Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.
стр. 8926
وفيها توفى عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالبلنسى.
وفى سنة عشر ومائتين سيّر عبد الرحمن سريّة كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليهم عبيد الله بن عبد الله البلنسى، فسار ودخل بلادهم وتردّد فيها بالغارات والسّبى والقتل والأسر ولقى جيوش الأعداء فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وكان فتحا عظيما.
وفيها افتتح عسكر سيّره عبد الرحمن أيضا حصن القلعة من أرض العدو فى شهر رمضان المبارك.
وفيها أمر ببناء المسجد الجامع بجيان.
وفيها أخذ عبد الرحمن مقدم اليمانية بتدمير/ وهو رجاء بن الشماخ لتسكن الفتنة بين اليمانية والمضرية فلم تسكن ودامت، فأمر العامل بتدمير أن ينتقل منها ويجعل مرسية «١» قاعدة تلك البلاد.
وفى سنة اثنتى عشرة ومائتين سيّر عبد الرحمن جيشا إلى برشلونة من بلاد العدو فأقام الجيش شهرين يحرقون وينهبون.
وفيها كانت ميول عظيمة وأمطار متتابعة، فخربت أكثر أسوار مدن الأندلس وخربت قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها وفى سنة ثلاث عشرة ومائتين قتل أهل ماردة عاملهم فثارت
стр. 8927
الفتنة عندهم فسيّر إليهم عبد الرحمن جيشا فحصرهم وأفسد زرعهم وأشجارهم فعادوا للطاعة وأعطوا رهائنهم، وعاد الجيش عنهم بعد أن خربوا سور المدينة، ثم أرسل إليهم من ينقل أحجار السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها فى عمارته، فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان وأسروا العامل عليهم وبنوا السور وأتقنوه. فسار عبد الرحمن بجيوشه إليهم فى سنة أربع عشرة ومائتين ومعه رهائن أهلها فراسله أهلها وافتدوا رهائنهم بالعامل الذى أسروه وغيره وحصرهم وأفسد بلدهم ثم رحل عنهم. ثم سيّر إلهم جيشا فى سنة سبع عشرة فحصروها وضيقوا على أهلها، ودام الحصار ثم رحلوا عنهم. وسيّر إليهم جيشا فى سنة ثمانى عشرة ومائتين ففتحها وفارقها أهل الشر والفساد. وكان من أهلها/ رجل اسمه محمود بن عبد الجبار الماردى فى جماعة من الجند، فمضى بمن سلم من أصحابه إلى منت سالوط فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فى سنة عشرين ومائتين فهرب بمن معه إلى جليقية فأرسل سرية فى طلبهم، فقاتلهم محمود وهزمهم وغنم ما معهم، وقتل عدة منهم ثم مضى لوجهه فلقيه جمع من أصحاب عبد الرحمن مصادفة فقاتلوهم، ثم كفّ بعضهم عن بعض وساروا فلقيته سرية أخرى فانهزمت السرية وغنم محمود ما معهم ووصل إلى بلاد المشركين فاستولى على قلعة لهم فأقام بها خمسة أعوام وثلاثة أشهر فحصره أذفونس ملك الفرنج فملك الحصن وقتل محمودا ومن معه وذلك فى سنة خمس وعشرين فى شهر رجب.
стр. 8928
وفى سنة أربع عشرة ومائتين سار عبد الرحمن إلى مدينة باجة «١» وكانت عاصية عليه فملكها عنوة.
وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة، وكان هاشم ممن خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلها، وسار إلى قرطبة، فلما كان الآن سار إلى طليطلة فاجتمع إليه أهل الشر والفساد فسار إلى وادى جونيه «٢» وأغار على البربر وغيرهم فطار اسمه واشتدّت شوكته وكثر جمعه فأوقع بأهل شنت بريّه. وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فقاتلوه فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وغلب/ هاشم على عدّة مواضع وجاوز بركة العجوز وأبعدت غارة خيله. فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا فى سنة ستّ عشرة ومائتين فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا المجاور لرورية «٣» فدامت الحرب بينهم عدّة أيّام ثم انهزم هاشم وقتل هو وكثير ممّن معه
ذكر محاصرة طليطلة وفتحها
وفى سنة تسع عشرة ومائتين جهز عبد الرحمن جيشا مع ابنه أمية إلى مدينة طليطلة فحصرها- وكانوا قد خالفوا
стр. 8929
وخرجوا عن الطاعة- فاشتد فى حصارهم وقطع أشجارهم وأهلك زرعهم، فلم يذعنوا إلى الطاعة فرحل عنهم وترك بقلعة رباح جيشا عليهم ميسرة المعروف بفتى أبى أيوب. فلما أبعد أمية خرج جمع كثير من أهل مدينة طليطلة لعلّهم يجدون فرصة وغفلة فينالون منه ومن أصحابه غرضا، وكان قد بلغه الخبر فكمن فى عدة مواضع. فلما وصلوا إلى قلعة رباح خرج الكمين عليهم من جوانبهم ووضعوا السّيف فيهم فأكثروا القتل وعاد من سلم منهزما إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى وحملت إلى ميسرة فلما رأى كثرتها عظم عليه وارتاع لذلك، ووجد فى نفسه غمّا شديدا، فمات بعد أيام يسيرة! ثم سيّر عبد الرحمن جيشا فى سنة/ عشرين ومائتين فقاتلوا ولم يظفروا منها بشىء. فلما كان فى سنة إحدى وعشرين ومائتين خرج جماعة من أهلها إلى قلعة رباح وبها عسكر لعبد الرحمن فاجتمعوا كلّهم على حصار طليطة وضيّقوا على أهلها واشتدّوا فى حصارهم إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فسير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجهد كلّ مبلغ واشتدّ عليهم طول الحصار وضعفوا عن القتال والدفع، ففتحها عنوة يوم السبت لثمان خلون من شهر رجب منها، وأمر بتجديد القصر على باب الجسر الذى كان هدم أيام الحكم، وأقام بها آخر شعبان سنة ثلاث وعشرين حتى استقرّت قواعد أهلها.
وفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين سيّر عبد الرحمن جيشا
стр. 8930
إلى ألبة والقلاع فنازلوا حصن الفرات، وقتلوا أهله، وغنموا ما فيه وسبوا النساء والذّرّية وعادوا.
وفى سنة أربع وعشرين سيّر جيشا عليهم عبيد الله بن عبد الله البلنسى إلى بلاد العدو، فوصلوا ألبة والقلاع فالتقوا هم والمشركون، وكانت بينهم حروب شديدة وقتال عظيم انهزم أهل الشرك، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة، وجمعت الرؤوس حتى كان الفارس لا يرى من يقاتله! ثم سار عبد الرحمن فى سنة خمس وعشرين فى جيش كثيف إلى بلاد المشركين فدخل بلاد جليقية وافتتح عدة حصون منها، وغنم وسبى وقتل/ وخرّب ثم عاد إلى قرطبة ولم تطل مدّة هذه الغزاة.
وفى سنة أربع وعشرين ومائتين سيّر الأمير عبد الرحمن جيشا إلى أرض العدو، فلما كانوا بين أوشنة وشرطانية «١» تجمعت الرّوم عليهم وأحاطوا بهم وقاتلوهم الليل كلّه، فلما أصبحوا أنزل الله نصره على المسلمين وهزم عدوّهم. وأبلى موسى بن موسى فى هذه الغزاة بلاء حسنا، وكان على مقدمة العسكر وهو العامل على تطيلة، وجرى بينه وبين جرير بن موفّق- وهو من أكابر الدولة- أيضا شر فخرج موسى عن طاعته.
стр. 8931
ذكر الحرب بين موسى بن موسى والحارث بن بزيع وما كان من أمره
قال «١» : ولما بلغ عبد الرحمن خروج موسى عن الطاعة سيّر إليه جيشا، واستعمل عليهم الحارث بن بزيع فسار إليه والتقوا عند برجة «٢» واقتتلوا فقتل أكثر أصحاب موسى، وقتل ابن عم له، وعاد الحارث إلى سرقسطة. فسيّر موسى ابنه إلى برحة فعاد الحارث إليها فحصرها وملكها وقتل ابن موسى وتقدم إلى مدينة تطيلة فحصرها فصالحه موسى على أن يخرج عنها فانتقل موسى إلى أرنيط «٣» وبقى الحارث بتطيلة أياما ثم سار إلى موسى ليحاصره. فأرسل موسى إلى غرسية وهو من ملوك الأندلس «٤» /واتّفقا على الحرب واجتمعا وجعلا للحارث كمائن فى طريقه وأعدا له الخيل والرجل بموضع يقال له ثلمة على نهر هناك، فلما جاوز الحارث النهر خرج إليه الكمناء وأحدقوا به وكانت وقعة عظيمة وأصابه ضربة فى جبهته قلعت عينيه ثم أسر، وذلك فى سنة ثمان وعشرين.
فلما بلغ خبره عبد الرحمن عظم عليه وجهّز جيشا عظيما وجعل
стр. 8932
عليه ابنه محمدا وسيره لقتال موسى فى شهر رمضان سنة تسع وعشرين، فوصل إلى تطيلة وحصرها وضيق على أهلها، وأهلك زرعها فصالحه موسى. وتقدم محمد إلى ينبلونة فأوقع عندها يجمع كثير من المشركين وقتل غرسية فيمن قتل، ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن فجهز جيشا كثيرا وسيّرهم إلى موسى فطلب المسالمة فأجيب إليها، وأعطى ابنه إسماعيل رهينة وولّاه عبد الرحمن مدينة تطيلة فسار موسى إليها وأخرج منها من يخافه واستقرّ بها.
ذكر خروج المشركين الى بلاد الاسلام بالأندلس
قال «١» : فى سنة ثلاثين ومائتين خرج المجوس فى أقاصى بلاد الأندلس إلى بلاد المسلمين، وكان أول ظهورهم فى ذى الحجة سنة/ تسع وعشرين ومائتين وعند أشبونة فأقاموا بها ثلاثة عشر يوما كان بينهم وبين المسلمين فيها وقائع، ثم ساروا إلى قادس «٢» ثم إلى شذونة وكان بينهم وبين المسلمين وقعة عظيمة، ثم قصدوا إشبيلية فى ثامن المحرم فنزلوا على اثنى عشر فرسخا منها، فخرج إليهم المسلمون فهزمهم العدوّ فى ثانى عشر المحرّم وقتل كثير منهم، ثم نزلوا على ميلين منها فخرج أهلها إليهم وقاتلوهم فانهزموا فى رابع عشر المحرم وكثر القتل والأسر
стр. 8933
فيهم. ولم يرفع المجوس السّيف عن أحد ولا عن دابّة، ودخلوا حاضر إشبيلية وأقاموا بها يوما وليلة وعادوا إلى مراكبهم، فوافاهم عسكر عبد الرحمن فبادر إليهم المجوس فثبت المسلمون وقاتلوهم فقتل من المشركين سبعون رجلا وانهزموا ودخلوا مراكبهم، واحجم المسلمون عنهم، فسيّر عبد الرحمن جيشا آخر فقاتلهم المجوس قتالا شديدا ورجعوا عنهم فتبعهم العسكر فى ثانى شهر ربيع الأول وقاتلوهم، وأتاهم المدد من كل ناحية فنهضوا لقتال المجوس من كل جانب فانهزم المجوس وقتل نحو خمسمائة رجل وأخذوا منهم أربعة مراكب فأخذوا ما فيها وأحرقوها.
ثم خرج المجوس إلى لبلة «١» فأصابوا سبيا ونزلوا جزيرة بالقرب من قوويس فقسموا ما كان معهم مما غنموه، فدخل المسلمون إليهم فى النهر فقتلوا رجلين ثم رحل/ المجوس فطرقوا شذونة فغنموا أطعمة وسبيا وأقاموا يومين، فوصلت مراكب عبد الرّحمن إلى إشبيلية.
فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة فأغاروا وسبوا ثم لحقوا بأشبونة ثم مضوا إلى باجة، ثم قفلوا إلى مدينة أشبونة، ثم ساروا فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس.
وفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين سار جيش للمسلمين بقرطبة إلى بلاد المشركين وقصدوا جلّيقية فغنموا وقتلوا وأسروا وسبوا
стр. 8934
وواصلوا إلى مدينة ليون «١» فحصروها ونصبوا عليها المجانيق، فخاف أهلها وخرجوا هاربين وتركوها بما فيها، فغنم المسلمون منها ما أرادوا وأحرقوا الباقى، ولم يقدروا على هدم سورها لأن عرضه سبعة عشر ذراعا، فمضوا وقد ثلموا فيه ثلمة كبيرة» .
وفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين غدر موسى بن موسى، فسيّر إليه عبد الرحمن جيشا مع ابنه محمد.
وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، فهلك خلق كثير من الناس والدوابّ، ويبست الأشجار فاستسقى الناس فسقوا وزال القحط.
وفى سنة خمس وثلاثين ومائتين سيّر عبد الرحمن ابنه المنذر فى جيش كثيف إلى غزو الروم فبلغوا ألبة والقلاع.
وفيها كان سيل عظيم بالأندلس فخرب/ جسر إستجة والأرجاء وغرّق نهر إشبيلية ستّ عشرة قرية، وخرّب نهر باجة ثمانى عشرة قرية، وعرض حتى صار عرضه ثلاثين ميلا وكان هذا حدثا عظيما وقع فى جميع البلاد فى شهر واحد وفى سنة سبع وثلاثين ومائتين سارت جيوش المسلمين إلى بلاد العدوّ وكانت بينهم وقعة عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين وهى وقعة البيضاء.
стр. 8935
ذكر وفاة عبد الرحمن وشىء من أخباره
كانت وفاته فى ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقيل فى شهر ربيع الآخر منها.
وكان مولده فى شعبان سنة ستّ وسبعين ومائة. فكان عمره اثنتين وستين سنة ومدة ولايته إحدى وثلاثين سنة وشهرين وستة أيام.
وكان أسمر طويلا أغرّ أقنى عظيم الجبهة يخضب بالحناء. وكان له من صلبه من الأولاد الذكور والإناث سبعة وثمانون ولدا منهم خمسة وأربعون ذكرا. وكان عالما أديبا شاعرا، يعرف علوم الفلاسفة. وفى أيامه دخل زرياب «١» المغنّى إلى الأندلس فحضر/ يوما عند عبد الرحمن وغنّى وعبيد الله [بن] قزمان الشاعر حاضر فقال زرياب:
قالت ظلوم سميّة الظّلم ... مالى رأيتك ناحل الجسم
يا من رأى قلبى فأقصده ... أنت العليم بموضع السّهم
فقال عبد الرحمن: البيت الثانى منقطع عن الأول غير متصل به! فقال ابن قزمان بديهة بعد البيت الأول:
فأجبتها والدّمع منحدر ... مثل الجمان زها على النّظم
فكساه عبد الرحمن وحباه.
وهو أول من رتّب اختلاف الفقهاء إلى قصره، وأمرهم بالكلام بين يديه. وكان عبد الرحمن بعيد الهمة، اخترع قصورا ومستنزهات
стр. 8936
كثيرة، وزاد فى الجامع بقرطبة رواقين. وكانت أيامه أيام عافيه وسكون، وكثرت الأموال عنده وأقام أبّهة المملكة ورتّب رسومها. وكان يشبّه بالوليد بن عبد الملك فى أبّهته. وهو أول من اجتلب الماء العذب إلى قرطبة وأدخله قصوره وجعل لفصل الماء مصنعا كبيرا يرده النّاس إذا خرج من قصوره رحمه الله تعالى.
ذكر امارة محمد بن عبد الرحمن المنعوت بالأمين
/ هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان، وأمه أم ولد اسمها تهتز. وهو الخامس من أمراء بنى أمية بالأندلس، قام بالأمر بعد أبيه فى يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقيل فى شهر ربيع الآخر منها، وكانت ولايته فى خلافة المتوكل إلى بعض أيام المعتمد قال «١» : ولما ولى جرى فى العدل على سبرة أبيه، وتمّم زيادة بناء أبيه فى جامع قرطبة
ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج
وفى سنة أربعين ومائتين كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة، وسببها أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرناه من الخلاف على الملوك فلما ولى محمد هذا سار بجيوشه إليها، فراسل أهلها ملك جليقية يستمدونه، فأمدّهم بالعساكر الكثيرة، فبلغ محمد ذلك
стр. 8937
وقد قارب طليطلة فعبّأ أصحابه وكمن الكمناء بناحية وادى سليط، وتقدم إليهم فى قلّة من العسكر فطمع فيه أهل طليطلة والفرنج، وأسرعوا إليه فلما نشبت الحرب خرجت الكمناء من كلّ جهة فقتل من المشركين ومن أهل طليطلة ما لا يحصى، وجمع من الرؤوس ثمانية آلاف/ رأس، وذكر أهل طليطلة أن عدّة القتلى عشرون ألفا «١» قال «٢» : وفى سنة إحدى وأربعين ومائتين استكثر محمد الرجال بقلعة رباح ليضيّق على أهل طليطلة، وسيّر الجيوش إلى غزو الفرنج مع موسى بن موسى، فدخلوا بلادهم ووصلوا إلى ألبة والقلاع، فافتتحوا بعض حصونها وعادوا وفى سنة ثلاث وأربعين خرج أهل طليطلة واقتتلوا هم ومسعود ابن عبد الله العرّيف فانهزم أهل طليطلة وقتل أكثرهم وحمل إلى قرطبة سبعمائة رأس
ذكر خروج المجوس إلى بلاد الإسلام بالأندلس
وفى سنة خمس وأربعين ومائتين خرج المجوس فى المراكب إلى بلاد الأندلس، فوصلوا إلى إشبيلية وحلّوا بالحاضر وأحرقوا الجامع، ثم جازوا إلى العدوة، ثم عادوا إلى الأندلس فانهزم أهل تدمير، ودخلوا حصن أريوله «٣» ثم تقدموا إلى خليط أفرنجه
стр. 8938
فأغاروا وأصابوا من النّهب والسّبى كثيرا، ثم انصرفوا فلقيهم مراكب الأمير محمد فقاتلوهم وأحرقوا مركبين من مراكب المجوس، وأخذوا مركبين وغنموا ما فيهما، فجدّ المجوس عند ذلك فى القتال واستشهد جماعة من المسلمين،/ ومضت مراكب المجوس حتى وصلوا إلى مدينة بنبلونة فأصابوا صاحبها غرسية الفرنجى ففدى نفسه بتسعين ألف دينار.
وفى سنة ستّ وأربعين ومائتين سار محمد فى جيوش عظيمة إلى بلد بنبلونة فوطىء بلادها ودوّخها وخرّب ونهب وقتل، وافتتح حصونا وأصاب فى بعضها فرتون بن غرسية فحبسه بقرطبة عشرين سنة ثم أطلقه إلى بلده، وأقام محمد بأرض بنبلونة اثنين وثلاثين يوما.
وفى سنة سبع وأربعين سار جيش المسلمين إلى بلد برشلونة وهى للفرنج فأوقعوا بأهلها، فأرسل صاحبها إلى ملك الفرنج يستمدّه فأرسل إليه جيشا كثيفا، وأرسل المسلمون يستمدون فأتاهم المدد فنازلوا برشلونة وقاتلوا قتالا شديدا، فملكوا أرباضها وبرجين من أبراج المدينة، وقتل من المشركين مالا يحصى كثرة وعاد المسلمون بالظفر والغنيمة.
وفى سنة تسع وأربعين ومائتين جهّز محمد جيشا مع ابنه إلى
стр. 8939
مدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج فغنموا وافتتحوا حصونا منيعة.
وفى سنة إحدى وخمسين ومائتين سيّر محمد جيشا إلى بلاد المشركين فى جمادى الآخرة وقصدوا الملاحة، وكانت أموال لذريق بناحية ألبة والقلاع. فلما عمّ المسلمون بلدهم بالخراب والنّهب/ جمع لذريق عسكره وسار إليهم فالتقوا بموضع يقال له فج المركون «١» ، به تعرف هذه الغزاه، واقتتلوا فكانت الهزيمة على المشركين ثم اجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة فتبعهم المسلمون وحملوا عليهم واشتد القتال فانهزم الفرنج لا يلوون على شىء، وتبعهم المسلمون يقتلون منهم ويأسرون، وكانت هذه الوقعة فى ثانى عشر شهر رجب، وكان عدد ما أخذ من رؤوس القتلى ألفين وأربعمائة رأس وتسعين رأسا، وكان فتحا عظيما.
وفى سنة تسع وخمسين ومائتين سار محمد إلى طليطلة وحصرها- وكان أهلها قد خالفوا عليه- فطلبوا الأمان فأمّنهم وأخذ رهائنهم.
وفيها خرج أهل طليطلة إلى حصن سكيان وفيه سبعمائة من البربر وأهل طليطلة فى عشرة آلاف، فلما التحمت الحرب بينهم انهزم مطرّف بن عبد الرحمن بن حبيب وهو أحد مقدّمى أهل طليطلة
стр. 8940
فتبعة أهلها فى الهزيمة، وإنما انهزم لعداوة كانت بينه وبين مقدم آخر اسمه طريشة فأراد أن يوهنه بذلك فقتلوا أعظم قتل.
وفيها عاد عمروس بن عمر بن عمروس الأندلسى إلى طاعة الأمير محمد، وكان مخالفا عليه عدّة سنين، فولّاه محمد مدينة أشقة «١» .
وفى سنة ستّ وستين ومائتين أمر محمد بإنشاء مراكب/ بنهر قرطبة وحملها إلى البحر وسيّرها إلى البحر المحيط ليسير منه إلى بلاد جليقية فلما دخلته تقطعت، فلم يجتمع منها مركبان، ولم يرجع منها إلا اليسير!.
وفى سنة سبع وستين ومائتين خالف عمر بن حفصون على الأمير محمد بن عبد الرحمن فخرج إليه جيش تلك الناحية وعاملها، فقاتلوه فهزمهم. وقوى أمره وشاع ذكره، وأتاه من يريد الشّرّ والفساد، فسيّر إليه محمد عاملا آخر فى جيش فصالحه عمر، وطلب العامل كلّ من كان له مساعدة لعمر، فأهلكه، ومنهم من أبعده، واستقامت تلك الناحية.
وفى سنة ثمان وستين سيّر محمد جيشا إلى المخالفين مع ابنه المنذر فقصد مدينة شرقسطة فأهلك زرعها وخرّب بلدها. وافتتح حصن روطة، وأخذ منه عبد الواحد الرّوطى- وهو من أشجع أهل زمانه- وتقدّم إلى دير تروجة وهتكها بالغارة، وقصد مدينة
стр. 8941
لاردة وقرطاجنة وأخذ رهائنهم، ثم قصد مدينة ألبة والقلاع فافتتح بهما حصونا، وعاد بالظّفر والنّصر والسلامة.
ذكر وفاة الأمير محمد بن عبد الرحمن
كانت وفاته فى سلخ صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين وقيل فى يوم الأحد غرّة شهر ربيع الأول منها، وأنه خرج يوم الأحد/ إلى الرصافة متنزّها ومعه هشام بن عبد العزيز فقال له: يا سيدى ما أطيب الدنيا لولا الموت! فقال له: يابن اللخناء وهل ملّكنا هذا الذى نحن فيه إلا الموت؟ ولو بقى من كان قبلنا فمن أين كان يصل إلينا؟ ورجع من نزهته فحمّ ومات فى بقية يومه، نقله ابن الرقيق فى تاريخ أفريقية وكان مولد محمد فى ذى القعدة سنة سبع ومائتين وعمره خمسا وستين سنة وثلاثة أشهر وأياما.
وكانت ولايته أربعا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا.
وكان أبيض مشربا بحمرة، ربع القامة أوقص «١» ، يخضب بالحناء والكتم «٢» وولد له مائة ولد ذكور، مات عن ثلاثة وثلاثين منهم. وكان ذكيا فطنا بالأمور المستبهمة، محبا للعلوم، مؤثرا لأهل الحديث، عارفا حسن السيرة. قال ابن مخلد «٣» الفقيه:
стр. 8942
ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا ولا أبلغ من الأمير محمد بن عبد الرحمن، رحمه الله تعالى. وكانت وفاة محمد فى خلافة المعتمد على الله العباسى.
ذكر امارة المنذر بن محمد
هو أبو الحكم المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أمّ ولد اسمها ايل «١» ، وهو السادس من أمراء بنى أمية بالأندلس. قام بالأمر فى يوم وفاة أبيه فى غرّة شهر ربيع/ الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وقيل بويع له بعد وفاة أبيه بثلاث ليال وخالف عليه ابن حفصون- وقد ذكرنا خلافه على أبيه- وتحصن عمر بن حفصون بطليطلة، فسار المنذر إليها وأحدق بها، فأعمل ابن حفصون الحيلة وسلك طريق المكر والخديعة، وسأل الأمان، وأظهر الرغبة فى سكن قرطبة بأهله وولده. فأمنه المنذر وكتب له بما أراد، وفصّل لأولاده الثياب. ثم سأل مائة بغل يحمل عليها أثقاله وعياله إلى قرطبة، فأمر له المنذر بها وسلّمت إليه وعليها عشرة من العرفاء.
وارتحل العسكر، فأخذ ابن حفصون البغال وقتل العرفاء، وعاد إلى سيرته الأولى. فعقد المنذر على نفسه أنه لا أعطاه صلحا ولا عهدا إلا أن يلفى بيده وينزل على حكمه، وأمر بالسكنى،
стр. 8943
وأن تردّ أسواق قرطبة إلى طليطلة. ودام الحصار، فمات المنذر وهو يحاصره.
وكانت وفاته فى يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وقيل فى نصف صفر. وعمره نحوا من ستّ وأربعين سنة وولايته سنة واحدة وأحد عشر شهرا، وأيام.
وكان أسمر طويلا، جعدا كثّ اللحية، بوجههه أثر جدرى، وخلف ستة أولاد ذكورا. وقيل لم يعقب فولى بعده أخوه! «١»
ذكر امارة عبد الله بن محمد
هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أمّ ولد اسمها عشار، وهو السابع من أمراء بنى أمية ببلاد الأندلس. بويع له بعد وفاة أخيه المنذر فى يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وقيل فى منتصف صفر منها، وذلك فى خلافة المعتمد على الله العباسى.
ولما بويع له كان بالمعسكر على طليطلة فرحل نحو قرطبة، ودخل القصر بها لثلاث بقين من صفر المؤرّخ. قال إبراهيم بن الرقيق: ولما تولّى ألّب ابن حفصون عليه، وحشد كور الأندلس حتى لم ييق منها إلا قرطبة، وأقبل فيمن أطاعه من أهل الكور.
стр. 8944
وخرج إليه الأمير عبد الله فى أربعة عشر ألفا من أهل قرطبة خاصة، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه. فبرز إليه ابن حفصون فى سفح الجبل وثار له، فلم تكن إلا صدمة صادقة حتى أزالوهم عن مراكزهم.
ودخل ابن حفصون الحصن كأنه يخرج من بقى فيه، فثلم فيه ثلمة أخرج منها أهله وما كان له. فلما انتهى ذلك إلى عسكره ولّوا مدبرين لا يلوى أحد منهم على أحد «١» فقتلوا قتلا ذريعا/ ودخل منهم جماعة فى عسكره فأمر بالتقاطهم وجلس لهم فى مظلة فقتل بين يديه ألف صبرا.
وكانت فى أيامه فتن عظيمة، وكثر قيام الثوّار عليه حتى لم يبق فى يده إلا مدينة قرطبة وحدها. وخالف عليه أهل إشبيلية وشذونه، ولم تبق مدينة إلا خالفت عليه. وعزموا على الدعاء على منابر الأندلس للمعتضد بالله العباسى، فكتبوا إلى إبراهيم ابن أحمد الأغلب يسألونه أن يبعث إليهم رجلا من قبله، فتثاقل عنهم إبراهيم وشغله أيضا اضطراب أهل أفريقية عليه، فأمسكوا عن ذلك! وقلّت رجال عبد الله بن محمد، وذهب من كان يصول به- هو وآباؤه- من مواليهم وأصحابهم، وقلّت الأموال فى يده لخروج أهل المدن وامتناعهم من أداء الخراح إليه. وكان خراج الأندلس
стр. 8945
الذى يؤدّى إلى آبائه ثلاثمائة ألف دينار فى كلّ سنة، فكانوا يعطون رجالهم وخدمهم مائة ألف دينار، وينفقون فى أمورهم ونوّابهم وجميع ما يعرض لهم مائة ألف، ويدّخرون مائة ألف «١» . فلما امتنع أهل مدن الأندلس من أداء الخراج إليهم رجعوا إلى تلك الذخائر ينفقونها، واتصلت عليهم الحروب خمس عشرة سنة فنفدت ذخائرهم واحتاجو للقروض! وكانت أيامه على هذه الحال إلى أن توفى، وكانت وفاته/ فى يوم الثلاثاء غرة شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة، وعمره سبعون سنة إلا شهورا، ومدة ولايته خمس وعشرون سنة ونصف شهر وكان مستبدا بآرائه، مخالفا لنصحائه، ليّن الجانب جدا. بلغ من لينه أنّ ابنه مطرّفا قتل أخاه محمد بن عبد الله والد الناصر فلم ينكر عليه ذلك، بل قال له: قد سوّغتك قتل أخيك فالله الله فى ابن أمية (يعنى وزيره) فإنك إن قتلته قتلتك به! ثم حذّر ابن أمية من مطرّف، وكان مطرّف قد عزم على خلعه فلم يمكنه ذلك لمكان ابن أمية، فعمل عليه حتى قتله. ولما مات عبد الله ولى بعده ابن ابنه عبد الرحمن.
ذكر امارة عبد الرحمن بن محمد
هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أمّ ولد اسمها مزنة، وهو الثامن من أمراء بنى أمية بالأندلس.
стр. 8946
بويع له بعد وفاة جدّه، فى مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة.
وقال ابن الرقيق إنه أخ لعبد الله بن محمد، وليس بصحيح! وينقض ذلك عليه أنه قال فيه: ولى وهو ابن أربع وعشرين سنة ووفاة محمد بن عبد الرحمن قبل مولد عبد الرحمن هذا بأربع سنين، وأظنه أشكل عليه أمره، والتبس عليه محمد بن/ عبد الله بجدّه محمد بن عبد الرحمن، والله تعالى أعلم..
قال «١» : ولما ولى عبد الرحمن هذا تلقّب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وهو أوّل من لقّب بأمير المؤمنين ببلاد الأندلس.
وكان من قبله يسمّون ببنى الخلائف، ويسلّم عليهم ويخطب لهم بالإمرة فقط. وإنما تسمّى هذا بأمير المؤمنين لما بلغه ضعف الخلافة بالعراق فى أيام المقتدر بالله، وظهور الشيعة بالقيروان، ودعاؤهم للمهدى. فكان فى ذلك الوقت ثلاثة خلائف تلقّب كل منهم بأمير المؤمنين؛ فالمقتدر بالعراق، والمهدى بالقيروان، وهذا الناصر بالأندلس.
قال: وولى والأندلس نار تضطرم، وجمرة تتقّد شقاقا ونفاقا، فأخمد نيرانها وسكّن زلازلها، وغزا غزوات كثيرة، وكان يشبّه بعبد الرحمن الداخل. ولم يجد من المال ما يستعين به على مصالح جيشه، فاتفق أن صاحب الدّوجر «٢» أغار على قرطبة فى نحو ثلاثمائة فارس فهزمه عبد الرحمن وأسره. فسلّم إليه الحصن بجميع ما فيه فتقوّى به، ثم التقى مع ابن حفصون فى وادى التفاح
стр. 8947
بجيّان- وكان ابن حفصون فى عشرين ألف فارس- فهزمه عبد الرحمن وأفنى أكثر من معه قتلا وأسرا.
وبعث إلى المغرب الأوسط، فملك سبتة وفاس وسجلماسة وعمّرها وغزا الروم بعد ذلك اثنتى عشرة غزوة/ حتى دوّخ بلادها، ووضع عليهم [جزية] «١» يؤدونها. وكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف صانع يصنعون له فى مدينته التى بناها وسمّاها الزهراء، وهى على ثلاثة أميال من قرطبة، أسندها إلى سفح الجبل وساق المياه إليها. وقسمها أثلاثا، فالثلث الذى يلى الجبل لقصوره ومنازله، والثلث فيه دور خدمه وكانوا اثنى عشر ألفا بمناطق الذهب والسيوف المحلاة يركبون لركوبه وينزلون لنزوله، والثلث بساتين تحت مناظره وقصوره. وجلب إليها أنواع الفواكه، قال «٢» : ومن غريب ما بناه فيها مجلس مشرف على البساتين مرفوع على العمد مبنى بالرخام المجزّع، مصفّح بالذهب، مرصّع باليواقيت والجواهر. وصنع أمام المجلس بحرا ملأه بالزئبق فكان النور ينعكس منه إلى المجلس، فحضر إليه القاضى بقرطبة الفقيه منذر بن سعيد البلّوطى «٣» فقرأ «ولولا أن يكون النّاس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج
стр. 8948
عليها يظهرون» إلى قوله تعالى «والآخرة عند ربّك للمتّقين» «١» فقال له وعظت فأحسنت! وأمر بنزع الصفائح.
قال «٢» : وكمل بناء الزهراء فى اثنتى عشرة سنة، بألف بنّاء فى كل يوم، مع كل بنّاء اثنا عشر رقاصا، وسكنها خمسا وعشرين سنة.
وطالت أيام الناصر، وتمكن، واتسعت مملكته./ وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء لليلتين، وقيل لثلاث خلت من شهر رمضان المعظم سنة خمسين وثلاثمائة بالزهراء. وحمل إلى مدينة قرطبة، فدفن بها مع أسلافه من بنى أمية. ومولده فى يوم الخميس لتسع بقين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين ومائتين، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، ومدة ولايته خمسين سنة وستة أشهر وأياما.
وكان شهما صارما، لم يزل منذ ولى يستذل المتغلبين حتى خلصت له جميع الأندلس فى خمس وعشرين سنة من ولايته. وكان له من الأولاد الحكم ولىّ عهده، وعبد الجبار، وسليمان، وعبد الملك، وعبيد الله، والمغيرة، ولما مات ولى بعده ابنه (الحكم)
ذكر امارة الحكم المستنصر بالله
هو أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن
стр. 8949
الداخل، وأمه أم ولد اسمها مرجان، وهو التاسع من أمراء بنى أمية ببلاد الأندلس. بويع له فى شهر رمضان سنة خمسين وثلاثمائة فى جميع مدن الأندلس وثغورها، فأحسن إلى الرعية، وعدل فيهم وضبط الثغر، وغزا الروم فى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، ففتح مدنا جليلة، وسبى وغنم/ وانصرف غانما.
ثم أصابه الفالج فتغيّب عن الناس، فلما كان فى يوم السبت لعشر خلون من المحرم سنة ستّ وستين وثلاثمائة أظهر موته، وقيل توفى فجأة ليلة الأحد لأربع خلون من صفر منها. ومولده فى يوم الجمعة مستهل شهر رجب سنة اثنتين وثلاثمائة، فمات وله من العمر ثلاث وسبعون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، ومدة ولايته خمس عشرة سنة وأربعة أشهر وأيام.
وكان حسن السيرة، جامعا للعلوم مكرما لأهلها، وجمع من الكتب على اختلاف أنواعها ما لم يجمعه غيره من الملوك قبله، واشتراها من سائر الأقطار، وغالى فى أثمانها، فحملت إليه من كل جهة. وكان قد رام قطع الخمر، من الأندلس، وأمر بإراقتها وشدّد فى استئصال شجرة العنب من جميع أعماله. فقيل له إنها تعمل من التين وغيره، فتوقف فى ذلك. وهو الذى رحل إليه أبو على القالى البغدادى صاحب الأمالى «١» ، وأبو بكر
стр. 8950
الزبيدى مختصر كتاب العين «١» . وكان منذر بن سعيد البلوطى قاضية وقاضى أبيه، فلما توفى ولى القضاء ابن بشير الفقيه، فاشترط على المستنصر نفوذ الحكم فيه فمن دونة.
فكان من أخباره أن امرأة منقطعة كان لها أريضة تجاور بعض قصور الأمير، فاحتاج إليها ليبنى فيها شيئا مما أراد بناءه، فساومها الوكيل فى البيع/ فامتنعت، فأخذها الوكيل قهرا وبنى فيها منظرة بديعة وأنفق عليها جملة وافرة. فوقفت المرأة لابن بشير القاضى وقصّت عليه قصتها، فركب حماره وجعل عليه خرجا كبيرا لا يطيق حمله إلا جماعة من الرجال. وقصد الزهراء والمستنصر فى تلك المنظرة، فدخل عليه فقال: ما جاء بالقاضى فى هذا الوقت؟
فقال: أريد ملء هذا الخرج من تراب هذا الموضع! فتعجّب منه الحكم وأمر فملىء الخرج ثم خلا القاضى به فقال: أدل عليك إدلال العلماء على الملوك الحلماء أن لا ينقل هذا الخرج على الحمار إلا أنا وأنت! فضحك الحكم وقال: فكيف نطيق ذلك أيها القاضى؟ فبكى ابن بشير وقال: فكيف نطيق أن نطوق هذا المكان أجمعه من سبع أرضين فى حلقى وحلقك يوم القيامة وأنا شريكك فى الإثم إن رضيت هذا الحكم؟ وقصّ عليه القصة،
стр. 8951
فبكى الحكم وقال: وعظت فأبلغت أيها القاضى! ثم خرج عن المكان وسلّمه إلى المرأة بكل ما بنى فيه وغرس.
قال: وكتب إليه العزيز بن المعز صاحب مصر كتابا يشتمه فيه ويسبه، فكتب إليه «أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لهجوناك، والسلام» وكتب إليه قصيدة يفتخر فيها منها:
ألسنا بنى مروان كيف تبدّلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منا تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر
وكان للحكم من الأولاد هشام، وسليمان، وعبد الله. وحاجبه جعفر الصقلى، المعروف بالفتى!
ذكر امارة هشام المؤيد بالله
هو أبو الوليد هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر بالله، وهو العاشر من أمراء بنى أمية ببلاد الأندلس. بويع له بولاية العهد فى حياة أبيه فى غرّة جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة.
وجدّدت له البيعة فى يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرم سنة ستّ وستين وثلاثمائة. وقيل فى يوم الإثنين لخمس خلون من صفر منها، وهو ابن اثنتى عشرة سنة باتفاق الوزراء. وعلموا أن عمّه المغيرة بن عبد الرحمن ينازعه فى الأمر ويتطاول إلى بعض ما عقد له ويرى أنه أحقّ بذلك منه لصغر سنّه، فهجم عليه فى
стр. 8952
منزله فذبح. وكان الذى تولّى قتله محمد بن أبى عامر الوزير، فصعّب الأمور لهشام.
ولما ولى احتيج إلى مدبر للمملكة، فوقع الاختيار على جعفر ابن عثمان المصحفى، فقلّده هشام حجابته وتدبير أمره، وأشرك معه فى الحجابة غالب بن عبد الرحمن. وقلّد المنصور بن أبى عامر الوزارة- وكان على الشرط والسكة- فانحط المصحفى وارتفع ابن/ أبى عامر، ثم عزل المصحفى عن الحجابة فى يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين وحوقق وطولب بمائة ألف دينار، وتوفى فى المطبق بعد خمسة أعوام، فكانت مدة ولايته ستة أشهر وثلاثة أيام.
ذكر أخبار المنصور محمد بن أبى عامر
قال «١» : ولما عزل المصحفى اتفق الرأى على تقديم محمد بن أبى عامر المعافرى «٢» ، فولى الحجابة فى يوم الإثنين المؤرّخ، وبقى غالب شريكه إلى أن قتل وتفرّد المنصور بالأمر.
قال بعض المؤرخين: كان محمد بن أبى عامر من الجزيرة الخضراء «٣» ، وله بها قدر وأثرة وورد وهو شاب إلى قرطبة واشتغل بالعلم والأدب، وسمع الحديث وتميّز. وكانت له همة يحدّث بها نفسه بإدراك معالى الأمور، وكان يحدّث من يختص به
стр. 8953
بما يقع له من ذلك. وله أخبار كثيرة أورد منها أبو عبد الله الحميدى- فى كتابه المترجم بالأمانى الصادقة- كثيرا قال: ثم علت حاله، وتعلّق بوكالة صبح أمّ هشام المؤيد، والنظر فى أموالها؛ فزاد أمره فى التّرقّى إلى أن مات وولى ابنها هشام، فخافت اضطراب الأمر عليه، فضمن لها سكون الحال وزوال الخوف/ واستقرار الملك لابنها. فساعدته المقادير، وأمدّته المرأة بالأموال فاستمال العساكر إليه، فصار صاحب التدبير والمتغلّب على الأمر.
وحجب هشاما وتلقّب بالمنصور «١» وأقام الهيبة، فدانت له أقطار الأندلس كلها، ولم يضطرب عليه شىء منها لعظم هيبته وحسن سياسته. وكان يدخل إلى القصر ويخرج فيقول: أمر أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا! فلا يعترض عليه فى مقال ولا ينازع فى أفعال.
وكان إذا غزا بلد الروم وكل بهشام من يمنعه من التصرف والظهور والإذن فى دخول أحد من الناس إلى أن يعود من سفره، فإذا كان بعد سنين أركبه وجعل عليه برنسا وألبس جواريه البرانس حتى لا يعرف منهن، ويوكل بالطرقات من يطرد الناس عنها حتى ينتهى إلى الزّهراء وغيرها من المتنزهات، ثم يعيده على مثل ذلك. وليس له من الملك إلا الدعاء على المنابر، وإثبات اسمه
стр. 8954
على السكة والطرر، والمنصور على أتمّ ما يكون من الحزم وسدّ الثغور وإقامة العدل وشمول الناس بالإحسان والفضل. فلم ير فى الضبط وحسن السياسة وأمن السبيل وتوفية حقوق الرياسة بجزيرة الأندلس كأيامه! ودامت له هذه الحال بضعا وعشرين سنة إلى أن توفى، وكانت وفاته فى أقصى الثغور/ بمدينة سالم «١» فى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة فى طريق الغزو.
قال «٢» : وكان رحمه الله تعالى له مجلس فى الأسبوع يجتمع فيه أهل العلم للكلام بحضرته مدة بقائه بقرطبة، قال وختن أولاده فختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائه صبى ومن أولاد الضعفاء ما لم تحص عدتهم، وأنفق فيه خمسمائة ألف دينار.
وكان ذا همة عالية فى الجهاد، مواصلا لغزو الروم «٣» ، وربما خرج لصلاة العيد فيقع له فيه الجهاد، فلا يرجع إلى قصده ويركب من فوره بعد انصرافه من الصلاة، فلا يصل إلى أوائل الدروب إلا وقد لحقه كل من أراد من العساكر. وغزا ستا وخمسين غزاة ذكرت فى المآثر العامرية بأوقاتها، وفتح فتوحا كثيرة، ووصل إلى معاقل جمّة امتنعت على من كان قبله. وملأ الأندلس بالغنائم والسبى.
стр. 8955
قال «١» : وكان إذا انصرف من قتال العدو إلى سرادقه يأمر بنفض غبار ثيابه التى شهد فيها الحرب، ويجمع ويحتفظ به.
فلما حضرته الوفاة أمر أن ينشر على كفنه ما جمع من ذلك إذا وضع فى قبره.
قال: وبنى مدينة الزاهرة بقرب قرطبة، وانتقل إليها بأهله وولده وحواشيه. وكان قد يخوّف من بنى أمية أن يثوروا به، فأخذ فى تقتيلهم صغارا وكبارا، عملا فى الباطن لنفسه وفى الظاهر إشفاقا على المؤيد منهم، حتى أفنى من يصلح منهم/ للولاية، وفرّق الباقين فى البلاد. فكان ممن هرب الوليد بن هشام الخارج على الحاكم بمصر، الملقب بأبى زكوة.
وأخبار المنصور طويلة مشهورة لو استقصيناها لطال الكتاب، وفيما نبّهنا عليه من أخباره وذكرناه من آثاره كفاية. وأخبرنى بعض أهل الأندلس أن على قبره مكتوبا:
آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيان تراه
تالله لا يأتى الزمان بمثله ... أبدا ولا يحمى الثغور سواه
ولما مات ﵀ قام بالأمر بعده ولده.
ذكر المظفر أبو مروان عبد الملك
قال «٢» : وكان الناس قد تجمعوا وقصدوا الزهراء وقالوا:
لا بدّ من ظهور المؤيد وولايته الأمر بنفسه! فلما بلغه ذلك آثر
стр. 8956
الراحة والدعة، وأحضر عبد الملك وخلع عليه وقلّده ما كان بيد أبيه من الولاية، ونعته بالحاجب المظفر سيف الدولة. وأمر فاتن «١» الصغير الخادم أن يخرج إلى المجتمعين فيصرفهم ويخبرهم برضائه بحجبة المظفر، فأخبرهم، فأبوا! وخرج المظفر فقابلته الفئة المجتمعة فهزمهم، وأقام فى الحجبة إلى أن توفى لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة/ تسع وتسعين وثلاثمائة بموضع يقال له القبران «٢» فى غزوته، فحمل فى تابوت ودفن بالزاهرة وعمره ستّ وثلاثون سنة. ومدة ولايته ستة أعوام وأربعة أشهر وأيام وغزا الروم ثمانى غزوات وبأيامه تضرب المثل بالأندلس عدلا وأمنا.
ولما مات ولى الحجبة عبد الرحمن بن المنصور محمد بن أبى عامر وهو أخو المظفر ونعت بالحاجب المأمون ناصر الدولة، ويلقب بشنشول فافتتح أموره بالخلاعة والمجانة، وكان يخرج من منية إلى منية ومن متنزه إلى متنزه بالملاهى والمضحكين، ويجاهر بشرب الخمر والتهتّك. ثم طلب من المؤيد أن يدعو له ويوليه العهد بعده، وهدّده بالفتك به إن لم يفعل، وكثر الإرجاف بذلك.
ثم ركب شنشول من الزاهرة ومعه سائر أهل الخدمة بسلاحهم، والوزير وقاضى الجماعة، والفقهاء والعدول، وأصحاب الشّرط، ووجوه الناس على طبقاتهم. وسار إلى باب القصر بقرطبة، وحضر
стр. 8957
المؤيد هشام، وأخرج كتابا قرىء بحضرته وهو بخط الوزير أبى عمر «١» ، وفيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما عهد به هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين/ إلى الناس عامة، وعاهد الله- عليه من نفسه خاصة، وأعطى به صفقة يمينه بيعة تامّة، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمه ما جعل الله إليه من الإمامة وعصب به من أمره، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشى إن هجم محتوم ونزل مقدور به ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوى إليه وملجأ تنعطف عليه.. أن يكون بلقاء ربه- ﵎ مفرطا فيها ساهيا عن أداء الحقّ إليها ونقض عند ذلك من طبقات الناس من أحياء قريش غيرها ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه وصيانته، بعد اطّراح الهوى والتحرّى للحق والتزلّف إلى الله- ﷻ مما يرضيه. بعد أن قطع الأواصر وأسخط الأقارب فلم يجد أحدا هو أجدر أن يقلده عهده ويفوّض إليه الخلافة بعده، بفضل نفسه وكرم خيمه وشرف مركبه وعلو منصبه، مع تقواه وعفافه، ومعرفته وإشرافه، وحزمه وتقاته.. من المأمون الغيب الناصح الجيب، أبى المطرّف عبد الرحمن ابن محمد المنصور أبى عامر بن أبى عامر، وفقه الله إذ كان أمير المؤمنين- أيده الله- قد ابتلاه واختبره، ونظر فى شأنه واعتبره، فرآه مسارعا/ فى الخيرات سابقا فى الحلبات مستوليا على الغايات جامعا
стр. 8958
للمأثرات! ومن كان المنصور أباه، والمظفر أخاه.. فلا غرو أن يبلغ من سبل البرّ مداه، ويحوى من سبيل الخير ما حواه. مع أن أمير المؤمنين- أكرمه الله- بما طالع من مكنون العلم، ودعاه من مخزون الأمر، أمّل أن يكون قد ولىّ عهده القحطانى الذى حدّث عنه عبد الله ابن عمرو بن العاص وأبو هريرة أنّ النبى ﷺ قال:
لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه.
فلما استوى منه الاختيار، وتقابلت عنده فيه الآثار، ولم يجد عنه مهربا، ولا إلى غيره معدلا.. خرج إليه من تدبير الأمور فى حياته، وفوّض إليه الخلافة بعد وفاته، طائعا راضيا مستخيرا مجتهدا. وأمضى أمير المؤمنين عهده هذا وأجازه وأنفذه، ولم يشترط فيه مثنوية «١» ولا خيارا، وأعطى على الوافاء به فى سرّه وجهره وقوله وفعله عهد الله وميثاقه ودمه وذمّة نبيه محمد ﷺ ، وذمة الخلفاء الراشدين من آله وآبائه، وذمّة نفسه..
أن لا يبدّل، ولا يغيّر ولا يحوّل، ولا يزول، وأشهد الله تعالى وملائكته على ذلك، وكفى بالله شهيدا.. وأشهد من وقع اسمه فى هذا وهو جائز الأمر، ماضى القول والفعل/ بمحضر من ولى عهده المأمون أبى المطرف عبد الرحمن بن المنصور- وفّقه الله- وقبوله ما قلّده، وإلزامه نفسه ما ألزمه، وذلك فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة» .
ثم كتب الوزراء والقضاة والفقهاء شهاداتهم بذلك، فلما تمّ
стр. 8959
له ما أراد من ولاية العهد ودعى له على المنابر، أخذ فى التخليط وارتكاب المحرّمات. ثم عزم على الغزاة، وتقدّم اليه هشام أن يتعمّم هو وسائر الجند ففعل، وخرجوا فى العمائم «١» - وكانوا بها فى أقبح زىّ لمخالفة العادة- وذلك فى يوم الجمعة لاثنتى عشرة خلت من جمادى الأولى.
وسار للغزاة وهى المعروفة بغزوة الطين، وقيل إنه انتهى إلى طليطلة، فأتاه الخبر بقيام محمد بن هشام بن عبد الجبار وخلعه للمؤيد، وأنه أخرب الزاهرة، فخلف الناس لنفسه، ثم تفرقوا عنه، والتحقوا بمحمد بن هشام وكان من أمره وأمر المؤيد ما نذكره فى أيام محمد بن هشام بن عبد الجبار!
ذكر امارة محمد المهدى
هو أبو الوليد محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وهو الحادى عشر من ملوك بنى أمية بالأندلس استولى/ على الأمر فى جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ونحن نذكر سبب ذلك وكيف كان خروجه وكيف استولى على الأمر، لأنّ فى ذلك من الغرائب والحوادث ما يتعين إيراده بسببه ويفيد تجرّبه، ويعتبر به من يتأمله، ويعلم أنّ المقادير تجرى على غير قياس، وإذا أراد الله أمرا هيّأ أسبابه.
وكان ابتداء هذا الأمر أنّ هشام بن عبد الجبار والد محمد المهدى
стр. 8960
هذا قد ترشّح لطلب هذا الأمر لنفسه، وعزم على خلع هشام المؤيد، فبلغ ذلك المظفر عبد الملك فقتل هشام بن عبد الجبار قبل أن يستحكم أمره فى سنة تسع وتسعين. وكان محمد بن هشام جسورا مقداما شجاعا، ولم يتهيأ له أمر لهيبة عبد الملك واجتماع جنده، فلم يزل محمد يترصّد الأمر حتى مات عبد الملك وولى عبد الرحمن. وتطاول لولاية العهد ونالها، وخرج للغزاة- على ما قدّمنا- فخلا البلد من الجند. وقوّى عزم محمد رجلان وهما حسن بن حىّ الفقيه ومطرف بن ثعلبة. وكان محمد يعاشر فى مدة استتاره قوما من الصعاليك لهم إقدام على كل عظيمة، فدسّ بعضهم إلى بعض وأعطاهم من خمسة مثاقيل إلى عشرة وأكثر من ذلك، فاجتمع له منهم نحو أربعمائة رجل./ وطاوعه على ذلك جماعة من المروانيين لخروج الأمر عنهم وصرفه إلى أبى عامر.
وكان عبد الرحمن قد رتّب أمور البلد قبل مسيره، وجعل النظر فى الأموال وتدبير البلد إلى أحمد بن حزم وعبد الله بن سلمة المعروف ابن الشرس، وجعل على المدينة عبد الله بن عمرو المعروف بابن عسفلاجة وهو أحد بنى أبى عامر. وظن شنشول أن الأمور لا تتغير وأن دولتهم قد استحكم أمرها، هذا ومحمد فى تقرير حاله، فشنع الناس أنّ قائما يقوم على بنى الأغلب، فبلغ ابن عسفلاجة الخبر فأظهر البحث وبالغ فى الكشف فلم يتبيّن له شىء وهجم دورا كثيرة فلم يقف على أمر واضح.
فلما كان فى يوم الثلاثاء النصف من جمادى الآخرة مات ابن عبد الجبار بقرطبة، وتقدم إلى ثلاثين رجلا من كفاة أصحابه
стр. 8961
أن يشتملوا على سيوفهم ويدخلوا من باب القنطرة متفرقين حتى يقفوا على السترة التى تشرف على الرصيف والوادى، كما يفعل من يريد التفرّج بذلك المكان. وأمرهم أن لا يحدثوا حدثا حتى يأمرهم وأنذر سفهاءه وواعدهم ساعة قبل زوال الشمس، ففعل أولئك النّفر ما أمرهم به، وكان من سواهم على انتظار الوقت الذى حدّده لهم. وركب محمد بغلته وعبر القنطرة وحده حتى انتهى إلى باب الشكال ومعه نفر من أصحابه كانوا قياما على باب القنطرة/ فاقتحموا باب الشكال فأنكرهم حرس الباب وأرادوا منعهم، فبادر محمد ودخل. وسلّ أولئك النّفر سيوفهم وقصدوه، فقصدهم صاحب المدينة ابن عسفلاجة، فيقال إنه كان يشرب مع حارسين له، فأتاه محمد وهو على أهبة فقتله واحتزّوا رأسه. وتتابع أصحاب محمد من جهاتهم إليه.
واتصل الخبر بأهل الزاهرة عند العصر وقد عظم جمع محمد من أصحابه ومن اجتمع إليه من العوام وأهل البادية، فنقب القصر من ناحية باب السباع ومن ناحية باب الجنان، ولم يقدر حرس القصر على مقاومته.. ووصل إلى القصر من جهة باب السدة وأهل الزاهرة غير مصدقين بالأمر، وظنوا أنه أمر يدفعه صاحب المدينة إلى أن قوى عندهم الخبر بدخول محمد القصر، فكان حسبهم اعتصامهم بالزاهرة فى ليلتهم.
فلما صار محمد داخل القصر أرسل إليه المؤيد هشام يقول له:
تؤمننى على نفسى وأنخلع لك من الأمر! فقال «سبحان الله
стр. 8962
أترانى إنما قمت فى هذا الأمر لأقتل أهل بيتى، وإنما قمت غضبا له ولنفسى وبنى عمى، فإن خلع نفسه طائعا قبلت ذلك، وليس له عندى إلا ما يحبّ.
وأرسل محمد إلى الفقهاء ووجوه الناس فأحضرهم، وكتب كتاب الخلع والبيعة لمحمد، وبات تلك الليلة فى القصر وأهل بالس وهى الزهراء لم يتحرك/ منهم أحد، وكانوا جمعا كبيرا منهم أبو عمرو بن حزم وعبد الله بن سلمة وابن أبى عبيدة وابن جهور، وجماعة من الفقهاء والوزراء والصقالبة- وهم الخصيان- ونفر من الجند والخزان والكتاب.
وأصبح محمد فجعل حجابتة إلى ابن عمه محمد بن المعيرة، وجعل على المدينة ابن عمّه أمّيّة بن إسحاق. وأمرهما بإثبات كل من جاءهما فى الديوان، فلم يبق أحد حتى أثبت نفسه حتى الزهاد والعباد وأئمة المساجد وغيرهم وقبضوا العطاء، وكذلك التجار الأغنياء. واتّبعه سائر أهل البوادى والأطراف، وأرسل حاجبه محمد بن المغيرة فى خلق من العامة لمحاربة أهل بالس فردّوه أقبح ردّ وهزموه إلى داخل قرطبة. ثم كثر العامة فهزموهم إلى بالس، ودخلها الحاجب ونهبت، فسأل الوزراء والصقالبة الأمان فأمّنهم محمد، فساروا إليه فوبخهم ثم عفا عنهم ورد ابن الشرس مع الحاجب لنقل ما ببالس من الأموال والأمتعه والأثاث وقد نهب منه ما لا يحصى، ونهبت ليلة الأربعاء دور كثيرة للعامرية، ونهب ما جاوز بالس من دور الوزراء، وانتهب ما فى الزاهرة حتى قلعت الأبواب والأخشاب، والحاجب مع ذلك ينقل.
стр. 8963
ثم أمر محمد بعد أربعة أيام بكفّ أيدى العامة عن النّهب فمنعوا،/ وتفرّد بنقل ما يريد، فيقال إن الذى وصل إليه من الزاهرة فى ثلاثة أيام ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، ومن الدراهم الأندلسية ألفا ألف ومائة ألف، ووجد بعد ذلك خوابىّ فيها نحو من مائتى ألف دينار، وأطلقت النار فى الزاهرة لعشر بقين من جمادى الآخرة.
وخطب لمحمد بالخلافة وقطعت خطبة هشام وشنشول، وقرئ بعد صلاة الجمعه كتاب بلعن شنشول وذكر مساوئة، وقرئ كتاب آخر من محمد بإسقاط رسوم جارية وقبالات محدثة.
وصلّى محمد بالناس الجمعة لأربع من جمادى الآخرة ودعا لنفسه وتلقّب بالمهدىّ، وقرئ بعد نزوله كتاب على المنبر بالنفير لقتال شنشول. ووصل أهل الأقاليم من أقصى الأندلس، مظهرين عدّة الحرب، وولّى محمد جنده قوادا من طبيب وحائك وجزار وسرّاج، وخرج بهم ونزل يفحص السّرادق، وأمر أهل النواحى بالنزول حول سرادقه.
ذكر أخبار شنشول ومقتله
قال «١» : وأما شنشول فإنه لما بلغه الخبر- وكان قد انتهى إلى طليطلة- عاد إلى قلعة رباح «٢» وقد تخاذل عنه الناس؛ فعزم
стр. 8964
على/ استجلاب الناس لنفسه فامتنعوا وقالوا: قد خلفنا مرة ولا يخلف أخرى! فعلم أنهم خاذلوه، فدعا محمد بن يعلى الزناتى وكان عزم على خذلانه فقال له: ما ترى فيما نحن فيه؟ فقال له: أصدقك عن نفسى وعن الجند ليس والله يقاتل معك أحد منهم! قال ما الدليل على ذلك؟ قال: تأمر بتقديم مطبخك إلى طريق طليطلة وتظهر الرحيل إليها فتعلم من يتبعك ومن يتخلّف عنك! قال: صدقت.
وكان ابن عومس القومس «١» مع شنشول يريد قرطبة معاقدا له يستنصر به على من بناوئه من القمامسة. فلما رأى اضطراب حال شنشول أشار عليه أن يرحل معه إلى بلده، ويكونوا يدا واحدة، ويلجأوا إلى مكان، فأبى ذلك وقال: لابدّ من الإشراف على قرطبة فإنى أرجو أننى إذا اطلعت عليها اختلفت كلمة محمد، ولى أنصار يميلون إلى سلطانى ويحبون ظهورى! فقال له القومس:
خذ باليقين ودع الظن، أمرك والله مختل وجندك عليك لا لك! فقال:
لا بدّ من المسير إلى قرطبة! فقال: أنا معك على كراهية لرأيك وعلم بخطاياك.
وسار شنشول من قلعة رباح والأخبار تتواتر بتظاهر أهل قرطبة مع ابن عبد الجيار، فلما بلغ منزل هانىء فارقه عامّة البربر ليلا، وذلك فى سلخ جمادى الآخرة، ثم فارقه الناس بعد ذلك وبقى فى نفر يسير من خدمه، وابن عومس فى نفر من النصارى،
стр. 8965
فقال له: سر بنا من هنا قبل أن يدهمنا ما يمنعنا من ذلك! فأبى شنشول وقال: قد بعثت القاضى فى طلب الأمان لى. ثم تجبر فى أمره وسار إلى دير يعرف بدير شوش «١» ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رجب.
وبلغ خبره محمد، فأرسل إليه حاجبه فى مائتى فارس، فأرسل الحاجب ابن ذرى مولى الحكم فسبقه إلى الدير فصبحه فى يوم الجمعة، فقال شنشول لما عاينه ومن معه: ما لكم علىّ سبيل، أنا فى طاعة المهدى! فاستنزلوه من الدير ومعه ابن عومس ومن تبعهما، وأخذ نساء شنشول- وهن سبعون جارية- فبعث بهن إلى قرطبة، ولحق الحاجب بابن ذرى قبل العصر من يوم الجمعة. فلما أقبل عليهم نزل شنشول فقبّل الأرض بين يدى الحاجب مرارا، فقيل له:
قبّل حافر فرسه! ففعل وقبّل رجله ويده، ثم حمل على غير فرسه وابن عومس ساكت لم ينطق، وأشار الحاجب بانتزاع قلنسوة شنشول عن رأسه فانتزعت.
ورجع يريد قرطبة، فسار إلى أن غربت الشمس، فنزل وأمر أن يكتف شنشول فعطفت يده عطفا شديدا فقال: نفّسوا عنى وأطلقوا يدى لأستريح ساعة! فنفسوا عن يده، فأخرج من خفّه سكينا كالبرق فعوجل قبل/ أن يصنع شيئا، ثم أضجعه الحاجب وذبحه. وقتل ابن عومس وأخذ رأسيهم، وحمل جثة
следующие страницы →