← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

ذكر ولاية موسى بن نصير افريقية وما كان من حروبه وآثاره كانت ولايته فى سنة تسع وثمانين «١» ، وذلك أن حسان بن النعمان لما امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز «٢» أن يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية وأن تكون ولايته من قبل الوليد. وأفرد إفريقية عن مصر. فسار موسى حتى قدم إفريقية وعزل عنها صالحا «٣» خليفة حسان بها. فبلغه أن بأطراف إفريقية قوما خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله «٤» فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان «٥» إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتى بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: «فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا فى الإسلام» .

стр. 9067

ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقى من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد. فاستأمن البربر إليه وأطاعوه. فقبل طاعتهم وولى عليهم واليا. ثم استعمل على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد. وتركه بها فى تسعة عشر ألف فارس من البربر وطائفة يسيرة من العرب «١» لتعلّم البربر القرآن وفرائض الإسلام. ورجع إلى إفريقية فمر بقلعه مجّانة. فتحصن أهلها منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان «٢» ففتحها، فسميّت قلعة بسر. ولم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر ولا من الروم. ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها كان فتح الأندلس فى سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى موسى بن نصير. وقد ذكر ابن الأثير فى تاريخه الكامل «٣» أخبار الأندلس وابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.

стр. 9068

قال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش- بشين معجمة «١» - ثم عرّب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش «٢» ، وقيل: باسم ملك كان لها «٣» فى الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش «٤» . وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل: سميت بأندلس بن يافث بن نوح «٥» ، وهو أول من عمرها. وقيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا، وكانوا مجوسا. ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة. ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط «٦» توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها. فحملهم فى السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزيرة قادس. فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها. فسكنوها وعمروها. ونصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم «٧» . وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها وسكنوها. وأقاموا

стр. 9069

مدة تزيد على مائة وخمسين «١» سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا. ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطش «٢» فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم «٣» بطالقة، وقد تحصنوا بها، فابتنى «٤» عليها إشبانية- وهى إشبيلية- واتخذها دار مملكته. وكثرت جموعه وعتا وتجبر. وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه، وقتل منه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها. وغنم منه مائدة سليمان بن داوود ﵉، وهى التى غنمها طارق لما فتح طليطلة، وغنم قليلة الذهب والحجر الذى لقى بماردة. وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر «٥» ، وهو يحرث الأرض فقال له: «يا إشبان، سوف تحظى وتعلو وتملك. فإذا ملكت إيليا «٦» فارفق بذرية الأنبياء» . فقال له: «أتسخربى وكيف ينال مثلى الملك؟» . فقال له: «قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى» فنظر إليها، فإذا هى قد أورقت. فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق بقوله. فداخل الناس وارتقى

стр. 9070

حتى ملك ملكا عظيما. وكان ملكه عشرين سنة ودام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا. ثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات «١» ، وملكهم طلوبش بن بيطة «٢» ، وذلك حين بعث الله المسيح ﵇. فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وقتلوا ملكها. وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. وكانت مدينة ماردة دار ملكهم. ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس واقتطعوها «٣» من صاحب رومة. وكان ظهورهم من ناحية أنطالية «٤» شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية فى أيام قليوديوس «٥» قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم «٦» . ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. وأعادوا الغارة. فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له. وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنطين، فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه. فاستعان بصاحب

стр. 9071

رومة. فبعث إليه «١» جيشا فهزم أخاه ودان بدين النصارى. وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة. ثم ولى بعده أقريط، وبعده أمريق «٢» وبعده وغديش «٣» ، وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان. فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة. فسير إليه «٤» ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه. ثم ملك بعده الريق. ثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير «٥» : منهم من عبد الأوثان ومنهم من دان بدين النصرانية، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة «٦» ، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة. ثم توفى وخلف ولدين. فلم يرض بهما أهل الأندلس ورضوا برجل يقال له رذريق «٧» ، وكان شجاعا وليس من بيت الملك. وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون فى خدمة الملك لا يخدمه غيرهم، يتأدبون بذلك. فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا

стр. 9072

وتولى تجهيزهم. فلما ولى رذريق، أرسل إليه يليان «١» - وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما- ابنته فاستحسنها رذريق فافتضها. فكتبت إلى أبيها بذلك. فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع والطاعة. واستدعاه فسار إليه. فأدخله يليان مدائنه. وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى به. ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك فى آخر سنة تسعين. فكتب موسى إلى الوليد بذلك، واستأذنه فى غزوها. فأذن له إذا لم يكن الوصول إلها فى بحر متسع. فبعث موسى مولى من مواليه، يقال له طريف «٢» ، فى أربعمائة رجل ومعهم مائة فارس «٣» . فساروا فى أربع سفن. فخرجوا فى جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف. ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم كثيرة ورجع سالما، فى شهر رمضان سنة إحدى وتسعين. فلما رأي الناس ذلك، تسرعوا إلى الغزو. ثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد، وكان على مقدمات جيوشه، فبعثه فى سبعة آلاف من المسلمين «٤» أكثرهم البربر والموالى وأقلهم العرب. فساروا فى البحر. وقصدوا جبلا

стр. 9073

منيفا «١» فى البحر، وهو متصل بالبر. فنزله فسمّى الجبل جبل طارق. ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم، وجرت الألسن على الاسم الأول. وكان حلول طارق به فى شهر رجب سنة اثنتين وتسعين «٢» . قال: ولما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبى ﷺ ومعه المهاجرون والأنصار وقد تقلدوا السيوف وتنكّبوا القسى. فقال النبى ﷺ له: «يا طارق تقدم لشأنك» . وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. ونظر طارق فرأى النبى ﷺ وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه. فاستيقظ من نومه، وبشر أصحابه، وقويت نفسه، وأيقن بالظفر. فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا. فقالت له: «إنّى كان لى زوج، وكان عالما بالحوادث، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم ويغلب عليه، ووصف من صفته أنه ضخم الهامة وأن فى كتفه الأيسر شامة عليها شعر» . فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر. قال: ولما فتح الجزيرة الخضراء وفارق الحصن الذى فى

стр. 9074

الجبل، بلغ رذريق خبره. فأعظم ذلك، وكان غائبا فى غزاة فرجع منها، وقد دخل طارق بلاده. فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف «١» . فكتب طارق إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح. فأمده بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثنى عشر ألفا، ومعهم يليان يدلّهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار. وأتاهم رذريق فى جنده. فالتقوا على نهربكّة «٢» من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين. واتصلت الحرب بينهم ثمانية أيام «٣» . وكان على ميمنة رذريق وميسرته ولدا الملك الذى كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك. فاتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق وقالوا: «إنّ المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقى الملك لنا» . فانهزموا. وهزم الله رذريق ومن معه وغرق فى النهر «٤» . وسار طارق إلى مدينة إستجة «٥» فى اتباعهم. فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير. فقاتلوه قتالا شديدا ثم

стр. 9075

انهزم أهل الأندلس. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة أميال فسميت عين طارق. قال: ولما سمع القوط بهاتين الهزيمتين، قذف الله فى قلوبهم الرعب، وهربوا إلى طليطلة، وأخلوا مدائن من الأندلس «١» فقال له يليان: «قد فرغت من الأندلس، ففرّق جيوشك، وسر أنت إلى طليطلة» . ففرق جيوشه من مدينه إستجة: فبعث جيشا إلى قرطبة، وجيشا إلى أغرناطة «٢» ، وجيشا إلى مالقة، وجيشا إلى تدمير «٣» . وسار هو ومعظم الجيش إلى طليطلة. فلما بلغها وجدها خالية وقد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها ماية. قال: وفتح سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد. قال: ولما رأى طارق طليطلة خالية، ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا من أصحابه. وسار هو إلى وادى الحجارة. وقطع الجبل من فج فيه فسمّى بفج طارق. وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة «٤» ، وفيها مائدة سليمان بن داوود ﵉ «٥» ، وهى من زبرجدة

стр. 9076

خضراء «١» ، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا. ثم مضى إلى مدينة ماية «٢» فغنم منها. ورجع إلى طليطلة فى سنة ثلاث وتسعين. وقيل: إنه اقتحم أرض جلّيقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة، وانصرف إلى طليطلة. ووافته جيوشه التى وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التى سيرهم إليها. ودخل موسى بن نصير الأندلس فى شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين فى جمع كثير «٣» ، وقد بلغه ما صنع طارق فحسده «٤» . فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له: «تسلك طريق طارق؟» فأبى. فقال له الأدلاء: «نحن ندلّك على طرق «٥» أشرف من طريقه ومدائن لم تفتح بعد» » . ووعده يليان بفتح عظيم، فسر بذلك. فساروا به إلى مدينة ابن السليم «٧» فافتتحها عنوة. ثم سار إلى مدينة قرمونة، وهى أحصن «٨» مدن الأندلس. فتقدم إليها يليان وخاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم. وأرسل موسى إليهم الخيل

стр. 9077

ففتحوها لهم ليلا. فدخلها المسلمون وملكوها. ثم سار موسى إلى إشبيلية، وهى من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأغربها آثارا «١» فحصرها «٢» أشهرا وفتحها، وهرب من بها. فأنزلها موسى اليهود. وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه «٣» قتالا شديدا. فكمن لهم موسى ليلا فى مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار. فلما أصبحوا زحف إليهم. فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم. فخرج عليهم الكمين، وأحدقوا بهم، وحالوا بينهم وبين البلد، وقتلوهم قتلا ذريعا. ونجا من سلم منهم فدخل المدينة، وكانت حصينة. فحصرهم بها أشهرا. وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها. فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمّى برج الشهداء. ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع وتسعين صلحا «٤» ، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين «٥» . ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين. فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها وقتل من بها من أهلها.

стр. 9078

وسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد إلى إشبيلية. قال: وسار موسى من مدينة ماردة فى شوال يريد طليطلة. فخرج طارق إليه فلقيه. فلما أبصره نزل إليه، فضربه موسى بالسوط على رأسه، ووبخه على ما كان من خلافه. ثم سار به إلى مدينة طليطلة وطلب منه ما غنم والمائدة. فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها. فسأله عنها فقال: «لا علم لى بها. كذلك وجدتها» . فعمل عوضها من ذهب «١» . وسار موسى إلى مدينة سرقسطة ومدائنها فافتتحها. وأوغل فى بلاد الفرنج. فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما قائما، فيه مكتوب: «يا بنى إسماعيل، إلى هاهنا منتهاكم، فارجعوا. وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبركم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض، وقد فعلتم» . فرجع ووافاه رسول الوليد فى أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه. فساءه ذلك ومطل الرسول، وهو يقصد بلاد العدو فى غير «٢» ناحية الصنم، يقتل ويسبى ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس، حتى بلغ صخرة بلاى على البحر الأخضر «٣» ، وهو فى قوة وظهور. فقدم عليه رسول آخر «٤» من الوليد يستحثه، وأخذ بعنان بغلته وأخرجه. وكان موافاه الرسول له بمدينة لك

стр. 9079

بجليقية «١» . وخرج على الفج المعروف بفج موسى. ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقضله «٢» معه، ومضيا جميعا. واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى. فلما عبر موسى البحر إلى سبتة استخلف عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك. واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله «٣» . وسار إلى الشام. وحمل الأموال التى غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم «٤» . ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى. فورد الشام، وقد مات الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك، وكان منحرفا عن موسى «٥» بن نصير. فعزله عن جميع أعماله وأقصاه وأغرمه غرما حتى احتاج أن يسأل العرب فى معونته «٦» . وقيل: إنه قدم إلى الشام والوليد حىّ. وكان قد كتب إليه، وادعى أنه هو الذى فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة. فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ومعه طارق. فقال طارق: «أنا غنمتها» . فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: «سله عن رجلها المعدومة» . فسأله عنها، فلم يكن عنده منها علم. فأظهرها

стр. 9080

طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب. فعلم الوليد صدق طارق. وإنما فعل هذا لأن موسى كان قد ضربه وحبسه حتى أرسل الوليد «أخرجه» «١» وقيل: لم يحبسه. قالوا: ولما دخلت الروم بلاد الأندلس «٢» ، كان فى مملكتهم بيت إذا ولى ملك منهم أقفل عليه قفلا. فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم. فلما ملك رذريق فتح الأقفال فرأى فى البيت صور العرب، عليهم العمائم الحمر على خيول شهب، وفيه كتاب: «إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد» . ففتحت «٣» الأندلس فى تلك السنة. ذكر غزو جزيرة سردانية قال: ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من عسكره إلى هذه الجزيرة، وهى فى بحر الروم كثيرة الفواكه. فدخلوها فى سنة اثنتين وتسعين «٤» . فعمد النصارى إلى ما يملكونه من آنية الذهب والفضة فألقوا الجميع فى الماء «٥» . وجعلوا أموالهم فى سقف البيعة الكبرى التى تحت السقف الأول. وغنم المسلمون منها ما لا يحد ولا يوصف، وأكثروا الغلول «٦» . واتفق أن رجلا من المسلمين اغتسل فى الماء

стр. 9081

فعلق فى رجله شىء. فأخرجه، فإذا هو صحفة من فضة. فأخرج المسلمون جميع ما فيه. ودخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر إلى حمام. فرماه بسهم فأخطأه ووقع فى السقف. فانكسر لوج ونزل منه شىء من الدنانير. فأخذوا الجميع. وزادوا فى الغلول، فكان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمى ما فى جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه فى الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهبا. فلما ركبوا فى البحر سمعوا قائلا يقول: «اللهم غرّقهم» . فغرقوا عن آخرهم «١» . ذكر ولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير قال: ثم استعمل سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد مولى قريش. وقال له عند ولايته: «يا محمد، اتق الله وحده لا شريك له، وقم فيما وليتك بالحق والعدل. اللهم اشهد» . فخرج محمد وهو يقول: «ما لى عذر إن لم أعدل» . وكانت ولايته فى سنة تسع وتسعين «٢» . فولى سنتين وشهورا. وكتب إليه سليمان يأمره أن يأخذ آل موسى ابن نصير وكل من انتسب إليه حتى يقوموا بما بقى عليه وهو ثلاثمائة ألف دينار ولا يرفع عنهم العذاب. فقبض على عبد الله والى القيروان

стр. 9082

فحبسه فى السجن. ثم وصل البريد من قبل سليمان يأمر بضرب عنقه. وأما عبد العزيز فإنه لما استخلفه أبوه موسى على الأندلس سد ثغورها، وضبط بلادها، وافتتح مدائن كانت بقيت بعد أبيه، وكان خيرا فاضلا. فتزوج امرأة الملك لذريق. فحظيت عنده، وغلبت على رأيه. فحملته على أن يأخذ أصحابه بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كما كان يفعل بزوجها. فقال: «إن ذلك ليس من ديننا» . فلم تزل به حتى أمر بفتح باب قصير لمجلسه الذى كان يجلس فيه. فكان أحدهم إذا دخل عليه من الباب طأطأ رأسه فيصير كالراكع. فرضيت بذلك وقالت: «الآن لحقت بالملوك. وبقى أن أعمل لك تاجا مما عندى من الذهب واللؤلؤ» . فأبى. فلم تزل به حتى فعل. فانكشف للمسلمين، فقالوا: «تنصر» . وفطنوا للباب. فثاروا عليه، فقتلوه فى آخر سنة تسع وتسعين «١» فى آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. ثم مكثوا بعد ذلك سنة لا يجمعهم إمام. وحكى الواقدى قال: لما بلغ عبد العزيز بن موسى ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته، خلع الطاعة وخالف. فأرسل إليه سليمان رسولا، فلم يرجع. فكتب سليمان إلى حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع ووجوه العرب سرّا بقتله. فلما خرج عبد العزيز إلى صلاة الصبح، قرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ الحاقة «٢» . فقال له حبيب: «حقّت عليك

стр. 9083

يا ابن الفاعلة» . وعلاه بالسيف فقتله «١» فحمل رأس عبد الله ورأس عبد العزيز ابنى موسى حتى وضعا بين يدى أبيهما، وعذّب حتى مات. وأضيفت ولاية الأندلس إلى إفريقية. فاستعمل عليها محمد الحر بن عبد الرحمن القيسى. ولم يزل محمد بإفريقية إلى أن مات سليمان وولى عمر بن عبد العزيز، فعزله واستعمل إسماعيل بن عبد الله. ذكر ولاية اسماعيل بن عبد الله ابن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم قال: ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة استعمل إسماعيل على إفريقية، وكان خيروال. فدعا إسماعيل من بقى من البربر إلى دين الإسلام. فأسلموا وغلب الإسلام على المغرب جميعه. ودامت ولايته إلى سنة إحدى ومائة،، إلى أن توفى عمر بن عبد العزيز وولى يزيد بن عبد الملك، فاستعمل على إفريقية يزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج فقدمها فى سنة اثنتين ومائة «٢» وقتل. وقد ذكرنا سبب مقتله فى أخبار يزيد بن عبد الملك «٣» . ثم ولى بعده بشر بن صفوان الكلبى، فقدمها فى سنة ثلاث ومائة. فلما قدم استعمل على الأندلس عنبسة الكلبى وعزل الحر بن عبد الرحمن

стр. 9084

القيسى «١» . ثم غزا بشر جزيرة صقلية بنفسه فأصاب سبيا» كثيرا. ثم رجع من غزوته فتوفى بالقيروان فى سنة تسع ومائة فى خلافة هشام بن عبد الملك. [عبيدة بن عبد الرحمان السلمى] فلما اتصلت وفاته بهشام استعمل على إفريقية: عبيدة بن عبد الرحمن السّلمى وهو ابن أخى أبى الأعور السّلمى، صاحب خيل معاوية «٣» . فأخذ عمال بشر بن صفوان فحبسهم وأغرمهم وتحامل عليهم وعذب بعضهم. وكان فيهم أبو الخطّار بن ضرار «٤» الكلبى، وكان قائدا جليلا، فقال: أفأتم بنى- مروان- قيسا دماءنا ... وفى الله إن لم يعدلوا حكم عدل «٥» كأنكم لم تشهدوا لى وقعة ... ولم تعلموا من كان قبل له الفضل «٦»

стр. 9085

وقيناكم حرّ القنا بصدورنا ... وليس لكم خيل سوانا ولا رجل «١» فلما بلغتم نيل ما قد أردتم ... وطاب لكم فينا المشارب والأكل «٢» تغافلتم عنا كأن لم نكن لكم ... صديقا وأنتم ما علمتم لنا وصل وبعث بها إلى هشام. فلما قرئت عليه غضب وأمر بعزل عبيدة. فقفل «٣» عنها، واستخلف على إفريقية عقبة بن قدامة التّجيبى، وترك بها عبد الله بن المغيرة بن بردة القرشى قاضيا، وذلك فى شوال سنة أربع عشرة ومائة «٤» . [عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول] ثم استعمل هشام عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول، وكان رئيسا كاتبا بليغا، حافظا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها. وهو الذى بنى الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس. وكانت ولايته فى شهر ربيع الأول سنة ست عشرة ومائة «٥» .

стр. 9086

فاستعمل على طنجة وما والاها عمر بن عبد الله المرادى «١» . فأساء السيرة وتعدى فى الصدقات والقسم «٢» . وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم فىء للمسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله. وإنما كانت الولاة يخمسون من لم يجب منهم إلى الإسلام. فانتقضت البربر بطنجة على عبيد الله وتداعت عليه بأسرها، وذلك فى سنة اثنتين وعشرين ومائة. وهى أول فتنة كانت بإفريقية فى الإسلام. وخرج ميسرة المدغرى «٣» وقتل عمر المرادى. وظهر بالمغرب فى ذلك الوقت قوم جرت منهم دعوة الخوارج، وصار منهم عدد كبير «٤» وشوكة قوية. قال: فبعث عبيد الله الجيوش من أشراف «٥» العرب لقتال المدغرى «٦» ، وجعل عليهم خالد بن أبى حبيب الفهرى. وأردفه بحبيب بن أبى عبيدة. فسار خالد حتى أتى ميسرة دون طنجة. فالتقوا واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله. ثم انصرف ميسرة إلى طنجة. فأنكرت عليه البربر سوء سيرته «٧» ، وتغيروا عما كانوا

стр. 9087

بايعوه عليه، وكان قد بويع بالخلافة فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزّناتى «١» . ثم التقى خالد بن أبى حبيب بالبربر، وكان بينهم قتال شديد. فبينما هم كذلك إذا غشيهم خالد بن حميد الزناتى بعسكر عظيم. فانهزم أصحاب خالد بن أبى حبيب. وكره هو أن ينهزم فألقى «٢» بنفسه هو وأصحابه فقتل هو ومن كان معه، ولم يسلم منهم أحد. وقتل فى هذه الوقعه حماة العرب وفرسانها فسميت وقعة الأشراف. وانتقضت البلاد ومرج الناس واختلفت الأمور على عبيد الله. فاجتمع الناس وعزلوه عن أنفسهم وبلغ ذلك هشام «٣» ابن عبد الملك فقال «٤» : «أقتل أولئك الرجال الذين كانوا يقدمون علينا من العرب؟» . قيل: «نعم» فقال: «والله، لأغضبن لهم غضبة عربية، ولأبعثن إليهم جيشا أوله عندهم وآخره عندى. ثم لا تركت حصن بربرى إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسى أو يمنى» «٥» . وكتب إلى عبيد الله بن الحبحاب يستقدمه. فخرج فى جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة. قال: وكان عبيد الله لما قدم إفريقية استعمل على الأندلس عقبة ابن الحجاج وعزل عنبسة «٦» . فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر وثبوا

стр. 9088

على عقبة فعزلوه. وولوا عليهم عبد الملك بن قطن الفهرى. قال: ثم استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقية كلثوم بن عياض القشيرى، فقدم فى شهر رمضان «١» سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد عقد له على اثنى عشر ألف فارس من أهل الشام. وكتب إلى والى كل بلد أن يخرج معه، فسار معه عمال مصر وبرقة وطرابلس. فلما قدم إفريقية نكّب عن القيروان وسار إلى سبتة. واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة الغفارى، وهو إذ ذاك قاضى إفريقية وكان حبيب بن أبى عبيدة «٢» مواقف البربر. فسار كلثوم ومن معه حتى وافى البربر، وهم على وادى طنجة «٣» ، وهم فى ثلاثين ألفا. وتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتى فصاروا فى جميع كبير «٤» . فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل كلثوم بن عياض، وحبيب ابن أبى عبيدة، وسليمان بن أبى المهاجر، ووجوه العرب. وانهزمت العرب، وكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وعبروا فى المراكب، وهزيمة أهل مصر وأهل إفريقية إلى إفريقية. قال: ولما بلغ أهل إفريقية قتل كلثوم، كان بها هرج. فثار عكاشة بن أيوب الفزارى مخالفا على الناس بمدينة قابس، وكان صفريا، وهو الذى قدم على طليعة أهل الشام مع عبيد الله بن الحبحاب

стр. 9089

فسار إليه عبد الرحمن بن عقبة فقاتله. فانهزم عكاشة، وقتل كثير من أصحابه، وتفرق من بقى منهم. [حنظلة بن صفوان الكلبى] ولما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك، بعث إلى إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبى، وكان عامله على مصر «١» ولاه عليها فى سنة تسع عشرة ومائة، فأقام بها إلى أن بعثه إلى إفريقية. فقدمها فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة. فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الصّفرى الخارجى فى جمع عظيم من البربر، لم ير أهل إفريقية مثله ولا أكثر منه، وكان لما انهزم جمع قبائل البربر. وزحف إلى حنظلة أيضا عبد الواحد بن يزيد الهوارى فى عدد عظيم وكانا قد افترقا من الزاب: فأخذ عكاشة على طريق مجانة فنزل القرن، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال فنزل «٢» طبيناس، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلى «٣» . فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة قبل أن يجتمعا عليه، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. والتقوا بالقرن وكان بينهم قتال شديد فنى فيه خلق كثير «٤» . وهزم الله عكاشة ومن معه. وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة. وانصرف حنظلة إلى القيروان خوفا أن يخالفه عبد الواحد إليها.

стр. 9090

وقيل: إن عبد الواحد لما وصل إلى باجة، أخرج إليه حنظلة رجلا من لخم فى أربعين ألف فارس. فقاتلوه بباجة شهرا فى الخنادق والوعر. ثم انهزم اللخمى إلى القيروان، وفقد ممن معه عشرين ألفا. ونزل عبد الواحد بالأصنام من جراوة ثلاثة أميال «١» عن القيروان، وكان فى ثلاثمائة ألف «٢» . فأخرج حنظلة جميع ما فى الخزائن من السلاح، ونادى فى الناس. فكان يعطى لكل منهم درعا وخمسين دينارا. فلم يزل يفعل ذلك حتى كثر عليه الناس، فرد العطاء إلى أربعين ثم إلى ثلاثين. ولم يقدم إلا شابا قويّا. فعبأ الناس طول ليلته والشمع «٣» حوله وبين يديه. فعبأ فى تلك الليلة خمسة آلاف دارع «٤» وخمسة آلاف نابل. وأصبح وقدّم للقتال. وكسرت العرب جفون سيوفها. والتقوا واقتتلوا. ولزم الرجال الأرض وجثوا على الرّكب فانكسرت ميسرة العرب وميسرة البربر ثم كرت ميسرة العرب على ميمنة البربر. فكانت الهزيمة على البربر. وقتل عبد الواحد وأتى حنظلة برأسه فخر ساجدا لله. وقيل: إنه ما علم فى الأرض مقتلة أعظم منها قتل فيها من البربر مائة ألف وثمانون ألفا. وكانوا صفرية يستحلون الدماء وسبى النساء. ثم أتى بعكاشة أسيرا فقتله حنظلة. وكتب بذلك إلى هشام. فكان الليث بن سعد «٥» يقول: «ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والأصنام «٦» » .

стр. 9091

ذكر أخبار عبد الرحمن بن حبيب وتغلبه على افريقية ورجوع حنظلة الى المشرق كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع الفهرى قد هرب إلى الأندلس عند هزيمة كلثوم. فلم يزل يحاول أن يغلب «١» على الأندلس، وهو لا يمكنه ذلك، إلى أن وجّه حنظلة بن صفوان أبا الخطار بن ضرار الكلبى إلى الأندلس وأطاعه الناس ودانت له البلاد. فخاف عبد الرحمن على نفسه. فخرج مستترا وركب فى البحر إلى تونس. فنزل بها فى جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة «٢» . ودعا الناس إلى نفسه فأجابوه. وسار حتى نزل سمنجة «٣» . فأراد أصحاب حنظلة الخروج لقتاله فمنعهم حنظلة كراهة لهراقة دماء المسلمين، وكان رجلا ورعا زاهدا لا يرى بذل السيف إلا فى الكفرة والصّفرية الذين يستبيحون دماء المسلمين. فوجه حنظلة إلى عبد الرحمن جماعة من وجوه أهل إفريقية يدعوه إلى مراجعة الطاعة والرجوع عما هو عليه. فلما قدموا عليه أوثقهم فى الحديد. وقال: «إن رمانى أحد من أوليائهم بحجر قتلتهم» فبلغ ذلك من الناس كل مبلغ «٤» . فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضى وجماعة من أهل الدين والفضل. وفتح بيت المال بحضرتهم

стр. 9092

وأخذ منه ألف دينار وترك الباقى. وقال: «ما آخذ منه إلا بقدر ما يكفينى ويبلّغنى» ثم شخص عن إفريقية فى جمادى الآخرة «١» سنة سبع وعشرين ومائة «٢» . وأقبل عبد الرحمن بن حبيب ودخل القيروان ونادى مناديه ألا يخرج أحد إلى حنظلة ولا يشيعه. وكان حنظلة مجاب الدعوة فقال: «اللهم لا تهنّ عبد الرحمن بن حبيب هذا الملك ولا أهله، واسفك دماءهم بأيديهم، وابعث عليهم شرار خلقك» . ودعا على أهل إفريقية «٣» . فوقع الوباء والطاعون بها سبع سنين لا يكاد يرتفع إلا إلا وقتا فى الشتاء ووقتا فى الصيف. قال: ولما ولى عبد الرحمن، ثار عليه جماعة من العرب والبربر ثم ثار عليه عروة بن الوليد الصّدفى «٤» واستولى على تونس. ثم ثار عليه عرب الساحل. وقام ابن عطّاف الأزدى «٥» حتى نزل بطبيناس. وثارت البربر من الجبال. وثار ثابت الصنهاجى بباجة فأخذها. وخرج بناحية طرابلس رجلان يقال لأحدهما عبد الجبار والآخر الحارث، وهما من البربر على دين الخوارج. فقاتل كل من خرج عليه، طائفة بعد أخرى بنفسه وبجيوشه، حتى دوّخ المغرب كله،

стр. 9093

وأذلّ من به من القبائل. ولم ينهزم له عسكر ولا ردّت له راية. وخافه جميع أهل المغرب. وكتب إلى مروان بن محمد، وأهدى له هدية، وتقوّل على حنظلة، ونسب إليه ما لم يقع منه. فكتب إليه مروان بولاية إفريقية والمغرب كله والأندلس. ثم قتل مروان وانقرضت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية. فكتب عبد الرحمن إلى أبى العباس السفاح بطاعته، وأقام الدعوة العباسية. فلما صار الأمر إلى أبى جعفر المنصور كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة. فأجابه وكتب بطاعته، وأرسل إليه بهدية نزرة كان فيها بزاة وكلاب. وكتب إليه: «إن إفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد انقطع السبى منها. فلا تسألنى ما ليس قبلى» . فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل كتابه إليه غضب غضبا شديدا. ثم نادى: «الصلاة جامعة» . فاجتمع الناس فى المسجد الجامع. ثم خرج عبد الرحمن فى مطرف خزّ، وفى رجليه نعلان. فصعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيه ﷺ . ثم أخذ فى سب أبى جعفر. ثم قال: «إنى ظننت هذا الخائر «١» يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لى منه خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل. وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلىّ هاتين» . وقذفهما وهو على المنبر. ثم دعا بخلعة أبى جعفر التى كان أرسلها إليه، وفيها سواده- وكان قد لبسها قبل ذلك ودعا

стр. 9094

فيها لأبى جعفر، وهو أول سواد لبس بإفريقية- فأمر بتخريقها وحرقها. وأمر كاتبه خالد بن ربيعة أن يكتب كتابا بخلعه، ويقرأ على المنابر فى سائر بلاد المغرب، ففعل ذلك. ذكر مقتل عبد الرحمن بن حبيب وولاية أخيه الياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله كان سبب قتل عبد الرحمن أنه لما قتل مروان بن محمد الحمار هرب جماعة من بنى أمية ومعهم حريمهم نحو إفريقية، فتزوج عبد الرحمن وإخوته منهم. وكان ممن قدم عليه ابنان للوليد بن يزيد ابن عبد الملك، يقال لأحدهما العاص «١» والآخر [عبد] «٢» المؤمن. وكانت ابنة عمهما تحت إلياس بن حبيب. فأنزلهما عبد الرحمن بدار شيبة «٣» بن حسان. وتسلك عليهما ليسمع كلامهما وكانا على نبيذ، وغلامهما يسقيهما. فقال العاص: «ما أغفل عبد الرحمن! أيظن أنه يتهنى معنا بولاية ونحن أولاد الخلفاء؟» . فنزل وانصرف ولم يعلما به «٤» ثم أمر بقتلهما. فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: «إنه قتل أختانك تهاونا بك، وجعل العهد من بعده لابنه حبيب وأنت صاحب حربه وسيفه الذى يصول به» ! ولم تزل

стр. 9095

تغريه به. وكان عبد الرحمن إذا ثار عليه ثائر أو خرج عليه خارجى يرسل «١» أخاه إلياس لقتاله. فإذا ظفر، نسب الظفر لابنه حبيب وجعل العهد فيه. فاجتمع رأى إلياس بن حبيب وعبد الوارث أخيه على قتل عبد الرحمن أخيهما. ووالاهما على ذلك جماعة من أهل القيروان والعرب «٢» وغيرهم، على أن يكون الأمر لإلياس، والدعاء لأبى جعفر المنصور. فأتاه إلياس ليلا فاستأذن عليه بعد العشاء الآخرة. فقال: «ما جاء به وقد ودعنى؟» وكان إلياس قد عزم على الخروج إلى تونس. وأذن له، فدخل «٣» عليه وهو فى غلالة وردية وابن له صغير فى حجره. فقعد طويلا وعبد الوارث يغمز. فلما قام يودعه، أكب عليه يعانقه، فوضع السكين بين كتفيه حتى صارت إلى صدره. فصاح عبد الرحمن وقال: «فعلتها يا ابن اللخناء؟» . ثم ضربه إلياس بالسيف. فاتقاه «٤» بمرفقه، فأبان يده. وضربه حتى أثخنه. ودهش إلياس وخرج هاربا. فقال له أصحابه: «ما فعلت؟» . قال: «قتلته» . فقالوا: «ارجع وحزّ رأسه، وإلا قتلنا عن آخرنا» . ففعل. وثارت الصيحة. وأخذ إلياس «٥» أبواب دار الإمارة. وسمع حبيب بن عبد الرحمن الصيحة فهرب من القيروان. وأصبح بقرب تونس فدخلها، واجتمع مع عمه عمران بن حبيب.

стр. 9096

ولحق بهما موالى عبد الرحمن من كل ناحية. فخرج إليهما إلياس إلى سمنجة. فوافياه بمن معهما، وهموا بالقتال «١» . ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقصيطلة ونفزاوة، ولإلياس سائر إفريقية والمغرب. ومضى إلياس مع عمران إلى تونس، وانصرف حبيب إلى القيروان. فوثب إلياس على أخيه عمران، وعلى عمر بن نافع بن أبى عبيدة الفهرى، وعلى الأسود بن موسى بن عبد الرحمن بن عقبة وعلى ابن قطن، فشدهم وثاقا، ووجههم فى سفينة إلى الأندلس إلى يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة «٢» . وانصرف إلى القيروان فبلغه عن حبيب أخبار كرهها. فأغرى إلياس به، وأرسل إليه من زين له الخروج إلى الأندلس، ففعل. وجهزه إلياس فى سفينة. فتعذّرت عليهم الريح. فكتب إلى إلياس أن الريح قد ردته، وأن المسير لا يمكنه. فاتهمه إلياس وخاف ناحيته. وكتب إلى عامله «٣» سليمان بن زياد الرّعينى يحذره أمره. فاجتمع إلى حبيب موالى أبيه، فأسروا سليمان بن زياد وشدوه وثاقا وكان معسكرا يحارس حبيبا. وأخرجوا حبيبا إلى البر وأظهروا أمره. فتوجه إلى الأربس «٤» فأخذها. وبلغ خبره إلياس فتوجه إليه. واجتمع لكل واحد منهما جماعة.

стр. 9097

فلما التقيا، قال حبيب لعمه إلياس: «لم نقتل موالينا وصنائعنا بيننا وهم لنا حصن؟ ولكن ابرز أنت وأنا، فأينا قتل صاحبه استراح منه: إن قتلتنى ألحقتنى بأبى، وإن قتلتك أدركت ثأرى منك» . فارتاب إلياس ساعة. فنادى الناس: «قد أنصفك فلاتجبن، فإن ذلك سبّة «١» عليك وعلى ولدك من بعدك» . فخرج كل منهما إلى صاحبه والتقيا ساعة. فضرب إلياس حبيبا فأعمل السيف فى ثيابه ودرعه ووصل إلى جسمه «٢» . فعطف حبيب عليه وضربه بالسيف ضربة سقط بها عن فرسه إلى الأرض. فألقى حبيب نفسه عليه فحز رأسه ثم أمر برفعه على رمح. وهرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة «٣» ودخل حبيب القيروان وبين يديه رأس إلياس، ورأس محمد بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع عم أبيه، ورأس محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن القرشى. وجاءه محمد بن عمرو بن مصعب الفزارى وهو زوج عمة أبيه مهنئا له، فضرب عنقه. وكان ذلك كله فى شهر رجب سنة ثمان وثلاثين ومائة. قال: ولما وصل عبد الوارث بن حبيب ومن معه إلى ورفجومة نزلوا على عاصم بن جميل الورفجومى. فكتب إليه حبيب يأمره أن يوجه بهم إليه، فلم يفعل، فنهد «٤» إليه حبيب. ولقيه عاصم واقتتلوا فانهزم حبيب. وكان قد استخلف على القيروان أبا كريب جميل بن

стр. 9098

كريب القاضى. فقوى أمر ورفجومة، وكاتبهم بعض وجوه القيروان خوفا منهم على أنفسهم. فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرّم بالبربر «١» وبمن لجأ «٢» إليهم وصاروا بناحية قابس. فلما قربوا من القيروان، خرج إليهم أبو كريب القاضى بأهل القيروان. حتى إذا دنوا من بعضهم، خرج من عسكر عاصم جماعة من أهل القيروان، فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم. فافترق أكثر الناس عن أبى كريب ورجعوا إلى القيروان. وثبت أبو كريب فى نحو ألف رجل من وجوه الناس، وأهل البصائر والخشية والدين. وقاتلوا فقتل أبو كريب. وقاتل من معه حتى قتلوا. ودخلت ورفجومة القيروان. فاستحلوا المحارم وارتكبوا العظائم. ونزل عاصم بعسكره بالموضع الذى يسمى مصلى روح. واستخلف على القيروان عبد الملك بن أبى جعدة «٣» النّفزى. وسار إلى حبيب وهو بقابس. فقاتله فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس وهم أخوال أبيه. فسار عاصم فى طلبه إلى أوراس، والتقوا واقتتلوا، فهزم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان. فخرج إليه عبد الملك بن أبى جعدة والتقوا. فقتل حبيب فى المحرم سنة أربعين ومائة. فكانت ولاية عبد الرحمن بن

стр. 9099

حبيب عشر سنين وأشهرا «١» ، وولاية إلياس ستة أشهر، وولاية حبيب بن عبد الرحمن سنة واحدة وستة أشهر. «٢» . ذكر تغلب ورفجومة على افريقية وما كان منهم ومن ولى بعدهم الى أن ولى محمد بن الأشعث قال: ولما حكمت «٣» ورفجومة على القيروان، قتلوا من بها من قريش وساموهم سوء العذاب، وربطوا دوابهم فى المسجد الجامع. وندم الذين أعانوهم أشد ندامة. قال: ثم دخل رجل من الإباضية القيروان فرأى ناسا من الورفجوميين قد أخذوا امرأة وأرادوها على نفسها «٤» ، والناس ينظرون. فترك حاجته التى أتى فيها، وخرج إلى أبى الخطاب عبد الأعلى «٥» بن السّمح المعافرى، فأعلمه بالذى رأى. فخرج وهو يقول: «لبيك اللهم لبيك» . فاجتمع إليه أصحابه من كل

стр. 9100

مكان. وتوجهوا نحو طرابلس فأخرجوا منها عمر بن عثمان القرشى، واستولى عليها أبو الخطاب «١» . ثم سار إلى القيروان فخرج إليه عبد الملك بن أبى جعدة بجماعة ورفجومة. والتقوا فقتل عبد الملك وأصحابه، وذلك فى صفر سنة إحدى وأربعين. فكان تغلّب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين. وتبع أبو الخطاب من انهزم منهم فقتلهم. ثم انصرف إلى القيروان فولى عليها عبد الرحمن بن رستم القاضى، ومضى إلى طرابلس. فصارت طرابلس ومايليها وإفريقية كلها فى يده، إلى أن وجه أبو جعفر المنصور محمد ابن الأشعث فى سنة أربع وأربعين. ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعى قال: لما غلبت الصّفرية على إفريقية بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من عربها، خرج جماعة إلى أبى جعفر المنصور، منهم عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، ونافع بن عبد الرحمن السّلمى، وأبو البهلول بن عبيدة، وأبو العرباض. فأتوا المنصور يستنصرون به على البربر، ووصفوا عظيم مالقوه منهم «٢» . فولى المنصور أبو جعفر محمد بن الأشعث مصر «٣» . فوجه أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلى

стр. 9101

إلى إفريقية. فهزمه أبو الخطاب فى سنة اثنتين وأربعين. فكتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن الأشعث يأمره بالمسير بنفسه، ووجه إليه الجيوش. فخرج فى أربعين ألفا «١» : ثلاثين ألف فارس من أهل خراسان، وعشرة آلاف من أهل الشام. ووجه معه الأغلب بن سالم التّميمى والمحارب بن هلال الفارسى، والمخارق بن غفار الطائى، وأمرهم بالسمع والطاعة له. فإن حدث به حدث كان أميرهم الأغلب، فإن حدث به حدث فالمخارق، فإن حدث به حدث فالمحارب بن هلال. فمات المحارب قبل وصولهم إلى إفريقية. وبلغ أبا الخطاب خروج محمد بن الأشعث إليه، فجمع أصحابه من كل ناحية. ومضى فى عدد عظيم فوصل إلى سرت. واستقدم عبد الرحمن بن رستم من القيروان، فقدم بمن معه. فضاق ابن الأشعث ذرعا بلقاء أبى الخطاب لما بلغه من كثرة جموعه. فاتفق تنازع زناته وهوارة فيما بينهم. فقتلت هوارة رجلا من زناته. فاتهمت زناتة أبا الخطاب فى ميله مع هوارة، ففارقه جماعة منهم. فبلغ ذلك ابن الأشعث فسربه. وضبط أفواه السكك حتى انقطع خبره عن أبى الخطاب. فرجع إلى طرابلس. ووصل ابن الأشعث إلى سرت. فخرج إليه أبو الخطاب حتى صار بورداسة. فلما قرب منه ذكر ابن الأشعث لأصحابه أن خبرا

стр. 9102

أتاه من المنصور بالرجوع إلى المشرق «١» . وأظهر لهم المسرة بالرجوع. فشاع ذلك فى الناس. وسار منصرفا ميلا ثم نزل. فانتهى ذلك إلى أبى الخطاب وسمع به من معه، فتفرق كثير منهم. ثم أصبح ابن الأشعث فسار أميالا متثاقلا فى سيره. وفعل ذلك فى اليوم الثالث. ثم اختار أهل الجلد والقوة من جيشه «٢» ، وسار بهم ليله كله. فصبح أبا الخطاب وقد اختل عسكره. فلما التقوا ترجّل جماعة من أصحاب ابن الأشعث وقاتلوا. فانهزم البربر وقتل أبو الخطاب وعامة من معه، وذلك فى شهر ربيع الأول «٣» من سنة أربع وأربعين ومائة. فكانت عدة من قتل من البربر أربعين ألفا «٤» . ولما انتهى الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم هرب إلى تيهرت واختطها وبلغ أهل القيروان خبر أبى الخطاب، فأوثقوا عامل ابن رستم وولوا عليهم عمرو بن عثمان القرشى إلى أن قدم محمد بن الأشعث. ووصل ابن الأشعث إلى طرابلس فاستعمل عليها المخارق بن غفار الطائى. ووجه إسماعيل بن عكرمة الخزاعى إلى زويلة وما والاها، ففتح تلك النواحى وقتل من بها من الخوارج. وتوجه محمد إلى القيروان، وأمر ببناء سورها، وذلك فى يوم السبت غرة جمادى الأولى. فبنى فى ذى القعدة، وكان تمامه فى

стр. 9103

شهر رجب سنة ست وأربعين. وضبط إفريقية وأعمالها. وأمعن فى قتل كل من خالفه من البربر فخافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة. ثم فسد عليه جنده بعد ذلك، وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم عليه وأنه أبى ذلك. فاجتمع رأيهم على إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراسانى. فلما رأى ذلك علم أنه لا طاقة له بهم. فخرج فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبى جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد المضرية «١» تراضوا به. ذكر ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى قال: ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث، بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية، وكان بطبنة. فقدم إلى القيروان وأخرج عيسى بن موسى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وأخرج جماعة من قواد المضرية واستقامت له الحال. ثم خرج عليه أبو قرّة فى جمع كثير من البربر. فسار إليه الأغلب فى جميع قواده، فهرب منه. وقدم الأغلب الزاب، وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة. فاشتد ذلك على الجند، وجعلوا يتسللون

стр. 9104

عنه ويخرجون ليلا إلى القيروان، حتى بقى فى نفر يسير من وجوههم. وكان الحسن بن حرب الكندى بتونس. فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جماعة من القواد. فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب. فأقبل إلى القيروان، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما، فدخل القيروان من غير ممانعة. وحبس سالم بن سوادة التّميمى، وهو الذى استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل فى عدة يسيرة ممن صبر على طاعته. وكتب إلى الحسن بن حرب يعرّفه «١» فضل الطاعة وعقبى المعصية. فأعاد جوابه وكتب فى آخره: ألا قولا لأغلب غير سر ... مغلغلة من الحسن بن حرب بأنّ البغى مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شرّ قرب وإن لم تدعنى لتنال سلمى ... وإلا فادن من طعنى وضربى «٢» فأقبل الأغلب نحوه يجد السير «٣» . فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس، وأن يلطف بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه. ففعل ذلك. وقدم رسول المنصور إلى الأغلب، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم يفعل. فزحف إليه الأغلب

стр. 9105

واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير. فرجع إلى تونس. وأقبل الأغلب إلى القيروان. وحشد الحسن بن حرب وسار فى عدة عظيمة إلى القيروان. فجمع الأغلب أهل بيته وخاصته وأعلمهم أنه يلاقى الحسن وحده إن لم يعنه «١» أحد. فلما قرب، خرج إليه الأغلب فشد هو وأصحابه على الميمنة فكشفهم. ثم انصرف وهو يقول: لم يبق إلا القلب أو أموت ... إن تحم لى الحرب فقد حميت وإن تولّيت فلا بقيت ثم حمل على القلب فلم يثن حدّه حتى قتل بسهم أصابه، وذلك فى شعبان سنة خمسين ومائة. قال: ولما سقط الأغلب صاح الناس: «قتل الأمير» . وارتفعت الأصوات بذلك. قال: وكان سالم بن سوادة فى الميمنة هو وأبو العنبس «٢» . فقال سالم لأبى العنبس: «لا أنظر إلى الدنيا بعد اليوم» . ودفع فى عسكر الحسن بن حرب، فقتل من أصحاب الحسن مقتلة عظيمة. ووجد الحسن بن حرب مقتولا.
следующие страницы →