← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

أن يشتملوا على سيوفهم ويدخلوا من باب القنطرة متفرقين حتى يقفوا على السترة التى تشرف على الرصيف والوادى، كما يفعل من يريد التفرّج بذلك المكان. وأمرهم أن لا يحدثوا حدثا حتى يأمرهم وأنذر سفهاءه وواعدهم ساعة قبل زوال الشمس، ففعل أولئك النّفر ما أمرهم به، وكان من سواهم على انتظار الوقت الذى حدّده لهم. وركب محمد بغلته وعبر القنطرة وحده حتى انتهى إلى باب الشكال ومعه نفر من أصحابه كانوا قياما على باب القنطرة/ فاقتحموا باب الشكال فأنكرهم حرس الباب وأرادوا منعهم، فبادر محمد ودخل. وسلّ أولئك النّفر سيوفهم وقصدوه، فقصدهم صاحب المدينة ابن عسفلاجة، فيقال إنه كان يشرب مع حارسين له، فأتاه محمد وهو على أهبة فقتله واحتزّوا رأسه. وتتابع أصحاب محمد من جهاتهم إليه. واتصل الخبر بأهل الزاهرة عند العصر وقد عظم جمع محمد من أصحابه ومن اجتمع إليه من العوام وأهل البادية، فنقب القصر من ناحية باب السباع ومن ناحية باب الجنان، ولم يقدر حرس القصر على مقاومته.. ووصل إلى القصر من جهة باب السدة وأهل الزاهرة غير مصدقين بالأمر، وظنوا أنه أمر يدفعه صاحب المدينة إلى أن قوى عندهم الخبر بدخول محمد القصر، فكان حسبهم اعتصامهم بالزاهرة فى ليلتهم. فلما صار محمد داخل القصر أرسل إليه المؤيد هشام يقول له: تؤمننى على نفسى وأنخلع لك من الأمر! فقال «سبحان الله

стр. 8962

أترانى إنما قمت فى هذا الأمر لأقتل أهل بيتى، وإنما قمت غضبا له ولنفسى وبنى عمى، فإن خلع نفسه طائعا قبلت ذلك، وليس له عندى إلا ما يحبّ. وأرسل محمد إلى الفقهاء ووجوه الناس فأحضرهم، وكتب كتاب الخلع والبيعة لمحمد، وبات تلك الليلة فى القصر وأهل بالس وهى الزهراء لم يتحرك/ منهم أحد، وكانوا جمعا كبيرا منهم أبو عمرو بن حزم وعبد الله بن سلمة وابن أبى عبيدة وابن جهور، وجماعة من الفقهاء والوزراء والصقالبة- وهم الخصيان- ونفر من الجند والخزان والكتاب. وأصبح محمد فجعل حجابتة إلى ابن عمه محمد بن المعيرة، وجعل على المدينة ابن عمّه أمّيّة بن إسحاق. وأمرهما بإثبات كل من جاءهما فى الديوان، فلم يبق أحد حتى أثبت نفسه حتى الزهاد والعباد وأئمة المساجد وغيرهم وقبضوا العطاء، وكذلك التجار الأغنياء. واتّبعه سائر أهل البوادى والأطراف، وأرسل حاجبه محمد بن المغيرة فى خلق من العامة لمحاربة أهل بالس فردّوه أقبح ردّ وهزموه إلى داخل قرطبة. ثم كثر العامة فهزموهم إلى بالس، ودخلها الحاجب ونهبت، فسأل الوزراء والصقالبة الأمان فأمّنهم محمد، فساروا إليه فوبخهم ثم عفا عنهم ورد ابن الشرس مع الحاجب لنقل ما ببالس من الأموال والأمتعه والأثاث وقد نهب منه ما لا يحصى، ونهبت ليلة الأربعاء دور كثيرة للعامرية، ونهب ما جاوز بالس من دور الوزراء، وانتهب ما فى الزاهرة حتى قلعت الأبواب والأخشاب، والحاجب مع ذلك ينقل.

стр. 8963

ثم أمر محمد بعد أربعة أيام بكفّ أيدى العامة عن النّهب فمنعوا،/ وتفرّد بنقل ما يريد، فيقال إن الذى وصل إليه من الزاهرة فى ثلاثة أيام ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، ومن الدراهم الأندلسية ألفا ألف ومائة ألف، ووجد بعد ذلك خوابىّ فيها نحو من مائتى ألف دينار، وأطلقت النار فى الزاهرة لعشر بقين من جمادى الآخرة. وخطب لمحمد بالخلافة وقطعت خطبة هشام وشنشول، وقرئ بعد صلاة الجمعه كتاب بلعن شنشول وذكر مساوئة، وقرئ كتاب آخر من محمد بإسقاط رسوم جارية وقبالات محدثة. وصلّى محمد بالناس الجمعة لأربع من جمادى الآخرة ودعا لنفسه وتلقّب بالمهدىّ، وقرئ بعد نزوله كتاب على المنبر بالنفير لقتال شنشول. ووصل أهل الأقاليم من أقصى الأندلس، مظهرين عدّة الحرب، وولّى محمد جنده قوادا من طبيب وحائك وجزار وسرّاج، وخرج بهم ونزل يفحص السّرادق، وأمر أهل النواحى بالنزول حول سرادقه. ذكر أخبار شنشول ومقتله قال «١» : وأما شنشول فإنه لما بلغه الخبر- وكان قد انتهى إلى طليطلة- عاد إلى قلعة رباح «٢» وقد تخاذل عنه الناس؛ فعزم

стр. 8964

على/ استجلاب الناس لنفسه فامتنعوا وقالوا: قد خلفنا مرة ولا يخلف أخرى! فعلم أنهم خاذلوه، فدعا محمد بن يعلى الزناتى وكان عزم على خذلانه فقال له: ما ترى فيما نحن فيه؟ فقال له: أصدقك عن نفسى وعن الجند ليس والله يقاتل معك أحد منهم! قال ما الدليل على ذلك؟ قال: تأمر بتقديم مطبخك إلى طريق طليطلة وتظهر الرحيل إليها فتعلم من يتبعك ومن يتخلّف عنك! قال: صدقت. وكان ابن عومس القومس «١» مع شنشول يريد قرطبة معاقدا له يستنصر به على من بناوئه من القمامسة. فلما رأى اضطراب حال شنشول أشار عليه أن يرحل معه إلى بلده، ويكونوا يدا واحدة، ويلجأوا إلى مكان، فأبى ذلك وقال: لابدّ من الإشراف على قرطبة فإنى أرجو أننى إذا اطلعت عليها اختلفت كلمة محمد، ولى أنصار يميلون إلى سلطانى ويحبون ظهورى! فقال له القومس: خذ باليقين ودع الظن، أمرك والله مختل وجندك عليك لا لك! فقال: لا بدّ من المسير إلى قرطبة! فقال: أنا معك على كراهية لرأيك وعلم بخطاياك. وسار شنشول من قلعة رباح والأخبار تتواتر بتظاهر أهل قرطبة مع ابن عبد الجيار، فلما بلغ منزل هانىء فارقه عامّة البربر ليلا، وذلك فى سلخ جمادى الآخرة، ثم فارقه الناس بعد ذلك وبقى فى نفر يسير من خدمه، وابن عومس فى نفر من النصارى،

стр. 8965

فقال له: سر بنا من هنا قبل أن يدهمنا ما يمنعنا من ذلك! فأبى شنشول وقال: قد بعثت القاضى فى طلب الأمان لى. ثم تجبر فى أمره وسار إلى دير يعرف بدير شوش «١» ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رجب. وبلغ خبره محمد، فأرسل إليه حاجبه فى مائتى فارس، فأرسل الحاجب ابن ذرى مولى الحكم فسبقه إلى الدير فصبحه فى يوم الجمعة، فقال شنشول لما عاينه ومن معه: ما لكم علىّ سبيل، أنا فى طاعة المهدى! فاستنزلوه من الدير ومعه ابن عومس ومن تبعهما، وأخذ نساء شنشول- وهن سبعون جارية- فبعث بهن إلى قرطبة، ولحق الحاجب بابن ذرى قبل العصر من يوم الجمعة. فلما أقبل عليهم نزل شنشول فقبّل الأرض بين يدى الحاجب مرارا، فقيل له: قبّل حافر فرسه! ففعل وقبّل رجله ويده، ثم حمل على غير فرسه وابن عومس ساكت لم ينطق، وأشار الحاجب بانتزاع قلنسوة شنشول عن رأسه فانتزعت. ورجع يريد قرطبة، فسار إلى أن غربت الشمس، فنزل وأمر أن يكتف شنشول فعطفت يده عطفا شديدا فقال: نفّسوا عنى وأطلقوا يدى لأستريح ساعة! فنفسوا عن يده، فأخرج من خفّه سكينا كالبرق فعوجل قبل/ أن يصنع شيئا، ثم أضجعه الحاجب وذبحه. وقتل ابن عومس وأخذ رأسيهم، وحمل جثة

стр. 8966

شنشول، وسار بها إلى القصر بقرطبة. فأمر محمد بشقّ بطنه ونزع ما فيه وحشى بعقاقير تحفظه، ثم نصب رأسه على قناة ووقف به على باب السدة ثم ركّب على جسده، وكسى قميصا وسراويل، وأخرج فسمّر على خشبة على باب السدة. وأمر الرّسّان صاحب شرطه شنشول أن ينادى: هذا شنشول المأمون! ثم يلعنه ويلعن نفسه، وذلك فى يوم السبت لأربع خلون من شهر رجب. وكانت مدة ولاية شنشول أربعة أشهر وأياما، وكان قبيح الفعال كثير التخليط متجاهرا بالفسق، شهد عليه بأشياء لا تصدر عن مسلم، منها أنه سمع المؤذن يقول «حىّ على الصلاة» فقال: لو قال حىّ على الكبير لكان خيرا له! وكثير من هذا القول وما يناسبه، وانقرضت الدولة العامرية بمقتل شنشول. قال إبراهيم بن الرقيق «١» : ومن أعجب ما رأيناه أنه كان من نصف نهار يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة إلى نصف نهار الأربعاء الذى يليه، فتحت مدينة قرطبة وهدمت مدينة الزاهرة، وخلع خليفة وهو هشام بن الحكم، وولى خليفة وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وزالت دولة/ بنى عامر، وحدثت دولة بنى أمية، وقتل وزير وهو ابن عسفلاجة، وأقيمت جيوش من العامة، ونكب خلق من الوزراء، وولى الوزارة آخرون، وكان ذلك على أيدى عشرة رجال حجّامين وجزارين وحاكة وزبالين، وهم جند ابن عبد الجبار!

стр. 8967

قال «١» : وفى يوم الخميس لسبع خلون من شهر رجب وصل كتاب واضح من مدينة سالم إلى محمد بسمعه وطاعته وإظهار الاستبشار بمقتل شنشول، فسرّ به محمد وشكر ذلك لواضح، وحمل إليه مالا كثيرا وكساء وفرشا وطرائف، وولّاه سائر الثغر. قال: ولما استوثق الأمر لمحمد أسقط من جنده نحوا من سبعة آلاف وعادوا إلى بنيهم فانتفع بهم الناس، ثم نفى جماعة من من الصقالبة العامرية، ثم أخرج بعد ذلك صقالبة القصر وسدّ أبوابه. وأظهر محمد من الخلاعة واللهو والشّرب ما كان يفعله شنشول، واستعمل مائة عود ومائة بوق. وفى شعبان توفى رجل يهودىّ فأخذه محمد وأوقف عليه رجالا من أصحابه، وكان يشبه بهشام فشهدوا عند العامة أنهم وقفوا على هشام ميّتا لا جرح به ولا أثر وأنه مات حتف أنفه. وحضر الفقهاء والعدول وخلق من العامة إلى القصر وصلّوا عليه يوم الإثنين لأربع بقين/ من شعبان وأخفاه عند وزيره الحسن بن حىّ. وفى شهر رمضان سجن محمد سليمان بن عبد الرحمن- وكان قد جعله ولىّ عهده- وسجن جماعة من قريش، وأظهر بغض البربر فكان يسبّهم فى مجلسه.

стр. 8968

ذكر قيام هشام بن سليمان على محمد وما كان من أمره إلى أن قتل قال «١» : ولما شرع محمد بن عبد الجبار فى اطّراح البربر ودبّر فى قتل عشرة منهم، سعى هشام بن سليمان بن عبد الرحمن فى خلع محمد ووافقه جماعة من الجند واحتفل أمره، وخرج إلى فحص السرادق وانضم إليه الذين أسقطهم محمد من جنده، فراسله محمد وقبّح عليه فعله فقال: سجن والدى على غير شىء ولا أدرى ما صنع به! فأطلقه محمد فلم يرجع هشام عن رأيه، وتحرّك بالجند وأحرق سوق السّرّاجين. ثم خذله جنده وأخذوه أسيرا هو وأخوه أبو بكر وأبوه سليمان، فسلموهم إلى محمد؛ فقتل هشاما وأبا بكر صبرا، وذلك لأربع بقين من شوال. ونهبت دور البربر، ونودى فى البلد «من أتى برأس بربرىّ فله كذا وكذا» فشرع أهل قرطبة فى قتل من قدروا عليه منهم، وسبيت نساؤهم، وهرب من سلم من البربر إلى أزملاط «٢» ثم جلوا إلى/ الثّغر. وكان من فرّ بعد قتل هشام سليمان بن الحكم ابن سليمان بن الناصر، فنصبه البربر خليفة. ذكر قيام سليمان بن الحكم المستعين بالله قال «٣» : لما نصبه البربر خليفة نعت نفسه المستعين بالله، واستوزر أحمد بن سعيد، ونهض بمن معه إلى وادى الحجارة

стр. 8969

فدخلوه عنوة، وعرضوا أنفسهم على واضح العامرىّ غلام المنصور ابن أبى عامر صاحب مدينة سالم، فلم يقبلهم، وبعث إليه محمد ابن هشام المهدى قيصر الفتى فى جيش ليعينه على سليمان، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم واضح وقتل قيصر. ولحق واضح بمدينة سالم فتحصن بها، ومنع الميرة عن البربر، فأقاموا خمسة عشر يوما يأكلون الحشيش. فلما اشتد ذلك عليهم أرسلوا إلى ابن مادويه الرومى «١» واستنجد به، وسأله سليمان أن يدخل بينهم وبين ابن عبد الجبار وواضح فى الصلح وقال: يخرج معنا إلى واضح ويرغب إليه فى الإصلاح بيننا وبينه وبين صاحبه، فإن أبى ذلك سرنا إلى قرطبة وناجزنا ابن عبد الجبار! فسارت الرسل إليه فوجدوا رسل ابن عبد الجبار وواضح عنده يسألونه الصلح معهما على أن يعطياه ما اشترط من مدائن الثّغر،/ وأتوه بخيل وبغال ومال وكساء وجوهر وطيب وتحف كثيرة. فأجاب البربر إلى ما أرادوه من الصلح أو الاتفاق معهم على أن يعطوه ما بذل واضح والمهدىّ من مدائن الثغور إذا ظفروا. فقبلوا ذلك منه، وردّ رسل واضح وابن عبد الجبار، ثم أرسل إلى البربر ألف عجلة تحمل الدقيق والشعير وأنواع المأكل وألف ثور وخمسة آلاف شاة وجميع ما يصلحهم من الملبس وغير ذلك. فقويت البربر بذلك، وسار إليهم فى جموعه وساروا إلى مدينة سالم، وأرسلوا واضحا فى الصلح فأبى، فساروا إلى قرطبة فى المحرم

стр. 8970

سنة أربعمائة. واتبعهم واضح بمن معه وقابلهم، فانهزم وقتل خلق كثير من أصحابه، ووصل المنهزمون من أصحابه إلى قرطبة، وملك البربر جميع ما كان فى عسكر واضح. هذا وابن عبد الجبار فى لهوه واستهتاره، ثم خرج إلى فحص السرادق وخندق عليه، وأتاه واضح فى أربعمائة فارس من أهل مدينة سالم، ووصل غلامه يلبق فى مائتى فارس. وأقبل سليمان بالبربر فنادى ابن عبد الجبار أن يخرج كل من بلغ به الحلم «١» من سائر الناس، فلم يتخلف أحد فلا ترى إلا شيخا ضعيفا أو حدثا غرّا وبقّالا ونسّاجا. فلما كان فى يوم السبت منتصف شهر ربيع الأول التقى البربر وأهل قرطبة فحمل عليهم من البربر نحو/ ثلاثين فارسا فلم يقفوا لهم وانهزموا، وسقط بعضهم على بعض. ومضى واضح من فوره إلى الثّغر لم يعرج على شىء.. ووضع البربر السيف فى أهل قرطبة فقتلوا خلقا كثيرا «٢» ، وغرق فى وادى قرطبة ما لا يحصى. وسار ابن عبد الجبار إلى القصر وأظهر هشاما المؤيد وأقعده حيث يراه الناس فى مكان يشرف على باب الشكال والقنطرة، وأرسل القاضى ابن ذكوان إلى البربر يقول: إنما أنا قائم دون هشام ونائب عنه كما يحجبه الحاجب والأمر له، وهو أمير المؤمنين! فلما أبلغهم

стр. 8971

القاضى الرسالة قالوا: بالأمس يموت هشام وتصلّى عليه أنت وأميرك، واليوم يعيش وترجع الخلافة إليه! فاعتذر القاضى من ذلك. ثم خرج أهل قرطبة بأجمعهم إلى سليمان فأكرمهم، وأحسن لقاءهم. ودخل سليمان القصر، وهرب ابن عبد الجبار فكانت مدة ولايته تسعة أشهر. واستنجز ابن مادوية البربر أن يعطوه الحصون التى شرطوها له فقالوا: ليست الآن بأيدينا فإذا عهد سلطاننا أنجزنا لك ما وافقناك عليه! ورحل يوم الإثنين لسبع بقين من شهر ربيع الأول. قال: ثم فرّق سليمان العمال فى الولايات، وأنزل البربر بالزهراء، وأعاد المؤيد إلى السجن، وأنزل شنشول عن خشبته وأمر بغسله والصلاة عليه/ ودفنه، فدفن فى دار أبيه. وأما المهدى محمد بن هشام فإنه هرب إلى طليطلة بعد اختفائه بقرطبة، فوصل فى أول جمادى الأولى فقبله أهلها أحسن قبول، وخالفوا هشام بن سليمان. فتأهب لقصد طليطلة. ورحل يوم الإثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة. فلما قرب منها أرسل الفقهاء إلى أهلها ليعذر إليهم فرجعوا بخلافهم، فسار إليهم. وكان رجل يعرف بالقرشى الحرّانى قد جمع جموعا عظيمة ودعا لنفسه، فسرح إليه سليمان علىّ بن وداعة فى جيش كثيف فهزم جموع القرشى وأسره وأحضره إلى سليمان، فاعتقله ثم قتله. قال: وتجاوز سليمان طليطلة رجاء أن برجعوا إلى الطاعة، ورحل إلى الثغر ونزل على مدينة سالم. ثم التحق بمحمد بن عبد الجبار

стр. 8972

فى جماعة من العبيد، وانضم إليه ابن مسلمة صاحب الشرطة. وخرج واضح من مدينة سالم إلى طرطوشة وكتب إلى سليمان يرغب فى المعافاة من الخدمة ويكون فى ميورقة «١» مرابطا وينقطع عن الناس، وإنما يفعل ذلك تطمينا لسليمان حتى يحكم أمره. فأرسل سليمان إليه بالنظر فى سائر الثغر وجهاد العدوّ، فأخذ واضح فى الاتفاق مع الفرنج وشرط لهم ما أرادوه، واجتمعوا كلهم مع المهدى بطليطلة. / وبلغ سليمان ذلك فاستنفر الناس فاستعفاه أهل قرطبة، وذكروا عجزهم عن القتال فأعفاهم بشفاعة البربر. وخرج لقتال القوم، فالتقوا عند عقبة الثغر فى العشر الأخير من شوّال، فجعل البربر سليمان فى ساقتهم وجعلوا معه خيلا من المغاربة وقالوا له: لا تبرح موضعك ولو وطئتك الخيل! ثم تقدموا فحملت! لفرنج عليهم حملة منكرة فأخرجوا لهم ليتمكنوا منهم، فرأى سليمان خيل الفرنج وقد خرقت صفوف البربر فلم يشك أن البربر قد اصطلمو «٢» ، فانهزم فيمن معه. ثم عطف البربر على الفرنج فقتلوا ملكهم أرمغند، وستين من وجوههم. ورأى البربر هزيمة سليمان فانحازوا إلى الزّهراء، ثر خرجوا منها ليلا. ومضى سليمان إلى مدينة شاطبة «٣» ، فكانت مدة ولاية سليمان سبعة أشهر.

стр. 8973

ذكر دولة المهدى محمد الثانية قال «١» : ولما انهزم سليمان دخل محمد بن هشام بن عبد الجبار قرطبة ومعه الفرنج فأفسدوا غاية الفساد، ونهبوا الأموال، واستطالوا على الناس ثم سألهم المهدىّ وواضح المسير معهما لقتال البربر فخرجوا كلّهم، والتقوا بالبربر بوادى لدة «٢» لستّ خلون/ من ذى القعدة، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم واضح وابن عبد الجبار والفرنج أقبح هزيمة، وقتل فى المعركه يلبق غلام واضح ومؤمن الصقلبى، وتخلّف ابن زرزور مولى الحكم وغيرهم. وقتل من الفرنج أكثر من ثلاثة آلاف وغرق فى البحر كثير، واحتوى البربر على ما فى معسكرهم، ووصل المنهزمون إلى قرطبة فى اليوم الثانى من الوقعة فزاد حنق الفرنج وعاثوا بقرطبة وقتلوا كلّ من يشبّه بالبربر بها. فسألهم محمد وواضح، ورغبا إليهم فى الرجوع معهم لقتال البربر، فأبوا عليهما وقالوا: قد قتل ملكنا وخيارنا ووجوهنا! وفارقوا مدينة قرطبة وعادوا إلى بلادهم، وكان رحيلهم عنها لشدّة خوفهم من البربر، حتى كان الرجل من أهلها يلقى الآخر فيعزيه كما يعزّى من فقد أهله وماله! ثم فرض محمد بن عبد الجبار على أهل قرطبة مالا فأدّوه، وتهيأ للخروج وخرج بواضح وأهل قرطبة والعبيد لقصد البربر. فلما ساروا ثلاثين ميلا كرّوا راجعين إلى قرطبة، وأقام من ورائه سورا

стр. 8974

وتحصن به. هذا والبربر يغيرون فى نواحى قرطبة، وأخذوا الجبل المعروف/ بابن حفصون- وهو كثير الماء والمرعى والثمار والزرع- فزاد ذلك فى قوّتهم. وابن عبد الجبار وجنده فى انهماك على الّلهو وارتكاب المحارم وإظهار الفسق، وإفساد ما قدروا عليه، والنزول على الناس فى دورهم، وقتل من دافعهم، فكره واضح ذلك منه- وكان قد حقد عليه ما أتاه إلى بنى أبى عامر- فأخذ فى التدبير عليه. وبلغ ذلك محمد فجمع ما فى القصر من النفائس وسلمها إلى ابن رافع رأسه- رجل من أهل طليطلة- وأمره بالخروج إليها، وتحيّل فى الخروج فى أثره. فلما كان فى يوم الأحد الحادى عشر من ذى الحجة سنة أربعمائة- وقيل لثمان خلون منه- ركب واضح والعبيد وأهل الثغر وصاحوا: لا طاعة إلا طاعة المؤيد! ثم قصدوا القصر وأخرجوا المؤيد، وأجلسوه على منبر الخلافة وألبسوه لباسها. وكان محمد بن عبد الجبار فى الحمام، فدخل عليه ابن وداعة وأخبره الخبر، فخرج وجاء إلى هشام وأراد أن يجلس إلى جانبه، فأخذ عنبر الخادم بيده ورمى به من على المنبر وأجلسه بين يدى المؤيد. فسبّه المؤيد ووبّخه وعدّد عليه ما أتاه وما فعله معه، فأخذ عنبر بيده وأقامه وأصعده إلى السطح وأراد ضرب عنقة فتعلق به، فتعاورته سيوف العبيد والخدم والصقالبة/ فقتلوه، وأخذوا رأسه ورموا بجثته، فسقطت فى الموضع الذى كانت فيه جثة ابن عسفلاجة لما قتله. فكانت مدة ولايته هذه نحو شهر،

стр. 8975

ومدة مملكته الأولى والثانية عشرة أشهر، وعمره خمسا وثلاثين سنة! ذكر دولة المؤبد هشام الثانية قال «١» : وبايع الأجناد هشاما المؤيد فى يوم الأحد الحادى عشر من ذى الحجة سنة أربعمائة وأحضر بين يديه رأس محمد المهدى، فأمر بإرساله إلى البربر وهم يومئذ بوادى شوش فى خدمة المستعين بالله سليمان بن الحكم، طمعا أنّ البربر يفعلون به كما فعل هو بالمهدى، ويعودون إلى طاعته فيتم أمره وتستقيم دولته. فلما وصل إليهم مع جماعة من أهل قرطبة كادوا يقتلونهم، فمنعهم المستعين بالله بعد أن أفرط فى توبيخهم، فعادوا إلى قرطبة. وتولى واضح العامرىّ حجابة المؤيد، وأمره بحفر الخندق على قرطبة فحفره، وحصنها، قال «٢» : وكان لمحمد بن عبد الجبار ولد بقرطبة عمره نحو ستّ عشرة سنة فاحتال له شيعة أبيه حتى أو صلوه إلى مدينة طليطلة، فقبله أهلها، وأمّروه عليهم. فأغار على بعض ما كان لواضح، فلقيه محارب التجيبى فقهره وأسره وأرسل به إلى واضح، فقتله. قال «٣» : ثم/ قصد المستعين قرطبة فى جموعه من البربر،

стр. 8976

فلم يتمكن منها، فقصد الزهراء فاستولى عليها فى يوم السبت لستّ بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعمائة، وقتل من بها من الجند، وأخذ فى قتال أهل قرطبة، وواضح يتولّى حربه. ثم رحل البربر من الزهراء لخمس بقين من شعبان، وجعلوا يغيرون على البلاد ويخرّبون، فانضم أهل البوادى إلى قرطبة خوفا منهم، فصاروا أكثر من أهلها، وغلت الأسعار فمات أكثرهم جوعا. وقطع البربر الميرة عن قرطبة، فاشتد بها الغلاء فبيع مدّ القمح- وهو قفيزان ونصف بالقروى- بثلاثمائة دينار دراهم وهى مائة مثقال عينا. وجاءت رسل ابن مادويه يستنجزون تسليم الحصون إليه على أن لا يغزوهم ولا يتعرض لشىء من ثغورهم، فرضوا بهدنة وسلّموا إليه مدنا كثيرة وأكثر من مائتى حصن مما افتتحه الحكم بن عبد الرحمن ومحمد بن أبى عامر. وسمع ابن شالوس «١» بما تسلّم ابن مادويه من الحصون، فكاتب على حصون أخرى وتوعّد وتهدّد، فأجيب إلى ما سأل وسلّمت إليه. وأخرب البربر مدنا جليلة، وقتلوا أكثر أهلها، ولم تسلم منهم إلا طليطلة ومدينة سالم، وبلغت خيلهم أندراوه «٢» وما وراءها حتى إنّ الراكب يسير شهورا لا يرى أحدا فى قرية ولا طريق. قال «٣» : واستخف جند قرطبة بواضح حتى صاروا/ يصرحون بسبّه، فعزم على مراسلة البربر فى الصلح لما رأى من اضطراب الجند عليه

стр. 8977

وطمعهم فيه، وأظهر أن ذلك عن رأى هشام لما فيه من الصلاح للعامة والخاصة. فبعث واضح إلى البربر رجلا يعرف بابن بكر فاجتمع بسليمان وعاد بجوابه فقتله الجند فى المجلس- ولم يقدر هشام ولا واضح على منعهم- واحتزّوا رأسه، وطافوا به البلد. فعزم واضح على الهرب إلى البربر، وكان ابن أبى وداعة يعاديه فزحف إلى داره فى عدة من الجند فأخرحوه حاسرا وعاتبوه على ما أتلف من الأموال وما عزم عليه من مصالحة البربر. وضربه ابن أبى وداعة يسيفه وحمل عليه القوم فقتلوه، واحتزوا رأسه وطافوا به، وألقوا جثته فى الرصيف بالموضع الذى ألقى فيه ابن عسقلاجة وابن عبد الجبار، ونهبت دور أصحابه. وولّى هشام ابن أبى وداعة المدينة، فاشتدّ على أهل الريب وهاب الجند وغيرهم، وكان مقتل واضح فى يوم الثلاثاء للنصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعمائة. ثم قدم البربر وسليمان، ونازلوا قرطبة وظاهرها وقد امتلأت أيديهم بالغنائم، وقلّت الأقوات على أهل قرطبة، وعظم عليهم الخطب، واشتد الأمر، وكان بين أهلها والبربر مراسلات وأمور يطول شرحها. كان آخر ذلك أن سليمان ملك قرطبة فى يوم/ الأحد لثلاث خلون من شوّال سنة ثلاث وأربعمائة، وكانت مدة ولاية المؤيد الثانية سنتين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما وفقد المؤيد لخمس خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة.

стр. 8978

ذكر دولة المستعين بالله الثانية قال «١» : ولما فتح سليمان بن الحكم المستعين قرطبة دخل القصر لخمس خلون من شوّال وتلقّب بالظافر بحول الله، وأحضر هشاما ووبخه وقال: قد كنت تبرأت لى من الخلافة فأعطيت صفقة يمينك فما حملك على نقض عهدك؟ فاعتذر أنه مغلوب عليه، وتبرأ له، وسلّم الأمر إليه. وضرب سرادق سليمان بشقنده، ونزل البربر حوله، وهرب كثير من موالى بنى أمية فاحتوى البربر عليها واقتسموا البلد بينهم. وطالب سليمان الناس بالأموال فغرمهم فوق طاقتهم، واشتد أمر البربر على الناس فاستباحوا الأموال والحريم وسليمان لا يمكنه دفعهم وليس فى يده مع قرطبة غير إشبيليه ولبلة والشنبة وباجة. وكان فى عسكره رجلان «٢» من ولد الحسن بن على بن أبى طالب وهما القاسم وعلى ابنا حمّود بن ميمون فقوّدهما على المغاربة، ثم ولّى عليا الأصغر منهما سبتة «٣» وطنجة «٤» ،/وولى القاسم الجزيرة الخضراء، وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق «٥» ، وسعة البحر هناك ثمانية عشرة ميلا.

стр. 8979

وكانت العبيد لما خرجوا من قرطبة عند دخول البربر إليها ملكوا مدنا عظيمة وتحصّنوا فيها، فراسلهم على بن حمّود وذكر أنّ هشام بن الحكم لما كان محاصرا بقرطبة كتب إليه يوليه عهده فاستجاب له العبيد وبايعوه. فزحف من سبتة إلى مالقة «١» وفيها عامر بن فتوح الفائقى مولى فائق- مولى المستنصر- فأطاعه وأدخله مالقة. فملكها علىّ بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور العبيد إلى قرطبة، فأخرج له المستعين ولده- ولى عهده محمد بن سليمان- فى عساكر البربر، ومعه أحمد بن سعيد الوزير. فانهزموا، ورجع محمد بن عبد الله الزناتى إلى قرطبة، وأخرج المستعين بالله وضمن له أن يقاتل بين يديه. فلما قربوا من عسكر على بن حمود قادوه بلجام بلغلته وسلموه لعلى، فلما حصل فى يده دخل القصر فى يوم الأحد لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة، وضرب عنق سليمان بيده وقتل أباه الحكم- وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة- فكانت مدة ولاية سليمان ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياما. وكان مولده سنة أربع/ وخمسين وثلاثمائة، وكان أديبا شاعرا، فمن شعره: عجبا يهاب اللّيث حدّ سنانى ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان وهى أبيات عارض بها العباس بن الأحنف فى أبياته التى أنشدها على لسان الرشيد التى أولها: ملك الثلاث الآنسات عنانى ... وحللن من قلبى بكلّ مكان

стр. 8980

وقد ذكرنا ذلك فى باب الغزل والنسيب، قال «١» : ولما قتل سليمان بن الحكم هذا انقطعت دعوة بنى أمية من سائر اقطار الأندلس وقامت دعوة الفاطميين بها. وولى منهم ثلاثة ملوك وهم على بن، حمود، والقاسم بن حمود أخوه، ويحيى بن على، ثم عادت بعد ذلك الدعوة الأمويه على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر امارة الناصر على بن حمود ابن ميمون بن أحمد بن على بن عبد الله بن عمر بن إدريس ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، ملك قرطبة لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة على ما ذكرناه، وخوطب بأمير المؤمنين، وتلّقب بالناصر «٢» . ولما دخل/ قرطبة أحضر الفقهاء والوزراء وسأل سليمان بحضرتهم عن المؤيد فقال «مات» فألزمه أن يريه قبره فأخرجه دفينا لا أثر فيه فأمر بتكفينه ودفنه فى الروضة. ثم استفتى الفقهاء فى قتل سليمان، فقتله هو وأباه الحكم وأخاه عبد الله وولده سليمان فى وقت واحد، وتمّ لعلى ما أراد واستقامت أموره. وفى سنة ثمان وأربعمائة خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه، وقدّموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر [أخا المهدى] وسمّوه المرتضى وزحفوا به إلى قرطبة، ثم ندموا على إقامته لما رأوه من صرامته، وخافوا عواقب تمكّنه فانهزموا عنه

стр. 8981

ودسّوا عليه من قتلة غيلة. وبقى علىّ بن حمود بقرطبة إلى آخر سنة ثمان وأربعمائة فقتله صقالبته فى الحمام، فكانت مدة ولايته سنة واحدة وعشرة أشهر، وكان له من الوالد يحيى وإدريس. ذكر ولاية المأمون القاسم بن حمود بن ميمون الفاطمىّ ولى بعد مقتل أخيه الناصر فى أواخر سنة ثمان وأربعمائة، وكان أسنّ من الناصر بعشرة أعوام، ونعت نسفه بالمأمون/ وكان يحبّ الموادعة، فأمن الناس معه. وكان يذكر عنه أنه يتشيّع ولم يظهر ذلك، ولا غيّر للناس عادة ولا مذهبا، وكذلك سائر من ولى منهم بالأندلس. فبقى القاسم إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وأربعمائة، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن على بن حمّود بمالقة «١» ، فهرب القاسم عن قرطبة بغير قتال، وصار إلى إشبيلية. وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر، فدخل قرطبة دون مانع، وتسمّى بالخلافة وتلقّب، فبقى كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر، وزحف بهم إلى قرطبة فدخلها فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وهرب يحيى بن على إلى مالقة، فبقى القاسم بقرطبة شهورا.. ثم اضطرب أمره، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة الخضراء وكانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره. وغلب ابن أخيه إدريس بن على [شقيق يحيى] صاحب سبتة على طنجة، وكانت عدة القاسم يلجأ إليها إن رأى

стр. 8982

ما يخاف. وقام عليه جماعة أهل قرطبة فى المدينة، وأغلقوا أبوابه دونه، فحاصرها نيّفا وخمسين يوما، ثم زحف أهل قرطبة فانهزموا عن القاسم. ولحقت كلّ طائفة ببلد فغلبت عليه، وذلك فى شعبان سنة أربع عشرة وأبعمائة وأعاد أهل قرطبة الدولة الأموية/ على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال «١» : وأما القاسم فقصد إشبيلية وبها ابناه محمد والحسن فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما، وضبطوا بلدهم وقدّموا على أنفسهم ثلاثة رجال؛ منهم القاضى أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد اللخمى، ومحمد بن مرثم الإهابى، ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدى، ومكثوا كذلك أياما مشتركين فى سياسة البلد وتدبيره، ثم انفرد القاضى أبو القاسم بن عباد على ما نذكره إن شاء الله. ولحق القاسم بشريسش «٢» ، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، وحصروا القاسم حتى صار فى قبضة ابن أخيه. وانفرد بولاية البربر، وبقى القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس إلى أن مات إدريس، فقتل القاسم خنقا فى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة فدفنه هناك.

стр. 8983

وكانت ولاية القاسم تّسمّى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسّره ابن أخيه ستّة أعوام، ثم كان مقبوضا عليه ستّ عشرة سنة عند ابنى أخيه إلى أن مات- قيل ومات وهو ابن ثمانين سنة- وله من الولد محمد والحسن وأمهما أميرة بنت الحسن بن فنون بن إبراهيم العلوى. ذكر ولاية المعتلى يحيى بن على وكنيته أبو إسحاق، وقيل أبو محمد تسمّى بالخلافة بقرطبة فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ثم هرب منها إلى مالقة فى سنة أربع عشرة. ثم سعى قوم من المفسدين فى إعادة دعوتة بقرطبة فى سنة ستّ عشرة ولم يدخلها، واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف، ثم قطعت خطبته من قرطبة فى سنة سبع عشرة. وبقى يتردد إليها بالعساكر إلى أن اتفق جماعة البربر على طاعته، وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره فصار بقرمونة ليحاصر مدينة إشبيليه. فخرج يوما وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة، «١» فلقيها وقد كمن له كمناء، فلم يكن بأسرع من أن قتل، وذلك فى يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة سبع وعشرين وأربعائة، وكان له من الولد الحسن وإدريس.

стр. 8984

ذكر عود الدولة الأموية بمدينة قرطبة ومن ولى منهم (أ) ذكر امارة المستظهر بالله هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار- أخو المهدى- بويع له بالخلافة بقرطبة لثلاث عشرة من شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربمائة. وذلك أن أهل قرطبة لما هزموا البربر وأخرجوا القاسم- كما قدمنا- اتفق رأيهم على ردّ الأمر إلى بنى أمية. فاختاروا منهم ثلاثة، وهم عبد الرحمن هذا، وسليمان بن المرتضى، ومحمد بن عبد الرحمن. فاتفق رأيهم على إمارة عبد الرحمن فبايعوه، وتلقب بالمستظهر، وكان مولده فى ذى القعدة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. وقام عليه محمد بن عبد الرحمن مع طائفة من أرذال العوام فقتل عبد الرحمن لثلاث بقين من ذى القعدة منها، وقيل لثلاث خلون منه. وكان فى غاية الأدب، وله شعر. وزيره الفقيه أبو محمد على بن أحمد بن حزم «١» . (ب) ذكر امارة المستكفى بالله هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر بن هشام المستظهر، وأمه أم ولد اسمها

стр. 8985

حوراء «١» ولى بعد قتل المستظهر لثلاث خلون أو بقين من ذى القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة، وله ثمان وأربعون سنة. وكان أبوه ممن قتله الوزير محمد بن أبى عامر فى أوّل دولة المؤيد هشام لسعيه فى القيام وطلبه الأمر، فولى محمد هذا عشرة أشهر وأياما، وخلغ. وقيل بل خلع فى يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ستّ عشرة، وخرج من قرطبة يريد الثّغر فمات بقرية من قرى شنت مرية فى أول شهر ربيع الآخر منها، فكانت مدة مملكته بقرطبة على هذا القول سنة وأربعة أشهر. وكان الحاكم فى أيامه صاحب المظالم محمد بن عبد الرؤوف. وكان محمد بن عبد الرحمن فى نهاية التخلف، صاحب أكل وشرب ونكاح، ولم يزل متغلّبا عليه طول ولايته لا ينفذ له أمر، ولا عقب له. وقيل فى وفاته إنه لما هرب من قرطبة سار حتى انتهى إلى قرية يقال لها سمّونت من أعمال مدينة سالم، فجلس ليأكل وكان معه عبد الرحمن بن محمد بن السليم- من ولد سعيد بن المنذر- فكره التمادى معه، فسمّه فى دجاجة فمات لوقته، فقبره هناك. ولما خلع أعيدت خطبة يحيى ابن علىّ الفاطمىّ، ثم قطعت وأعيدت الخطبة للدولة الأموية. (ج) ذكر ولاية المعتمد على الله هو أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو المرتضى «٢» ، بويع له فى شهر ربيع الأول

стр. 8986

سنة ثمانى عشرة وأربعمائة، وقيل فى يوم الجمعة سلخ شهر ربيع الآخر منها. وذلك أنه لما قطعت خطبة يحيى بن على «١» فى سنة سبع عشرة وأربعمائة اجتمع رأى أهل قرطبة على ردّ الأمر إلى بنى أميه، وكان عميدهم فى ذلك الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور. فراسل أهل الثغور فى ذلك فاتفقوا عليه بعد مدة، فبايعوا لأبى بكر وهو بالثغر فى حصن البونت «٢» عند أبى عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم. فبقى يتردّد فى الثغور سنتين وعشرة أشهر- وقيل سبعة أشهر وثارت هناك فتن كثيرة يطول شرحها، واضطراب شديد من الرؤساء بها، إلى أن اتفق رأيهم على أن يسير إلى قرطبة الملك. فسار إليها، ودخلها فى يوم منى ثامن ذى الحجة سنة عشرين وأربعمائة. ولم يقم إلا يسيرا حتى قامت عليه فرقة من الجند، فخلع! قال بعض المؤرخين: كان سبب خلعه أنّ وزيره ومدبّر أمره أبا العاص الحكم بن سعيد كان فاسد/ الطريقة، ولم يكن له سابقة رئاسة. فكرهه الناس فدسّوا عليه فى بعض الطرق من قال نصيحة تقربه منه- وكان أطروشا- فأصغى إليه ليقولها فى أذنه، فجرّه عن دابته فقتل. وخلع المعتمد، وخرج إلى الثغر لينتزعه من يد المنذر بن يحيى،

стр. 8987

فمات بلاردة «١» - وهى فى مملكة سليمان بن هود- فى يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. قال: وولى قرطبة بعده قريب من ستّة، ثم دعى للمؤيد هشام- وذكر أنه حىّ- فى يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة إلى أن أشيع موت هشام هذا. فتغلب على قرطبة أبو الحزم بن جهور- على ما سنورده- وانقطعت دعوة بنى أمية من سائر البلاد إلى هلم. وكانت مدة ملك بنى أمية ببلاد الأندلس- من سنة ثمان وثلاثين ومائة وإلى هذا التاريخ- مائتى ستة وتسعين، وعدة من ملك منهم خمسة عشر ملكا وهم «٢» : عبد الرحمن بن معاوية الداخل، هشام بن عبد الرحمن، الحكم بن هشام المرتضى، عبد الرحمن بن الحكم، محمد ابن عبد الرحمن الأمين، المنذر بن محمد بن عبد الرحمن، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله،/ الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن، هشام المؤيد بالله (دفعتين) ، محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدى (دفعتين) سليمان بن الحكم المستعين بالله (دفعتين) . ثم انقطعت دعوتهم بقيام العلويين سبع سنين، وعادت بقرطبة بإمارة المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، ثم المستكفى بالله

стр. 8988

محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، ثم المعتمد على الله أبو بكر هشام ابن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.. ذكر أخبار الأندلس ومن ملكها بعد انقطاع الدعوة الأموية قال «١» : ولما انقطعت دعوة بنى أمية بعد خلع هشام تعلّب كلّ رئيس على بلد، واستولى عليها، ونحن نذكر ذلك على سبيل الاختصار. فأما قرطبة فاستولى عليها الوزير أبو الحزم جهور ابن محمد بن جهور بن عبد الله بن محمد بن العمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبى عبيدة. قال:/ وكان من وزراء الدولة العامرية قديم الرئاسة موصوفا بالدهاء والعقل، لم يدخل فى شىء من الفتن قبل ذلك. فلما خلا له الجوّ وأمكنته الفرصة وثب عليها، فتولّى الأمر واستقلّ به، ولم ينتقل عن رتبة الوزارة إلى الإمارة ظاهرا، بل دبّر تدبيرا حسنا لم يسبق إليه. وجعل نفسه ممسكا للوضع إلى أن يجىء مستحقّ يتفق عليه الناس فيسلمه إليه، ورتّب البوابين والحشم على أبواب تلك القصور- على ما كانت عليه أيام الدولة- ولم يتحول عن داره إليها. وجعل ما يرفع من الأموال السلطانية بأيدى رجال رتّبهم لذلك وهو المشرف عليهم، وصيّر أهل الأسواق جندا وجعل أرزاقهم رؤوس أموال تكون بأيديهم

стр. 8989

يأخذون ربحها خاصة ورؤوس الأموال باقية، يؤخذون ويراعون فى الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها. وفرق السلاح عليهم وأمرهم أن يجعلوه فى الدكاكين والبيوت، حتى إذا دهم أمر ليلا أو نهار كان سلاح كلّ واحد معه، وكان يشهد الجنائز ويعود المرضى. وكانت قرطبة فى أيامه حرما يأمن فيه كلّ خائف، ولم تزل أيامه على أحسن نظام وأكمل اتّاق إلى أن توفى فى صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وتولى بعده ابنه محمد. ذكر ولاية أبى الوليد محمد بن جهور ولى بعده أبيه فجرى على سنّته فى تدبير الأمور ورعاية قلوب الرعية إلى أن مات، وغلب عليها الأمير الملقّب بالمأمون صاحب طليطلة إلى أن مات، ثم استولى ابن عباد على قرطبة على ما نذكره. ذكر أخبار مدينة طليطلة ومن ملكها بعد بنى أمية وكيف كان استيلاء الفرنج عليها أول من تغلّب عليها بعد بنى أمية مع بقائهم بقرطبة رجل يقال له ابن يعيش، وذلك أن أهلها لما خلعوا طاعة بنى أمية قدّموه على أنفسهم وولّوه أمرهم، فلم تطل مدته. وصارت رئاسته إلى إسماعيل ابن عبد الرحمن بن عامر بن مطرّف بن ذى النون الهوارى «١» ، فتغلب على طليطلة. ولم تزل بيده إلى أن توفى فى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فقام بعده ابنه.

стр. 8990

ذكر ولاية المأمون يحيى بن اسماعيل ولى طليطلة بعد أبيه، ولما ولى أراد أن يستعين بالفرنج على ما/ حوله من المدائن والحصون لينتزعها ممن هى بيده. فكتب إلى ملك من ملوك الفرنج- كان قريبا منه وبينهما مودة ومراسلة- يقال له شنشكند «١» وقال له «اخرج إلىّ فى مائة من فرسانك وإننى فى مكان كذا لأجتمع بك فى أمر لك فيه راحة» فخرج إليه شنشكند فى ستة آلاف فارس، وخرج ابن ذى النون فى مائتى فارس من عسكر طليطلة. وكمّن الفرنجىّ أصحابه خلف جبل بالقرب من الموضع وقال لهم: إذا رأيتمونا قد اجتمعنا فاخرجوا إلينا بأجمكم! فلما فعلوا ذلك ورآهم المأمون سقط فى يده، وحيل بينه وبين عقله فقال له شنشكند: يا يحيى وحقّ الإنجيل ما كنت أظنّك إلّا عاقلا وإذا بك أحمق خلق الله، خرجت إلىّ فى هذا العدد القليل وسلّمت إلىّ مهجتك بغير عهد كان بينى وبينك قبل خروجك ولا دين بجمعنا وقد أمكننى الله منك، وحقّ الإنجيل لا نجوت منى حتى تعطينى الحصن الفلانى والحصن الفلانى- وسمّى حصونا من حصون المسلمين بين طليطلة وبينه- وتجعل لى عليك مالا فى كل سنة!. فأجابه يحيى إلى ما طلب، وسلّمّ إليه الحصون، ورجع إلى طليطلة شر رجوع. وتواتر الخذلان عليه إلى أن مات فى سنة ستين

стр. 8991

وأربعمائه، وصارت ولايته إلى ابنه القادر يحيى، فدام يطليطلة/ إلى أن ملكلها الفرنج. قال: ولما ملك امتدت يده إلى أموال الرعية، واستعمل السفلة وأهل الثغور، ولم تزل النصارى تطوى حصونه حصنا بعد حصن حتى استولوا على طليطلة فى سنة ثمان وسبعين بعد أن حاصرهم ألفونش «١» سبع سنين وملكها، واتخذها دار ملك، وغيّر جامعها كنيسة وردّ المسلمين إلى مسجد غيره وعوّضهم مالا وقال: هذه كنيسة كانت لنا فردّها الله علينا! وانتقل القادر بالله إلى بلنسية فقبله القاضى الأحنف بن حجاب. ذكر أخبار دولة بنى عباد وابتداء أمرهم ومن ملك منهم إلى أن انقضت مدّتهم وانقرضت دولتهم أول من قام منهم القاضى محمد بن إسماعيل بن قريش ين عبّاد ابن عمرو بن عطاف بن نعيم- ونعيم وابنه عطاف هما دخلا إلى الأندلس من المشرق- وهم من لخم من بنى المنذر بن المنذر، وفيهم بقول الشاعر: من بنى المنذر وهو انتساب ... زاد فى فخره بنو عبّاد فيه لما تلد سواها المعالى ... والمعالى قليلة الأولاد / وكان محمد بن إسماعيل هذا قد تقدّم بإشبيلية إلى أن ولى القضاء، فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم؛ فرمقته العيون، ومالت

стр. 8992

إليه القلوب. فلما كان فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ولى يحيى ابن علىّ الفاطمى قرطبة، وكان من أمره وأمر عمّه القاسم ما ذكرناه. ثم إنّ أهل قرطبة أخرجوا القاسم بن حمّود فقصد مدينة إشبيلية ثم فارقها، وقصدها بعد ذلك يحيى بن علىّ المعتلى ونزل بقرمونة لحصار مدينة إشبيلية وكانت الرئاسة بها بين ثلاثة- كما ذكرنا ذلك- فاجتمع وجوه المدينة وفيهم حبيب ابن عامر القرشى ومحمد بن مرثم الإهابى ومحمد الزبيدى وغيرهم. وأتوا إلى أبى القاسم محمد بن إسماعيل وقالوا: ما ترى ما نحن فيه وما حلّ بنا من هذا الكافر وما أفسد من أموال الناس، فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر لك وننتصر لهشام! ففعل، وخرجوا لقتال يحيى بن على المعتلى، فركب إليهم وهو سكران فقتل كما قدّمنا. وملك محمد بن إسماعيل إشبيلية، وقالوا له: نخرج إلى قرمونة من قبل أن يسبقك إليها إسحاق ابن عبد الله البرزالى! فهمّ محمد بذلك فسبقه إسحاق وملكها، فكتب محمد إلى يحيى بن ذى النون الهوارى صاحب طليطلة يقول له: اخرج بعسكرك أو ابعث إلى بعسكر مع/ قائد من عندك حتى أخرج إسحاق بن عبد الله من قرمونة، وأنا أعينك على أخذ قرطبة وأجعلها لك ملكا! فلما وصل كتابه إلى المأمون خرج إليه بنفسه فى عسكر كبير، فاجتمعا ونزلا على قرمونة، وحاصراها وأخرجها عنها إسحاق. وأخذها محمد بن إسماعيل وأدخل ولده إليها، وسارا إلى قرطبة وحاصراها.

стр. 8993

فلما رأى [أهلها] «١» ما حلّ بهم كاتبوا محمد بن إسماعيل وقالوا أنت أولى من المأمون بالبلد وأحبّ إلينا منه! فاستوثق منهم ودخلها ليلا ويحيى لا علم له بذلك.، فلما أصبح وعلم الحال رجع بعسكره إلى طليطلة وكتب إلى ابن عكاشة- وهو رجل شجاع كان بيده بعض حصون الأندلس، يقطع حوله السبيل ويقتل التجار ويأخذ الأموال، وهو يظهر ليحيى طاعة مشوبة بمعصية- فأمره أن يجمع أصحابه وعضّده بعسكر كبير ووجههم إلى قرطبة، فتوجهوا إليها وقد فارقها محمد بن إسماعيل إلى إشبيلية وترك ولده بها. فدخلها ابن عكاشة ليلا، ودخل القصر، وقتل كلّ من وجد من الحرس، وذبح ولد محمد بن إسماعيل بيده. فلما بلغ ذلك محمد جمع العساكر وخرج إلى قرطبة، فحصر ابن عكاشة وضيق عليه، فخرج هاربا. واستوثق من الرعية وعاد إلى إشبيلية، فوصل إليها يحيى بن ذى النون/ وتغلّب عليها. فدسّ عليه محمد بن إسماعيل طبيبه، فسمّه، فمات! فعندها خلص الأمر لمحمد بن إسماعيل، وذلك فى سنة أربع وعشرين.. هكذا نقل عز الدين عبد العزيز ابن شدّاد بن تميم بن المعز بن باديس فى كتابه المترجم بالجمع والبيان، وذكر أيضا فى هذا الكتاب أنّ يحيى توفى فى سنة ستين وأربعمائة، وهذا فيه تناف والله تعالى أعلم.

стр. 8994

ذكر أخبار خلف الحصرى المشبّه بالمؤيد هشام وقيام دعوتة بمملكة محمد ابن إسماعيل، وما قيل فى ذلك فأما قيام دعوته فإن محمد بن إسماعيل لما استولى على الأمر فى سنة أربع وعشرين وأربعمائة وتعاظم أمره، حسده أمثاله وكثر الكلام فيه وقالوا «قتل يحيى بن على الحسنى من أهل البيت وقتل يحيى بن ذى النون ظلما» واتّسع القول فيه فبقى يفكر فيما يفعله. فبينما هو كذلك إذ جاءه رجل من أهل قرطبة فقال له: إنى رأيت- هشاما فى قلعة رباح! فقال له محمد: انظر ما تقول! فقال! إنى والله رأيته وهو هشام بلا شك! وكان عند محمد بن إسماعيل عبد من عبيد هشام يسمى تومرت،- وهو الذى كان يقوم على رأس هشام- فقال له محمد:/ إذا رأيت مولاك تعرفه؟ فقال: نعم ولى فيه علامات فأرسل محمد رجلين من الذين ذكروا أنهم رأوا هشاما وقال: توجّها إلى قلعة رباح وائتيانى بهشام! وأسرعا، فتوجّها فوجداه فى مسجد فى قلعة رباح، فدخلا عليه وأعلماه أنهما رسولا القاضى محمد بن إسماعيل إليه. فسار معهما إلى إشبيلية. فلما دخل على القاضى قام إليه وسلم عليه وأنزله ووكل بخدمته تومرت مولاه. فلما رآه تومرت قبل يديه ورجليه وقال للقاضى: هو والله مولاى هشام ابن الحكم. فعند ذلك قام إليه القاضى محمد بن إسماعيل وقبّل رأسه ويديه، وأمر بنيه فدخلوا عليه وفعلوا كفعله، وسلّموا عليه بالخلافة. وأخرجه

стр. 8995

محمد بن إسماعيل فى يوم الجمعة إلى الجامع بمدينة إشبيلية، ومشى هو وبنوه بين يديه رجّالة حتى أتى المسجد، فخطب الناس وصلى بهم الجمعة. وبايعه محمد بن إسماعيل وبنوه وجميع أهل البلد ورجع إلى موضعه، وتولّى محمد بن إسماعيل الخدمة بين يديه وجرى فى ذلك على طريقة ابن أبى عامر، غير أنه يخرج إلى الجمعة والأعياد ويصلى طول مدته، ومحمد فى رتبة الوزارة آمرا وناهيا عنه، واستقام لمحمد أكثر مدن الأندلس، فهذا كان سبب قيام دعوته. وأما ما نقل من أخباره فقد ذكرنا فى أخبار بنى أمية أن/ المستعين بالله سليمان بن الحكم لما فتح قرطبة المرة الثانية فى شوّال سنة ثلاث وأربعمائة أحضره ووبّخه، وأن المؤيد فقد لخمس خلون من شوال. وذكرنا أيضا أنّ الناصر علىّ بن حمّود الفاطمىّ لما ملك قرطبة أحضر المستعين وسأله بحضرة الفقهاء والوزراء عن المؤيد هشام فقال «مات فألزمه أن يريه قبره فأخرجه دفينا لا أثر فيه فأمر الناصر بتكفينه ودفنه فى الروضة. وقيل بل هرب بنفسه إلى المشرق مستخفيا حتى وصل إلى مكة- شرّفها الله- وكان معه كيس فيه جوهر وياقوت ونفقة، فشعر به حرّابة مكة، فأخذوه منه، فمال إلى جهة من الحرم وأقام يومين لم يطعم طعاما. فمضى إلى المروة فأتاه رجل فقال له تحسن عمل الطين؟ قال: نعم! فمضى به إلى تراب ليعجنه ووافقه على درهم وقرصة، فقال له: عجّل القرصة فإنى جائع! فأتاه بها فأكلها، ثم عمد إلى التراب فكان مرة يعجن ومرة يجلس، فلما طال عليه ذلك تركه ومضى هاربا على وجهه.

стр. 8996

وخرج مع القافلة إلى الشام على أسوإ حال، فوصل إلى بيت المقدس، فمشى فى السوق فرأى رجلا يعمل الحصر الحلفاء فنظر إليه فقال له الحصرى: كأنّك تحسن هذه الصناعة! قال: لا! قال: فتقيم عندى/ تناولنى الحلفاء وأجعل لك أجرة على ذلك. قال: أفعل فأقام عنده يناوله ويعاونه على ما يأمره به من أمور صناعته، فتعلم هشام صناعة الحصر، فصار يعملها ويتقوّت منها. وأقام ببيت المقدس أعواما كثيرة لم يعلم به أحد، ثم رجع إلى الأندلس فى سنة أربع وعشرين وأربعمائة.. هكذا روى جماعة من مشايخ الأندلس! وقال الإمام الحافظ أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم فى كتابه المسمى «نقط العروس فى هذه الحكاية: أخلوقة لم يقع فى الدهر مثلها، وإنما ظهر رجل يقال له خلف الحصرى بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام بن الحكم المؤيد وادّعى أنه هشام، وبويع له على جميع منابر الأندلس فى أوقات شتى، وسفك الدماء وتصادمت الجيوش فى أمره. وقال أبو محمد بن حزم: وفضيحة لم يقع فى الدهر مثلها، أربعة رجال فى مسافة ثلاثة أيام فى مثلها يسمّى كلّ واحد منهم يأمير المؤمنين، ويخطب لهم فى زمن واحد أحدهم خلف الحصرىّ المذكور بإشبيلة على أنه هشام بن الحكم المؤيد، والثانى محمد ابن القاسم بن حمّود بالجزيرة الخضراء، والثالث محمد بن إدريس بن على

стр. 8997

ابن حمّود بمدينة مالقه، والرابع إدريس بن يحيى بن على بشنترين «١» . /وأقام المدّعى أنه هشام بن الحكم نيّفا وعشرين سنة والقاضى محمد ابن إسماعيل فى رتبة الوزير بين يديه، والأمر إليه. وقد استقام لمحمد أكثر بلاد الأندلس، ودفع به كلام الحسّاد وأهل العناد، إلى أن توفى هشام المذكور. فاستبد القاضى بالأمر بعده وملك أكثر مدن الأندلس وحصونها. ولم ينتقل عن مدينة إشبيلية بل جعلها دار ملكه، واستقامت له الأمور، وأطاعته المدن والثغور، واجتهد فى جهاد الفرنج. وكان له فى ذلك القدم المشهور، ومات محمد فى عشر الخمسين وأربعمائة، وولى بعده ابنه عباد. ذكر ولاية أبى عمرو عباد بن محمد ولى بعد أبيه وتلقّب المعتضد بالله، وكان فيه كرم وبأس. فطابت أيامه، وحسنت أفعاله، واستقامت له الأحوال، ورفعت له من بلاد الأندلس الأموال. قال «٢» : واتفق له واقعة غريبة فى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وهى أنه شرب ليلة مع رجاله وندمائه فلما عملت فيه الخمر صرفهم وخرج فى الليل ومعه رجل واحد من عبيده. وسار نحو قرمونة وهى [تبعد] «٣» عن مدينة إشبيلية ثمانية عشر ميلا، وكان صاحب قرمونة إسحاق بن سليمان البرزالى وقد/ جرت بينه وبينه حروب.

стр. 8998

فسار عبّاد حتى أتى قرمونة، وكان إسحاق تلك الليلة فى جماعة من أهل بيته يشربون، فدخل عليه بعض خدّامه فقال: إن صاحب الحرس ذكر أنّ المعتضد عبّادا قائم على باب المدينة ليس معه إلا رجل واحد وهو يستأذن عليك! فعجب القوم من ذلك غاية العجب، وخرج إسحاق ومن عنده إلى باب المدينة فسلّم على عبّاد وأدخله إلى القصر، وأمر بتجديد الطعام والشراب. فلما شرع فى الأكل تذكر ما فعل فسقط فى يده ولم يطق أن يسفه، وندم على ما صنع لما يعلم بينه وبين برزال من الحرب وسفك الدماء، فأظهر التجلّد والانشراح ثم قال لإسحاق: أريد أن أنام! فرفعه على الفراش، فأراهم عبّاد أنه نائم، فقال بعض القوم لبعض: هذا كبش سمين حصل لكم، والله لو أنفقتم عليه ملك الأندلس ما قدرتم على حصوله فى أيديكم، وهو شيطان الأندلس وإذا قتل خلصت لكم البلاد! فقام معاذ بن أبى قرّة وكان من كبرائهم فقال: والله لا فعلنا هذا ولا رضينا به، رجل قصدنا ونزل بنا، ولو علم أنّا نرضى فيه بقبيح لما أتانا مستأمنا إلينا، كيف تتحدث القبائل عنّا أننا قتلنا ضيفنا وخفرنا ذمّتنا، فعلى من يرضى هذا لعنة الله! وهو يسمع فنزل عن السرير فقام القوم بأجمعهم/ فقبّلوا رأسه وجددوا السلام عليه فقال لحاجبه: أين نحن؟ قال: فى منزلك وبين أهلك وإخوانك! قال: ائتونى بدواة وقرطاس. فأتوه بهما، فكتب أسماء القوم، وكتب لكلّ واحد بخلعة ودنانير وأفراس وعبيد وجوار، وأمر أن يرسل كلّ واحد منهم رسولا ليقبض

стр. 8999

ذلك. ثم ركب وخرج القوم يشيّعونه إلى قرب إشبيلية، فصرفهم ودخل. وأرسلوا من قبض لهم ما كتب به، ثم أغفلهم ستّة أشهر وكتب إليهم بستدعيهم لوليمة، فجاءه سبعون رجلا منهم فأنزلهم عند رجاله، وأنزل معاذا عنده. وأمر بهم فأدخلوا حماما، وبنى عليهم بابه، فماتوا جميعا، فعزّ ذلك على معاذ بن أبى قرة فقال له عبّاد: لا ترع فإنهم قد حضرت آجالهم وقد أرادوا قتلى، ولولاك ما كنت ناجيا منهم، وإنما جعل الله صيانه دمى بك، فإن أردت الرجوع إلى بلدك رددتك على أجمل الوجوه وأحسنها وأسرّها! فقال له معاذ: بأىّ وجه أرجع أنا دونهم؟ فأمر له المعتضد بألف دينارة وعشرة أفراس وثلاثين جارية وعشرة أعبد، وأنزله فى قصر من أعظم قصوره، وأقطعه فى كلّ عام اثنى عشر ألف دينار، وكان ينفذ إليه فى كل يوم التّحف والطرف. ولم يكن يحضر مجلسه أحد قبله/ إلى أن مات عبّاد فأوصى ولده بمعاذ وقال: يا بنى احفظنى فيه! فجرى فيه على عاده أبيه، ودام بإشليية حتى انقرضت دولة بنى عبّاد. قال بعض أهل إشبيلية: رأيت معاذ بن أبى قرة يوم دخل يوسف بن تاشفين إشبيلية أوّل النهار وعليه ثوب ديباج مخرطم بالذهب وأمامه نحو من ثلاثين عبدا، ورأيته آخر النهار عليه مليس «١» مشتمل به فسبحان من لا يزول ملكه، نسأل الله تعالى أن لا يسلبنا ثوب نعمة أنعمها علينا بمنّه وكرمه.

стр. 9000

وفى أيام عبّاد توفى الإمام الحافظ أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن سعدان بن سفيان بن يزيد الفارسى مولى يزيد بن أبى سفيان بن حرب بن أمية. أصل آبائه من قرية منت ليسم من عمل الولبة «١» من كور غرب الأندلس، وسكن هو وآباؤه قرطبة ونالوا بها جاها عريضا ومالا وممدودا. وولّى ابن أبى عامر جدّه سعيدا الوزارة، وولى أبو محمد هذا الوزارة فى أيام المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الأموى. وكان مولده يوم الأربعاء سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ووفاته فى سلخ شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكانت مدة حياته اثنتين وسبعين سنة وأحد عشر شهرا. وله كثير من لصنّفات،/ ذكر أنه اجتمع مع الإمام أبى الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجى صاحب التواليف- وقيل بل الفقيه إبراهيم الخفاجى- فجرت بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرنى فإن أكثر مطالعتى كانت على سرج الحرّاس! فقال له ابن حزم: وتعذرنى أيضا فإن أكثر مطالعتى كانت على منابر الذهب والفضة! «٢» وفى سنة ستين وأربعمائة توفى المعتضد بالله عبّاد بن محمد، وحكى أنه استحضر مغنيا يغنيه ليجعل أوّل ما يبدأ به فألا فكان أول شعر قاله: نطوى الليالى علما أن ستطوينا ... فشعشعينا بماء المزن واسقينا
следующие страницы →