Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.
стр. 9206
عساكر زناتة. فعاجله «١» زيرى والتقوا واقتتلوا. فانهزم يطّوفت وجميع من معه. وتبعه زيرى فقتل من عسكره خلقا عظيما وأسر وهرب من سلم إلى تيهرت. فلما بلغ المنصور هزيمة يطّوفت، أرسل أخاه عبد الله بعسكر يلقاه به ثم وصل يطوفت إلى آشير.
فلم يتعرض المنصور بعدها لشئ من بلد زناتة.
وفى سنة ست وسبعين، أخذ يوسف بن عبد الله بن محمد الكاتب فى بناء قصر المنصور. فبلغ الإنفاق عليه ثمانمائة ألف دينار «٢» ثم عمل عليه وعلى قصر بجواره كان بناه قديما شفيع الصقلبى صاحب المظلة سورا محدقا عليهما. وغرست حوله الأشجار من كل جهة.
وفى سنة سبع وسبعين، وصل المنصور من آشير إلى إفريقية فى يوم الاثنين منتصف المحرم، ونزل فى قصره الذى بنى له. ونزل عبد الله الكاتب وجميع القواد حوله.
ووصل كتاب السلطان نزار إلى المنصور يعلمه أنه جعل الدعوة لعبد الله بن محمد الكاتب، ويأمره بذلك. ففعل المنصور ذلك وأمر أن يفرش له قصر السلطان فى الموضع المعروف بقصر الحجر، وذلك فى يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة منها. وجلس فيه المنصور وأقرباؤه ووجوه بنى عمه. ثم دخل عبد الله فأخذ عليهم الدعوة، وصار عبد الله داعيا. فذكر أنه لما تم هذا له مسح بيده على رأسه وقال: «الآن قد خلصت من القتل وأمنت على شعرى وبشرى» . وما علم أن ذلك سبب هلاكه.
стр. 9207
ذكر مقتل عبد الله بن محمد وولده يوسف
قال: كان عبد الله قد بلغ مبلغا عظيما لم يبلغه أحد من قرابة المنصور وأهل دولته، وانحصرت أمور المنصور كلها تحت قبضته.
وأعطى الرياسة حقها ووثق بما قدم من نصحه. فرفع فيه حسن ابن خاله «١» إلى المنصور أمورا من القدح فى دولته، وأنه كاتب ابن كلّس وزير نزار، واختلفت بينهم السفراء، وعقد الغدر بالمنصور. فوجد المنصور لذلك. وكان عبد الله لا يدارى أحدا من أولاد زيرى ووجوه بنى مناد وغيرهم من أكابر الدولة. فلما أحسوا من المنصور بعض الأمر وشوا بعبد الله وطعنوا عليه.
فاستراب المنصور به وأراد إبقاءه مع التحرز منه، فقال له:
«اعتزل عمل إفريقية واقتصر على الخاتم والكتابة، وكل من تولى فهو متصرف تحت أمرك ونهيك» . فكان جوابه أن قال: «القتلة ولا العزلة» . فلما كان يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة سبع «٢» وسبعين وثلاثمائة، ركب المنصور فركب عبد الله وهو يقول:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
فلما نزل المنصور، نزل عبد الله فقبل يده. ثم وقف ودار
стр. 9208
بينهما كلام كثير لم يقف أحد على صحته. فطعنه المنصور برمحه.
فجعل أكمامه على وجهه وقال: «على ملة الله وملة رسوله» . ولم يسمع منه غير ذلك. وطعنه عبد الله أخو المنصور برمحه بين كتفيه فأخرجه من بين ثدييه. فسقط إلى الأرض. ثم أتى بابنه يوسف. فصاح واستغاث وقال: «العفو» . فضربه المنصور برمحه، وضربه ماكسن ابن زيرى، وضربه سائر من حضر. فماتا جميعا.
ولما قتلا جاء القاضى وشيوخ القيروان واجتمعوا بالمنصور. فقال لهم «ما قتلت عبد الله على مال ولا شىء اغتنمه وإنما خفته على نفسى فقتلته» .
فدعوا له بطول البقاء ثم انصرفوا. ودفن عبد الله وابنه بغير غسل ولا كفن وإنمارد عليهما التراب فى اسطبل كان للمنصور تحت الحنايا بالقرب من قصره.
قال: وولى المنصور بعده إفريقية يوسف بن أبى محمد، وكان على قفصة. فأتى يوم الخميس لخمس خلون «١» من شعبان. فأعطاه المنصور الطبول والبنود، وخلع عليه ثيابه وأنزله فى دار القائد جوهر.
فولى إلى سنة اثنتين وثمانين»
: ثم عزله يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول، وولى أبا عبد الله محمد بن أبى العرب الكاتب.
стр. 9209
ذكر أخبار أبى الفهم حسن بن نصرويه الخرسانى
كان أبو الفهم رجلا خراسانيّا قدم فى سنة ست وسبعين وثلاثمائة من مصر من قبل نزار داعيا. فأنزله يوسف بن عبد الله وأجرى عليه جرايات جليلة. وأعطاه أموالا سنية وبره وأكرمه. فطلب أبو الفهم الخروح إلى بلد كتامة يدعوهم وينتهى إلى ما أمره به نزار ووجهه إليه، فكاتب يوسف أباه. فكتب إليه عبد الله أن أعطه ما أراد واتركه يذهب حيث يشاء. فأعطاه يوسف ما طلب، وحمله على أفراس بسروج محلاة، وحمل بين يديه تخوت ثياب وبدر دراهم.
وتوجه إلى بلد كتامة فوصل إليهم ودعاهم. ثم تزايدت أموره حتى صار يجمع العساكر ويركب الخيل. وعمل بنودا وضرب سكة واجتمع إليه خلق كثير من كتامة، وكان هذا من الأسباب التى حقدها المنصور على عبد الله وابنه.
ثم ورد من مصر رسولان من نزار إلى المنصور فى سنة سبع وسبعين أحدهما رجل كتامى يعرف بأبى العزم، ورجل من عبيدهم يقال له محمد بن ميمون الوزان، ومعهما سجلات إلى المنصور. فقيل:
إنهما أمراه عن نزار ألا يعرض لأبى الفهم ولا لكتامة. فشتمهما المنصور وأسمعهما مكروها وقال: «أبو الفهم وكتامة فعلوا وفعلوا» .
وأغلظ لهما فى القول ولمن أرسلهما.
فأقاما عنده شعبان وشهر رمضان. ومنعهما من الخروج إلى كتامة وأبى الفهم. وقال: «امضيا معى إليه حتى تريا ما يكون منه» . ثم تهيأ المنصور للخروج إلى كتامة وأبى الفهم، وقد تفاقم أمره، وظهرت
стр. 9210
سكته، وصار حوله جيوش عظيمة. فسار المنصور حتى وصل إلى بلاد كتامة. وتثاقل فى سيره «١» حتى دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. فلما قرب من ميلة عزم على قتل أهلها، فخرج إليه النساء والأطفال. فلما رآهم بكى وكف عنهم القتل. ونهبت العساكر كلّ ما فيها. وأمر بهدم سورها فهدم. ونقل أهلها إلى باغاية، فاجتمعوا ومضوا إليها وقد سلم لبعضهم ما خف من عين وورق وغير ذلك. فلقيهم ماكسن بن زيرى بعسكره فأخذ كل ما كان معهم.
ثم رحل المنصور إلى داخل بلد كتامة، فجعل لا يمر للكتاميين بمنزل ولا قصر ولا دار إلا أمر بهدم ذلك وتحريقه بالنار، ومعه أبو العزم وابن ميمون ينظران إلى فعله، ويقول لهما: «هؤلاء الذين زعمتما أنهم يمضون بى بحبل فى عنقى إلى مولاكما» . وكانا قد خاطباه بذلك لما اجتمعا به.
وسار حتى بلغ مدينة سطيف وبها جمعهم. فحاربهم وظفر بهم وهزمهم. وهرب أبو الفهم إلى جبل وعر. فأرسل إليه المنصور من أخذه وجاء به إليه. فأدخله إلى حرمه فضربنه ضربا شديدا حتى أشرف على الموت. ثم أمر المنصور بإخراجه وقد بقيت فيه حشاشة من الروح «٢» فنحره وشق بطنه. وأخرجت كبده فشويت وأكلت. وشرّح عبيد المنصور لحمه وأكلوه حتى لم يبق إلا عظامه.
وذلك فى يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وسبعين. وقتل جماعة من وجوه كتامة، وأنزل بهم الذل والهوان. وولى بلدهم أبا زعبل
стр. 9211
ابن مسلم وأولاده. وبقيت ميلة خرابا ثم عمرت بعد ذلك.
ودخل المنصور إلى آشير. ورد أبا العزم وابن الوزان إلى مصر ليخبرا من أرسلهما. فأخبراه بما كان منه. وقالا: «أتينا من عند شياطين يأكلون بنى آدم، ليسوا من البشر فى شىء» .
وفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، ثار ثائر آخر ببلد كتامة، يقال له أبو الفرج. وقيل: إنه كان يهوديا. وقال لكتامة: إنه من أولاد الأمراء الذين كانوا بالمهدية، وإن أباه كان من ولد القائم. فانضموا إليه وكثرت جموعه، واتخذ البنود والطبول. وزحف إلى عسكر أبى زعبل وقاتله فلم يقم بحربه. فكتب إلى المنصور فقدم بعساكره.
والتقوا واقتتلوا، فهزمهم المنصور وقتل من كتامة مقتلة عظيمة.
وهرب أبو الفرج واختفى فى غار فى جبل. فعمل عليه غلامان كانا له. فأخذاه وأتيابه إلى أبى زعبل. فأتى به إلى المنصور فقتله شر قتلة. وشحن بلد كتامة بالعمال والعساكر ورجع إلى آشير.
ذكر وفاة المنصور أبى الفتح بن يوسف
كانت وفاته فى يوم الخميس لثلاث «١» خلون من شهر ربيع الأول سنه ست وثمانين «٢» وثلاثمائة. فكانت مدة ملكه ثنتى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام «٣» . وكان ملكا كريما جوادا صارما.
стр. 9212
وكانت أيامه أحسن أيام وأطيبها. وما زال مظفّرا منصورا لا تردّ له راية.
ذكر ولاية أبى مناد «١» باديس بن أبى الفتح «٢» المنصور بن يوسف
قال: ولما مات المنصور قام بالأمر بعده بإفريقية ولده أبو مناد، وكان مولده فى ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. فلما صار الأمر إليه رحل إلى سردانية يوم الأربعاء لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ونزل فى قصرها. وأتاه الناس من كل ناحية بإفريقية للتهنئة والتعزية. وأقام بسردانية أياما ثم رجع إلى قصره. وتوفى بعد ولايته الأمير نزار وولى بعده ابنه الحاكم بأمر الله.
ذكر ولاية حماد بن يوسف مدينة آشير
قال: وفى صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، عقد أبو مناد ولاية آشير لعمه حماد بن يوسف بن زيرى، وأعطاه خيلا كثيرة وكسا.
ثم اتسعت أعماله وعظم شأنه وكثرت عساكره، واجتمعت أمواله.
وفى يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع
стр. 9213
وثمانين وثلاثمائة، وصل من مصر الشريف الداعى على بن عبد الله العلوى المعروف بالتّيهرتى «١» . وكان أبو مناد بعث فى حشد عساكره وأجناده، فلم يبق بإفريقية وأعمالها فارس ولا راجل إلا وصل إلى المنصورية. فنزل أبو مناد بهم إليه فى هذا اليوم، فكانوا صفوفا من باب قصر السلطان بالمنصورية إلى باب قلشانة. فرأى الداعى من العساكر والعدد ما لم ير مثله. وأتى بسجلين قرئا على منبر المنصورية والقيروان: أحدهما بولاية أبى مناد باديس، وتلقيبه نصير الدولة؛ والثانى بوفاة نزار، وولاية ابنه الحاكم، والجواب عن وفاة المنصور والعزاء عن نزار وعن المنصور. وكان معه سجل ثالث بأخذ البيعة على باديس وجماعة بنى مناد للحاكم. فأنزل الشريف بدار الأمير يوسف بجوار قصر السلطان. ثم جلس باديس بعد ذلك وأحضر الشريف. ودعا بنى مناد وسائر قبائل صنهاجة وأخذ عليهم البيعة.
ثم كان الشريف يجلس فى الدار التى نزل فيها، ويأخذ البيعة على كل من أتاه من الصنهاجيين وغيرهم. ثم وصله أبو مناد بمال جليل وتخوت ثياب وبراذين بسروج محلاة، وصرفه إلى مصر. ثم جهز هدية بعده.
ذكر خروج محمد بن أبى العرب الى زنانة
قال: وفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وصل كتاب يطّوفت بن يوسف بن زيرى إلى ابن أخيه أبى مناد يعرفه أن زيرى بن عطية الزناتى
стр. 9214
قد نزل عليه بتيهرت، وسأله أن يمده بالعساكر. فأمر باديس محمد ابن أبى العرب بالخروج فنهض بالعساكر الثقيلة حتى بلغ آشير فأقام بها أياما يسيرة. ثم رحل ورحل معه حماد بن يوسف عاملها بعساكر عظيمة حتى وصلا إلى تيهرت. فاجتمعا بيطوفت فى غرة «١» جمادى الأولى من السنة. وكان زيرى بن عطية بموضع يقال له أمسان «٢» على مرحلتين من تيهرت فزحفوا إليه واقتتلوا قتالا شديدا. وكان معظم جيش حماد التّلكّاتيين «٣» ، وقد أساء عشرتهم، وكلف بأمورهم غلامه خلفا الجيزى «٤» فسامهم الخسف. فلما حمى الوطيس واشتد البأس ولوا منهزمين، واتبعهم الناس. فكانت الهزيمة على الجميع.
ورام محمد رد الناس فلم يقدر على ذلك. ووصلوا إلى آشير، وقد أسلموا عساكرهم وما فيها من بيوت الأموال وخزائن السلاح والمضارب وغير ذلك فاحتوى زيرى على جميع ذلك وأمر ألا يتّبعوا. ووقف على باب تيهرت، فخرج إليه أهلها. فوعدهم الجميل وأطلق خلقا كثيرا ممن أسر فى المعركة أو لجأ إلى تيهرت، فمضوا حتى وصلوا إلى آشير.
وكانت هذه الهزيمة يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منها.
قال: وبلغ خبر الهزيمة الأمير باديس، فبرز بنفسه من رقادة للقاء زيرى بن عطية، وذلك لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. فلما
стр. 9215
وصل إلى قرب طبنة بعث فى طلب فلفل بن سعيد بن خزرون. فخاف وأرسل يعتذر. وسأل أن يكتب له سجل بولاية طبنة إلى أن يقدم باديس. فكتب له سجلا بولايتها وبعث به إليه. وتمادى أبو مناد فى مسيره. فلما علم فلفل أنه أبعد عنه أتى إلى طبنة فأكل ما حولها ونهب وأفسد. ومضى إلى تيجس «١» وما والاها فنهبها. وتمادى إلى باغاية فحصرها أياما ثم رحل عنها، وباديس فى هذا مستمر السير «٢» إلى آشير. فلما بلغ المسيلة «٣» ، رحل زيرى بن عطية عن آشير إلى تيهرت. فرحل إليها باديس. فلما بلغها توغل زيرى هاربا منه إلى داخل المغرب.
فعند ذلك ولى أبو مناد على تيهرت وآشير عمه يطوفت.
فاستخلف يطوفت على تيهرت ابنه أيوبا وتركه فى أربعة آلاف فارس.
ثم رجع باديس إلى آشير وعمه يطوفت معه. فبلغه ما فعل فلفل ابن سعيد. فأرسل إليه أبا زعبل وجعفر بن حبيب ومحمد بن حسن فى عسكر.
ثم رحل بعدهم من آشير، وبقى يطوفت ومعه أولاد زيرى وقد سألوا باديس أن يتركهم أعوانا ليطوفت. فأبى ذلك وقال: «لا بد من رحيلكم معى» . فقالوا: «لنا أمور نقضيها ونلحق بك» . فتركهم على هذا ورحل ومعه أبو البهار بن زيرى حتى وصل إلى المسيلة، فعيّد
стр. 9216
بها عيد الفطر. فبينا هو فى صلاة العيد، إذ وصل إلى أبى البهار رسول أخبره أن إخوته ماكسن وزاوى ومغنين وعرما «١» نافقوا بآشير، وقبضوا على يطوفت، وأنه أفلت منهم بحيلة بعد أن عزموا على قتله. فخاف أبو البهار أن يصل يطوفت إلى باديس فيتهمه بمباطنة إخوته، فهرب لوقته. وطلب فلم يدرك. فلقى يطوفت فى طريقه فعرّفه ما كان من إخوته، فحلف أنه لم يعاقدهم على ذلك، وأنه إنما هرب خوفا على نفسه. وفارقه والتحق بإخوته. وسار يطوفت حتى لحق بابن أخيه الأمير باديس وهو بالمسيلة. فرحل إلى إفريقية، فاتصل به أن فلفل بن سعيد قتل أبا زعبل، وهزم أصحابه، وأسر حميد بن أبى زعبل فمثّل به ثم قتله، وأن فلفلا تمادى إلى القيروان.
فرحل باديس إلى باغاية فوصل إليها لإحدى عشرة بقيت من شوال. فأقام بها بقية الشهر. ورحل فى غرة ذى القعدة حتى وصل إلى مرمجنة.
فلما صار إلى بنى سعيد، زحف إليه فلفل فى يوم الخميس لست خلون من ذى القعدة. فلم يلقه باديس ولم يلتفت إليه. فلما كان يوم الاثنين، زحف فلفل إليه. فالتقيا بوادى اغلان «٢» ، فكانت بينهم من الحروب العظيمة ما لم يسمع بمثلها. وقد كان اجتمع لفلفل من قبائل البربر ما لا يحصى كثرة، وكذلك من زناتة، وكلهم أصحاب خسائف. فثبتت صنهاجة بين يدى باديس. وظهر منه فى ذلك اليوم ما قرت به أعينهم. ثم أجلت الحرب عن هزيمة زناتة والبربر هزيمة
стр. 9217
فاحشة. وهرب فلفل واتبعته صنهاجة والعبيد حتى حال بينهم الليل.
ورحل باديس من الغد فنزل فى مناخ فلفل. وقتل من زناتة فى ذلك اليوم تسعة آلاف رجل سوى من قتل من البربر. ثم رحل باديس فوصل إلى المنصورية فى يوم الأربعاء لعشر بقين من ذى القعدة.
ثم وصل الخبر أن فلفل بن سعيد وأولاد زيرى بن مناد عمومة والدباديس تصالحوا وتعاقدوا على قتال باديس. فلما تحقق ذلك خرج إلى رقادة سنة تسعين وثلاثمائة. ورحل حتى انتهى إلى قصر الإفريقى. فبلغه أن أولاد زيرى رجعوا إلى المغرب خوفا منه، وأنه ما بقى مع فلفل منهم سوى ما كسن وولده محسن فرجع باديس الى المنصورية.
وفى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة «١» ، دخل باديس إلى المغرب فى طلب فلفل بن سعيد. فهرب منه إلى الرمال وافترق جمعه. فرجع باديس إلى إفريقية ومعه أبو البهار بن زيرى عم أبيه، وكان قبل ذلك قد أتاه معتذرا بأنه لم يدخل فى شىء مما دخل فيه إخوته. فقبل عذره وطيب قلبه. وأما فلفل بن سعيد فإنه سار إلى طرابلس، فقبله أهلها أهلها أحسن قبول، فاستوطن بها.
وفى سنة اثنتين وتسعين «٢» ، وصل رسول ابن يوسف «٣» إلى ابن أخيه باديس، يذكر أنه زحف إليه عمه ماكسن وأولاده
стр. 9218
ومن معهم. فكانت بينهم وقعة شديدة فقتل فيها ماكسن وأولاده محسن وباديس وحباسة.
ثم توفى زيرى بن عطية الزناتى بعد ذلك بتسعة أيام.
وفى سنة خمسة وتسعين، اشتد الغلاء بإفريقية وأعقبه وباء عظيم. وكان يدفن فى اليوم الألف والأكثر والأقل «١» .
وفى سنة أربعمائة مات فلفل بن سعيد الزناتى من علة أصابته.
وولى أخوه ورّو، فأطاعته زنانة. ثم سار باديس فى عساكر عظيمة لقتال زناتة. فلقيه فى بعض الطريق عبد الله وسواشى «٢» أولاد ينال التركى وأصحابهما. فعرفوه أنهم لما علموا بخروجه أغلقوا أبواب طرابلس ومنعوا الزناتيين منها. فسر بذلك ووصلهم وأحسن إليهم. وسار إلى طرابلس فتلقاه أهلها فدخلها. ثم جاءته رسل ورو ابن سعيد ومن معه من الزناتيين، يرغبون فى الأمان، ويسألون أن يجعلوا عمالا كسائر رجال الدولة. ووصل جماعة منهم «٣» ، فأحسن إليهم، وأعطاهم نفزاوة على أنهم يرحلون عن أعمال طرابلس.
وأعطى النّعيم «٤» قصطيلية. ورجع إلى المنصورية.
ثم تغير ورو ومن معه وخلعوا الطاعة فى سنة إحدى وأربعمائة، ورحلوا عن نفزاوة. ولم يتغير النعيم. فأضاف باديس نفزاوة إلى النعيم.
وفى سنة خمس وأربعمائة، وصلت رسل الحاكم بأمر الله إلى
стр. 9219
المنصورية، وهما عبد العزيز بن أبى كدية وأبو القاسم بن حسين، ومعهما خلع سنية، وسيف مكلّل، وسجل من الحاكم إلى المنصور بن باديس بولاية ما يتولاه أبوه فى حياته وبعد وفاته، ولقّبه عزيز الدولة.
فقرئ السجل على الناس بالمنصورية والقيروان. وسرّ باديس به.
وتقرب وجوه الدولة إلى المنصور بالهدايا الجليلة والأموال.
ذكر خلاف حماد بن يوسف وأخيه ابراهيم على ابن أخيهما الأمير باديس
قال: كان سبب ذلك أنه- لما وصل سجل الحاكم إلى المنصور ابن باديس ولقّب- أراد أبوه أن يقدمه ويرفع قدره، ويضيف إليه أعمالا يستخدم له فيها أتباعه وصنائعه. وكانت قد اتصلت به عن حماد أمور أنكرها وأراد اختبار حقيقة ما هو عليه. فكتب إليه كتابا لطيفا يأمره فيه أن يسلم العمل الذى بيد أبى زعبل «١» ، وهو مدينة تيجس وقصر الإفريقى وقسطنطينة إلى خليفة ولده المنصور. ودعا باديس هاشم بن جعفر فخلع عليه وأعطاه الطبول والبنود. وأمره بالخروج إلى هذا العمل. فخرج بخزائن وعدد.
وبعث باديس إلى عمه إبراهيم بن يوسف يشاوره «٢» : من يمضى بالكتاب إلى حماد؟ فقال إبراهيم: «لا يجد سيدنا من عبيده أنصح
стр. 9220
له ولا أنهض بخدمته منى» . وضمن ذلك «١» وأكد على نفسه العهود والمواثيق تبرعا منه. وذكر أنه لا يقيم فى مضيه وعوده بإحكام هذا الأمر إلا أقل من عشرين يوما. فأشار على باديس ثقاته أن يعتقل «٢» إبراهيم حتى يرى ما يكون من طاعة أخيه. فأبت نفسه ذلك، وقال له: «امض إلى أخيك يا عم. فإن كنت صادقا فيما عقدته على نفسك ووفيت بعهدك، وإلا فاجعل يدك فى يده وافعلا ما تقدران عليه وتستطيعانه» .
فخرج إبراهيم بمال جملته أربعمائة ألف دينار عينا وبجميع خزائنه وذخائره ورجاله وعبيده. وكان خروجه على تلك الحال من أدل الأشياء على نفاقه. وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة خمس وأربعمائة. وصحبه هاشم بن جعفر، وقد أضمر إبراهيم الغدر إذا صار إلى الموضع الذى يدخل منه إلى عمل أخيه. فلما قرب منها ترك هاشما واعتذر إليه بأشغال له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن يلحق به «٣» . ومضى إبراهيم حتى وصل إلى مدينة تامديت فكاتب أخاه حمادا بالذى فى نفسه. فوصل إليه فى ثلاثين ألف فارس. فاجتمعت كلمتهما على خلع الطاعة وأظهرا النفاق.
فانتهى ذلك إلى باديس فرحل لخمس خلون من ذى الحجة «٤»
стр. 9221
منها. ونزل رقادة «١» ووضع العطاء. ثم رحل بعد عيد الأضحى وكتب إلى هاشم بن جعفر أن يصعد إلى قلعة شقبنا رية»
فيتحصن بها ففعل. فحاصره حماد وإبراهيم بها. ووقع بينهم قتال شديد فانهزم هاشم ومن معه إلى باجة. واحتوى حماد وإبراهيم على جميع ما كان معه من الأموال والخزائن والأثقال والخدم، ونجا هو بأولاده ووجوه أصحابه.
ورحل باديس حتى نزل بمكان يسمى قبر الشهيد. فوصل إليه جماعة كثيرة من عسكر حماد. ثم ورد عليه كتاب من حماد على يد أبى مغنين الوتلكاتى يذكر فيه أنه على الطاعة، وأنه كان قد هيأ هدية فى جملتها ألفا برذون وغير ذلك لينفذها إلى المنصور، إلى أن وافاه إبراهيم واعتذر أعذارا كثيرة، فخالفها ما يظهر من أفعاله. وذلك أنه أحرق الزرع، وسبى الذرارى، وسفك الدماء. وتواترت أصحابه واصلين إلى باديس متنصلين من فعله.
ورحل باديس حتى صار بينه وبين حماد مرحلة واحدة، وقد بلغ عسكر حماد ثلاثين ألف فارس، غير من لحق بباديس وغير الراجل.
قال: وورد الخبر وهو بتامديت بوفاة ابنه المنصور بجدرى أصابه فكتم أصحابه عنه ذلك. فبعث إليه إبراهيم يقول: «إن ولدك الذى طلبت له ما طلبت قد مات» . فما تضعضع لذلك، وتلقاه بالصبر والشكر، وجلس للعزاء، وذلك لخمس خلون من صفر.
стр. 9222
ثم سار ونزل بمدينة دكمة «١» . وجاءه جماعة من أقارب حماد وخواصه ورجال دولته، وكتاب من قبل خلف الجيزى «٢» ، وهو الوالى على مدينة آشير، وكان عند حماد أقرب من الولد لا يوازيه فى رتبته أحد، يذكر أنه منع حمادا من الدخول إلى مدينة آشير وأغلقها دونه. فكان ذلك أول الفتح وأعظم الظفر.
قال: فلما رأى حماد مخالفة خلف عليه مضى إلى تاهرت. ورحل باديس يوم الجمعة «٣» الثانى من شهر ربيع الأول. فنزل مدينة المحمدية «٤» وهى المسيلة. فأقام بها ستة أيام ثم زحف إلى القلعة.
ورجع من غير قتال.
ثم أنفذ باديس أخاه كرامت إلى المدينة التى أحدثها حماد. فخرج إليها فى عسكر كثير، فهدم قصورها ومساكنها جزاء لما فعله حماد وأخوه فى البلاد. ولم يتعرض لأخذ مال ولا سفك دم. واتصل ذلك بإبراهيم، فأقبل يهدم كل قصر كان لأخيه خارجا عن القلعة، مخافة أن يسبقه كرامت إليه. وهرب من القلعة جماعة إلى باديس وتركوا نساءهم وأولادهم وأموالهم «٥» . فأقبل إبراهيم يذبح الأولاد على صدور أمهاتهم، ويشق بطونهم. وفعل أفعالا شنيعة.
قال: ورحل باديس إلى آشير ثم منها إلى وادى شلف. ونزل حماد فى الجبهة الأخرى من الوادى. ورتب كل منهما عساكره وعبأها
стр. 9223
وتهيأ للحرب. والتقوا فى يوم الأحد غرة جمادى الأولى. وكان حماد قد أسند ظهره إلى جبل بنى واطيل، وهو جبل منيع صعب المرتفى، وبينه وبين عسكر باديس الوادى، وهو واد عميق لا يطمع فى تعديته لشدة توعره وعمق قعره وصعوبة انحداره وكثرة مائه. فلما رأى باديس ذلك حمل بفرسه واقتحم الوادى. فتبعته العساكر وعدت الرجالة سباحة. فما كان إلا كرجع الطّرف حتى صاروا فى الجهة الأخرى مع عساكر حماد «١» . ثم اصطفوا واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل. فانكشف حماد وتفرق أصحابه عنه بعد قتال شديد.
فولّى منهزما لا يلوى على شىء، وقتل حرمه بيده. فوقف باديس عليهن وهن قتيلات. وخلص حماد فيمن ثبت معه من عبيده إلى قلعه مغيلة فى خمسمائة فرس. ولولا اشتغال الناس بالنهب لما فاتهم. وأصبح باديس فبعث فى طلب حماد فسبقهم إلى القلعة. وأراد التحصن «٢» بها إن أدركته العساكر. ثم سار عنها إلى قلعته فوصل إليها لسبع مضين من جمادى الأولى، واستعد للحصار.
وسار باديس إلى المحمدية فوصل إليها لليلتين بقيتا من الشهر.
فأتاه رسول عمه إبراهيم بالاعتذار ويذكّر باديس بما سلف لحماد من الخدمة فى دولته، وأنه هو الذى سد ثغور المغرب، وقام محاميا عن هذه الدولة كقيام الحجاج بن يوسف بدولة بنى أمية، واعترف بالخطأ. فرد عليه باديس رسله بجواب. واختلفت الرسائل إليه منهما طلبا للمدافعة. فأمر باديس بالبناء. وبذل لرجاله «٣» الأموال
стр. 9224
وأعطى الألفى دينار والخمسمائة. فاشتد ذلك على حماد، ورأى من رجاله ما أنكره، وضعفت نفسه. وغلت الأسعار عنده فجعل يكذب على من عنده، ويكتب كسبا يذكر فيها أن باديس قد عزم على الرحيل إلى إفريقية، وأن كتبه تصل إليه فى الصلح إلى غير ذلك مما يختلقه «١» . وداوم باديس الحصار حتى مات.
ذكر وفاة باديس
كانت وفاته فى ليلة الأربعاء آخر ذى القعدة سنة ست وأربعمائة وذلك أنه وصل إليه وهو فى الحصار سليمان بن خلف «٢» بعساكر عظيمة، جمهورهم تلكاتة «٣» وصنهاجة، فضمن لبادير فتح للقلعة وسائر بلاد المغرب. فلما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذى القعدة، أمر باديس بالعرض، فعرضهم إلى الليل. ثم مات فى نصف الليل.
فخرج الخادم إلى حبيب بن أبى سعيد وباديس بن حمامة «٤» وأيوب بن يطّوفت ابن عمه، وكان حبيب من أكبر رجاله، وبينه وبين باديس بن حمامة منافسه وعداوة. فلما أعلمه الخادم، خرج حبيب مسرعا إلى فازة باديس، وخرج باديس مسرعا إلى فازة حبيب.
فاجتمعا فى الطريق، فقال كل منهما لصاحبه: «بيننا عداوة
стр. 9225
ولا تبرح، والأولى بنا فى هذا الوقت الموافقة والاجتماع فى تدبير هذا المهم.
فإذا انقضى رجعنا إلى «١» ما كنا عليه» . فحضرا ومعهما أيوب بن يطوفت وقالا: «إن صاحب هذا الأمر بعيد منا والعدو قريب مشرف علينا. ومتى لم نقدم رأسا نرجع فى أمورنا إليه لم نأمن العدو على أنفسنا. ونحن نعلم أن ميل تلكاتة وصنهاجة المغرب إلى كرامت بن المنصور أخى باديس» . فاجتمع رأيهم على تولية كرامت ظاهرا. فإذا وصلوا موضع الأمن قدم المعز بن باديس، وينقطع الخلاف، وتصان بيوت الأموال «٢» والعدد. فأحضروا كرامت وبايعوه وكتموا الأمر.
وأصبحت العساكر للسلام على ما جرت به العادة. ولم يعلم بوفاته سوى من ذكرناه «٣» . فأرادوا صرف الناس بأن يقولوا: إن الأمير قد أخذ دواء. فبينا «٤» هم فى ذلك أتى الخبر أن أهل مدينة المحمدية قد شاع عندهم موت باديس، وأنهم أغلقوا أبواب المحمدية، وطلعوا على سورها. وكأنما نودى فى الناس بوفاته. فاضطرب لموته بنو مناد وجميع القواد. وخافوا من الفرقة وشتات الكلمة فأظهروا ولاية كرامت وأمر بالكتب إلى سائل الأعمال باسمه، ولم يذكر المعز بن باديس.
فلما رأى عبيد باديس ومن كان على مثل رأيهم من الحشم والأجناد أنكروا ذلك إنكارا شديدا. فخلا حبيب بن أبى سعيد بأكابرهم وقال: «إنما رضيناه وقدمناه على أن يحوط الرجال، ويحرس
стр. 9226
الخزائن والأموال، حتى يسلم جميع ذلك إلى مستحقه وهو المعز» .
ومشى بعضهم إلى بعض وتحالفوا على ذلك سرا.
ثم اتفق رأى الجميع على تقديم «١» كرامت فى الخروج إلى آشير ليحشد قبائل تلكاتة وصنهاجة. فإذا اجتمعوا رجع بهم إلى المحمدية فيقطن بها، وترحل العساكر بتابوت باديس حتى يسلمون إلى ولده المعز. ودفعوا إلى كرامت مائة ألف دينار وخزانة سلاح وأمتعة.
وتوجه إلى مدينة آشير يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة سنة ست وأربعمائة. وكان من خبره ما نذكره إن شاء الله فى أيام المعز.
وكانت مدة ولاية باديس عشرين سنة وتسعة أشهر إلا أربعة أيام. وعمره اثنان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام.
ذكر ولاية أبى تميم المعز بن أبى مناد باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بالمحمدية «٢» يوم السبت لثلاث خلون من ذى الحجة سنة ست وأربعمائة على ما قدمناه، وله من العمر يوم ذاك ثمان سنين وسبعة أشهر «٣» . وأما ولايته بالمهدية «٤» فكانت يوم الاثنين لسبع «٥» بقين من ذى الحجة هذا. وذلك أن الخبر لما وصل
стр. 9227
بموت باديس، كانت السيدة أم ملّال «١» بالمهدية، فخرج إليها منصور بن رشيق عامل القيروان، بجماعة القضاة والفقهاء والمشايخ وشيوخ صنهاجة إلى المهدية فعزّوها. وأخرجت المعز وبين يديه الطبول والبنود. فنزل إليه الناس وهنئوه وعزّوه. وعاد إلى قصره. ودخل الناس على السيدة فهنئوها. فأمرت منصور بن رشيق بالانصراف بمن كان معه فرجعوا إلى القيروان.
قال: وأما العسكر الذى بالمحمدية فإنهم ارتحلوا عن مناخها يوم عيد الأضحى بعد أن أضرموا النار فيما كان هناك من الأبنية. وسارت العساكر على تعبئة الزحف مقدمة وساقة وقلبا، يقدمها التابوت.
وأمامه البنود والطبول والجنائب والقباب. وكان وصولهم إلى المنصورية يوم الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة سبع وأربعمائة.
ووصلوا إلى المحمدية لثمان خلون «٢» منه. فركب المعز وقام حبيب بن أبى سعيد عن يساره. ونزل الناس فوجا فوجا وحبيب يعرفه بهم قائدا قائدا وعرافة عرافة، وهو يسأل الناس عن أحوالهم ألطف سؤال.
فرأى الناس من عقله وإقباله وفطنته ما ملأ قلوبهم وأقر عيونهم. وأقاموا يركبون إليه فى كل غدوة وغشية ثلاثة أيام. ثم خرج المعز من المهدية وسار إلى القيروان. ودخل المنصورية يوم الجمعة النصف من «٣» المحرم سنة سبع وأربعمائة فسر به الناس وابتهجوا.
стр. 9228
ذكر قتل الروافض
قال: وفى يوم السبت سادس عشر المحرم منها، ركب المعز فى القيروان والناس يسلمون عليه ويدعون له فمر بجماعة فسأل عنهم فقيل: «هؤلاء رفضة والذين قبلهم سنة «١» » . فقال: «وأى شىء الرّفضة والسنة؟» قالوا: «السنة يترضّون عن أبى بكر وعمر والرفضة يسبونهما» . فقال: «رضى الله عن أبى بكر وعمر» «٢» .
فانصرفت العامة من فورها إلى الناحية المعروفة بدرب المقلى «٣» من مدينة القيروان- وهو موضع يشتمل على جماعة منهم- فقتلوا منهم جماعة، ووقع القتل فيهم. وصادفت شهوة من العسكريين وأتباعهم طمعا فى النهب. وانبسطت أيدى العامة فيهم. فأقبل عامل القيروان يظهر أنه يسكّن الناس، وهو يحرضهم ويشير إليهم بزيادة الفتنة، لأنه كان قد أصلح البلد فبلغه أنه معزول، فأراد إفساده. فقتل من الرافضة خلق كثير فى ديارهم وحوانيتهم، وأحرقوهم بالنار. وانتهبت ديارهم وأموالهم. وزاد الأمر واتصل القتل فيهم فى جميع بلاد إفريقية. وقيل: إن القتل وقع فيهم فى جميع المغرب فى يوم واحد فى المدائن «٤» والقرى، فلم يترك رجل ولا امرأة ولا طفل إلا قتل وأحرق بالنار. ونجا من بقى منهم بالمهدية إلى الجامع الذى بالحصن، فقتلوا فيه عن آخرهم.
стр. 9229
ولما كان فى يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة خلت من جمادى الأولى، خرج من بقى من المشارقة- وهم الرافضة «١» - إلى قصر المنصور بظاهر المنصورية، وهم زهاء ألف وخمسمائة، وتحصنوا به. فحاصرهم السنة فاشتد عليهم الحصار والجوع. فأقبلوا يخرجون والناس يقتلون منهم «٢» ويحرقون إلى أن قتلوا عن آخرهم «٣» ، وطهر الله تعالى المغرب منهم.
وعمل الشعراء فى هذه الواقعة القصائد. فممن عمل فيها أبو الحسن الكاتب المعروف بابن زيجى من قصيدة:
شفى الغيظ فى طىّ الضمير المكتّم ... دماء كلاب حلّلت فى المحرّم «٤»
فلا أرقأ الله الدموع التى جرت ... أسى وجوى فيما أريق من الدم
هى المنّة العظمى التى جلّ قدرها ... وسارت بها الرّكبان فى كل موسم
فيا سمرا أمسى علالة منجد ... ويا خبرا أضحى فكاهة متهم «٥»
стр. 9230
وبانعمة بالقيروان تباشرت ... بها عصب بين الحطيم وزمزم «١»
وأهدت إلى قبر النبىّ وصحبه ... سلاما كعرف المسك عن كل مسلم
غزونا أعادى الدين لا رمح ينثنى ... نبوا ولاحد الحسام المصمّم
بكل فتى شهم الفؤاد كأنما ... تسربل يوم الروع جلدة شيهم
إذا أمّ لم يشدد عرا متخوّف ... وإن همّ لم يحلل حبا متندّم
من القيروانيين فى المنصب الذى ... نمى، وإلى خير الصحابة ينتمى
وأوسع الشعراء فى ذلك. وقالوا فيه قصائد «٢» كثيرة تركناها اختصارا.
وأما كرامت بن المنصور فإنه أقام بمدينة آشير ومعه من تلكاتة وغيرهم من قبائل صنهاجة، فما شعر إلا وقد وافاه حماد فى ألف وخمسمائة. فبرز إليه كرامت فى سبعة آلاف. فلما نشبت الحرب بينهم عمد التلكاتيون إلى بيت ماله فانتهبوه، ورجعوا على أدراجهم «٣» . فكانت الهزيمة على كرامت فدخل مدينة آشير
стр. 9231
وحماد فى أثره. فأرسل إلى كرامت ليجتمع به فتوثّق منه وأتاه.
فزوّده «١» حماد بثلاثة آلاف دينار وبعث معه من أصحابه من يشيعه.
فوصل إلى الحضرة فى يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت من المحرم سنة سبع وأربعمائة. وطلب تلكانة وصنهاجة بما صار إليهم من أموال كرامت ومواشيه، فتفرقوا عنه وامتنعوا عليه.
وفى يوم السبت لعشر بقين من صفر منها، ولى محمد بن حسن أمور المعز وجيوشه، وكان قبل ذلك على طرابلس، وأضيف إليه قابس ونفزاوة وقصطيلية وقفصة. فبعث عماله عليها. وعقد لأيوب بن يطوفت على سائر أعمال المغرب.
وفى يوم الأحد لعشر بقين من ذى الحجة سنة سبع وأربعمائة، ختن المعز وختن معه من أبناء الضعفاء عدة كثيرة. وأعطوا الكساوى والنفقة.
وفى آخر ذى الحجة هذا، وصلت الرسل من مصر بسجل الحاكم إلى المعز واللقب والتشريف، وخوطب بشرف الدولة.
ذكر مسير المعز لحرب حماد
قال: وفى يوم الخميس لسبع «٢» بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة، برز المعز إلى مدينة رقادة فى عساكره وفرق الأموال.
стр. 9232
ثم رحل منها لأربع خلون من شهر ربيع الأول. ووصل «١» إليه عدة من القبائل من عسكر حماد ومن كتامة «٢» . فجاءه الخبر أن إبراهيم وقف على باب مدينة باغاية فدعا بأيوب بن يطوفت فخرج إليه. فعاتبه على ما كان منه وذكر أنهم إخوة، وأن الذى كان إنما وقع بقضاء الله وقدره. وقال: «نحن على طاعة سيدنا المعز. وقد أردنا أن يتم الصلح على يدك. وحماد يقرأ عليك السلام ويقول لك: ابعث من تثق به أن يحلّفنى «٣» ويأخذ على من العهود ما يسكن إليه قلبك، ويكتب به» .
فانخدع أيوب ودعا بحمامة أخيه وحبوس بن القاسم بن حمامة وأنفذهما معه. ثم تبعهما تورين «٤» غلام أيوب، وهو أعز عنده من إخوته. فلما وصل بهم إبراهيم إلى أخيه حماد، أنزلهم «٥» فى فازة السلام. ومضى إلى أخيه فأخبره. فبعث إليهما زكنون «٦» ابن أبى حلا فجرد ما عليهما من الثياب، وألقى عليهما ثيابا رثة، وقيدهما بقيدين ثقيلين وأنفذهما إلى القلعة. ودعا حماد بتورين «٧» فقال له: «هذان ابنا عمى وأنت فما جاء بك معهما؟ أردت أن تتحدث فتقول: قال لى حماد، وقلت لحماد!» وأمر به فضربت عنقه.
стр. 9233
فلما اتصل الخبر بالمعز، سار بالعساكر حتى انتهى إلى حماد. والتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على حماد وعساكره.
وقتل حماة أصحابة، وأسر إبراهيم، وفر حماد.
وعقد المعز لعمه كرامت بن المنصور على أعمال المغرب، ففرق عماله.
ذكر الصلح بين المعز وحماد عم أبيه
قال: ولما تمت الهزيمة على حماد، راسل «١» المعز فى طلب الصلح واعترف بالخطأ وسأل العفو عنه. فأنفذ المعز من يقف على صحة أمره وصدق طاعته، فعاد بسمعه وطاعته. ورغب فى ترك العمل، وأن يعقد له أخوه إبراهيم ما يسكن إليه من العهود والمواثيق التى يطمئن إليها، فيبعث حينئذ بولده «٢» القائد أو يصل بنفسه. فحصل الاتفاق، وأرسل ابنه القائد إلى المعز. فوصل بعد عود المعز إلى المنصورية، وذلك فى النصف من شعبان من السنة. فأكرمه المعز وأحسن إليه. وكتب له منشورا بولاية المسيلة وطبنة ومرسى الدجاج وزواوة ومقرّة ودكمة وبلزمة وسوق حمزة، وأعطى البنود والطبول. وانصرف إلى أبيه لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثمان وأربعمائة. فلما وصل إلى أبيه أظهر الطاعة. وبقى القائد يتردد إلى المعز.
стр. 9234
ذكر مقتل القائد محمد بن حسن
كان مقتله لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة «١» . وذلك أنه كان قد استقل بالأمور وجبى الأموال منذ فوّضت إليه أمور الدولة. فلم يدخر درهما واحدا فى سبع سنين مع ما ورد من الهدايا الجليلة والتقادم النفيسة. وانتهت حاله إلى أن أخذ مالا من الذخيرة فلم يرد عوضه. وضاقت الدولة واتسعت أحواله وكثرت أبنيته التى لا تصلح إلا للملوك. وهادى الأكابر بمصر حتى وصل إليه سجل من الحضرة. فضاق منه المعز، فدس إليه بعض خواصه، وأشار عليه أن يقتصر على الخدمة، وله ما حصّله من الأموال والأبنية. فأبى إلا تماديا واستمرارا.
فقتله المعز فى التاريخ الذى ذكرناه، وكتب بالحوطة على أمواله ونعمه ورجاله. وقلد القاسم بن محمد بن أبى العرب سيفه. وأخرج بين يديه الطبول والبنود. وصرف إليه النظر فى سائر إفريقية.
قال: ولما قتل محمد بن حسن ثار أخوه عبد الله بن حسن عامل طرابلس وغضب لذلك. وبعث إلى زناتة فعاقدهم «٢» وأدخلهم طرابلس. فقتلوا كل من كان بها «٣» من صنهاجة والعسكريين وأخذوا المدينة. فلما انتهى ذلك إلى المعز. وأمر بالقبض على جميع بنى محمد وحبسهم ثم ظفر محمد بن وليمة
стр. 9235
بعبد الله، فأنفذه إلى المعز فاعتقله. ثم أمر بقتل الجميع «١» ، وذلك لما استغاثت نساء الصنهاجيين وأولادهم الذين قتلوا آباءهم بطرابلس.
وكان بإفريقية فى تلك السنة «٢» مجاعة شديدة لم يكن مثلها قط.
وفى ليلة الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة عشرة وأربعمائة ولد للمعز مولود سماه نزار.
وفى صفر سنة تسع «٣» عشرة وأربعمائة، ورد الخبر إلى المعز بوفاة حماد بن يوسف بلكّين، وهو عم أبيه. فكتب إلى ولده القائد بالتعزية بأبيه.
وفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، خرج عسكر المعز إلى الزاب. ففتح مدينة نورس «٤» وقتل من البربر خلقا كثيرا.
وفتح من بلاد زنانة قلعة تسمى كردوم «٥» .
وفى سنة ثلاثين وأربعمائة، دخل قائده جزيرة جربة، ففتحها وقتل رجالها، وأسر مقدمهم ابن كلدة وصلبه، لقطعهم الطريق وسوء اعتقادهم.
стр. 9236
وفى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، خرج المعز بجيوشه إلى قلعة حماد. وحاصرها مدة سنتين وضيق عليهم لرجوعهم إلى ما كانوا عليه من النفاق.
وفى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة «١» ، أظهر المعز الدعاء للدولة العباسية. ووردت عليه الرسل. ووصله السجل من القائم بأمر الله، وأوله: «من عبد الله ووليه أبى جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد نور الإسلام، وشرف الأيام «٢» ، وعمدة الأنام، ناصر دين الله، وقاهر أعداء الله، ومؤيد سنة رسول الله ﷺ ، أبى تميم المعز بن باديس بن المنصور ولى أمير المؤمنين» بألفاظ طويلة، وخلع طائلة، وسيفه وفرسه وخاتمه وألوية كثيرة. فوصل ذلك فى يوم الجمعة والخطيب على المنبر فى الخطبة الثانية عند الاستغفار. فدخلت الألوية إلى الجامع، فقيل للخطيب: «اذكر الساعة ما أمكن» . فقال:
«هذا لواء الحمد يجمعكم، وهذا معز الدين يسمعكم، وأستغفر الله «٣» لى ولكم» .
ذكر خروج العرب الى المغرب والسبب الموجب لذلك .
كان سبب ذلك أن المستنصر- لما ولى خلافة مصر بعد الظاهر بن الحاكم- خطب المعز فى أيامه للقائم بأمر الله العباسى. فكتب
стр. 9237
إليه وهو يرغبه ويرهبه، ويقول له: «هلّا اقتقيت آثار من سلف من آبائك فى الطاعة والولاء» ويتوعده «١» بإرسال الجيوش. فكتب المعز إليه: «إن آبائى وأجدادى كانوا ملوك المغرب «٢» قبل أن تملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم. ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم» .
وكان المستنصر قد ولى وزارته فى اثنتين وأربعين وأربعمائة لأبى محمد الحسن بن اليازورى، ولقبه بالوزير الأجل المكين، سيد الوزراء «٣» ، وتاج الأمراء، قاضى القضاة، وداعى الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين» . ولم يكن من أهل الوزارة ولا من الكتاب، بل كان من أهل التّناية «٤» والفلاحة بالشام.
فأجراه ملوك الأطراف فى مكاتباتهم «٥» على عادة الوزراء إلا المعز فإنه امتنع من مخاطبته بما كان يخاطب به الوزراء قبله، وذلك أنه كان يكاتب الوزراء بعبده فكاتبه بصنيعته. فعظم ذلك عليه «٦» .
فأعمل الوزير الفكرة ودس إلى زغبة ورياح دسائس ووصلهم بصلات سنية. وبعث إليهما أحد رجال الدولة حتى أصلح بين الفئتين بعد فتن توالت وحروب استمرت ودماء أريقت. ثم أحضر أمراءهم وأباحهم على لسان المستنصر أعمال القيروان. ووعدهم
стр. 9238
بالمدد والعدد. وأمرهم بالعيث والإخراب. فدخلت العرب إلى بلاد المغرب فى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وأنفذ اليازورى كتابا يقول فيه «١» : «أما بعد، فقد أرسلنا إليكم فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا، ليقضى الله أمرا كان مفعولا» . ودخلت العرب فوجدوا بلادا خالية طيبة كثيرة المرعى، كانت عمارتها زناتة فأبادهم المعز. فأقاموا بها واستوطنوها وعاثوا فى أطراف البلاد.
وبلغ ذلك المعز فاستحقر أمرهم لتمام المقدور.
ذكر وفاة لقائد بن حماد وولاية ابنه وقتله وولاية بلكين بن محمد
وفى شهر رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة توفى القائد بن حماد ابن يوسف بلكين بن زيرى وكان فى مرضه ولّى محسنا، وأوصاه «٢» بالإحسان إلى بنى حماد عمومته. فلما ولى خالف ما أمره به أبوه «٣» وأراد عزل جميعهم. فلما سمع عمه يوسف بن حماد ما أراده من الغدر بإخوته بنى حماد خالف عليه. وجمع العساكر فاجتمع له خلق كثير. وكان يوسف قد بنى قلعة فى جبل منيع وسماها الطيارة. فلما اتصل بمحسن خلافه خرج إليه والتقى بعسكر عمه مدينى. فانهزمت تلكاتة عنه، فظفر به، فقتل من
стр. 9239
عمومته أربعة، وهم مدينى وإخوته مناد ونغلان «١» وتميم. وكتب إلى عمه يوسف يأمره بالقدوم إليه. فقال: «كيف أطمئن إليك وقد قتلت أربعة من عمومتك؟» .
وكان ابن عمه بلكين بن محمد متولى افريون «٢» فكتب إليه محسن يأمره بالقدوم، فقدم عليه. فلما قرب منه أمر محسن قوما من العرب أن يأتوه برأسه. فلما خرجوا، قال لهم أميرهم خليفة بن مكن: «هذا بلكين لم يزل محسنا إلينا. فكيف نفعل به هذا؟» فأتوه وأعلموه بما أمروا به، فخاف عند ذلك. فقال له خليفة: «لا خوف عليك إن كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك» . فتدرع بلكين وركب وأقبل يريد لقاءه. فبلغ محسنا قصده إليه، فهرب إلى القلعة. فأدركوه فى الطريق فقتله بلكين، ودخل القلعة، وولى الأمر. وذلك فى شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
[بقية أخبار المعز بن باديس]
نعود إلى أخبار المعز بن باديس، قال: ولما تكاسلت صنهاجة عن قتال زناتة، اشترى المعز العبيد، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك. وكانت العرب زغبة قد ملكوا مدينة طرابلس فى سنة ست وأربعين. ووصل مؤنس بن يحيى المرداسى إلى المعز بالقيروان.
стр. 9240
فأكرمه المعز وأحسن إليه. فنهاه مؤنس أن يجعل للعرب سبيلا إلى دخول إفريقية وقال: «إنهم قوم لا طاقة لك بهم» . فقال له المعز: «هم دون ذلك» . فلما رأى مؤنس استهزاء المعز بالعرب، خرج عنه ولحق بأرض طرابلس.
وتتابعت بنورياح والأثبج وبنوعدى، فدخلوا إفريقية، وقطعوا السبيل، وعاثوا فى البلاد. وعزموا على الوصول إلى القيروان.
فقال لهم مؤنس: «ليس هذا عندى برأى. وهذا يحتاج إلى تدبير» . فقالوا: «وكيف تحب «١» أن نصنع؟» قال: «ائتونى ببساط.»
فأتوه به. فبسطه وقال لهم: «من يدخل إلى وسط هذا البساط من غير أن يمشى عليه؟» قالوا: «كيف يقدر أحد على ذلك «٢» » قال «أنا» . قالوا: «فأرنا كيف تقدر على ذلك» . فطوى البساط، وأتى إلى طرفه ففتح منه مقدار ذراع ووقف عليه. ثم فتح شيئا آخر ودخل إليه. وقال: «هكذا فاصنعوا ببلاد المغرب املكوها شيئا فشيئا حتى لا يبقى عليكم إلا القيروان فأتوها، فإنكم تملكونها» . فقال له رافع بن حماد: «صدقت يا مؤنس. والله إنك لشيخ العرب وأميرها. فقد قدمناك على أنفسنا فلسنا نقطع أمرا دونك» .
وقدم أمراء العرب إلى المعز، وهم مطرف بن كسلان، وفرح ابن أبى حسان، وزياد بن الدونية «٣» ، وفارس بن كثير، وفارس
стр. 9241
ابن معروف، وهم أمراء بنى رياح وساداتهم، فأنزلهم المعز، وأكرمهم وأحسن إليهم. فخرجوا من عنده ولم يجازوه بما فعل معهم بل شنوا الغارات على البلاد، وقطعوا على الرفاق، وأفسدوا الزرع «١» ، وقطعوا الأشجار، وحاصروا المدن. فضاق الناس وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم. وحل بإفريقية من البلاء ما لم ينزل بها مثله قط.
ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب عليه
قال: ولما كان من أمرهم ما ذكرناه، احتفل المعز وجمع العساكر. وخرج فى ثلاثين ألف فارس ومثلهم «٢» رجالة «٣» .
وسار حتى انتهى إلى جندران «٤» ، وهو جبل على مسيرة ثلاثة أيام من القيروان. وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس «٥» .
فلما شاهدوا عساكر صنهاجة هالهم ذلك. فقال مؤنس بن يحيى المرداسى: «يا وجوه العرب، ما هو يوم فرار» . فقالوا: «أين
стр. 9242
نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكازغندات «١» والمغافر؟» فقال أمير منهم: «فى أعينهم» . فسمى من ذلك اليوم «أبا العينين» «٢» .
والتقوا والتحم القتال وحميت الحرب، فاتفقت صنهاجة على الهزيمة. وتركوا المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم، وبعد ذلك يرجعون على العرب. فانهزمت صنهاجة، وثبت المعز والعبيد. ووقع القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير. وحاولت صنهاجة الرّدة على العرب فلم يمكنهم، واستمرت الهزيمة. وقتل من صنهاجة أمة عظيمة. وانهزم المعز ودخل القيروان مهزوما على كثرة من كان معه وقلة العرب. واحتوت العرب على الخيل والعدد والمخيّم والأثقال والأموال. وفيها يقول الشاعر «٣» :
وإنّ ابن باديس لأفضل ما لك ... ولكن لعمرى ما لديه رجال «٤»
ثلاثون ألفا منهم غلبتهم ... ثلاثة آلاف إنّ ذا لمحال «٥»
قال: ولما كان يوم عيد النحر من السنة، جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس. وهجم على العرب وهم فى صلاة العيد.
стр. 9243
فقطعت العرب الصلاة وركبوا خيولهم. فانهزمت صنهاجة وقتل منهم خلق كثير.
ثم جمع المعز وخرج فى صنهاجة وزنانة فى جمع عظيم. فلما أشرف على بيوت العرب، ركبت خيولها وهم زغبة وعدى، وكانوا سبعة آلاف. والتقوا واقتتلوا فانهزمت صنهاجة، وولى كل رجل منهم إلى منزله. ثم انهزمت زناتة وكان أميرها المنصور «١» ابن خزرون. وثبت المعز فيمن كان حوله من عبيده ثباتا ما سمع بمثله، ثم رجع إلى المنصورية. وأحصى من قتل من صنهاجة فى ذلك اليوم فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة «٢» .
ثم أقبلت العرب حتى نزلوا بمصلى القيروان. ووقعت الحرب فقتل من أهل رقادة والمنصورية خلق كثير. فلما رأى المعز ذلك ذهب إلى رفع الحرب بينهم، وعلم عكس الدولة، وظن أنهم راجعون. فأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. فلما دخلوا، استطال عليهم العامة وأهانوهم. فوقع «٣» بينهم حرب كانت الغلبة فيها للعرب.
قال وكانت الكسرة الأولى على المعز فى سنة ثلاث وأربعين والثانية فى سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
стр. 9244
ذكر انتقال المعز الى المهدية ومحاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها
قال: وفى سنة ست وأربعين حاصرت العرب القيروان، وأخذ مؤنس باجة. فأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية. وشرع العرب فى هدم الحصون والقصور، وقلع الثمار، وتعمية العيون، وخراب الأنهار، فخرج المعز من القيروان إلى المهدية فى سنة تسع وأربعين وأربعمائة، لليلتين مضتامن شعبان «١» وكان بها ابنه الأمير تميم. فتلقى أباه ومشى فى ركابه من ميانش «٢» إلى القصر.
وفى أول شهر رمضان منها نهبت العرب القيروان.
وفى سنة خمسين وأربعمائة، خرج بلكّين بن محمد، ومعه من العرب الأثبج وعدى لحرب زنانة. فكسرهم وقتل منهم عددا كثيرا.
وفى سنة إحدى وخمسين، قتل منصور أفروم البرغواطى، قتله حمّو بن مليل «٣» البرغواطى غدرا، وملك سفاقس مكانه.
وفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، غدر الناصر بن علنّاس بلكين بن محمد وولى مكانه، وذلك فى غرة «٤» شهر رجب.
стр. 9245
ذكر وفاة المعز بن باديس
كانت وفاته فى سنة ثلاث وخمسين «١» وأربعمائة بضعف «٢» الكبد. وكانت مدة إقامته فى الملك سبعا «٣» وأربعين سنة.
وكان رقيق القلب، كثير الرحمة، خاشعا لله، متحرزا من سفك الدماء إلا فى الحدود، حليما يتجاوز عن كبائر الجرائم، لينا لخدامه وعبيده وجلسائه وندمائه حتى كأنه واحد منهم أو أخ لهم محبا لرعيته «٤» مشفقا عليهم، مكرما لأهل الفضل والعلم كثير العطاء لهم، شجاعا كريما، ﵀. وكان له من الأولاد الذين مات عنهم تسعة، وهم نزار، وتميم، وعبد الله، وعلى، وعمرو «٥» ، وحماد، وبلكين، وحمامة، والمنصور.
ولما مات المعز ملك بعده ابنه.
следующие страницы →