Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
فنزل به. وجعل يراسل الجند ويذكر لهم ما يلقون من زيادة الله وما فعل بعمر بن معاوية وابنيه، ويخوفهم أن يفعل بهم وبأولادهم كفعله بعمر.
فبلغ ذلك زيادة الله فعرض الجند على عادته. ثم دعا محمد ابن حمزة فأخرجه فى خمسمائة «١» فارس بالسلاح كما عرضوا بين يديه. وقال له: «امض إلى تونس فلا يشعر منصور إلا وقد أخذته ومن معه، واقدم به موثقا» . فخرج ابن حمزة حتى أتى تونس فلقى منصورا غائبا بقصره، فنزل فى دار الصناعة «٢» .
ووجه إى منصور شجرة بن عيسى القاضى وأربعين شيخا من أهل تونس، يرغبه فى الطاعة ويدعوه «٣» إلى إتيانه.
فمضوا إليه وأبلغوه رسالة محمد بن حمزة فقال: «ما خلعت يدا من طاعة، ولا أحدثت حدثا، وأنا صائر إليه معكم. ولكن أقيموا علىّ يومى هذا حتى أعدّ لهولاء القوم ما يصلحهم» .
فأقاموا. فوجه إلى ابن حمزة ببقر وغنم وعلف وأحمال نبيذ.
وكتب إليه: «إنى قادم بالغداة مع القاضى» . فركن إلى قوله، وأخذ هو ومن معه فى الأكل والشرب.
فلما أمسى منصور قبض على القاضى ومن معه، وحبسهم فى قصره. وجمع خيله ورجله ومضى إلى تونس. فما شعر به محمد بن حمزة حتى ضرب طبوله على باب دار الصناعة. فقام
стр. 9137
ابن حمزة وأصحابه لأخذ سلاحهم وقد عمل الشراب فيهم.
فأوقع بهم منصور وأصحابه فقتلهم. ولم يسلم منهم إلا من ألقى نفسه فى البحر فسبح. وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند. وكان عامل زيادة الله على تونس إسماعيل بن سفيان ابن سالم «١» من أهل بيت زيادة الله، فقتله منصور وقتل ابنه.
فلما اتصل بزيادة الله قتل ابن عمه وولده ورجاله، جمع صناديد الجند، ووجّههم مع غلبون. وركب بنفسه مشيّعا له.
فلما ودع الجند قال لهم زيادة الله: «انظروا كيف تكونون وكيف تناصحون. فبالله أقسم إن انصرف إلىّ أحد «٢» منكم منهزما لا جعلت عقوبته إلا السيف» . فكان ذلك مما ساءت به نفوس القوم حتى هموا بالوثوب على غلبون. فمنعهم من ذلك جعفر بن معبد وقال: «لا تحملكم إساءة زيادة الله فيكم أن تغدروا بمن أحسن إليكم وفك رقابكم» . وكان غلبون يعتنى بأمر القواد عند زيادة الله. فانصرفوا عن رأيهم فيه ومضوا حتى صاروا بسبخة تونس. فكاتب القواد الذين مع غلبون منصورا وأصحابه وأعلموهم أنهم منهزمون عنه. فلما التقوا حمل منصور وأصحابه عليهم فانهزموا بأجمعهم. ثم اجتمعوا بعد الهزيمة إلى غلبون واعتذروا وحلفوا أنهم ناصحون واجتهدوا. وقالوا: «نحن لا نأمن على أنفسنا. وإن أصبت لنا ما نأمن به قدمنا إن شاء الله» . وتفرقوا
стр. 9138
عنه. وسار كل «١» منهم إلى جهة فتغلب عليها. واضطربت إفريقية فصارت نارا تتّقد.
وصار الجند كلهم إلى منصور الطنبذى، وأعطوه أزمة أمورهم، وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة الله فأعلمه الخبر.
فكتب الأمانات وبعث بها إلى الجند والقواد. فلم يقبلوها وخلعوا الطاعة.
ثم جمعوا جمعا ووجه عليهم منصور عامر بن نافع. فعقد زيادة الله لمحمد بن عبد الله بن الأغلب، ووجه معه جيشا كثيفا وأوعب فيه من رجاله ومواليه. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم محمد ابن عبد الله وقتل جماعة من وجوه أصحابه، منهم محمد بن غلبون، وعبد الله بن الأغلب، ومحمد بن حمزة الرازى، وغيرهم، وقتلت الرّجالة عن آخرهم. وتتبع الجند أصحاب زيادة الله فقتلوهم.
فعند ذلك زحف زيادة الله بنفسه ونزل بين القيروان «٢» والقصر وخندق هناك. وكانت بينهم وقعات كثيرة تارة لهؤلاء وتارة لأولئك. ثم انهزم منصور ومن معه حتى لحقوا بتونس. وكان أهل القيروان أعانوا منصورا على قتال زيادة الله، فقال له أصحابه «ابدأ بها واقتل من فيها» . فقال: «إنى عاهدت الله تعالى إن
стр. 9139
ظفرت أن أعفو وأصفح «١» » . فعفا عنهم إلا أنه هدم سور القيروان ونزع أبوابها.
قال: ثم اجتمع لمنصور أصحابه وقوى أمره. ولم يبق فى يد زيادة الله من إفريقية كلها إلا الساحل وقابس «٢» . فكتب الجند إلى زيادة الله: «أن ارحل حيث شئت وخلّ عن إفريقية، ولك الأمان فى نفسك ومالك وما ضمه قصرك» . فاستشار أصحابه فى ذلك. فقال له سفيان بن سوادة: «أيها الأمير، أمكّنى من ديوان رجالك حتى أنتقى مائتى فارس ممن أثق به» . فدفع إليه الديوان فاختار منه «٣» مائتى فارس «٤» ، وأعطاهم وأفضل عليهم «٥» ثم خرج حتى أتى نفزاوة وعليها من الجند عبد الصمد بن جناح الباهلى. فدعا سفيان بربر ذلك الموضع فأجابوه. فاجتمع إليه خلق كثير من زناتة وغيرهم وسائر القبائل. ففتح البلاد بلدا بلدا حتى بلغ قسطيلية. ثم قدم على زيادة الله فى سنة ثمانى عشرة ومائتين. فكان سعيد «٦» يقول: «والله، ما رأيت أعظم بركة من تلك المائتى فارس» .
стр. 9140
ووقع الشتات والحسد بين الجند. ووقع الخلاف بين منصور وعامر بن نافع. فحاصره عامر بقصره بطنبذة. فجرت بينهما السفراء على أن يؤمن منصورا على نفسه وماله وحشمه «١» ، ويركب سفينة «٢» فيتوجه فيها إلى المشرق، فأجابه عامر إلى ذلك. فقال له بعض أصحابه: «تفعل ذلك بنفسك ويسومك الضيم؟ انهض إلى الأربس فإنهم سامعون مطيعون» . فوافق على ذلك وخرج من القصر ليلا وسار إلى الأربس. فلما أصبح عامر لم يره بقصره، فسار فى إثره إلى الأربس وحاصره. وآخر الأمر أنه عاد سأل «٣» الأمان على أن يتوجه إلى المشرق ويركب فى سفينة من تونس. وخرج إلى عامر فوجه معه خيلا. وأمر صاحب الخيل أن يأخذ به على طريق قرنة «٤» وأن يصيّره فى سجنها. ففعل ذلك وحبسه بها عند حمديس بن عامر «٥» . ثم كتب عامر إلى ابنه أن يضرب عنقه ففعل. وضرب عامر عنق أخى منصور.
وصار أمر الجند إلى عامر بن نافع فظن أن الأمور تستقيم له.
فكتب إليه زيادة الله كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان.
فكتب إليه عامر يعدد عليه مساوئ أفعاله، ويقول فى آخره:
«ما بينى وبينك موادّة حتى تضع الحرب أوزارها ويحكم الله
стр. 9141
بيننا وهو خير الحاكمين» . ثم اختلف الجند على عامر، وانتقض عليه أمره، ووجد عليه قواد المضرية، لما صنع بمنصور وأخيه، فنافروه وحاربوه. وخالفه عبد السلام بن المفرّج «١» ، وكان قد استولى على باجة وبايع له جماعة من الجند. وزحف إلى عامر فاقتتلوا، فانهزم عامر، ومضى إلى قرنة، وتفرق شمل الجند وأمر زيادة الله يعلو.
ثم اعتل عامر فلما أيقن بالموت استدعى بنيه وقال لهم:
«يا بنى، ما رأيت فى الخلاف خيرا. فإذا أنا مت ودفنتمونى فلا تعرّجوا على شى حتى تلحقوا بزيادة الله، فهو من أهل بيت عفو. وأرجو أن يسركم «٢» ويقبلكم أحسن قبول» . فلما مات، فعلوا ذلك وأتوا زيادة الله. وجعل الجند يتسالون «٣» إلى زيادة الله ويستأمنون، وهو يؤمنهم ويحسن إليهم.
وأما عبد السلام فقاتلته عساكر زيادة الله وحصروه وضايقوه فوجد ميتا فقيل مات عطشا. فبعثوا برأسه إلى زيادة الله.
واستقامت إفريقية وصفت بعد أن دامت الفتنة ثلاث عشرة سنة.
قال: ثم أمر زيادة الله ببناء المسجد الجامع بالقيروان
стр. 9142
وهدم ما كان بناه يزيد بن حاتم، وذلك فى جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وذكر أن زيادة الله قال يوما لخاصته «إنى لأرجو رحمة الله، وما أرانى إلا أفوز بها إذا قدمت عليه يوم القيامة وقد عملت أربعة أشياء: بنيت المسجد الجامع بالقيروان وأنفقت عليه ستة وثمانين ألف دينار، وبنيت قنطرة باب أبى الربيع، وقصر المرابطين بسوسة، ووليت القضاء أحمد بن أبى محرز» .
وفى أيام زيادة الله فتحت صقلية، وذلك أنه وجه إليها أسد ابن الفرات القاضى فى عشرة آلاف. فزحف إليه ملكها فى مائة وخمسين ألفا. فهزمه وفتحها. واستعمل عليها زيادة الله محمد ابن عبد الله بن الأغلب.
وكانت وفاة زيادة الله فى يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر رجب سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، وهو ابن إحدى وخمسين سنة. وكانت ولايته على إفريقية إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر وثمانية أيام.
وكان من أفصح أهل بيته لسانا وأكثرهم بيانا، وكان يعرب كلامه ولا يلحن من غير تشادق ولا تقعير. وكان يقول الشعر الحسن الجيد.
حكى «١» أن رسولا أتاه من أبى عبد الله المأمون بغير
стр. 9143
يحب. فكتب جواب الكتاب وهو سكران، وفى آخره أبياتا، وهى:
أنا النار فى أحجارها مستكنّة ... فإن كنت ممن يقدح الزّند فاقدح
أنا الليث يحمى غيله بزئيره ... فإن كنت كلبا حان يومك فانبح
أنا البحر فى أمواجه وعبابه ... فإن كنت ممن يسبح البحر فاسبح
فلما صحا بعث فى طلب الرسول ففاته. فكتب كتابا آخر فيه تلطف. فوصل الكتاب الأول والثانى. فأعرض المأمون عن الأول وأجاب عن الثانى بكل ما أحب.
وله حكايات حسنة تدل على عفوه وصفحه وحلمه. فمن ذلك أنه بلغ أمّه جلاجل أن أخت عامر بن نافع قالت: «والله لأجعلنّ جلاجل تطبخ لى الفول بيصارا» . فلما ظفر ابنها زيادة الله بالقيروان، أمرت جلاجل بفول فطبخ بيصارا وبعث منه إليها «١» مع بعض خدمها، فوضع بين يديها، وقالت الجارية التى أحضرته إليها: «سيدتى تسلم عليك وتقول لك: قد طبخت هذا لك لأبر قسمك» . فأوحشها ذلك وقالت: «قولى لها: قد قدرت فافعلى ما شئت» . فبلغ ذلك زيادة الله فقال لأمه: «قد ساءنى ما فعلت يا أم، إن الاستطالة
стр. 9144
مع القدرة لؤم ودناءة، وقد كان أولى بك أن تفعلى غير هذا» .
قالت: «نعم، سأفعل ما يرضيك ويحسن الأحدوثة عنا» .
وبعثت إليها بكسوة وصلة وألطاف. ورفقت بها حتى قبلت ذلك وطابت نفسها.
ذكر ولاية أبى عقال «١» الأغلب ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولما توفى زيادة الله ولى أخوه أبو عقال، وهو الملقب بخزر «٢» . وكان فى مبدإ ولاية أخيه زيادة الله قد خافه على نفسه لأن الأغلب كان شقيق عبد الله. فخشى أن يطالبه زيادة الله بفعل أخيه فاستأذنه على الحج، فأذن له. فخرج وأخرج معه ابنى أخيه عبد الله، وهما محمد وإبراهيم. فحج وأقام بمصر. ثم كتب إلى زيادة الله «٣» يستعطفه ويستميله. فقدم إليه «٤» ، فأكرمه وأحسن إليه. وجعل أمور دولته بيده.
فلما مات زيادة الله وصار الأمر إليه، لم يكن فى أيامه حروب فأمن الجند وأحسن إليهم. وغير أحداثا كثيرة كانت للعمال، وأجرى على العمال الأرزاق الواسعة والعطايا الجزيلة. وقبض أيديهم عن أموال الناس، وكفّهم عن أشياء كانوا يتطاولون إليها.
وقطع النبيذ من القيروان.
стр. 9145
وتوفى فى يوم الخميس لسبع «١» بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين ومائتين. فكانت ولايته سنتين وتسعة أشهر وتسعة أيام «٢» . وكان شبيها بجده الأغلب فى الخلق والخلق.
ذكر ولاية أبى العباس محمد بن الأغلب ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولى بعد أبيه، وكان من أجهل الناس، لكنه أعطى فى إمارته ظفرا على من ناوأه. وقلّد أخاه كثيرا من أعماله. وكان قد غلب عليه وتولى أموره ووزارته ابنا على بن حميد، وهما أبو عبد الله وأبو حميد. فساء ذلك أبا جعفر أخاه، وعظم عليه وعلى أصحابه، وحسدوهما على مكانهما من الأمير محمد وكان المقدم عند أبى جعفر أحمد بن الأغلب نصر بن حمزة الجروى. فأخذ أبو جعفر فى التدبير على أخيه الأمير محمد.
وصانع رجالا «٣» من مواليه، ومحمد فى غفلة عن ذلك قد اشتغل باللهو واللعب وانهمك على الملاذّ. فلما اجتمع لأحمد من أصحابه ما علم أنه يقوم بهم ركب فى وقت الظهيرة- وقد خلا باب محمد من الرجال- فهجم على أبى عبد الله بن على بن حميد فقتله، وعلا الصياح. فبلغ الخبر محمدا فقصد قبة عمه زيادة
стр. 9146
الله. ووقع القتال بين رجال الأمير محمد ورجال أخيه أحمد.
فجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: «ما لكم تقاتلون؟
لا طاعة إلا طاعة محمد. إنما قمنا على أولاد على بن حميد الذين قهروكم واستأثروا بمال مولاكم دونكم. وأما نحن ففى الطاعة ما خلعنا منها يدا» . فلما سمعوا ذلك فشلوا عن القتال.
ولما رأى محمد مادهمه- وهو على غير استعداد- جلس فى مجلس العامة. وأذن لأخيه أحمد والذين معه من الرجال بالدخول، فدخلوا عليه. فعاتب أخاه أحمد فقال له: «إن أولاد على بن حميد كادوا الدولة وأرادوا زوال ملكك، فقمت غضبا لك وحذرا على أيامك» . فلم يجد محمد بدا من مداراته والإغضاء عما فعل. فتحالفا أن لا يغدر أحد منهما بصاحبه «١» . واصطلحا على أن يدفع محمد لأخيه أحمد أبا حميد بن على، وكان قد لجأ «٢» إليه فى وقت قتل أخيه. فدفعه إليه على أن أحمد لا يقتله ولا يصله بمكروه.
فانصرف إلى منزله.
وعظم قدر أحمد، واشتد سلطانه، وجعل الدواوين إلى نفسه.
وصار الأمر كله له، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا مجرد الاسم وعزل أحمد حجاب محمد، وجعل على بابه حجابا من قبله.
ووكل خمسمائة من عبيده ومواليه ببابه. وعذب أبا حميد، وأخذ أمواله. ووجه به مع أبى نصر مولى إبراهيم بن الأغلب، وأمره أن يسير به إلى طرابلس ويبعثه إلى مصر. وأسرّ إليه أنه إذا
стр. 9147
صار بقلشانة يقتله. ففعل ذلك وخنقه حتى مات. وحمله على نعش إلى قلشانة. وأحضر من شهد أنه لا أثر فيه ولا جرح وقال:
«إنه سقط عن الدابة فمات» .
قال: ولما صارت الأمور إلى أحمد قدم نصر بن أحمد الجروى واستوزره. وكان داود بن حمزة الرادرى يظن أنه يكون المقدم عليه لأنّه كان المدبر لهذا الأمر. ففسدت نيته وأخذ فى العمل على أحمد ومكاتبة محمد، وكان محمد قد ترك اللهو وأخذ فى الحيلة والتدبير على أخيه أحمد. وكان محمد قد ولى سالم ابن غلبون الزاب. فلما كان من أمر أحمد ما كان، خالف سالم على أحمد، ولم يطعه. وجعل محمد يبعث إلى وجوه قرابته وجنده وعبيده ويسألهم نصرته ويعدهم ويمنّيهم. فكان ممن سعى فى نصرة محمد وأتقن له الأمور وأحسن التدبير أحمد بن سفيان بن سوادة. وكان يقال لأحمد: «إن أخاك يعمل عليك» . فلا يصدق، وعنده أنه قد أتقن التدبير. وكان من حال محمد أنه إذا جاءه رسول من أخيه أحمد يستدعى كأسا كبيرا ويمسكه بيده، ويحضر الرسول فيتوهم أنه يشرب. فإذا انصرف رد الكأس فلا يشربه.
فلما كان فى اليوم الذى عزم محمد فيه على الوثوب على أخيه، بعث إلى أحمد بن سفيان. فجعل يسلك من واعده من العبيد والموالى وغيرهم حتى أدخلهم من أبواب المدينة فى الأكسية. وجعلهم يحملون على رؤوسهم جرار الماء حتى اجتمع منهم قبل الزّوال ثلاثمائة رجل. فصيّرهم أحمد بن سفيان فى داره وأعطاهم السلاح
стр. 9148
وكان أحمد إذا قيل له: «إنك تراد ويعمل عليك» . غضب على من يقول ذلك. واشتغل بالشراب كما كان أخوه فى أول أمره. وكان جماعة ممن نصر محمدا واعدوه أن ينزلوا بقصر الماء، والأمارة بينهم أن يسمعوا الطبل ويروا الشمع فى أعلى القبة. وكان أحمد قد دخل الحمام فى ذلك اليوم وأطال اللّبث فيه. وأتاه عثمان بن الربيع بعد الظهر؛ فأخبره أن أخاه يريده تلك الليلة، وأنه أعد رجالا بقصر الماء. فلم يصدق ذلك، ووجه خيلا إلى قصر الماء فلم يجدوا به أحدا. وكان الموعد المغرب، فازداد أحمد تكذيبا للأخبار وقلة الاكتراث بما يراد به.
فلما قربت صلاة المغرب، وجه محمد خادما له إلى جماعة رجال أخيه الذين كان قد جعلهم ببابه، فقال: «يقول لكم الأمير: إنى أحببت برّكم وإكرامكم، فاجتمعوا حتى أبعث إليكم طعاما وشرابا. فاجتمعوا، وبعث إليهم بطعام وشراب، فأكلوا وشربوا حتى إذا ظنّ أن الشراب قد عمل فيهم، أرسل الخادم إليهم وقال: يقول لكم الأمير: إنى قد أحببت أن أحلّى لكم سيوفكم، فمن كان عنده سيف فليأت به» . فجعلوا يتسابقون بسيوفهم طمعا فى ذلك. فلما كان رقت المغرب وغلّقت أبواب القصر، أتاهم عامر بن عمرون «١» القرشى فيمن معه. فوضعوا فيهم السيوف فقتلوهم «٢» عن آخرهم.
ثم أمر بالطبل فضرب، والشموع فأوقدت، فأقبل أصحابه
стр. 9149
من كل ناحية إلى نصرته. وخرج أحمد بن سفيان بن سوادة فجعل يقتل من علم أنه من ناحية أحمد. وأقام القتال بين أحمد بن سفيان وأصحاب أحمد بن الأغلب بقية ليلتهم كلها. وبعث أحمد ابن سفيان إلى القيروان يستنصر بأهلها. فأقبلوا إليه فى جموع عظيمة وهم ينادون بطاعة محمد. فانهزم أصحاب أحمد بن الأغلب ووضعت السيوف فيهم، وهرب أحمد إلى داره.
وكان فى حبسه خفاجة بن سفيان بن سوادة، فأخرجه وقال له: «الله الله فى دمى وحرمى، فإنها حرمك» . فقال له خفاجة: «حبستنى ظلما منذ سبعة أشهر» . فقال: «ليس هذا وقت العتاب فأغثنى» فقال له خفاجة: «أعطنى فرسا وسلاحا» ففعل فركب خفاجة. وصاح به الناس: «يا خفاجة، يا ابن شيخنا ومن نكرمه ونحفظه، إنما أخرجك هذا الملعون من حبسه الساعة بعد سبعة أشهر، فما هذه النصيحة له؟» فانصرف إلى أحمد فقال له: «أما إنه لا طاقة لك بالقوم، فاستأمن إلى أخيك من قبل أن تهلك» قال: «وكيف لى بذلك؟ فكن أنت رسولى إليه» . فسار إليه واستأمن له.
فأمنه محمد وأتاه.
فأمر محمد بالخلع على أهل القيروان ومن نصره. فخلع عليهم جميع ما كان فى خزائنه «١» ، ورجع إلى ثياب حرمه.
وأمر أهل القيروان بالانصراف. ولما صار أحمد إلى أخيه
стр. 9150
محمد عدّد عليه ما فعل ثم أخرجه إلى مصر، وسار إلى العراق.
قال: وبنى محمد بن الأغلب القصر الذى بسوسة فى سنة ثلاثين.
وفى أيامه توفى سحنون «١» بن سعيد فى سنة أربعين ومائتين، ودفن بباب نافع. وكان يتولى المظالم بمدينة القيروان.
قال: واعتل محمد بن الأغلب فأقام بعلته أربعة أشهر. ثم توفى فى يوم الاثنين لليلتين خلتا من المحرم «٢» سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله ست وثلاثون سنة وولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام.
ذكر ولاية أبى ابراهيم أحمد بن محمد ابن الأغلب بن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولما مات محمد، ولى بعده ابنه أحمد. وكانت أيامه كلها ساكنة، لم يحدث فيها إلا ما كان بناحية طرابلس.
وذلك أن قبائل البربر تجمعت، فكان بينهم وبين عاملها عبد الله ابن محمد بن الأغلب حروب كثيرة. فكتب إلى أبى إبراهيم بذلك فأرسل إليهم العساكر، فكانت بينهم وبين البربر حروب شديدة. ثم انهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا. ولأبى إبراهيم
стр. 9151
آثار عظيمة فى المبانى بإفريقية. فمن ذلك بنيان المأجل الكبير بباب تونس. وهو بمعنى الصهريج عندنا. وزاد فى جامع القيروان البهو والمجنّبات والبقية. وبنى المأجل الذى بباب أبى الربيع والمأجل الكبير الذى بالقصر القديم، وبنى المسجد الجامع بمدينة تونس. وبنى سور مدينة سوسة. وكان آخر ما عمل المأجل الذى بالقصر القديم. فلما فرغ اعتل أبو إبراهيم فكان يسأل: هل دخله الماء، إلى أن دخله، فعرفوه فسر به وأمرهم أن يأتوه بكأس مملوءة منه، فشربها وقال: «الحمد لله، الذى لم أمت حتى كمل أمره» . ثم مات إثر ذلك. ولم يزل أهل القيروان ومن دخلها يترحمون عليه.
وفى أيامه فتحت قصريانة، وهى من أعظم مدن الروم بصقلية.
وكانت وفاة أبى إبراهيم يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت «١» من ذى القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين وله تسع وعشرون سنة «٢» . ومدة ولايته سبع سنين وعشرة أشهر وخمسة عشر يوما «٣» .
وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة، جميل الأثر، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الملوك وأسمحهم وأرفقهم برعيته، مع دين وإنصاف للمظلوم، هذا مع حداثة سنه. وكان يركب ليالى شعبان وشهر رمضان، وبين يديه الشمع. فيخرج من
стр. 9152
القصر القديم حتى يدخل من باب أبى الربيع، ومعه دواب محملة دراهم. فيأمر بإعطاء من لقيه حتى ينتهى إلى المسجد الجامع بالقيروان. ويقصد دور العلماء والصالحين فيأمر بقرع أبوابهم.
فإذا خرجوا إليه أمر بإعطائهم من ذلك المال.
ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله بن محمد «١» ابن الأغلب بن ابراهيم بن الأغلب
ولى بعد أخيه. ولم تطل أيامه حتى توفى. وكانت وفاته ليلة السبت لعشر «٢» بقين من ذى القعدة سنة خمسين ومائتين فكانت ولايته سنة واحدة وسبعة أيام «٣» . وكان عالما، عاقلا جميلا، حسن السيرة، جميل الأفعال، ذا رأى ونجدة وجود وشجاعة، رحمه الله تعالى.
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن الأغلب المكنى بأبى الغرانيق
ولى بعد عمه زيادة الله.
وكان مشغوفا بالصيد، فلقب أبا الغرانيق، وذلك أنه بنى
стр. 9153
قصرا فى السهلين لصيد الغرانيق «١» ، أنفق فيه ثلاثين ألف دينار «٢» .
ولقّب فى آخر أيامه بالميت، وذلك أنه اعتل وطالت علته، فكان يشنّع عليه بالموت فى كثير من الأيام.
وكان فى أيامه حروب منها اضطراب ثغر الزاب عليه. فأخرج إليه أبا خفاجة محمد بن إسماعيل فى عسكر عظيم. ففتح فتوحات عظيمة فى طريقه. وخافه جميع البربر ولم يقم أحد له إلى أن وصل تهودة وبسكرة. وأعطاه أهل تلك النواحى أزمة أمورهم.
ثم نهض إلى طبنة، وأتى حى بن مالك البلوى فى خيل بلزمة، فصار فى عسكره.
ثم نهض إلى مدينة أبّة بجميع عساكره فنزلها. فخافه البربر وسمعوا له وأطاعوا «٣» وبذلوا له الرهائن والخراج والعشور والصدقات فلم يقبل منهم.
ومضى يريد بنى كملان من هوارة، وكبيرهم فى ذلك الوقت مهلب بن صولات فتحرزوا منه، وأرسلوا إليه يطلبون الأمان، ويبذلون له كل ما طلب، فلم يقبل وقاتلهم. فلما نشبت الحرب بينهم، جرّ الهزيمة عليه حى بن مالك من أهل بلزمة «٤» . فقتل أبو خفاجة فى جماعة من القواد وكثير من الناس. ووصلت الهزيمة إلى طبنة.
стр. 9154
وفى أيامه فتحت مالطة، وهى جزيرة فى البحر على يد أحمد بن عمر بن عبد الله بن الأغلب.
وتوفى أبو عبد الله محمد فى يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن أربع وعشرين سنة.
وكانت مدة ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما «١» .
وكان غاية فى الجود، مسرفا فى العطاء، حسن السيرة فى الرعية رفيقا بهم، غير أن اللهو والطرب والاشتغال بالصيد واللذات والشراب غلب عليه، حتى إنه مرة سكر وهو بمدينة سوسة وقد ركب فى البحر حتى صار إلى جزيرة قوصرة. فلما ذهب عنه السكر انصرف وهو خائف. وما زال على الانهماك طول عمره. ولم تكن له همة فى جمع المال، فلما مات لم يجد إخوته فى بيت المال شيئا.
ذكر ولاية أبى اسحاق ابراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب
قال ابن الرقيق: كان أبو الغرانيق قد عقد لابنه أبى العقال ولاية العهد، وبايع له، واستحلف إبراهيم بن أحمد أخاه خمسين يمينا بجامع مدينة القيروان أن لا ينازعه فى ملكه، وذلك بحضرة مشيخة بنى الأغلب وقضاة القيروان وفقهائها. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم وهو إذ ذاك وال عليهم فقالوا له: «قم فادخل القصر فإنك الأمير» . وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم.
стр. 9155
فقال: «قد علمتم أن أخى عقد «١» البيعة لابنه، واستحلفنى خمسين يمينا أن لا أنازع ولده ولا أدخل قصره» . فقالوا: «نحن الدافعون له عن الأمر، والكارهون ولايته، والمانعون له. وليست له فى أعناقنا بيعة» . فركب من القيروان ومعه أكثر أهلها. فحاربوا أهل القصر حتى دخله إبراهيم. وبايعه شيوخ القيروان ووجوهها وجماعة من بنى الأغلب.
فلما ولى أمر بإنفاذ الكتب إلى العمال والجباة بحسن السيرة والرفق بالرعية. وولىّ حجابته محمد بن قرهب.
وفى صفر سنة ثلاث وستين ومائتين ابتدأ إبراهيم فى بناء رقّادة وانتقل إليها فى السنة. قال: ودورها أربعة عشر ألف ذراع «٢» .
وليس بإفريقية أرق هواء ولا أعدل نسيما ولا أطيب تربة من موضعها.
قال ابن الرقيق: وقد سمعت من منتقرى «٣» المعانى من يزعم أنه يعرض له فيها الضحك من غير عجب، والسرور من غير سبب.
وفى أيامه فتحت سرقوسة من صقلية فى شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، على يد أحمد بن الأغلب، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج. وأصاب من الغنائم ما لم يوجد فى مدينة من مدائن الشّرك. ولم ينج من رجالها أحد. وكان مقام المسلمين عليها إلى أن فتحت تسعة أشهر. وأقاموا بعد فتحها شهرين ثم هدموها وانصرفوا وفى سنة أربع وستين، وثب الموالى على إبراهيم وعقدوا الخلاف
стр. 9156
فى القصر القديم، ومنعوا من يجوز إلى رقادة من القيروان «١» .
وسبب ذلك أن إبراهيم أمر بقتل رجل منهم يقال له مطروح بن بادر «٢» فخالفوا عليه لذلك. فأقبل إليهم أهل القيروان فى عدد لا يحصى. فارتدع الموالى وسألوا الأمان فأمّنوا. فلما جاءوا وقت «٣» إعطاء الأرزاق، جلس إبراهيم بقصر أبى الفتح، وحضر جميع العبيد «٤» لقبض أرزاقهم. فكلما تقدم رجل نزع سيفه حتى أخذوا كلهم فقتل أكثرهم بضرب السياط وصلبوا. وحبس بعضهم بسجن القيروان حتى ماتوا فيه. ونفى بعضهم إلى صقلية. وأمر بشراء العبيد فاشترى منهم عدد كثير. وحملهم وكساهم وأخرجهم فى الحروب، فظهر منهم شجاعة وجلد وقوة.
وفى سنة خمس وستين ومائتين، تجهز العباس بن أحمد بن طولون من مصر عند خروجه على أبيه يريد برقة. واجتمع إليه الناس على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الطولونية. فأخرج إليه إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب «٥» فلقيه بوادى ورداسة. فاقتتلوا فانهزم ابن قرهب. وقدم ابن طولون إلى لبدة فأخذها. ثم نهض منها يريد طرابلس فحصرها أياما. فعزم إبراهيم على الخروج بنفسه، فلما
стр. 9157
صار إلى قابس لقيه ابن قرهب بالفتح وهزيمة العباس. وأخذ من أمواله كثيرا.
وفى أيامه فى سنة ثمان وستين ومائتين «١» اشتد القحط وغلت الأسعار حتى بلغ قفيز القمح ثمانية دنانير. والقفيز مقدار إردب وربع بالمصرى. فهلك الناس حتى أكل بعضهم بعضا.
وفى أيامه عصت «٢» وزداجة ومنعوا صدقاتهم. فقاتلهم العامل عليهم وهو الحسن بن سفيان فهزموه حتى وصل إلى باجة. فأرسل إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب بالجيوش إليهم. فسار ونزل بجبل من جبال وزداجة يقال له المنار «٣» . فكانت خيله تخرج إليهم صباحا ومساء. فلم يزل حتى أخذ رهائنهم وأطاعوا واستقاموا.
وكانت هوارة قد عاثت فى البلاد وقطعت السبل «٤» فمضى الحاجب إليهم وعرض عليهم الأمان والرجوع إلى الطاعة. فأبوا فقاتلهم وهزمهم. ونهب العسكر ما فى منازلهم وأحرقها بالنار. وعاد الحاجب ثم استأمنت هوارة بعد ذلك.
ثم تجمعت لواتة بأجمعها وحاصروا مدينة قرنة أياما وانتهبوا ما كان فيها. ومضوا إلى باجة وقصر الإفريقى. فأخرج إليهم إبراهيم محمد بن قرهب. فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب ابن قرهب وكبابه فرسه فأدركوه، وهرب من كان معه. وذلك فى ذى
стр. 9158
الحجة سنة ثمان وستين ومائتين «١» . فاشتد ذلك على إبراهيم، وأمر بحشد الجند والأنصار والموالى. وأخرجهم مع ابنه أبى العباس عبد الله فى سنة تسع وستين. فانتهى الخبر إلى لواتة فهربوا «٢» بين يديه فلحقهم بباجة وقتلهم قتلا ذريعا. وافترق من سلم منهم فى كل ناحية.
وفى سنة ثمان وسبعين ومائتين بلغ إبراهيم أن جماعة من الخدام والصقالبة يريدون قتله وقتل أمه، فقتلهم عن آخرهم. وقتل بناته بعد ذلك.
وفى هذه السنة «٣» قتل رجال بلزمة بمدينة رقادة. وكان قبل ذلك قد زحف إليهم وبادرهم «٤» بنفسه فلم يتمكن منهم. فأظهر العفو عنهم ورجع. ثم وفد عليه وفدهم ووفد أهل الزاب. فأنزلهم فى رقادة فى دار عظيمة كالفندق، وأجرى عليهم نزلا واسعا، وخلع عليهم وأكرمهم، حتى اجتمع نحو ألف رجل. فأحاط بهم فامتنعوا وقاتلوا، فقتلهم عن آخرهم. وكان قتلهم سبب انقطاع دولة بنى الأغلب، لأن أهل بلزمة كانوا قد أذلوا كتامة واتخذوهم خولا وعبيدا، وفرضوا عليهم العشور والصدقات وأن يحملوا ذلك على أعناقهم.
فكان الذى صنع إبراهيم بأهل بلزمة مما أنقذ كتامة من تلك الذلة وأوجدهم السبيل إلى القيام مع الشيعى.
وفى هذه السنة أمر إبراهيم بشراء العبيد السودان، فبلغت عدتهم
стр. 9159
مائة ألف. فكساهم وألزمهم بابه. وجعل عليهم ميمونا وراشدا.
وقتل حاجبه ابن الصمصامة وإخوته وقرابته «١» .
وولى حجابته الحسن بن ناقد، وأضاف إليه عدة ولايات، منها إمارة صقلية.
وفى سنة ثمان وسبعين «٢» أيضا اضطربت إفريقية على إبراهيم.
فخالفه أهل تونس والجزيرة وصطفورة وباجة وقمودة والأربس، وذلك فى شهر رجب ولم يجتمع أهل هذه الكور بمكان واحد بل أقام كل رئيس بمكانه «٣» . ولم يبق بيد إبراهيم من إفريقية وكورها إلا الساحل الشرقى. فأمر إبراهيم بحفر الخندق على رقادة. وجمع ثقاته على نفسه. وقرب السودان من قصره. وأحضر شيخا من بنى عامر ابن نافع فشاوره فى أمره. فقال له: «إن عاجلوك قبل أن تختلف كلمتهم خفت أن ينالوا منك. وإن صبروا أمكنك منهم ما تريد» .
فلما خرج من عنده، قال إبراهيم لابنه أبى العباس: «احبسه عندك لئلا يتكلم بهذا الرأى فيصل إليهم» . فحبسه حتى ظفر بهم.
وكان سبب ظفره أنه بعث عسكره إلى الجزيرة فقتل منهم خلقا كثيرا. وأخذ رئيسها المعروف بابن أبى أحمد أسيرا. وجىء به إلى إبراهيم فقتله وصلبه. ووجه صالحا الخادم إلى قمودة فهزمهم.
وبعث إلى تونس عسكرا عظيما عليهم ميمون الخادم والحسن بن ناقد حاجبه. فانهزم أهل تونس وقتلوا قتلا ذريعا بعد قتال شديد.
стр. 9160
ودخل العسكر إلى مدينة تونس فانتهبوا الأموال واستباحوا الحرم وسبوهم. وبعثوا إلى إبراهيم بألف ومائتى أسير، وهم أكابر القوم ورؤساؤهم. وذلك فى شهر رمضان من السنة «١» . ووصل الخبر إلى إبراهيم فى وقته على جناح طائر. فبعث إلى قائده ألا يقطع رأس قتيل. ووجه العجل فحملت القتلى وشق بها سماط القيروان.
ذكر انتقال ابراهيم الى تونس
وفى سنة إحدى وثمانين ومائتين، أمر إبراهيم أن تبنى له بتونس قصوره ومساكنه، فبنيت. ثم انتقل إليها يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى «٢» . وانتقل أهل بيته وجميع قواده ومواليه.
وفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، تحرك إبراهيم يريد محاربة ابن طولون بمصر. وحشد وخرج من تونس لعشر خلون من المحرم. فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر. ثم خرج بعساكره، فاعترضه أهل نفوسة بجمع عظيم فى النصف من شهر ربيع الأول. فكان بينهم قتال عظيم، فقتل «٣» ميمون الخادم وجماعة ممن معه. ثم انهزم أهل نفوسة، وتبعهم إبراهيم فقتلهم قتلا ذريعا. وتطارح منهم خلق كثير فى البحر فقتلوا حتى احمر لون الماء من دمائهم. فقال إبراهيم «لو كان هذا القتل لله لكان إسرافا» . فقال له بعض رجاله:
«ليدع الأمير بعض من أحب من مشايخهم ويسأله عن اعتقاده.
стр. 9161
فإذا سأله علم أن ذلك لله» . فأحضر بعضهم، فقال: «ما تقولون فى على بن أبى طالب؟» فقال: «نقول: إنه كان كافرا «١» ، فى النار من لم يكفره» . فقال إبراهيم: «فجميعكم على هذا الرأى؟» قالوا: «نعم.» قال: «الآن طابت نفسى على قتلكم» . وجلس على كرسى وبيده حربة. فكان يقدّم إليه الرجل منهم فيقد أضلاعه من تحت منكبيه ثم يطعنه فيصيب قلبه حتى قتل منهم خمسمائة رجل بيده فى وقت واحد.
ثم تمادى إبراهيم بعد فراغه من أهل نفوسة إلى طرابلس. وكان محمد بن زيادة الله عامله عليها، وكان إبراهيم كثير الحسد له من صغره على علمه وأدبه. فقتله إبراهيم وصلبه.
ثم سار من طرابلس حتى بلغ عين تاورغا «٢» . فرجع كثير ممن معه «٣» إلى إفريقية، ولم يبق معه إلا أقل من النصف. فلما رأى ذلك انصرف إلى رقادة ثم إلى تونس.
وفى سنة أربع وثمانين «٤» ، جهز إبراهيم ابنه أبا العباس إلى صقلية لقتال أهلها. فسار إليها فى جمادى الآخرة. فقاتله أهلها قتالا شديدا ثم انهزموا. ودخل المدينة بالسيف فقتل خلقا عظيما.
ثم عفا عن الناس وأمنهم. ثم ركب حتى جاز المجاز، وأوقع بالروم فقتل المقاتلة وسبى الذرية. ورجع إلى صقلية وقد أثخن فى الروم.
стр. 9162
ذكر اعتزال ابراهيم الملك وزهده وغزوه ووفاته
وكان سبب ذلك أن رسول الخليفة المعتضد بالله العباسى قدم عليه فى سنة تسع وثمانين «١» ومائتين من بغداد إلى تونس. فخرج إبراهيم إليه وضربت له فازة «٢» سوداء فى سبخة تونس. فخلا بالرسول وكان بينهما محاورة ولم يأته بكتاب. وكان المعتضد قد أرسله على غضب وسخط لشكوى أهل تونس منه، وصياحهم على المعتضد، ووصفهم له ما صنع بهم إبراهيم، وقالوا: «أهدى إليك نساءنا وبناتنا» . فغضب المعتضد، وأمره باللحاق به وأن يعتزل عن إفريقية. وولى عليها ابنه أبا العباس.
فكره إبراهيم المسير إلى المعتضد. وأظهر التوبة، ورفض الملك، ولبس الخشن من الثياب. وأمر بإخراج من فى سجونه. وقطع القبالات «٣» . وبعث إلى ابنه أبى العباس وهو بصقلية ليصير إليه الملك، ويخرج له من الأمر. فقدم عليه فى شهر ربيع الأول فسلم إليه الأمر وخرج من تونس. وأظهر أنه يريد الحج. ووصل إلى سوسة، ووجه رسله إلى بغداد بذلك. ثم بعث من يذكر رجوعه عن الحج وخروجه إلى الجهاد «٤» خشية من بنى طولون لئلا تسفك بينهما الدماء. واستقر الناس، ودعاهم إلى الجهاد، ووسع على من أتاه.
وخرج من سوسة لئلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخرة.
стр. 9163
فنزل نوبة ففرق الخيل والسلاح على أصحابه وأمر بالعطاء. فأعطى الفارس عشرين دينارا والراجل عشرة.
وخرج من نوبة إلى طرابنش «١» فى البحر. فأقام بها سبعة عشر يوما يعطى الأرزاق لمن معه.
ثم رحل فدخل مدينة بلرم «٢» لليلتين بقيتا من شهر رجب.
وأمر برد المظالم. وأقام بصقلية أربعة عشر يوما يعطى أهلها ومن بها من البحريين الأرزاق.
وارتحل لتسع خلون من شعبان. فنزل على طبرمين «٣» وحاصرها.
وكان بينه وبين أهلها قتال شديد حتى أثخنت الجراح فى الفريقين.
وهمّ المسلمون بالانحياز فقرأ قارىء: «هذان خصمان اختصموا فى ربهم» . الآية «٤» فحمل حماة العسكر وأهل البصائر بنيات صادقة. فانهزم الكفرة هاربين. فقتلهم المسلمون أبرح قتل، وقفوا آثارهم فى بطون الأودية ورؤوس الجبال. ودخل إبراهيم ومن معه طبرمين فقتل وسبى.
وبعث زيادة الله ابن ابنه»
أبى العباس إلى قلعة ميقش «٦» .
стр. 9164
وبعث أبا الأغلب ولده بعسكر إلى دمنيش «١» . فوجد أهلها قد هربوا على وجوههم، فأخذ جميع ما كان بها «٢» .
وبعث ابنه أبا حجر «٣» إلى رمطة «٤» . فطلب القوم الأمان.
وأجابوا إلى الجزية.
وبعث سعدون الجلوى بطائفة إلى لياج «٥» فدعوا القوم جميعا.
فأجابوا إلى أداء الجزية. فلم يجبهم ولم يرضه إلا نزولهم عن الحصون، فنزلوا. وهدم جميع القلاع ورمى حجارتها إلى البحر.
ثم تمادى بالعساكر إلى مسّينى «٦» فأقام بها يومين.
وأمر الناس بالتعدية إلى قلّورية «٧» لأربع بقين من شهر رمضان وتمادى فى رحيله إلى أن قرب من مدينة كسنتة «٨» . فجاءته الرسل يطلبون الأمان فلم يجبهم. وسار إلى أن وصل كسنتة وقدم العساكر وبقى فى الساقة لضعف أصابه. فنزلت العساكر بالوادى. وأمر الناس بالزحف لخمس بقين من شوال. وفرق أولاده وخاصته على
стр. 9165
أبوابها، فقاتلوا «١» من كل ناحية، ونصبوا المجانيق.
واشتدت علة إبراهيم، وكانت علته البطن. وعرض له الفواق فأيس أصحابه منه. فقلدوا الأمر إلى زيادة الله بن ابنه أبى العباس سرا. وكانت وفاة الأمير إبراهيم فى ليلة السبت لاثنتى عشرة «٢» ليلة بقيت من ذى القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. فركب القواد إلى أبى مضر زيادة الله، وهو أكبر أولاد أبى العباس بن إبراهيم، فقالوا له: «تولّ هذا الأمر حتى تصل إلى أبيك» . فقال لعمه أبى الأغلب «٣» : «أنت أحق بحق أخيك» . فلم يتقدم على زيادة الله، وكان يحب السلامة.
ثم طلب أهل كسنتة الأمان، وهم لا يعلمون بوفاة الأمير، فأمّنوا.
وأقام المسلمون حتى قدم عليهم من كان توجه إلى الجهات. فلما قدموا ارتحلوا بأجمعهم وعادوا إلى مدينة بلرم. ونقلوا إبراهيم معهم فدفنوه بها «٤» . وبنى على قبره قصر. وعادوا إلى إفريقية بأجمعهم.
وكان مولد إبراهيم يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين ومائتين.
فكان عمره ثلاثا وخمسين سنة وأحد عشر شهرا وأياما «٥» . ومدة
стр. 9166
ولايته إلى حين وفاته ثمانى وعشرين سنة وستة أشهر واثنى عشر يوما «١» .
وكان لإبراهيم محاسن ومساوى ذكرها ابن الرقيق، ونحن نذكر لمعة من محاسن أفعاله ومساوئها، تدل على ما كان عليه. ونترك الإطالة جريا على القاعدة «٢» فى الاختصار.
قال: كان على حالة محمودة من الحزم والضبط للأمور. وأقام سبع «٣» سنين من ولايته، وهو على ما كان عليه أسلافه من حسن السيرة وجميل الأفعال، إلى أن خرج لمحاربة العباس بن طولون. فلما كفى مؤنته تغيرت حاله وحرص على جمع الأموال. ثم اشتد أمره فأخذ فى قتل أصحابه وكفاته وحجابه. ثم قتل ابنه وبناته وأتى بأمور لم يأت غيره بمثلها.
فمن محاسن أعماله أنه كان أنصف الملوك للرعية، لا يرد عنه متظلم يأتيه «٤» . وكان يجلس بعد صلاة الجمعة، وينادى مناديه:
«من له مظلمة» . فربما لم يأته أحد لكفّ بعض الناس عن بعض.
وكان يقصد ذوى الأقدار والأموال فيقمعهم ويقول: «لا ينبغى أن يظلم إلا الملك، لأن هؤلاء إذا أحسوا من أنفسهم قوة بما عندهم من الأموال لم يؤمن شرّهم وبطرهم. فإذا كف الملك عنهم وأمنوا دعاهم ذلك إلى منازعته وإعمال الحيلة عليه. وأما الرعية فهم مادة الملك،
стр. 9167
فإن أباح ظلمهم لم يصل إليه نفعهم، ولحقه الضرر، وصار النفع لغيره» .
ووقف له رجلان من أهل القيروان، وهو بالمقصورة فى جامع رقادة. فأدناهما إليه وسألهما عن حالهما فقالا له: «كنا شريكين للسيدة. «يعنيان أمه» فى جمال وغيرها. فاحتبست لنا ستمائة دينار» .
فأرسل إليها خادما فقالت: «نعم هو كما ذكرا إلا أن بينى وبينهما حسابا. وإنما احتبست هذا المال حتى أحاسبهما. فإن بقى عليهما شىء وإلا دفعت مالهما إليهما» . فقال للخادم: «ارجع إليها وقل لها: والله لئن لم توجهى بالمال وإلا أوقفتك الساعة معهما بين يدى عيسى بن مسكين» . فوجهت بالمال إليه. فدفعه إليهما وقال:
«أما أنا فقد أنصفتكما فيما ادعيتما، فاذهبا واقطعا حسابها وإلا فأنتما أعلم» .
وكان إذا تبين له الظلم قبل أحد من أهل بيته وولده بالغ فى عقوبته والإنصاف منه. فكان ولده ورجاله يوم الخميس يأمرون «١» عبيدهم ورجالهم أن يطوفوا فى الأزقة والفنادق، ويسألوا: هل أتى شاك أو متظلّم من عبد أو وكيل؟ فإذا وجدوا أحدا أتوا به إلى دار ولد الأمير أو قرابته فينصفه.
ومن مساوىء أفعاله أنه أسرف فى سفك دماء أصحابه وحجابه حتى يقال إنه افتقد منديلا كان يمسح به فمه من شرب النبيذ- وكان قد سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم- فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم. وهذا غاية فى الجور ونهاية فى الظلم.
стр. 9168
وقتل ابنه المكنى بأبى الأغلب «١» لظنّ ظنّه به، فضرب عنقه بين يديه صبرا. وقتل ثمانية إخوة كانوا له رجالا، ضربت أعناقهم بين يديه صبرا. وكان أحدهم ثقيل البدن فسأله واسترحمه. فقال:
«لا يجوز أن تخرج عن حكم الجماعة» . وقتله. ثم قتل بناته.
وأتى بأمور لم يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى مثلها ملك ولا أمير.
فكانت أمه إذا ولد له ابنة من أحد جواريه أخفتها عنه وربتها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية. فقالت له ذات يوم، وقد رأت منه طيب نفس: «يا سيدى، قد ربيت لك وصائف ملاحا، وأحب أن تراهن» . فقال: «نعم، قرّبيهن منى» . فأدخلتهن إليه فاستحسنهن. فقالت: «هذه ابنتك من جاريتك فلانة، وهذه من فلانة» . حتى عدّتهن عليه. فلما خرج قال لخادم له أسود كان سيافا يقال له ميمون: «امض فجئنى برؤوسهن» . فتوقف استعظاما منه لذلك. فسبّه وقال: «امض وإلا قدمتك قبلهن» . فمضى إليهن.
فجعلن يصحن ويبكين ويسترحمن، فلم يغن ذلك عنهن شيئا. وأخذ رؤوسهن وجاء بهن معلقة بشعورهن، فطرحها بين يديه.
ومن قبيح «٢» أفعاله ما كان عليه من أمر الأحداث، وكان له نيّف وستون حدثا. وقد رتب لكل واحد منهم مرقدا ولحافا. فإذا جاء وقت النوم، طاف عليهم الموكل بهم فسقى كل واحد منهم ثلاثة أرطال، وينام كل واحد منهم فى مكانه. فبلغه أن بعضهم يمشى فى الليل إلى بعض. فجلس بباب القصر على كرسى وأمر بإحضارهم.
стр. 9169
فبعضهم أقر وبعضهم جحد، حتى مر به صبى كان يحبه فقال:
«والله يا مولاى ما كان من هذا شىء» . فضربه بعمود من حديد فطار دماغه. وأمر بتنور فأحمى. فكان يطرح فيه كل يوم خمسة أو ستة حتى أفناهم. وأدخل عددا منهم الحمام وأغلق عليهم البيت السخن، فماتوا من ساعتهم.
وقتل بناته وجواريه بأنواع من العذاب: منهن من بنى عليها البناء حتى ماتت جوعا وعطشا، ومنهن من أمر بخنقها، ومنهن من ذبحها، حتى لم يبق فى قصره أحد. فدخل على أمه فى بعض الأيام فقامت إليه ورحبت به. فقال لها: «إنى أحب طعامك» . فسرت بذلك وأحضرت الطعام. فأكل وشرب وانبسط. فلما رأت سروره قالت له: «إن عندى وصيفتين ربيتهما لك وادخرتهما لمسرتك. وقد طال عهدك بالأنس بعد قتل الجوارى وهما يحسنان القراءة بالألحان.
فهل لك أن أحضرهما للقراءة بين يديك؟» . قال: «افعلى» .
فأمرت بإحضارهما فأحضرتا. وأمرتهما بالقراءة فقرأتا أحسن قراءة. ثم قالت له أمه: «هل لك أن ينشداك الشعر؟» قال:
«نعم» . فغنتا بالعود والطنبور أبدع غناء حتى عمل فيه الشراب وأراد الانصراف. فقالت له: «هل لك أن تمشيا خلفك حتى تصل إلى مكانك ويقفا على رأسك ويؤنساك، فقد طال عهدك بالأنس» . قال:
«نعم.» فمضى وهما خلفه. فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى أقبل خادم وعلى رأسه طبق وعليه منديل. فظنت أنه وجه إليها بهدية.
فوضع الخادم الطبق بين يديها ورفع المنديل، وإذا برأسيهما.
стр. 9170
فصرخت أمه وغشى عليها. وأفاقت بعد ساعة طويلة، وهى تدعو عليه وتلعنه. وأخباره فى أمثال «١» هذا طويلة.
وفى أيامه ظهر أبو عبد الله الشيعى الداعى، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله .
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله بن ابراهيم «٢» ابن أحمد بن محمد بن الأغلب
ولى الأمر كما قدمناه فى حياة أبيه ثم استقل بالأمر بعد وفاته.
وكان على خوف شديد من أبيه لسوء أخلاقه وجرأته على قتل من قرب منه أو بعد. فكان يظهر له من الطاعة والتذلل أمرا عظيما. فكان إبراهيم يكرمه ويفضله على سائر أولاده.
وكانت ولايته بعد أبيه فى يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. فجلس للناس للمظالم «٣» .
وليس الصوف، وأظهر العدل والإحسان والإنصاف. ولم يسكن قصر أبيه. ولكنه اشترى دارا مبنية بالطوب فسكنها إلى أن اشترى داره التى عرف بها.
وخاف من قيام ابنه زيادة الله عليه فحبسه هو وخلقا من رجاله.
стр. 9171
وولى أبا العباس محمد بن الأسود الصدينى «١» قضاء القيروان والأحكام والنظر فى العمال وجباة الأموال. فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان قويا فى قضائه، شديدا على رجال السلطان، رفيقا بالضعفاء والمظلومين. ولم يكن واسع العلم، فكان يشاور العلماء، فلا يقطع حكما إلا برأى ابن عبدون «٢» القاضى. وكان يظهر القول بخلق القرآن فكرهه العامة.
ولم تطل أيام أبى العباس حتى وثب به ثلاثة من خدمه كان زيادة الله قد وضعهم عليه، فقتلوه وهو نائم. وأتوا بحداد إلى زيادة الله ليقطعوا قيده ويسلموا عليه بالإمارة. فخاف أن يكونوا دسيسا عليه من أبيه، فأبى ذلك. فمضوا إلى أبيه فقطعوا رأسه وأتوا به فى الليل.
فلما رأى ذلك أمر بقطع قيوده وخرج. وكان مقتل أبى العباس فى ليلة الأربعاء آخر شعبان «٣» سنة تسعين ومائتين. فكانت إمارته من حين خروج أبيه وإلى أن قتل سنة واحدة واثنين وخمسين يوما، ومنذ استقل بالأمر بعد أبيه تسعة أشهر وثلاثة عشر يوما «٤» .
وكان ﵀ شجاعا بطلا عالما «٥» بالحرب، حسن النظر فى الجدل «٦» . وأستاذه فى ذلك عبد الله بن الأشج «٧» .
стр. 9172
ذكر ولاية أبى مضر زيادة الله بن أبى العباس
عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب قال: ولما أفضى إليه الأمر بعد مقتل»
أبيه، كان أول ما بدأ به أنه أمر بقتل الخصيان الذين قتلوا أباه وصلبهم، وأظهر الكراهة لفعلهم.
وأرسل من إخوته وبنى عمه تسعة وعشرين رجلا إلى جزيرة فى البحر يقال لها جزيرة الكراث «٢» فقتلوا فى شهر رمضان من هذه السنة.
وبعث زيادة الله خمسين فارسا مع فتوح الرومى إلى أخيه الأحول بكتاب على لسان أبيه أبى العباس يأمره فيه بالقدوم عليه ولا يتخلف- وكان أبو العباس قد أخرجه لقتال أبى عبد الله الشيعى- فرجع. فلما وصل أمر زيادة الله بقتله فقتل. فكان ذلك أعظم فتح عند الشيعى.
قال: وأمر زيادة الله بالعطاء.
وولى الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ. وولى الخراج أبا مسلم «٣» . وعزل القاضى الصدينى لرأيه بخلق القرآن. وكتب كتابا إلى القيروان: «إنى قد عزلت عنكم الجافى الجلف، المبتدع المتعسف، ووليت القضاء حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة» .
стр. 9173
وفى أيامه قوى أمر أبى عبد الله الشيعى، وكان قد ظهر فى أيام جده إبراهيم بن أحمد، فاستفحل الآن أمره. وكثرت أتباعه، واشتدت وطأته. ففارق زيادة الله تونس إلى رقادة ونزلها خوفا من الشيعى أن يخالفه إليها. ولما نزلها زيادة الله عمر سورها، فلم يغن ذلك عنه شيئا لأن الشيعى لما قوى أمره بكتامة، انضمت إليه القبائل واجتمعت له الرجال، وهزم جيوش زيادة الله مرة بعد أخرى وقتل جموعه.
واستولى على البلاد: فبدأ بميلة ثم بمدينة سطيف ثم غلب على البلاد والمدن بلدا بلدا ومدينة مدينة، إلى أن غلب على مدينة الأربس، وهزم إبراهيم بن أبى الأغلب «١» . وكان زيادة الله قد جهزه لقتاله فى جيوش عظيمة، وهو آخر جيش جهزه زيادة الله. فهزمه الشيعى، وذلك فى جمادى الآخرة سنة ست وتسعين «٢» ومائتين، على ما نذكره إن شاء الله مبينا فى أخبار الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية.
ذكر انهزام زيادة الله الى المشرق وانقراض دولة بنى الأغلب
قال: ولما بلغت هزيمة إبراهيم بن الأغلب زيادة الله- وكان هذا الجمع آخر جمع جمعه- فتّ ذلك فى عضده. وكان برقادة فأظهر أنه أتاه الفتح وأرسل إلى السجون فأتى برجال منها. فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم فى القيروان والقصر القديم.
стр. 9174
وأخذ في حمل «١» أثقاله وأمواله. وأرسل إلى خاصة رجاله وأهل بيته يعرّفهم الحال وأنذرهم بالخروج معه. فأشار عليه وزيره ابن الصائغ بالمقام. وقال له: «العساكر تجتمع إليك، فأخرج العطاء يأتيك الناس. والشيعى لا يجسر أن يقدم عليك» . وشجعه وقواه وذكّره بحروب جده زيادة الله، فلم يرجع إلى قوله. فلما ألح عليه ابن الصائع، قال له زيادة الله: «هذا يصدق ما قيل عنك:
إنك كاتبت الشيعى وأردت أن تمكنه منى» . فتبرأ من ذلك وأمسك عنه.
وأخذ زيادة الله فى شد الأموال والجواهر والسلاح وما خف من الأمتعة النفيسة، وفعل رجاله كذلك واتعدوا إلى الليل. ثم انتخب زيادة الله من عبيده الصقالبة ألف خادم وجعل على وسط كل خادم ألف دينار. وحمل من يعز عليه من جواريه وأمهات أولاده.
ولما عزم على الرحيل، قامت إليه جارية من قيانه، وأخذت العود واندفعت تغنى:
لم أنس يوم الرحيل موقفها ... وجفنها فى دموعها غرق «٢»
وقولها، والركاب سائرة ... تتركنى سيدي وتنطلق «٣»
стр. 9175
فدمعت عيناه وأمر بحط حمل مال عن بغل وحملها عليه «١» .
وكانت الهزيمة بلغته بعد صلاة العصر، فما أذّن مؤذن العشاء الآخرة إلا وقد رحل من رقادة «٢» . واتبعه الناس قوما بعد قوم يهتدون بالمشاعل. وأخذ طريق مصر.
وخرج عبد الله بن الصائغ بعده بثقله وحشمه وأمواله. فقصد جهة لمطة، وقد كان أعد هناك مركبا لنفسه، ليركب فيه إلى صقلية ويفارق زيادة الله خوفا على نفسه من رجاله أن يحملوه على قتله، لأنه كان معاديا لأكثرهم ورموه بمكاتبة الشيعى؛ ولم يكن كذلك.
قال: ولما علم الناس بهروب زيادة الله، أسرعوا إلى رقادة، وانتهبوا ما فيها، واحتووا على قصور زيادة الله، حتى صاروا إلى البحث عن المطامير وانتزاع حديد الأبواب وحمل الأسرّة ونقل الماعون.
وأقاموا على ذلك ستة أيام، حتى تراءت خيل الشيعى. وتخلف عن زيادة الله كثير من رجاله وعبيده وأصحاب الدواوين، فافترقوا فى البلدان.
وأما إبراهيم بن أبى الأغلب، فإنه وافى القيروان فى جماعة من انضم إليه. فلما علموا بهروب زيادة الله، تفرقوا عنه وقصد كل قوم إلى ناحيتهم. وقصد إبراهيم دار الامارة فنزل بها. ونادى مناديه بالأمان، وسكّن الناس. وأرسل إلى الفقهاء ووجوه أهل القيروان، فاجتمع على بابه خلق كثير وسلموا عليه بالإمارة. فذكر لهم أحوال
следующие страницы →