← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

وحكى أيضا قال: أخبر رجل من أهل المهدية اجتمعت به بمدينة صقلية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قال: لما فتح عبد المؤمن مدينة بجاية وجميع ملك بنى حماد، وافق ذلك وصولى بعد أيام من المهدية إلى بجاية بأحمال متاع مع قفل «١» ، فبتنا «٢» على مرحلة من بجاية. فلما أصبح الصباح فقدت شدّة من المتاع، فحمدت الله «٣» وسألته الخلف. ودخلنا البلد وبعت المتاع أحسن بيع وأفدت «٤» فيه فائدة كبيرة» . فقلت لصاحب الحانوت الذى بعت على يديه: «فقدت من هذا المتاع شدة، وأخلف الله على فى الباقى» . فقال لى: «وما أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن؟» قلت: «لا» . قال: «والله، إن علم «٦» ذلك من غيرك لحقك الضرر بسترك على المفسدين. فاتق الله فى نفسك» . فرحت «٧» إلى القصر واستأذنت عليه وأعلمته. ثم خرجت فسألنى خادم عن منزلى فوصفته له. ورجعت إلى صاحب الحانوت «٨» فأخبرته. فقال: «خرجت «٩» من العهدة» . فلما كان صبيحة اليوم الثالث من وصولى إليه، جاءنى غلام

стр. 9347

أسود فقال: «أجب أمير المؤمنين» . فخرجت معه. فلما وصلنا باب القصر وجدت جماعة كبيرة «١» والمصامدة دائرة عليهم بالرماح. فقال لى الأسود «تعلم «٢» من هؤلاء؟» قلت: «لا» . قال: «هم أهل المكان الذى أخذ متاعك فيه» . فدخلت وأنا خائف، فأجلست بين يديه. واستدعى مشايخهم وقال لى: «كم «٣» صح لك فى الشدة التى فقدت أختها» . فقلت: «كذا وكذا» . فأمر من وزن لى المبلغ ثم قال لى: «قم. أنت أخذت حقك وبقى حقى وحق الله » . وأمر بإخراج المشايخ وقتل الجميع. وقال: «هذه طريق شوك أزيلها عن المسلمين» . فأقبلوا يبكون ويتضرعون ويقولون: «يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين؟» فقال: «نخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين» . فصار الرجل يخرج ولده وأخاه وابن عمه «٤» إلى أن اجتمع منهم نحو خمسمائة فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم، ففعلوا ذلك. وخرجت أنا إلى صقلية خوفا على نفسى من أولياء المقتولين. قال: وكان عبد المؤمن لا يداهن فى دولته، ويأخذ الحق من ولده إذا وجب عليه. قال: ولا مشرك فى بلاده ولا كنيسة فى بقعة منها، لأنه كان إذا ملك بلدا إسلاميا لم يترك فيه ذميا إلا عرض عليه الإسلام. فمن

стр. 9348

أسلم سلم، ومن طلب المضى إلى بلاد النصارى أذن له فى ذلك، ومن أبى قتل. فجميع أهل مملكته مسلمون لا يخالطهم سواهم. ولا لهو ولا هزل تحت أمره بل تلاوة كتاب الله العزيز، ومدارسة الأحاديث الصحيحة النبوية، والاشتغال بالعلوم الشرعية، وإقام الصلوات. فهذا كان دأب أصحابه. وكان لعبد المؤمن من الأولاد الذكور ستة عشر «١» ، وهم محمد وهو ولى عهده، وعلى، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب «٢» . ذكر ولاية أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وذلك أن عبد المؤمن لما حضرته الوفاة جمع أشياخ الموحدين وقال لهم: «قد جربت ابنى محمدا فلم أجد فيه نجابة تصلح للأمر، ولا يستحق الولاية ولا يصلح لها إلا ابنى يوسف، وهو أولى بها، فقدّموه لها» . ووصاهم به فبايعوه وعقدوا له الولاية. وخوطب بأمير المؤمنين. ثم مات عبد المؤمن فكتموا مونه وحمل فى محفة من سلا بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى مراكش. وكان ابنه أبو حفص حاجبا

стр. 9349

لأبيه فبقى مع أخيه على مثل حاله مع أبيه يخرج إلى الناس فيقول «١» أمر أمير المؤمنين بكذا وكذا، ويوسف يقعد مقعد أبيه إلى أن كملت المبايعة له فى جميع البلاد. فأظهر موت أبيه بعد انقضاء أشهر «٢» من وفاته. واستقامت الأمور لأبى يعقوب وانقاد الناس لأمره «٣» . ذكر عصيان غمارة مع مفتاح بن عمرو «٤» وقتالهم وقتل مفتاح قال. ولما تحقق الناس موت عبد المؤمن، ثارت قبائل غمارة فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة مع مفتاح بن عمرو؛ وكان مقدما كبيرا فيهم، فاتبعوه بأجمعهم، وامتنعوا فى جبالهم، وهى معاقل مانعة، وهم أمم جمة. فتجهز إليهم أبو يعقوب ومعه أخواه عمر «٥» وعثمان فى جيش كثيف من الموحدين والعرب. وتقدموا إليهم والتقوا واقتتلوا فى سنة إحدى وستين. فانهزمت غمارة،

стр. 9350

وقتل مفتاح وجماعة من أعيانهم ومقدميهم وخلق كثير منهم. وملكوا بلادهم عنوة. وكانت قبائل كثيرة يريدون الفتنة، وهم ينظرون ما يكون من غمارة، فلما قتلوا انقادت تلك القبائل إلى الطاعة، ولم يبق متحرك لفتنة، وسكنت الدهماء فى جميع المغرب «١» . وفى سنة خمس وستين وخمسمائة، وجه أبو يعقوب أخاه عمر ابن عبد المؤمن إلى الأندلس بالعساكر لقتال محمد بن «٢» سعد ابن مردنيش. وكان قد ملك شرق الأندلس، واتفق مع الفرنج، وامتنع على عبد المؤمن ثم على ابنه، وتمادى فى عصيانه، واستفحل أمره. فدخل العسكر «٣» إلى بلاده، وجاس خلال دياره، وأخذوا مدينتين من بلاده. وأقاموا مدة يتنقلون فى بلاده ويجبون أموالها. ثم توفى محمد بن سعد فى سنة سبع «٤» وستين، وأوصى أولاده أن يقصدوا الأمير أبا يعقوب، ويسلموا البلاد إليه، ويدخلوا فى طاعته. فلما مات قصدوه. فسربهم وأكرمهم وتسلم البلاد منهم، وهى مرسية، وبلنسية، وجيان، وغير ذلك، وتزوج أختهم. وأقاموا عنده مكرمين. وكان اجتماعهم به بمدينة إشبيلية، وقد دخل الأندلس فى مائة ألف فارس فى سنة ست وستين «٥» وخمسمائة.

стр. 9351

ذكر غزوة الفرنج قال: وفى سنة ثمان وستين «١» ، جمع أبو يعقوب عساكره. وسار من إشبيلة وقصد بلاد الفرنج. ونزل على مدينة وبذى «٢» ، وهى بالقرب من طليطلة شرقا منها، وحصرها. فاجتمعت الفرنج مع الأدفونش «٣» ملك طليطلة فى جمع كبير، فلم يقدموا «٤» على لقاء المسلمين. واتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين وعدمت الأقوات عندهم. فعادوا إلى إشبيلية. وأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وهو يجهز العساكر فى كل وقت، ويرسلها إلى بلاد الفرنج «٥» . وكان فى هذه المدة عدة «٦» وقائع وغزوات، ظهر فيها «٧» من شجاعة العرب ما لا يوصف، حتى كان الفارس من العرب يسير بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد. ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش.

стр. 9352

ذكر ملك أبى يعقوب مدينة قفصة قد ذكرنا أن صاحب قفصة قدم على عبد المؤمن وهو يحاصر المهدية، وأطاعه، وما قاله عبد المؤمن لحاجبه عند قدوم أهل قفصة من إخبار المهدى عن قفصة. فلما كان فى سنة ثمان وستين وخمسمائة، دخلت طائفة من الترك من ديار مصر فى أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب مع قراقوش مملوك تقى الدين. واجتمع إليه مسعود بن زمام وجماعة من العرب، ونزلوا على طرابلس وملكوها، واستولى على كثير من بلاد إفريقية. فعند ذلك طمع صاحب قفصة «١» ونزع يده من الطاعة، واستبد بالأمر. ووافقه أهل بلده فقتلوا من عندهم من الموحدين وذلك فى شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. فكتب والى بجاية إلى أبى يعقوب بالخبر واضطراب أمور البلاد. فسد الثغور التى يخشى عليها بعد مسيره. وسار إلى إفريقية فى سنة خمس وسبعين، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها. فلما اشتد الأمر على صاحبها خرج منها مستخفيا لم يعلم به أحد من أهل البلد. وجاء إلى خيمة أبى يعقوب فاستأذن عليه. فأذن له وقد عجب من إقدامه على الدخول عليه بغير أمان. فدخل عليه واستعطفه وقال: «قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عنى

стр. 9353

وعن أهل بلدى، وأن يفعل ما هو أهله» . فعفا عنه وعن أهل بلده. وتسلم المدينة فى أول سنة ست وسبعين وخمسمائة وسيره إلى المغرب فكان مكرما عزيزا، وأقطعه ولاية كبيرة «١» . ورتب لقفصة واليا من الموحدين. ووصل مسعود بن زمام «٢» أمير العرب إلى يوسف. فعفا عنه وسيره إلى مراكش. وتوجه يوسف إلى المهدية وشاهدها. ووافاه رسول من صاحب صقلية يلتمس الصلح، فهادنه عشر سنين، ورجع إلى المغرب. ذكر وفاة أبى يعقوب يوسف كانت وفاته فى شهر ربيع الأول «٣» سنة ثمانين وخمسمائة. وكان قد سار إلى بلاد الأندلس فى جمع عظيم. فلما عبر الخليج قصد غزو الفرنج، فحصر مدينة شنترين شهرا. فأصابه بها مرض، فمات وحمل فى تابوت إلى مدينة إشبيلية. وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة وشهورا «٤» . ومات وله عدة من الأولاد، رأيت فى بعض التواريخ أنهم كانوا

стр. 9354

خمسة عشر، وهم عمر، ويعقوب وهو ولى عهده، وأبو بكر، وعبد الله، وأحمد، ويحيى، وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعبد العزيز، وطلحة، وإسحاق، ومحمد، وعبد الواحد، وعثمان، وعبد الحق، وعبد الرحمن. فهذه «١» سبعة عشر عدها وجمع على خمسة عشر، والله أعلم «٢» . وذكر هذا المؤرخ أن وفاته كانت فى يوم السبت لسبع خلون من شهر رجب من السنة «٣» ، من طعنة «٤» طعنها على مدينة شنترين من أيدى الروم، لما عبر المسلمون وتركوه فى شرذمة يسيرة. ومات فى الليلة الثالثة. والله تعالى أعلم. وقال أيضا: ودفن بتينمل عند أبيه وابن تومرت. قال: وكان يحمل إليه من مال إفريقية فى كل سنة وقرمائة وخمسين بغلا، خارجا عما يرتفع إليه من سائر البلاد. وكان حسن السيرة، يحب العلماء ويقربهم ويشاورهم، وهم أهل خاصته، وكان فقيها عالما حافظا متقنا، رحمه الله تعالى.

стр. 9355

ذكر ولاية أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة. وكان أبوه قد مات ولم يوص لأحد بالملك، فاجتمع رأى أشياخ الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تقديم أبى يوسف يعقوب. فبايعوه وعقدوا له الولاية وقدموه للأمر، ودعوه بأمير المؤمنين «١» . فقام بالملك أحسن قيام، ورفع راية الجهاد، وأحسن السيرة. فاستقامت له الدولة بأسرها مع سعة أقطارها. ورتب ثغور الأندلس، وشحنها بالرجال، ورتّب المقاتلة فى سائر بلادها، وأصلح أحوالها، وعاد إلى مدينة مراكش. ذكر أخبار الملثمين وما ملكوه من افريقية واستعادة ذلك منهم قال: ولما بلغ على بن إسحاق بن محمد بن على بن غانية اللمتونى صاحب جزيرة «٢» ميورقة، وكان من أعيان الملثمين، وفاة أبى يعقوب، سار إلى بجاية فى عشرين شينيا. وملكها فى شعبان سنة ثمانين «٣» وخمسمائة، وأخرج من كان بها من الموحدين. وكان

стр. 9356

الأمير بها سليمان «١» بن عبد الله بن عبد المؤمن. وخطب اللمتونى بها للخليفة الناصر لدين الله العباسى. فاتصل الخبر بأبى يوسف فجهز العساكر واستعادها فى صفر سنة إحدى وثمانين. وكان بها يحيى وعبد الله أخوا على بن إسحاق قد تركهما بها وتوجه لحصار القسنطينة، فخرجا منها هاربين والتحقا بأخيهما. فأقلع إلى جهة إفريقية واجتمع بمن بها من العرب وانضاف إليه الترك الذين كانوا قد دخلوها من مصر. ودخل من مصر مملوك آخر اسمه بوزابه، فانضم إليه، وكثر جمعه، وقويت شوكته. واتبعوه جميعا لأنه من بيت الملك ولقبوه بأمير المسلمين. فقصد بلاد إفريقية فملكها شرقا وغربا إلا مدينتى تونس والمهدية، فإن الموحدين حفظوهما على خوف وضيق وشدة. وانضاف «٢» إلى الملثم كل مفسد يريد الفتنة والفساد والنهب. فأرسل الوالى على تونس وهو عبد الواحد بن عبد الله الهنتاتى إلى أبى يوسف يعلمه بالحال. فلما ورد عليه الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من الموحدين. وقصد قلة العساكر لقلة القوت فى البلاد. وسار فى صفر سنة ثلاث وثمانين «٣» ، فوصل إلى مدينة تونس. وأرسل ستة آلاف مع ابن أخيه أبى حفص «٤» ، فساروا

стр. 9357

إلى على بن إسحاق الملثم وهو بقفصة فوافوه. وكان مع الموحدين جماعة من الترك الذين كانوا مع قراقوش، فلما التقوا خامر الترك عليهم، وانضموا إلى أصحابهم الذين مع الملثم. فانهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدميهم. وذلك فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين. قال: فأقام أبو يوسف بمدينة تونس إلى نصف شهر رجب منها. ثم خرج فى خمسة عشر ألف فارس من الموحدين وسار يريد حرب الملثم. فالتقوا بالقرب من مدينة قابس واقتتلوا. فانهزم الملثم ومن معه. وأكثر الموحدون القتل فيهم حتى كادوا يفنونهم. ورجع من يومه إلى قابس ففتحها. وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وأمواله فحملهم إلى مراكش «١» . وتوجه إلى مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر «٢» ، وقطع أشجارها، وخرب ما حولها. فأرسل إليه الترك الذين كانوا بها فى السر يسألونه الأمان لأنفسهم ولأهل قفصة. فأجابهم إلى ذلك. وخرج الأتراك منها سالمين فسيرهم إلى الثغور لما رآه من شجاعتهم ونكايتهم. وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين «٣» . وهدم أسواره، وترك المدينة مثل قرية. وظهر ما قاله المهدى. ولما فرغ من أمر قفصة واستقامت له إفريقية، عاد إلى مراكش. فكان وصوله إليها فى سنة أربع وثمانين.

стр. 9358

وأما ابن غانية اللمتونى فإنه ثبت بعد انكشاف أصحابه وقاتل قتالا شديدا فأصابته جراحات كثيرة. ومر على وجهه فمات فى خيمة لعجوز أعرابية. وكان معه إخوته عبد الله ويحيى وأبو بكر وسير. فقدموا عليهم يحيى لشجاعته وشهامته ولحقوا بالمغرب. ولم يزل بإفريقية يثور تارة ويسكن أخرى. ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها الى المسلمين وفى سنة ست «١» وثمانين وخمسمائة، ملك الفرنج بغرب الأندلس مدينة شلب، وهى من أكبر مدن المسلمين. فوصل الخبر إلى أبى يوسف فتجهز بالعساكر الكثيرة. وعبر المجاز إلى الأندلس، وسير طائفة كثيرة فى البحر. ونازل شلب وحصرها، وقاتل من بها قتالا شديدا حتى ذلوا وطلبوا الأمان «٢» . فأمنهم وتسلم البلد. ورجع من به إلى بلادهم. وسير جيشا من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج. ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة وقتلوا طائفة من الفرنج فخافهم ملك طليطلة، وأرسل فى طلب الهدنة فصالحه خمس سنين. وعاد أبو يوسف بعد ذلك إلى مدينة مراكش.

стр. 9359

ذكر غزوة الفرنج بالأندلس والوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة كانت هذه الغزاة المباركة فى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. وكان سببها أن الفنش «١» ملك الفرنج صاحب طليطلة كتب إلى أبى يوسف كتابا، نسخته «٢» : «باسمك اللهم، فاطر السموات والأرض. أما بعد، أيها الأمير، فإنه لا يخفى على ذى عقل لازب، ولا ذى لب وذكاء ثاقب، أنك أمير الملة الحنيفية «٣» كما أنا أمير الملة النصرانية. وإنك لا يخفى عليك ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية واشتمالهم على الراحات. وأنا أسومهم سوم الخسف، وأسبى الذرارى، وأخلى الديار، وأمثّل بالكهول، وأقتل الشباب، ولا عذر لك فى التخلف عن نصرتهم، وقد أمكنتك منهم القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم. والآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، وقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم «٤» . ونحن الآن نقاتل عددا منكم

стр. 9360

بواحد منا. ولا تقدرون دفاعا ولا تستطيعون امتناعا. ثم حكى لى عنك أنك أخذت فى الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتمطل نفسك عاما بعد عام، تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى. ولا أدرى: الجبن أبطأبك أم التكذيب بما أنزل عليك؟ وحكى لى عنك أنك لا تجد سبيلا إلى جواز «١» البحر لعلة «٢» ما يسوغ لك التقحّم بها فها أنا أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك. ولك أن توفينى بالعهود والمواثيق والأيمان: أن توجّه بجملة من عبيدك «٣» فى الشوانى والمراكب وأجوز إليك بجملتى. وأبارزك فى أعز الأماكن عندك. فإن كانت لك، فغنيمة عظيمة جاءت إليك وهدية مثلت بين يديك. وإن كانت لى كانت يدى العليا عليك واستحققت إمارة المسلمين والتقدم على الفئتين. والله يسهل الإرادة ويقرب السعادة بمنه، ولا رب غيره ولا خير إلا خيره» . قال: فلما وصل كتابه وقرأه كتب فى أعلاه «٤» : «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ «٥» » . وأعاده إليه. وجمع عساكره وعبر المجاز إلى الأندلس. وقيل: كان سبب عبوره إلى الأندلس أنه لما صالح الفرنج فى سنة ست وثمانين على ما «٦» ذكرناه، بقيت طائفة من الفرنج لم

стр. 9361

ترض بالصلح. فلما كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وأسروا وغنموا وعاثوا. فانتهى ذلك إلى أبى يوسف. فجمع العساكر وعبر إلى الأندلس فى جيش يضيق به الفضاء. وجمعت الفرنج قاصيها ودانيها، وأقبلوا إليه مجدّين واثقين بالظفر لكثرتهم. والتقوا فى تاسع «١» شعبان من السنة شمالى قرطبة عند قلعة رباح بمكان يعرف بمرج الجديد «٢» . واقتتلوا قتالا عظيما. وكانت الحرب فى أولها على المسلمين ثم صارت الدائرة على الفرنج. فانهزموا أقبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم. وكان عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفا «٣» . وأسر ثلاثة عشر ألفا «٤» . وحاز المسلمون من الخيل ستة وأربعين ألفا «٥» ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف. وكان يعقوب نادى فى عسكره: «من غنم شيئا فهو له سوى السلاح» . فأحصى ما حمل إليه، فكان يزيد على سبعين ألف لباس. وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفا. ولما انهزم الفرنج، اتبعهم أبو يوسف

стр. 9362

فرآهم قد خلّفوا «١» قلعة رباح وساروا عنها. فملكها «٢» وجعل فيها واليا وجندا. وسار إلى مدينة إشبيلية. وأما الفنش فإنه حلق رأسه، ونكس صلبانه، وركب حمارا، وأقسم ألا يركب فرسا ولا بغلا حتى ينصر النصرانية. فجمع جموعا كثيرة. فبلغ الخبر إلى أبى يوسف، فأرسل إلى مراكش وغيرها من بلاد الغرب «٣» يستنفر الناس من غير إكراه. فاجتمع إليه جمع عظيم. فالتقوا فى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة. وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك. وتوجه أبو يوسف إلى مدينة طليطلة. فحصرها وقاتل من بها قتالا شديدا، وقطع أشجارها. وشنّ الغارة على ما حولها من البلاد. وفتح عدة حصون، فقتل رجالها، وسبى حريمها، وهدم أسوارها، وخرب دورها. فضعفت النصرانية حينئذ وعظم أمر الإسلام بالأندلس. وعاد إلى إشبيلية فأقام بها. فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، سار إلى الفرنج وفعل مثل فعله الأول والثانى. فذل العدو واجتمعت ماوك الفرنج وراسلوه فى الصلح، فأجابهم إليه بعد امتناع. وكان عزم على أن لا يجيبهم إلى

стр. 9363

الصلح وأن يداوم الغزو حتى يفنيهم. فأتاه خبر على «١» بن إسحاق الملثم بخروجه على إفريقية. فصالحهم «٢» سنين. وعاد إلى مراكش فى آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ذكر ما فعله الملثم بافريقية قال: ولما عبر أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس، وداوم الغزو، وانقطعت أخباره عن إفريقية، قوى «٣» طمع على بن إسحاق «٤» فيها. وكان بالبرية مع العرب «٥» . فعاود قصد إفريقية. وبث جنده فى البلاد وأكثر الفساد. وأظهر أنه إذا استولى على بجاية سار إلى المغرب. فوصل الخبر إلى أبى يوسف فصالح الفرنج، وعاد إلى مراكش عازما على قصده وإخراجه. ولما عاد استعمل على مدينة تونس أبا سعيد عثمان بن عمر الهنتاتى وولى أخاه أبا على يونس بن عمر على المهدية. وجعل قائد الجيش «٦» بالمهدية محمد بن عبد الكريم، وهو رجل مشهور بالشجاعة. فعظمت

стр. 9364

نكايته فى العرب، ولم يبق إلا من يخافه. وخرج إلى طائفة من عوف، فانهزموا منه وتركوا أموالهم وعيالهم. فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية. وأخذ من الغنيمة والأسلاب ما شاء، وسلم البعض لأبى على، والبعض للجند. فجاءت تلك الأعراب إلى أبى سعيد بن عمر فوحّدوا «١» وصاروا من حزب الموحدين. واستجاروا بأبى سعيد فى رد عيالهم وأموالهم. فأحضر محمد بن عبد الكريم وأمره بإعادة ما أخذ لهم. فقال: «أخذه الجند ولا أقدر على رده» . فأغلظ له فى القول وأراد أن يبطش به. فاستمهله إلى أن يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده، وما عدم غرمه من ماله؛ فأمهله. وانصرف إلى المهدية وهو لا يأمن على نفسه. فلما وصل إليها جمع أصحابه، وأعلمهم بما كان من أبى سعيد، وحالفهم على المخالفة عليه، فحلفوا له على ذلك. فقبض على أبى على يونس «٢» وتغلب على المهدية وملكها ونزع يده من الطاعة. فأرسل إليه أبو سعيد فى إطلاق أخيه يونس. فأطلقه على اثنى عشر ألف دينار، فأخذها وفرقها فى جنده. فجمع أبو سعيد الجند وأراد قصده. فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى على بن إسحاق الملثم واعتضد به. فامتنع أبو سعيد من قصده. وفى خلال ذلك مات أبو يوسف.

стр. 9365

ذكر وفاة أبى يوسف يعقوب كانت وفاته فى سابع عشر شهر ربيع الآخر «١» سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة سلا. وكان قد سار إليها من مراكش، وبنى مدينة مجاورة «٢» لها وسماها المهدية «٣» ، وجاءت من أحسن البلاد وأنزهها. فسار ليشاهدها فتوفى بها. وقيل: بل توفى بمراكش بعد انصرافه من سلا، فى جمادى الأولى سنة خمس وتسعين. وقيل: بل كانت وفاته فى صفر منها. وكانت ولايته خمس عشرة سنة «٤» . وكان ﵀ دينا، حسن السيرة، كثير الجهاد، إلا أنه كان يتمذهب بمذهب الظاهرية ولا يكتمه. فعظموا فى أيامه وانتشروا فى البلاد، ومال إليهم «٥» . وحكى بعض المؤرخين أنه كان فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة أظهر الزهد والتقشف وخشونة المأكل والملبس «٦» . وانتشرت فى أيامه الصالحون وأهل الحديث. وانقطع علم الفروع. وأمر بإحراق

стр. 9366

كتب المذهب بعد أن يجرد منها الحديث والقرآن. فحرق منها جملة فى سائر البلاد كالمدونة وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبى زيد، ومختصره، والتهذيب للبرادعى، والواضحة. وأمر بجمع الحديث من المصنفات كالبخارى، ومسلم، والترمذى، والموطأ، وسنن أبى داود، والبزار، وابن أبى شيبة، والدار قطنى، والبيهقى، فجمع ذلك كله. فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه. قال: وانتشر هذا المجموع فى بلاد المغرب، وحفظه العوام والخواص. وكان يجعل لمن حفظه الجوائز السنية. وكان قصده أن يمحو مذهب مالك من بلاد المغرب، ويحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة. وكان له من الأولاد محمد وهو ولى عهده، وإبراهيم، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وموسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد. فهؤلاء أربعة عشر ولدا. ولما مات ولى بعده ابنه محمد. ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على الملقب الناصر لدين الله كان أبوه قد ولاه العهد فى حياته. واستقل بالملك بعده، واستقام أمر دولته، وأطاعه الناس، وذلك فى جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وخمسمائة. ولما ولى اتصل به فساد إفريقية. فأنفذ عمه أبا العلاء فى سبعين شينيا مشحونة بالعدد والمقاتلة. وجهز جيشا فى

стр. 9367

البر مع أبى الحسن على بن أبى حفص «١» عمر بن عبد المؤمن فوصل إلى قسنطينة الهواء. ووصل الأسطول إلى بجاية. فلما اتصل خبرهم بعلى بن إسحاق «٢» ومن معه من العرب هربوا وتركوا إفريقية ودخلوا إلى الصحراء. وتمادى بعض الأسطول إلى المهدية، فقبح مقدمهم على محمد بن عبد الكريم فعله. فشكا إليه ما ناله من أبى سعيد، وقال: «أنا فى طاعة سيدنا أمير المؤمنين محمد، وما أسلم المهدية إلا له أو لمن يأمرنى بتسليمها إليه. وأما أبو سعيد فلا أسلمها إليه أبدا» . فأرسل محمد من تسلمها منه. وعاد إلى الطاعة. قال: وجهز محمد جماعة من العرب إلى الأندلس واحتاط. واحترز. فأتاه جماعة رسل من ملوك الفرنج يطلبون دوام الهدنة ويشاهدون أحوال الدولة. فأنزلهم على العادة، وحضروا مجلسه فطلبوا دوام الهدنة التى كانت بينهم وبين أبيه، واستقراض مائة ألف دينار. فقال لهم: «المال والحمد لله لدينا والرجال، ونحن نجيب إلى ذلك بشرط أن ترهنوا عندنا معاقل على المال تكون بأيدينا إلى حين الوفاء. وإن كان هذا منكم امتحانا فالسيوف التى تعرفون ما ردّت فى أغمادها والرماح ما حصلت على أوتادها» . فانصرفوا وقد ملأ قلوبهم رعبا. وأبقوا الهدنة على ما كانت وأعرضوا عن ذكر السلف. قال: وخرج أقارب يحيى بن إسحاق الميورقى من ميورقة لما علموا

стр. 9368

بموت يعقوب فى أسطول كبير إلى جزيرة منرقة، وهى فى طاعة محمد. ففتحوها واحتووا على أموالها، وتركوا فيها جندا يحفظونها. فاتصل ذلك بالأمير محمد. فجهز أسطولا فى غير أوان ركوب البحر فى كانون، وقدم عليهم أبا زيد. فوصل إلى منرقة ففتحها عنوة بالسيف وقتل بعض من فيها «١» . وتوجه إلى جزيرة ميورقة «٢» ففتحها وقتل بعض من بها من الجند. وأسر ثلاثة من أقارب يحيى ابن إسحاق وقتل منهم واحد فى المعركة. وذلك كله فى سنة خمس «٣» وتسعين وخمسمائة. انتهى تاريخ ابن شداد وابن الأثير «٤» فى أخبار المغرب إلى هذه الغاية. وقال غيرهما ممن أرخ للمغاربة: وفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، قام بالسوس رجل جزولى يعرف بأبى قصبة، ودعا لنفسه، واجتمع عليه خلق كثير ثم هزمه الموحدون وأسلمه أصحابه، وقتل. وفى سنة إحدى وستمائة، تجهز محمد بن يعقوب فى جيوش عظيمة لقصد إفريقية، وكان يحيى بن غانية اللمتونى قد استولى عليها ما خلا قسنطينة وبجاية. فنزل إفريقية وملكها، ولم يمتنع عليه منها إلا المهدية. فأقام عليها أربعة أشهر، وكان فيها الحسن بن على بن عبد الله بن محمد بن غانية «٥» واليا لابن عمه يحيى. فلما طال عليه

стр. 9369

الحصار سلمها وخرج يقصد ابن عمه. ثم بداله فراسل الأمير محمدا فقبله أحسن قبول ووصله بالصّلات السنية. ثم ترك بإفريقية من يقوم بحمايتها، واستعمل عليها أبا محمد عبد الواحد. ورجع إلى مراكش فى سنة أربع «١» وستمائة. وأقام بها إلى أول سنة سبع «٢» وستمائة. فقصد بلاد الروم بالغزو، ونزل على قلعة تسمى شلب ترّة «٣» ففتحها. فجمع له الأذفنش «٤» جموعا عظيمة من الأندلس والشام «٥» والقسطنطينية. فالتقيا بموضع يعرف بالعقاب. فدهم الأدفنش المسلمين وهم على غير أهبة. فانهزموا وقتل من الموحدين خلق كثير. وثبت الأمير محمد ثباتا لم ير من ملك قبله. ولولا ذلك لا ستؤصلت تلك الجموع. ثم رجع إلى مراكش. وكانت الهزيمة فى يوم الاثنين منتصف صفر «٦» سنة تسع وستمائة. وانفصل الأدفنش، وقصد بياسة فوجدها خالية. فقصد أبّذة فوجد فيها من المسلمين عددا كثيرا من المنهزمين وأهل بياسة. فأقام عليها ثلاثة عشر يوما، ودخلها عنوة وسبى وغنم. فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة.

стр. 9370

ذكر وفاة أبى عبد الله محمد وشىء من أخباره كانت وفاته بمدينة مراكش لعشر خلون، وقيل: لخمس خلون من شعبان سنة عشر «١» وستمائة. فكانت ولايته خمس عشرة سنة وشهورا. وكان شديد الصمت، بعيد الغور، كثير الإطراق، حليما، شجاعا، عفيفا عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه، إلا أنه كان نحيلا «٢» ألثغ. وكان له من الأولاد يوسف، وهو ولى عهده، ويحيى، وإسحاق توفى يحيى فى حياته. ولما مات ولى بعده ابنه يوسف. ذكر ولاية يوسف بن محمد بن يعقوب ابن يوسف بن عبد المؤمن بن على كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى شعبان سنة عشر وستمائة، وعمره يوم ذاك ست عشرة سنة. وقام ببيعته من القرابة أبو موسى عيسى ابن عبد المؤمن عم جده، الذى دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقى من ولد عبد المؤمن لصلبه، وأبو زكريا يحيى بن عمر بن عبد المؤمن. بويع له البيعة الخاصة فى يومى الخميس والجمعة،

стр. 9371

بايعه أشياخ الموحدين والقرابة. وفى يوم السبت أذن للناس عامة وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم على رأسه يقول للناس: «تبايعون أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين «١» ، على ما بايع عليه أصحاب رسول الله ﷺ من السمع والطاعة فى المنشط والمكره واليسر والعسر، والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين، هذا ماله عليكم. ولكم عليه أن يحمى ثغوركم «٢» ، وأن لا يدخر عنكم شيئا مما نعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم. وأن لا يحتجب دونكم. أعانكم الله على الوفاء، وأعانه على ما قلده من أموركم» قال المؤرخ: ولما مضى من ولاية يوسف هذا أربعة أشهر، قبض على رجل كان قد ثار عليهم اسمه عبد الرحمن، ادعى أنه من أولاد العاضد من خلفاء المصرين «٣» . وكان خروجه فى زمن أبيه محمد بن يعقوب، والتفّت عليه ببلاد صنهاجة جماعة كبيرة «٤» . وكان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة. وقصد سجلماسة فى حياة محمد بن يعقوب فى جيش عظيم. فخرج إليه متوليها سليمان بن عمر بن عبد المؤمن. فهزمه عبد الرحمن هذا، وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود. ولم يزل يتنقل فى قبائل البربر ولا تثبت عليه جماعة لأنه غريب البلد، حتى قبض عليه بظاهر فاس. فضربت عنقه وصلب، ووجّه برأسه إلى مراكش.

стр. 9372

وثار فى أيام يوسف رجل ببلاد جزولة يدعى أنه فاطمى، فقتل وجىء برأسه «١» . وثار آخر من صنهاجة، فقتل فى سنة ثمانى عشرة وستمائة، بعد أن أثر آثارا قبيحة، وهزم بعوثا كثيرة، وأفسد خلقا من الناس. واستمر يوسف هذا إلى سنة عشرين وستمائة. ذكر وفاة يوسف بن محمد كانت وفاته فى شوال أو ذى القعدة «٢» سنة عشرين وستمائة. فكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر تقريبا «٣» . ولم أقف من أخباره على غير ما وضعت، فأورده. ذكر ولاية أبى محمد عبد العزيز بن يوسف ابن عبد المؤمن «٤» كانت ولايته فى ذى القعدة سنة عشرين وستمائة بعد وفاة يوسف ابن محمد. وكان يوسف بن محمد ولاه مدينة إشبيلية حين عزل عنها أخاه أبا العلاء إدريس وولاه إفريقية. فلما توفى يوسف اضطرب

стр. 9373

الأمر. فاجتمع معظم الناس «١» على تقديم أبى محمد عبد العزيز. فبايعوا له وولوه أمرهم. قالوا: وكان عبد العزيز هذا فى أيام إمارته قبل أن يصير الأمر إليه مجتهدا فى دينه، شديد البصيرة فى أمره، قوى العزيمة، شديد الشكيمة، لا تأخذه فى الله لومة لائم، أرطب الناس لسانا بذكر الله وأتلاهم لكتابه، مع دماثة خلق ولين جانب وخفض جناح لأصحابه، مع سخاء نفس وطلاقة وجه. هذا ما وقفت عليه من أخبار ملوك دولة الموحدين مما دوّن لهم، على ما فيه من الاختصار. ثم انقطعت أخبار ملوك المغرب «٢» عن الديار المصرية. فلم يصل إلينا من خبرهم إلا ما نتلقاه من أفواه الناس. ولم يتحقق «٣» من أخبارهم ما نورده «٤» فتكون العمدة «٥» عليه، لكنا علمنا من ولى الأمر من ملوك هذه الدولة بعد أبى محمد عبد العزيز هذا «٦» واحدا بعد واحد إلى أن انقرضت الدولة وقامت دولة زناتة، من غير أن نتحقق تاريخ ولاية أحد منهم ولا وفاته. فرأينا أن نذكر ذلك مجردا عاريا من الأخبار والوقائع. ونقلت ذلك عن ثقة أخبرنى أنه نقله عن ثقات. وها أنا أورده كما أخبرنى. قال: ولى الأمر بعد أبى محمد عبد العزيز المستنصر بالله

стр. 9374

أبو يعقوب يوسف بن الناصر لدين الله أبى عبد الله محمد بن المنصور بالله أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن «١» . ثم ولى الأمر بعده أبو محمد عبد الواحد بن أبى يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن. ثم ولى الأمر بعده العادل أبو محمد عبد الله بن المنصور بالله أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. ثم ولى بعده «٢» أبو زكريا يحيى بن الناصر لدين الله أبى عبد الله محمد، وهو أخو المستنصر «٣» بالله المقدم ذكره. ثم ولى بعده أبو العلاء إدريس المأمون بن المنصور أبى يوسف يعقوب. ثم ولى بعده ابنه الرشيد عبد الواحد بن المأمون إدريس. ثم ولى بعده «٤» أخوه السعيد أبو الحسن على «٥» بن المأمون إدريس، وهو المعروف بالبرّاك، وإنما سمى بالبراك لثبوته فى الحرب. ثم ولى بعده «٦» المرتضى أبو حفص عمر بن أبى إبراهيم إسحاق.

стр. 9375

ثم ولى بعده «١» الواثق بالله أبو العلاء إدريس المعروف بأبى دبوس ابن أبى عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن، وإنما سمى بأبى دبوس لثقل دبوسه. ثم ولى بعده «٢» ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبى العلاء إدريس. وعليه انقرضت دولتهم وقامت الدولة المرينية، وهم زنانة، وهى الدولة القائمة فى عصرنا «٣» هذا. ولما انتزع من الملك انتقل إلى بلاد الفرنج فكان بها إلى أن ثار على بنى أبى حفص «٤» بساحل «٥» طرابلس الغرب وأعانته «٦» الأعراب على ذلك. ثم قتل بعد أربعة أشهر أو نحوها من نهوضه ولم يتم له ما قصده. ثم قام بعده أخوه أبو سعيد عثمان بن إدريس، وملك مدينة قابس وبلاد نفزاوة «٧» ، وأقام بها مدة. ثم أخرج منها فتوجه مع العرب إلى البرية. ثم ثار معهم بإفريقية حتى انتهى إلى جبل الريحان، وهو على مرحلة من تونس. ثم خذله العرب فتوجه إلى بلاد الفرنج «٨» . قال: وكان انقراض دولة الموحدين فى سنة ست «٩» وستين وستمائة تقريبا.

стр. 9376

جامع أخبار دولة الموحدين كانت مدة قيام هذه الدولة من حين ظهر «١» المهدى محمد بن تومرت فى سنة أربع عشرة وخمسمائة وإلى «٢» حين انقراضها فى سنة ست وستين وستمائة، مائة سنة وثلاثا وخمسين سنة تقريبا. وعدة من ملك منهم سبعة عشر «٣» ملكا، وهم: المهدي محمد بن تومرت الحسنى. عبد المؤمن بن على. أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. أبو يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف «٤» بن عبد المؤمن. أبو عبد الله محمد بن أبى يوسف. ولده يوسف بن محمد. أبو محمد عبد العزيز بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. أبو محمد عبد الواحد بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. أبو محمد عبد الله بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.

стр. 9377

أبو زكريا يحيى بن أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. أبو العلاء إدريس بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن. ولده عبد الواحد بن إدريس. أخوه أبو الحسن على بن إدريس وهو البراك. أبو حفص عمر بن أبى إبراهيم إسحاق. أبو العلاء إدريس بن أبى عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن. ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبى العلاء إدريس.

стр. 9378

ذكر تسمية ملوك بنى مرين أول من قام من ملوكهم «١» أبو بكر بن عبد الحق. استولى على بعض بلاد الموحدين بنى عبد المؤمن ثم مات قبل أن يخلص له الأمر ببلاد المغرب. فملك بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق المعروف بابن تابطويت «٢» وهى أمه نسبت إلى قبيلة بطّويت «٣» ، وهى قبيلة كبيرة من قبائل زناتة. وفى أيامه انقرضت دولة بنى عبد المؤمن، وعظم شأنه، واتسع ملكه، وطالت مدته ثم مات. فملك بعده ولده يوسف المعروف بأبى الزردات «٤» واهتز له المغرب، وعظم شأنه، وهابه ملوك المغرب ومع ذلك لم يأت بطائل. وحاصر تلمسان فمكث على حصارها نحو أربع عشرة سنة، وابتنى عليها مدينة سكنها بجيوشه. ومات قبل أن يملكها، وذلك أن بعض خدامه وثب عليه فضربه. فلما تحقق الموت عهد بالملك إلى ولده أبى سالم إبراهيم فملك بعده. وخالف عليه ابن أخيه أبو ثابت عامر بن عبد الله بن يوسف أبى الزردات وعمه أبو يحيى أبو بكر بن يعقوب بن عبد الحق. واجتمع عليهما بنو مرين وهم على تلمسان. فخافهما إبراهيم وهرب من ليلته، فاتّبع وقتل. واستقر الملك لعامر وعم أبيه أبى يحيى يوما واحدا. ثم قام عبد الله ابن أبى مدين المكناسى وزير يوسف بن يعقوب- وهو المستولى على

стр. 9379

الدولة- وعلم أن أبا يحيى إن استمر تغلب على الملك وتحكم عليه «١» ، ورأى أنه إذا انفرد عامر بالملك مع صغر سنه كان هو المتحكم فى المملكة فأغرى عامرا بأبى يحيى، فأمر به فقتل فى اليوم الثانى. واستقل عامر بالملك مدة سنة واحدة وشهر ثم مات بطنجة. فقام لطلب الملك بعده عمه على بن يوسف المعروف بابن رزيجة «٢» ورزيجة أمه أم ولد. فلم يتم له أمر. فقام عبد الله بن أبى مدين الوزير وبايع لأبى الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب، وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها. واستقر فى الملك ثلاث سنين حتى مات بناحية تازا. ثم ملك بعده عم أبيه عثمان بن يعقوب. وقتل ابن أبى مدين فى أيام سليمان بن عبد الله بأمره بمدينة فاس. وولى الوزارة بعده لأبى الربيع سليمان أخوه محمد بن أبى مدين. وعثمان هذا هو الملك القائم فى وقتنا هذا، فى سنة تسع عشرة وسبعمائة. وإنما اقتصرنا من أخبارهم على هذه النبذة لأنهم منعوا فى ابتداء دولتهم أن يؤرّخ لهم أو تدون أخبارهم، وقتلوا محمد بن عبد الله ابن أبى بكر القضاعى المعروف بابن الأبار، وكان قد أرخ أخبارهم وأخبار غيرهم، وأعدموا ما وجدوه عنده وعند غيره من أوراق التاريخ المنسوبة لهم ولغيرهم. فهذا هو الذى منع من انتشار أخبارهم. فلنذكر أخبار جزيرة «٣» صقلية واقريطش.

стр. 9380

ذكر أخبار جزيرة «١» صقلية ومن غزاها من المسلمين وما افتتح منها، وكيف استولت الفرنج- خذلهم الله تعالى- عليها قد ذكرنا صفة جزيرة صقلية، وما بها من الأنهار والعيون والفواكه والأشجار والنبات والكلأ، وما بها من المدن المشهورة. وأنينا على ذلك مبينا، وهو فى السّفر الأول من كتابنا هذا فى أخبار الجزائر «٢» . فلنذكر الآن فى هذا الموضع خلاف ما قدمناه من أخبارها. فنقول: أول من غزا جزيرة صقلية فى الاسلام عبد الله بن قيس الفزارى «٣» من قبل معاوية بن حديج، وكان قد بعثه من إفريقية، وذلك فى خلافة معاوية بن أبى سفيان «٤» . ففتح وسبى وغنم فكان مما غنم أصناما من ذهب وفضة مكللة بالجواهر. فحملها إلى معاوية بن أبى سفيان. فأنفذها معاوية إلى الهند لزيادة ثمنها. فأنكر المسلمون ذلك عليه. ثم غزاها بعد ذلك محمد بن أبى إدريس «٥» الأنصارى، فى أيام يزيد بن عبد الملك «٦» ، فقدم بغنائم وسبايا. ثم غزاها بشر بن صفوان الكلبى، فى أيام هشام بن عبد الملك فقدم بغنائم وسبايا.

стр. 9381

ثم غزاها حبيب بن أبى عبيدة، فى سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ولده عبد الرحمن بن حبيب. فوجهه على الخيل «١» فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن حتى انتهى إلى سرقوسة «٢» ، وهى دار الملك فقاتلوه، فهزمهم وضرب باب المدينة بسيفه فأثّر فيه. فهابه النصارى ورضوا بالجزية. فأخذها منهم ثم توجه «٣» إلى أبيه. فرجعا إلى إفريقية. ثم غزاها عبد الرحمن بن حبيب، فى سنة ثلاثين ومائة فظفر ثم اشتغل ولاة إفريقية بالفتن التى قدمنا ذكرها فى أخبارهم فأمن «٤» أهل جزيرة صقلية، وعمرها الروم من كل الجهات، وبنوا بها المعامل والحصون، ولم يتركوا جبلا إلا جعلوا عليه حصنا. وفى سنة إحدى «٥» عشرة ومائتين، ولى ملك القسطنطينية على صقلية قسنطين «٦» البطريق الملقب بسودة «٧» فعمر اسطولا وسيره إلى بر إفريقية. وولى عليهم فيمى الرومى، وكان مقدما من بطارقته، فاختطف من بعض سواحلها مجازا «٨» ، وبقى

стр. 9382

مدة. فوصل كتاب صاحب القسطنطينية إلى قسنطين، يأمره بعزل فيمى وأن يعذبه لشىء بلغه عنه. فاتصل ذلك بفيمى، فمضى إلى مدينة سرقوسة. وملكها ونزع يده من الطاعة. فخرج إليه قسنطين، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قسنطين وقتل. وخوطب فيمى بالملك. وكان ممن انقطع إليه علج من الأرمنيين «١» ، يقال له بلاطة. فقدمه وولاه على ناحية من الجزيرة. فخالف على فيمى وخرج إليه وقاتله. فانهزم فيمى وقتل من أصحابه ألف رجل. ودخل بلاطة مدينة سرقوسة. وركب فيمى ومن معه فى البحر. وتوجه إلى إفريقية إلى زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب يستنصر به. فجمع زيادة الله وجوه أهل القيروان وفقهاءها واستشارهم فى إنفاذ «٢» الأسطول إلى جزيرة صقلية. فقال بعضهم: «نغزوها ولا نسكنها ولا نتخذها وطنا» . فقال سحنون بن قادم «٣» ﵀: «كم بينها وبين بلاد الروم؟» فقالوا: «يروح الإنسان مرتين وثلاثة فى النهار ويرجع» . قال: «ومن ناحية إفريقية» . قالوا: «يوم وليلة» . قال: «لو كنت طائرا ما طرت عليها» . وأشار من بقى بغزوها، ورغبوا فى ذلك، وسارعوا إليه «٤» . فخرج أمر زيادة الله إلى فيمى بالتوجه إلى مرسى سوسة، والإقامة هناك إلى أن يأتيه الأسطول. وجمع الأسطول

стр. 9383

والمقاتلة. واستعمل عليهم القاضى أسد بن الفرات. وأقلع الأسطول من مدينة سوسة يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة ومائتين، وهو نحو مائة مركب «١» سوى مراكب فيمى، وذلك فى خلافة المأمون. فوصل مازر «٢» يوم الثلاثاء. فأمر بالخيل فأخرجت من المراكب، وكانت سبعمائة فرس وعشرة آلاف راجل. وأقام ثلاثة أيام. فلم يخرج إليه إلا سرية واحدة. فأخذها، فإذا هى من أصحاب فيمى، فتركها. ثم رحل من مازر على تعبئة «٣» قاصدا بلاطة وهو بمرج «٤» ينسب إليه. فعبأ القاضى أسد أصحابه للقتال. وأفرد فيمى ومن معه ولم يستعن بهم. والتقوا واقتتلوا، فانهزم بلاطة ومن معه. وقتل منهم خلق كثير. وغنم المسلمون ما معهم. ولحق بلاطة بقصريانة «٥» ثم غلبه الخوف فخرج منها إلى أرض قلّورية «٦» فقتل بها. ثم سار القاضى أسد إلى الكنيسة التى على البحر وتعرف بأفيمية «٧» واستعمل على مازر أبازكى «٨» الكنانى.

стр. 9384

ثم سار إلى كنيسة المسلقين «١» . فلقيه طائفة من بطارقة سرقوسة فسألوه الأمان خديعة ومكرا. واجتمع أهل الجزيرة إلى قلعة الكرّاث وجمعوا فيها جميع أموال أهل الجزيرة. وذل أهل سرقوسة وألقوا بأيديهم. فلما شاهد ذلك فيمى داخلته حمية الكفر. فأرسل إليهم أن يثبتوا وأن يجدوا فى الحرب ويستعدوا. وأقام القاضى أسد فى موضعه أياما. وتبين له «٢» أنهم مكروا به حتى أصلحوا حصنهم وأدخلوا إليه جميع ما كان فى الرّبض «٣» وفى الكنائس من الذهب والفضة والميرة. فتقدم وناصبهم القتال. وبث السرايا فى كل ناحية فغنموا وسبوا سبيا «٤» كثيرا. وأتوه بالسبى والغنائم وأتته الأساطيل من إفريقية والأندلس. وشدد القاضى الحصار على مدينة سرقوسة. فسألوه الأمان فأراد أن يفعل. فأبى عليه المسلمون وعاودوا الحرب. فمرض القاضى أسد فى خلال ذلك، ومات فى شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين. ذكر ولاية محمد بن أبى الحوارى «٥» قال: ولما توفى القاضى أسد بن الفرات، ولى المسلمون على أنفسهم محمد بن أبى الحوّارى، فضيق على أهل سرقوسة. فوصل

стр. 9385

من القسطنطينية أسطول كبير «١» وعساكر فى البر. فعزم المسلمون على العود إلى إفريقية، فرحلوا عن سرقوسة وأصلحوا مراكبهم «٢» وركبوها. فوقفت مراكب الروم على المرسى الكبير «٣» ومنعوهم من الخروج. فأحرق المسلمون مراكب نفوسهم. ورحلوا إلى حصن مناو «٤» ومعهم فيمى. فملكوا الحصن وسكنوه. وملكوا حصن جرجنت «٥» وسكنه طائفة من المسلمين. ثم خرج فيمى إلى قصريانة، فخرج إليه أهلها وبذلوا له الطاعة وخدعوه. وقالوا له: «نكون نحن وأنت والمسلمون على كلمة واحدة ونخلع طاعة الملك» . وسألوه أن يرجع عنهم ذلك اليوم لينظروا فيما يصالحون عليه. فرجع عنهم يومه ذلك. ثم جاءهم فى الغد فى نفر يسير. فخرجوا يقبلون الأرض بين يديه، وكانوا قد دفنوا سلاحا فى تلك البقعة. فلما قرب منهم، أخرجوا السلاح وثاروا به فقتلوه. ثم وصل تودط البطرك «٦» من القسطنطينية فى عساكر عظيمة
следующие страницы →