Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.
стр. 9241
ابن معروف، وهم أمراء بنى رياح وساداتهم، فأنزلهم المعز، وأكرمهم وأحسن إليهم. فخرجوا من عنده ولم يجازوه بما فعل معهم بل شنوا الغارات على البلاد، وقطعوا على الرفاق، وأفسدوا الزرع «١» ، وقطعوا الأشجار، وحاصروا المدن. فضاق الناس وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم. وحل بإفريقية من البلاء ما لم ينزل بها مثله قط.
ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب عليه
قال: ولما كان من أمرهم ما ذكرناه، احتفل المعز وجمع العساكر. وخرج فى ثلاثين ألف فارس ومثلهم «٢» رجالة «٣» .
وسار حتى انتهى إلى جندران «٤» ، وهو جبل على مسيرة ثلاثة أيام من القيروان. وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس «٥» .
فلما شاهدوا عساكر صنهاجة هالهم ذلك. فقال مؤنس بن يحيى المرداسى: «يا وجوه العرب، ما هو يوم فرار» . فقالوا: «أين
стр. 9242
نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكازغندات «١» والمغافر؟» فقال أمير منهم: «فى أعينهم» . فسمى من ذلك اليوم «أبا العينين» «٢» .
والتقوا والتحم القتال وحميت الحرب، فاتفقت صنهاجة على الهزيمة. وتركوا المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم، وبعد ذلك يرجعون على العرب. فانهزمت صنهاجة، وثبت المعز والعبيد. ووقع القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير. وحاولت صنهاجة الرّدة على العرب فلم يمكنهم، واستمرت الهزيمة. وقتل من صنهاجة أمة عظيمة. وانهزم المعز ودخل القيروان مهزوما على كثرة من كان معه وقلة العرب. واحتوت العرب على الخيل والعدد والمخيّم والأثقال والأموال. وفيها يقول الشاعر «٣» :
وإنّ ابن باديس لأفضل ما لك ... ولكن لعمرى ما لديه رجال «٤»
ثلاثون ألفا منهم غلبتهم ... ثلاثة آلاف إنّ ذا لمحال «٥»
قال: ولما كان يوم عيد النحر من السنة، جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس. وهجم على العرب وهم فى صلاة العيد.
стр. 9243
فقطعت العرب الصلاة وركبوا خيولهم. فانهزمت صنهاجة وقتل منهم خلق كثير.
ثم جمع المعز وخرج فى صنهاجة وزنانة فى جمع عظيم. فلما أشرف على بيوت العرب، ركبت خيولها وهم زغبة وعدى، وكانوا سبعة آلاف. والتقوا واقتتلوا فانهزمت صنهاجة، وولى كل رجل منهم إلى منزله. ثم انهزمت زناتة وكان أميرها المنصور «١» ابن خزرون. وثبت المعز فيمن كان حوله من عبيده ثباتا ما سمع بمثله، ثم رجع إلى المنصورية. وأحصى من قتل من صنهاجة فى ذلك اليوم فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة «٢» .
ثم أقبلت العرب حتى نزلوا بمصلى القيروان. ووقعت الحرب فقتل من أهل رقادة والمنصورية خلق كثير. فلما رأى المعز ذلك ذهب إلى رفع الحرب بينهم، وعلم عكس الدولة، وظن أنهم راجعون. فأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. فلما دخلوا، استطال عليهم العامة وأهانوهم. فوقع «٣» بينهم حرب كانت الغلبة فيها للعرب.
قال وكانت الكسرة الأولى على المعز فى سنة ثلاث وأربعين والثانية فى سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
стр. 9244
ذكر انتقال المعز الى المهدية ومحاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها
قال: وفى سنة ست وأربعين حاصرت العرب القيروان، وأخذ مؤنس باجة. فأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية. وشرع العرب فى هدم الحصون والقصور، وقلع الثمار، وتعمية العيون، وخراب الأنهار، فخرج المعز من القيروان إلى المهدية فى سنة تسع وأربعين وأربعمائة، لليلتين مضتامن شعبان «١» وكان بها ابنه الأمير تميم. فتلقى أباه ومشى فى ركابه من ميانش «٢» إلى القصر.
وفى أول شهر رمضان منها نهبت العرب القيروان.
وفى سنة خمسين وأربعمائة، خرج بلكّين بن محمد، ومعه من العرب الأثبج وعدى لحرب زنانة. فكسرهم وقتل منهم عددا كثيرا.
وفى سنة إحدى وخمسين، قتل منصور أفروم البرغواطى، قتله حمّو بن مليل «٣» البرغواطى غدرا، وملك سفاقس مكانه.
وفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، غدر الناصر بن علنّاس بلكين بن محمد وولى مكانه، وذلك فى غرة «٤» شهر رجب.
стр. 9245
ذكر وفاة المعز بن باديس
كانت وفاته فى سنة ثلاث وخمسين «١» وأربعمائة بضعف «٢» الكبد. وكانت مدة إقامته فى الملك سبعا «٣» وأربعين سنة.
وكان رقيق القلب، كثير الرحمة، خاشعا لله، متحرزا من سفك الدماء إلا فى الحدود، حليما يتجاوز عن كبائر الجرائم، لينا لخدامه وعبيده وجلسائه وندمائه حتى كأنه واحد منهم أو أخ لهم محبا لرعيته «٤» مشفقا عليهم، مكرما لأهل الفضل والعلم كثير العطاء لهم، شجاعا كريما، ﵀. وكان له من الأولاد الذين مات عنهم تسعة، وهم نزار، وتميم، وعبد الله، وعلى، وعمرو «٥» ، وحماد، وبلكين، وحمامة، والمنصور.
ولما مات المعز ملك بعده ابنه.
стр. 9246
ذكر ولاية تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
وكان أبوه قد ولاه المهدية فى صفر سنة خمس وأربعين. وأقام بها إلى أن خرج المعز إليها. فدبر الأمر بين يديه إلى أن توفى المعز فاستقل بعده بالملك. ودخل القضاة ووجوه الناس إليه فعزوه بأبيه وهنئوه بالولاية. ووصل كتاب الناصر بن علناس بذلك.
ذكر خروج حمو عن طاعة الأمير تميم وحربه وانهزامه
وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة»
، خرج حمو بن مليل صاحب مدينة سفاقس عن الطاعة. فجمع أصحابه. واستعان بالعرب، فوافقته طائفة من الأثبج وعدى. فزحف بهم إلى المنزل المعروف ببئر قشيل «٢» فملكه. ثم توجه منه نحو المهدية.
فخرج إليه تميم فى عساكره ومعه طائفة من العرب: زغبة ورياح ووصل إلى حمو والتقوا واقتتلوا. فكانت الهزيمة على حمو وأصحابه وأخذهم السيف. فقتل أكثر أصحابه ونجا هو بنفسه. وكانت هذه الواقعة بسلقطة «٣» .
стр. 9247
وفيها بعد الوقعة قصد تميم مدينة سوسة وكان أهلها قد خالفوا على أبيه، فملكها وعفا عنهم وحقن دماءهم «١» .
ذكر الحرب بين بنى حماد والعرب وانتصار العرب عليهم
وفى سنة سبع وخمسين وأربعمائة، كانت الحرب بين الناصر ابن علناس بن محمد بن حماد ومن معه من رجال المغاربة من صنهاجة وزناتة، ومن العرب عدى والأثبج؛ وبين العرب وهم رياح وزغبة وسليم، ومع هؤلاء المعز بن زيرى الزناتى. وكان سبب هذه الواقعة «٢» أن حماد بن يوسف بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور الخلف الكبير «٣» والحرب التى ذكرناها. ومات باديس وهو يحاصر قلعة حماد كما ذكرنا «٤» .
ثم دخل حماد فى طاعة المعز. وكان القائد بن حماد بعد أبيه يضمر الغدر وخلع طاعة المعز والعجز يمنعه، إلى أن رأى قوة العرب وما نال المعز منهم. فعندها خلع الطاعة واستبد بالبلاد.
وجاء بعده ولده محسن، وبعده ابن عمه بلكين، وبعده ابن عمه الناصر بن علناس، وكل منهم متحصن «٥» بالقلعة، وهى
стр. 9248
المعروفة بقلعة حماد وقد جعلوها دار ملكهم. فلما رحل المعز من القيروان، وصار إلى المهدية، وتمكنت العرب وأخربوا البلاد ونهبوا الأموال، انتقل كثير من أهل القرى والبلاد إلى بلاد بنى حماد لحصانتها «١» . فعمرت بلادهم وكثرت أموالهم، وفى نفوسهم ما فيها من الضغائن والحقود من باديس وبنيه، يرثه صغير عن كبير.
وولى تميم بن المعز بعد أبيه، واستبد كل منهم ببلد وقلعة، وتميم يصبر ويدارى «٢» .
فاتصل بتميم أن الناصر بن علناس يقع فيه فى مجلسه ويذمه وأنه عزم على المسير ليحاصره بالمهدية، وأنه حالف بعض صنهاجة وزناتة وبنى هلال ليعينوه على حصار المهدية. فلما صح ذلك عنده أرسل إلى بنى رياح فأحضرهم إليه. وقال لهم: «أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع أكثرها فى البحر لا يقاتل من البر إلا من أربعة أبرجة يحميها أربعون رجلا. وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم وإلى بلادكم» . فقال له أمراء العرب: «إن الذى قاله السلطان حق ونحب منك المعونة بالعدة» . فقال: «على العدة والرّفادة» «٣» . وأمر لهم بعشرة آلاف دينار، لكل أمير منهم ألف دينار، وألف درع، وألف رمح، وألف سيف هندى.
فخرجت الأمراء من عنده، وجمعوا رجالهم، وتحالفوا على لقاء الناصر. وأنفذوا شيخين سرا إلى بنى هلال الذين صاروا مع الناصر
стр. 9249
فقالا لهم: «كيف وقعتم فى هذا الأمر وأردتم تلاف «١» ملككم؟
هذا الناصر قد سمعتم غدر جده حماد لباديس، وغدر بنيه بعضهم بعضا، وقد اتفق مع زناتة، فإذا وطىء بلدنا بصنهاجة وزناتة قاصدا تميم بن المعز- وتميم فى حصن منيع بالمهدية لا يقدر عليه- فعندها يملك بلاد إفريقية ويخرجنا وإياكم عنها» . فقال لهم مشايخ بنى هلال: «والله، لقد صدقتم. فإذا التقينا فقاتلونا «٢» فإنا ننهزم «٣» ونرجع عليهم. فإذا ملكنا رقابهم كان لنا من الغنيمة الثلث ولكم الثلثان» . فقال الشيخان: «رضينا» .
وأرسل المعز بن زيرى الزناتى إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه أن ينهزموا.
فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعا. وسار إليهم الناصر بصنهاجة وزناتة وبنى هلال. فالتقوا بموضع يسمى سبية. فلما ترائى الجمعان حملت «٤» بنو رياح على بنى هلال. فانهزم بنو هلال كما وقع الاتفاق، وأظهروا الغدر من وراء العسكر. فانهزم عند ذلك الناصر ابن علناس، وسلم فى عشرة أفراس.
فكان جملة من قتل فى هذه الوقعة من صنهاجة وزناتة أربعة وعشرون ألفا. وصارت الغنائم كلها للعرب، وبهذه الوقعة ثم لهم ملك البلاد. فإن أكثرهم عند دخولهم كانوا رجالة، والفرسان
стр. 9250
منهم فى أضيق حال. فتقاسموا هذه الغنائم على ما قرروه بينهم إلا الطبول والبوقات والفازات بأبغالها «١» ، فإنهم حملوها إلى تميم.
فردها ولم يقبلها، فعزّ ذلك على العرب وقالوا: «نحن خدمك بين يديك» فقال: «ما فعلت هذا انتقاصا بكم وإنما المانع منه أننى لا أرضى أخذ سلب ابن عمى» . وظهر عليه من الحزن بقوة العرب ما لم يوصف.
ذكر بناء مدينة بجاية والسبب فيه
قال: ولما كانت هذه الواقعة بين بنى حماد والعرب، وبلغ الناصر ما نال ابن عمه تميم من الألم والحزن، وكان وزيره أبو بكر بن أبى الفتوح محبا فى دولة تميم، فقال «٢» للناصر: «يا مولاى، ألم أشر عليك ألا تقصد ابن عمك، وأن تتفقا على العرب. فلو اتفقتما لأخرجتما العرب» . فصدقه الناصر ورجع إلى قوله، وقال له:
«أصلح ذات بيننا» . فأرسل الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر ويرغب فى الإصلاح. فقبل تميم قوله.
وأراد أن يرسل رسولا إلى الناصر، فاستشار أصحابه. فاتفقوا على إرسال محمد بن البعبع، وقالوا: «هذا رجل غريب، قد شمله إحسانك وبرك، وقد اقتنى من إنعامك الأموال والأملاك، وهو لا يعرف صنهاجة. فما يصلح لهذا الأمر سواه» . فأحضر تميم محمد بن
стр. 9251
البعبع وأمر له بعبيد وخيل وكسا ودنانير. وأوصاه وأرسله وأجاز الرسول الواصل.
وخرجا معا إلى أن وصلا إلى بجاية، وهى حينئذ منزل ينزله رعية البربر. فنظرها ابن البعبع وتأملها، وقال فى نفسه: «هذا المكان يصلح مدينة ومرسى وصناعة للسفن» . وتمادى إلى أن وصل إلى القلعة ودخل على الناصر، وقد علم ابن البعبع أن الوزير محب فى دولة تميم.
فلما انبسط ودفع المكاتبة، قال للناصر: «يا مولاى، معى وصية إليك فأحب أن يخلى المجلس» . فقال الناصر: «ليس هنا إلا الوزير، وأنا لا أخفى عنه أمرا» . فقال: «بهذا أمرنى «١» سيدنا تميم» . فقال الناصر لوزيره: «انصرف» . فلما خرج، قال محمد للناصر: «يا مولاى، إن الوزير مخامر عليك مع تميم، وهو لا يخفى عنه من أمورك شيئا، وتميم مشغول مع عبيده النصارى.
قد «٢» استبد بهم واطرح صنهاجة وتلكاتة وجميع القبائل. فو الله، لو وصلت بعسكر إلى المهدية ما بتّ إلا فيها لبغض الأجناد والرعية فى تميم، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها. وقد عبرت الآن ببجاية فرأيت فيها مرافق من صناعة وميناء وجميع ما يصلح لبناء مدينة. فاجعلها لك مدينة، يكون فيها دار ملكك وتقرب من جميع بلاد إفريقية. وأنا أنتقل إليك بأهلى وولدى، وأترك مالى بالمهدية من الرياع، وأخدمك حق الخدمة» . فأجابه الناصر إلى ذلك واستراب من وزيره.
стр. 9252
وخرج الناصر من ساعته ومعه ابن البعبع إلى بجاية، وترك الوزير بالقلعة. فوصلا إليها. ورسم ابن البعبع المدينة والصناعة والميناء وموضع القصر واللؤلؤة. وأمر الناصر من ساعته «١» بالبناء والعمل.
وشكره وأثنى عليه، وعاهده على وزارته. ورجعا جميعا إلى القلعة.
وأحضر الوزير وقال: «هذا محب لدولتنا ناصح فى خدمتنا.
وقد أشار علينا ببناء بجاية. وعزم على الانتقال إلينا «٢» بالأهل والولد. فاكتب له جواب كتبه إلى تميم» . وأمر له بألف دينار، وأربع وصائف، وأربع بغال من مراكبه.
وسار ابن البعبع فوصل إلى المهدية بكتب ناقصة وصلة تامة.
فاستراب به تميم. وسأله عن بناء بجاية وسببه، فقال: «يا مولاى، مالى بهذا علم. أنا رجل غريب» . فتحقق تميم أنه الذى أشار عليه ببنائها. وخرج ابن البعبع إلى داره خائفا وجلا.
وكان لما فارق الناصر سأله أن ينفّذ معه رجلا من ثقاته ينفذ معه ما يعاين من الأخبار. فنفّذ معه رجلا. فلما خرج إلى داره كتب إلى الناصر: «إننى لما وصلت إلى تميم لم يسألنى عن شىء قبل سؤاله عن أمر بجاية، إنه قد وقع على قلبه منها أمر عظيم. وقد اتهمنى فانظر من تثق به من العرب ممن يصل «٣» إلى أولاد عكابش، فإننى خارج إليهم مسرعا، وقد عاهدتهم «٤» على ذلك «٥» . فتنفذ من بنى هلال
стр. 9253
من تثق به. وقد أوثقت شيوخ زويلة وغيرها على طاعتك. فالله الله أسرع إلى بمن ذكرت» .
قال: فمضى الرسول بالكتاب فقرأه الناصر وأوقف الوزير أبا بكر عليه. فاستحسن الوزير ذلك منه وقال: «لقد خدم هذا الرجل ونصح» . فقال الناصر: «خذ الكتاب إليك، وجاوب الرجل عنه، وانظر فى إنفاذ العرب إليه قولا وفعلا، ولا تؤخر ذلك عنه» . فمضى الوزير إلى داره وكتب نسخة كتاب ابن البعبع، وحكاها حتى كأنها هى، خشية أن يسأله الناصر عن الكتاب بعد ذلك.
وأنفذ كتابه الذى بخطه إلى تميم وكتب كتابا منه يصف الحال من أوله إلى آخره.
فلما وقف تميم على ذلك، عجب منه وبقى يتوقع له ما يأخذه به.
وجعل عليه من يحرسه فى ليله «١» ونهاره من حيث لا يشعر. فأتاه بعض الحرس وأخبره أن ابن البعبع صنع طعاما وأحضر عنده الشريف الفهرى- وكان هذا الشريف من خواص تميم- فلما أصبح استدعاه تميم. فحضر وقال: «يا مولاى، ما كنت إلا واصلا إليك» .
وحدثه أن محمد بن البعبع دعانى وقال لى: «أنا فى ذمامك وحسبك، أحب أن تعرفنى من أين أخرج من المهدية «٢» ، فأنت أعرف الناس بذلك» . فقلت له: «ولم تفعل ذلك، وأنت فى هذه المنزلة الكبيرة مع مولانا تميم؟» فقال: «إنه اتهمنى أننى أشرت على الناصر ببناء بجاية، وقد خفت» . فقلت له: «يا أبا عبد الله،
стр. 9254
إن كنت سالما من قول قلته أو أمر أبرمته فلا تبال، فسيدنا تميم رجل رؤوف لا يؤاخذ بقول ولا بظن» . فقال لى: «دعنى فلا قدرة لى على المقام» . فقلت له: «أنا أنظر فى هذا الأمر بالغداة إن شاء الله وأعرفك بمن تثق به من العرب» . فأخذ يدى على ذلك.
قال: فأخرج تميم كتاب ابن البعبع الذى بخطه إلى الناصر وأوقف الشريف عليه. ثم قال له: «أحضره إلى» . فمضى الشريف إليه وقال له: «سيدنا تميم أمر بحضورك معى ولا يكون إلا خيرا» فلبس ثيابه وخرجا. فلقيهما ماضى بن عكابش فقال له: «يا أبا عبد الله، الهلاليون قد وصلوا إلينا البارحة، وهذه كتب قد وصلت إليك منهم» «١» . فتناولها الشريف من يده فقال له ابن البعبع:
«استر على ستر الله عليك» . وسأله. فدخلا القصر وابن البعبع يسأله فيها. فقال: «خذها فو الله ما ينفعك أخذها» . فتناولها.
وخرج تميم إليهما فجزع ابن البعبع حتى سقطت الكتب من يده وإذا عنوان أحدها: «من الناصر بن علناس إلى شيخنا وخليلنا» فقال له تميم: «من أين هذه الكتب؟» فسكت. فقرأها تميم فوجد فيها الحجة عليه. فقال ابن البعبع: «العفو يا مولانا» . فقال «لا عفا الله عنك؟» وأمر بضرب عنقه وتغريق جثته «٢» .
стр. 9255
ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس
وفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، سير تميم عسكرا كثيفا «١» إلى مدينة تونس. فأقام محاصرا لها مضيّقا عليها سنة وشهرين. وكان بها أحمد بن خراسان وقد أظهر الخلاف.
وسبب ذلك أن المعز بن باديس أبا تميم- لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية- استخلف على القيروان وعلى تونس «٢» قائد بن ميمون الصنهاجى. فأقام بها ثلاث سنين ثم غلبته هوارة عليها، فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية. فلما ولى تميم بعد أبيه رده إليها، فأقام بها مدة ست سنين. ثم أظهر الخلاف على تميم وأطاع الناصر بن علناس. فجرد إليه تميم عسكرا من أجناده وعبيده. فعلم أنه لا طاقة له بهم، فترك القيروان وسار إلى الناصر. ودخل عسكر تميم القيروان وخربوا قصر القائد الذى بناه بباب سلم.
وسار العسكر إلى تونس وبها ابن خراسان فحصروه، فأطاع وصالح الأمير تميما.
وأما قائد بن ميمون فإنه مكث عند الناصر سنتين «٣» . ثم مضى إلى حمّو بن مليل فاشترى له مدينة القيروان من العرب وولاه عليها. فابتدأ ببناء سورها وحصّنها.
стр. 9256
وفى سنة سبعين وأربعمائة «١» ، تم الصلح بين تميم والناصر ابن علناس. وزوجه تميم ابنته السيدة بلارة»
وجهزها إليه من المهدية فى البر.
ذكر استيلاء مالك بن علوى الصخرى على القيروان وأخذها منه، وعودها الى تميم
وفى سنة ست وسبعين وأربعمائة، جمع مالك بن علوى العرب، وسار إلى المهدية وحصرها. فدفعه تميم عنها ولم يظفر منها بشىء.
فسار إلى القيروان فحصرها وملكها. فجرد تميم العساكر إليه فحصروه بها. فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بعساكر تميم تركها. واستولت عساكر تميم عليها وعادت إلى ملكه كما كانت.
ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها
قال: وفى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة «٣» ، اجتمع الروم فى أربعمائة «٤» قطعة وأعانهم الفرنج. وأتوا كلهم إلى جزيرة قوصرة
стр. 9257
وأخربوا ونهبوا وأحرقوا. وملكوا مدينة زويلة وهى بقرب المهدية.
وكانت عساكر تميم غائبة فى قتال الخارجين عليه، فصالح تميم الروم على ثمانين ألف دينار «١» ، بشرط. أن يردوا «٢» جميع ما حووه من السبى، ففعلوا ذلك ورجعوا جميعا.
وفيها مات الناصر بن علناس. وولى ابنه المنصور فقفا آثار أبيه فى الحزم والعزم والرئاسة. وأتته كتب تميم وغيره بالتهنئة والتعزية.
ذكر خبر شاه ملك «٣» التركى ودخوله الى افريقية وغدره بيحيى بن تميم
كان شاه ملك هذا من أولاد بعض أمراء الأتراك ببلاد المشرق «٤» فناله فى بلده أمر أخرجه عنها. فخرج وسار «٥» إلى مصر فى مائة فارس. فأكرمه الأفضل أمير الجيوش ووصله وأعطاه إقطاعا ومالا.
ثم بلغه عنه أشياء أوجبت حبسه هو وأصحابه. وجرى بمصر أمر فخرج شاه ملك «٦» هو وأصحابه هاربين، واحتالوا فى خيل «٧» وعدة.
وتوجهوا إلى المغرب فوصلوا إلى طرابلس المغرب وأهل البلد
стр. 9258
كارهون لواليها. فأدخلوهم البلد وأخرجوا الوالى. فصار شاه ملك أمير البلد. فبلغ تميم الخبر فأرسل العساكر فحصروها وفتحوها وأخذوا شاه ملك ومن معه إلى المهدية. فسر بهم تميم وقال: «قد ولد لى مائة ولد أنتفع بهم» . وكانوا لا يخطىء لهم سهم.
فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميما عليهم. فعلم شاه ملك ذلك، وكان صاحب دهاء وخبث. فلما كان فى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، خرج يحيى بن تميم إلى الصيد ومعه شاه ملك ومن معه. وكان أبوه قد تقدم إليه ألا يقربه فلم يقبل منه. فلما أبعدوا فى طلب الصيد «١» ، غدر به شاه ملك، وقبض عليه، وسار به وبمن أخذ من أصحابه إلى حمو بن مليل صاحب مدينة سفاقس. فركب حمو وخرج للقاء يحيى بن تميم. وترجل وقبل يده ومشى فى ركابه وعظّمه واعترف له بالعبودية. وأقام عنده أياما ولم يذكره أبوه بكلمة واحدة.
وكان قد جعله ولى عهده، فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا آخر اسمه مثنى.
قال: ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند وأهل البلد فيملكوه عليهم، فكتب إلى تميم يسأله «٢» إنفاذ الأتراك وأولادهم إليه ليرسل إليه ابنه يحيى. ففعل ذلك بعد امتناع كثير. وقدم يحيى فحجبه أبوه عنه مدة. ثم رضى عنه وأعاده وجهزه إلى سفاقس بجيش فحصرها برا وبحرا مدة شهرين. فخرج الأتراك عنها إلى قابس.
стр. 9259
ذكر خلاف مثنى بن تميم على أبيه
قال: كان سبب ذلك أن تميم بن المعز لما رضى عن ابنه يحيى وأعاده إلى ولاية عهده، عظم ذلك على المثنى وداخله الحسد فلم يملك نفسه. فنقل إلى أبيه «١» عنه ما غير قلبه عليه. فأمر بإخراجه من المهدية بأهله وولده وعبيده. فركب فى البحر إلى سفاقس «٢» ، فلم يمكنه عاملها من الدخول إليها.
فقصد مدينة قابس، فلقيه الثائر بها مكن «٣» بن كامل الدهمانى فأنزله وأكرمه. فحسن له مثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية وأطمعه فيها، وضمن له الإنفاق على الجند من ماله. فجمع ما أمكنه جمعه. وسارا إلى سفاقس ومعهما شاه ملك التركى وأصحابه فنزلو «٤» على سفاقس وقاتلوا من بها فبلغ تميما الخبر فجرد إليها جندا من الرماة.
فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طمع لهم فيها تركوها. وقصدوا المهدية فنزلوا عليها وقاتلوا. فتولى قتالهم بها يحيى بن تميم وظهر من شدته وصبره وحزمه وحسن تدبيره ما استدل به على نجاح أمره وحسن عاقبته.
ولم يبلغ أولئك منها غرضا فعادوا وقد تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره.
стр. 9260
ذكر ملك تميم مدينة قابس
وفى سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ملك تميم مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرو «١» بن المعز. وكان أهلها ولّوه عليها بعد موت قاضى ابن إبراهيم بن بلمويه «٢» . فلم يحسن عمرو السياسة ولا نهض بشرط الولاية. وكان قاضى بن إبراهيم عاصيا على تميم، وتميم يعرض عنه. فسلك عمرو طريقته فى العصيان، فأخرج تميم العساكر إلى أخيه ليأخذ قابس «٣» منه. فقال له أصحابه: «يا مولانا، لما كان فيها قاضى توانيت عنه وتركته، فلما صار أمرها إلى أخيك جردت إليه العساكر!» فقال: «لما كان فيها عبد من عبيدنا كان زواله سهلا علينا. وأما الآن فابن المعز بالمهدية وابن المعز بقابس. هذا لا يمكن السكوت عليه» .
وفى فتحها يقول ابن خطيب سوسة «٤» قصيدته المشهورة التى أولها:
ضحك الزمان وكان يلفى عابسا ... لما فتحت بحد سيفك قابسا «٥»
стр. 9261
أنكحتها بكرا وما أمهرتها ... إلا قنا وصوارما وفوارسا «١»
الله يعلم ما جنيت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبل الفارسا «٢»
من كان بالسّمر العوالى خاطبا ... جليت له بيض الحصون عرائسا «٣»
فأبشر تميم بن المعز بفتكة ... تركتك فى أكناف قابس قابسا «٤»
ولّوا فكم تركوا هناك مصانعا ... ومقاصرا ومخالدا ومجالسا
فكأنها قلب وهنّ وساوس ... جاء اليقين فذاد عنه وساوسا
وفى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فتح تميم جزيرة جربة وجزيرة قرقنة «٥» ومدينة تونس. وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من الناس.
وفى سنة ثلاث وتسعين، فتح تميم مدينة سفاقس. وخرج
стр. 9262
منها حمو بن مليل هاربا فقصد مكن بن كامل الدّهمانى، فأحسن إليه وأقام عنده حتى مات. وكان حمو قد تغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده من كتاب المعز حسن الرأى والتدبير والسياسة، فاستقامت به دولته وعظم شأنه. فأرسل إليه تميم وبالغ فى استمالته ووعده بكل جميل فلم يقبل. فاشتد أمره على تميم فسير جيشا إلى حصار سفاقس. وأمر مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير، فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ فى صيانته، ففعل ذلك. فلما رأى حمو ذلك اتهمه وقتله. فانحل نظام دولته وتسلم عسكر تميم البلد.
وفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، مات المنصور بن الناصر بن علناس، وولى بعده ولده باديس. ثم مات بعد يسير فولى أخوه العزيز بالله.
ذكر وفاة تميم بن المعز
كانت وفاته فى شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة «١» ، وله من العمر تسع وسبعون سنة «٢» ، ومدة ولايته سبع وأربعون سنة وعشرة أشهر وعشرون يوما «٣» .
стр. 9263
وكان شهما شجاعا كريما حليما كثير العفو عن الجرائم العظيمة ذكيا حسن الشعر. فمن شعره ما قاله وقد وقع «١» حرب بين طائفتين من العرب، وهما عدى ورياح فقتل رجل من رياح ثم اصطلحوا وأهدروا دمه، وكان صلحهم مما يضر بتميم وبلاده، فقال أبياتا يحرض فيها على الطلب بدم المقتول، وهى:
متى كانت دماؤكم تطل ... أما فيكم بثأر مستقل
أغانم ثم سالم إن فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذل
ونمتم عن طلاب الثأر حتى ... كأن العز فيكم مضمحل
وما كسرتم فيه العوالى ... ولا بيض تفلّ ولا تسل
فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من بنى عدى. فقامت الحرب بينهم واشتد القتال، وكثرت القتلى بينهم حتى أخرجوا بنى عدى من إفريقية، وبلغ تميم فيهم ما يريد. وكان يوقع بالشعر الحروب بين العرب فبلغ «٢» بلسانه ما لم يبلغه»
بسنانه.
ومن أخباره فى رعيته وشفقته عليهم ما حكى أنه اشترى «٤» جارية بثمن كثير. فبلغه أن مولاها الذى باعها ذهب عقله وأسف
стр. 9264
على فراقها. فأحضره تميم إلى بين يديه وأرسل الجارية إلى داره ومعها من الكسوة والأوانى والفضة «١» والطيب شيئا كثيرا. ثم أمر مولاها بالانصراف وهو لا يعلم بذلك. فلما وصل إلى داره ورآها بمنزله سقط إلى الأرض وغشى عليه لكثرة ما ناله من السرور. ثم أفاق وأصبح من الغد فحمل الثمن وجميع ما كان معها إلى دار تميم. فغضب وانتهره وأمره بإعادة ذلك إلى داره. وهذه نهاية فى الجود، وغاية فى الكرم والشفقة والإحسان.
وكان له فى البلاد أصحاب أخبار يطالعونه بأخبار الناس لئلا يظلموا.
قال: وخلّف من البنين مائة «٢» ، ومن البنات ستين.
ولما مات ﵀ ولى بعده ابنه يحيى.
ذكر ولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور يوسف بن زيرى
كانت ولايته عند وفاة أبيه تميم فى يوم السبت النصف من شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة، ومولده بالمهدية فى يوم الجمعة لأربع بقين من ذى الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ولما ولى عم
стр. 9265
أهل دولته من الخواص والجند بالخلع السنية، ووهب الأجناد والعبيد أموالا كثيرة.
وفى هذه السنة «١» ، جرد عسكرا إلى قلعة اقليبية «٢» ، وهى من أحصن قلاع إفريقية. وقدّم عليهم الشريف «على الفهرى» . فنزل عليها وحاصرها حصارا شديدا ففتحها. وكان تميم قد رامها فلم يقدر على فتحها.
وفى سنة اثنتين وخمسمائة «٣» ، وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء. فكتبوا إلى يحيى يقولون إنهم يعملون الكيمياء. فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعملوا شيئا من صناعتهم. وأحضر لهم ما طلبوه من صناعتهم، وأحضر لهم ما طلبوه من آلة وغيرها. وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن «٤» . فلما رأى الكيميائية المكان خاليا ثاروا بيحيى. فضربه أحدهم على رأسه، فوقعت السكين فى عمامته فلم تصنع شيئا. ورفسه يحيى فألقاه على ظهره. ودخل يحيى بابا وأغلق على نفسه. وضرب الثانى الشريف فقتله. وأخذ إبراهيم القائد السيف فقاتل الكيميائية. ورفع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا أولئك. وكان زيهم زى أهل الأندلس، فقتل جماعة فى البلد على مثل زيهم.
وقيل ليحيى: «إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن
стр. 9266
الخليفة» . واتفق أن الأمير أبا الفتوح إبراهيم أخا يحيى وصل فى تلك الساعة إلى القصر، فى أصحابه وقد لبسوا السلاح. فمنع من الدخول. فثبت عند يحيى أن ذلك بوضع منهما. فأحضر المقدم بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا، لأنه كان قد قتل أباهم.
وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته إلى قصر زياد بين المهدية وسفاقس، ووكل بهما. فبقى هناك حتى مات يحيى وولى ابنه على. فسيّره إلى ديار مصر فى البحر.
وفى سنة أربع وخمسمائة، أنفذ ابنه أبا الفتوح واليا على مدينة سفاقس. فقام أهلها عليه فنهبوا قصره وهمّوا بقتله. فلم يزل يحيى يعمل الحيلة حتى فرق كلمتهم وبدد شملهم وملك رقابهم وملأ السجون منهم. ثم عفّ عن دمائهم وعفا عن ذنوبهم.
وفى أيام يحيى وصل إلى المهدية من طرابلس المهدى محمد بن تومرت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى «٢» .
ذكر وفاة يحيى بن تميم وشىء من أخباره
كانت وفاته فجأة يوم عيد الأضحى سنة تسع وخمسمائة. وكان منجمه قد قال له فى تسيير مولده «١» : «إن عليه قطعا فى هذا اليوم» .
ومنعه من الركوب فلم يركب وخرج أولاده وأهل بيته وأرباب دولته إلى المصلى. فلما انقضت الصلاة حضروا للسلام عليه وتهنئته.
стр. 9267
وقرأ القراء «١» وأنشد الشعراء وانصرفوا إلى الطعام. فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام «٢» . فلم يمش غير ثلاث خطوات ووقع ميتا ﵀.
وكان عادلا فى رعيته، ضابطا لأمور دولته، مدبرا لجميع أحواله، رحيما بالضعفاء والفقراء كثير الصدقة، يقرب أهل العلم والفضل.
وكان عالما بالأخبار وأيام الناس والطب. وكان حسن الوجه، أشهل العينين، مائلا «٣» فى قدّه إلى الطول.
ومات وله من العمر اثنتان وخمسون سنة إلا سبعة عشر يوما «٤» .
ومدة ولايته ثمانى سنين وخمسة أشهر إلا خمسة أيام «٥» .
وخلّف من الأولاد الذكور ثلاثين ولدا.
وقال عبد الجبار محمد بن حمديس الصقلى يرثيه ويهنىء ابنه عليا بالملك «٦» :
ما أغمد الغضب حتى جرّد الذّكر ... ولا اختفى قمر حتى بدا قمر
стр. 9268
بموت يحيى أميت الناس كلهم ... حتى إذا ما علىّ جاءهم نشروا «١»
إن يبعثوا بسرور من تملّكه ... فمن منيّة يحيى بالأسى قبروا «٢»
أوفى علىّ فسنّ الملك ضاحكة ... وعينه من أبيه دمعها همر «٣»
شقّت جيوب المعالى بالأسى فبكت ... فى كل أفق عليه الأنجم الزّهر «٤»
وقلّ لابن تميم حزن مأتمها ... فكل حزن عظيم فيه محتقر
قام الدليل ويحيى لا حياة له ... أن المنية لا تبقى ولا تذر
ذكر ولاية على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وكان إذ ذاك بمدينة سفاقس، فاجتمع رجال الدولة منهم عبد العزيز بن عمار والقائد زكو «٥» وغيرهما.
стр. 9269
ووقع الاتفاق على أن يكتب كتاب على لسان يحيى لولده يؤمر فيه بالوصول إليه مسرعا. فكتب وسيّر إليه فوصل إليه ليلا. فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب «١» . وجد السير فوصل إلى المهدية الظهر من يوم الخميس الثانى «٢» من يوم العيد، وهو الحادى عشر من ذى الحجة سنة تسع وخمسمائة. ودخل القصر. وبدأ بتجهيز أبيه ومواراته فى قبره ثم جلس للعزاء والهناء.
ولما استقامت له الأمور، جهز أسطولا إلى جربة، وكان أهلها يقطعون على الناس فى البحر. وجعل قائد الأسطول القائد إبراهيم قائد جيشه، وأصحبه جماعة من رجال الدولة. فمضوا إليها وحاصروها وضيقوا على أهلها، حتى أذعنوا للطاعة ونزلوا على الحكم والتزموا الكف عن الفساد. فأمن من يسافر فى البحر.
وفى سنة عشر وخمسمائة، جهز جيشا إلى مدينة تونس، وبها أحمد بن خراسان. فحاصرها وضيق على من بها. فصالح ابن خراسان السلطان على ما أراد.
وفتح أيضا فى هذه السنة جبل وسلات واستولى عليه. وهو جبل منيع لم يزل أهله طول الدهر يقطعون الطريق ويقتلون الناس. فملكه وقتل من فيه.
وفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة، حاصر الأمير على مدينة قابس فى البحر. وسبب ذلك أن رافع بن مكن الدهمانى أنشأ مركبا
стр. 9270
بساحلها، وقصد إجراءه فى البحر فى آخر أيام يحيى فلم ينكر ذلك وأعانه بالخشب والحديد. وتوفى يحيى قبل إكماله. فلما ولى على أنف من ذلك. فعمر ست حربيات وأربع شوان. فاستعان رافع برجار صاحب صقلية، فأنفذ رجار لإعانته أصطولا «١» جملته أربعة وعشرون شينيا، لتأخذ المركب معها وتشيعه إلى صقلية لئلا تقطع عليه مراكب على. فلما اجتاز أصطول رجار بالمهدية، أخرج على الحربيات والشوانى تتبعه إلى قابس، فتوافوا «٢» بها. فرجع أسطول رجار إلى صقلية وبقى أصطول على يحاصر قابس. فضيق على من بها وأثر فى مأجلها وأفسد ثم رجع إلى المهدية. وتمادى رافع فى إظهار المخالفة والتمسك بصاحب صقلية.
ذكر حصار رافع المهدية وانهزامه
قال: ثم أقبل رافع بن مكن الدهمانى على جميع قبائل العرب وحالفهم. وسار بهم لحصار المهدية ونازلها. فأمر على العسكر بالخروج وقتاله. فخرجوا عشية النهار فحملوا على رافع ومن معه حتى أزالوهم عن مواقفهم. ووصل الجند إلى أخبية العرب. فصاح الحريم: «هكذا نسبى، هكذا نستباح» . فعادت العرب ونشبت الحرب واشتد القتال إلى المغرب. ثم افترقوا، وقد قتل من عسكر رافع خلق كثير، ولم يقتل من أصحاب «٣» على إلا رجل واحد. ثم
стр. 9271
خرج إليهم الجند مرة ثانية واقتتلوا. فكان الظهور «١» لأصحاب على.
وهرب رافع بالليل إلى القيروان فدخلها بعد قتال. فأرسل على ابن يحيى إليه عسكرا فحاصروه بالقيروان. ووقع بينهم قتال شديد قتل فيه أحمد بن إبراهيم صاحب الجيش بسهم أصابه. وكان الغلب مع ذلك لأصحاب على. ورجع رافع إلى قابس.
وتوسط ميمون بن زياد «٢» لرافع فى الصلح مع على. فأجاب إلى ذلك بعد امتناع «٣» . وتم الصلح بينهما وانتظم وزالت الوحشة.
ثم وصل رسول رجار صاحب صقلية بمكاتبة يلتمس فيها تأكيد العهود وتجديد العقود. فأجاب إلى ذلك. ثم وقعت الوحشة بينهما.
فأمر «٤» على بتجديد الأصطول فعمر عشرة مراكب حربية، وثلاثين غرابا، وشحنها بالرجال والعدد والنفط. وجميع ما تحتاج إليه.
وكان دأبه الحزم والصرامة والشهادة والعزم إلى أن توفى.
وكانت وفاته فى يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الاخر سنة خمس عشرة وخمسمائة. وكان مولده بالمهدية صبيحة يوم الأحد للنصف من صفر سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكانت مدة ولايته خمس سنين وأربعة أشهر وثلاثة «٥» عشر يوما. وخلف من الأولاد
стр. 9272
أربعة، وهم الحسن وباديس وأحمد «١» وعزيز.
ولما مات ولى بعده بعهده ولده الحسن.
ذكر ولاية الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بعهد من أبيه. فاستقل بعد وفاة أبيه، وله من العمر إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وشهورا. فدبر دولته صندل الخصى وحفظ الملك. فلم تطل أيام صندل حتى مات. ووقع الاختلاف بين أكابر الدولة والقواد، وكل منهم يطلب التقدم على الجميع، ويبدى أنه صاحب الحل والعقد. فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى القائد أبى عزيز موفق، وهو من قواد أبيه، فصلحت الأمور.
ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة
وفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة «٢» ، استولت الفرنج على جربة «٣» من بلاد إفريقية. وكان أهلها لا يدخلون تحت طاعة سلطان.
فخرج إليها جيش من صقلية وأداروا المراكب بجهاتها. فقاتل أهلها قتالا شديدا فقتل منهم خلق كثير وانهزموا. وملكها الفرنج، وغنموا الأموال، وسبوا النساء والأطفال. وهلك أكثر رجالها، وعاد من
стр. 9273
بقى منهم فأخذوا لأنفسهم أمانا من صاحب صقلية وافتكوا أسراهم «١» وسبيهم.
ذكر ملك الفرنج مدينة طرابلس
وفى أيامه ملك الفرنج مدينة طرابلس الغرب، وذلك فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسبب ذلك أن رجار صاحب صقلية جهز أصطولا كثيرا «٢» وسيره إليها. فأحاطوا بها برا وبحرا فى ثالث المحرم من السنة. فقاتلهم أهلها ودامت الحرب بينهم ثلاثة أيام. فلما كان فى اليوم الثالث سمع الفرنج صيحة عظيمة فى البلد وخلت الأسوار من المقاتلة. وكان سبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام يسيرة قد اختلفوا. وأخرجت بنو مطروح طائفة. وقدموا على أنفسهم رجلا من الملثمين «٣» كان قد قدم يريد الحج ومعه جماعة، فولوه أمرهم. فلما نازلهم الفرنج، أغارت تلك الطائفة على بنى مطروح. فوقعت الحرب بين الطائفتين وخلت الأسوار «٤» . فانتهز الفرنج الفرصة، ونصبوا السلالم، وصعدوا على السور، وملكوا المدينة. فسفكوا دماء أهلها، وسبوا نساءهم ونهبوا أموالهم «٥» . وهرب من قدر على الهرب والتجئوا
стр. 9274
إلى البربر والعرب. ثم نودى بالأمان «١» للناس كافة. فرجع كل من فر منها. وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها. وعند رجوعهم أخذوا رهائن أهلها والملثم وبنى مطروح ثم أعادوا رهائنهم واستقام أمر المدينة وعمرت سريعا.
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة المهدية وسفاقس وسوسة
كان استيلاء «٢» الفرنج على ذلك فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وذلك أن الغلاء تتابع «٣» فى جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة، وكان أشده فى سنة اثنتين وأربعين، فإن الناس فارقوا البلاد، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، وأكل الناس بعضهم بعضا، وكثر الفناء «٤» . فاغتنم رجار ملك صقلية هذه الفرصة، وعمر أصطولا نحو مائة وخمسين «٥» شينيا، وشحنها بالرجال والعدد. وساروا إلى جزيرة قوصرة- وهى بين المهدية وصقلية- فصادفوا بها مركبا وصل من المهدية. فأخذ أهله وأحضروا بين يدى جرجى مقدم الأصطول، فسألهم عن حال إفريقية. ووجد فى المركب قفص حمام. فأمر الرجل الذى كان
стр. 9275
الحمام صحبته أن يكتب بخطه: «إننا لما وصلنا إلى قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية. فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى القسطنطينية» . وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية فسر الأمير والناس، وأراد جرجى بذلك أن يصل بغتة.
ثم سار الأصطول من قوصرة فوصل إلى المهدية فى ثانى صفر «١» فأرسل مقدم الأسطول إلى الحسن يقول: «إنا لم نأت إلا طلبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها «٢» . (وكان قد أخرج منها وبينه وبين الفرنج مودة ومصالحة) . وأما أنت فبيننا وبينك عهود ومواثيق إلى مدة، ونريد منك عهودا ومواثيق إلى مدة.
ونريد منك عسكرا يكون معنا» .
فجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم. فقالوا:
«نقاتل عدونا فإن بلدنا حصين «٣» » . فقال: «نخشى أن ينزلوا إلى البر، ويحصرونا برا وبحرا، وتنقطع الميرة عنا وليس عندنا ما يقوم بنا شهرا واحدا. وأنا أرى سلامة المسلمين من القتل والأسر خيرا من الملك. وقد طلب منى عسكرا إلى قابس، فإن فعلت فما يحل إعانة الكفار على المسلمين، وإن امتنعت يقول:
انتقض ما بيننا من الصلح. وليس لنا بقتاله طاقة. والرأى عندى أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد. فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا» . وأمر فى الحال بالرحيل وأخذ معه ما خف حمله
стр. 9276
وخرج، وتبعه الناس على وجوهم بأهلهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم. ومن الناس من اختفى عند النصارى وفى الكنائس هذا والأسطول فى البحر يمنعه الريح من الوصول إلى المدينة.
فما مضى ثلثا «١» النهار حتى لم يبق بالبلد ممن عزم على الخروج أحد.
ودخل الفرنج البلد بغير مانع ولا مدافع. ودخل جرجى القصر فوجده على حاله لم يأخذ منه الحسن شيئا إلا ما خف من ذخائر الملوك. ووجد فيه عدة من حظاياه. ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة، ومن كل شىء غريب فختم عليه. وجمع سرارى الحسن فى قصر. ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ثم نودى بالأمان. فخرج من كان مستخفيا. وأصبح جرجى من الغد، فأرسل إلى من قرب من العرب فدخلوا البلد. فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة. وأرسل أمانا إلى من خرج من المهدية، ودواب يحملون عليها الأطفال فرجعوا.
قال: ولما استقر جرجى بالمهدية «٢» سير أسطولا بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس، وأسطولا إلى مدينة سوسة. فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر المهدية- وكان على بن الحسن واليا عليها- فخرج إلى أبيه، وخرج الناس لخروجه «٣» . فدخلها الفرنج بغير قتال فى ثانى عشر صفر منها. أما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من
стр. 9277
العرب فامتنعوا بهم. فقاتلهم الفرنج فخرج إليهم أهل البلد.
فأظهر الفرنج الهزيمة وتبعهم المسلمون حتى أبعدوا عن البلد. ثم عطفوا عليهم فانهزم قوم إلى البلد، وقوم إلى البرية. وقتل منهم «١» جماعة. ودخل الفرنج البلد بعد قتال شديد وقتلى كثيرة. وأسر من بقى من الرجال وسبى الحريم. وذلك فى الثالث عشر «٢» من صفر منها. ثم نودى بالأمان فعاد أهلها إليها. ووصلت كتب من رجار صاحب صقلية بالأمان إلى جميع أهل إفريقية، والمواعيد الحسنة. وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس، ومن المغرب إلى دون القيروان.
ذكر انقراض دولة بنى زيرى من افريقية وما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية
كان انقراض دولتهم من إفريقية بخروج الحسن بن على بن يحيى بن تميم من المهدية، وكان خروجه منها على ما قدمناه فى ثانى صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ومدة ملكه سبعا وعشرين سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام.
وعدة من ولى «٣» منهم تسعة ملوك، وهم زيرى بن مناد، ثم ابنه يوسف بلكّين، ثم ابنه المنصور بن يوسف، ثم ابنه باديس
стр. 9278
ابن المنصور، ثم ابنه المعز بن باديس، ثم ابنه تميم بن المعز، ثم ابنه يحيى بن تميم، ثم ابنه على بن يحيى، ثم ابنه الحسن ابن على هذا، وعليه انقرضت الدولة.
ومدة قيامهم منذ عمّر زيرى بن مناد مدينة آشير فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وإلى هذا الوقت مائتى سنة وتسع عشرة سنة، ومنذ تسلم يوسف بلكين بلاد المغرب من المعز لدين الله أبى تميم معد- عند رحيله إلى الديار المصرية على ما قدمناه- مائة سنة، وإحدى وثمانين سنة وشهرا واحدا وتسعة أيام «١» .
ولم يبق منهم ببلاد المغرب غير بنى حماد، وسنذكر انقراض دولتهم فى أخبار عبد المؤمن إن شاء الله تعالى «٢» .
ذكر ما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية
قال: لما خرج من المهدية سار بأهله وأولاده، وكانوا اثنى عشر ذكرا «٣» غير الإناث. وقصد محرز بن زياد وهو بالمعلّقة «٤» فوصل إليه فلقيه لقاء جميلا وتوجع لما حل به. وأقام عنده شهورا والحسن كاره للمقام. وأراد المسير إلى ديار مصر إلى الحافظ العبيدى، واشترى مركبا ليسافر فيه. فاتصل ذلك بجرجى الفرنجى
стр. 9279
المتغلب على ملكه، فجهز شوانى لأخذه «١» . فرجع الحسن عن ذلك.
وقصد المسير إلى عبد المؤمن ببلاد المغرب يستنصر به على الفرنج. فأرسل ثلاثة من أولاده، وهم يحيى وعلى وتميم، إلى يحيى بن العزيز بالله، وهو من بنى حماد، وهما ابنا عم يرجعون كلهم فى النسب إلى زيرى بن مناد، وكان يحيى هذا قد ولى بعد أبيه. واستأذنه فى الوصول إليه، وتجديد العهد به، والمسير من عنده إلى عبد المومن. فأذن له يحيى فى ذلك فسار الحسن إليه.
فلما وصل إلى بلاده لم يجتمع به وسيره إلى جزيرة بنى مزغنان «٢» هو وأولاده ووكل بهم من يمنعهم من التصرف. فبقوا هناك إلى أن ملك عبد المؤمن مدينة بجاية فى سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
ثم صار من أصحاب عبد المؤمن وشهد معه فتح المهدية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار عبد المومن «٣» .
стр. 9280
ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم
كان ابتداء أمرهم- على ما حكاه عز الدين أبو محمد عبد العزيز ابن شداد بن الأمير تميم بن المعز بن باديس فى تاريخه المترجم «بالجمع والبيان فى أخبار المغرب والقيروان» بسند يرفعه إلى القاضى أبى الحسن على بن فنون قاضى مراكش: أن رجلا من قبيلة جدّالة من كبرائهم اسمه الجوهر أتى «١» من الصحراء إلى بلاد المغرب طالبا للحج، وذلك فى عشر الخمسين وأربعمائة «٢» . وكان مؤثرا للدين، محبا فى الخير، مكرما للصالحين. فمر بفقيه يقرأ عليه مذهب الإمام مالك بن أنس وحوله جماعة. قال: والغالب أنه أبو عمران قاضى القيروان «٣» . فآوى إليه وأصغى إلى ما يذكر فى مجلسه من علم الشريعة.
فأحب سماعه وأناب إليه قلبه. ثم استمر فى وجهته إلى الحج وقد أثر ذلك فى نفسه.
فلما حج وانصرف قصد المسجد الذى كان فيه الفقيه، وسمع الكلام فيما تقتضيه ملة الإسلام من الفرائض والسنن والأحكام.
فقال الجوهر: «يا فقيه، ما عندنا فى الصحراء من هذا الذى
следующие страницы →