← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

المهدى من أهل الجبل. فخرج يوما لصلاة الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا طيب الرائحة، فأظهر أنه لا يعرفه وقال: «من هذا؟» قال: «أنا أبو عبد الله الونشريسى» . فقال له المهدى: «إن أمرك لعجيب» . ثم صلى. فلما فرغ من صلاته نادى فى الجبل. فاجتمع الناس وحضروا إليه. فقال لهم: «إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريسى، فانظروه وحققوا أمره» . فلما أضاء النهار عرفوه. فقال له المهدى: «ما قصتك؟» قال: «إننى أتانى الليلة ملك من السماء، فغسل قلبى، وعلمنى القرآن والموطأ وغيره من العلوم والأحاديث» . فبكى المهدى بحضرة الناس ثم قال: «نمتحنك؟» فقال: «افعل» . وابتدأ بقراءة القرآن فقرأه قراءة حسنة من أى موضع سئل. وكذلك الموطأ وغيره وكتب الفقه والعلوم والأصول. فعجب الناس من ذلك واستعظموه. ثم قال: «إن الله قد أعطانى نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة، قد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر الفلانية يشهدون بصدقى» . فسار المهدى والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر. ووقف عند رأسها وصلى وقال: «يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله قد زعم كيت وكيت» . فسمع من أسفل البئر: «صدق، صدق» وكان قد رتب بها رجالا يفعلون ذلك. فلما تكلموا قال المهدى: «إن هذه البئر بئر مطهّرة مقدّسة قد نزل إليها

стр. 9312

الملائكة، والمصلحة أن تطمّ «١» لئلا يقع فيها نجاسة» . فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها. ثم نادى فى الجبل بالحضور للتمييز ومعناه العرض. فكان الونشريسى يعمد إلى الرجل الذى تخاف ناحيته فيقول: «هذا من أهل النار» . فيلقى من الجبل، وإلى الشاب الغر ومن لا يخشاه فيقول: «هذا من أهل الجنة» . فيترك عن يمينه. فكانت عدة القتلى سبعين ألفا. فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه. هذا هو المشهور عنه فى التمييز. وقيل إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد فى الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم: «إنكم لا يصلح لكم دين ولا تقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإخراج المفسدين من بينكم، فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم، فإن انتهوا وإلا فأثبتوا أسماءهم وارفعوها إلىّ لأنظر فى أمرهم. ففعلوا ذلك وكتبوا له «٢» أسماء المفسدين من كل قبيلة. ثم أمرهم بذلك مرة ثانية «٣» وثالثة. ثم جمع أوراقهم وأخذ منها ما تكرر من الأسماء «٤» وأثبته عنده. ودفع ذلك إلى الونشريسى المعروف بالبشير. وأمره أن يعرض

стр. 9313

القبائل، وأن يجعل أولئك من جهة الشمال، ومن عداهم فى جهة اليمين، ففعل ذلك. وأمر المهدى أن يكتف من على شمال الونشريسى فكتّفوا. ثم قال: «إن هؤلاء أشقياؤكم قد وجب قتلهم» . وأمر كل قبيلة بقتل أشقيائها. فقتلوا عن آخرهم. قال: ولما فرغ من التمييز رأى من بقى من أصحابه على نيات خالصة وقلوب متفقة على طاعته. فجهز جيشا وسيّرهم إلى جبال أغمات، وبها جمع كبير «١» من المرابطين. فقاتلوهم فانهزم أصحاب ابن تومرت «٢» ، وكان أميرهم الونشريسى. وقتل كثير منهم. وجرح عمر أنتات «٣» وهو الهنتاتى، وكان من أكبر أصحاب المهدى وسكن حسّه ونبضه. فقالوا: «مات» . فقال الونشريسى: «لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد» . فبعد ساعة فتح عينيه وعادت قوته إليه. فافتتنوا به ورجعوا إلى ابن تومرت فوعظهم وشكر صبرهم. ثم لم يزل بعد ذلك يرسل السرايا فى أطراف البلاد فإذا رأوا عسكرا تعلقوا بالجبل فأمنوا على أنفسهم. وعلا أمر المهدى فرتب أصحابه على طبقات.

стр. 9314

ذكر ترتيب أصحاب المهدى قال: ورتب المهدى أصحابه مراتب. فالأولى آية عشرة، يعنى أهل عشرة، وأولهم عبد المؤمن، ثم أبو حفص عمر انتات «١» وهو الهنتاتى وغيرهما، وهم أشرف أصحابه، وأهل الثقة عنده، والسابقون إلى مبايعته «٢» . والثانية آية خمسين، وهم دون تلك الطبقة، وهم جماعة من رؤساء القبائل «٣» . والثالثة آية سبعين، وهم دون الذين قبلهم فى الرتبة والسابقة. [وسمى] «٤» عامة أصحابه والداخلين «٥» فى طاعته موحدين. ذكر حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبى عبد الله الونشريسى قال: وفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، جهز المهدى جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا أكثرهم رجالة «٦» . وجعل عليهم الونشريسى

стр. 9315

وسير معه عبد المؤمن. فساروا إلى مراكش وحصروها وضيقوا على من بها، وبها أمير المسلمين على بن يوسف. فبقى الحصار عليها عشرين «١» يوما. فأرسل أمير المسلمين «٢» إلى متولى سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه الجيوش. فجمع جمعا كثيرا وسار. فلما قارب عسكر المهدى، خرج أهل مراكش من غير الجهة التى أقبل «٣» منها. والتقوا واقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل فى أصحاب المهدى. وقتل أميرهم الونشريسى. فولوا عبد المؤمن أمرهم، وقدموه عليهم. ودام القتال بينهم «٤» عامة النهار. وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف الظهر والعصر والحرب قائمة. فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين وقوتهم أسندوا ظهورهم إلى بستان كبير يسمونه عندهم البحيرة. وصاروا «٥» يقاتلون من وجه واحد إلى أن حجز بينهم الليل. قال: ولما قتل الونشريسى، دفنه عبد المؤمن لوقته سرا. فطلبه المصامدة فلم يروه فى القتلى فقالوا: «رفعته الملائكة» . قال: ولما جنّهم الليل، سار عبد المؤمن ومن سلم من القتل «٦» إلى الجبل. وسميت هذه الوقعة بالبحيرة، وعام البحيرة.

стр. 9316

ذكر وفاة المهدى محمد بن تومرت كانت وفاته فى سنة أربع وعشرين وخمسمائة «١» ، وذلك أنه مرض بعد إرسال الجيش لحصار مراكش واشتد مرضه. وأتاه خبر الهزيمة وقتل الونشريسى، فسأل عن عبد المؤمن. فقيل: «هو سالم» . فقال: «ما مات أحد، والأمر قائم، وهو الذى يفتح كل البلاد» . ووصى أصحابه بتقديمه، واتباعه، وتسليم الأمر إليه، والانقياد له. ولقبه أمير المؤمنين ثم مات. وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وقيل: مات وله خمس وخمسون سنة. ومدة ولايته عشر سنين «٢» . ذكر ولاية عبد المؤمن بن على «٣» كانت ولايته بعد وفاة المهدى محمد بن تومرت فى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بوصية من المهدى كما ذكرناه «٤» . وكان فى الغزو فعاد إلى تينمل وتسلم «٥» الأمر، وتلقّب بأمير المؤمنين على ما لقّبه به المهدى قبل وفاته. وأقام يتألف القلوب ويحسن إلى الناس إلى «٦» سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.

стр. 9317

ذكر خروجه للغزو «١» وما فتحه من البلاد ومن «٢» أطاعه من القبائل قال: وفى هذه السنة ابتدأ عبد المؤمن بالغزو. وسار فى جيش كثيف، وجعل يمشى فى الجبل إلى أن وصل إلى تادلة «٣» . فمانعه أهلها وقاتلوه فهزمهم وفتحها. وتم منها إلى البلاد التى تليها. ومشى فى الجبال يفتح «٤» ما امتنع عليه. وأطاعه صنهاجة الجبل. قال: فعند ذلك جعل أمير المسلمين على بن يوسف ولده تاشفين بن على ولى عهده، وأحضره من الأندلس، وكان أميرا عليها، وندبه لقتال عبد المؤمن، وذلك فى سنة إحدى وثلاثين «٥» . فسار تاشفين لحربه «٦» ، فكان يمشى فى الصحراء وعبد المؤمن فى الجبال. وفى سنة اثنتين وثلاثين، كان عبد المؤمن بجيشه فى النواظر- وهو جبل عال مشرف- وتاشفين فى الوطأة، ويخرج من الطائفتين قوم يتطاردون ويترامون، ولم يكن بينهم لقاء. وسمى هذا عام النواظر، ويؤرخونه به.

стр. 9318

وفى سنة ثلاث وثلاثين، توجه عبد المؤمن مع الجبل «١» فى الشّعراء «٢» حتى انتهى إلى جبل كرانطة «٣» . فأقام به فى أرض صلبة بين شجر، وتاشفين قبالته فى الوطأة فى أرض لينة «٤» لا نبات بها. وكان الفصل شتاء، فتوالت الأمطار أياما كثيرة. فصار الموضع الذى فيه تاشفين وعسكره كالسباخ لا يستطيع الماشى أن ينقل فيها قدما. وقلّت الأقوات عندهم فهلكوا جوعا وبردا حتى وقدوا رماحهم وقرابيس سروجهم، وعبد المؤمن ومن معه فى تلك الأرض الصلبة والميرة تصل إليهم. وفى ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى وجدة «٥» من أعمال تلمسان. وقدم عليهم أبا عبد الله محمد بن رفوا «٦» من آية خمسين. فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى متولى تلمسان. فخرج إليهم بجيش من الملثمين فالتقوا بموضع يعرف بمرج الحمر «٧» . واقتتلوا فهزمهم الموحدون. وقتل محمد بن يحيى وكثير من أصحابه، وغنم الموحدون ما معهم ورجعوا بأسلابهم إلى عبد المؤمن.

стр. 9319

فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى جبال غمارة فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة. وأقام عندهم مدة. وما برح يمشى فى الجبال وتاشفين يحاذيه فى الصحارى إلى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، فتوفى على بن تاشفين بمراكش، وملك بعده ابنه تاشفين. فقوى طمع عبد المؤمن فى البلاد إلا أنه لم ينزل «١» الصحراء. وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، توجه عبد المؤمن إلى تلمسان. فنازلها وضرب خيامه فى جبل عال بأعلاها يسمى بين الصخرتين. ونزل تاشفين خارج مدينة تلمسان على باب القرمادين. وكان بين أقوام من العسكرين مراماة ومطاردة مع الأيام. ودام ذلك أشهرا. ولم يكن بينهم مناجزة. ورحل عبد المؤمن فى سنة تسع وثلاثين «٢» إلى جبل تاجرة. ووجه جيشا مع عمر بن يحيى الهنتاتى إلى مدينة وهران. فهاجمها بغتة وصار هو وجيشه فيها. فسار إليه تاشفين فخرج الهنتاتى منها. ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد. وذلك فى شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. فلما كان فى ليلة سبع وعشرين من الشهر. وهى ليلة معظمة سيما بالمغرب، وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر، وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المتعبدون- وهو موضع معظم عندهم- فسار «٣» إليه تاشفين فى

стр. 9320

نفر قليل من خاصة أصحابه «١» . وصعد إلى ذلك المعبد سرا بالليل، ولم يعلم به إلا النفر الذين معه. وقصد التبرك بحضور ختم القرآن مع الصالحين. فانتهى خبره إلى الهنتاتى، فسار لوقته بجميع عساكره إلى ذلك المعبد، وأحاطوا به وملكوا الربوة. فخاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه، فركب فرسه وحمل به إلى جهة البحر من جرف عال فسقط على حجارة فهلك. ورفعت جثته على خشبة، وقتل من كان معه. وقيل: إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية وله فيه «٢» بستان كبير فيه من كل الفواكه. واتفق أن الهنتاتى سير سرية إلى ذلك الحصن لضعف من فيه، ولم يعلم أن تاشفين هناك. فألقوا النار فى باب الحصن فاحترق. فركب تاشفين فرسه وأراد الهرب. فوثب به الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور فسقط فى النار. فأخذ تاشفين فعرف. فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن فمات لوقته. وتفرق عسكره واحتمى بعضهم بمدينة وهران. قال: وأرسل المرحدون بالخبر إلى عبد المؤمن. فجاء من تاجرة فى يومه «٣» ، ودخل وهران بالسيف وقتل من فيها.

стр. 9321

ذكر استيلاء عبد المؤمن على تلمسان وفاس ومكناسة وسلا وسبتة قال: ثم سار عبد المؤمن إلى تلمسان، وهى مدينتان بينهما شوط. فرس: تاجررت «١» وبها أصحاب السلطان، والأخرى أجادير. وتاجررت ينطق بها بجيم محيرة «٢» بين الكاف والجيم، وكذلك أجادير. وتاجررت محدثة البناء، وأجادير قديمة. فامتنعت أجادير وتأهب أهلها للقتال. وأما تاجررت فكان بها يحيى بن الصحراوية «٣» واليا عليها فخرج منها بعسكره فارا إلى مدينة فاس. ودخلها عبد المؤمن، فلقيه أهلها بالخضوع والاستكانة. فلم يقبل ذلك منهم وقتل أكثرهم. ثم رحل عنها فى سنة أربعين وخمسمائة إلى مدينة فاس. ورتب على أجادير جيشا يحصرها «٤» ، وجعل عليهم يوسف بن وانودين ابن تامصلت الهنتاتى «٥» . فداوم الحصار وضيق على من بها، ونصب عليها المجانيق وأبراج الخشب والدبابات. ودام الحصار نحو سنة «٦» وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان. فلما اشتد الحصار على أهلها،

стр. 9322

اجتمع جماعة منهم وراسلوا الموحدين بغير علم الفقيه، وأدخلوهم البلد. فلم يشعر أهله إلا والسيف قد أخذهم. فقتل أكثر أهل البلد، ونهبت الأموال، وسبيت الذرارى والحرم. وبيع من لم يقتل بأبخس الأثمان. وأخذ من الأموال والجواهر ما لا يحصى. وكان عدة من قتل مائة ألف. وقيل: إن عبد المؤمن هو الذى حصر تلمسان وفتحها، وسار منها إلى فاس «١» . قال: ولما وصل عبد المؤمن إلى مدينة فاس، نزل على جبل الفرض المطل عليها. وعمل حول مخيّمه سورا وخندقا. وحصرها تسعة «٢» أشهر، وبها يحيى بن الصحراوية بعسكره الذين فروا من تاجررت. فعمد عبد المؤمن إلى نهر يدخل البلد فسكره «٣» حتى صار بحيرة تسير السفن فيها. ثم هدم السّكر فجاء الماء دفعة واحدة، فخرب سور البلد. فأراد الدخول فقاتله أهلها خارج السور. وكان القائد عبد الله بن خيار الجيانى عاملا عليها وعلى جميع أعمالها، فاتفق هو وجماعة أعيان «٤» البلد، وكاتبوا عبد المؤمن سرا فى طلب الأمان لأهل فاس. فأجابهم عبد المؤمن إلى ذلك. ففتحوا له بابا من أبواب المدينة، فدخلها عسكره. وهرب يحيى بن الصحراوية بمن معه إلى مدينة طنجة. وكان فتحها فى أواخر سنة أربعين وخمسمائة «٥» .

стр. 9323

ورتب عبد المؤمن أمرها وأخذ جميع ما فيها من سلاح. وسير سرية إلى مكناسة فحصروها مدة ثم سلمها أهلها بالأمان، فوفوا لهم. ثم سار عبد المؤمن إلى مدينة سلا ففتحها. وحضر إليه جماعة من أعيان سبتة، فدخلوا فى طاعته وسألوا أمانه فأمنهم، وذلك فى أول سنة إحدى وأربعين «١» . ذكر ملك عبد المؤمن مراكش وقتله اسحاق بن على وانقراض دولة الملثمين قال: ولما فرغ عبد المؤمن من مدينة فاس وتلك النواحى، سار إلى مدينة مراكش، وهى كرسى مملكة الملثمين، وبها إسحان بن على ابن يوسف بن تاشفين، وهو صبى. فنازلها فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وضرب خيامه فى غربيها على جبل صغير، وبنى عليه مدينة له ولعسكره وجامعا. وجعل لنفسه بناء عاليا يشرف منه على المدينة ويري أحوال أهلها وأحوال المقاتلين. فأقام عليها أحد عشر «٢» شهرا والقتال مستمر، ومن بها من المرابطين يخرجون ويقاتلون ظاهر البلد. فاشتد الجوع على أهله وتعذرت الأقوات عندهم. ثم زحف إليهم يوما، وجعل لعسكره كمينا، وقال لعسكره:

стр. 9324

«قاتلوهم ثم انهزموا لهم» . وقال للكمين: «لا تخرجوا حتى تسمعوا الطبل» . وجلس هو على المنظرة يشاهد القتال. وتقدم أصحابه للقتال فقاتلوا وصبروا ثم انهزموا. وتبعهم أهل مراكش حتى جاوزوا الكمين ووصلوا إلى مدينة عبد المؤمن وهدموا أكثر سورها. وصاحت المصامدة ليضرب الطبل. فقال عبد المؤمن: «اصبروا حتى يخرج كل طامع من البلد» . فلما خرج أكثر أهله أمر بضرب الطبل فضرب وخرج الكمين عليهم وعطفت المصامدة. فقتلوا الملثمين كيف شاءوا وتمت الهزيمة. فمات فى زحمة الأبواب خلق كثير. وكان شيوخ الملثمين يدبرون «١» دولة إسحاق لصغر سنه. فاتفق أن إنسانا من جملتهم يقال له عبد الله بن أبى بكر استأمن إلى عبد المؤمن، وأطلعه على عورة البلد وضعف من فيه، وقوى طمعه فيهم. فنصب عبد المؤمن عليه المجانيق والأبراج. وفنيت الأقوات فأكلوا دوابهم، ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف «٢» إنسان. فجاف «٣» البلد من جثثهم. وكان بمراكش جيش من الفرنج «٤» كان المرابطون «٥» قد استنجدوا بهم وأتوهم نجدة. فلما طال الأمر عليهم راسلوا عبد المؤمن يطلبون الأمان فأمنهم. ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له باب أغمات. فدخلت عساكر عبد المؤمن بالسيف، وملكوا المدينة عنوة،

стр. 9325

وقتلوا من وجدوه. ووصلوا إلى دار أمير المسلمين، فأخرجوا إسحاق وجميع من معه من المرابطين. وقدموهم للقتل وإسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه رغبة فى البقاء، ويدعو لعبد المؤمن ويبكى. فقام إليه الأمير سير بن الحاج، وكان إلى جانبه مكتوفا، فبصق فى وجهه وقال: «تبكى على أمك أم أبيك. اصبر صبر الرجال «١» فهذا رجل لا يخاف الله تعالى ولا يدينه بدين» . فقام الموحدون إليه فضربوه بالخشب حتى مات، وكان من الشجعان. وضربت عنق إسحاق. وذلك فى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة أو ثلاث وأربعين «٢» . قال: وأقام عبد المؤمن بمدينة مراكش واستوطنها واستقر ملكه بها. وقتل من أهلها فأكثر، واختفى كثير منهم. فلما كان بعد أسبوع أمر فنودى بالأمان، فخرج من اختفى من أهلها. فأراد المصامدة قتلهم، فمنعهم وقال: «هؤلاء صناع وأهل الأسواق ومن ينتفع به» . فتركوا وبنى بالقصر جامعا «٣» كبيرا وزخرفه وأتقن عمله. وأمر بهدم الجامع الذى بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين.

стр. 9326

ذكر ظفره بدكالة وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، سار بعض المرابطين من الملثمين «١» إلى دكّالة. فاجتمع إليه «٢» قبائلها وصاروا يغيرون على أعمال مراكش، وعبد المؤمن لا يلتفت إليهم. فلما كثر ذلك منهم، سار إليهم عبد المؤمن فى سنة أربع وأربعين «٣» . فلما سمعت دكالة بمسيره، اجتمعت كلها وانحسروا «٤» إلى ساحل البحر، وكانوا فى مائتى ألف راجل وعشرين ألف فارس، وهم من الشجاعة بالمكان المعروف. وكانت جيوش عبد المؤمن تخرج عن الحصر. وكان الموضع الذى فيه دكالة كثير الحجر والحزون، فكمنوا فيه كمينا ليخرجوا على عبد المؤمن إذا سلكه. فكان من الاتفاق الحسن أنه قصدهم من غير الجهة التى فيها الكمناء. فانحل عليهم النظام وفارقوا ذلك الموضع وأخذهم السيف فدخلوا البحر. فقتل أكثرهم، وغنمت أموالهم وأغنامهم، وسبيت نساؤهم. فبيعت الجارية بدراهم يسيرة. وعاد عبد المؤمن إلى مراكش بالظفر والنصر. وثبت ملكه وخافه جميع من بالمغرب، وأذعنوا له بالطاعة.

стр. 9327

ذكر ملكه «١» جزيرة الأندلس قال: كان ملكه لها فى سنة إحدى وأربعين «٢» ، وذلك أنه لما كان يحاصر مراكش، ورد عليه جماعة من أعيان الأندلس منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن حمدين «٣» ، ومعهم مكتوب يتضمن بيعة أهل الأندلس لعبد المؤمن ودخولهم فى زمرة أصحابه الموحدين، والتزامهم لطاعته، وإقامتهم لأمره فى بلادهم. وجميع أسماء القوم الذين بايعوه مثبتة فى المكتوب. فقبل عبد المؤمن طاعتهم، وشكر هجرتهم، وطيب قلوبهم. فطلبوا منه النصرة على الفرنج، فإن الفرنج كانوا قد ملكوا من بلاد المسلمين «٤» مدينة شنترين وباجة وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها، وذلك فى سنة أربعين وخمسمائة. وكان سبب ذلك ما وقع من الاختلاف بين المسلمين، فطمع العدو فيهم وأخذ هذه المدن وقوى بها. ثم ملكوا فى سنة اثنتين وأربعين مدينة المرية، ومدينة بياسة، وجميع ولاية جيان. فجهز عبد المؤمن جيشا كثيفا وجعل مقدمه أبا عمر بن صالح من آية الخمسين. وجهز أسطولا فى البحر وجعل قائده يحيى بن

стр. 9328

عيسى بن ميمون «١» . فغدوا إلى جزيرة الأندلس. ودخل الأسطول إلى مدينة إشبيلية فى النهر، وحاصروها برا وبحرا، وبها جيش من الملثمين «٢» . فملكتها عساكر عبد المؤمن عنوة وقتلوا فيها جماعة. ثم أمن الناس. واستولت عساكره على البلاد الإسلامية التى بها، ودان له أهلها. وفى سنة ثلاث وأربعين ملك الفرنج مدنا من الأندلس، وهى طرطوشة وجميع قلاعها وحصون لاردة، وذلك لاختلاف المسلمين. ذكر حصار الفرنج مدينة قرطبة ورجوعهم عنها قال: وفى سنة خمس وأربعين وخمسمائة، حصر السليطين- وهو الأدفونش ملك طليطلة وأعمالها، وهو من ملوك الجلالقة- مدينة قرطبة- أعادها الله- فى أربعين ألف فارس من الفرنج. فبلغ الخبر عبد المؤمن وهو بمراكش. فجهز اثنى عشر ألف فارس ومقدمهم أبو زكريا يحيى بن يومور «٣» . فساروا حتى قربوا من قرطبة. فلم يقدروا على لقاء الفرنج فى الوطأة، فساروا فى الجبال الوعرة. وجعلوا يقطعون الأشجار حتى يجدوا مسلكا. فمشوا عشرين «٤»

стр. 9329

يوما فى الوعر مسافة أربعة أيام فى السهل. فأفضوا إلى جبل شامخ مطل على قرطبة. فلما رآه السليطين وتحقق أمرهم، رحل لوقته بجميع من معه وسار حتى غاب عن فجاج قرطبة. وكان بقرطبة القائد أبو الغمر السائب، من ولد القائد ابن غلبون من أبطال الأندلس فخرج لوقته من قرطبة وصعد إلى الجبل. واجتمع بيحيى وقال له: «انزل بمن معك إلى قرطبة وعجّل» . ففعلوا ذلك وباتوا بها. فما أصبح اليوم الثانى إلا وعسكر السليطين قد غشى «١» الجبل الذى كان فيه يحيى. فقال لهم «٢» أبو الغمر: «هذا الذى كنت خفته عليكم» . فلما علم أنهم قد فاتوه، ورأى أنه لا مطمع له فى قرطبة، رحل إلى بلاده بعد أن حاصرها ثلاثة أشهر قبل وصولهم. ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بنى حماد وانقراض دولتهم وفى سنة ست وأربعين وخمسمائة، سار عبد المؤمن من مدينة مراكش إلى سبتة. وهيأ الأساطيل والناس يعتقدون أنه يدخل الأندلس. ونفّذ أعيان أصحابه إلى جميع القبائل: أن يجمعوا العساكر ويرتبوها. وقطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا. ثم خرج من سبتة فى صفر سنة سبع وأربعين «٣» . وتوجه إلى

стр. 9330

المشرق مسرعا وطوى المراحل، والعساكر المرتبة تلقاه. فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو فى أعمالها، وكانت ليحيى بن العزيز بالله آخر ملوك بنى حماد. وكان مولعا بالصيد واللهو واللعب لا ينظر فى شىء من أمور مملكته بل فوضها لميمون بن حمدون. فجمع ميمون العساكر وخرج عن بجاية. فأقام أياما وأحجم عن اللقاء ورجع ولم يقاتل عساكر عبد المؤمن. واعتصم يحيى بن العزيز بقلعة قسنطينة. وهرب أخوه الحارث فى مركب إلى جزيرة صقلية. ولحقه أخوه عبد الله «١» وجماعة من بنى عمه إلى صقلية «٢» . ودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد يحيى بن العزيز بغير قتال. ثم نزل إليه يحيى بالأمان فأمنه وأنفذه إلى المغرب، وكان فيها «٣» مدة حياته رخى البال. وانقرضت دولة بنى حماد. وكانت مدة ملكهم منذ ولى حماد مدينة آشير من قبل أبى مناد باديس بن المنصور بن يوسف فى صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة مائة سنة وستين سنة. وعدة من ملك منهم تسعة ملوك، وهم حماد بن يوسف بلكين بن زيرى، ثم القائد ابن حماد ثم محسن بن القائد بن حماد، ثم ابن عمه بلكين بن محمد، ثم الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، ثم ابنه المنصور «٤» ، ثم

стр. 9331

ابنه باديس بن المنصور «١» ولم تطل أيامه حتى مات، وولى بعده العزيز بالله بن المنصور بن الناصر، ثم يحيى بن العزيز هذا. وعليه انقرضت دولتهم. وكان يحيى قد اعتقل الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس- كما ذكرناه «٢» . وسر بماناله من أخذ الفرنج بلاده. فلم تطل المدة حتى فاجأه القدر واستلب ملكه. واجتمع الحسن ويحيى فى مجلس عبد المؤمن على بساط واحد. واستصحب عبد المؤمن الحسن معه، وألحقه بخاصته، وأعلى مرتبته. ولم يفارقه فى سفر ولا حضر إلى أن فتح المهدية، فأقر الحسن بها وأمر واليها أن يقتدى برأيه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر ظفره بصنهاجة وملكه قلعة حماد قال: ولما ملك عبد المؤمن بجاية، تجمعت صنهاجة فى أمم كثيرة. وتقدم عليهم رجل اسمه أبو قبيصة «٣» . واجتمع معهم من كتامة ولواتة وغيرها ما لا يحصى كثرة، وقصدوا حرب عبد المؤمن. فأرسل إليهم جيشا كثيفا، ومقدمهم أبو سعد يخلف «٤» ، وهو من آية خمسين. فالتقوا فى عرض الجبل شرقى بجاية. فانهزم

стр. 9332

أبو قبيصة، وقتل أكثر من معه، ونهبت أموالهم، وسبيت نساؤهم وذراريهم. ثم سار أبو سعيد إلى قلعة حماد، وهى من أحصن القلاع وأعلاها. فلما رأى أهلها عساكر الموحدين هربوا منها فى رؤوس الجبال. وملكت القلعة وحمل جميع ما فيها من الأموال والذخائر وغير ذلك إلى عبد المؤمن. ذكر الحرب بين عبد المؤمن والعرب وظفر عساكر عبد المؤمن بهم قال: وفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فى صفر، كانت الحرب بين عساكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة سطيف «١» . وذلك أن عبد المؤمن لما فتح بلاد بنى حماد اجتمعت العرب، وهم بنو هلال والأثبج وعدى ورياح وزغيف «٢» وغيرهم ممن يقول بقولهم من أرض طرابلس إلى أقصى المغرب. وقالوا: «إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من بلاد المغرب. وليس الرأى إلا اللقاء معه، وأخذه بالجد، وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن» . وتحالفوا على التعاون والتعاضد، وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال. واتصل الخبر بصاحب صقلية الفرنجى، فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد، وجبارة «٣» بن كامل، وحسن بن

стр. 9333

ثعلب، وعيسى بن حسن، وغيرهم، يحثهم على ذلك، ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على أن يرسلوا إليه رهائن. فشكروه وقالوا: «لا حاجة بنا إلى نجدته، ولا نستعين على المسلمين بغيرهم» . وساروا فى عدد لا يحصى. وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب. فلما بلغه خبرهم جهز إليهم جيشا من الموحدين زهاء ثلاثين ألف فارس، ومقدمهم أبو سعيد يخلف، وعبد العزيز وعيسى أولاد أبى مغار «١» . وكان العرب أضعافهم، فاستخرجهم الموحدون. وتبعهم العرب إلى أن وصلوا أرض سطيف بين جبال. فصدمهم الموحدون بغتة والعرب على غير أهبة. والتقى الجمعان واقتتلوا أشد قتال وأعظمه. فانجلت المعركة عن هزيمة العرب. وذلك فى يوم الخميس غرة «٢» صفر. وتركوا أموالهم وأهاليهم وأولادهم ونعمهم. فأخذ الموحدون جميع ذلك وعادوا به إلى عبد المؤمن. فقسم الأموال فى عسكره وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط. ووكل بهم الخصيان يخدمونهم وأمر بصيانتهم. ونقلهم معه إلى مراكش فأنزلهم فى المساكن الفسيحة وأجرى عليهم النفقات الواسعة. وأمر عبد المؤمن محمدا بمكاتبة العرب ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الاحتياط والحفظ والصيانة. وأمرهم أن يحضروا

стр. 9334

ليسلمهم إليهم. فلما وصل كتابه إليهم سارعوا إلى المسير إلى مراكش. فأعطاهم عبد المؤمن نساءهم وأولادهم، وأحسن إليهم، ووصلهم بالأموال الجزيلة فاسترقّ «١» قلوبهم بذلك وأقاموا عنده، واستعان بهم على ولاية ابنه محمد العهد بعده. ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد بعد أبيه قال: وفى سنة إحدى وخمسين «٢» وخمسمائة، أمر عبد المؤمن بالبيعة بولاية العهد لابنه محمد. وكان الشرط بين عبد المؤمن وعمر الهنتاتى أن يلى الأمر بعده. فلما تمكن «٣» عبد المؤمن من الملك وكثرت «٤» أولاده أحب أن يكون الملك فيهم. فأحضر أمراء العرب من هلال وزغبة وعدى وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم. ثم وضع عليهم من يقول لهم: «اطلبوا من عبد المؤمن أن يجعل لكم ولى عهد من ولده بعده» . ففعلوا ذلك. فلم يجبهم إكراما لعمر الهنتاتى لعلو منزلته فى الموحدين. فلما علم الهنتاتى ذلك خاف على نفسه. فحضر عند عبد المؤمن وخلع نفسه. فحينئذ بايع عبد المؤمن لابنه بولاية العهد. وكتب إلى جميع بلاده بذلك.

стр. 9335

وخطب له فى جميع البلاد. وأخرج من الأموال شيئا كثيرا «١» فى ذلك اليوم. ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد وأعماله وفى سنة إحدى وخمسين أيضا «٢» ، استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد والأعمال، فجعل ابنه أبا محمد عبد الله على بجاية وأعمالها، وأبا حفص عمر على مدينة تلمسان وأعمالها، وأبا الحسن عليا على مدينة فاس وأعمالها، وأبا سعيد «٣» على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة. ولقد سلك عبد المؤمن فى استعمالهم من حسن السياسة وجميل التدبير طريقا عجيبا يستدل به على جودة رأيه، وتوصّله إلى مقاصده بأحسن صورة وأجمل طريقة. وذلك أنه كان قد استعمل على الأعمال شيوخ الموحدين المشهورين من أصحاب المهدى، فكان يتعذر عليه أن يعزلهم. فأخذ أولادهم وتركهم عنده، وأشغلهم بالعلوم. فلما مهروا فيها، قال لآبائهم: «إنى أريد أن تكونوا عندى أستعين بكم على ما أنا بصدده وتكون أولادكم فى أعمالكم» . فأجابوا إلى ذلك وفرحوا به، فاستعمل أولادهم. ثم وضع عليهم من يعتمد عليه منهم فقال لهم: «إنى أرى أمرا عظيما قد فعلتموه فارقتم فيه الحزم والأدب» . فقالوا: «وما هو؟» قال: «أولادكم

стр. 9336

فى الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس إليهم «١» شىء منها مع ما هم فيه من العلم وحسن السياسة. وإنى أخاف أن ينظر فى هذا فتسقط منزلتكم عنده» فعلموا صدقه. وحضروا إلى عند عبد المؤمن وسألوه أن يستعمل أولاده. فقال: «لا أفعل» . فعزموا عليه حتى فعل بسؤالهم. ذكر ملكه مدينة المرية من الفرنج وأغر ناطة من الملثمين قال: وفى سنة اثنتين «٢» وخمسين وخمسمائة، كاتب ميمون ابن بدر صاحب أغرناطة أبا سعيد بن عبد المؤمن صاحب مالقة والجزيرة الخضراء وسبتة أن يسلم إليه أغرناطة، فتسلمها منه. وسار إلى مالقة «٣» بأهله وولده، فسيره أبو سعيد إلى مراكش. فأقبل عليه عبد المؤمن وأكرمه. وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم إلا جزيرة مايرقة «٤» مع حمو بن غانية اللمتونى. قال: ولما ملك أبو سعيد أغرناطة جمع الجيوش وسلم إلى مدينة المرية- وهى بيد الفرنج، كانوا قد أخذوها فى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة- فنازلها وحصرها «٥» برا وبحرا. ونزل عسكره

стр. 9337

على الجبل المشرف عليها. وبنى سورا على الجبل إلى البحر، وعمل عليه خندقا، فصارت المدينة والحصن الذى فيه الفرنج محصورين بهذا السور والجبل. لا يمكن أن يصل إليها من ينجدها. وجمع السليطين ملك الفرنج بالأندلس الجيوش وجاء إليها، فلم يتمكن منها ورجع ومات قبل وصوله إلى طليطلة. وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر، فقلّت الأقوات على الفرنج فطلبوا الأمان. فأمنهم أبو سعيد وتسلّم الحصن. ورحلوا فى البحر عائدين إلى بلادهم. وكانت مدة ملكهم المرية عشر سنين. ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وجميع بلاد افريقية كان الفرنج قد تغلبوا على مدينة المهدية وملكوها فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، كما قدمناه فى أخبار الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس «١» ، وفعلوا بمدينة زويلة الأفعال الشنيعة من القتل والنهب والتخريب. فسار أهلها إلى عبد المؤمن وهو بمراكش يستنجدونه ويستجيرون به فأكرمهم. وأخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس فى ملوك الإسلام من يقصد غيره. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: «أبشروا لأنصرنكم ولو بعد حين» . وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفى دينار. ثم أمر بعمل الروايا «٢» والقرب والحياض وما يحتاج إليه

стр. 9338

العساكر. وكتب إلى جميع نوابه ببلاد المغرب وكان قد ملك إلى قريب تونس، فأمرهم بتحصيل الغلات، وأن تترك فى سنبلها وتخزن فى مواضعها، وأن يحفروا الآبار فى الطرق. ففعلوا ذلك فصارت كأنها تلال. فلما كان فى صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة «١» ، وسار من مراكش يريد إفريقية ومعه من العساكر مائة ألف مقاتل ومن السوقة والأتباع أمثالهم. وبالغ فى حفظ العساكر حتى كانوا يسيرون بين الزروع فلا تتأذى بهم سنبلة واحدة. وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحد بتكبيرة واحدة لا يتخلف منهم أحد. وقدم بين يديه الحسن بن على بن يحيى بن تميم الذى كان صاحب المهدية وإفريقية. فسار حتى وصل إلى مدينة تونس فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة. وأقبل الأسطول فى البحر فى سبعين شينيا وطريدة وشلندى. فنازلها وأرسل إلى أهلها يدعوهم إلى الطاعة. فامتنعوا وقاتلوا أشد قتال. فلما جاء الليل خرج إليهم سبعة عشر رجلا «٢» من أعيان أهلها، وسألوا عبد المؤمن الأمان لأهل بلدهم. فأجابهم إلى الأمان لهم فى أنفسهم وأهلهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة «٣» وأما من عداهم من أهل البلد فأمنهم فى أنفسهم وأهليهم «٤» ،

стр. 9339

ويقاسمهم أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله. فاستقر ذلك وتسلم «١» البلد. وأرسل أمناء ليقاسموا الناس على أموالهم. وأقام عليها ثلاثة أيام. وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن أبى قتل. وسار عبد المؤمن إلى المهدية والأسطول يحاذيه فى البحر. فوصل إليها فى ثانى عشر «٢» شهر رجب من السنة. وبها أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا مدينة زويلة وبينها وبين المهدية غلوة سهم «٣» . فدخلها عبد المؤمن، وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت مدينة معمورة فى ساعة واحدة. ومن لم يكن له من العسكر موضع نزل بظاهرها. وانضاف إليهم «٤» من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء. وأقبلوا على قتال من بالمهدية، وهى لا يؤثر فيها شى لحصانتها وقوة سورها وضيق موضع القتال عليها لأن البحر دائر بأكثرها، وهى كأنها كف فى البحر وزندها متصل بالبر. فكانت شجعان الفرنج تخرج إلى أطراف العسكر فينالون منه ويسرعون العود. فأمر عبد المؤمن ببناء سور من غربى المدينة يمنعهم من الخروج. وأحاط الأسطول بها فى البحر. وهال عبد المؤمن ما رأى من حصانة البلد، وعلم أنها لا تفتح بقتال، وليس لها غير المطاولة. وقال للحسن: «كيف نزلت عن هذا الحصن؟» فقال: «لقلة من يوثق به وعدم القوت

стр. 9340

وحكم القدر» . فقال: «صدقت» . وأمر بجمع الغلات فلم يمض غير قليل حتى صار فى العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير. وتمادى الحصار. وفى مدته أطاع عبد المؤمن أهل سفاقس وطرابلس وجيال نفوسة وقصور إفريقية وما والاها. وفتح مدينة قابس وأتاه يحيى ابن تميم صاحب قفصة ومعه جماعة من أعيانها. ولما قدموا عليه دخل حاجبه عبد السلام الكومى «١» يستأذنه عليهم. فقال له عبد المؤمن: «أتى عليك «٢» ليس هؤلاء أهل قفصة» . فقال: «لم يشتبه على وإنهم أهلها» . فقال عبد المؤمن: «كيف يكون ذلك والمهدى يقول: إن أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها؟ ومع هذا فنقبل منهم ونكف عنهم وننتظر ما يكون، ليقضى الله أمرا كان مفعولا» «٣» وقضى شغلهم وأرسل معهم طائفة من الموحدين، وفيهم زكرى بن يومون «٤» ، وولاه عليها. وورد فى جملة أهل قفصة شاعر «٥» منهم، فمدحه بقصيدة أولها: ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن على فلما أنشده هذا البيت قال: «حسبك» ووصله بألف دينار «٦» .

стр. 9341

قال: ولما كان فى يوم الاثنين لثمان بقين من شعبان سنة أربع وخمسين، جاء أسطول صاحب صقلية فى مائة وخمسين شينيا غير الطرائد، فقاتلهم أسطول عبد المؤمن فانهزموا. وتبعهم المسلمون وأخذوا منهم سبعة شوان. فحينئذ أيس من بالمهدية من النجدة. وصبروا على الحصار إلى آخر ذى الحجة من السنة حتى فنيت أقواتهم وأكلوا خيلهم. فنزل عشرة من فرسانهم إلى عبد المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم، ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم. فعرض عليهم الإسلام، فأبوا. ولم يزالوا يستعطفونه حتى أجابهم وأمنهم. وأعطاهم سفنا فنزلوا فيها. وساروا إلى جزيرة صقلية. وكان الفصل شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا القليل. وكان صاحب صقلية قد قال: «إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم» . فأهلك الله الفرنج غرقا وكان مدة استيلاء الفرنج على المهدية اثنتى عشرة سنة. ودخل عبد المؤمن مدينة المهدية بكرة عشوراء سنة خمس «١» وخمسين وخمسمائة. وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس. وأقام بالمهدية عشرين يوما. ورتب أحوالها، ونقل إليها الذخائر من الأقوات والسلاح والعدد والرجال. واستعمل عليها أبا عبد الله محمد ابن فرج. وجعل معه الحسن بن على بن يحيى الذى كان صاحبها.

стр. 9342

وأمره أن يقتدى برأيه فى أفعاله. وأقطع الحسن بها إقطاعا وأعطاه دورا بالمهدية. ورتّب لأولاده وعبيده أرزاقا. ثم رحل عبد المؤمن من المهدية فى غرة «١» صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ذكر ايقاع عبد المؤمن بالعرب كان سبب ذلك أنه- لما أراد العود إلى بلاد المغرب بعد فراغه من أمر المهدية- جمع أمراء العرب من بنى رياح الذين كانوا بإفريقية، وقال لهم: «إنه قد وجب علينا نصرة الإسلام، وإن المشركين قد استفحل أمرهم بجزيرة الأندلس. واستولوا على كثير منها مما كان بيد المسلمين، وما يقاتلهم أحد مثلكم، فبكم فتحت البلاد أول الإسلام، وبكم دفع عنها العدو الأول «٢» . ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون فى سبيل الله» . فأجابوه بالسمع والطاعة فحلّفهم على ذلك. وساروا معه حتى انتهوا إلى مضيق جبل زغوان «٣» . وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك، وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيهم. فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرا: «إن العرب قد كرهت المسير إلى الأندلس وقالوا: ما غرض عبد المومن إلا

стр. 9343

إخراجنا من بلادنا، وإنهم لا يفون بأيمانهم» . فقال: «يأخذ الله تعالى الغادر» . فلما كانت الليلة الثانية، هربوا إلى عشائرهم ودخلوا البر، ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك، فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق. ولم يحدث فى أمرهم شيئا. وسار مغربا يحث السير حتى قرب من القسنطينة، ونزل فى موضع مخصب يقال له وادى النساء «١» . فأقام به وضبط الطرق فلا يسير أحد البتة «٢» ودام هناك عشرين يوما. وانقطع خبره عن جميع الناس لا يعرفون للعسكر خبرا مع كثرته وعظمه، ويقولون: «ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس» . فعادت العرب الذين أجفلوا منه من البرية إلى البلاد لما أمنوا جانبه. فلما علم برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله فى ثلاثين ألفا من أعيان الموحدين وشجعانهم. فجدوا السير وقطعوا المفاوز. فما شعرت العرب إلا والجيش قد أقبل، وجاء من ورائهم من جهة الصحراء من يمنعهم من الدخول إليها، وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل القرن، وهم زهاء ثمانين ألف بيت، ومشاهير مقدميهم محرز بن زياد وجبارة بن كامل ومسعود بن زمام وغيرهم. فلما أطلت عليهم العساكر اضطربوا وماجوا واختلفت كلمتهم. ففر «٣» مسعود وجبارة ومن معهما من

стр. 9344

عشائرهما. وثبت محرز بن زياد ومعه جمهور العرب. فناجزهم الموحدون القتال. وذلك فى العشر الأوسط من شهر ربيع الاخر سنة ست وخمسين «١» . واشتد القتال وكثرت القتلى. فانجلت الحرب عن قتل محرز وانهزم العرب. ولما انهزموا أسلموا البيوت والحريم والأولاد والأموال «٢» . فحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بتلك المنزلة. فأمر بحفظ النساء العربيات الصّرائح. وحملن معه تحت الحفظ والبر والصيانة إلى بلاد المغرب. ثم أقبلت إليه وفود رياح، فأجمل لهم الصنيع ورد إليهم الحريم. فلم يبق منهم إلا من صار له كالعبد الطائع، وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان. ثم جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول. قال: وجمعت عظام من قتل من العرب عند جبل القرن فبقيت دهرا طويلا كالتل يلوح للناظرين من مكان بعيد. وبقيت بلاد إفريقية بيد نواب عبد المومن آمنة ساكنة، لم يبق من العرب خارج عن الطاعة إلا مسعود بن زمام وطائفة فى أطراف البلاد. وفى سنة ست وخمسين، توجه عبد المؤمن إلى جبل طارق، وهو على ساحل الخليج مما يلى الأندلس، فعبر المجاز إليه. وبنى عليه مدينة حصينة «٣» . وأقام بها أشهرا «٤» ثم انصرف إلى مراكش.

стр. 9345

ذكر وفاة عبد المؤمن بن على وشىء من أخباره كانت وفاته فى العشر الآخر «١» من جمادى الآخر «٢» سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بمدينة سلام. وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا. وخلف ستة عشر «٣» ولدا ذكورا. وكان عاقلا، حازما، سديد الرأى، حسن السياسة للأمور، كثير البذل للأموال، إلا أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على صغار الذنوب. وكان يعظّم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس فى سائر بلاده بالصلاة. ومن رئى فى وقت الصلاة غير مصلّ قتل. وجمع الناس على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀ فى الفروع، وعلى مذهب أبى الحسن الأشعرى فى الأصول. وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين، وإليهم المرجع والكلام معهم. قال ابن شداد: وقفت على كتاب كتبه عنه بعض كتابه، يقول فيه بعد البسملة: «من الخليفة المعصوم الرّضى الهاشمى «٤» الزّكى، الدى وردت البشارة به من النبى ﷺ ، العربى «٥» القامع لكل مجسّم غوى، الناصر لدين الله العلى «٦» ، أمير المؤمنين الولى، عبد المؤمن بن على» .

стр. 9346

وحكى أيضا قال: أخبر رجل من أهل المهدية اجتمعت به بمدينة صقلية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قال: لما فتح عبد المؤمن مدينة بجاية وجميع ملك بنى حماد، وافق ذلك وصولى بعد أيام من المهدية إلى بجاية بأحمال متاع مع قفل «١» ، فبتنا «٢» على مرحلة من بجاية. فلما أصبح الصباح فقدت شدّة من المتاع، فحمدت الله «٣» وسألته الخلف. ودخلنا البلد وبعت المتاع أحسن بيع وأفدت «٤» فيه فائدة كبيرة» . فقلت لصاحب الحانوت الذى بعت على يديه: «فقدت من هذا المتاع شدة، وأخلف الله على فى الباقى» . فقال لى: «وما أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن؟» قلت: «لا» . قال: «والله، إن علم «٦» ذلك من غيرك لحقك الضرر بسترك على المفسدين. فاتق الله فى نفسك» . فرحت «٧» إلى القصر واستأذنت عليه وأعلمته. ثم خرجت فسألنى خادم عن منزلى فوصفته له. ورجعت إلى صاحب الحانوت «٨» فأخبرته. فقال: «خرجت «٩» من العهدة» . فلما كان صبيحة اليوم الثالث من وصولى إليه، جاءنى غلام

стр. 9347

أسود فقال: «أجب أمير المؤمنين» . فخرجت معه. فلما وصلنا باب القصر وجدت جماعة كبيرة «١» والمصامدة دائرة عليهم بالرماح. فقال لى الأسود «تعلم «٢» من هؤلاء؟» قلت: «لا» . قال: «هم أهل المكان الذى أخذ متاعك فيه» . فدخلت وأنا خائف، فأجلست بين يديه. واستدعى مشايخهم وقال لى: «كم «٣» صح لك فى الشدة التى فقدت أختها» . فقلت: «كذا وكذا» . فأمر من وزن لى المبلغ ثم قال لى: «قم. أنت أخذت حقك وبقى حقى وحق الله » . وأمر بإخراج المشايخ وقتل الجميع. وقال: «هذه طريق شوك أزيلها عن المسلمين» . فأقبلوا يبكون ويتضرعون ويقولون: «يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين؟» فقال: «نخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين» . فصار الرجل يخرج ولده وأخاه وابن عمه «٤» إلى أن اجتمع منهم نحو خمسمائة فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم، ففعلوا ذلك. وخرجت أنا إلى صقلية خوفا على نفسى من أولياء المقتولين. قال: وكان عبد المؤمن لا يداهن فى دولته، ويأخذ الحق من ولده إذا وجب عليه. قال: ولا مشرك فى بلاده ولا كنيسة فى بقعة منها، لأنه كان إذا ملك بلدا إسلاميا لم يترك فيه ذميا إلا عرض عليه الإسلام. فمن

стр. 9348

أسلم سلم، ومن طلب المضى إلى بلاد النصارى أذن له فى ذلك، ومن أبى قتل. فجميع أهل مملكته مسلمون لا يخالطهم سواهم. ولا لهو ولا هزل تحت أمره بل تلاوة كتاب الله العزيز، ومدارسة الأحاديث الصحيحة النبوية، والاشتغال بالعلوم الشرعية، وإقام الصلوات. فهذا كان دأب أصحابه. وكان لعبد المؤمن من الأولاد الذكور ستة عشر «١» ، وهم محمد وهو ولى عهده، وعلى، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب «٢» . ذكر ولاية أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وذلك أن عبد المؤمن لما حضرته الوفاة جمع أشياخ الموحدين وقال لهم: «قد جربت ابنى محمدا فلم أجد فيه نجابة تصلح للأمر، ولا يستحق الولاية ولا يصلح لها إلا ابنى يوسف، وهو أولى بها، فقدّموه لها» . ووصاهم به فبايعوه وعقدوا له الولاية. وخوطب بأمير المؤمنين. ثم مات عبد المؤمن فكتموا مونه وحمل فى محفة من سلا بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى مراكش. وكان ابنه أبو حفص حاجبا

стр. 9349

لأبيه فبقى مع أخيه على مثل حاله مع أبيه يخرج إلى الناس فيقول «١» أمر أمير المؤمنين بكذا وكذا، ويوسف يقعد مقعد أبيه إلى أن كملت المبايعة له فى جميع البلاد. فأظهر موت أبيه بعد انقضاء أشهر «٢» من وفاته. واستقامت الأمور لأبى يعقوب وانقاد الناس لأمره «٣» . ذكر عصيان غمارة مع مفتاح بن عمرو «٤» وقتالهم وقتل مفتاح قال. ولما تحقق الناس موت عبد المؤمن، ثارت قبائل غمارة فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة مع مفتاح بن عمرو؛ وكان مقدما كبيرا فيهم، فاتبعوه بأجمعهم، وامتنعوا فى جبالهم، وهى معاقل مانعة، وهم أمم جمة. فتجهز إليهم أبو يعقوب ومعه أخواه عمر «٥» وعثمان فى جيش كثيف من الموحدين والعرب. وتقدموا إليهم والتقوا واقتتلوا فى سنة إحدى وستين. فانهزمت غمارة،

стр. 9350

وقتل مفتاح وجماعة من أعيانهم ومقدميهم وخلق كثير منهم. وملكوا بلادهم عنوة. وكانت قبائل كثيرة يريدون الفتنة، وهم ينظرون ما يكون من غمارة، فلما قتلوا انقادت تلك القبائل إلى الطاعة، ولم يبق متحرك لفتنة، وسكنت الدهماء فى جميع المغرب «١» . وفى سنة خمس وستين وخمسمائة، وجه أبو يعقوب أخاه عمر ابن عبد المؤمن إلى الأندلس بالعساكر لقتال محمد بن «٢» سعد ابن مردنيش. وكان قد ملك شرق الأندلس، واتفق مع الفرنج، وامتنع على عبد المؤمن ثم على ابنه، وتمادى فى عصيانه، واستفحل أمره. فدخل العسكر «٣» إلى بلاده، وجاس خلال دياره، وأخذوا مدينتين من بلاده. وأقاموا مدة يتنقلون فى بلاده ويجبون أموالها. ثم توفى محمد بن سعد فى سنة سبع «٤» وستين، وأوصى أولاده أن يقصدوا الأمير أبا يعقوب، ويسلموا البلاد إليه، ويدخلوا فى طاعته. فلما مات قصدوه. فسربهم وأكرمهم وتسلم البلاد منهم، وهى مرسية، وبلنسية، وجيان، وغير ذلك، وتزوج أختهم. وأقاموا عنده مكرمين. وكان اجتماعهم به بمدينة إشبيلية، وقد دخل الأندلس فى مائة ألف فارس فى سنة ست وستين «٥» وخمسمائة.
следующие страницы →