← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

وولى أبا العباس محمد بن الأسود الصدينى «١» قضاء القيروان والأحكام والنظر فى العمال وجباة الأموال. فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان قويا فى قضائه، شديدا على رجال السلطان، رفيقا بالضعفاء والمظلومين. ولم يكن واسع العلم، فكان يشاور العلماء، فلا يقطع حكما إلا برأى ابن عبدون «٢» القاضى. وكان يظهر القول بخلق القرآن فكرهه العامة. ولم تطل أيام أبى العباس حتى وثب به ثلاثة من خدمه كان زيادة الله قد وضعهم عليه، فقتلوه وهو نائم. وأتوا بحداد إلى زيادة الله ليقطعوا قيده ويسلموا عليه بالإمارة. فخاف أن يكونوا دسيسا عليه من أبيه، فأبى ذلك. فمضوا إلى أبيه فقطعوا رأسه وأتوا به فى الليل. فلما رأى ذلك أمر بقطع قيوده وخرج. وكان مقتل أبى العباس فى ليلة الأربعاء آخر شعبان «٣» سنة تسعين ومائتين. فكانت إمارته من حين خروج أبيه وإلى أن قتل سنة واحدة واثنين وخمسين يوما، ومنذ استقل بالأمر بعد أبيه تسعة أشهر وثلاثة عشر يوما «٤» . وكان ﵀ شجاعا بطلا عالما «٥» بالحرب، حسن النظر فى الجدل «٦» . وأستاذه فى ذلك عبد الله بن الأشج «٧» .

стр. 9172

ذكر ولاية أبى مضر زيادة الله بن أبى العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب قال: ولما أفضى إليه الأمر بعد مقتل» أبيه، كان أول ما بدأ به أنه أمر بقتل الخصيان الذين قتلوا أباه وصلبهم، وأظهر الكراهة لفعلهم. وأرسل من إخوته وبنى عمه تسعة وعشرين رجلا إلى جزيرة فى البحر يقال لها جزيرة الكراث «٢» فقتلوا فى شهر رمضان من هذه السنة. وبعث زيادة الله خمسين فارسا مع فتوح الرومى إلى أخيه الأحول بكتاب على لسان أبيه أبى العباس يأمره فيه بالقدوم عليه ولا يتخلف- وكان أبو العباس قد أخرجه لقتال أبى عبد الله الشيعى- فرجع. فلما وصل أمر زيادة الله بقتله فقتل. فكان ذلك أعظم فتح عند الشيعى. قال: وأمر زيادة الله بالعطاء. وولى الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ. وولى الخراج أبا مسلم «٣» . وعزل القاضى الصدينى لرأيه بخلق القرآن. وكتب كتابا إلى القيروان: «إنى قد عزلت عنكم الجافى الجلف، المبتدع المتعسف، ووليت القضاء حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة» .

стр. 9173

وفى أيامه قوى أمر أبى عبد الله الشيعى، وكان قد ظهر فى أيام جده إبراهيم بن أحمد، فاستفحل الآن أمره. وكثرت أتباعه، واشتدت وطأته. ففارق زيادة الله تونس إلى رقادة ونزلها خوفا من الشيعى أن يخالفه إليها. ولما نزلها زيادة الله عمر سورها، فلم يغن ذلك عنه شيئا لأن الشيعى لما قوى أمره بكتامة، انضمت إليه القبائل واجتمعت له الرجال، وهزم جيوش زيادة الله مرة بعد أخرى وقتل جموعه. واستولى على البلاد: فبدأ بميلة ثم بمدينة سطيف ثم غلب على البلاد والمدن بلدا بلدا ومدينة مدينة، إلى أن غلب على مدينة الأربس، وهزم إبراهيم بن أبى الأغلب «١» . وكان زيادة الله قد جهزه لقتاله فى جيوش عظيمة، وهو آخر جيش جهزه زيادة الله. فهزمه الشيعى، وذلك فى جمادى الآخرة سنة ست وتسعين «٢» ومائتين، على ما نذكره إن شاء الله مبينا فى أخبار الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية. ذكر انهزام زيادة الله الى المشرق وانقراض دولة بنى الأغلب قال: ولما بلغت هزيمة إبراهيم بن الأغلب زيادة الله- وكان هذا الجمع آخر جمع جمعه- فتّ ذلك فى عضده. وكان برقادة فأظهر أنه أتاه الفتح وأرسل إلى السجون فأتى برجال منها. فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم فى القيروان والقصر القديم.

стр. 9174

وأخذ في حمل «١» أثقاله وأمواله. وأرسل إلى خاصة رجاله وأهل بيته يعرّفهم الحال وأنذرهم بالخروج معه. فأشار عليه وزيره ابن الصائغ بالمقام. وقال له: «العساكر تجتمع إليك، فأخرج العطاء يأتيك الناس. والشيعى لا يجسر أن يقدم عليك» . وشجعه وقواه وذكّره بحروب جده زيادة الله، فلم يرجع إلى قوله. فلما ألح عليه ابن الصائع، قال له زيادة الله: «هذا يصدق ما قيل عنك: إنك كاتبت الشيعى وأردت أن تمكنه منى» . فتبرأ من ذلك وأمسك عنه. وأخذ زيادة الله فى شد الأموال والجواهر والسلاح وما خف من الأمتعة النفيسة، وفعل رجاله كذلك واتعدوا إلى الليل. ثم انتخب زيادة الله من عبيده الصقالبة ألف خادم وجعل على وسط كل خادم ألف دينار. وحمل من يعز عليه من جواريه وأمهات أولاده. ولما عزم على الرحيل، قامت إليه جارية من قيانه، وأخذت العود واندفعت تغنى: لم أنس يوم الرحيل موقفها ... وجفنها فى دموعها غرق «٢» وقولها، والركاب سائرة ... تتركنى سيدي وتنطلق «٣»

стр. 9175

فدمعت عيناه وأمر بحط حمل مال عن بغل وحملها عليه «١» . وكانت الهزيمة بلغته بعد صلاة العصر، فما أذّن مؤذن العشاء الآخرة إلا وقد رحل من رقادة «٢» . واتبعه الناس قوما بعد قوم يهتدون بالمشاعل. وأخذ طريق مصر. وخرج عبد الله بن الصائغ بعده بثقله وحشمه وأمواله. فقصد جهة لمطة، وقد كان أعد هناك مركبا لنفسه، ليركب فيه إلى صقلية ويفارق زيادة الله خوفا على نفسه من رجاله أن يحملوه على قتله، لأنه كان معاديا لأكثرهم ورموه بمكاتبة الشيعى؛ ولم يكن كذلك. قال: ولما علم الناس بهروب زيادة الله، أسرعوا إلى رقادة، وانتهبوا ما فيها، واحتووا على قصور زيادة الله، حتى صاروا إلى البحث عن المطامير وانتزاع حديد الأبواب وحمل الأسرّة ونقل الماعون. وأقاموا على ذلك ستة أيام، حتى تراءت خيل الشيعى. وتخلف عن زيادة الله كثير من رجاله وعبيده وأصحاب الدواوين، فافترقوا فى البلدان. وأما إبراهيم بن أبى الأغلب، فإنه وافى القيروان فى جماعة من انضم إليه. فلما علموا بهروب زيادة الله، تفرقوا عنه وقصد كل قوم إلى ناحيتهم. وقصد إبراهيم دار الامارة فنزل بها. ونادى مناديه بالأمان، وسكّن الناس. وأرسل إلى الفقهاء ووجوه أهل القيروان، فاجتمع على بابه خلق كثير وسلموا عليه بالإمارة. فذكر لهم أحوال

стр. 9176

زيادة الله، وما كان عليه من سوء الحال، وأن ذلك أخل بدولته وأجلب عدوه وسلبه ملكه. وذكر الشيعى وكتامة وشنّع عليهم أقبح الأشانيع. وطلب من الناس الإعانة. وقال: «إنما قصدت المجاهدة عن حريمكم ودمائكم وأموالكم، فأعينونى على ذلك بالسمع والطاعة، وأمدونى بأموالكم ورجالكم، وادفعوا عن حريمكم ومهجكم» . فقالوا: «أما السمع والطاعة فهما لك ولكل من ولينا. وأما إعانتك بأموالنا فهى لا تبلغ ما تريده. والقتال فما لنا به قوة ولا معرفة. وأنت فقد ناصبت هؤلاء ومعك صناديد الحرب ووجوه الرجال ووراءك بيوت الأموال، فلم تظفر بهم. وتروم الآن ذلك منا نحن وبأموالنا «١» » . فراجعهم فى ذلك وراجعوه، حتى قال لهم: «فانظروا ما كان فى أيديكم من أموال الأحباس والودائع فأعطونى ذلك سلفا، فأنادى بالعطاء فيجتمع إلى الناس» . قالوا: «وما يغنى عنك ذلك، ولو مددت يدك إليها لأنكر الناس عليك» . فلما يئس منهم صرفهم والناس مجتمعون حول دار الإمارة لا يعلمون ما كان الكلام. فلما خرجوا أخبروهم بما كانوا فيه. فصاحوا به: «اخرج عنا، فما لنا بك من حاجة، ولا نسمع ولا نطيع لك» . وجلب الغوغاء وصاحوا به وشتموه. فلما سمع ذلك، وثب من كان «٢» معه فى سلاحهم واقتحموا الباب. فهرب من كان على الباب. ومضوا يركضون دوابهم، والناس يركضون وراءهم ويرجمونهم

стр. 9177

بالحجارة. وانضم إلى ابن الأغلب من كان قد بقى بعد زيادة الله من رجاله ممن خاف على نفسه، ولحقوا زيادة الله. ثم دخل الشيعى رقادة وانقرضت دولة بنى الأغلب. ذكر ما كان من أخبار زيادة الله وقتله عبد الله ابن الصائغ ومسيره الى بلاد الشرق ووفاته قال: ولما خرج زيادة الله من رقادة، ولحق به إبراهيم بن أبى الأغلب فيمن انضم إليه، فاجتمع «١» معه خلق كثير. فسار بهم إلى طرابلس فدخلها ونزل دار الإمارة. وافتقد ابن الصائغ فلم يره، فتحقق ما كان يرمى به من مكاتبة الشيعى. وأكثر أصحابه القول فيه. وكان قد ركب فى مركب له يريد صقلية، فصرفته الريح إلى طرابلس. فدخل على زيادة الله فعاتبه على تخلّفه. فاعتذر أنه كانت معه أثقال لم يطق حملها «٢» فى البر. فلما علم أصحاب زيادة الله أنه قرب ابن الصائغ ساءهم ذلك وغمهم. فأتوه وقالوا: «إنه كذبك وإنما كان يريد صقلية» . واجتمعوا كلهم وقالوا: «هذا الذى أخرجك من ملكك، وعمل فى ذهاب دولتك، وكاتب الشيعى عليك» . فنقم عليه وأمر بتسليمه إلى راشد- وهو أحد المتعصبين عليه- فضرب عنقه بيده. وتلاعب الصبيان برأسه حتى وقع فى قناة حمام. وحكى عن الشيعى أنه قال: «والله ما كاتبنى قط» .

стр. 9178

قال: وأقام زيادة الله بطرابلس سبعة عشر «١» يوما وخرج منها يريد مصر. وكان قد نقم على إبراهيم بن أبى الأغلب لما أراده من العقد لنفسه بمدينة القيروان، فاطرحه وأعرض عنه وعن أبى المصعب بن زرارة. وسعى بهما عنده أنهما يقعان فيه وينالان منه، وقيل له: «هذا قولهما فيك وهما معك وفى قبضتك، فكيف إذا وصلا إلى مصر؟» فعزم على قتلهما. فهربا إلى الإسكندرية واستجارا بعاملها. فأجارهما ووجه بهما إلى مصر. فدخلا قبل زيادة الله، واجتمعا بعيسى النوشرى عاملها، ووقعا عنده فى زيادة الله، وذكروا سوء فعله وأنه يطمع نفسه بمصر. فهم النوشرى أن يصد زيادة الله عن مصر إلى أن يكتب إلى بغداد. فأتى زيادة الله الخبر من عيون كانت له بمصر، فأرسل ابن القديم بكتاب إلى النوشري، يبجّله فيه ويسأله أن ينظر له دارا «٢» ينزل فيها، ويخبره أنه يقيم إلى أن يصل إليه الرسول. ثم سار زيادة الله فى أثر ابن القديم وجاء إلى مصر «٣» . فأنزله النوشرى فى دار ابن الجصاص، وأنزل رجاله فى دور كثيرة. وأقام بمصر ثمانية أيام ثم خرج يريد بغداد. فتخلف عنه بمصر جماعة ممن كان معه «٤» . فسار حتى وصل إلى الرملة ففقد وجوه رجاله، فوجدهم هربوا عنه. وهرب له غلام بمائة ألف دينار، وصار إلى النوشرى والتحق بغلمانه. فكتب زيادة الله إلى بغداد بذلك. فورد

стр. 9179

الجواب إليه، وإلى النوشرى يؤمر فيه أن يبعث إليه بكل من تخلف عنه. ففعل النوشرى ورد غلمانه وأصحابه إليه. وسار زيادة الله حتى وصل إلى الرقة. وكتب إلى ابن الفرات الوزير أن يستأذن له المقتدر بالله فى الدخول إلى الحضرة. فأتاه كتاب يؤمر فيه بالإقامة فى الرقة حتى يأتيه رأى المقتدر. فأقام بها سنة فتفرق عنه رجاله وتشتت أمره. وباع عليه قاضى الرقة بعض خصيانه، وذلك أنه كان معه خصيان لهم وضاءة وجمال. فلما أقام بالرقة أدمن شرب الخمر وسماع الملاهى. فاحتسب عليه محتسب عند القاضى، وأقام بينة شهدت عليه أنه يفجر بأولئك الصقالبة. فباعهم عليه. وتلطف زيادة الله فى الدخول على المقتدر بالله فلم يؤذن له. وصرفه إلى النوشرى وابن بسطام بمصر. وكتب المقتدر إليهما بتقويته بالرجال وأن يعطى من خراج مصر ما يقيم أود عسكره حتى يعود إلى المغرب ويطلب بثأره ويسترجع دولته. فلما وصل إلى مصر شقها متقلدا بسيفين. فأخرجه النوشرى إلى ظاهرها «١» وقال له: «تكون متبرّزا حتى تأتيك الرجال والأموال» . وجعل يمطله ويسوّف به ويتحفه بالهدايا والخمور. فأقام على اتباع شهواته والانهماك على لذاته حتى أنفق ما كان معه وباع السلاح والعدة. ثم اعتل فيقال إن بعض عبيده سمه فى طعام فسقط. شعر لحيته

стр. 9180

ورأسه. فانصرف إلى البيت المقدس فمات هناك «١» . وتفرق آل الأغلب وانقرضت دولتهم بخروج زيادة الله من الملك. وكانت مدة ولاية زيادة الله منذ أفضى إليه الأمر بعد أبيه وإلى أن هرب إلى رقادة خمس سنين وعشرة أشهر «٢» . وانقرضت دولتهم كأن لم تكن. فسبحان من لا يزول ملكه ولا ينقضى دوامه. وبانقراض دولة بنى الأغلب زال ملك بنى مدرار بسجلماسة، وكان له مائة سنة وستون سنة، وزال ملك بنى رستم من تيهرت، وله مائة سنة وثلاثون سنة.

стр. 9181

ذكر أخبار من ملك المغرب بعد بنى الأغلب الى أن قامت دولة بنى زيرى بن مناد نحن نذكر ذلك فى هذا الموضع على سبيل التنبيه عليه لا الاستيعاب له. وسنذكره إن شاء الله تعالى مبيّنا مستوفى فى أخبار الدولة العبيدية مع ملوك مصر. فنقول هاهنا: لما قام أبو عبد الله الشيعى على دولة بنى الأغلب، وهزم جيوشهم، واستولى على بلاد المغرب وانتزعها من زيادة الله بن أبى العباس، وظهر أبو محمد عبيد الله المنعوت بالمهدى- وهو الذى كان الشيعى يدعو له- فانخلع «١» له الشيعى من الأمر كله، وسلمه إليه فى سنة ست وتسعين ومائتين. فلما استقامت الأمور للمهدى، وتوطّد ملكه، واشتدت شوكته، قتل أبا عبد الله الشيعى وأخاه، واستقل بالأمر. وبنى مدينة المهدية وانتقل إليها. ودامت أيامه إلى أن توفى فى النصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ثم قام بالأمر بعده ولده «٢» أبو القاسم محمد المنعوت بالقائم بأمر الله. فملك إلى أن توفى فى يوم الأحد الثالث عشر من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو الطاهر إسماعيل المنعوت بالمنصور بنصر الله. وبنى المنصورية. ودامت أيامه إلى أن توفى فى يوم الجمعة آخر

стр. 9182

شوال «١» سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو تميم معد المنعوت بالمعز لدين الله. ودامت ولايته ببلاد المغرب إلى أن جهز القائد جوهرا إلى الديار المصرية فملكها بعد انقراض الدولة الإخشيدية. وأنشأ القاهرة المعزية، ثم كتب إلى مولاه المعز لدين الله بذلك. فتوجه المعز إلى الديار المصرية، وكان رحيله من المنصورية ووصوله إلى سردانية «٢» فى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وسلم إفريقية وبلاد المغرب كلها ليوسف بن زيرى بن مناد فى يوم الأربعاء لسبع «٣» بقين من ذى الحجة من السنة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. ثم رحل المعز لدين الله من سردانية لخمس خلون من صفر «٤» سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ثم سار منها إلى طرابلس وأقام بها أياما. ورحل منها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها. ووصل ثغر الإسكندرية لست خلون من شعبان منها «٥» . فكانت مدة مقامهم ببلاد المغرب خمسا وستين سنة وشهورا «٦» . وصار أمر المغرب بعده ليوسف بن زيرى ثم لبنيه من بعده، على ما نذكره إن شاء الله . وكانوا فى مبدإ الأمر كالنواب لملوك الدولة العبيدية بمصر. ثم استقلوا بعد ذلك بالأمر على ما يأتى من أخبارهم.

стр. 9183

ذكر ابتداء دولة بنى زيرى بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم الى انقضاء دولتهم أول من ملك منهم أبو الفتوح بلكّين يوسف بن زيري. ولنبدأ بذكر نسبه وأخبار آبائه ومبدإ أمرهم. فأما نسبه «١» فهو أبو الفتوح يوسف بن زيرى بن مناد بن منقوش «٢» بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفاك بن وزعفى «٣» ابن سرى بن وتلكى بن سليمان بن الحارث بن عدى الأصغر- وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد [بن الغوث] «٤» الأصغر- بن سعد- وهو عبد الله بن عوف بن عدى بن مالك بن زيد ابن شداد «٥» بن زرعة- وهو حمير [الأصغر] «٦» بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث «٧» بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير- وهو العرنجج- ابن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر- وهو هود. هكذا قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن الأمير تميم

стр. 9184

ابن المعز بن باديس فى تاريخه المترجم «بالجمع والبيان فى أخبار المغرب والقيروان» . وهم المقول فيهم: ذو والملك والتّيجان والغرر التى ... حقيق بها التيجان أن تتباهى «١» لها معجز التّأسيس فى سدّ مأرب ... وإن كان قد أوهاه فيض نداها لها ركن بيت الله غير مدافع ... وميقات حجّ الله غير مضاهى «٢» لها اللغة العليا التى نزلت بها ... فواتح ياسين ومبدأ طه لها يوم بدر والنّضير وخيبر ... وأىّ مناد فى حنين دعاها قال: وأول من دخل منهم بلاد المغرب المثنى بن المسور. وكان سبب دخوله أنه لما رأى الحبشة قد غلبت على اليمن وأخرجت حمير عن ملكها، سار إلى الشّحر فوجد به كاهنا من حمير. فلما رأي المثنى، سلم عليه وسأله عن خبره وما الذى أتى به. فأعلمه أن الحبشة غلبتهم على ملكهم. فقال له الكاهن: «اذهب إلى المغرب واتخذه قرارا. فو الله، ليكونن لولدك فيه شأن، وليملكنّ منهم جماعة، ويتوارثونه، ويطول ملكهم» . فهاج ذلك المثنى على دخول المغرب فدخله. وأعلم المثنى بنيه بذلك وأعلم بنوه بنيهم. فمازالوا يتوقعون الملك إلى أن ولد مناد بن منقوش ونشأ، فجاء شديد القوة كثير المال والبنين. فأخذ فى الإفضال على من يمر به. فاشتهر ذكره وشاع خبره فى الناس. وكان له مسجد يطرقه كل من يأتى إليه. فإذا خرج إلى الصلاة، سلم على من ينزل المسجد من

стр. 9185

الأضياف وحمله إلى داره، ويضيفه ويكرمه. ويقيم عنده ما شاء الله أن يقيم «١» . فإذا أراد الانصراف، زوده وكساه ووصله وصرفه. فإنه على ذلك، إذ أتاه آت فقال له: «إن فى المسجد رجلا وصل فى هذه الساعة، وهو يذكر أنه جاء من الحج» . وكان وقت صلاة الظهر. فخرج مناد إلى المسجد، فصلى وسلم على الرجل، وسأله عن حاله ومن يكون ومن أين أقبل فقال: «إنه من أهل المغرب، وإنه انصرف من الحج «٢» فخرج عليه لصوص، وأخذوا ما كان معه فانقطع عن أصحابه، ووصل إلى إفريقية فسمع بمناد وما يفعل «٣» مع أبناء السبيل، فقصده ليعينه على الوصول إلى أهله» . فقال له مناد: «قد وصلت فأبشر بالخير إن شاء الله» . ومضى به مناد إلى منزله، فأكل ونام. وأمر مناد بشاة فذبحت وعمل طعام ثان. وأيقظ الرجل وأتى بالطعام فأكل منه. ونظر إلى كتف الشاة فأخذه وقلبه ونظر فيه وإلى مناد، وأقبل يتعجب. فقال له مناد: «لأى شىء تنظر فى الكتف وتنظر إلى؟» . قال: «لا لشىء» . فعزم مناد عليه أن يخبره ممّ تعجّبه. فقال: «ألك امرأة حامل؟» . قال: «بلى» . قال: «فلك منها أولاد؟» قال: «لا ولكن من غيرها» . قال: «فاعرضهم على» . فعرضهم مناد عليه، فقال: «ألك غير هؤلاء؟» . قال: «ليس لى ذكر إلا من رأيت» . قال: «احتفظ بالمرأة الحامل. فو الله، لتلدنّ ولدا يملك المغرب جميعه،

стр. 9186

ويملك بنوه من بعده. فقال له مناد: «والله، مازلنا نتوكّف «١» زمان هذا القائم منا، رواية عندنا عن أسلافنا. وكنا لا نعلم من أى فخذ من أفخاذنا يكون. والآن فقد أنبأتنى بنبأ ما كنا ننتظر من «٢» هذا القائم» . قال: وأكرم مناد الرجل وصرفه. ذكر أخبار زيرى بن مناد قال: ووضعت زوجة مناد حملها، فجاء ذكرا فسماه أبوه زيرى. فخرج من أجمل مولود رآه الناس، وكذلك كان أولاده يضرب بجمالهم المثل فى المغرب فيقال: «لو أنك من بنى مناد» . فلما صار له من العمر عشر سنين، كان من رآه يظنه أنه ابن عشرين سنة لبهائه. وكانت «٣» الصبيان يدورون حوله، ويدعونه بالسلطان، ويركبون العيدان يتشبهون بالعساكر. ويأمرهم بالقتال بين يديه، يغرى بعضهم ببعض. ويأتى بهم إلى أمه فتصنع لهم الطعام. فيقف على رؤوسهم ويطعمهم ولا يأكل. فلما تكامل شبابه وقوى أمره، جمع إليه جماعة من بنى عمه ومن كان له نجدة «٤» . فكان يشن بهم الغارات على القبائل من زناتة فيقتل ويسبى ويقسم على أصحابه فلا يؤثر نفسه بشىء. فحسده كثير

стр. 9187

من قبائل صنهاجة لأن كل قبيل كان يطمع أن يكون القائم منهم «١» . فلما تحققوا أنه القائم اجتمعت القبائل من صنهاجة على زيرى وحاربوه. وطالت الحرب بينهم فظفر بهم وقتل وسبى ورجع بالغنائم إلى الجبل. فلما سمعت بذلك زناتة، اجتمعوا وتحالفوا وكاتبوا من كان خالفه من صنهاجة وحالفوهم على حرب زيرى. فاتصل ذلك به فخرج إليهم وضرب على زناتة بأرض مغيلة فى الليل وهم مطمئنون، فقتلهم وسباهم، وقطع منهم رؤوسا كثيرة. وخرج إلى جبل تيطرى وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم، وأخذ من خيلهم ثلاثمائة فرس فحمل أصحابه عليها. وشاع خبره فى سائر أقطار المغرب وتسامع الناس به، فعظموا أمره واستهالوه. واجتمع إليه كل من فيه منعة. فكثر أصحابه وضاق بهم المتسع. فقالوا له: «لو رأيت مكانا أوسع من مكاننا هذا» . فأتى إلى موضع آشير، وهو إذ ذاك خال ليس فيه ساكن وفيه عيون، فاستحسنه. ذكر بناء مدينة آشير قال: ولما نظر زيرى إلى موضعها قال لأصحابه: «هذا موضعكم الذى يصلح أن تسكنوه» وعزم على بنائها، وذلك فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة «٢»

стр. 9188

أيام القائم بأمر الله بن المهدى. قال: وأمر زيرى بإحضار البنائين والنجارين من حمزة والمسيلة وطبنة. وبعث إلى القائم بأمر الله فى طلب صناع. فبعث إليه برجل لم يكن بإفريقية أعلم منه. وأعانه بعدة كثيرة من الحديد وغيره. وشرع زيرى فى البناء إلى أن كملت المدينة. وكانت زناتة قد استطالت على أهل تلك الناحية من أيام بنى الأغلب ثم تزايد ضررهم فى أيام المهدي والقائم. فلما سمع القائم ببناء زيرى هذه المدينة، حمد الله لى ذلك وقال: «مجاورة العرب خير لنا من مجاورة البربر» . وأعانه وساعده. ثم خرج زيرى إلى طبنة والمسيلة وحمزة، فنقل منها وجوه الناس إلى مدينة آشير. فعمرت وجاءت حصنا منيعا لا يقاتل إلا من شرقيها- يحميها عشرة من الرجال، ولو لم يكن عليها سور لاستغنت بعلوها عن السور. وفى وسطها عينان تجريان بماء عذب غزير. وامتلأت البلد بالعلماء والفقهاء والتجار. وتسامع الناس بها. ولم يكن الناس إذ ذاك يتعاملون بالذهب والفضة وإنما بالبعير والبقرة والشاة، فضرب زيرى السكة. وبسط. العطاء فى الجند، وجعل لهم الأرزاق. فكثرت الدنانير والدراهم فى أيدي الناس.

стр. 9189

واطمأنت نفوس أهل البادية للحرث «١» والزراعة. وصانهم زيري مما كان ينالهم من زناتة. وتمكنت العداوة بين صنهاجة وزناتة. ثم خرج زيري إلى المغرب، وولى أخاه ما كسن بن مناد على آشير. فلما وصل إلى جراوة، خرج إليه صاحبها موسى بن أبى العافية، وكان واليا عليها لعبد الرحمن بن محمد الأموي صاحب قرطبة، بهدية سنية وجوار وغير ذلك. وقال له: «يا مولاي، إنما استعملت نفسى لبنى أمية لأرهب بهم على زناتة، وإذ قد أتانى الله بك وجمع بينى وبينك فأنا عبدك، ومنقطع إليك، وغوثك «٢» . أنت منى قريب، وسيف قريب من أمنع من سيف بعيد» . فقربه زيرى وأدناه وقال له: «اكتب إلى بما يعن لك. فأنا أمدك بالعساكر متى أردت» . فشكا إليه من غمارة وقال: «إنهم قوم على غير مذهب يبيحون المحارم. وقام فيهم رجل يدّعى النبوة، وسنّ سننا من المنكرات» . فرحل زيري إلى غمارة وصحبه موسى، فأوقع بهم. وأخذ الذي يدعى النبوة فوصل به إلى آشير. وجمع عليه الفقهاء فقالوا له: «إن كنت نبيا فما علامة نبوتك؟» . فقال: «اسمى فى القرآن» . قالوا: «وما اسمك؟» . قال: «اسمى

стр. 9190

حم، واسم أبى من الله، وفى القرآن حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* «١» . فأباحوا قتله فقتل. قال: واتصلت المودة بين زيري والقائم بأمر الله. وسبب ذلك أبا يزيد «٢» لما حاصر المهدية ومنع الميرة عنها، كتب القائم إلى زيرى يعلمه ما الناس فيه من الجهد والغلاء. فبعث إليه زيرى بألف حمل حنطة. وأخرج معها مائتى فارس من صنهاجة وخمسمائة من عبيده. فلما وصل ذلك إلى المهدية، بعث القائم له هدية لم يسمع بمثلها كسا جليلة وخيل مسوّمة بسروج محلاة. ذكر الحرب بين زيرى وزناتة قال: ثم إن كمات بن مدينى الزناتى سيد زناتة جيّش واحتفل ونزل على آشير، فخرج إليه زيري. وكانت بينهم حروب يطول شرحها. وكان لزيري ولد صغير اسمه كباب استخلفه على البلد، ومنعه من الخروج لصغر سنه. فلما سمع الصياح وضرب الطبول، ليس لأمة الحرب وركب- وهو إذ ذاك لم يراهق الحلم- وخرج من باب المدينة. وكان كمات قد أبلى فى ذلك اليوم بلاء حسنا،

стр. 9191

وقتل جماعة من أصحاب زيري. فوقعت عين كباب عليه فقصده، وعلا عليه من فوق ربوة، فضربه على عاتقه. وكانت على كمات درع، فقدّت الضربة الدرع والعاتق، وسقطت ذراع كمات إلى الأرض. فخر صريعا والناس ينظرون إليه ولا يعلمون من هو قاتله. فلما صرع انهزم أصحابه. ورجع كباب إلى المدينة ودخل من الباب الذي خرج منه، فسمى باب كباب. قال: ولما قتل كمات وقع التكبير والصياح. فجاء بعض الجند إلى زيري- وكان قد نظر كباب وعرفه عند ضربه لكمات- وقال له: «إن ابنك كباب قاتله» . وأتى بجماعة من أصحابه أسارى، فأمر زيري بضرب أعناقهم وصلب جماعة من كبارهم. قال: ثم ظهر فى جبل أوراس قائم يقال له سعيد بن يوسف، وأظهر النفاق على المنصور بن القائم، فأخرج إليه زيرى ولده بلكّين فى جيش كثيف «١» . فلقيه فى موضع بفحص أبى غزالة، من غربى باغاية فاقتتلوا. وكان سعيد قد احتفل فى جمع من هوارة وغيرهم «٢» . فهزمهم بلكين وقتل سعيدا وجماعة من أصحابه. وأنفذ برؤوسهم إلى المنصور. فقوى الحسد لزيرى من جميع القبائل، وجمعوا عليه الجموع، وكان منصورا على جميع من عانده.

стр. 9192

ذكر مقتل زيرى كان مقتله فى شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة فى أيام المعز لدين الله المنصور بن القائم بن المهدى. وسبب ذلك أن جعفر بن على صاحب المسيلة كان أميرا على الزاب كله، وأبوه هو الذى بنى المسيلة. وكبر جعفر وشمخ فكان ملكا جليلا. وكان فى طاعة المعز بن المنصور، وبينه وبين زيرى ضغائن فى النفوس وعداوة فى الصدور. ثم اتفق أن المعز لدين الله أمر ببناء دار ابن رباح، وهى المعروفة فى القيروان بدار الإمارة. فشاع عند الناس أنها بنيت لجعفر بن على، وأنه يعطى ولاية إفريقية، وأن المغرب «١» كله يعطى لزيرى. فعظم ذلك على جعفر بن على وأراد أن لا يكون لأحد معه فى المغرب ولاية. فأنفذ المعز لدين الله إليه يستدعيه، فلم يأت ولم يمتنع. فأرسل إليه ثانية فرجا الصقلبى. فلما بقى بين فرج وجعفر مقدار مرحلة، وكان فى المسيلة فخرج «٢» منها وأظهر المسير إلى المعز. ثم مال بعسكره ومعه السلاح والأموال ومضى إلى زتاتة. وخلع الطاعة، وأظهر أن الذى حمله على ذلك عداوة زيرى بن مناد لأنه كان

стр. 9193

يؤذيه فى أعماله «١» . ووصل فرج الصقلبى إلى المسيلة، فأخبروه بخبر جعفر. قال: ولما وصل جعفر إلى زناتة، قبلوه أحسن قبول، وقدموه على أنفسهم. فبلغ الخبر زيرى، فبادر بالخروج إلى جعفر. وزحف إليه فى عسكر عظيم من صنهاجة وغيرها، وذلك فى شهر رمضان من السنة. وزحف جعفر فى زناتة والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا. فكبا بزيرى فرسه فسقط. إلى الأرض. وكانت جولة عظيمة، وقطعت قدامه خمسمائة يمين ثم قتل. وبعث جعفر بن على أخاه يحيى إلى الحكم صاحب الأندلس يبشره بقتل زيرى. ثم أحس جعفر أن زناتة يريدون الغدر به وأنهم ندموا على قتل زيرى، فاحتال لنفسه ودخل الأندلس. قال: وكان زيرى حسن السيرة فى الرعية والتجار. وكان له آشير التى بناها، وأعطاه المنصور تاهرت وأعمالها وباغاية وأعمالها. وكان شديدا على البربر. وأقام على ذلك ستا وعشرين سنة. ورزق من الأولاد ما يزيد على المائة،

стр. 9194

كلهم أنجاد فرسان كرماء كان يكتفى بهم «١» فى بعض حروبه «٢» . ذكر أخبار أبى الفتوح يوسف بلكين ابن زيرى بن مناد ولى الرئاسة على صنهاجة بعد مقتل أبيه. فكان أول ما بدأ به أنه- لما جاءه الخبر بقتل أبيه وهو بآشير- جمع وحشد. ونهض لطلب دم أبيه، فاجتمع له خلق كثير. فقال: «لا يخرج معى أحد ممن حضر مقتل والدى» فلم يخرج معه منهم غير ثلاثة رجال. ومضى مسرعا حتى لحق بزناتة. فجرت بينه وبينهم حروب صبرت فيها صنهاجة صبرا جميلا. ثم انهزمت زناتة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى جميع نسائهم، ونهب أموالهم. وهرب من بقى منهم. ونزل فى موضع المعركة «٣» ثلاثة أيام. فشكا صنهاجة ريح القتلى. فنادى أن لا يطبخ فى العسكر قدر إلا على ثلاثة رؤوس من رؤوس القتلى. وجعل الجثث أكواما. وصعد المؤذنون فأذّنوا عليها. ثم رجع إلى آشير. فلما اتصل بالمعز لدين الله ما فعل يوسف بزناتة،

стр. 9195

أعجبه ذلك وسر بقتلهم. فزاده على ما كان لأبيه المسيلة وأعمالها التى كانت لجعفر بن على. ثم كتب المعز إلى يوسف فى المحرم سنة إحدى وستين وثلاثمائة فى القدوم عليه وأن لا يتشاغل بقتال أحد. وأمره أن لا يعترض «١» زناتة ولا غيرها فى هذا الوقت، وأن يستعمل اللين والرفق بزناتة، ويرد عليهم ما سبى من نسائهم وأولادهم. فامتثل يوسف ما أمره المعز به. ورد على زناتة سباياهم. وتجهز للمسير إليه. واستعمل على تاهرت وآشير والمسيلة وبسكرة وطبنة وباغاية ومجانة عمالا من عبيده. وسار حتى قدم على المعز. فلما دخل عليه، أكرمه وأثنى عليه وحمد أفعاله، وذكر فراسته فيه واختياره له. وخلع عليه خلعته التى كانت عليه. ونزع سيفه فقلده إياه بيده. وأمر أن يحمل بين يديه عند خروجه من عنده أربعون تختا من فاخر الكسا ومعها رزم مما يخلع على أصحابه. وقادوا بين يديه أربعين فرسا بالسروج المحلاة المثقلة. فشق ذلك على الكتاميين وحسدوه وتكلموا عليه عند المعز وعابوه، فلم يضره ذلك. ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر. أتاه بلكين بألفى جمل لحمل أمواله من إبل زناتة.

стр. 9196

ذكر ولاية أبى الفتوح يوسف بلكين بلاد المغرب وهو أول ملوك بنى زيرى. وذلك أن المعز لدين الله أبا تميم معد بن المنصور بنصر الله بن القائم بأمر الله بن المهدى لما توجه من المنصورية إلى ديار مصر فى سنة إحدى وستين وثلاثمائة بعد أن فتحها القائد جوهر له توجه بجميع من كان فى قصره وأهل بيته. ورحل معه يوسف إلى سردانية، فسلم إليه إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب، وذلك فى يوم الأربعاء لسبع بقين من ذى الحجة سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. وفوض إليه جميع الأعمال إلا جزيرة صقلية فإنها كانت بيد أبى القاسم على بن حسن بن على ابن أبى الحسين، وكذلك طرابلس فإن المعز جعل عليها عند وصوله إليها عبد الله بن يخلف الكتامى فلم تزل بيده إلى أن توفى المعز. ثم سلمها ابنه نزار إلى يوسف هى وسرت وما والاهما فى سنة سبع وستين وثلاثمائة، بسؤال يوسف لذلك. قال: ولما ولى المعز يوسف، ولى أيضا أبا مضر زيادة الله بن عبيد الله بن القديم نظر الدواوين بسائر كور إفريقية. وقال ليوسف عند وداعه: «إنى تركت زيادة الله بن القديم عونا لك على جميع الأموال بإفريقية، كبّره» . وأوصاه وصايا كثيرة كان آخرها أن قال له:

стр. 9197

«يا يوسف، إن نسيت مما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البلاد «١» ، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوص بأبى مضر خيرا «٢» » . ثم ودعه يوسف ورجع. فكان دخوله إلى المنصورية فى يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. فنزل بقصر السلطان وخرج إليه أهل القيروان وتلقوه، وأظهروا الفرح بمقدمه والبشر والسرور. فأخرج العمال «٣» وجباة الأموال إلى سائر البلدان، وعقد الولايات للعمال. فاستقامت الأمور بحسن تدبيره. ولما رتب ذلك كله رحل إلى المغرب فى شعبان من السنة. فوصل إلى باغاية فولى عليها عاملا، وأمره أن يلطف بأهلها. ففعل. فدخلوا فى الطاعة. ثم خالفوا فقاتلهم العامل، فتحصنوا بمدينتهم. فهم يوسف أن يرجع إليهم، فوافاه رسول خلوف «٤» بن محمد عامله على تيهرت يذكر أن أهلها خالفوا. فسار إليهم وقاتلهم. ودخل البلد بالسيف فى شهر رمضان، فقتل وسبى ونهب وأحرق البلد.

стр. 9198

وأراد الرجوع إلى باغاية، فأتاه الخبر أن زناتة قد نزلوا على تلمسان. فرحل إليهم فهربوا بين يديه. فحصر تلمسان مدة فنزلوا على حكمه. فعفا عنهم من القتل، ونقلهم إلى آشير، فبنوا بقربها مدينة سموها بلنسان «١» . ذكر ولاية عبد الله بن محمد الكاتب كان سبب ولايته أن يوسف كان قد ولى جعفر بن يموت «٢» مدينة القيروان وصبرة، وجعل معه خيلا كثيرة، عند مسيره إلى بلاد المغرب فى شهر ربيع الأول. فمات فى جمادى الآخرة. فكتب ابن القديم إلى أبى الفتوح بموته، ويسأله أن يرسل إليه بدلا منه يعاونه على أمور البلد. فاستعمل عبد الله على ذلك. فأبى عليه وامتنع واستعفى مرة بعد أخرى. فجمع يوسف حبوس «٣» بن زيرى، وكرامة بن إبراهيم، وكبّاب بن زيرى، وخلوف بن أبى محمد. وأحضر عبد الله وقال لأولئك: «ما جزاء من من عاند أمرى، وخالف رأيى ومرادى، ولم يعبأ بما كلفته؟» . قالوا: «القتل، ونحن نتولى قتله» .

стр. 9199

فقال: «كاتبى هذا أمرته بالرجوع إلى إفريقية إذ لا ينوب عنى أحد غيره فامتنع» . فقالوا له: «إن لم ترجع وإلا قتلناك» . فرجع كارها. وعبد الله هذا من بنى الأغلب، كان أبوه محمد قد هرب «١» إلى نفزاوة فولد بها عبد الله. فرباه خاله صالح وتعلم الخط والترسّل. فاستكتبه زيرى وهو صبى شاب. ثم استكتبه بعده أبو الفتوح، فحظى عنده. وكان فصيحا بليغا، عالما بلغة العرب ولسان البربر. قال: فلما وصل عبد الله إلى القيروان، تلقاه ابن القديم. وترجّل كل منهما لصاحبه، وتعانقا، واتفقا وصارت كلمتهما واحدة. ثم وقع بينهما بعد ذلك، وكانت فتنة عظيمة بالقيروان يطول شرحها، انتصر فيها عبد الله وقبض على ابن القديم، وأرسله إلى الأمير أبى الفتوح، فحبسه حتى مات. وكانت ولاية ابن القديم سنتين وشهرا ونصفا. ثم توفى فى الاعتقال يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة. واستقل عبد الله بن محمد الكاتب وحده لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة.

стр. 9200

ذكر اخبار خلف بن خير «١» قال: وفى سنة أربع وستين وثلاثمائة صعد خلف بن خير من بنى هراش إلى قلعة منيعة من ناحية بلده. واجتمع إليه خلق عظيم «٢» من سائر قبائل البربر. وخرج إليه كل من كان قد خالف مع ابن القديم. فكتب عبد الله إلى أبى الفتوح كتابا يذكر فيه أن إفريقية قد استوت كلها له، وأنه لا خوف بها إلا من الذين اجتمعوا مع ابن خير فى القلعة. فرحل يوسف إلى القلعة ونازلها، فى عساكر عظيمة. فظفر بها فى اليوم الرابع من منازلتها، وهرب خلف، وقتل فى القلعة ما لا يحصى. وبعث منها سبعة آلاف رأس طوفها عبد الله فى القيروان ثم بعثت إلى مصر «٣» . ونفى «٤» أكثر ممن قتل. وغنم جميع ما فيها. وسار خلف بن خير إلى بلد كتامة. فبعث إليهم يوسف يقول: «برئت الذمة ممن دفع عنه وآواه، ومن فعل جازيته» . فأخذه القوم الذين انتهى إليهم ومعه ابنه وأخوه وخمسة من بنى عمه، وأتوا بهم إلى يوسف. فأحسن صلة من جاء بهم. وبعثهم إلى عبد الله الكاتب وأمره أن يشهرهم ويطوف بهم على الجمال. ففعل ذلك بهم ثم صلبهم وضرب أعناقهم، وبعث برؤوسهم إلى مصر.

стр. 9201

قال: ولما فتح أبو الفتوح هذه القلعة، اختار من عبيدهم أربعة آلاف من الشجعان فشح بقتلهم لشجاعتهم وقربهم، وأراد أن يجعلهم فى جملة عبيده. فاتفق أن أحدهم سأل عن أبى الفتوح وقال: «عندى نصيحة» . فأشاروا إليه إلى ابن عم لأبى الفتوح ولا يشك الذى أشار إليه أنه هو. فأتاه وقال له: «إنى أريد أن أخبرك بنصيحة» . فلما دنا منه، ضربه بسكين كانت معه فشق بطنه وأخرج أمعاءه فسقط من ساعته ميتا. وكان ذلك الغلام لرجل ممن قتله أبو الفتوح فى تلك القلعة. فعندها أمر بقتل أولئك فقتلوا فى ساعة واحدة. ثم بعث عشرة من أهل القيروان إلى باغاية يحذرهم المخالفة ويطلب منهم النزول على حكمه، وإلا فعل بهم ما فعل بأهل القلعة فأجابوه إلى الطاعة ونزلوا على حكمه. فحكم أن يسلموا إليه المدينة «١» ويمضوا حيث شاؤوا. ففعلوا ذلك ووفى لهم. وأخرب المدينة القديمة التى عليها السور، وترك «٢» الربض ثم أتى إفريقية. وأتاه الخبر بوفاة المعز لدين الله وولاية ابنه نزار بن معد فكتب إليه يوسف فى سنة سبع وستين، يسأله «٣» فى طرابلس وسرت وأجدابية، فأجابه ودفع ذلك إليه. وفى سنة تسع وستين، رحل أبو الفتوح إلى فاس «٤» ،

стр. 9202

وسجلماسة وأرض الهبط. فملك ذلك كله وطرد منه عمال بنى أمية. ثم بعث إلى سبتة فى طلب من لجأ إليها من زناتة. فلقى فيما قرب منها جبالا شامخة وشعارى غامضة فأمر بقطعها وإطلاق النيران فيها حتى وجد العسكر فيها مسلكا. وأمر عساكره بالوقوف. ومضى هو بنفسه وخواص أصحابه حتى أشرف على سبتة من جبل عال مطل عليها. فخاف أهل سبتة منه وغلقوا أبوابهم. فنظر إليها ورأى منعتها، فعلم أنه لا يستطيعها إلا بالمراكب، فرجع عنها «١» . ومضى يريد البصرة، بصرة المغرب. فلما علمت به زناتة رحلوا بأجمعهم إلى الرمال والصحارى هاربين منه. ودخل البصرة وكانت قد عمرت عمارة عظيمة مع بنى الأغلب. فأمر بنهبها وهدمها، فهدّمت وحرقت «٢» . ورحل بعساكره إلى بلد برغواطة، وكان ملكهم عيسى بن أبى الأنصار «٣» شعوذيا ساحرا، فسحر من عقولهم حتى جعلوه نبيا وأطاعوه فى كل ما أمرهم به، وشرع لهم شريعة، وأتاهم بغير دين الإسلام. فاتبعوه فضلّ وأضلّهم. فغزاهم أبو الفتوح، وكانت بينهم حرب شديدة لم ير مثلها، كان الظفر للمسلمين. وقتل

стр. 9203

عيسى الكافر وتفرقت عساكره، فقتلوا قتلا ذريعا. وسبى من نسائهم وذراريهم ما لا يحصى كثرة، وأرسل بسبيهم إلى إفريقية. ورجع أبو الفتوح وملك فاس وسجلماسة وبلد الهبط. «١» والبصرة وجميع بلدان المغرب. وأقام فى تلك النواحى من سنة تسع «٢» وستين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وسبعين. ذكر وفاة أبى الفتوح يوسف كانت وفاته ﵀ فى يوم الأحد لسبع «٣» بقين من ذى القعدة «٤» سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، عند قفوله من برغواطة وقد فصل من سجلماسة، بموضع يقال له واركنين «٥» ، ويقال فيه واركلان، بعلة القولنح، وقيل بحبة خرجت فى يده فمات منها. حكى الشيخ أبو محمد بن حزم فى كتابه المترجم «بنقط العروس» «٦» «أن بلكّين بن زيرى كان له فى موضع ألف امرأة

стр. 9204

لا يحل له نكاح واحدة منهن، كلهن من نسل إخوته وأخواته، ومن الرجال مثل هذا العدد. قال: وكان له قبل أن يستخلفه المعز لدين الله على المغرب قصور تشتمل على أربعمائة جارية، فيقال: إن البشارات تواترت عليه فى يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا «١» . وكانت مدة إمارته منذ تسلم المغرب من المعز لدين الله ثنتى عشرة سنة، ومنذ قام بالأمر بعد أبيه ثلاث عشرة سنة وشهورا. ولما مات قام بالأمر بعده ابنه المنصور أبو الفتح. ذكر ولاية أبى الفتح المنصور ابن يوسف بلكين بن زيرى قال: ولما توفى يوسف، أسند وصيته إلى أبى زعبل بن مسلم «٢» ، وكان من جملة عبيده وخاصة قواده. فكتب إلى المنصور يعرفه بوفاة أبيه، وكان المنصور إذ ذاك بآشير. فاستقل بالأمر بعد أبيه. وأتاه عبد الله بن محمد الكاتب ومشايخ القيروان والقضاة وأصحاب الخراج؛ فعزوه بأبيه وهنئوه بالولاية، فأكرمهم وعظمهم وأحسن جوائزهم وأعطاهم عشرة آلاف دينار. فدعوا له وشكروه. فقال لهم: «إن أبى وجدى أخذا الناس بالسيف قهرا، وأنا لا آخذ الناس إلا بالإحسان. ولست ممن يولّى ولا

стр. 9205

يعزل بكتاب. ولا أحمد فى هذا الملك إلا الله ويدى. وهذا الملك ما زال فى يد آبائى وأجدادى ورثناه عن حمير» «١» . وكلام كثير فى هذا المعنى. ثم قال لهم: «انصرفوا فى حفظ الله فإن قلوب أهليكم مشغولة بكم» فانصرفوا. وقدم المنصور إلى رقادة فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. فتلقاه عبد الله الكاتب ووجوه الناس. فأظهر لهم الخير ووعدهم بكل جميل. وأتاه العمال من كل بلد بالهدايا والأموال. وأهدى إليه عبد الله ما لا يحيط به الوصف. فجهز المنصور هدية إلى نزار بلغت قيمتها ألف ألف دينار. وأقام برقادة إلى يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذى الحجة «٢» من السنة. ورجع إلى المغرب ومعه عبد الله الكاتب. واستخلف عبد الله ابنه يوسف على القيروان، فسار أحسن سيرة. وفى هذه السنة، أعطى المنصور أخاه يطّوفت العساكر والعدد ووجهه إلى فاس «٣» وسجلماسة يطلب ردهما، وكانت زناتة قد ملكت تلك البلاد بعد موت أبى الفتوح. فمضى حتى وصل إلى قرب فاس وبها زيرى بن عطية الزناتى المعروف بالقرطاس، ومعه

стр. 9206

عساكر زناتة. فعاجله «١» زيرى والتقوا واقتتلوا. فانهزم يطّوفت وجميع من معه. وتبعه زيرى فقتل من عسكره خلقا عظيما وأسر وهرب من سلم إلى تيهرت. فلما بلغ المنصور هزيمة يطّوفت، أرسل أخاه عبد الله بعسكر يلقاه به ثم وصل يطوفت إلى آشير. فلم يتعرض المنصور بعدها لشئ من بلد زناتة. وفى سنة ست وسبعين، أخذ يوسف بن عبد الله بن محمد الكاتب فى بناء قصر المنصور. فبلغ الإنفاق عليه ثمانمائة ألف دينار «٢» ثم عمل عليه وعلى قصر بجواره كان بناه قديما شفيع الصقلبى صاحب المظلة سورا محدقا عليهما. وغرست حوله الأشجار من كل جهة. وفى سنة سبع وسبعين، وصل المنصور من آشير إلى إفريقية فى يوم الاثنين منتصف المحرم، ونزل فى قصره الذى بنى له. ونزل عبد الله الكاتب وجميع القواد حوله. ووصل كتاب السلطان نزار إلى المنصور يعلمه أنه جعل الدعوة لعبد الله بن محمد الكاتب، ويأمره بذلك. ففعل المنصور ذلك وأمر أن يفرش له قصر السلطان فى الموضع المعروف بقصر الحجر، وذلك فى يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة منها. وجلس فيه المنصور وأقرباؤه ووجوه بنى عمه. ثم دخل عبد الله فأخذ عليهم الدعوة، وصار عبد الله داعيا. فذكر أنه لما تم هذا له مسح بيده على رأسه وقال: «الآن قد خلصت من القتل وأمنت على شعرى وبشرى» . وما علم أن ذلك سبب هلاكه.

стр. 9207

ذكر مقتل عبد الله بن محمد وولده يوسف قال: كان عبد الله قد بلغ مبلغا عظيما لم يبلغه أحد من قرابة المنصور وأهل دولته، وانحصرت أمور المنصور كلها تحت قبضته. وأعطى الرياسة حقها ووثق بما قدم من نصحه. فرفع فيه حسن ابن خاله «١» إلى المنصور أمورا من القدح فى دولته، وأنه كاتب ابن كلّس وزير نزار، واختلفت بينهم السفراء، وعقد الغدر بالمنصور. فوجد المنصور لذلك. وكان عبد الله لا يدارى أحدا من أولاد زيرى ووجوه بنى مناد وغيرهم من أكابر الدولة. فلما أحسوا من المنصور بعض الأمر وشوا بعبد الله وطعنوا عليه. فاستراب المنصور به وأراد إبقاءه مع التحرز منه، فقال له: «اعتزل عمل إفريقية واقتصر على الخاتم والكتابة، وكل من تولى فهو متصرف تحت أمرك ونهيك» . فكان جوابه أن قال: «القتلة ولا العزلة» . فلما كان يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة سبع «٢» وسبعين وثلاثمائة، ركب المنصور فركب عبد الله وهو يقول: ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع فلما نزل المنصور، نزل عبد الله فقبل يده. ثم وقف ودار

стр. 9208

بينهما كلام كثير لم يقف أحد على صحته. فطعنه المنصور برمحه. فجعل أكمامه على وجهه وقال: «على ملة الله وملة رسوله» . ولم يسمع منه غير ذلك. وطعنه عبد الله أخو المنصور برمحه بين كتفيه فأخرجه من بين ثدييه. فسقط إلى الأرض. ثم أتى بابنه يوسف. فصاح واستغاث وقال: «العفو» . فضربه المنصور برمحه، وضربه ماكسن ابن زيرى، وضربه سائر من حضر. فماتا جميعا. ولما قتلا جاء القاضى وشيوخ القيروان واجتمعوا بالمنصور. فقال لهم «ما قتلت عبد الله على مال ولا شىء اغتنمه وإنما خفته على نفسى فقتلته» . فدعوا له بطول البقاء ثم انصرفوا. ودفن عبد الله وابنه بغير غسل ولا كفن وإنمارد عليهما التراب فى اسطبل كان للمنصور تحت الحنايا بالقرب من قصره. قال: وولى المنصور بعده إفريقية يوسف بن أبى محمد، وكان على قفصة. فأتى يوم الخميس لخمس خلون «١» من شعبان. فأعطاه المنصور الطبول والبنود، وخلع عليه ثيابه وأنزله فى دار القائد جوهر. فولى إلى سنة اثنتين وثمانين» : ثم عزله يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول، وولى أبا عبد الله محمد بن أبى العرب الكاتب.

стр. 9209

ذكر أخبار أبى الفهم حسن بن نصرويه الخرسانى كان أبو الفهم رجلا خراسانيّا قدم فى سنة ست وسبعين وثلاثمائة من مصر من قبل نزار داعيا. فأنزله يوسف بن عبد الله وأجرى عليه جرايات جليلة. وأعطاه أموالا سنية وبره وأكرمه. فطلب أبو الفهم الخروح إلى بلد كتامة يدعوهم وينتهى إلى ما أمره به نزار ووجهه إليه، فكاتب يوسف أباه. فكتب إليه عبد الله أن أعطه ما أراد واتركه يذهب حيث يشاء. فأعطاه يوسف ما طلب، وحمله على أفراس بسروج محلاة، وحمل بين يديه تخوت ثياب وبدر دراهم. وتوجه إلى بلد كتامة فوصل إليهم ودعاهم. ثم تزايدت أموره حتى صار يجمع العساكر ويركب الخيل. وعمل بنودا وضرب سكة واجتمع إليه خلق كثير من كتامة، وكان هذا من الأسباب التى حقدها المنصور على عبد الله وابنه. ثم ورد من مصر رسولان من نزار إلى المنصور فى سنة سبع وسبعين أحدهما رجل كتامى يعرف بأبى العزم، ورجل من عبيدهم يقال له محمد بن ميمون الوزان، ومعهما سجلات إلى المنصور. فقيل: إنهما أمراه عن نزار ألا يعرض لأبى الفهم ولا لكتامة. فشتمهما المنصور وأسمعهما مكروها وقال: «أبو الفهم وكتامة فعلوا وفعلوا» . وأغلظ لهما فى القول ولمن أرسلهما. فأقاما عنده شعبان وشهر رمضان. ومنعهما من الخروج إلى كتامة وأبى الفهم. وقال: «امضيا معى إليه حتى تريا ما يكون منه» . ثم تهيأ المنصور للخروج إلى كتامة وأبى الفهم، وقد تفاقم أمره، وظهرت

стр. 9210

سكته، وصار حوله جيوش عظيمة. فسار المنصور حتى وصل إلى بلاد كتامة. وتثاقل فى سيره «١» حتى دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. فلما قرب من ميلة عزم على قتل أهلها، فخرج إليه النساء والأطفال. فلما رآهم بكى وكف عنهم القتل. ونهبت العساكر كلّ ما فيها. وأمر بهدم سورها فهدم. ونقل أهلها إلى باغاية، فاجتمعوا ومضوا إليها وقد سلم لبعضهم ما خف من عين وورق وغير ذلك. فلقيهم ماكسن بن زيرى بعسكره فأخذ كل ما كان معهم. ثم رحل المنصور إلى داخل بلد كتامة، فجعل لا يمر للكتاميين بمنزل ولا قصر ولا دار إلا أمر بهدم ذلك وتحريقه بالنار، ومعه أبو العزم وابن ميمون ينظران إلى فعله، ويقول لهما: «هؤلاء الذين زعمتما أنهم يمضون بى بحبل فى عنقى إلى مولاكما» . وكانا قد خاطباه بذلك لما اجتمعا به. وسار حتى بلغ مدينة سطيف وبها جمعهم. فحاربهم وظفر بهم وهزمهم. وهرب أبو الفهم إلى جبل وعر. فأرسل إليه المنصور من أخذه وجاء به إليه. فأدخله إلى حرمه فضربنه ضربا شديدا حتى أشرف على الموت. ثم أمر المنصور بإخراجه وقد بقيت فيه حشاشة من الروح «٢» فنحره وشق بطنه. وأخرجت كبده فشويت وأكلت. وشرّح عبيد المنصور لحمه وأكلوه حتى لم يبق إلا عظامه. وذلك فى يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وسبعين. وقتل جماعة من وجوه كتامة، وأنزل بهم الذل والهوان. وولى بلدهم أبا زعبل
следующие страницы →