← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

وخرج، وتبعه الناس على وجوهم بأهلهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم. ومن الناس من اختفى عند النصارى وفى الكنائس هذا والأسطول فى البحر يمنعه الريح من الوصول إلى المدينة. فما مضى ثلثا «١» النهار حتى لم يبق بالبلد ممن عزم على الخروج أحد. ودخل الفرنج البلد بغير مانع ولا مدافع. ودخل جرجى القصر فوجده على حاله لم يأخذ منه الحسن شيئا إلا ما خف من ذخائر الملوك. ووجد فيه عدة من حظاياه. ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة، ومن كل شىء غريب فختم عليه. وجمع سرارى الحسن فى قصر. ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ثم نودى بالأمان. فخرج من كان مستخفيا. وأصبح جرجى من الغد، فأرسل إلى من قرب من العرب فدخلوا البلد. فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة. وأرسل أمانا إلى من خرج من المهدية، ودواب يحملون عليها الأطفال فرجعوا. قال: ولما استقر جرجى بالمهدية «٢» سير أسطولا بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس، وأسطولا إلى مدينة سوسة. فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر المهدية- وكان على بن الحسن واليا عليها- فخرج إلى أبيه، وخرج الناس لخروجه «٣» . فدخلها الفرنج بغير قتال فى ثانى عشر صفر منها. أما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من

стр. 9277

العرب فامتنعوا بهم. فقاتلهم الفرنج فخرج إليهم أهل البلد. فأظهر الفرنج الهزيمة وتبعهم المسلمون حتى أبعدوا عن البلد. ثم عطفوا عليهم فانهزم قوم إلى البلد، وقوم إلى البرية. وقتل منهم «١» جماعة. ودخل الفرنج البلد بعد قتال شديد وقتلى كثيرة. وأسر من بقى من الرجال وسبى الحريم. وذلك فى الثالث عشر «٢» من صفر منها. ثم نودى بالأمان فعاد أهلها إليها. ووصلت كتب من رجار صاحب صقلية بالأمان إلى جميع أهل إفريقية، والمواعيد الحسنة. وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس، ومن المغرب إلى دون القيروان. ذكر انقراض دولة بنى زيرى من افريقية وما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية كان انقراض دولتهم من إفريقية بخروج الحسن بن على بن يحيى بن تميم من المهدية، وكان خروجه منها على ما قدمناه فى ثانى صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ومدة ملكه سبعا وعشرين سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام. وعدة من ولى «٣» منهم تسعة ملوك، وهم زيرى بن مناد، ثم ابنه يوسف بلكّين، ثم ابنه المنصور بن يوسف، ثم ابنه باديس

стр. 9278

ابن المنصور، ثم ابنه المعز بن باديس، ثم ابنه تميم بن المعز، ثم ابنه يحيى بن تميم، ثم ابنه على بن يحيى، ثم ابنه الحسن ابن على هذا، وعليه انقرضت الدولة. ومدة قيامهم منذ عمّر زيرى بن مناد مدينة آشير فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وإلى هذا الوقت مائتى سنة وتسع عشرة سنة، ومنذ تسلم يوسف بلكين بلاد المغرب من المعز لدين الله أبى تميم معد- عند رحيله إلى الديار المصرية على ما قدمناه- مائة سنة، وإحدى وثمانين سنة وشهرا واحدا وتسعة أيام «١» . ولم يبق منهم ببلاد المغرب غير بنى حماد، وسنذكر انقراض دولتهم فى أخبار عبد المؤمن إن شاء الله تعالى «٢» . ذكر ما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية قال: لما خرج من المهدية سار بأهله وأولاده، وكانوا اثنى عشر ذكرا «٣» غير الإناث. وقصد محرز بن زياد وهو بالمعلّقة «٤» فوصل إليه فلقيه لقاء جميلا وتوجع لما حل به. وأقام عنده شهورا والحسن كاره للمقام. وأراد المسير إلى ديار مصر إلى الحافظ العبيدى، واشترى مركبا ليسافر فيه. فاتصل ذلك بجرجى الفرنجى

стр. 9279

المتغلب على ملكه، فجهز شوانى لأخذه «١» . فرجع الحسن عن ذلك. وقصد المسير إلى عبد المؤمن ببلاد المغرب يستنصر به على الفرنج. فأرسل ثلاثة من أولاده، وهم يحيى وعلى وتميم، إلى يحيى بن العزيز بالله، وهو من بنى حماد، وهما ابنا عم يرجعون كلهم فى النسب إلى زيرى بن مناد، وكان يحيى هذا قد ولى بعد أبيه. واستأذنه فى الوصول إليه، وتجديد العهد به، والمسير من عنده إلى عبد المومن. فأذن له يحيى فى ذلك فسار الحسن إليه. فلما وصل إلى بلاده لم يجتمع به وسيره إلى جزيرة بنى مزغنان «٢» هو وأولاده ووكل بهم من يمنعهم من التصرف. فبقوا هناك إلى أن ملك عبد المؤمن مدينة بجاية فى سنة سبع وأربعين وخمسمائة. ثم صار من أصحاب عبد المؤمن وشهد معه فتح المهدية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار عبد المومن «٣» .

стр. 9280

ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم كان ابتداء أمرهم- على ما حكاه عز الدين أبو محمد عبد العزيز ابن شداد بن الأمير تميم بن المعز بن باديس فى تاريخه المترجم «بالجمع والبيان فى أخبار المغرب والقيروان» بسند يرفعه إلى القاضى أبى الحسن على بن فنون قاضى مراكش: أن رجلا من قبيلة جدّالة من كبرائهم اسمه الجوهر أتى «١» من الصحراء إلى بلاد المغرب طالبا للحج، وذلك فى عشر الخمسين وأربعمائة «٢» . وكان مؤثرا للدين، محبا فى الخير، مكرما للصالحين. فمر بفقيه يقرأ عليه مذهب الإمام مالك بن أنس وحوله جماعة. قال: والغالب أنه أبو عمران قاضى القيروان «٣» . فآوى إليه وأصغى إلى ما يذكر فى مجلسه من علم الشريعة. فأحب سماعه وأناب إليه قلبه. ثم استمر فى وجهته إلى الحج وقد أثر ذلك فى نفسه. فلما حج وانصرف قصد المسجد الذى كان فيه الفقيه، وسمع الكلام فيما تقتضيه ملة الإسلام من الفرائض والسنن والأحكام. فقال الجوهر: «يا فقيه، ما عندنا فى الصحراء من هذا الذى

стр. 9281

تذكرونه شى إلا الشهادتين» فى العامة، والصلاة فى بعض الخاصة» . فقال الفقيه: «فاحمل معك «٢» من يعلمهم عقائد ملتهم وكمال دينهم» . فقال له الجوهر: «فابعث معى أحد الفقهاء، وعلىّ حفظه وبره وإكرامه» . وكان للفقيه ابن أخ اسمه عمر، فقال له: «اذهب مع هذا السيد إلى الصحراء فعلّم القبائل بها ما يجب عليهم من دين الإسلام، ولك الثواب الجزيل من الله ، والذكر الجميل من الناس» فأجابه إلى ذلك. فلما أصبح عمر من الغد جاء إلى عمه فقال له: «أعفنى من الدخول إلى الصحراء فإن أهلها جاهلية «٣» ، قد ألفوا سيرا نشئوا عليها فمتى نقلوا عنها قتلوا من أمرهم بخلافها» . وكان من طلبة الفقية رجل يقال له عبد الله بن ياسين الكزولى فرأى الفقيه وقد عزّ عليه مخالفة ابن أخيه، فقال: «يا فقيه، أرسلنى معه والله المعين» . فأرسله معه «٤» . وتوجها إلى الصحراء. وكان عبد الله بن ياسين فقيها عالما ورعا دينا شهما قوى النفس حازما ذا رأى وصبر وتدبير حسن. فدخل «٥» الجوهر وعبد الله بن ياسين إلى الصحراء. فانتهوا إلى قبيلة لمتونة، وهى على ربوة عالية. فلما رأوها نزل الجوهر عن جمله، وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيما لدين الاسلام. فأقبلت أعيان لمتونة وأكابرهم للقاء الجوهر والسلام عليه. فرأوه يقود الجمل فسألوه عنه فقال: «هو حامل سنة

стр. 9282

رسول الله ﷺ ، قد جاء «١» يعلم أهل الصحراء ما يلزمهم فى دين الإسلام» . فرحبوا به وأنزلوه أكرم نزل. ثم اجتمعت طائفة كبيرة من تلك القبيلة فى محفل وفيهم أبو بكر ابن عمر. فقالوا: «تذكر لنا ما أشرت إليه أنه يلزمنا؟» فقص عليهم عبد الله عقائد الإسلام وقواعده وبيّن لهم حتى فهم ذلك أكثرهم. ثم اقتضاهم الجواب، فقالوا: «أما ما ذكرته من الصلاة والزكاة فذلك قريب. وأما قولك: من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فأمر لا نلتزمه «٢» ولا ندخل تحته. اذهب إلى غيرنا» . فرحلا عنهم والجوهر الجدالى يجر زمام جمل عبد الله بن ياسين فنظر إليه شيخ كبير منهم فقال: «أرأيتم هذا الجمل؟ لا بد أن يكون له فى هذه الصحراء شأن يذكر «٣» فى العالم» . قال: وكان بالصحراء قبائل العرب، وهى لمتونة وجدالة ولمطة وانبيصر «٤» وايتوارى «٥» ومسوفة «٦» وأفخاذ عدة، وكل قبيلة قد حازت أرضا تسرح فيها مواشيهم، ويحمونها بسيوفهم. وهذه القبائل ينسبون إلى حمير، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن فى الجيش الذى أنفذه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى

стр. 9283

الشام. وانتقلوا إلى مصر ثم توجهوا إلى المغرب مع موسى بن نصير «١» . وتوجهوا مع طارق إلى طنجة ثم اختاروا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها وأقاموا بها. قال: وسار الجوهر حتى انتهى بعبد الله إلى قبيلة جدالة. فخاطبهم عبد الله هم والقبائل المتصلة بهم. فمنهم من سمع وأطاع ومنهم من أعرض وعصى. ثم إن المخالفين لهم تحزبوا وانحازوا. فقال عبد الله للذين قبلوا منه الإسلام: «قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق وأنكروا دين الإسلام. فاستعدوا لقتالهم، واجعلوا لكم حزبا، وأقيموا لكم راية، وقدموا لكم أميرا» . فقال له الجوهر: «أنت الأمير» . فقال «٢» عبد الله: «لا يمكننى هذا: إنما أنا حامل أمانة الشرع، أقص عليكم نصوصه وأبين لكم طريقه، وأعرّفكم سلوكه. ولكن أنت الأمير» . فقال الجوهر: «لو فعلت هذا لتسلطت قبيلتى على الناس ولعاثوا فى الصحراء، ويكون وزر ذلك علىّ. لا رأى لى فى هذا» . فقال عبد الله: «فهذا أبو بكر بن عمر «٣» رأس لمتونة وكبيرها، وهو رجل جليل القدر، مشكور الحال، محمود السيرة، مطاع فى قومه، نسير إليه ونعرض تقدمة الإمرة عليه، فلحب الرياسة يستجيب إلى ذلك بنفسه، ولمكان الجاه ستجتمع إليه طائفة من قبيلته نقوى بها على عدونا. والله المستعان» .

стр. 9284

ذكر ولاية أبى بكر بن عمر اللمتونى قال: فأتوا أبا بكر بن عمر فأجاب، وعقدوا له راية وبايعوه بيعة الإسلام، وتبعه زمرة من قومه. وسماه عبد الله بن ياسين أمير المسلمين. ورجعوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من أمكن من الطوائف الذين حسن إسلامهم، ومن الأقوام الذين تألفت قلوبهم. وحرضهم عبد الله على الجهاد فى سبيل الله، وسماهم المرابطين. وتألبت عليهم أحزاب من الصحراء معاندين من أهل الشر والفساد، وجيشوا لمحاربتهم. فلم يناجزهم الحرب ولا بادرهم «١» بلقاء بل تلطف عبد الله وأبو بكر فى أمرهم، واستمالوهم، واستعانوا على أولئك الأشرار المفسدين بالمصلحين من قبائلهم يسبونهم «٢» قوما بعد قوم بضروب من التوصل حتى حصلوا منهم تحت زرب عظيم وثيق ما ينيف على ألفى رجل من المفسدين وتركوهم فيه أياما بغير طعام وهم يحفظون الزرب من سائر جهاته، وقد خندقوا حوله. ثم أخرجوهم قوما بعد قوم وقتلوهم عن آخرهم. فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء وهابهم كل من فيها «٣» ، وقويت شوكة المرابطين. هذا وعبد الله بن ياسين يعلم الشريعة ويقرئ الكتاب والسنة، حتى صار حوله فقهاء. وكل من انقاد

стр. 9285

إلى الحق على طريق الورع «١» والتقى والخشية لله والمراقبة، فرتّب له أوقاتا للمواعظ. والتذكير وإيراد الوعد والوعيد. فاستقام منهم خلق كثير، وخلصت عقائدهم وزكت نفوسهم، وصفت قلوبهم. ذكر مقتل الجوهر الجدالى قال: كان الجوهر أصح القوم عقيدة، وأخلصهم لله دينا، وأكثرهم صوما وتهجدا. فلما استبد أبو بكر بالأمر دونه، وعبد الله ينفّذ الأمور بالسنة، فصارت الدولة لهما. وبقى الجوهر لا حكم له فداخله الحسد، وأزلّه الشيطان، فشرع فى إفساد الأمر سرا. فعلم بذلك منه وعقد له مجلس. فثبت عليه ما ذكر عنه، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة، وشق العصا، وهمّ بمحاربة أهل الحق. فقال الجوهر: «وأنا أيضا أحب لقاء الله حتى أرى ما عنده» . فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم طائعا. فضربت عنقه رحمه الله تعالى. قال: وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا المعاندين لهم من قبائل الصحراء بالقتل والنهب والسبى إلا من أسلم منهم وسالم. وبلغت الأخبار الفقيه بما جرى فى الصحراء على يد ابن ياسين من سفك الدماء ونهب الأموال وسبى الحريم. فعظم ذلك عليه واشمأز منه وندم على إرساله، وكتب له فى ذلك. فأجابه عبد الله بن

стр. 9286

ياسين: «أما إنكارك على ما فعلت وندامتك على إرسالى، فإنك أرسلتنى إلى أمة كانت جاهلية، يخرج أحدهم ابنه وابنته «١» لرعى السوام فيعزبان «٢» فى المرعى. فتأتى المرأة حاملا من أخيها ولا ينكرون ذلك. وليس دأبهم إلا إغارة بعضهم على بعض وقتل بعضهم لبعض. ولادية لهم «٣» فى الدماء، ولا حرمة عندهم للحريم، ولا توقى بينهم فى الأموال، فأخبرتهم بالمفروض عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم. فمن قبل واليته، ومن تولى أرديته، وما «٤» تجاوزت حكم الله ولا تعديته. والسلام» . ذكر خروج الملثمين الى السوس أولا وثانيا ومقتل عبد الله بن ياسين قال: وفى سنة خمسين وأربعمائة، قحطت بلاد الملثمين وماتت مواشيهم ولقوا شدة عظيمة. فأمر عبد الله ضعفاءهم بالخروج إلى السوس الأقصى وأخذ الزكاة. فخرجوا وقالوا: «نحن مرابطون خرجنا إليكم من الصحراء نطلب حق الله من أموالكم» . فجمعوا لهم شيئا له بال. فرجعوا به إلى الصحراء. ثم ضاقت الصحراء بالمرابطين لشظفها وكثرتهم. فطلبوا إظهار كلمة الحق، فخرجوا إلى السوس الأقصى. فتسامع بهم أهل بلاد

стр. 9287

السوس، فاجتمعوا وجيشوا، وخرجوا لقتالهم. وصدقوهم القتال، فكسروهم. وقتل ابن ياسين، وانهزم جيش المرابطين. فجمع أبو بكر جيشا وخرج إلى بلاد السوس ثانية فى ألفى راكب. فاجتمع عليه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنى عشر ألف فارس. فأرسل إليهم رسلا وقال لهم: «افتحوا لنا الطريق، فما قصدنا إلا غزو المشركين» . فأبوا ذلك واستعدوا للقتال. فنزل أبو بكر وصلى الظهر على درقته ثم قال: «اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كنا على الباطل فأرحنا بالموت مما نحن فيه» . ثم ركب ولقيهم فانهزموا. وقتل فيهم قتلا ذريعا، واستباح أسلابهم وأموالهم وعددهم. فقويت نفسه ونفوس أصحابه. ذكر استيلائه «١» على مدينة سجلماسة قال: ثم سار أبو بكر فى أطراف البلاد إلى مدينة سجلماسة. فنزل عليها وطلب أصحابه من أهلها الزكاة. فقالوا لهم: «إنكم لما أتيتمونا فى عدد قليل وسعكم فضلنا. والآن فضعفاؤنا فيهم كثرة، وقد آثرناكم سنين. وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل. وإنما أنتم قوم محتالون ولو أعطيناكم أموالنا بأسرها ما عمتكم» . وخرج إليهم صاحبها فى عسكر كبير «٢» فحاربوه. وطالت الحرب بينهم.

стр. 9288

ثم ساروا إلى قول «١» ، وهو جبل قريب من الصحراء. فاجتمع إليهم من كزولة خلق كثير. ورجعوا إلى سجلماسة، واستولوا عليها بعد حروب. وقتل مسعود بن ورو «٢» . واستخلف أبو بكر عليها يوسف بن تاشفين اللمتونى من بنى عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء. وكان فتحها فى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة «٣» . قال: ولما ولى يوسف بن تاشفين أحسن إلى الرعية واقتصر منهم على الزكاة. قال: وأقام أبو بكر بالصحراء مدة ثم عاد إلى سجلماسة فأقام بها سنة، والخطبة والدعاء والأمر والنهى «٤» له. ثم استخلف على سجلماسة ابن أخيه أبا بكر «٥» بن إبراهيم بن عمر. وجهز يوسف بن تاشفين وجيشا من المرابطين إلى السوس ففتح له وعلى يديه. وتوفى أبو بكر فى سنة اثنتين وستين وأربعمائة بالصحراء «٦» .

стр. 9289

ذكر ولاية يوسف بن تاشفين قال: ولما توفى أمير المسلمين أبو بكر بن عمر، اجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين، وولوه أمرهم، وسموه أمير المسلمين. وكانت الدولة حينئذ فى بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا فى أيام الفتن. وهى دولة رديئة مختلة سيئة السيرة مذمومة الطريقة. وكان يوسف ومن معه على نهج السنة واتباع أئمة الشريعة فاستغات به أهل بلاد المغرب، فافتتحها شرقا وغربا بأيسر سعى. وأحبته الرعية وصلحت أحوالهم. ذكر بناء مدينة مراكش قال: ثم قصد أمير المسلمين موضع مدينة مراكش «١» ، وهو قاع صفصف لا عمارة فيه، وهو سقع «٢» متوسط فى مملكة بلاد المغرب كالقيروان فى بلاد إفريقية، تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب قوة وأمنعهم معقلا. فاختط المدينة هناك ليتقوى «٣» على تدويخ أهل تلك البلاد. واتخذها دار ملكه، ومقر سكنه. فلم يعانده أحد من أهل تلك النواحى لهيبته فى نفوسهم وعظم ذكره بالمغرب. وملك المدائن المتصلة بالبحر مثل سبتة وسلا وطنجة وغيرها. وكثرت أمواله وجنوده «٤» .

стр. 9290

وخرج إليه جماعة لمتونة وكثير من القبائل. وضيق لثامه هو وجماعته. ذكر ما قيل فى سبب لثام المرابطين قيل: إنهم كانوا فى الصحراء يتلثمون لشدة الحر والبرد كما يفعل العرب فى البرية، والغالب على ألوانهم السمرة. فلما ملكوا البلاد ضيقوا ذلك اللثام. وقيل: إن طائفة منهم من لمتونة فى الصحراء خرجوا للإغارة على عدوهم. فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا الصبيان والمشايخ والنساء. فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب رجالهن، ويتعممن بالعمائم، ويسترن وجوههن باللثام، وأن يضيقنه حتى لا يعرفن. ففعلن ذلك ولبسن السلاح. وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدرن هن بالبيوت. فلما أشرف العدو رأى جمعا عظيما هاله وقال: «هؤلاء حول حريمهم يقاتلون عليه قتال نخوة «١» وقد ترجلوا للموت. والرأى أن نسوق النعم ونمضى. فإن تبعونا قاتلناهم خارج البيوت» . فبينما هم فى جمع النعم من مراعيها إذ أقبل رجال الحى، فصار العدو بينهم، فقتلوا شر قتلة ولم يسلم منهم إلا القليل. وقتل النساء منهم «٢» أكثر مما قتل الرجال. فاستنّوا اللثام من ذلك الوقت. فلا يزيلونه ليلا ولا

стр. 9291

نهارا حتى إن الرجل لا يأكل ولا يشرب مع أهله إلا من تحت اللثاء والمقتول منهم فى المعركة لا يعرفه أصحابه بوجهه بل بلثامه. قال ابن شداد: ومما رأيت أنه كان لى صديق منهم بدمشق فأتيت يوما إلى زيارته. فدخلت إليه وقد غسل عمامته، وسراويله مشدودة «١» على رأسه، وقد تلثم بخلخاله. هذا بعد أن انقضت دولتهم، وتفرقت جملتهم، وتغربوا «٢» فى البلاد. قال: ولقد حكى لى من أثق به أنه رأى شيخا من الملثمين بالمغرب بعد انقضاء الدولة، منزويا فى ضفة نهر، يغسل خلقانه «٣» وهو عريان، وعورته بارزة، ويده اليمنى يغسل بها والأخرى يستر بها وجهه. فقال له: «استر عورتك بيدك» . فقال: «أنا ملثم «٤» بها» . وقال بعض الشعراء فى اللثام: قوم لهم درك العلى فى حمير ... وإذا انتموا صنهاجة فهم هم لما حووا إحراز كلّ فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا

стр. 9292

وقال آخر «١» : إذا التثموا بالرّيط خلت وجوههم ... أزاهر تبدو من فتوق الكمائم أو التأموا بالسابرية أبرزوا ... عيون الأفاعى من جلود الأراقم «٢» نرجع الى أخبار يوسف بن تاشفين قال: واستقامت له الأمور. وتزوج زينب بنت إبراهيم «٣» زوجة أبى بكر بن عمر، وكانت حظية عنده، وأميرة «٤» عليه. وكذلك جميع الملثمين ينقادون لأمور نسائهم، ولا يسمون الرجل إلا بأمه فيقولون: ابن فلانة، ولا يقولون: ابن فلان. وكانت زينب لها عزم وحزم. حكى عنها أن زرهون- ويعرف بابن خلوف- وكان له أدب «٥» ، فبلغ زينب أنه مدح حواء امرأة سير بن أبى بكر وفضّلها على سائر النساء بالجمال والكمال. فأمرت بعزله عن القضاء. فوصل إلى أغمات واستأذن عليها. فدخل البواب وأعلمها به، فقالت: «قل له: امض إلى التى مدحتها تردك إلى القضاء» . فبقى بالباب أياما حتى نفدت نفقته.

стр. 9293

فأتى إلى خادمها فقال له: «إن مولاتك صرفتنى ونقمت على مدحى لامرأة سير. ولو علمت أن ذلك يغضبها ما قلته. وقد نفدت نفقتى، وأردت بيع هذا المهر، وعزّ على أن يصير فى يد من لا يستحقه، وأنا أحب أن تعطينى مثقالين أتزود بهما إلى أهلى. وخذ المهر فأنت أحق به» . فسر الخادم وأعطاه مثقالين وأخذ المهر. ودخل على مولاته زينب وهو فرحان. فقالت له: «ما شأنك؟» فأخبرها الخبر. فرقت للقاضى وندمت على ما فعلت به. وقالت: «اذهب فأتنى به الساعة» . فأحضره إليها. فقالت له: «تمدح زوجة سير وتفضلها على سائر النساء، وخرجت فى وصفك لها عن الحد، وزعمت أن ليس فى الأرض أجمل منها، وما هذه منزلة القضاء «١» ولا يليق بك أن تنزل «٢» نفسك فى هذه المنزلة» . فقال ارتجالا: أنت بالشمس لا حقه ... وهى بالأرض لاصقه فمتى ما مدحتها ... فهى من سير طالقه فقالت له: «يا قاضى، طلقتها منه؟» قال: «نعم، ثلاثة وثلاثة وثلاثة» . فضحكت حتى افتضحت وقالت له: «والله، لا شم «٣» لها قفا أبدا» . وكتبت إلى يوسف برده إلى القضاء، فرده.

стр. 9294

ذكر استيلائه على مدينة أغرناطة من جزيرة الأندلس كان سبب ذلك ما قدمناه فى أخبار الدولة العبادية أن المعتمد بن عباد لما وقع بينه وبين الأدفونش «١» ملك الفرنج صاحب طليطلة، وقتل ابن عباد رسله، وجمع الأدفونش عساكره؛ استنجد ابن عباد بأمير المسلمين «٢» يوسف بن تاشفين. فدخل بعساكره إلى جزيرة الأندلس، واجتمع بالمعتمد بن عباد، وتوجها جميعا لقتال الفرنج. وكانت وقعة الزلاقة التى انهزم فيها الأدفونش وقتل عامة عسكره على ما قدمناه مبيّنا فى أخبار المعتمد بن عباد. وذلك فى العشر الأول «٣» من شهر رمضان سنه تسع وسبعين وأربعمائة «٤» . ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأقام بها إلى العام الآتى «٥» . ثم دخل إلى الأندلس. وخرج إليه محمد بن عباد من إشبيلية فى عسكره. وأتى عبد الله بن بلكين صاحب أغرناطة فى عسكره.

стр. 9295

وساروا حتى نزلوا على ليطة «١» ، وهو حصن منيع كان فيه النصارى فحاربوه أياما فلم يطيقوا فتحه، فرحلوا عنه بعد مدة. ورجع المعتمد إلى إشبيلية. وكان طريق يوسف بن تاشفين على مدينة أغرناطة. فدخل عبد الله بن بلكين إليها ليخرج إلى يوسف الوظائف. فغدر به يوسف ودخل أغرناطة وأخرجه منها واستولى عليها «٢» . ودخل قصر عبد الله فوجد فيه من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك من ملوك الأندلس. ومما وجد فيه سبحة فيها أربعمائة جوهرة، قوّمت كل جوهرة بمائة مثقال «٣» ؛ ومن أنواع الجواهر واليواقيت والزمرد ما لا تحصى قيمته؛ من العين ألف ألف «٤» دينار؛ ومن فاخر الثياب وأوانى الذهب والفضة ما لا تعرف له قيمة. وأخرج منها تميم بن بلكين أخا عبد الله، وسار بهما إلى مراكش. وذلك فى سنة ثمانين وأربعمائة «٥» . ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأطاعه من كان لم يطعه من بلاد السوس وورغة وقلعة مهدى.

стр. 9296

ذكر ملك أمير المسلمين جزيرة الأندلس وفى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ملك من جزيرة الأندلس ما كان بقى بيد المسلمين بها، وهى قرطبة وإشبيلية والمرية وبطليوس. وذلك أنه سار فى هذه السنة من مراكش إلى سبتة. وأدخل العساكر مع سير بن أبى بكر إلى الأندلس وحشد خلقا كثيرا، وأمره بمحاصرة إشبيلية. فحاصرها وفتحها فى يوم الأحد لتسع بقين من شهر رجب من هذه السنة. وأسر المعتمد بن عباد ونقله إلى أغمات فحبسه بها حتى مات، على ما قدمناه مبينا فى أخبار ابن عباد «١» . قال: ثم خرج سير من إشبيلية إلى مدينة المرية فنزل عليها. وكان واليها محمد بن معن بن «٢» صمادح فقال لولده: «مادام المعتمد بن عباد بإشبيلية فلسنا نساءل عنه» . فأتاه الخبر بفتح إشبيلية وأسر ابن عباد فمات غما. فخرج ولده بإخوته وأهله فى مركب حربى شحنه بأمواله. وأقلع إلى الجزائر والتحق ببنى حماد، فأحسنوا إليه وأسكنوه مدينة تدلّس. قال: وكان أبو محمد عمر بن محمد بن عبد الله بن مسلمة «٣» المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس ممن أعان المعتمد، فلما سمع بإشبيلية رجع إلى بلده «٤» . فسار إليه سير بن أبى بكر فحاربه

стр. 9297

وغلبه. وأتى به وبولده» الفضل أسيرين، فأمر سير بضرب أعناقهما. فقال: «قدّموا ولدى قبلى للقتل ليكون فى صحيفتى» . فقتل قبله ثم قتل هو بعده. قال: ولم يترك سير من ممالك الأندلس وملوكهم سوى بنى هود. فإنه لم يقصد بلادهم وهى شرقى الأندلس. وصاحبها يومئذ المستعين بالله [بن] «٢» هود، وهو من الشجعان الذين يضرب بهم المثل. وكان قد حصّل عنده من آلات الحصار والأقوات ما يكفيه عدة سنين بمدينة روطة، وكانت قلعة حصينة. وكان يهادن أمير المسلمين قبل ملكه الأندلس ويكثر مراسلته. فرعى له ذلك حتى أنه أوصى ابنه على ابن يوسف عند موته بترك التعرض إلى بلاد [بنى] هود. وقال «اتركهم بينك وبين العدو فإنهم شجعان» . قال: وتتابعت الفتوح على أمير المسلمين حتى احتوى على جميع بلاد الأندلس التى كانت للمسلمين وما والاها من البلاد فى البر الكبير، من جميع بلاد السوس والجبال والصحراء. وفتح فى بلاد الفرنج فتوحا كثيرا.

стр. 9298

ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا قال، كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولى سيد قبيلة كزولة، ملك جبلها، وهو جبل شامخ منيف، وهى قبيلة كبيرة وكان بينه وبين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع. فلما كان فى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، أرسل يوسف إليه يطلب الاجتماع به. فركب حتى قاربه «١» ثم رجع وخافه على نفسه. فكتب إليه أمير المسلمين يحلف «٢» أنه ما أراد به سوءا ولا قصد إلا خيرا. فلم يرجع لذلك. فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة دينار وضمن له مثلها إن سار إلى محمد بن إبراهيم وتحيّل فى قتله. فسار الحجام ومعه مشاريط. مسمومة فصعد الجبل. وجعل ينادى بالقرب من مساكن محمد. فسمعه فقال: «هذا الحجام من بلدنا؟» فقيل: «إنه غريب» . فقال: «أراه يكثر الصياح، وقد ارتبت منه» . فأحضره عنده. واستدعى حجاما غيره وأمره أن يحجمه بمشاريطه التى معه. فامتنع الحجام الغريب. فأمسك وحجم بها، فمات. فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظا وحنقا، ولج فى السعى فى أذى يوصله إلى الكزولى. فاستمال قوما من أصحابه فمالوا إليه. فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم. فحضروا عند محمد وقالوا: «قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل، وأردنا إتحافك به» . وأحضروها بين يديه.

стр. 9299

فلما قدمت له أمر بإحضار خبز، وأمر أولئك القوم الذين أحضروا العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفوا من الأكل. فقال: «من لم يأكل منه قتل بالسيف» . فأكلوا فماتوا عن آخرهم. فكتب إلى أمير المسلمين: «إنك قد أردت قتلى بكل سبب فلم يظفّرك الله، وكشف لى عن سريرتك «١» . وقد أعطاك الله المغرب بأسره، ولم يعطنى إلا هذا الجبل. وهو فى بلادك كالشامة البيضاء فى الثور الأسود. فلم تقنع «٢» بما أعطاك الله » . فكفّ أمير المسلمين عنه. ذكر ولاية أمير المسلمين من قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله قال: كان الفقهاء بالأندلس قالوا لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين: «إنه لا تجب طاعتك على المسلمين حتى يكون لك عهد من الخليفة» . فأرسل قوما من أهله إلى بغداد بهدية نفيسة، وكتاب يذكر فيه ما فعل بالفرنج، وما قصده من نصرة الدين والجهاد فى سبيل الله. فجاءه رسول من أمير المؤمنين أبى العباس أحمد المستظهر بالله «٣»

стр. 9300

بهدية وكتاب وتقليد وخلع. ودام ملك أمير المسلمين إلى سنة خمسمائة فتوفى فيها «١» . فكانت مدة ولايته ثمانى وثلاثين سنة تقريبا. وكان ديّنا حازما سئوسا ذا دهاء، إلا أنه أبان عن لؤم لما اعتقل المعتمد بن عباد بأغمات، فإنه لم يجر «٢» عليه ما يقوم به حتى كانت بناته يغزلن بالأجرة للناس وينفقن عليهن وعليه. ولما مات يوسف ولى بعده ابنه. ذكر ولاية على بن يوسف بن تاشفين كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى سنة خمسمائة. وكان أبوه قد عقد له الأمر بعده فى سنة تسع وتسعين وأربعمائة «٣» فاستقل بالأمر بعده وتلقب بأمير المسلمين. وكان يقتدى فى القضايا والأحكام بفقهاء بلاده، ويقربهم ويكرمهم. وإذا أتته نصيحة قبلها أو موعظة خشع لها. وسار فى رعيته أحسن سيرة، فأحبه الناس واشتملوا عليه ومالوا اليه. ذكر محاربة الفرنج خذلهم الله تعالى وانهزامهم وفى سنة خمس وخمسمائة «٤» ، خرج ملك الفرنج صاحب

стр. 9301

طليطلة إلى بلاد الإسلام وجمع وحشد. وكان قد قوى «١» طمعه فى البلاد لما مات يوسف بن تاشفين. فخرج أمير المسلمين على لحربه، ولقيه واقتتلوا قتالا شديدا. وكان الظفر للمسلمين، وانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتلوا قتلا «٢» ذريعا، وأسر منهم أسرى كثيرة، وسبى، وغنم من أموالهم ما يخرج عن الإحصاء. فخافه الفرنج بعد لك. وامتنعوا من قصد بلاده «٣» وذل الأدفونش. ذكر الفتنة بقرطبة وفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقيل: أربع عشرة، كانت فتنة عظيمة بين عسكر أمير المسلمين على بن يوسف وبين أهل قرطبة وسببها أنه كان قد استعمل عليها أبا بكر يحيى بن داود «٤» . فلما كان يوم عيد الأضحى، خرج الناس متفرجين. فمد عبد من عبيد أبى بكريده إلى امرأة ومسكها. فاستغاثت بالمسلمين فأعانوها «٥» . فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة عظيمة. ودامت جميع النهار إلى الليل وتفرقوا. واجتمع الفقهاء والأعيان إلى أبى بكر وقالوا له: «المصلحة أن تقتل واحدا من العسد الذين أثاروا الفتنة» . فأنكر ذلك وغضب منه.

стр. 9302

وأصبح من الغد وأظهر السلاح والعدد وأراد قتال أهل البلد فركب الفقهاء والأعيان والشباب، وقاتلوه فهزموه. وتحصن منهم بالقصر، فحصروه ونصبوا السلاليم وصعدوا إليه. فهرب من البلد بعد مشقة وتعب. فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين «١» ونهبوا أموالهم. وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة. واتصل الخبر بأمير المسلمين فأكبر «٢» ذلك واستعظمه. وجمع العساكر من صنهاجة وزنانة والبربر وغيرهم. وجاء إلى قرطبة فى سنة خمس عشرة وخمسمائة وحصرها. فقاتلهم أهلها قتال من يذب عن نفسه وماله وحريمه. فلما رأى شدة قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا فى الصلح. فأجاب إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة للمرابطين ما نهبوه من أموالهم. فاستقرت القاعدة على ذلك، وعاد عن قتالهم. وفى أيام على بن يوسف، ظهر المهدى محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن على، فضعف أمر الملثمين. وكان بينهم من الحروب ما نذكره فى أخبار «٣» الموحدين. وكانت وفاة على بمراكش فى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة «٤» . فكانت مدة ولايته خمسا وثلاثين سنة. وولى بعده ابنه.

стр. 9303

ذكر ولاية تاشفين بن على بن يوسف بن تاشفين كان أبوه قد ولاه العهد وأخرجه لحرب «١» عبد المؤمن. فما زال يحاربه والغلبة والظفر لعبد المؤمن إلى أن توفى والده على بن يوسف. فاستقل بالأمر بعده ولازم حرب عساكر عبد المؤمن إلى أن مات فى ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة «٢» [اسحاق بن على] وولى بعده أخوه إسحاق بن على فضعف أمر دولتهم، واستولى عبد المؤمن على البلاد وملكها بلدا بلدا، إلى أن حاصر عبد المؤمن مراكش وملكها فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله عبد المؤمن صبرا. وانقرضت دولة الملثمين. وكانت مدة ولايتهم من حين خرجوا من البرية فى سنة خمسين وأربعمائة إلى أن قتل إسحاق إحدى وتسعين سنة. وعدة من ملك منهم خمسة ملوك، وهم أبو بكر بن عمر، ثم يوسف بن تاشفين، ثم ابنه على بن يوسف، ثم ابنه تاشفين بن على، ثم إسحاق بن على «٣» . وعليه انقرضت الدولة. وسنورد فى أخبار الموحدين طرفا من أخبارهم وحروبهم، إن شاء الله تعالى.

стр. 9304

ذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم أول من ظهر من ملوك هذه الدولة، وأسس قواعدها، وقام بأعبائها وأنشأها، المهدى محمد بن تومرت. وكان ابتداء أمره وظهوره فى سنة أربع عشرة وخمسمائة «١» . وسنذكر ابتداء حاله وكيف تنقلت «٢» به الحال وما كان منه، إن شاء الله تعالى ذكر أخبار المهدى محمد بن تومرت هو أبو عبد الله محمد بن تومرت الحسنى «٣» ، وقبيلته من المصامدة تعرف بهرغة فى جبل السوس، نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير. وكان ابتداء أمر المهدى أنه رحل فى شبيبته إلى بلاد المشرق فى طلب العلم. وكان فقيها فاضلا محدّثا، عارفا بأصولى الدين والفقه، محققا لعلم العربية، وكان ورعا ناسكا. ووصل فى سفره إلى العراق. واجتمع بالغزالى والكيا الهراسى، وقيل: لم يجتمع بالغزالى. واجتمع بأبى بكر الطرطوشى «٤» بالإسكندرية. وحج ورجع إلى المغرب. قال: ولما ركب البحر من الإسكندرية مغرّبا غيّر المنكرات

стр. 9305

فى المركب. وألزم من فيه بإقامة الصلاة وقراءة القرآن حتى انتهوا إلى المهدية، وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وذلك فى سنة خمس وخمسمائة. فنزل بمسجد وليس معه سوى ركوة «١» وعصا. فتسامع به أهل البلد فقصدوه يقرئون عليه أنواع العلوم. فكان إذا مر به المنكر أزاله وغيره. فلما كثر ذلك منه، أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء. فأعجبه سمته وكلامه فاحترمه وسأله الدعاء. ثم رحل من المهدية وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين «٢» مدة. وسار إلى بجاية وفعل مثل ذلك. فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة «٣» ، فلقيه بها عبد المؤمن. فرأى منه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم «٤» والقيام بالأمر. فسأله عن اسمه وقبيلته. فأخبره أنه من قيس عيلان ثم من بنى سليم فقال محمد بن تومرت: «هذا الذى بشربه رسول الله ﷺ حين قال: إن الله لينصر هذا الدين فى آخر الزمان برجل من قيس. فقيل: من أى قيس؟ فقال: من بنى سليم» . واستبشر بعبد المؤمن وسرّ بلقائه. وكان مولد عبد المؤمن بمدينة

стр. 9306

تاجرة «١» من أعمال تلمسان، وهو من بنى عائد قبيلة من كومة «٢» نزلوا بذلك الإقليم فى ثمانين ومائة. قال: ولم يزل المهدى يلازم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى أن وصل إلى مراكش، وهى دار مملكة على بن يوسف ابن تاشفين. فرأى فيها من المنكرات أكثر مما عاينه فى طريقه. فزاد أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فكثر أتباعه وحسنت ظنون الناس فيه. فبينما هو فى بعض الأيام فى طريقة، إذ رأى أخت أمير المسلمين فى موكبها ومعها عدة من الجوارى الحسان، وهن مسفرات. وكانت هذه من عادتهم «٣» . فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن وأمرهن بستر وجوههن. وضرب هو وأصحابه دوابهن. فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابتها. فرفع أمره إلى أمير المسلمين على بن يوسف. فأحضره الفقهاء لمناظرته، فأخذ يعظه ويذكّره ويخوفه، فبكى أمير المسلمين «٤» . وأمر أن يناظروه فلم يكن فيهم من يقوم له لقوة أدلته. وكان عند أمير المسلمين رجل من وزرائه «٥» اسمه مالك بن وهيب «٦» فقال له:

стр. 9307

«يا أمير المسلمين إن هذا والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إنما هو يريد إثارة فتنة والغلبة على بعض النواحى، فاقتله وقلّدنى دمه» . فلم يفعل ذلك فقال: «إذا لم تقتله فاحبسه وخلّده فى السجن وإلا أثار شرا لا يمكن تلافيه» . فأراد حبسه فمنعه من ذلك رجل من أكابر الملثمين يسمى بنيان بن عمران «١» . فأمر بإخراجه من مراكش. فسار إلى أغمات ولحق بالجبل. وسار منه حتى التحق بالسوس الذى فيه قبيلته هرغة وغيرهم من المصامدة، وذلك فى سنة أربع عشرة وخمسمائة. فأتوه واجتمعوا حوله. وتسامع به أهل تلك النواحى فوفدوا إليه، وحضر أعيانهم بين يديه. فجعل يعظهم، ويذكرهم شعائر الإسلام وما غيّر منها وما حدث من الظلم والفساد، وأنه لا تجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل بل الواجب قتالهم ومنعهم مما هم عليه. فأقام على ذلك نحو سنة. وتابعته قبيلة هرغة. وسمى أتباعه الموحدين. وأعلمهم أن النبى ﷺ بشر بالمهدى الذى يملأ الأرض عدلا، وأن مكانه الذى يخرج منه المغرب الأقصى. فقام إليه عشرة رجال منهم عبد المؤمن فقالوا: «لا يوجد هذا إلا فيك، وأنت المهدى» . وبايعوه على ذلك. فانتهى خبره إلى أمير المسلمين فجهز جيشا من أصحابه لقتاله. فلما قربوا من الجبل الذى هو فيه قال لأصحابه: «إن هؤلاء يريدوننى وأخاف عليكم منهم. والرأى أن أخرج إلى غير هذه البلاد لتسلموا

стр. 9308

أنتم» . فقال له ابن توفيان «١» من مشايخ هرغة: «هل تخاف شيئا من السماء؟» فقال: «بل من السماء تنصرون» . فقال ابن توفيان: «فليأتنا كل من فى الأرض» . ووافقته جميع قبيلته. فقال المهدى عند ذلك: «أبشروا بالنصر والظفر «٢» بهذه الشرذمة. وبعد قليل تستأصلون دولتهم وترثون أرضهم» . فنزلوا من الجبل ولقوا «٣» جيش أمير المسلمين، فهزموهم وأخذوا أسلابهم. وقوى ظنهم بصدق المهدى حيث ظفروا كما أخبرهم. فأقبلت إليه أفواج القبائل من الجبال التى حوله شرقا وغربا فأقبل عليهم واطمأن إليهم، وأتته رسل أهل تينملّ «٤» بطاعتهم وطلبوه إليهم. فتوجه إلى جبل تينمل وأقام به واستوطنه. وبايعته قبيلة هنتاتة، وهى من أقوى القبائل. وألف كتابا فى التوحيد، وكتابا فى العقيدة. ونهج لمن معه طريق الأدب مع بعضهم بعضا، والاقتصار على لباس الثياب القليلة الثمن. وهو فى خلال ذلك يحرضهم على قتال عدوهم، وإخراج الأشرار من بين أظهرهم. وبنى له مسجدا بتينمل خارج المدينة، فكان يصلى فيه الصلوات الخمس هو وجميع من معه، ويدخل البلد بعد العشاء الآخرة.

стр. 9309

فلما رأى كثرة أهل البلد وحصانة المدينة، خاف أن يرجعوا عنه. فأمرهم أن يحضروا عنده بغير سلاح. ففعلوا ذلك عدة أيام. ثم أمر أصحابه أن يقتلوهم، فقتلوهم فى ذلك المسجد. ثم دخل المدينة فقتل فيها «١» وأكثر، وسبى الحريم، ونهب الأموال. فكانت عدة القتلى خمسة عشر ألفا. وقسم المساكن والأرض بين أصحابه. وبنى على المدينة سورا وقلعة على رأس جبل تينمل، وهو جبل عال فيه أشجار وزرع «٢» وأنهار جارية، والطريق إليه صعب. وقيل: إنه لما خاف أهل تينمل، نظر إلى أولادهم فرآهم شقرا زرقا، والذى يغلب على الآباء السمرة، فقال لهم: «مالى أراكم سمر الألوان وأولادكم شقرا زرقا؟» فقالوا: «إن لأمير المسلمين «٣» عدة من المماليك الفرنج والروم، وإنهم يصعدون إلى هذا الجبل فى كل عام مرة، يأخذون ما لهم فيه من الأموال المقررة من جهة السلطان، فيسكنون البيوت، ويخرجون أصحابها منها» فقبّح الصبر على هذا وأزرى عليهم وعظّم الأمر عندهم. فقالوا له: «فكيف الحيلة فى الخلاص منهم، وليس لنا بهم قوة؟» فقال: «إذا حضروا عندكم فى الوقت المعتاد وتفرقوا فى مساكنكم، فليقم كل رجل إلى نزيله فيقتله، واحفظوا جبلكم فإنه لا يرام» . ففعلوا ذلك عند

стр. 9310

مجىء مماليك أمير المسلمين إليهم ثم خافوا على نفوسهم فامتنعوا فى الجبل وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم منه. فقويت عند ذلك نفس المهدى ثم أرسل أمير المسلمين جيشا كثيفا. فحصرهم فى الجبل وضيق عليهم ومنع عنهم الميرة. فقلّت الأقوات عند أصحابه، فكان يطبخ لهم الحساء فى كل يوم، وجعل قوت الرجل منهم أن يغمس يده فى ذلك الحساء ويخرجها، فما علق عليها فهو قوته فى ذلك اليوم. فاجتمع أهل تينمل وأرادوا إصلاح حالهم مع أمير المسلمين فبلغه ذلك فأعمل «١» من الحيلة عليهم ما نذكره. ذكر خبر أبى عبد الله الونشريسى «٢» قال: كان مع المهدى إنسان يقال له أبو عبد الله الونشريسى، وهو يظهر الوله «٣» وعدم المعرفة بشىء من العلم والقرآن، وبصاقه يجرى على صدره، وهو كالمعتوه، والمهدى يقربه ويكرمه ويقول: «إن لله سرا فى هذا الرجل سوف يظهر» . هذا والونشريسى يشتغل بالقرآن والعلم فى السر بحيث لا يعلم به أحد. فلما كان فى سنة تسع عشرة وخمسمائة، خاف «٤»

стр. 9311

المهدى من أهل الجبل. فخرج يوما لصلاة الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا طيب الرائحة، فأظهر أنه لا يعرفه وقال: «من هذا؟» قال: «أنا أبو عبد الله الونشريسى» . فقال له المهدى: «إن أمرك لعجيب» . ثم صلى. فلما فرغ من صلاته نادى فى الجبل. فاجتمع الناس وحضروا إليه. فقال لهم: «إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريسى، فانظروه وحققوا أمره» . فلما أضاء النهار عرفوه. فقال له المهدى: «ما قصتك؟» قال: «إننى أتانى الليلة ملك من السماء، فغسل قلبى، وعلمنى القرآن والموطأ وغيره من العلوم والأحاديث» . فبكى المهدى بحضرة الناس ثم قال: «نمتحنك؟» فقال: «افعل» . وابتدأ بقراءة القرآن فقرأه قراءة حسنة من أى موضع سئل. وكذلك الموطأ وغيره وكتب الفقه والعلوم والأصول. فعجب الناس من ذلك واستعظموه. ثم قال: «إن الله قد أعطانى نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة، قد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر الفلانية يشهدون بصدقى» . فسار المهدى والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر. ووقف عند رأسها وصلى وقال: «يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله قد زعم كيت وكيت» . فسمع من أسفل البئر: «صدق، صدق» وكان قد رتب بها رجالا يفعلون ذلك. فلما تكلموا قال المهدى: «إن هذه البئر بئر مطهّرة مقدّسة قد نزل إليها

стр. 9312

الملائكة، والمصلحة أن تطمّ «١» لئلا يقع فيها نجاسة» . فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها. ثم نادى فى الجبل بالحضور للتمييز ومعناه العرض. فكان الونشريسى يعمد إلى الرجل الذى تخاف ناحيته فيقول: «هذا من أهل النار» . فيلقى من الجبل، وإلى الشاب الغر ومن لا يخشاه فيقول: «هذا من أهل الجنة» . فيترك عن يمينه. فكانت عدة القتلى سبعين ألفا. فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه. هذا هو المشهور عنه فى التمييز. وقيل إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد فى الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم: «إنكم لا يصلح لكم دين ولا تقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإخراج المفسدين من بينكم، فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم، فإن انتهوا وإلا فأثبتوا أسماءهم وارفعوها إلىّ لأنظر فى أمرهم. ففعلوا ذلك وكتبوا له «٢» أسماء المفسدين من كل قبيلة. ثم أمرهم بذلك مرة ثانية «٣» وثالثة. ثم جمع أوراقهم وأخذ منها ما تكرر من الأسماء «٤» وأثبته عنده. ودفع ذلك إلى الونشريسى المعروف بالبشير. وأمره أن يعرض

стр. 9313

القبائل، وأن يجعل أولئك من جهة الشمال، ومن عداهم فى جهة اليمين، ففعل ذلك. وأمر المهدى أن يكتف من على شمال الونشريسى فكتّفوا. ثم قال: «إن هؤلاء أشقياؤكم قد وجب قتلهم» . وأمر كل قبيلة بقتل أشقيائها. فقتلوا عن آخرهم. قال: ولما فرغ من التمييز رأى من بقى من أصحابه على نيات خالصة وقلوب متفقة على طاعته. فجهز جيشا وسيّرهم إلى جبال أغمات، وبها جمع كبير «١» من المرابطين. فقاتلوهم فانهزم أصحاب ابن تومرت «٢» ، وكان أميرهم الونشريسى. وقتل كثير منهم. وجرح عمر أنتات «٣» وهو الهنتاتى، وكان من أكبر أصحاب المهدى وسكن حسّه ونبضه. فقالوا: «مات» . فقال الونشريسى: «لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد» . فبعد ساعة فتح عينيه وعادت قوته إليه. فافتتنوا به ورجعوا إلى ابن تومرت فوعظهم وشكر صبرهم. ثم لم يزل بعد ذلك يرسل السرايا فى أطراف البلاد فإذا رأوا عسكرا تعلقوا بالجبل فأمنوا على أنفسهم. وعلا أمر المهدى فرتب أصحابه على طبقات.

стр. 9314

ذكر ترتيب أصحاب المهدى قال: ورتب المهدى أصحابه مراتب. فالأولى آية عشرة، يعنى أهل عشرة، وأولهم عبد المؤمن، ثم أبو حفص عمر انتات «١» وهو الهنتاتى وغيرهما، وهم أشرف أصحابه، وأهل الثقة عنده، والسابقون إلى مبايعته «٢» . والثانية آية خمسين، وهم دون تلك الطبقة، وهم جماعة من رؤساء القبائل «٣» . والثالثة آية سبعين، وهم دون الذين قبلهم فى الرتبة والسابقة. [وسمى] «٤» عامة أصحابه والداخلين «٥» فى طاعته موحدين. ذكر حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبى عبد الله الونشريسى قال: وفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، جهز المهدى جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا أكثرهم رجالة «٦» . وجعل عليهم الونشريسى

стр. 9315

وسير معه عبد المؤمن. فساروا إلى مراكش وحصروها وضيقوا على من بها، وبها أمير المسلمين على بن يوسف. فبقى الحصار عليها عشرين «١» يوما. فأرسل أمير المسلمين «٢» إلى متولى سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه الجيوش. فجمع جمعا كثيرا وسار. فلما قارب عسكر المهدى، خرج أهل مراكش من غير الجهة التى أقبل «٣» منها. والتقوا واقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل فى أصحاب المهدى. وقتل أميرهم الونشريسى. فولوا عبد المؤمن أمرهم، وقدموه عليهم. ودام القتال بينهم «٤» عامة النهار. وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف الظهر والعصر والحرب قائمة. فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين وقوتهم أسندوا ظهورهم إلى بستان كبير يسمونه عندهم البحيرة. وصاروا «٥» يقاتلون من وجه واحد إلى أن حجز بينهم الليل. قال: ولما قتل الونشريسى، دفنه عبد المؤمن لوقته سرا. فطلبه المصامدة فلم يروه فى القتلى فقالوا: «رفعته الملائكة» . قال: ولما جنّهم الليل، سار عبد المؤمن ومن سلم من القتل «٦» إلى الجبل. وسميت هذه الوقعة بالبحيرة، وعام البحيرة.
следующие страницы →