Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.
стр. 9031
ثم رجعت إلى كتب التاريخ العامة والخاص منها بتاريخ المغرب، لأستطيع أن أخلص إلى نسخة تكاد تكون نسخة المؤلف إن لم تكن هى إياها، مضيفا إليها بعض التعليقات التى تشير فى إيجاز إلى اختلاف النّويرى وانفاقه مع غيره من المؤرخين أو بعضهم.
حسين نصار
стр. 9032
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وبه توفيقى
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار أفريقية وبلاد المغرب
ومن وليها من العمال، ومن استقل منهم بالملك وسميت أيامهم بالدولة الفلانية قد ذكرنا «١» فتوح إفريقية فى خلافة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فى ولاية عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فى سنة ست وعشرين من الهجرة النبوية. وأوردنا ذلك هناك على سبيل الاختصار والإجمال «٢» . ونحن الآن نذكره فى هذا الباب مبينا.
ولم نقدم ذكر أخبار المغرب «٣» وملوكه على أخبار ملوك
стр. 9033
المشرق، إلا أنا لما ذكرنا أخبار الدولة الأموية بالأندلس ومن ملك الأندلس بعد بنى أمية، احتجنا إلى ذكر إفريقية «١» وبلاد المغرب، لتكون الأخبار يتلو بعضها بعضا. ولم نقدم أيضا ذكر الأندلس على إفريقية، مع كون إفريقية فتحت قبل الأندلس إلا للضرورة التى دعت إلى ذكر أخبار الدولة الأموية بالأندلس تلو الدولة العباسية. ولا ضرر فى التقديم والتأخير، لأنا لم نجعل التاريخ على حكم مساق السنين بل على الدول.
وأول دولة قامت على الدولة العباسية الدولة الأموية بالأندلس.
ولنذكر الآن فتوح إفريقية، ومن وليها.
стр. 9034
ذكر فتوح افريقية
كان فتوحها فى سنة سبع وعشرين «١» ، وذلك أن عثمان ابن عفان- رضى الله عنه- لما ولى الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وهو أخو عثمان لأمه. فكان عبد الله يبعث المسلمين فى جرائد الخيل «٢» فيصيبون من إفريقية. ويكتب بذلك إلى عثمان.
فلما أراد عثمان أن يغزى إفريقية استشار الصحابة، فكلّهم أشار عليه بإنفاذ الجيش إليها إلا أبا الأعور سعيد بن أبى يزيد «٣» فإنه كره ذلك. فقال له عثمان: «ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيش؟» قال: «سمعت عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- يقول: لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عينى الماء «٤» ولا أرى لك خلاف عمر» وقام. ثم دعا عثمان زيد بن ثابت ومحمد ابن مسلمة واستشارهما. فأشارا بإنفاذ الجيش.
فندب الناس إلى الغزو. فكان هذا الجيش يسمى جيش
стр. 9035
العبادلة «١» . خرج فيه من بنى هاشم: عبد الله بن عباس وكان واليا على المسلمين وعبيد الله بن عباس «٢» ؛ ومن بنى تيم:
عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، رضى الله عنهما، وعبد الرحمن بن صبيحة «٣» فى عدّة من قومه، ومن بنى عدى:
عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب «٤» وعبيد الله بن عمر، وعاصم بن عمر فى عدة منهم؛ ومن بنى أسد ابن عبد العزّى: عبد الله بن الزّبير فى عدة من قومه؛ ومن بنى سهم: عبد الله بن عمرو بن العاص والمطّلب بن السّائب بى أبى وداعة «٥» ، فى عدة منهم. وخرج فى الجيش مروان بن الحكم، وأخوه الحارث، وجماعة من بنى أميّة، والمسور بن مخرمة ابن نوفل، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعدة من بنى زهرة؛ ومن بنى عامر بن لؤى بن غالب: السائب بن عامر
стр. 9036
ابن هشام «١» ، وبسر بن أرطاة؛ وعدة من بنى هذيل، منهم أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلى- وتوفى بإفريقية وواراه فى قبره عبد الله بن الزبير- وعبد الله بن أنيس «٢» وأبو ذر الغفارى، والمقداد بن عمرو البهرانى «٣» ، وبلال بن الحارث المزنى، وعاصم، ومعاوية بن حديج، وفضالة بن عبيد، ورويفع بن ثابت «٤» ، وجرهد بن خويلد «٥» وأبو زمعة البلوى، والمسيّب بن حزن، وجبلة بن عمرو الساعدى، وزياد بن الحارث الصّدائى، وسفيان بن وهب، وقيس بن يسار بن مسلمة «٦»
وزهير بن قيس، وعبد الرحمن بن صخر «٧» ، وعمرو بن عوف وعقبة بن نافع الفهرى. وخرج من جهينة ستمائة رجل، ومن أسلم حمزة بن عمرو الأسلمى «٨» ، وسلمة بن الأكوع فى
стр. 9037
ثلاثمائة رجل، ومن مزينة ثمانمائة رجل، ومن بنى سليم أربعمائة رجل «١» ، ومن بنى الدّيل وضمرة وغفار خمسمائة رجل، ومن غطفان وأشجع وفزارة سبعمائة «٢» رجل، ومن كعب ابن عمرو أربعمائة رجل «٣» ، وكانوا آخر من قدم على عثمان، والناس معرّسون بالجرف، والجرف على ثلاثة أميال من المدينة «٤» وأعان عثمان الجيش بألف بعير من ماله، فحمل عليها ضعفاء الناس، وحمل على خيل، وفرق السلاح، وأمر للناس بأعطياتهم. وذلك فى المحرم سنة سبع وعشرين.
وخطب عثمان الناس ورغّبهم فى الجهاد. وقال لهم: «قد استعملت عليكم الحارث بن الحكم «٥» إلى أن تقدموا على عبد الله بن سعد، فيكون الأمر إليه. واستودعتكم الله» . وساروا حتى أتوا مصر.
فجمع عبد الله بن سعد جيشا عرمرما، وضمه إليه. فبلغ عسكر المسلمين «٦» عشرين ألفا. واستخلف على مصر عقبة بن نافع، وتوجّه.
стр. 9038
وحكى الزّهرى عن ربيعة بن عباد الدّيلى قال: لما وصلنا قدّم عبد الله الطّلائع والمقدمات أمامه. وكنت أنا أكثر ما أكون فى الطلائع. فو الله إنا لبطرابلس قد أصبنا من بها من الروم قد تحصنوا منا فحاصرناهم، ثم كره عبد الله أن يشتغل بذلك عما قصد إليه، فأمر الناس بالرحيل «١» . فنحن على ذلك إذا مراكب قد أرست إلى الساحل «٢» فشددنا عليها، فترامى من بها إلى الماء. فأقاموا ساعة ثم استأسروا فكتفناهم، وكانوا مائة «٣» . حتى لحق بنا عبد الله فضرب أعناقهم، وأخذنا ما فى السفن. فكانت هذه أول غنيمة أصبناها.
ومضى حتى نزل بمدينة قابس فحاصرناها. فأشار عليه، الصحابة أن لا يشتغل بها عن إفريقية، فسار وبثّ السرايا فى كل وجه. وكان يؤتى بالبقر والشاء والعلف. قال: وكان ملكهم يدعى جرجير «٤» ، وسلطانه من طرابلس إلى طنجة وولايته من قبل هرقل «٥» . فلما بلغه الخبر بورود الجيوش الإسلامية، جمع وتأهب للّقاء، فبلغ عسكره عشرين ومائة ألف «٦»
стр. 9039
قال: ثم ذهبنا قاصدين عسكره على تعبئة، فأقمنا أياما تجري بيننا وبينهم الرسل: ندعوه إلى الإسلام، وهو يستطيل ويتجبر وقال: «لا أقبل هذا أبدا» . فقلنا له «فخراج تخرجه كل عام» .
فقال: «لو سألتمونى درهما واحدا لم أفعل» . «١» . فتأهبنا للقتال بعد الإعذار منا «٢» . فعبأ عبد الله بن سعد ميمنته وميسرته والقلب.
وفعل ملك الروم مثل ذلك. وتلاقى الجمعان فى فحص «٣» متسع يسمى بعقوبة «٤» ، بينه وبين دار ملك الروم مسيرة يوم وليلة، وهى المدينة المسماة سبيطلة «٥» ، وكذلك مدينة قرطاجنّة، وهى مدينة عظيمة، شامخة البناء، أسوارها من الرخام الأبيض، وفيها العمد والرخام الملون ما لا يحصى.
قال: ودامت الحرب بين الفريقين وطالت، وانقطع خبر المسلمين عن عثمان. فأنفذ عبد الله بن الزبير «٦» وصحبته اثنا عشر فارسا من قومه. فسار يجد السير حتى قدم على المسلمين فوصل ليلا. فسروا به ووقع فى العسكر ضجة «٧» ، خافت الروم منها، وظنوا أنهم يحملون عليهم، فباتوا بشر ليلة. وأرسل ملكهم جاسوسا يستعلم الخبر. فأعلمه أن نجدة وصلت إلى المسلمين. وكان المسلمون
стр. 9040
يقاتلون الروم فى كل يوم إلى الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها وتضع الحرب أوزارها. فلما أصبح عبد الله بن الزبير، صلى الصبح وزحف مع المسلمين وقاتل. فلقى الروم فى يومهم أشد نكال. ولم ير ابن الزبير عبد الله بن سعد فى الحرب فسأل عنه. فقالوا: «هو فى خبائه وله أيام ما خرج منه» . ولم يكن ابن الزبير اجتمع به، فمضى إليه، وسلم عليه، وبلغه وصية عثمان وسأله عن سبب تأخره. فقال: «إن ملك الروم أمر مناديا فنادى باللغة الرومية والعربية «١» : معاشر الروم والمسلمين: من قتل عبد الله بن سعد زوّجته ابنتى، ووهبت له مائة ألف دينار» وكانت ابنته بارعة الجمال، تركب معه فى الحرب، وعليها أفخر ثياب، وتحمل على رأسها مظلة من ريش الطاووس «وغير خاف عنك من معى، وأكثرهم حديثو عهد «٢» بالإسلام، ولا آمن أن يرغّبهم ما بذل لهم جرجير فيقتلونى، فهذا سبب تأخرى» . فقال له ابن الزبير: «أزل هذا من نفسك، وأمر من ينادى فى عسكرك ويسمع الروم: معاشر المسلمين والروم:
من قتل الملك فله ابنته ومائة ألف دينار «٣» ، وواحدة بواحدة» .
ففعل ذلك. فلما سمع ملك الروم النداء، انتقل ما كان عبد الله يجده من الخوف إليه. وبقى القتال على ما كان عليه.
فعنّ لعبد الله بن الزبير رأى. فأتى عبد الله بن سعد ليلا وقال له:
«إنى فكّرت فيما نحن فيه فرأيت أمرا يطول والقوم فى بلادهم والزيادة
стр. 9041
فيهم والنقصان فينا. وقد اتصل بى أنه نفّذ إلى جميع نواحيه بالحشد والجمع. وقد رأيت أصحابه إذا سمعوا الأذان أغمدوا سيوفهم ورجعوا إلى مضاربهم، وكذلك المسلمون، جريا على العادة. والرأى عندى أن تترك غدا إن شاء الله أبطال المسلمين فى خيامهم بخيلهم وعددهم، وتقاتل ببقايا الناس على العادة، وتطوّل فى القتال حتى تتعب القوم.
فإذا انصرفوا ورجع كلّ «١» إلى مضربه وأزال لأمة «٢» حربه، يركب المسلمون ويحملون عليهم والقوم على غرة. فعسى الله سبحانه أن يظفرنا بهم وينصرنا عليهم، وما النصر إلا من عند الله» . فلما سمع عبد الله بن سعد ذلك، أحضر عبد الله بن عباس وإخوته والصحابة ورؤوس القبائل، وعرض عليهم ما أشار به ابن الزبير فاستصوبوا رأيه واستخاروا الله. وكتموا أمرهم وباتوا على تعبئة.
ولجئوا إلى الله تعالى وسمحوا بنفوسهم «٣» فى إعزاز دين الله وإظهار كلمته.
وأصبح أبطال الإسلام فى خيامهم «٤» ، وخيولهم قائمة معهم فى الخيام. وخرج لفيف الناس إلى القتال، ومعهم عبد الله بن سعد وابن الزبير، فقاتلوا أشد قتال «٥» وكان يوما حارا فلقى الفريقان فيه التعب العظيم. وركب ملك الروم ومعه الصليب، وكان متوجا عندهم، عظيم القدر فيهم. وحرض أصحابه على القتال. فاشتد
стр. 9042
الأمر فى القتال حتى أذّن الظهر «١» فهم الروم بالانصراف جريا على على العادة. فداوم ابن الزبير القتال ساعة أخرى. فاشتد الحر وعظم الخطب حتى لم يبق لأحد من الفريقين طاقة بحمل السلاح فضلا عن القتال به. فعند ذلك رجعوا «٢» إلى خيامهم، ووضعوا أسلحتهم، وسيّبوا خيولهم وألقوا أنفسهم على فرشهم.
فاستنهض عبد الله أبطال المسلمين. فلبسوا دروعهم وركبوا خيولهم فى خيامهم. وتقدم عبد الله بن الزبير فى زى رسول، وقد لبس ثوبا فوق درعه. وقال: «إذا رأيتمونى قد قربت من خيام الروم فاحملوا حملة رجل واحد» . فلما قرب من الخيام كبر المسلمون وهلّلوا، وحملوا فأعجلوا الروم عن لبس دروعهم أو ركوب خيولهم. فانهزمت الروم، وقتل ملكهم، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة وهرب من سلم منهم إلى المدينة، وغنم المسلمون ما فى معسكرهم.
وأسرت ابنة الملك وأتى بها إلى عبد الله بن سعد. فسألها «٣» عن أبيها.
قالت: «قتل» . قال: «أتعرفين قاتله؟» قالت: «نعم، إذا رأيته عرفته» . وكان كثير من المسلمين ادعوا قتله. فعرض عليها من ادعى قتله «٤» . فقالت: «ما من هؤلاء من قتله» . فأحضر ابن الزبير. فلما أقبل، قالت: «هذا قاتل أبى» . فقال له ابن سعد:
«ما منعك أن تعلمنا بذلك لنفى لك بما شرطناه؟» فقال:
«أصلحك الله! ما قتلته لما شرطت، والذى قتلته له يعلم ويجازى
стр. 9043
عليه أفضل من جزائك، ولا حاجة لى فى غير ذلك» . فنفّله ابن سعد ابنة الملك، فيقال إن ابن الزبير اتخذها أم ولد «١» .
ثم نزل المسلمون على المدينة، وحاصروها حصارا شديدا حتى فتحها الله عليهم. فأصابوا فيها خلقا كثيرا، وأكثر أموالهم الذهب والفضة. فجمع عبد الله بن سعد الغنائم وقسمها بعد أن خمسها.
فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار «٢» .
وبثّ السرايا والغارات من مدينة سبيطلة فبلغت خيوله إلى قصور قفصة. فسبوا وغنموا. وجازوا إلى مرمجنّة «٣» .
فأذلت تلك الوقعة من بقى من الروم. وأصابهم رعب شديد فلجئوا إلى الحصون والقلاع. واجتمع أكثرهم بفحص الأجم «٤» حول الحصن، وهو من أعظم حصون إفريقية. وراسلوا عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا «٥» على أن يكفّ عنهم ويخرج من بلادهم. فقبل ذلك منهم بعد امتناع. وقيل: إنه صالحهم
стр. 9044
على ألفى ألف وخمسمائة ألف «١» . وقبض المال. وكان فى شرط.
صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهولهم، وما أصابوه بعد التّرداد «٢» ردوه عليهم.
ودعا عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وقال: «ما أحد أحقّ بالبشارة منك، فامض وبشّر عثمان والمسلمين بما أفاء الله تعالى عليهم» .
فتوجه عبد الله يجدّ المسير. فبعض الناس يقول: دخل المدينة من سبيطلة فى عشرين ليلة، وبعضهم يقول: وافى المدينة يوم أربعة وعشرين «٣» ، ولا يستغرب ذلك من مثله. فلما وصل المدينة أمره عثمان أن يصعد المنبر فيعلم الناس بما فتح الله عليهم. فبلغ الزبير. فجاء إلى المسجد ونال من عثمان بكلمات، وقال: «بلغ من عبد الله بن الزبير أن يرقى موضعا كان رسول الله ﷺ يطأه بقدمه! وددت والله أنّى متّ قبل هذا» ! وقيل: إنّ عبد الله لم يرق المنبر، وإنما وقف بإزائه وخطب، وعثمان على المنبر جالسا.
قال: وكان فعل عبد الله بن الزبير فى القتال بإفريقية كفعل خالد ابن الوليد بالشام، وعمرو بن العاص بمصر، رضى الله عنهم أجمعين.
قال: ثم انصرف عبد الله بن سعد إلى مصر إثر سفر ابن الزبير.
стр. 9045
قال: وكان مقام الجيش بإفريقية خمسة عشر شهرا «١» ، ولم يفقد من المسلمين إلا ناس قلائل «٢» . ثم كان بعد ذلك من مقتل عثمان وخلاف علىّ ومعاوية ما قدمنا ذكره «٣» ، إلى أن استقر أمر معاوية فاستعمل معاوية بن حديج.
ذكر ولاية معاوية بن حديج الكندى وفتح افريقية ثانيا «٤»
كانت ولايته فى سنة خمس وأربعين من الهجرة. وسبب ذلك أن هرقل صاحب القسطنطينية كان يؤدّى إليه من كل ملك من ملوك البر والبحر إتاوة معلومة فى كل سنة. فلما بلغه ما صالح عليه أهل إفريقية عبد الله «٥» بن سعد بن أبى سرح، بعث بطريقا إلى إفريقية يقال له «أوليمة» وأمره أن يأخذ من أهلها ثلاثمائة قنطار ذهبا كما أخذ منهم ابن أبى سرح. فنزل البطريق قرطاجنّة وأخبرهم بأمر الملك. فأبوا عليه ونابذوه وقالوا: «الذى كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا، والملك فهو سيدنا يأخذ منا كما كنا نعطيه فى
стр. 9046
كل سنة» . وكان القائم بأمر إفريقية بعد جرجير رجل يقال له «جناحة» «١» ، فطرد أوليمة البطريق.
ثم اجتمع أهل إفريقية وولوا على أنفسهم رجلا يقال له «الأطريون» وقيل فيه: «الأطيلون» . فسار جناحة إلى الشام إلى معاوية بن أبى سفيان. فذكر له حال إفريقية وسأله أن يبعث معه جيشا من العرب. فوجه معه معاوية بن حديج فى جيش كثيف. فلما انتهى إلى الإسكندرية هلك جناحة.
ومضى ابن حديج حتى انتهى إلى إفريقية، وهى حرب، وقد صارت نارا. وكان فى عسكره عبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم، وكريب بن إبراهيم بن الصباح «٢» ، وخالد بن ثابت الفهمى «٣» . وقيل: كان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن الزبير، وأشراف من جند الشام ومصر. فقدم ولا يشك أهل إفريقية أن جناحة معه. فنزل معاوية غربى قمونية «٤» فى سفح جبل على عدة فراسخ «٥» منها. فأصابه فيه نوء شديد فقال: «إن
стр. 9047
جبلنا هذا لممطور» فسمّى الجبل ممطورا «١» إلى اليوم. ثم قال:
«اذهبوا بنا إلى ذلك القرن» فسمى أيضا القرن «٢» .
وبعث ملك الروم بطريقا يقال له نجفور «٣» فى ثلاثين ألف مقاتل. فنزل على ساحل البحر بسنطبريّة «٤» . فبعث ابن حديج إليه خيلا. فقاتلوه فانهزم وأقلع فى البحر.
وقاتل معاوية أهل جلّولاء «٥» على باب المدينة. فكان يقاتلهم صدر النهار، فإذا مال الفىء «٦» انصرف إلى معسكره بالقرن.
فقاتلهم ذات يوم. فلما انصرف نسى عبد الملك بن مروان قوسا «٧» له معلقة بشجرة. فانصرف ليأخذها، وإذا جانب المدينة قد انهدم.
فصاح فى أثر الناس فرجعوا. وكانت بينهم حرب شديدة وقتال عظيم حتى دخلوا المدينة عنوة، واحتووا على جميع ما فيها، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية. وقيل: بل كان معاوية بن حديج مقيما بالقرن وبعث عبد الملك «٨» بن مروان إلى جلولاء، فى ألف فارس «٩» . فحاصرها أياما فلم يظفربها. وانصرف الناس منكسرين
стр. 9048
فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى فى ساقة الناس غبارا كثيرا، فظنوا أن العدو قد اتبعهم. فرجعوا فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها من جهة واحدة. فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها وغنموا وسبوا.
وانصرف عبد الملك إلى معاوية وهو معسكر بالقرن ينتظره. فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها. فقال عبد الملك: «هى لأصحابى خاصة» .
وقال ابن حديج: «بل لجماعة المسلمين» . وكتب إلى معاوية بن أبى سفيان. فعاد جوابه: « [العسكر] «١» ردء السّرية، فأقسم بين الناس جميعهم» فوقع سهم الفارس ثلاثمائة دينار «٢» .
قال البلاذرى «٣» . أول من غزا صقلية معاوية بن حديج، بعث إليها عبد الله بن قيس، وسنذكر ذلك فى أخبارها إن شاء الله تعالى «٤» .
قال: ثم انصرف معاوية بن حديج إلى مصر. فأقره معاوية بن أبى سفيان عليها، وعزله عن إفريقية، وأفردها عن مصر، واستعمل عليها من قبله.
ذكر ولاية عقبة بن نافع الفهرى وفتح افريقية الفتح الثالث وبناء القيروان
قال: ثم أرسل معاوية بن أبى سفيان عقبة بن نافع إلى إفريقية فى سنة خمسين، وكان مقيما ببرقة وزويلة من أيام عمرو بن العاص
стр. 9049
فجمع من أسلم من البربر وضمه إلى الجيش الوارد عليه. وكان جملة الجيش الوارد من معاوية عشرة آلاف فارس من المسلمين. فسار عقبة إلى إفريقية فافتتحها «١» ، ووضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى.
ثم قال: «إن إفريقية إذا دخلها إمام تحرّموا بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم منهم وارتد إلى الكفر «٢» . وأرى لكم- يا معشر المسلمين- أن تتخذوا بها مدينة نجعل بها عسكرا وتكون عزّ الإسلام إلى آخر الدهر» . فأجابه الناس إلى ذلك.
ذكر بناء مدينة القيروان
قال المؤرخون: لما أراد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان وأجابه المسلمون إلى ذلك، أتى بهم إلى موضعها، وهو إذ ذاك شعارى «٣» لا تسلك وقال: «شأنكم» . فقالوا له: «إنك أمرتنا بالبناء فى شعارى وغياض لا تسلك ولا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من خشاش الأرض» «٤» . وكان عقبة مستجاب الدعوة، فدعا الله . وجعل أصحابه يؤمّنون على دعائه. وكان فى عسكره «٥» ثمانية عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
стр. 9050
وسلم، فجمعهم ونادى: «أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله ﷺ ، ارحلوا عنّا إنا نازلون. ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه» . فنظر الناس فى ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها، والذئاب تحمل أجراءها، والحيات تحمل أولادها. فأسلم كثير من البربر. ونادى عقبة فى الناس «كفّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا» . فلما خرج ما فيها من ذلك، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو الله ويقول: «اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين والعابدين، وامنعها من جبابرة الأرض» . ثم نزل عقبة الوادى.
وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا الشجر. قال: فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا عقربا.
قال: واختط دار الإمارة والمسجد الأعظم، ولم يحدث فيه بناء، وكان يصلى فيه وهو كذلك. فاختلف الناس فى القبلة وقالوا: «إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك فى أمرها» . فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس. فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك وسأل الله تعالى، فأتاه آت فى منامه فقال له: «يا ولىّ رب العالمين، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه غيرك. فالموضع الذى ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه مسجدك «١» . وقد رضى الله أمر هذه المدينة وهذا المسجد. وسوف يعزّ بها دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر» .
فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعا شديدا. فتوضأ وأخذ فى
стр. 9051
الصلاة فى المسجد وهو لم يبن بعد، ومعه أشراف الناس. فلما طلع الفجر وركع عقبة سمع التكبير بين يديه. فقال لمن حوله:
«ألا تسمعون؟» قالوا: «لا نسمع شيئا» . فقال: «إن الأمر من عند الله » . وأخذ اللواء ووضعه على عاتقه. وأقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى محراب المسجد. فانقطع التكبير فركز لواءه «١» وقال: «هذا محرابكم» . ثم أخذ الناس فى بنيان الدور «٢» والمساكن والمساجد فعمرت. وكان دورها ثلاثة آلاف باع «٣» وستمائة باع «٤» . فكملت فى سنة خمس وخمسين. وسكنها الناس وعظم قدرها. وكان فى موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى قمونية.
قال: ودبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن أبى سفيان معاوية بن حديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلّد الأنصارى مصر وإفريقية «٥» .
ذكر ولاية مسلمة بن مخلد
قال: ولما وصل مسلمة إلى مصر، استعمل على إفريقية مولى له يقال له دينارا ويكنى أبا المهاجر، وذلك فى سنة خمس وخمسين،
стр. 9052
وعزل عقبة. فلما وصل كره أن ينزل بالموضع الذى اختطه عقبة، فنزل عنه بمسافة ميلين. واختط مدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد ما عمله عقبة. فسماها البربر تيكيروان «١» . فأخذ فى عمارتها.
وأمر الناس أن يخربوا القيروان ويعمروا مدينته «٢» .
وتوجه عقبة مغضبا إلى معاوية بن أبى سفيان. فقال له: «إنى فتحت البلاد، ودانت لى، وبنيت المساجد، واتخذت المنازل، وأسكنت الناس. ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلى» فاعتذر إليه معاوية وقال: «قد رددتك إلى عملك واليا» . وتراخى الأمر حتى توفى معاوية وولى يزيد ابنه. فلما علم حال عقبة غضب وقال:
«أدركها قبل أن تهلك وتفسد» . ورده واليا على إفريقية.
ذكر ولاية عقبة بن نافع ثانية
قال: وكانت ولايته فى سنة اثنتين وستين، «٣» فسار من الشام. فلما مر على مصر، ركب إليه مسلمة بن مخلد وسلم عليه،
стр. 9053
واعتذر من فعل أبى المهاجر «١» ، وأقسم بالله لقد خالفه فيما صنع.
فقبل عقبة عذره. ومضى مسرعا حتى قدم إفريقية. فأوثق أبا المهاجر فى الحديد، وأمر بخراب مدينته، ورد الناس إلى القيروان ثم عزم على الغزو وترك بالقيروان جندا وعليهم زهير بن قيس «٢» ودعا أولاده فقال لهم: «إنى بعت نفسى من الله تعالى بيعا مربحا أن أجاهد من كفر حتى ألحق بالله. ولست أدرى أترونى بعدها أو أراكم، لأن أملى الموت فى سبيل الله» . ثم قال: «عليكم سلام الله، اللهم تقبل منى نفسى فى رضاك» .
ومضى فى عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ لهم خيلا لم ير المسلمون فى مغازيهم أصلب منها «٣» . ودخل الروم حصنهم.
فكره عقبة أن يقيم عليه. فمضى إلى لميش «٤» ، وهى من أعظم مدن الروم. فلجأ إليها من كان حولها منهم. وخرجوا إليه وقاتلوه قتالا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء. فهزمهم وتبعهم إلى باب حصنهم وأصاب غنائم كثيرة.
وكره المقام عليها فرحل «٥» إلى بلاد الزاب. فسأل عن أعظم
стр. 9054
مدائنهم قدرا فقالوا: مدينة يقال لها أربة «١» فيها الملك، وهى مجمع ملوك الزاب، وحولها ثلاثمائة قرية وسئون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم أمره لجئوا إلى حصنهم، وهرب بعضهم إلى الجبال والوعر. فنزل عليها وقت المساء. فلما أصبح أمر بالقتال فكانت بينهم حروب حتى يئس المسلمون من الحياة. فأعطاه الله الظفر. فانهزم القوم وقتل أكثر فرسان الروم. وذهب عزهم من الزاب وذلوا آخر الدهر.
ورحل حتى نزل تاهرت. فلما بلغ الروم خبره، استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم. فقام عقبة وخطب الناس وحرضهم على القتال والتقوا واقتتلوا فلم يكن للروم والبربر طاقة بقتالهم. فقتلهم قتلا ذريعا وفرق جموع الروم عن المدينة.
ثم رحل حتى نزل طنجة. فلقيه رجل من الروم يقال له إيليان «٢» وكان شريفا فى قومه. فأهدى إليه هدية حسنة ولاطفه ونزل على حكمه. فسأله عن بحر الأندلس. فقال: «إنه محفوظ لا يرام» .
فقال: «دلنى على رجال البربر والروم» . فقال: «قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا البربر. وفرسانهم فى عدد لا يعلمه إلا الله تعالى
стр. 9055
وهم أنجاد البربر وفرسانهم» . فقال عقبة: «فأين موضعهم؟» قال: «فى السوس الأدنى، وهم قوم ليس لهم دين، يأكلون الميتة؛ ويشربون الدم من أنعامهم. وهم أمثال البهائم، يكفرون بالله ولا يعرفونه» . فقال عقبة لأصحابه: «ارحلوا «١» على بركة الله» .
فرحل من طنجة إلى السّوس الأدنى، وهو فى جنوب مدينة طنجة التى تسمى تارودانت. فانتهى إلى أوائلهم فقتلهم قتلا ذريعا. وهرب من بقى منهم، وتفرقت خيله فى طلبهم.
ومضى حتى دخل السّوس الأقصى فاجتمع البربر فى عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. فقاتلهم قتالا لم يسمع بمثله. فقتل خلقا كثيرا منهم. وأصاب نساء لم ير الناس مثلهن. فقيل: إن الجارية كانت تساوى بالمشرق ألف مثقال وأكثر وأقل.
وسار حتى بلغ البحر المحيط لا يدافعه أحد ولا يقوم له. فدخل فيه حتى بلغ الماء لبان فرسه «٢» . ورفع يده إلى السماء وقال: «يا رب، لولا هذا البحر لمضيت فى البلاد إلى ملك ذى القرنين «٣» مدافعا عن دينك، ومقاتلا من كفر بك وعبد غيرك» «٤» .
ثم قال لأصحابه: «انصرفوا على بركة الله وعونه» . فخلا الناس عن طريق عساكره هاربين. وخاف المشركون منه أشد مخافة.
وانصرف إلى إفريقية. فلما انتهى إلى ماء اسمه اليوم ماء فرس ولم
стр. 9056
يكن به ماء، فأصابهم «١» عطش أشفى منه عقبة ومن معه على الموت. فصلى ركعتين ودعا الله . فجعل فرسه يبحث الأرض بيديه حتى كشف عن صفاة»
. فانفجر منها الماء. وجعل الفرس يمص ذلك الماء فنادى عقبة فى الناس أن احتفروا فحفروا سبعين حسا «٣» فشربوا وأسقوا «٤» . فسمى ماء فرس.
وسار حتى انتهى إلى مدينة طبنة، وبينها وبين القيروان ثمانية أيام. فأمر أصحابه أن يتقدموا فوجا بعد فوج إلى إفريقية ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لم يبق أحد يخشاه. وسار يريد تهوذة لينظر إليها وإلى بادس، ويعرف ما يسدهما من الفرسان، فيترك «٥» فيهما بقدر الحاجة. فلما نظر الروم إلى قلة ما معه، طمعوا فيه وأغلقوا أبواب حصونهم دونه، وشتموه، ورموه بالنبل والحجارة، وهو يدعوهم إلى الله . فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كسيلة ابن بهرم الأوربى «٦» وكان فى عسكر عقبة.
стр. 9057
ذكر خروج كسيلة وقتل عقبة بن نافع واستيلائه على القيروان
كان كسيلة هذا من أكابر البربر. وكان قد أسلم فى ولاية أبى المهاجر وحسن إسلامه. وقدم عقبة فعرّفه أبو المهاجر بحال كسيلة وعظمه فى البربر وانقيادهم إليه. فلم يعبأ به «١» عقبة واستخف به وأهانه. فكان من إهانته له أنه أتى بغنم فأمر بذبحها، وأمر كسيلة أن يسلخ منها شاة. فقال: «أصلح الله الأمير! هؤلاء فتيانى وغلمانى يكفوننى المؤونة» . فسبه عقبة وأمره بالقيام. فقام مغضبا وذبح الشاة. وجعل يمسح لحيته بما على يديه من دمها. فجعلت العرب يمرون به ويقولون له: «يا بربرى، ما هذا الذى تصنع؟» . فيقول: «هذا جيد للشعر» . حتى مربه شيخ من العرب فقال: «كلا، إن البربرى يتواعدكم» . فقال أبو المهاجر لعقبة: «ما صنعت؟ أتيت إلى رجل جبار فى قومه وبدار عزه، وهو قريب عهد بالشّرك، فأفسدت قلبه.
أرى أن توثقه كتافا، فإنى أخاف عليك من فتكه «٢» » . فتهاون به عقبة.
فلما رأى كسيلة الروم قد راسلوه ورأى فرصة، وثب وقام فى بنى عمه وأهله ومن اجتمع إليه من الروم. فقال أبو المهاجر لعقبة:
«عاجله قبل أن يجتمع أمره «٣» » . وأبو المهاجر مع ذلك كله صحبة
стр. 9058
عقبة وهو فى الحديد. فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى عنه. فقال البربر له: «لم تنحيت من بين يديه ونحن فى خمسة آلاف «١» ؟» فقال: «إنكم كل يوم فى زيادة وهو فى نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه. فإذا طلب إفريقية زحفت إليه» . وأما أبو المهاجر فإنه تمثل بقول أبى محجن الثقفى «٢» :
كفى حزنا أن تمزع الخيل بالقنا «٣» ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا
إذا قمت غنانى الحديد وأغلقت «٤» ... مصارع من دونى تصم المناديا
فبلغ ذلك عقبة بن نافع. فأطلقه «٥» وقال له: «الحق بالمسلمين فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة» . فقال أبو المهاجر: «وأنا أغتنم ما اغتنمت» . فصلى عقبة ركعتين وكسر جفن سيفه. وفعل أبو المهاجر كفعله. وكسر المسلمون أغماد سيوفهم. وأمر عقبة أن ينزلوا عن خيلهم، ففعلوا وقاتلوا قتالا شديدا. وكثر عليهم العدو فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم أحد «٦» .
стр. 9059
فعزم زهير بن قيس على قتال البربر فخالفه بعض أصحابه «١» ففارق القيروان، وسار إلى برقة وأقام بها. وتبعه أكثر الناس. وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير «٢» فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذرارى من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمّنهم.
ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوى أمر عبد الملك بن مروان. فذكر عنده أمر القيروان ومن بها من المسلمين.
فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إليها، ليستنقذها من يد كسيلة.
فاستعمل عليها زهير بن قيس «٣» .
ذكر ولاية زهير بن قيس البلوى وقتل كسيلة البربرى
قال: ولما أشير على عبد الملك بن مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية، قال: «لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع من المشركين إلا من هو مثله فى دين الله » . فاتفق رأيهم على زهير بن قيس، وقالوا: «هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته وأولاهم بطلب ثأره» . وكان زهير ببرقة مرابطا منذ قفل من إفريقية. فكتب إليه عبد الملك بالخروج على أعنّة الخيل إلى إفريقية. فكتب إليه زهير يستمده بالرجال والأموال. فوجه إليه بالأموال ووجوه أهل الشام.
стр. 9060
فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية فى عسكر عظيم، وذلك فى سنة تسع وستين «١» . فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر «٢» وتحول عن القيروان إلى ممش «٣» . وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان «٤» ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل فى الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقى منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه.
وعاد زهير إلى القيروان. فرأى ملك إفريقية ملكا عظيما، فقال: «إنما أحببت الجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك» . وكان عابدا زاهدا. فترك بالقيروان عسكرا ورحل فى جمع كبير «٥» يريد المشرق. وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى إفريقية وخلوها، فخرجوا إليها فى مراكب كثيرة من جزيرة صقلية «٦» .
فأغاروا على برقة وقتلوا ونهبوا. ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه أشدّ قتال. وترجل هو ومن معه وقاتلوا فعظم الخطب.
وتكاثر الروم عليهم فقتل زهير وأصحابه، ولم ينج منهم أحد «٧» .
وعاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية.
стр. 9061
ولما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه «١» ، وكانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة. وشغل عبد الملك عن القيروان «٢» ما كان بينه وبين عبد الله بن الزبير. فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها.
ذكر ولاية حسان بن النعمان الغسانى افريقية
قال: كان عبد الملك قد أمر حسان بن النعمان بالمقام بمصر في عسكر عدته أربعون ألفا «٣» . وتركه بها عدة لما يحدث. فكتب إليه بالنهوض إلى إفريقية ويقول: «إنى قد أطلقت يدك فى أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله» . قال ابن الأثير فى تاريخه الكامل: إنه استعمله فى سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير. وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية فى سنة تسع وستين «٤» . قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة.
стр. 9062
ذكر فتح قرطاجنة وتخريبها
قال: ولما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقى بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهى بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا فى البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس. ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبى ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا فى صطفورة «١» وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعا منها حتى وطئه.
فخافه أهل إفريقية خوفا شديدا. ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها. وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح.
ذكر حروب حسان والكاهنة وتخريب افريقية وقتل الكاهنة
قال: ثم قال حسّان للناس: «دلونى على أعظم من بقى من ملوك إفريقية» . فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وقالوا:
«إنها بجبل أوراس، وهى بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل
стр. 9063
قتل كسيلة» . وكانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها. وعظّموا محلّها عند حسان وقالوا: «إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك» .
فسار إليها. فلما قاربها هدمت حصن باغاية، ظنّا منها أنه يريد الحصون. فلم يعرج «١» حسان على ذلك وسار إليها. فالتقوا على نهرتينى «٢» واقتتلوا أشد قتال. فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسرت جماعة من أصحابه»
. فأكرمتهم الكاهنة وأطلقتهم إلا خالد بن يزيد القيسى «٤» ، وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا.
وسار حسان منهزما وفارق إفريقية. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمره. فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين «٥» فسمّى ذلك المكان قصور حسان. وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأساءت السيرة فى أهلها.
ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال والجيوش. وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة. فسار إليها. فقالت الكاهنة لقومها:
«إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعى، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها» . وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار
стр. 9064
ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: «وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلّا واحدا وقرى متصلة، فأخربت ذلك» . فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاما «١» .
وسار على قفصة «٢» . فأطاعه من بها. واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة.
وبلغ مقدمه الكاهنة، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم: «إننى مقتولة، فامضوا إلى حسان وخذوا لأنفسكم منه أمانا» .
فساروا إليه. فوكل بولديها من يحفظهما. وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل.
وسار حسان نحو الكاهنة فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء. ثم نصر الله المسلمين. وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا. وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت. ثم استأمن البربر إلى حسان فأمنهم. وقرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو. وقدم عليهم ابنى الكاهنة ثم فشا الإسلام فى البربر.
وعاد حسان إلى القيروان وبطل النزاع واستقامت إفريقية له.
فلما مات عبد الملك وولى الوليد- وكان على مصر وإفريقية
стр. 9065
عبد العزيز بن مروان «١» - فعزل حسان واستقدمه. وبعث إليه بأربعين رجلا من أشراف أصحابه، وأمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه.
فعلم حسان ما يراد منه، فعمد إلى الجوهر واللؤلؤ والذهب «٢» ، فجعله فى قرب الماء وطرحها فى المعسكر، وأظهر ما وراء ذلك. فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدى إليه مائتى جارية ووصيف من خيار ما كان معه «٣» ويقال: إن حسان كان معه من السبى خمسة وثلاثون ألف رأس. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد وأخذ منه خيلا كثيرة.
ورحل حسان بما بقى معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز. فغضب الوليد وأنكره. فقال حسان لمن معه:
«ائتونى بالقرب» . فأتى بها فأفرغها بين يدى الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: «يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا فى سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة» .
فقال له الوليد: «أردك إلى عملك وأحسن إليك» . فحلف حسان أنه لا ولى لبنى أمية ولاية أبدا. فغضب الوليد على عمه عبد العزيز لما عامل به حسانا. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته وأمانته ثم ولى بعده موسى بن نصير.
стр. 9066
ذكر ولاية موسى بن نصير افريقية وما كان من حروبه وآثاره
كانت ولايته فى سنة تسع وثمانين «١» ، وذلك أن حسان بن النعمان لما امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز «٢» أن يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية وأن تكون ولايته من قبل الوليد. وأفرد إفريقية عن مصر. فسار موسى حتى قدم إفريقية وعزل عنها صالحا «٣» خليفة حسان بها.
فبلغه أن بأطراف إفريقية قوما خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله «٤» فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم.
ثم وجه ولده مروان «٥» إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتى بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: «فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا فى الإسلام» .
стр. 9067
ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقى من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد.
فاستأمن البربر إليه وأطاعوه. فقبل طاعتهم وولى عليهم واليا.
ثم استعمل على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد. وتركه بها فى تسعة عشر ألف فارس من البربر وطائفة يسيرة من العرب «١» لتعلّم البربر القرآن وفرائض الإسلام.
ورجع إلى إفريقية فمر بقلعه مجّانة. فتحصن أهلها منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان «٢» ففتحها، فسميّت قلعة بسر. ولم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر ولا من الروم.
ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها
كان فتح الأندلس فى سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى موسى بن نصير. وقد ذكر ابن الأثير فى تاريخه الكامل «٣» أخبار الأندلس وابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.
стр. 9068
قال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش- بشين معجمة «١» - ثم عرّب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش «٢» ، وقيل: باسم ملك كان لها «٣» فى الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش «٤» . وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل:
سميت بأندلس بن يافث بن نوح «٥» ، وهو أول من عمرها.
وقيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا، وكانوا مجوسا. ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة.
ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط «٦» توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها.
فحملهم فى السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزيرة قادس.
فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها. فسكنوها وعمروها. ونصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم «٧» . وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها وسكنوها. وأقاموا
стр. 9069
مدة تزيد على مائة وخمسين «١» سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا.
ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطش «٢» فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم «٣» بطالقة، وقد تحصنوا بها، فابتنى «٤» عليها إشبانية- وهى إشبيلية- واتخذها دار مملكته.
وكثرت جموعه وعتا وتجبر. وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه، وقتل منه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها. وغنم منه مائدة سليمان بن داوود ﵉، وهى التى غنمها طارق لما فتح طليطلة، وغنم قليلة الذهب والحجر الذى لقى بماردة.
وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر «٥» ، وهو يحرث الأرض فقال له: «يا إشبان، سوف تحظى وتعلو وتملك. فإذا ملكت إيليا «٦» فارفق بذرية الأنبياء» . فقال له: «أتسخربى وكيف ينال مثلى الملك؟» . فقال له: «قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى» فنظر إليها، فإذا هى قد أورقت.
فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق بقوله. فداخل الناس وارتقى
стр. 9070
حتى ملك ملكا عظيما. وكان ملكه عشرين سنة ودام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا.
ثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات «١» ، وملكهم طلوبش بن بيطة «٢» ، وذلك حين بعث الله المسيح ﵇. فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وقتلوا ملكها.
وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. وكانت مدينة ماردة دار ملكهم.
ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس واقتطعوها «٣» من صاحب رومة. وكان ظهورهم من ناحية أنطالية «٤» شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية فى أيام قليوديوس «٥» قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم «٦» . ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. وأعادوا الغارة. فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له.
وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنطين، فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه. فاستعان بصاحب
следующие страницы →