← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

إلى إفريقية. فهزمه أبو الخطاب فى سنة اثنتين وأربعين. فكتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن الأشعث يأمره بالمسير بنفسه، ووجه إليه الجيوش. فخرج فى أربعين ألفا «١» : ثلاثين ألف فارس من أهل خراسان، وعشرة آلاف من أهل الشام. ووجه معه الأغلب بن سالم التّميمى والمحارب بن هلال الفارسى، والمخارق بن غفار الطائى، وأمرهم بالسمع والطاعة له. فإن حدث به حدث كان أميرهم الأغلب، فإن حدث به حدث فالمخارق، فإن حدث به حدث فالمحارب بن هلال. فمات المحارب قبل وصولهم إلى إفريقية. وبلغ أبا الخطاب خروج محمد بن الأشعث إليه، فجمع أصحابه من كل ناحية. ومضى فى عدد عظيم فوصل إلى سرت. واستقدم عبد الرحمن بن رستم من القيروان، فقدم بمن معه. فضاق ابن الأشعث ذرعا بلقاء أبى الخطاب لما بلغه من كثرة جموعه. فاتفق تنازع زناته وهوارة فيما بينهم. فقتلت هوارة رجلا من زناته. فاتهمت زناتة أبا الخطاب فى ميله مع هوارة، ففارقه جماعة منهم. فبلغ ذلك ابن الأشعث فسربه. وضبط أفواه السكك حتى انقطع خبره عن أبى الخطاب. فرجع إلى طرابلس. ووصل ابن الأشعث إلى سرت. فخرج إليه أبو الخطاب حتى صار بورداسة. فلما قرب منه ذكر ابن الأشعث لأصحابه أن خبرا

стр. 9102

أتاه من المنصور بالرجوع إلى المشرق «١» . وأظهر لهم المسرة بالرجوع. فشاع ذلك فى الناس. وسار منصرفا ميلا ثم نزل. فانتهى ذلك إلى أبى الخطاب وسمع به من معه، فتفرق كثير منهم. ثم أصبح ابن الأشعث فسار أميالا متثاقلا فى سيره. وفعل ذلك فى اليوم الثالث. ثم اختار أهل الجلد والقوة من جيشه «٢» ، وسار بهم ليله كله. فصبح أبا الخطاب وقد اختل عسكره. فلما التقوا ترجّل جماعة من أصحاب ابن الأشعث وقاتلوا. فانهزم البربر وقتل أبو الخطاب وعامة من معه، وذلك فى شهر ربيع الأول «٣» من سنة أربع وأربعين ومائة. فكانت عدة من قتل من البربر أربعين ألفا «٤» . ولما انتهى الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم هرب إلى تيهرت واختطها وبلغ أهل القيروان خبر أبى الخطاب، فأوثقوا عامل ابن رستم وولوا عليهم عمرو بن عثمان القرشى إلى أن قدم محمد بن الأشعث. ووصل ابن الأشعث إلى طرابلس فاستعمل عليها المخارق بن غفار الطائى. ووجه إسماعيل بن عكرمة الخزاعى إلى زويلة وما والاها، ففتح تلك النواحى وقتل من بها من الخوارج. وتوجه محمد إلى القيروان، وأمر ببناء سورها، وذلك فى يوم السبت غرة جمادى الأولى. فبنى فى ذى القعدة، وكان تمامه فى

стр. 9103

شهر رجب سنة ست وأربعين. وضبط إفريقية وأعمالها. وأمعن فى قتل كل من خالفه من البربر فخافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة. ثم فسد عليه جنده بعد ذلك، وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم عليه وأنه أبى ذلك. فاجتمع رأيهم على إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراسانى. فلما رأى ذلك علم أنه لا طاقة له بهم. فخرج فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبى جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد المضرية «١» تراضوا به. ذكر ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى قال: ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث، بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية، وكان بطبنة. فقدم إلى القيروان وأخرج عيسى بن موسى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وأخرج جماعة من قواد المضرية واستقامت له الحال. ثم خرج عليه أبو قرّة فى جمع كثير من البربر. فسار إليه الأغلب فى جميع قواده، فهرب منه. وقدم الأغلب الزاب، وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة. فاشتد ذلك على الجند، وجعلوا يتسللون

стр. 9104

عنه ويخرجون ليلا إلى القيروان، حتى بقى فى نفر يسير من وجوههم. وكان الحسن بن حرب الكندى بتونس. فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جماعة من القواد. فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب. فأقبل إلى القيروان، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما، فدخل القيروان من غير ممانعة. وحبس سالم بن سوادة التّميمى، وهو الذى استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل فى عدة يسيرة ممن صبر على طاعته. وكتب إلى الحسن بن حرب يعرّفه «١» فضل الطاعة وعقبى المعصية. فأعاد جوابه وكتب فى آخره: ألا قولا لأغلب غير سر ... مغلغلة من الحسن بن حرب بأنّ البغى مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شرّ قرب وإن لم تدعنى لتنال سلمى ... وإلا فادن من طعنى وضربى «٢» فأقبل الأغلب نحوه يجد السير «٣» . فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس، وأن يلطف بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه. ففعل ذلك. وقدم رسول المنصور إلى الأغلب، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم يفعل. فزحف إليه الأغلب

стр. 9105

واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير. فرجع إلى تونس. وأقبل الأغلب إلى القيروان. وحشد الحسن بن حرب وسار فى عدة عظيمة إلى القيروان. فجمع الأغلب أهل بيته وخاصته وأعلمهم أنه يلاقى الحسن وحده إن لم يعنه «١» أحد. فلما قرب، خرج إليه الأغلب فشد هو وأصحابه على الميمنة فكشفهم. ثم انصرف وهو يقول: لم يبق إلا القلب أو أموت ... إن تحم لى الحرب فقد حميت وإن تولّيت فلا بقيت ثم حمل على القلب فلم يثن حدّه حتى قتل بسهم أصابه، وذلك فى شعبان سنة خمسين ومائة. قال: ولما سقط الأغلب صاح الناس: «قتل الأمير» . وارتفعت الأصوات بذلك. قال: وكان سالم بن سوادة فى الميمنة هو وأبو العنبس «٢» . فقال سالم لأبى العنبس: «لا أنظر إلى الدنيا بعد اليوم» . ودفع فى عسكر الحسن بن حرب، فقتل من أصحاب الحسن مقتلة عظيمة. ووجد الحسن بن حرب مقتولا.

стр. 9106

ذكر ولاية عمر «١» بن حفص هزار مرد وتفسيره بالفارسية ألف رجل، ويكنى أبا جعفر. وكان شجاعا بطلا. وهو من ولد قبيصة بن أبى صفرة أخى المهلّب. استعمله المنصور على إفريقية لما بلغه قتل الأغلب. فقدمها فى صفر سنة إحدى وخمسين ومائة فى خمسمائة فارس. فاجتمع إليه وجوه الناس، فوصلهم وأحسن إليهم. فاستقامت له الأمور ثلاث سنين وأشهرا من ولايته. ثم سار إلى الزاب فنزل طبنة. واستخلف على القيروان حبيب ابن حبيب بن يزيد بن المهلب، وكان كتاب المنصور قدم عليه بالشخوص إلى الزاب لبناء طبنة. فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر. فخرج إليهم حبيب وقاتلهم فقتل. واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب «٢» مولى كندة، وهو الذى يسمى أبا قادم. وكان عامل عمر على طرابلس الجنيد بن سيار الأزدى «٣» ، فبعث إليهم الجنيد خيلا عليهم خازم بن سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم خازم وأصحابه ولحقوا بالجنيد بطرابلس. فكتب الجنيد إلى عمر يستمده. فبعث إليه خالد بن يزيد المهلبى فى أربعمائة فارس. فاجتمع هو والجنيد والتقيا مع البربر. فانهزم خالد والجنيد إلى قابس.

стр. 9107

فبعث عمر بن حفص سليمان بن عباد المهلبى فى جماعة من الجند. فلقى أبا قادم «١» بقابس، فقاتله. فانهزم سليمان إلى القيروان. فسار إليها وحصرها، وعمر مقيم بطبنة، وقد صارت إفريقية وأعمالها نارا تتقد. وأتى البربر من كل مكان، ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها وهم فى اثنى عشر عسكرا: أبو قرّة الصّفرى فى أربعين ألف فارس، وعبد الرحمن بن رستم الإباضى فى خمسة عشر ألف فارس «٢» ، وأبو حاتم فى عدد كثير، وكان إباضيا، وعاصم السّدراتى الإباضى فى ستة آلاف، والمسور «٣» الزّناتى الإباضى فى عشرة آلاف فارس، وعبد الملك بن سكرديد الصّنهاجى الصّفرى فى ألفى فارس، وجماعة غير هؤلاء، وليس مع عمر إلا خمسة آلاف وخمسمائة «٤» . فلما رأى ما حل به جمع قواده فاستشارهم فى مناجزتهم. فأشاروا عليه ألا يخرج من المدينة. فأعمل الحيلة فى صرف الصّفرية، ووجه إليهم رجلا من أهل مكناسة يقال له إسماعيل بن يعقوب. ودفع إليه أربعين ألف درهم وكسا كثيرة، وأمره بدفع ذلك إلى أبى قرة على أن ينصرف عنهم. فقدم عليه وعرض المال والكسا. فقال له: «أبعد أربعين سنة يسلّم على بالإمامة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا؟

стр. 9108

لا حاجة لى به» . فانصرف إلى ابنه وقيل إلى أخيه «١» . ودفع إليه أربعة آلاف درهم وأثوابا على أن يعمل فى صرف أبيه ورد الصفرية إلى بلدهم فعمل ذلك من ليلته. فلم يشعر أبو قرة حتى ارتحل العسكر منصرفين إلى بلدهم. فلم يجد بدا من اتباعهم. فلما انصرف» . الصفرية وجه عمر معمر بن عيسى السّعدى فى ألف وخمسمائة إلى ابن رستم، وهو بتهوذا فى خمسة عشر ألف فارس. فالتقوا فانهزم ابن رستم ووصل إلى تيهرت. ثم أقبل عمر بن حفص يريد القيروان. واستخلف على طبنة المهنا بن المخارق بن غفار الطائى. فلما بلغ أبا قرة مسيره، أقبل بجموعه وحصر المهنا بطبنة. فخرج إليه وقاتله. فانهزم أبو قرة واستباحوا عسكره. وكان أبو حاتم لما حاصر القيروان أقام عليها ثمانية أشهر، وليس فى بيت مالها درهم واحد ولا فى أهرائها «٣» شىء من الطعام. وكان الجند فى تلك المدة يقاتلون البربر طرفى النهار حتى جهدهم الجوع، وأكلوا دوابهم وكلابهم. فجعل الناس يخرجون فيلحقون بالبربر. فبلغ ذلك عمر فأقبل يريد القيروان فى نحو سبعمائة من الجند حتى نزل مدينة الأربس فبلغ البربر إقباله، فرجعوا إليه بأجمعهم ورحلوا عن القيروان. فلما بلغه إقبالهم توجه إلى ناحية

стр. 9109

تونس، وأغذّ السير. ومضى البربر حتى صاروا بناحية سمنجة. وسار عمر من تونس وخرج جميل بن صخر من القيروان، فالتقوا فى بئر السلامة. ثم أقبل حتى دخل القيروان. فبث خيوله حول القيروان وجعل يدخل إليها ما يصلحه من الطعام والحطب وغير ذلك. واستعد للحصار، وخندق خندقا على باب أبى الربيع فعسكر فيه الجند. ثم قدم أبو حاتم فى جنوده وقد بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفا. فقاتله عمر بمن معه أشد قتال. فانكشف حتى صار إلى الفسطاط. ثم اقتتلوا بالفسطاط واشتد قتالهم وكاثروه حتى انحاز «١» إلى الخندق بباب أبى الربيع. وكان عمر يخرج إليهم فى كل يوم ويقاتلهم فمازالوا على ذلك «٢» حتى فنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم والسنانير «٣» . فاضطرب على عمر أمره وضجر أصحابه وساءت آراؤهم. فقال لمن معه من الجند: «قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم حتى قدمت عليكم ففرج الله عنكم بعض ما كنتم فيه. وقد ترون ما أنتم الآن فيه. فإن شئتم خرجت أنا على ذراريهم وبلادهم. وجعلت عليكم أى الرجلين شئتم: جميلا أو المخارق. وأخرج فى ناس من الجند فأغير على نواحيهم وآتيكم بالميرة» . فقالوا: «قد رضينا» . وكان قد اجتمع حول القيروان من الإباضية مع أبى حاتم ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا: الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا. فلما هم بالخروج، اختلفوا عليه وقالوا: «تحب أن تخرج ونبقى

стр. 9110

نحن فى الحصار، لا تخرج وأقم معنا» . قال: «نعم، أقيم معكم وأخرج جميلا والمخارق ومن أحببتم» . قالوا: «نعم» . فلما جاءوا إلى باب المدينة قالوا: «تقيم أنت فى الراحة ونخرج نحن! لا والله لا نفعل» . فغضب عمر وقال: «والله لأوردنّكم حياض الموت» . وجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك امرأته تخبره فيه: إن أمير المؤمنين قد استبطأك فبعث يزيد بن حاتم إلى إفريقية، وهو قادم فى ستين ألفا، ولا خير فى الحياة بعد هذا. قال خراش «١» ابن عجلان: فأرسل إلى فجئته، وقد ثار عرق بين عينيه وكان علامة غضبه. فأقرأنى الكتاب فدمعت عيناى. فقال: «مالك؟» . فقلت: «وما عليك أن يقدم رجل من أهلك فتخرج من هذا الحصار؟» . فقال: «إنما هى رقدة حتى نبعث إلى الحساب فاحفظ وصيتى» . قال خراش: فأوصى بما أحب. وخرج كالبعير الهائج. فلم يزل يطعن ويضرب حتى قتل، وذلك فى يوم السبت للنصف من ذى الحجة سنة أربع وخمسين ومائة «٢» . فلما قتل بايع الناس جميل «٣» بن صخر، وهو أخو عمر لأمه. فلما طال عليه الحصار دعاه ذلك إلى موادعة أبى حاتم. فصالحه على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون طاعة سلطانهم ولا ينزعون سوادهم، وعلى أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، وعلى أن لا يكرهوا أحدا

стр. 9111

من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم. فأجابهم إلى ذلك أبو حاتم. ففتح جميل أبواب المدينة وخرج أكثر الجند إلى طبنة. وأحرق أبو حاتم أبواب المدينة وأثّر فى سورها. وبلغه قدوم يزيد بن حاتم فتوجه إلى طرابلس، واستخلف على القيروان عبد العزيز بن السّمح «١» المعافرى. ثم بعث إليه أبو حاتم يأمره بأخذ سلاح الجند، وألا يجتمع منهم اثنان فى مكان واحد، وأن يوجه إليه بهم واحدا بعد واحد. فاجتمعوا واستوثق بعضهم من بعض بالأيمان المؤكدة أن لا يرضوا بهذا. وقويت قلوبهم بيزيد بن حاتم. فلقوا عمر بن عثمان الفهرى واتفقوا معه وولوه أمرهم. فقبله وقام على أصحاب أبى حاتم فقتلهم. واتصل ذلك بأبى حاتم فزحف من طرابلس. فلقى عمر بن عثمان ومن معه. فاقتتلوا فقتل من البربر خلق كثير. ومضى عمر بن عثمان وأصحابه نحو تونس. ومضى جميل بن صخر والجنيد ابن سيار هاربين نحو المشرق. وخرج أبو حاتم فى طلب عمر بن عثمان. ووجه قائدا من قواده يقال له جرير بن مسعود المديونى على مقدمته. فأدركه بجيجل من ناحية كتامة. فقاتلوه فقتل جرير بن مسعود وأصحابه. وانصرف عمر والمخارق فدخلا تونس، ومضى أبو حاتم إلى طرابلس حين بلغه قدوم يزيد بن حاتم. ولحق جميل بن صخر بيزيد وهو بسرت. فأقام إلى أن لقى أبا حاتم.

стр. 9112

فيقال: إنه كان بين الجند والبربر من لدن قتالهم عمر بن حفص إلى انقضاء أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة. ذكر ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة قال: ولما اتصل بأبى جعفر المنصور حال عمر بن حفص وحصره ثم بلغه أنه قتل، غمّه ذلك وساءه. فوجه يزيد بن حاتم فى ثلاثين ألفا من أهل خراسان، وستين ألفا من أهل البصرة والكوفة والشام «١» . فأقبل حتى صار إلى سرت. فاجتمع بجميل ابن صخر وبمن معه من الجند القادمين عليه من القيروان، وسار نحو طرابلس. فسار أبو حاتم إلى جبال نفوسة. وجعل يزيد على مقدمته سالم بن سوادة التّميمى. فالتقى سالم هو وأبو حاتم، واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم سالم وأصحابه، ورجعوا إلى عسكر يزيد. وهال أبو حاتم أمر يزيد فطلب أوعر المنازل وأمنعها، فعسكر فيها، وخندق على عسكره. فأتاه يزيد من ناحية الخندق، والتقوا واقتتلوا. فقتل أبو حاتم وأهل البصائر من أصحابه، وانهزم الباقون. وطلبهم يزيد فقتلهم قتلا ذريعا. وبعث خيله فى طلبهم بكل ناحية. فكان عدة من قتل منهم ثلاثين ألفا. ويقال: إنه لم يقتل من الجند

стр. 9113

إلا ثلاثة. وذلك فى يوم الاثنين لثلاث بقين «١» من شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائة. وأقام يزيد بمكانه ذلك نحوا من شهر. وبث خيله فى طلب الخوارج فقتلهم فى كل سهل وجبل. ثم رحل حتى نزل قابس فدخلها لعشر بقين من جمادى الآخرة «٢» . واستقامت له الأمور بعد أن قتل البربر بكل ناحية. وبنى يزيد المسجد الأعظم بالقيروان، وجدده فى سنة سبع وخمسين «٣» . ورتب أسواق القيروان، وجعل كل صناعة فى مكانها، حتى لو قيل: إنه الذى مصّرها، لم يبعد من الحق. ولم تزل البلاد مستقيمة والأمور ساكنة مدة حياته إلى أن توفى فى شهر رمضان سنة سبعين ومائة «٤» فى خلافة الرشيد. وكان كريما شجاعا نافذ الرأى، بعيد الصيت، غاية فى الجود. وهو القائل: لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما قليلا ثم ينطلق «٥» يمر مرا عليها وهى تلفظه ... إنى امرؤ لم يحالف خرقتى الورق «٦»

стр. 9114

وله أخبار بإفريقية تدل على كرمه وبعد همته. فمن مشهورها أن بعض وكلائه أتاه يوما فقال: «أعز الله الأمير! أعطيت فى الفول الذى زرعناه بفحص القيروان كذا وكذا!» . وذكر ما لا جليلا. فسكت وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع. وأمر فراشيه أن يضربوا قبة، فضربوا مضارب كثيرة. وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم. فلما أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بأدبه وقال له: «يا ابن اللّخناء، أردت أن أعيّر بالبصرة فيقال: يزيد بن حاتم باقلانى! أمثلى يبيع الفول، لا أمّ لك؟» . ثم أمر بإباحته. فخرج الناس إليه من بين آكل وشارب ومتنزه حتى أتوا على جميعه. ومن أخباره المشهورة أنه خرج متنزها إلى منية الخيل، فنظر فى طريقه إلى غنم كثيرة. فقال: «لمن هذه؟» قالوا: «لابنك إسحاق» . فدعا به فقال له: «ألك هذه الغنم؟» . قال: «نعم» . قال: «لم أردتها؟» . قال: «آكل من خرافها وأشرب من ألبانها وأنتفع بأصوافها» . قال: «فإذا كنت أنت تفعل هذا، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق» . وأمر أن تذبح وتباح للناس. فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحومها. وجعلوا جلودها على كدية، فهى تعرف بكدية الجلود «١» . وله مكارم يطول شرحها رحمه الله تعالى.

стр. 9115

ذكر ولاية داود بن يزيد بن حاتم قال: ولما مرض يزيد استخلف ابنه داود، فاستقل بالأمر بعده «١» فانتقض عليه البربر بجبال باجة، وخرج صالح بن نصير النّفرى «٢» فى الإباضية. فلقيه المهلّب بن يزيد بباجة. فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليمان بن الصّمّة بن يزيد بن حبيب ابن المهلب فى عشرة آلاف فارس. فهزم البربر وتبعهم وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف، وسلم الجند. قال: وانضم إلى صالح ابن نصير جماعة من مشيخة البربر. فزحف إليهم سليمان بن الصمة فقتل من أهل البصائر منهم وانصرف إلى القيروان. وأقام داود على إفريقية حتى قدم عمه روح بن حاتم أميرا. فكانت ولاية داوود تسعة أشهر ونصف شهر. وسار إلى المشرق «٣» فأكرمه الرشيد وولاه مصر، ثم ولى السند فمات بها. ذكر ولاية روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة قال: ولما بلغ الرشيد وفاة يزيد بن حاتم استعمل روح بن حاتم على المغرب، وكان أكبر من يزيد سنا. فوصل إلى القيروان فى شهر

стр. 9116

رجب سنة إحدى وسبعين ومائة «١» فى خمسمائة فارس من الجند. ثم لحق به ابنه قبيصة فى ألف وخمسمائة فارس. ولم تزل البلاد معه هادئة والسبل آمنة. وملىء البربر منه رعبا. ورغب فى موادعة عبد الوهاب «٢» بن رستم الإباضى صاحب تيهرت، وهو الذى تنسب إليه الوهبية. فلم تزل الأحوال مستقيمة مدة ولايته إلى أن توفى لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ومائة. ذكر ولاية نصر بن حبيب المهلبى «٣» قال المؤرخ: كان روح بن حاتم قد أسنّ وكبر، وإذا جلس للناس غلبه النوم «٤» من الضعف. فكتب أبو العنبر القائد وصاحب البريد إلى الرشيد بضعفه وكبره، وأنهما لا يأمنان موته، وهو ثغر لا يقوم بغير سلطان، وذكرا نصر بن حبيب، وحسن سيرته، ومحبة الناس له. وقالا: «إن رأى أمير المؤمنين ولايته فى السر إن حدث بروح حادث حتى يرى أمير المؤمنين رأيه» . فكتب الرشيد عهده سرا.

стр. 9117

فلما مات روح فرش لابنه قبيصة فى الجامع فجلس واجتمع الناس للبيعة له. فركب أبو العنبر وصاحب البريد إلى نصر ومعهما عهده. فأوصلاه العهد وسلّما عليه بالإمرة «١» ، وأركباه إلى المسجد فيمن معهما. فأقاما قبيصة وأجلسا نصرا. وقرئ كتاب الرشيد على الناس فسمعوا وأطاعوا. فبسط العدل وأحسن إلى الناس. وأقام واليا على المغرب سنتين وثلاثة أشهر. وكان الفضل بن روح لما مات أبوه عاملا على الزاب، فلما ظهر كتاب الرشيد بولاية نصر سار إلى الرشيد، ولزم بابه حتى ولاه المغرب. ذكر ولاية الفضل بن روح قال: ولما ولاه الرشيد كتب إلى إفريقية بعزل نصر، وأن يقوم بإفريقية المهلب بن يزيد إلى أن يقدم. ثم قدم فى المحرم سنة سبع وسبعين ومائة. وولى على تونس ابن أخيه المغيرة بن بشر بن روح، وكان غرا فاستخف بالجند، وسار فيهم بغير سيرة من تقدمه، ووثق أن عمه لا يعزله. فاجتمعوا وكتبوا إلى الفضل كتابا يخبرونه بسوء صنيع المغيرة فيهم وقبيح «٢» سيرته. فتثاقل الفضل عن جوابهم. فانضاف هذا إلى أمور كانوا قد كرهوها من الفضل منها استبداده برأيه دونهم. فاجتمعوا وولوا أمرهم عبد الله

стр. 9118

ابن الجارود وهو المعروف بعبدويه «١» وبايعوه بعد أن استوثق منهم «٢» . ثم انصرفوا إلى دار المغيرة فحصروه. فبعث إليهم يسألهم ما الذى يريدون. فقالوا: «ترحل عنا وتلحق بصاحبك أنت ومن معك» . وكتب عبدويه إلى الأمير الفضل: «من عبد الله بن الجارود. أما بعد، فإنا لم نخرج المغيرة إخراج خلاف عن طاعة، ولكن لأحداث أحدثها فيها فساد الدولة. فولّ علينا من نرضاه وإلا نظرنا لأنفسنا، ولا طاعة لك علينا والسلام» . فكتب إليه: «من الفضل بن روح إلى عبد الله بن الجارود. أما بعد، فإن الله يجرى قضاياه فيما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختيارى واليا اخترته لكم أو اخترتموه بحائل دون شىء أراد الله بلوغه فيكم. وقد وليت عليكم عاملا، فإن دفعتموه فهو آية النّكث منكم. والسلام» . وبعث عبد الله بن يزيد «٣» المهلّبى عاملا على تونس. وضم إليه النّضر بن «٤» حفص، وأبا العنبر، والجنيد بن سيار. فلما وصل ظاهر تونس، أشار أصحاب عبدويه عليه بقبضه

стр. 9119

هو ومن معه وحبسهم. فخرج أصحاب عبدويه إلى عبد الله ابن يزيد، فحملوا عليه وقتلوه وأسروا من معه. فقال عبدويه: «ما لهذا بعثتكم، فأما إذ وقع فما رأيكم «١» ؟» فأجمعوا على الخلاف. وأخذوا فى المكائد. وتولى أمر عبدويه محمد بن الفارسى، وهو الذى أثار هذه الفتنة. وشرع فى مكاتبة القواد وإفسادهم، ووعد كل واحد منهم أنه يوليه الأمر. ففسد الحال على الفضل. وكانت أمور يطول شرحها، وحرب آخرها أن ابن الجارود سار فيمن معه إلى القيروان، وقاتل الفضل وهزمه، واستولى على البلد وأخرجه منها. ثم قبض عليه وأراد أن يحبسه. فقال أصحابه: «لا نزال فى حرب مادام الفضل حيا» . فدافع عنه محمد بن الفارسى وأشار أن لا يقتلوه. فقاموا إليه وقتلوه. فعند ذلك أمر عبدويه المهلب بن يزيد ونصر بن حبيب وخالدا وعبد الله بن يزيد بالخروج من إفريقية، فخرجوا كلهم. ذكر أخبار عبد الله بن الجارود قال: ولما قتل الفضل واستولى عبد الله على القيروان، سمع شمدون القائد ما صنع بالفضل، فقام غضبا له. واجتمع فى الأربس هو وفلاح بن عبد الرحمن الكلاعى القائد، والمغيرة، وغيرهم. وأقبل عليهم أبو عبد الله مالك بن المنذر

стр. 9120

الكلبى من ميلة، وكان واليا عليها فى عدد كثير، فقدموه على أنفسهم. واجتمع إليهم الناس. والتقوا بابن الجارود واقتتلوا. فقتل مالك بن المنذر، وانهزم أصحابه حتى صاروا إلى الأربس. فكتب شمدون إلى العلاء بن سعيد- وهو بالزاب- أن يقدم عليه. فأقبل إلى الأربس واجتمع بالمغيرة وشمدون وفلاح وغيرهم. وأقبل العلاء يريد القيروان فصادف ابن الجارود وقد خرج منها يريد يحيى بن موسى «١» خليفة هرثمة بن أعين، وذلك أن الرشيد لما اتصل به وثوب ابن الجارود على الفضل وإفساده إفريقية، وجّه يقطين بن موسى لمحله من دعوتهم، ومكانه من دولتهم، وكبر سنه، وحاله عند أهل خراسان. وأمره بالتلطف بابن الجارود وإخراجه من البلد. ووجه معه المهلب بن رافع. ثم وجه منصور بن زياد، وهرثمة بن أعين أميرا على المغرب. فأقام ببرقة. وقدم يقطين القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير. ودفع إليه كتاب الرشيد، فقال ليقطين: «قد قرأت كتاب أمير المؤمنين، وأنا على السمع والطاعة. وفى كتاب أمير المؤمنين أنه ولى هرثمة بن أعين، وهو ببرقة يصل بعدكم. ومع العلاء البربر، فإن تركت الثغر وثب البربر فأخذوه وقتلوا العلاء ولا يدخله وال لأمير المؤمنين أبدا، فأكون أشأم الخلق على هذا

стр. 9121

الثغر. ولكن أخرج إلى العلاء، فإن ظفر بى فشأنكم بالثغر، وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة. ثم أخرج إلى أمير المؤمنين» فاجتمع يقطين مع محمد بن يزيد الفارسى- وهو صاحب ابن الجارود- ووعده التقدم وقيادة ألف فارس وصلة وقطيعة فى أى المواضع شاء، على أن يفسد حال عبد الله بن الجارود. ففعل ذلك وسعى فى إفساد الخواطر على ابن الجارود، ورغّب الناس فى الطاعة. فمالوا إليه وانضموا له. وخرج على ابن الجارود، فخرج عبد الله لقتاله. فلما تواقفا للقتال، ناداه ابن الجارود أن اخرج إلى حتى لا يسمع كلامى وكلامك غيرنا. فخرج إليه فحدثه وشاغله بالكلام، وكان قد وضع على قتله رجلا من أصحابه يقال له أبو طالب «١» فخرج إليه- وهو مشغول بحديث عبد الله- فما شعر حتى حمل عليه وضربه فدقّ صلبه، فانهزم أصحابه. وقدم يحيى بن موسى خليفة هرثمة إلى طرابلس. فصلى عيد الأضحى بالناس وخطبهم. وقدم عليه جماعة من القواد واستفحل أمره. وأقبل العلاء بن سعيد يريد القيروان. فعلم ابن الجارود أنه لا طاقة له بالعلاء. فكتب إلى يحيى أن اقدم إلى القيروان فإنى مسلم إليك سلطانها. وأجاب إلى الطاعة. فخرج يحيى بن موسى بمن معه من طرابلس فى المحرم سنة تسع وسبعين ومائة «٢» . فلما بلغ قابس تلقاه بها عامة الجند الذين بالقيروان. وخرج ابن

стр. 9122

الجارود من القيروان فى مستهل صفر، واستخلف عليها عبد الملك بن عباس «١» . وكانت أيام ابن الجارود سبعة أشهر. وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء إليها. فقتل منها «٢» جماعة من أصحاب ابن الجارود. فبعث إليه يحيى: «إن كنت على الطاعة ففرّق جموعك» . فأمر من معه بالانصراف إلى مواضعهم. وسار فى نحو ثلاثمائة من خاصته إلى طرابلس. وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصوله وخرج مع يقطين بن موسى نحو المشرق حتى وصل إلى هارون الرشيد. قال: وكتب العلاء إلى منصور وهرثمة أنه الذى أخرج ابن الجارود من إفريقية. فكتب إليه هرثمة بالقدوم، وأجازه بجائزة سنية. وبلغ خبره هارون، فكتب إليه بمائة ألف درهم صلة سوى الكسا، فلم يلبث إلا يسيرا حتى توفى بمصر. ذكر ولاية هرثمة بن أعين قال: وقدم هرثمة القيروان فى مستهل شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة «٣» فأمن الناس وسكنهم وأحسن إليهم. وهو الذى بنى القصر الكبير بالمنستير «٤» فى سنة ثمانين

стр. 9123

ومائة. وبنى أيضا سور مدينة طرابلس مما يلى البحر. وواتر الكتب إلى الرشيد أن يعفيه من إفريقية لما رأى الاختلاف بها وسوء طاعة أهلها. فكتب إليه بالقدوم إلى المشرق. فرجع فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة «١» . ذكر ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم «٢» العكى قال: ولما كتب هرثمة إلى هارون يسأله الإعفاء وجه محمد بن مقاتل أميرا للمغرب «٣» ، وكان رضيع هارون «٤» . فقدم القيروان فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة. ولم يكن بالمحمود السيرة، فاضطربت عليه أحواله واختلف جنده، وكان سبب الاضطراب عليه أنه اقتطع من أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفى الرعية. فقام فلاح القائد، ومشى فى أهل الشام وخراسان حتى اجتمع رأيهم على تقديم مرة بن مخلد الأزدى «٥» . وخرج عليه بتونس تمام بن تميم التّميمى- وكان عامله عليها- فبايعه جماعة من القواد وأهل الشام وأهل خراسان. فخرج فى النصف من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة إلى القيروان. وخرج إليه ابن العكى فيمن معه، فقاتله قتالا

стр. 9124

شديدا فى منية الخيل، فانهزم ابن العكى ودخل القيروان، وتحصن فى دار كان قد بناها، وجلا عن دار الإمارة. وأقبل تمام ودخل القيروان فى يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رمضان. فأمّنه تمام على دمه وماله، على أنه يخرج عنه. فخرج تلك الليلة وسار حتى وصل إلى طرابلس ثم مضى إلى سرت. وعاد إلى طرابلس بمكاتبة بعض أهل خراسان فنهض إبراهيم بن الأغلب من الزاب على تمام غضبا للعكى. فلما بلغ تماما إقباله جلا عن القيروان، ودخلها إبراهيم بن الأغلب. فخطب الناس وأعلمهم أن أميرهم محمد بن مقاتل. وكتب إليه بالرجوع، فرجع. ثم أخذ تمام فى مراسلة الناس وإفسادهم على العكى فمالوا إليه. فكثر جمعه وطاب نفسا بقتال العكى. وكتب إليه. «أما بعد. فإن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فبردك من كرامتك عليه ولا للطاعة التى يظهرها، ولكنه كره «١» أن يبلغك أنه أخذ البلاد فترجع إليه. فإن منعك كان مخالفا، وإن دفعها إليك كان كارها. فبعث إليك لترجع ثم يسلمك إلى القتل. وغدا تعرف ما جربت من وقعتنا أمس» . وفى آخره: وما كان إبراهيم من فضل طاعة ... يرد عليك الثّغر إلا لتقتلا «٢»

стр. 9125

فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يابن عك لتقبلا «١» فلما وصل كتابه، قرأه العكى ودفعه إلى إبراهيم بن الأغلب. فقرأه وضحك وقال: «قاتله الله! ضعف عقله زيّن له ما كتب به» فكتب إليه ابن العكى: «من محمد بن مقاتل إلى الناكث تمام. أما بعد، فقد بلغنى كتابك، ودلنى ما فيه على قلة رأيك. وفهمت قولك فى إبراهيم. فإن كنت كتبت نصيحة، فليس من خان الله ورسوله وكان من المفسدين بمقبول منه ما يتنصّح به. وإن كانت خديعة فأقبح الخدائع ما فطن له. وأما ما ذكرت من من إسلام إبراهيم إذا التقينا، فلعمر أبيك ما يلقاك أحد غيره. وأما قولك: إنا جربنا من وقعتك أمس ما سنعرفه غدا، فإن الحرب «٢» سجال: فلنا يا تمام عليك العقبى إن شاء الله» وفى أسفله: وإنى لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... غداة المنايا أن تفل وتقتلا «٣» تلاقى فتى يستصحب الموت فى الوغى ... ويحمى بصدر الرمح مجدا مؤئلا «٤»

стр. 9126

فأقبل تمام من تونس فى جمع عظيم. وأمر ابن العكى من كان معه من أهل الطاعة بالخروج إليه وتقدمة إبراهيم بن الأغلب. والتقوا واقتتلوا فانهزم تمام إلى تونس، وقتل جماعة من أصحابه. وانصرف العكى إلى القيروان ثم أمر إبراهيم بالمسير «١» إلى تمام بتونس، وذلك فى شهر المحرم سنة أربع وثمانين ومائة. فلما بلغ تماما إقباله كتب إليه يسأله الأمان، فأمنه. وأقبل به إلى القيروان يوم الجمعة لثمان خلون من الشهر. فلما صار الأمر إلى إبراهيم بن الأغلب بعث تمام بن تميم وغيره من وجوه «٢» الجند الذين شأنهم الوثوب على الأمراء إلى بغداد، فحبسوا فى المطبق. قال: ودام محمد بن مقاتل فى القيروان إلى أن عزله الرشيد واستعمل إبراهيم بن الأغلب، على ما نذكره فى أخبار دولة بنى الأغلب إن شاء الله تعالى.

стр. 9127

ذكر ابتداء دولة بنى الأغلب هذه الدولة أول دولة قامت بإفريقية وجرى عليها اسم الدولة. وكان من قبلهم عمالا إذا مات أحد منهم أو صدر منه ما يوجب العزل، عزله من يكون أمر المسلمين إليه من الخلفاء فى الدولة الأموية والعباسية. فلما قامت هذه الدولة كانت كالمستقلة بالأمر «١» . وإنما كانت ملوكها تراعى أوامر الدولة العباسية، وتعرف لها حق الفضل والأمر، وتظهر طاعة مشوبة بمعصية. ولو أرادوا عزل واحد منهم والاستبدال به من غير البيت لخالفوهم «٢» . وصار ملوك هذه الدولة يوصون بالملك بعدهم لمن يرونه من أولادهم وإخوتهم، فلا يخالفه قوادهم ولا يراعون أهلية من يوصى إليه بل يقدمونه على أى صفة كان مستحقا أو غير مستحق. وسنذكر من أخبارهم ما يدل على ذلك. وكان عدة من ملك منهم أحد عشر ملكا. ومدة أيامهم مائة سنة واثنتى عشرة وأياما. وأول من ملك منهم إبراهيم بن الأغلب. ذكر ولاية ابراهيم بن الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى قال: لما كان من أمر إبراهيم بن الأغلب ما ذكرناه، من نصرته لابن العكى وإخراجه تمام بن تميم وإعادة العكى، كتب

стр. 9128

يحيى بن زياد صاحب البريد بالخبر إلى هارون الرشيد. فقرأ الكتاب على أصحابه، وقال لهرثمة بن أعين: «أنت قريب العهد» . فقال: «يا أمير المؤمنين، قد سألتنى فى مقدمى منها عن طاعة أهلها، وأخبرتك أنه ليس بها أحد أفضل طاعة ولا أبعد صيتا ولا أرضى عند الناس من إبراهيم. ثم صدق قولى قيامه بطاعتك» . فأمر الرشيد بكتابة عهده على إفريقية «١» . فلما وصل إليه العهد، أرسل إلى ابن العكى: «أقم ما شئت حتى تتجهز» . فأقام أياما ثم رحل إلى طرابلس. فوافاه حماد السعودى بكتابين قدم بهما إلى إفريقية على العادة. فافترى ابن العكى كتابا ثالثا بعزل إبراهيم وولايته وبعث به إلى القيروان. فلما قرئ على الناس قالوا لإبراهيم: «أقم بمكانك «٢» واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن ابن العكى اختلق هذا زورا، ولم يكافئك على نصرتك له وحقنك دمه» . فقال: «والله لقد ظننت ظنكم وإنما اجترأ ابن العكى على الثغر لموضعه من جعفر بن يحيى» . ثم عسكر إبراهيم يريد الخروج إلى الزاب وأتى كتاب محمد بن مقاتل إلى سهل ابن حاجب يستخلفه إلى أن يقدم. فكتب صاحب البريد إلى الرشيد. فغضب وكتب إلى ابن العكى: «أما بعد، فلم يكن آخر أمرك يشبه إلا أوله. فلأىّ مناقبك أوثرك على إبراهيم بولاية الثغر: ألفرارك وإقدامه أم لجزعك وصبره أم لخلافك

стр. 9129

وطاعته؟ فإذا نظرت فى كتابى، فاقدم غير محمود الفعال» . وكتب إلى إبراهيم بتجديد ولايته. فوصل الرسول إلى القيروان وإبراهيم بالزاب فمضى إليه. وكانت ولايته الثانية التى استقر «١» بها ملكه وملك بنيه من بعده، لاثنتى عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين ومائة. وقفل ابن العكى إلى المشرق. قال: ولما ولى إبراهيم قمع أهل الشر بإفريقية، وضبط البلاد، وأحسن إلى من بها. وبعث بأهل الشر الذين جرت عادتهم بمخالفة الأمراء والوثوب عليهم إلى بغداد كما ذكرنا «٢» . وابتنى إبراهيم قصرا وجعله متنزها. ثم جعل ينقل إليه السلاح والأموال سرا. وهو مع ذلك يراعى أمور أجناده ويصلح طاعتهم ويصبر على جفائهم. وأخذ فى شراء العبيد وأظهر أنه يحب أن يتخذ «٣» من كل صناعة من يغنيه عن استعمال الرعية فى كل شىء. ثم اشترى عبيدا لحمل سلاحه وأظهر للجند أنه أراد بذلك إكرامهم عن حمله. ولما تهيأ له من ذلك ما أراده انتقل من دار الإمارة وصار إلى قصره بعبيده وحشمه وأهل بيته؛ وكان انتقاله ليلا. وأسكن معه من يثق به من الجند. وكان يتولى الصلاة بنفسه فى المسجد الجامع بالقيروان والمسجد الذى بناه بالقصر. وفى أيامه خرج حمديس «٤» بن عبد الرحمن الكندى فخلع

стр. 9130

السواد. وجمع جموعا كثيرة وأتى بعرب أهل البلد وبربرها، وكثرت جموعه بمدينة تونس. فبعث إليه إبراهيم عمران بن مجالد «١» ومعه وجوه القواد. فالتقوا بسبخة تونس واقتتلو قتالا شديدا، وكثر بينهم القتل. وجعل أصحاب حمديس يقولون: «بغداد بغداد، فلا والله لا اتخذت لكم طاعة بعد اليوم أبدا» . ثم قتل حمديس وانهزم أصحابه. ودخل عمران تونس وتتبع من كان مع حمديس وقتلهم حتى أفناهم. وكان خروجه فى سنة ست وثمانين ومائة. وفى أيامه جمع إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن «٢» بن على بن أبى طالب جموعا كثيرة، وأطاعه من حوله من القبائل. فكره إبراهيم قتاله وعمل فى إفساد «٣» أصحابه عليه. وكتب إلى بهلول بن عبد الواحد المدغرى «٤» ، وكان رئيسا مطاعا فى قومه، وهو القائم بأمر إدريس وصاحب سره، ولم يزل به حتى فارقه وعاد إلى الطاعة. فلما فعل ذلك كتب إدريس إلى إبراهيم كتابا يستعطفه ويسأله الكف عنه ويذكر قرابته من رسول الله ﷺ ، فلم يجر بينهما حرب. وخرج عن طاعة إبراهيم أيضا عمران بن مجالد. وكان

стр. 9131

سبب خروجه أن إبراهيم لما بنى قصره المعروف القديم ركب يوما وهو يفكر فى الانتقال إليه ومعه عمران بن مجالد. فجعل عمران يحادثه من حيث ركبا إلى أن بلغا مصلى روح، فلم يفقه إبراهيم من حديثه شيئا. فقال لعمران: «ألم تعلم أنى لم أسمع من حديثك شيئا. أعده على» . فغضب عمران وقال: «أحدثك من حيث خرجت وأنت لاه عنى» . وتغير من ذلك اليوم وألب على إبراهيم. فلما انتقل إبراهيم إلى قصره وأقام مدة، ثار عمران فى جيشه. واستولى على القيروان وقوى أمره وكثرت أتباعه. ودامت الحرب بينه وبين إبراهيم سنة كاملة، كانت خيل إبراهيم تضرب إلى القيروان فتقتل من قدرت عليه، وخيل عمران تفعل مثل ذلك. ثم وصل إلى إبراهيم رسول أمير المؤمنين بأرزاق الجند فوجه ابنه عبد الله إلى طرابلس، فقبض أرزاق الجند ووصل بها إلى أبيه. فلما صار المال إليه، تطلعت أنفس الجند إلى أرزاقهم وهموا بإسلام عمران. وتبين ذلك له. فركب إبراهيم فى خيله ورجله وعبيده، وعبأ عساكره تعبئة الحرب، وتوجه إلى القيروان. حتى إذا قرب منها أمر مناديه فنادى: «من كان له اسم فى ديوان أمير المؤمنين فليقدم لقبض عطائه» . ثم انصرف إلى قصره ولم يحدث شيئا. فلما أمسى عمران أيقن أن الجند تسلمه. فركب وسار إلى الزاب ليلا ومعه عمرو بن معاوية وعامر بن المعتمر. فخلع» إبراهيم أبواب القيروان

стр. 9132

وثلم فى سورها. وقوي عند ذلك أمره. وزاد فى بناء القصر القديم. وأقطع فيه الدور لأهل بيته وأنصاره ومواليه. وبقى عمران بالزاب إلى أن توفى إبراهيم وصار الأمر إلى ابنه أبى العباس. فكتب إليه يسأله الأمان فأمنه. وقدم إليه وأسكنه القصر. ثم سعى به فقتله. واستمرت أيام إبراهيم إلى سنة ست وتسعين ومائة، فتوفى لثمان بقين من شوال منها «١» ، وهو ابن ست وخمسين سنة. وكانت مدة ولايته اثنتى عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. وكان فقيها، عالما، خطيبا، شاعرا، ذا رأى وبأس «٢» ، وحزم، وعلم بالحروب ومكائدها، جرئ الجنان، طويل اللسان، حسن السيرة. قال ابن الرقيق: لم يل إفريقية قبله أحد من من الأمراء أعدل منه سيرة ولا أحسن سياسة، ولا أرفق برعية، ولا أضبط للأمر «٣» . وكان كثير الطلب للعلم، والاختلاف إلى الليث بن سعد. وله أخبار حسنة وآثار جميلة، رحمه الله تعالى. ذكر ولاية أبى العباس عبد الله ابن ابراهيم بن الأغلب قال: لما مات إبراهيم بن الأغلب، صار الأمر بعده إلى ابنه أبى العباس عبد الله، وكان إذ ذاك بطرابلس، فقام له

стр. 9133

أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وأهل بيته وجميع رجاله. وقدم عبد الله من طرابلس فى صفر سنة سبع وتسعين ومائة. فتلقاه زيادة الله وسلم إليه الأمر. قال: فحمل عبد الله فى ولايته على أخيه زيادة الله حملا شديدا وتنقصه، وأمر بإطلاق من كان فى حبسه. وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتبجيل. وأراد عبد الله أن يحدث جورا عظيما على الرعية فأهلكه الله قبل ذلك. وكان قد أمر صاحب خراجه أن لا يأخذ من الناس العشر، ولكن يجعل على كل زوج تحرث ثمانية دنانير أصاب أم لم يصب «١» . فاشتد ذلك على الرعية وسألوه فلم يجب سؤالهم. وقدم حفص بن حميد الجزرى «٢» ، ومعه قوم صالحون من أهل الجزيرة وغيرها. فاستأذنوا على أبى العباس فأذن لهم. فدخلوا عليه- وكان من أجمل الناس- فكلمه حفص ابن حميد فكان فيما قال له: «أيها الأمير، اتق الله فى شبابك، وارحم جمالك وأشفق على بدنك من النار. ترى على كل زوج يحرث به ثمانية دنانير. فأزل ذلك عن رعيتك، وخذ فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ . فإن الدنيا زائلة عنك كما زالت عن غيرك» . فلم يجبه إلى شىء مما أراد. وتمادى على سوء فعله وأظهر الاستخفاف بهم. فخرج حفص بن حميد ومن

стр. 9134

معه فتوجهوا نحو القيروان. فلما صاروا بوادى القصارين قال لهم حفص: «قد يئسنا من المخلوقين فلا نيأس من الخالق» . فسألوا الله وتضرعوا إليه، فدعوا الله على أبى العباس أن يمنعه مما أراده بالمسلمين ويكف جوره عنهم. ثم دخلوا «١» مدينه القيروان، فخرجت لأبى العباس قرحة تحت أذنه فقتلته فى اليوم السابع «٢» من دعائهم واسود لونه. وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذى الحجة «٣» سنة إحدى ومائتين. فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرا واحدا وأربعة عشر يوما. ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله ابن ابراهيم بن الأغلب قال: ولما توفى أخوه أبو العباس صار الأمر إليه بعده. وهو أول من سمّى زيادة الله. وكذلك هبة الله بن إبراهيم بن المهدى، هو أول من سمى هبة الله. قال: ولما ولى زيادة الله أغلظ على الجند، وأمعن فى سفك دمائهم، واستخف بهم، وحمله على ذلك سوء ظنه بهم لتوثّبهم على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه مع عمران بن مجالد. وكان أبوه أغضى عن كثير من زلاتهم وصفح عن إساآتهم فسلك زيادة الله

стр. 9135

فيهم غير سبيل أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء فعله إذا شرب وسكر. فخرجوا عليه. وكان الذى هاجهم على الخروج عليه أنه ولى عمر «١» بن معاوية القيسى، وكان من شجعان الجند ورؤسائهم وأهل الشرف منهم، على القصرين وما يليهما. فتغلب على تلك الناحية وأظهر الخلاف عليه. وكان له ولدان يقال لأحدهما حباب والآخر سكنان «٢» . فوجه إليه زيادة الله موسى مولى إبراهيم المعروف بأبى هارون، وكان قد ولاه القيروان. فخرج إليه وحاصره أياما. فلما ضاق به الأمر ألقى بيده ونزل معه. وسار إلى زيادة الله هو وولداه. فلما قدموا عليه حبسهم عند غلبون ابن عمه. ثم نقلهم إلى حبسه من يومه وقتلهم. فلما بلغ منصور بن نصر الطّنبذى «٣» وهو من ولد دريد «٤» ابن الصّمّة ذلك ساءه، وكان على طرابلس. فقال: «يا بنى تميم، لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد» . فكتب صاحب الخبر بكلامه إلى زيادة الله. فعزله واستقدمه، فقدم. وكان غلبون معتنيا به فأصلح أمره عند الأمير زيادة الله، فخلى عنه. فأقام أياما يتردد إلى زيادة الله حتى ذهب ما بقلبه عليه. ثم استأذنه فى الوصول إلى منزله فأذن له. فخرج إلى تونس، وكان له بإقليم المحمدية قصر يقال له طنبذة، وبه لقب الطنبذى،

стр. 9136

فنزل به. وجعل يراسل الجند ويذكر لهم ما يلقون من زيادة الله وما فعل بعمر بن معاوية وابنيه، ويخوفهم أن يفعل بهم وبأولادهم كفعله بعمر. فبلغ ذلك زيادة الله فعرض الجند على عادته. ثم دعا محمد ابن حمزة فأخرجه فى خمسمائة «١» فارس بالسلاح كما عرضوا بين يديه. وقال له: «امض إلى تونس فلا يشعر منصور إلا وقد أخذته ومن معه، واقدم به موثقا» . فخرج ابن حمزة حتى أتى تونس فلقى منصورا غائبا بقصره، فنزل فى دار الصناعة «٢» . ووجه إى منصور شجرة بن عيسى القاضى وأربعين شيخا من أهل تونس، يرغبه فى الطاعة ويدعوه «٣» إلى إتيانه. فمضوا إليه وأبلغوه رسالة محمد بن حمزة فقال: «ما خلعت يدا من طاعة، ولا أحدثت حدثا، وأنا صائر إليه معكم. ولكن أقيموا علىّ يومى هذا حتى أعدّ لهولاء القوم ما يصلحهم» . فأقاموا. فوجه إلى ابن حمزة ببقر وغنم وعلف وأحمال نبيذ. وكتب إليه: «إنى قادم بالغداة مع القاضى» . فركن إلى قوله، وأخذ هو ومن معه فى الأكل والشرب. فلما أمسى منصور قبض على القاضى ومن معه، وحبسهم فى قصره. وجمع خيله ورجله ومضى إلى تونس. فما شعر به محمد بن حمزة حتى ضرب طبوله على باب دار الصناعة. فقام

стр. 9137

ابن حمزة وأصحابه لأخذ سلاحهم وقد عمل الشراب فيهم. فأوقع بهم منصور وأصحابه فقتلهم. ولم يسلم منهم إلا من ألقى نفسه فى البحر فسبح. وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند. وكان عامل زيادة الله على تونس إسماعيل بن سفيان ابن سالم «١» من أهل بيت زيادة الله، فقتله منصور وقتل ابنه. فلما اتصل بزيادة الله قتل ابن عمه وولده ورجاله، جمع صناديد الجند، ووجّههم مع غلبون. وركب بنفسه مشيّعا له. فلما ودع الجند قال لهم زيادة الله: «انظروا كيف تكونون وكيف تناصحون. فبالله أقسم إن انصرف إلىّ أحد «٢» منكم منهزما لا جعلت عقوبته إلا السيف» . فكان ذلك مما ساءت به نفوس القوم حتى هموا بالوثوب على غلبون. فمنعهم من ذلك جعفر بن معبد وقال: «لا تحملكم إساءة زيادة الله فيكم أن تغدروا بمن أحسن إليكم وفك رقابكم» . وكان غلبون يعتنى بأمر القواد عند زيادة الله. فانصرفوا عن رأيهم فيه ومضوا حتى صاروا بسبخة تونس. فكاتب القواد الذين مع غلبون منصورا وأصحابه وأعلموهم أنهم منهزمون عنه. فلما التقوا حمل منصور وأصحابه عليهم فانهزموا بأجمعهم. ثم اجتمعوا بعد الهزيمة إلى غلبون واعتذروا وحلفوا أنهم ناصحون واجتهدوا. وقالوا: «نحن لا نأمن على أنفسنا. وإن أصبت لنا ما نأمن به قدمنا إن شاء الله» . وتفرقوا

стр. 9138

عنه. وسار كل «١» منهم إلى جهة فتغلب عليها. واضطربت إفريقية فصارت نارا تتّقد. وصار الجند كلهم إلى منصور الطنبذى، وأعطوه أزمة أمورهم، وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة الله فأعلمه الخبر. فكتب الأمانات وبعث بها إلى الجند والقواد. فلم يقبلوها وخلعوا الطاعة. ثم جمعوا جمعا ووجه عليهم منصور عامر بن نافع. فعقد زيادة الله لمحمد بن عبد الله بن الأغلب، ووجه معه جيشا كثيفا وأوعب فيه من رجاله ومواليه. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم محمد ابن عبد الله وقتل جماعة من وجوه أصحابه، منهم محمد بن غلبون، وعبد الله بن الأغلب، ومحمد بن حمزة الرازى، وغيرهم، وقتلت الرّجالة عن آخرهم. وتتبع الجند أصحاب زيادة الله فقتلوهم. فعند ذلك زحف زيادة الله بنفسه ونزل بين القيروان «٢» والقصر وخندق هناك. وكانت بينهم وقعات كثيرة تارة لهؤلاء وتارة لأولئك. ثم انهزم منصور ومن معه حتى لحقوا بتونس. وكان أهل القيروان أعانوا منصورا على قتال زيادة الله، فقال له أصحابه «ابدأ بها واقتل من فيها» . فقال: «إنى عاهدت الله تعالى إن

стр. 9139

ظفرت أن أعفو وأصفح «١» » . فعفا عنهم إلا أنه هدم سور القيروان ونزع أبوابها. قال: ثم اجتمع لمنصور أصحابه وقوى أمره. ولم يبق فى يد زيادة الله من إفريقية كلها إلا الساحل وقابس «٢» . فكتب الجند إلى زيادة الله: «أن ارحل حيث شئت وخلّ عن إفريقية، ولك الأمان فى نفسك ومالك وما ضمه قصرك» . فاستشار أصحابه فى ذلك. فقال له سفيان بن سوادة: «أيها الأمير، أمكّنى من ديوان رجالك حتى أنتقى مائتى فارس ممن أثق به» . فدفع إليه الديوان فاختار منه «٣» مائتى فارس «٤» ، وأعطاهم وأفضل عليهم «٥» ثم خرج حتى أتى نفزاوة وعليها من الجند عبد الصمد بن جناح الباهلى. فدعا سفيان بربر ذلك الموضع فأجابوه. فاجتمع إليه خلق كثير من زناتة وغيرهم وسائر القبائل. ففتح البلاد بلدا بلدا حتى بلغ قسطيلية. ثم قدم على زيادة الله فى سنة ثمانى عشرة ومائتين. فكان سعيد «٦» يقول: «والله، ما رأيت أعظم بركة من تلك المائتى فارس» .

стр. 9140

ووقع الشتات والحسد بين الجند. ووقع الخلاف بين منصور وعامر بن نافع. فحاصره عامر بقصره بطنبذة. فجرت بينهما السفراء على أن يؤمن منصورا على نفسه وماله وحشمه «١» ، ويركب سفينة «٢» فيتوجه فيها إلى المشرق، فأجابه عامر إلى ذلك. فقال له بعض أصحابه: «تفعل ذلك بنفسك ويسومك الضيم؟ انهض إلى الأربس فإنهم سامعون مطيعون» . فوافق على ذلك وخرج من القصر ليلا وسار إلى الأربس. فلما أصبح عامر لم يره بقصره، فسار فى إثره إلى الأربس وحاصره. وآخر الأمر أنه عاد سأل «٣» الأمان على أن يتوجه إلى المشرق ويركب فى سفينة من تونس. وخرج إلى عامر فوجه معه خيلا. وأمر صاحب الخيل أن يأخذ به على طريق قرنة «٤» وأن يصيّره فى سجنها. ففعل ذلك وحبسه بها عند حمديس بن عامر «٥» . ثم كتب عامر إلى ابنه أن يضرب عنقه ففعل. وضرب عامر عنق أخى منصور. وصار أمر الجند إلى عامر بن نافع فظن أن الأمور تستقيم له. فكتب إليه زيادة الله كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان. فكتب إليه عامر يعدد عليه مساوئ أفعاله، ويقول فى آخره: «ما بينى وبينك موادّة حتى تضع الحرب أوزارها ويحكم الله
следующие страницы →