بن شراحيل، وعبد الرحمن ابن طريف اليحصى.
ذكر امارة هشام
هو أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان وأمه أم ولد واسمها حوراء «١» وهو الثانى من ملوك بنى أمية بالأندلس. بويع له فى غرّة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة عند وفاة أبيه. وقيل فى يوم الثلاثاء لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة والله أعلم.
وكان بماردة متوليا عليها- كما ذكرنا- وكان أبوه قد عهد إليه قبل وفاته، وقدّمه على سليمان وهو أكبر منه لأنه كان يتوسّم فيه الشّهامة، فلذلك عهد إليه فبايع له أخوه عبد الله وكتب إليه بنعى أبيه ويعزيه به ويعرفه أنه بايع الناس له فلما وصل إليه
стр. 8902
الكتاب سار من ساعته إلى قرطبة فدخلها فى ستة أيام، واستولى على الملك، وخرج عبد الله إلى داره مظهرا الطاعة وفى نفسه خلاف ذلك!
ذكر خروج سليمان وعبد الله ابنى عبد الرحمن على أخيهما هشام
/ وفى سنة ثلاث وسبعين ومائة خرجا على أخيهما، وكان عبد الله عند أخيه هشام وهو يؤثره ويبرّه ويقدمه، فلم يرضه ذلك ولا قنع إلا بمشاركته فى الأمر، ثم خاف فهرب إلى أخيه سليمان وهو بطليطلة.
فأرسل هشام فى أثره جماعة ليردّوه، فلم يدركوه، فجمع هشام عساكره وسار إلى طليطلة فحصر أخويه بها.
وكان سليمان قد حشد وجمع جمعا كبيرا فلما حصرها هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد الله يحفظان البلاد، وسار هو إلى قرطبة ليملكها، فعلم هشام به فلم يفارق الحصار.
وسار سليمان فوصل إلى شقندة «١» فدخلها، وخرج إليه أهل قرطبة مقاتلين له، ودافعوه عن المدينة. وبعث هشام فى أثر سليمان عبد الملك فى قطعة من الجيش، فلما قاربه هرب سليمان وقصد مدينة ماردة، فحاربه واليها، فانهزم سليمان. وبقى هشام على طليطلة شهرين وأياما محاصرا لها، ثم عاد منها وقد قطع أشجارها، وسار إلى قرطبة، وأتاه أخوه عبد الله بغير أمان فأكرمه وأحسن إليه.
ثم سيّر هشام ابنه معاوية فى جيش كثيف فى سنة أربع وسبعين
стр. 8903
إلى تدمير وبها سليمان فحاربه، وخرّب أعمال تدمير، فهرب سليمان منها، فلجأ إلى البربر بناحية بلنسية، فاعتصم بتلك الناحية الوعرة/ المسلك. وعاد معاوية إلى قرطبة، ثم استقرّت الحال بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أهله وأولاده وأمواله ويفارق الأندلس، وأعطاه هشام ستين ألف دينار مصالحة عن ميراث أبيه عبد الرحمن وسار إلى بلد البربر فأقام به.
ذكر خروج جماعة أخر على الأمير هشام
وفى سنة اثنتين وسبعين خرج عليه أيضا سعيد بن الحسين ابن يحيى الأنصارى بشاغنت- من أقاليم طرطوشة «١» فى شرق الأندلس- وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه، ودعا إلى اليمانية وتعصّب لهم، فاجتمع له خلق كثير، فملك مدينة طرطوشة فاخرج عاملها يوسف القيسىّ. فعارضه موسى بن فرتون وقام بدعوة هشام، ووافقته مضر، فاقتتلا فانهزم سعيد وقتل، وسار موسى إلى سرقسطة فملكها فخرج عليه مولى الحسين بن يحيى واسمه جحدر فى جمع كثير فقاتله فقتل موسى.
وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقة «٢» /وتغلب على تلك الناحية وقوى أمره، وكان هشام إذ ذاك فى حرب
стр. 8904
أخوية سليمان وعبد الله، فلما خلا وجهه من أمر أخويه انتدب لمطروح جيشا كثيفا وجعل عليهم أبا عثمان عبيد الله بن عثمان. فسار إليه وهو بسرقسطة فحصروه بها فلم يظفروا به، فرجع عنه أبو عثمان ونزل بحصن طرسونة «١» بالقرب من سرقسطة ورتّب سراياه يغيرون على أهل سرقسطة ويمنعون عنهم الميرة. ثم خرج مطروح إلى الصيد فى بعض الأيام، فلما كان آخر النهار أرسل البازى على طائر فاقتنصه فنزل مطروح ليذبحه بيده ومعه صاحبان له قد انفرد بهما عن أصحابه فقتلاه وأتيا برأسه إلى أبى عثمان، فسار إلى سرقسطة فكاتبه أهلها فقبل منهم وأرسل الرأس إلى هشام.
قال «٢» : وأخذ أبو عثمان الجيش وسار بهم إلى بلاد الفرنج فأوقع بهم وظفر وقتل منهم خلقا كثيرا، وبعث هشام يوسف ابن بخت فى جيش إلى جليقية فلقى ملكهم، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الجلالقة وقتل منهم خلق كثير.
وفيها أيضا سجن هشام ابنه عبد الملك لشىء بلغه عنه، فبقى فى السجن مدة حياة أبيه وبعض ولاية أخيه إلى أن توفّى سنة ثمان وتسعين ومائة/ وفى سنة ست وسبعين ومائة غزا عبد الملك بن عبد الواحد بلاد الفرنج فغنم وظفر.
стр. 8905
وفيها استعمل هشام ابنه الحكم على طليطلة وسيّره إليها بضبطها، وأقام بها، وولد له بها ابنه عبد الرحمن.
ذكر غزو الفرنج
وفى سنة سبع وسبعين ومائة أغزى هشام عبد الملك بن عبد الواحد ابن مغيث فى جيش، فدخلوا بلاد الفرنج فبلغوا أربونة وجرندة «١» فبدأ بجرندة وبها حامية الفرنج فقتل رجالها وهدم أسوارها وأشرف على فتحها. ورحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك وأوغل فى بلادهم ووطىء برطانية واستباح حريمها وقتل مقاتلتها وجاس البلاد شهورا يخرّب الحصون ويحرق ويغنم. وجفل العدو بين يديه، وأوغل فى بلادهم ورجع ومعه الغنائم وما لا يحصى كثرة، وهى أشهر مغازى المسلمين بالأندلس.
وفى سنة ثمان وسبعين ومائة بعث هشام جيشا مع عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج فغزا ألبة والقلاع «٢» فغنم وسلم. وسيّر جيشا آخر مع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة فخرّب دار ملكهم وكنائسه وغنم، فلما قفل المسلمون ضلّ الدليل بهم فنالهم مشقة شديدة ومات منهم خلق كثير، ونفقت دوابّهم وتلفت آلاتهم، وعاد من سلم منهم.
стр. 8906
ثم بعثه فى سنة تسع وسبعين فى جيش كثيف فساروا حتى انتهروا إلى أسترقة «١» وكان ملك الجلالقة قد جمع وحشد واستمد جيرانه من الملوك، وصار فى جمع عظيم. فلما قدم عبد الملك رجع ملك الجلالقة هيبة له، وتبعهم عبد الملك يقفو أثرهم ويخرب.
وهتك حريم ملك الجلالقة! وبلغه أنه احتمى بواد فسار إليه وواقعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة فهزمه، وقتل من قمامصتهم ورؤسائهم كثيرا، ورجع سالما.
وكان هشام قد سيّر جيشا آخر من ناحية أخرى، فدخلوا البلاد أيضا على ميعاد من عبد الملك، فأخربوا ونهبوا وغنموا فلما أرادوا الخروج من بلاد العدو عارضهم عسكر الفرنج، فنال منهم، وقتل من المسلمين، ثم تخلصوا وعادوا «٢» .
ذكر فتنة تاكرتا
وفى سنة ثمان وسبعين ومائة هاجمته فتنة تاكرتا «٣» بالأندلس، وخلع البربر الطاعة وأظهروا الفساد، وأغاروا على البلاد وقطعوا الطريق، فسيّر هشام إليهم جيشا كثيفا عليهم عبد القادر بن أبان بن عبد الله مولى معاوية بن أبى سفيان، فقصدوها وتابعو
стр. 8907
قتال من فيها،/ إلى أن أبادوهم قتلا وسبيا، وفرّ من بقى منهم فدخل فى سائر القبائل، وبقيت كورة تاكرتا خالية سبع سنين!
ذكر وفاة هشام بن عبد الرحمن وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته فى ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمانين ومائة بقصر قرطبة وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر، ومدة ولايته (على القول الأول) سبع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما. وكان أبيض مشربا بحمرة أشهل، بعينيه حول وكان عاقلا حازما دا رأى وشجاعة وعدل، محبا لأهل الخير والصلاح، راغبا فى الجهاد. وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز، ومن محاسن أعماله أنه أخرج متصدقا يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . وهو الذى تمّم بناء جامع قرطبة وبنى عدّة مساجد، وبلغ من عز الإسلام فى ولايته وذل الكفر أنّ رجلا مات وأوصى بفكّ أسير من المسلمين من تركته، فطلب ذلك فلم يوجد فى دار الكفار أسير من المسلمين يشترى ويفكّ لضعف العدو! وله مناقب كثيرة بالغ أهل الأندلس فيها حتى قالوا/ كان يشبّه بعمر بن عبد العزيز، وكان نقش خاتمه «بالله يثق هشام ويعتصم» .
وكان له من الأولاد الذكور عبد الملك الأكبر، والحكم الوالى بعده، ومعاوية، والوليد، وعبد العزيز، وخمس بنات.
стр. 8908
وزراؤه: أبو عثمان صاحب الأرض، ويوسف بن بخت «١» وشهيد بن عيسى وغيرهم. حجابه: عبد الواحد بن مغيث إلى أن توفى، ثم ولده عبد الملك وهو رجل الأندلس جمع الحجابة والوزارة والكتابة والتقدّم على الجيوش مع حسن الأدب والعفاف والدين والتواضع والكرم والمروءة. كتابه: فطيس بن سلمة، وخطّاب بن يزيد.
قاضيه: المصعب بن عمران الهمذانى. أصحاب شرطته: الحسن ابن بسام، ثم على بن خريم المزنى، ثم سعيد بن عياض اليحصبى.
ذكر امارة الحكم بن هشام الملقب بالمرتضى
هو أبو العاص الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه أم ولد اسمها زخرف، وهو الثالث من ملوك بنى أمية بالأندلس. بويع له يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمانين ومائة، وتولّى أخذ البيعة له عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، ولما ولى الحكم كان أول ما بدأ به الغزو فى سبيل الله تعالى.
ذكر غزو الفرنج
فى هذه السنة أعنى- سنة ثمانين ومائة- بعث الحكم جيشا مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج، فدخل البلاد وبثّ السرايا. وسيّر سرية، فجازوا خليجا من البحر كان الماء قد جزر عنه وكان الكفار قد جعلوا أموالهم وأهلهم
стр. 8909
وراء ذلك الخليج ظنا منهم أن أحدا لا يقدر أن يعبر إليهم. فجاءهم ما لم يكن فى حسبانهم، فغنم المسلمون جميع أموالهم، وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروا القتل، وسبوا الحريم والذّريّة، وعادوا سالمين.
وما أشبه هذه الواقعة بفتح طرابلس الشام! فإنه لما فتحها السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحى- قدّس الله روحه- فى سنة ثمان وثمانين وستمائة جزر البحر ساعة الفتح وانطرد عنها حتى دخل المسلمون بخيلهم إلى جزيرة النحله وهى بعيدة عن الميناء، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى موضعه.
قال «١» : وعاد المسلمون إلى عبد الكريم وقد ملأوا أيديهم من الغنائم.
وسير طائفة أخرى فخربوا كثيرا من بلاد فرنسية «٢» وغنموا الأموال وأسروا الرجال فأخبرهم بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إلى واد وعر المسلك على طريقهم وبلغ ذلك عبد الكريم فجمع عساكره وسار على بغيته وجدّ السير، فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم فانهزموا، وغنم المسلمون ما معهم وعادوا بالظفر والغنيمة والسلامة.
стр. 8910
ذكر خلاف بهلول بن مرزوق وغيره
وفى سنة إحدى وثمانين ومائة خالف بهلول بن مرزوق المعروف بأبى الحجاج فى ناحية الثغر، ودخلل مدينة سرقسطة فملكها.
وقدم على بهلول بها عبد الله بن عبد الرحمن عمّ الحكم- وهو المعروف بالبلنسى- وكان متوجّها إلى الفرنج، ثم سار إلى مدينة طلبيرة «١» فنزل بها مع عمروس «٢» بن يوسف. فسار إليهم بهلول وحاصرهم فتفرق العرب عنهم، ودخل بهلول مدينة طلبيرة وسار عبد الله إلى مدينة بلنسية فأقام بها وذلك فى سنة أربع وثمانين.
وخالف عبيدة بن حمير بطليطلة، فأمر الحكم القائد عمروس ابن يوسف وهو بمدينة طلبيرة أن يحارب أهل طليطلة ففعل، وضيق عليهم، وكاتب رجالا من أهلها يعرفون ببنى مخشى واسمالهم، فوثبوا على عبيدة،/ فقتلوه وحملوا رأسه إلى عمروس فأنزلهم عنده- وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة طلبيرة دخول- فتسوّر البربر عليهم، فقتلوهم، فسير عمروس رؤوسهم مع رأس عبيدة إلى الحكم وأخبره الخبر
стр. 8911
ذكر مسير سليمان بن عبد الرحمن لقتال ابن أخيه الحكم وقتل سليمان
وفى سنة اثنتين وثمانين ومائة جاز سليمان بن عبد الرحمن إلى بلاد الأندلس من الشرق لحرب ابن أخيه الحكم، فسار إليه الحكم فى جيوش كثيرة من أهل الشقاق ومن يريد الفتنة، والتقيا واقتتلا، واشتدت الحرب فانهزم سليمان وأتبعه عسكر الحكم.
وعادت الحرب بينهما ثانية فى ذى الحجة، فانهزم سليمان واعتصم بالأوعار والجبال، فعاد الحكم، ثم عاد سليمان فجمع بربرا وأقبل إلى جانب إستجة «١» . فسار إليه الحكم فالتقوا واقتتلوا فى سنة ثلاث وثمانين، واشتد القتال فانهزم سليمان وقصد جهة ماردة «٢» فتبعه طائفة من عسكر الحكم فأسروه، وأحضروه إلى الحكم فقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة، وكتب إلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب أمان واستدعاهم فحضروا عنده بقرطبة.
ذكر استيلاء الفرنج على برشلونة
وفى سنة خمس وثمانين ومائة ملك الفرنج- لعنهم الله تعالى- مدينة برشلونة «٣» بالأندلس، وأخذوها من المسلمين، ونقلوا
стр. 8912
حماة ثغورهم إليها، وتأخر المسلمون إلى ورائهم وكان سبب ذلك اشتغال الحكم بمحاربة عمه [سليمان بن عبد الرحمن] «١» .
ذكر الاتفاق بين الحكم وبين عمه عبد الله البلنسى
وفى سنة ستّ وثمانين ومائة حصل الاتفاق بين الأمير الحكم بن هشام وبين عمّه عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية، وذلك أن عبد الله لما سمع بقتل أخيه سليمان عظم عليه وفتّ فى عضده، وخاف على نفسه، ولزم بلنسية ولم يتحرك لإثارة فتنة. وأرسل إلى الحكم يطلب المسالمة والدخول فى الطاعة، وقيل بل الحكم راسله فى ذلك وبذل له الأرزاق الواسعة له ولأولاده، فأجاب إلى ذلك، واستقر الصلح بينهما على يد يحيى بن يحيى صاحب الإمام مالك بن أنس. وزوّج الحكم أخواته من أولاد عمه عبد الله، وأكرم عمّه وأجرى له ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية. وقيل كانت المراسلة/ فى هذه السنة، واستقر الصلح فى سنة سبع وثمانين.
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة تطيله
وفى سنة سبع وثمانين ومائة ملك الفرنج- لعنهم الله- مدينة تطيلة «٢» . وسبب ذلك أن الحكم بن هشام استعمل على ثغور الأندلس قائدا كبيرا من قواده وهو عمروس بن يوسف.
فاستعمل عمروس ابنه يوسف على تطيلة. وكان قد انهزم من الحكم
стр. 8913
أهل بيت من بيوت الأندلس أولو قوّة وبأس، وخرجوا عن طاعته.
والتحقوا بالمشركين فقوى أمرهم، واشتدت شوكتهم، وتقدموا إلى تطيلة فحصروها وملكوها من المسلمين، وأسروا أميرها يوسف بن عمروس وسجنوه وتقدموا بصخرة قيس. واستقر عمروس بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار، وجمع العساكر وسيرها مع ابن عمّ له، فلقى المشركين فقاتلهم وفضّ جمعهم، وقتل أكثرهم، وسار إلى صخرة قيس بالجيش فحصرها وافتتحها وخلّص يوسف منها.
ذكر ايقاع الحكم بأهل قرطبة
كان ذلك فى سنة سبع وثمانين ومائة، وسببه أن الحكم فى صدر ولايته كان/ قد تظاهر بشرب الخمر والانهماك على الملذات. وكانت قرطبة دار علم وبها فضلاء أهل علم وورع، منهم يحيى بن يحيى الليثى راوى موطأ مالك بن أنس وغيره. فثار أهل قرطبة وأنكروا فعل الحكم ورموه بالحجارة وأرادوا قتله، فامتنع منهم ثم سكن الحال واجتمع بعد ذلك بأيام وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها وحضروا عند محمد بن القاسم القرشى المروانى- عم هشام بن حمزة- وأخذوا له البيعة على أهل البلد وعرّفوه أن الناس قد ارتضوه كافّة. فاستظهرهم ليلة ليرى رأيه، ويستخير الله تعالى فانصرفوا، وحضر هو عند الحكم وأعلمه الحال وأنه على بيعته له لم يتغير، فطلب الحكم تصحيح ذلك عنده وسيّر مع محمد ابن القاسم بعض ثقاته فأجلسه محمد فى قبة فى داره وأخفى أمره.
وحضر عنده القوم يستعلمون منه هل يتقلد أمرهم أم لا
стр. 8914
فأراهم المخافة على نفسه وعظّم عليهم الخطب وسألهم تعداد أسمائهم ومن معهم، فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد وصاحب الحكم يكتب أسماءهم، فقال لهم محمد بن القاسم:
يكون هذا الأمر يوم الجمعة إن شاء الله تعالى فى المسجد الجامع! فانصرفوا ومشى إلى الحكم مع صاحبه فأعلماه جلية الحال.
وكان ذلك يوم الخميس. فما جاء الليل حتى حبس الجماعة عن آخرهم، ثم أمر بهم بعد أيام فصلبوا عند قصره/ وكانوا اثنين وسبعين رجلا، وكان يوما شنيعا ثم كانت وقعة الرّبض بعد ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ايفاع الحكم بأهل طليطلة وهى وقعة الحفرة
قال «١» : وفى سنة إحدى وتسعين ومائة أوقع الحكم بأهل طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها. وكان سبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا فى الأمراء وخلعوهم مرّة بعد أخرى، وقويت نفوسهم؛ لحصانة بلدهم وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم طاعة مرضية. فلما أعيا الحكم شأنهم أعمل الفكرة. فاستعان بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد، وكان قد ظهر فى هذا الوقت بالثّغر الأعلى، وأظهر طاعة الحكم ودعا إليه فاطمأن إليه لهذا السبب. واستقدمه فقدم عليه، فبالغ الحكم فى إكرامه وأطلعه على عزمه فى أهل طليطلة فوافقه عليه.
стр. 8915
وكتب إلى أهلها يقول «إننى قد اخترت لكم فلانا وهو منكم لتطمئنّ قلوبكم إليه وأعفيتكم ممّن تكرهون من عمّالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم» ومضى عمروس ودخل طليطلة فأنس أهلها به واطمأنوا إليه وأحسن/ عشرتهم.
وكان أول ما احتال به عليهم أن أظهر موافقتهم على بغض بنى أمية وخلع طاعتهم، فمالوا إليه ووثقوا به ورضوا بفعله ثم قال لهم: إن سبب الشرّ بينكم وبين أصحاب الأمراء اختلاطهم بكم، وقد رأيت أن أبنى بناء أعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان رفقا بكم! فأجابوه إلى ذلك، فبنى فى وسط البلد ما أراد.
فلما مضى لذلك مدة كتب الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سرّا يأمره أن يرسل إليه يستغيث من جيوش الكفرة، وطلب النجدة والعساكر، ففعل ذلك، فحشد الحكم الجيوش واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن، وجهّز معه القواد والوزراء، فسار الجيش حتى اجتاز مدينة طليطلة فلم يتعرض عبد الرحمن لدخوله إليها. وأتاه وهو عندها خبر العامل على الثغر الأعلى يقول «إن عساكر الكفرة قد تفرّقت وكفى الله شرّها» فوقف العسكر وعزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فقال عمروس عند ذلك لأهل طليطلة: قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبى، وأنه يلزمنى الخروج إليه وقضاء حقّه، فإن نشطتم إلى ذلك وإلا سرت إليه وحدى! فقالوا: بل نكون معك.
فخرج ومعه وجوه أهل طليطلة فأكرمهم عبد الرحمن وأحسن إليهم، وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادما له ومعه كتاب لطيف
стр. 8916
إلى عمروس فلقيه الخادم وصافحه وسلّم الكتاب إليه من غير أن/ يحادثه. فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة، فأشار إلى عيون أهلها أن يسألوا عبد الرحمن الدّخول إليه ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم وقوتهم ومنعتهم فظنوا أنه ينصحهم، ففعلوا ذلك. وأدخلوا عبد الرحمن البلد، فنزل مع عمروس فى داره، وأتاه أهل طليطلة أرسالا يسلمون عليه، وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتّخذ لهم وليمة عظيمة. وشرع فى الاستعداد لذلك وواعدهم يوما ذكره لهم، وقرر أنهم يدخلون من باب ويخرجون من آخر ليقلّ الزحام ففعلوا ذلك! وأتى الناس أفواجا عند الميعاد، فكان إذا دخل فوج أخذوا وحملوا إلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة فى القصر فتضرب رقابهم. فلما تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحدا فقال: أين الناس؟ فقيل له: إنهم يدخلون من هذا الباب ويخرجون من الآخر! فقال: لم ألق منهم أحدا! وعلم الحال فعاد وصاح بالناس وأعلمهم هلاك أصحابه، فكان سبب نجاة من بقى منهم، ودانوا وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد الرحمن ثم كان منهم بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عصيان أهل ماردة على الحكم وما فعله بأهل قرطبة
/ وفى سنة إحدى وتسعين عصى أصبغ بن عبد الله على الحكم ووافقه أهل ماردة وأخرجوا عامله عنها، فاتّصل الخبر بالحكم، فسار إليها وحصرها. فبينما هو فى ذلك أتاه الخبر عن أهل قرطبة
стр. 8917
أنهم أعلنوا العصيان له، فرجع إلى قرطبة مبادرا، فوصلها فى ثلاثة أيام وكشف عن الذين أثاروا الفتنة فصلبهم منكّسين، وضرب أعناق جماعة. فارتدع الباقون بذلك واشتدت كراهتهم للحكم، ولم يزل أهل ماردة تارة يطيعون وتارة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين، فضعف أمر أصبغ بن عبد الله لأن الحكم تابع إرسال الجيوش واستمال جماعة من أهل ماردة وثقات أصحابه فمالوا إلى الحكم وفارقوا أصبغ حتى أخوه، فضعفت نفسه فطلب الأمان فأمّنه الحكم، ففارق ماردة، وحضر إلى الحكم وأقام بقرطبة.
ذكر غزو الفرنج
وفى هذه السنة تجهز لذريق «١» ملك الفرنج وجمع جموعه ليسير إلى مدينة طرطوشة «٢» ليحصرها، فبلغ ذلك الحكم فجمع العساكر وسيّرها مع ولده عبد الرحمن، فاجتمعوا فى جيش عظيم وتبعهم كثير من المتطوعة، فساروا حتى لقوا الفرنج فى أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد الإسلام شيئا، فاقتتلوا وبذل كلّ من الطائفتين جهده واستنفد وسعه فأنزل الله تعالى نصره على المسلمين، وهزم الكفار وكثر القتل فيهم والإسار، وانتهيت أموالهم، ورجع المسلمون بالظفر.
стр. 8918
ذكر عصيان حزم على الحكم
وفى هذه السنة خالف حزم بن وهب بناحية باجة ووافقه غيره، وقصدوا لشبونة «١» . فلما بلغ الحكم الخبر، سار إليه الحكم فى جمع كبير، فنازله وقطع الأشجار وضيّق عليهم حتى أذعنوا إلى طلب الأمان، فأمّنه وأخذ رهائنه على المصالحة والطاعة، وعاد عنه الحكم إلى قرطبة.
ذكر عودة أهل ماردة الى العصيان وغزو الحكم بلاد الفرنج
قال «٢» : ثم عاد أهل ماردة إلى العصيان والخلاف على الحكم فى سنة أربع وتسعين، فسار الحكم بنفسه إليهم وقابلهم. ولم تزل سراياه وجيوشه تتردد وتقاتلهم إلى سنة ستّ وتسعين ومائة، فطمع الفرنج فى ثغور المسلمين وقصدوها بالغارات والقتل والنّهب والسّبى.
وقد شغل الحكم بأهل ماردة عنهم حتى أتاه الخبر بشدّة الأمر على أهل/ الثغور وما نال العدوّ منهم، وسمع أن امرأة مسلمة أخذت أسيرة فقالت:
واغوثاه يا حكم فعظم عليه الأمر وجمع العساكر واستعد وحشد، وسار إلى بلاد الفرنج فى سنة ست وتسعين ومائة فأثخن «٣» فى بلادهم،
стр. 8919
وافتتح عدّة حصون وخرّب وقتل الرجال وسبى الحريم ونهب الأموال، وقصد الناحية التى بها تلك المرأة فأسر لهم من الأسرى ما يفادون به أسراهم، وبالغ فى الوصية فى تخليص تلك المرأة فخلصت من الأسر وقتل بقية الأسرى.
فلما فرغ من غزاته قال لأهل الثغور: أغاثكم الحكم؟ قالوا:
نعم! وأثنوا عليه خيرا، وعاد إلى قرطبة مظفرا منصورا.
وفى سنة سبع وتسعين ومائة اشتد الغلاء بالأندلس وعمّ البلاد، ومات كثير من الخلق، وكان أكثر الناس يطوون للعدم «١» .
ذكر وقعة الربض بقرطبة
وفى سنة ثمان وتسعين ومائة كانت وقعة الربض بقرطبة، وسببها أن الحكم كان كثير التشاغل بالشّرب واللهو والصيد وغير ذلك مما يجانسه، وقد قدّمنا ما كان قد فعله بأهل قرطبة لما أرادوا خلعه ومن صلب منهم. فزادت كراهة أهلها فيه، وصاروا يتعرّضون لجنده بالأذى والسّبّ، وبالغوا حتى إنهم كانوا ينادون عند انقضاء الأذان/ الصلاة يا مخمور الصلاة! وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا عليه بالأكف. فشرع فى تحصين قرطبة وعمارة أسوارها، وحفر خنادقها، وارتبط الخيل على بابه،
стр. 8920
واستكثر من المماليك، ورتب جمعا لا يفارقون باب قصره بالسلاح.
فزاد ذلك فى حقد أهل قرطبة، وتحققوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم، ثم وضع عليهم عشر الأطعمة فى كلّ سنة من غير حرص فكرهوا ذلك.
ثم عمد إلى عشرة من رؤسائهم فقتلهم وصلبهم، فهاج لذلك أهل الرّبض، وانضاف إلى ذلك أن مملوكا له سلّم إلى صيقل سيفا ليصقله له فمطله الصيقل، فأخذ ذلك المملوك السيف ولم يزل يضرب به ذلك الصيقل إلى أن مات وذلك فى شهر رمضان من هذه السنة، فكان أول من شهر السلاح أهل الرّبض القبلى، واجتمع أهل الأرباض جميعهم بالسلاح، واجتمع الجند والأمويون والعبيد بالقصر. وفرق الحكم الخيل والسلاح، وجعل أصحابه كتائب.
ووقع القتال بين الطائفتين، فغلبهم أهل الربض وأحاطوا بالقصر، فنزل الحكم من أعلى القصر ولبس سلاحه وحرّض الناس على القتال، فقاتلوا قتالا شديدا. ثم أمر ابن عمّه عبيد الله فثلم من السور ثلمة وخرج منها بقطعة من الجيش وأتى أهل الرّبض من وراء ظهورهم فلم يشعروا به، وأضرم النار فى الرّبض.
فانهزم أهله/ وقتلوا قتلا ذريعا وأسر من وجد فى المنازل والدور فانتقى الحكم ثلاثمائة من وجوه الأسرى فصلبهم منكسين، ودام النّهب القتل والحريق فى أرباض قرطبة ثلاثة أيام.
ثم استشار الحكم فيهم عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فأشار عليه بالصّفح عنهم والعفو، وأشار غيره
стр. 8921
بالقتل، فقبل قول عبد الكريم. وأمر فنودى بالأمان على أنه من بقى من أهل الربض بعد ثلاثة أيام قتل وصلب، فخرج من بقى منهم بعد ذلك مستخفيا، وتحمّلوا على الصّعب والذلول وخرجوا من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم وما خفّ من أموالهم.
وقعد لهم الجند والسفلة بالمرصاد، ينهبون أموالهم، ومن امتنع عليهم قتلوه!.
فلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكفّ الأذى عن حرم الناس، وجمعهن إلى مكان واحد، وأمر بهدم الرّبض القبلى. وكان بزيع مولى أمية بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية محبوسا فى حبس الدم وفى رجله قيد ثقيل، فلما رأى أهل قرطبة قد غلبوا الجند سأل الحرس أن يفرجوا عنه فأخذوا عليه العهد أن يعود فأطلقوه، فخرج فقاتل قتالا شديدا لم يكن فى الجيش من قاتل مثله، فلما انهزم أهل الربض عاد إلى السجن، فانتهى خبره إلى الحكم فأطلقه وأحسن إليه. وقيل إن هذه الوقعة كانت فى سنة اثنتين ومائتين والله أعلم./ قال بعض المؤرخين: اجتمع فى الرّبض أربعة آلاف فقيه وطالب! وكان ممّن خرج عليه يحيى بن يحيى الليثى، فهرب ونزل على حىّ من البربر، ثم أمّنه الحكم بعد ذلك وحظى عنده. ومنهم الفقيه طالوت بن عبد الجبار، ففرّ واستتر عند رجل يهودىّ عاما كاملا. وكان بينه وبين أبى البسام صداقة، فقصد فأخبر الحكم به، وأحضره إليه فعنّفه الحكم على خروجه عليه،
стр. 8922
ثم أمّنه وصرفه إلى منزله وسأله أين استتر فأخبره باليهودى وبأبى البسام، فاغتاظ على أبى البسام وعزله عن وزارته وكتب عهدا أن لا يخدمه أبدا. ومنهم عبد الملك بن حبيب، وغيرهم «١» .
ذكر غزو الفرنج
وفى سنة مائتين جهّز الحكم جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج، فسار حتى توسّط بلادهم، فخربها ونهبها وهدم عدة من حصونهم، واستنفد خزائن ملوكهم. فلما رأى ملكهم ذلك كاتب جميع ملوك تلك النواحى، واستنصر بهم فاجتمعت إليه أهل النصرانية من كلّ مكان. وأقبل فى جموع عظيمة ونزل بإزاء عسكر المسلمين وبينهم نهر، فاقتتلوا عدّة أيام والمسلمون يريدون عبور النهر إليهم وهم يمنعونهم من ذلك. فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر/ فعبر المشركون واقتتلوا أعظم قتال، فانهزم الكفار إلى النهر وأخذهم السّيف والأسر، فأسر جماعة من ملوكهم وكنودهم وقمامصتهم. وعاد الفرنج لزموا جانب النهر يمنعون المسلمين من عبوره فأقاموا ثلاثة عشر يوما يقتتلون فى كلّ يوم، فجاءت الأمطار وزاد النهر فتعذر جوازه، فقفل عبد الكريم عنهم فى سابع ذى الحجة من السنة.
ذكر غزو البربر بناحية مورور
وفيها خرج خارجى من البربر من ناحية مورور «٢» ومعه جماعة،
стр. 8923
فوصل كتاب العامل بها إلى الحكم بخبره، فأخفى الحكم أمره واستدعى من ساعته قائدا من قواده فأخبره بذلك سرا وقال له:
سر من ساعتك إلى هذا الخارج وائتنى برأسه والا فرأسك عوضه وأنا قاعد فى مكانى هذا إلى أن تعود! فسار القائد إلى الخارج، فلما قاربه سأل عنه فأخبر أنه فى احتياط كثير واحتراز شديد، فعجز عنه ثم تذكر قول الحكم فأعمل الحيلة حتى دخل عليه وقتله وأتى برأسه إلى الحكم، فرآه بمكانه ذلك لم يتغير، وكانت غيبته أربعة أيام، فأحسن إلى القائد وأكرمه ووصله وأعلى محلّه.
ذكر وفاة الحكم
/ كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر لأربع بقين من ذى الحجة سنة ست ومائتين، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وقيل ثلاثا وخمسين سنة وقيل أقل من ذلك إلى تسع وأربعين سنة، ومدة إمارته ستا وعشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما. وكان طويلا أسمر نحيفا، وله شعر جيّد، وهو أول من جنّد الجنود المرتزقة بالأندلس وجمع الأسلحة والعدد واستكثر من الحشم والحواشى، وارتبط الخيول على بابه، واتّخذ المماليك وجعلهم فى المرتزقة فبلغت عدتهم خمسة آلاف. وكانوا يسمون الخرس لعجمة ألسنتهم، وكانوا نوابا على باب قصره «١» .
وكان يطّلع على الأمور بنفسه ما قرب منها وما بعد، وكان له نفر من ثقاة أصحابه يطالعونه بأحوال الناس، فيردع الظالم،
стр. 8924
وينصف المظلوم. وكان شجاعا مقداما مهيمنا وكان يقرّب الفقهاء وأهل العلم. وكان له من الأولاد أبو مطرف عبد الرحمن وثمانية عشر ولدا ذكرا. كاتبه: الوزير أبو البسام.
ذكر امارة عبد الرحمن بن الحكم
هو أبو المطرف وقيل أبو المظفر عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن عبد الرحمن الداخل، وأمه أم ولد يقال لها حلاوة، وهو الرابع من ملوك بنى أمية بالأندلس. بويع له بعد وفاة أبيه فى يوم/ الخميس لأربع بقين من ذى الحجة سنة ستّ ومائتين وذلك فى خلافة المأمون بن الرشيد العباسى.
قال «١» : ولما ولى خرج عليه عمّ أبيه عبد الله البلنسى- من بلنسية- وطمع فى الملك، فوصل إلى تدمير يريد قرطبة، فتجهز له عبد الرحمن، فلما بلغ ذلك عبد الله خاف وضعفت نفسه فرجع إلى بلنسية.
ذكر ايقاع عبد الرحمن بأهل إلبيرة وجندها
كان ذلك فى سنة سبع ومائتين وسبب ذلك أن الحكم كان قد بلغه عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم أبناء أهل الذمة فقبض عليه وصلبه، فلما توفى الحكم وولى ولده عبد الرحمن وسمع النّاس بصلب ربيع أقبلوا إلى قرطبة من النواحى يطلبون الأموال التى كان ظلمهم ربيع فيها ظنّا منهم أنها ستردّ إليهم. وكان جند إلبيرة
стр. 8925
أشدّهم وأكثرهم طلبا وأشدهم إلحاحا وتألبا، فأرسل عبد الرحمن من يسكنهم، فلم يقبلوا ودفعوا من أتاهم، فخرج إليهم جمع من الجند من أصحاب عبد الرحمن فقاتلوهم فانهزم جند إلبيرة ومن معهم وقتلوا قتلا ذريعا، ونجا من بقى منهم، وأدركهم الطلب فقتل كثيرا منهم.
وفيها ثارت بمدينة تدمير فتنة بين المضريّة واليمانية فاقتتلوا بلورقة «١» فكان بينهم وقعة تعرف بيوم المصابرة قتل بينهم/ ثلاثة آلاف رجل، ودامت الحرب بين الفريقين سبع سنين، ووكل عبد الرحمن بكفّهم ومنعهم يحيى بن عبد الله ابن خالد وسيّره فى جمع من الجيش، فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى افترقوا وتركوا القتال وإذا عاد عنهم رجعوا إلى الفتنة حتى أعياه أمرهم.
وفيها كان بالأندلس مجاعة شيديدة ذهب فيها خلق كثير وبلغ المد فى بعض المدن ثلاثين دنيارا.
وفى سنة ثمان ومائتين جهز عبد الرحمن جيشا إلى بلاد المشركين، واستعمل عليهم عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فساروا إلى بلاد ألية والقلاع فنهبوا بلاد ألبة وخربوها وأحرقوها، وفتحوا حصونا وصالحهم أهل حصون أخر على مال وإطلاق أسرى المسلمين، وذلك فى جمادى الآخرة.
стр. 8926
وفيها توفى عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالبلنسى.
وفى سنة عشر ومائتين سيّر عبد الرحمن سريّة كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليهم عبيد الله بن عبد الله البلنسى، فسار ودخل بلادهم وتردّد فيها بالغارات والسّبى والقتل والأسر ولقى جيوش الأعداء فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وكان فتحا عظيما.
وفيها افتتح عسكر سيّره عبد الرحمن أيضا حصن القلعة من أرض العدو فى شهر رمضان المبارك.
وفيها أمر ببناء المسجد الجامع بجيان.
وفيها أخذ عبد الرحمن مقدم اليمانية بتدمير/ وهو رجاء بن الشماخ لتسكن الفتنة بين اليمانية والمضرية فلم تسكن ودامت، فأمر العامل بتدمير أن ينتقل منها ويجعل مرسية «١» قاعدة تلك البلاد.
وفى سنة اثنتى عشرة ومائتين سيّر عبد الرحمن جيشا إلى برشلونة من بلاد العدو فأقام الجيش شهرين يحرقون وينهبون.
وفيها كانت ميول عظيمة وأمطار متتابعة، فخربت أكثر أسوار مدن الأندلس وخربت قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها وفى سنة ثلاث عشرة ومائتين قتل أهل ماردة عاملهم فثارت
стр. 8927
الفتنة عندهم فسيّر إليهم عبد الرحمن جيشا فحصرهم وأفسد زرعهم وأشجارهم فعادوا للطاعة وأعطوا رهائنهم، وعاد الجيش عنهم بعد أن خربوا سور المدينة، ثم أرسل إليهم من ينقل أحجار السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها فى عمارته، فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان وأسروا العامل عليهم وبنوا السور وأتقنوه. فسار عبد الرحمن بجيوشه إليهم فى سنة أربع عشرة ومائتين ومعه رهائن أهلها فراسله أهلها وافتدوا رهائنهم بالعامل الذى أسروه وغيره وحصرهم وأفسد بلدهم ثم رحل عنهم. ثم سيّر إلهم جيشا فى سنة سبع عشرة فحصروها وضيقوا على أهلها، ودام الحصار ثم رحلوا عنهم. وسيّر إليهم جيشا فى سنة ثمانى عشرة ومائتين ففتحها وفارقها أهل الشر والفساد. وكان من أهلها/ رجل اسمه محمود بن عبد الجبار الماردى فى جماعة من الجند، فمضى بمن سلم من أصحابه إلى منت سالوط فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فى سنة عشرين ومائتين فهرب بمن معه إلى جليقية فأرسل سرية فى طلبهم، فقاتلهم محمود وهزمهم وغنم ما معهم، وقتل عدة منهم ثم مضى لوجهه فلقيه جمع من أصحاب عبد الرحمن مصادفة فقاتلوهم، ثم كفّ بعضهم عن بعض وساروا فلقيته سرية أخرى فانهزمت السرية وغنم محمود ما معهم ووصل إلى بلاد المشركين فاستولى على قلعة لهم فأقام بها خمسة أعوام وثلاثة أشهر فحصره أذفونس ملك الفرنج فملك الحصن وقتل محمودا ومن معه وذلك فى سنة خمس وعشرين فى شهر رجب.
стр. 8928
وفى سنة أربع عشرة ومائتين سار عبد الرحمن إلى مدينة باجة «١» وكانت عاصية عليه فملكها عنوة.
وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة، وكان هاشم ممن خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلها، وسار إلى قرطبة، فلما كان الآن سار إلى طليطلة فاجتمع إليه أهل الشر والفساد فسار إلى وادى جونيه «٢» وأغار على البربر وغيرهم فطار اسمه واشتدّت شوكته وكثر جمعه فأوقع بأهل شنت بريّه. وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فقاتلوه فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وغلب/ هاشم على عدّة مواضع وجاوز بركة العجوز وأبعدت غارة خيله. فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فى سنة ستّ عشرة ومائتين فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا المجاور لرورية «٣» فدامت الحرب بينهم عدّة أيّام ثم انهزم هاشم وقتل هو وكثير ممّن معه
ذكر محاصرة طليطلة وفتحها
وفى سنة تسع عشرة ومائتين جهز عبد الرحمن جيشا مع ابنه أمية إلى مدينة طليطلة فحصرها- وكانوا قد خالفوا
стр. 8929
وخرجوا عن الطاعة- فاشتد فى حصارهم وقطع أشجارهم وأهلك زرعهم، فلم يذعنوا إلى الطاعة فرحل عنهم وترك بقلعة رباح جيشا عليهم ميسرة المعروف بفتى أبى أيوب. فلما أبعد أمية خرج جمع كثير من أهل مدينة طليطلة لعلّهم يجدون فرصة وغفلة فينالون منه ومن أصحابه غرضا، وكان قد بلغه الخبر فكمن فى عدة مواضع. فلما وصلوا إلى قلعة رباح خرج الكمين عليهم من جوانبهم ووضعوا السّيف فيهم فأكثروا القتل وعاد من سلم منهزما إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى وحملت إلى ميسرة فلما رأى كثرتها عظم عليه وارتاع لذلك، ووجد فى نفسه غمّا شديدا، فمات بعد أيام يسيرة! ثم سيّر عبد الرحمن جيشا فى سنة/ عشرين ومائتين فقاتلوا ولم يظفروا منها بشىء. فلما كان فى سنة إحدى وعشرين ومائتين خرج جماعة من أهلها إلى قلعة رباح وبها عسكر لعبد الرحمن فاجتمعوا كلّهم على حصار طليطة وضيّقوا على أهلها واشتدّوا فى حصارهم إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فسير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجهد كلّ مبلغ واشتدّ عليهم طول الحصار وضعفوا عن القتال والدفع، ففتحها عنوة يوم السبت لثمان خلون من شهر رجب منها، وأمر بتجديد القصر على باب الجسر الذى كان هدم أيام الحكم، وأقام بها آخر شعبان سنة ثلاث وعشرين حتى استقرّت قواعد أهلها.
وفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين سيّر عبد الرحمن جيشا
стр. 8930
إلى ألبة والقلاع فنازلوا حصن الفرات، وقتلوا أهله، وغنموا ما فيه وسبوا النساء والذّرّية وعادوا.
وفى سنة أربع وعشرين سيّر جيشا عليهم عبيد الله بن عبد الله البلنسى إلى بلاد العدو، فوصلوا ألبة والقلاع فالتقوا هم والمشركون، وكانت بينهم حروب شديدة وقتال عظيم انهزم أهل الشرك، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة، وجمعت الرؤوس حتى كان الفارس لا يرى من يقاتله! ثم سار عبد الرحمن فى سنة خمس وعشرين فى جيش كثيف إلى بلاد المشركين فدخل بلاد جليقية وافتتح عدة حصون منها، وغنم وسبى وقتل/ وخرّب ثم عاد إلى قرطبة ولم تطل مدّة هذه الغزاة.
وفى سنة أربع وعشرين ومائتين سيّر الأمير عبد الرحمن جيشا إلى أرض العدو، فلما كانوا بين أوشنة وشرطانية «١» تجمعت الرّوم عليهم وأحاطوا بهم وقاتلوهم الليل كلّه، فلما أصبحوا أنزل الله نصره على المسلمين وهزم عدوّهم. وأبلى موسى بن موسى فى هذه الغزاة بلاء حسنا، وكان على مقدمة العسكر وهو العامل على تطيلة، وجرى بينه وبين جرير بن موفّق- وهو من أكابر الدولة- أيضا شر فخرج موسى عن طاعته.
следующие страницы →