Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.
стр. 9451
ذكر غزو جزيرة سردانية ٥٣
ذكر ولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى ابن نصير ٥٤
ذكر ولاية اسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم ٥٦
عبيدة بن عبد الرحمن السلمى ٥٧
عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول ٥٨
حنظلة بن صفوان الكلبى ٦٢
ذكر أخبار عبد الرحمن بن حبيب وتغلبه على إفريقية ورجوع حنظلة إلى المشرق ٦٤
ذكر مقتل عبد الرحمن بن حبيب وولاية أخيه إلياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله ٦٧
ذكر تغلب ورفجومة على إفريقية وما كان منهم ومن ولى بعدهم إلى أن ولى محمد بن الأشعث ٧٢
ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعى ٧٣
ذكر ولاية الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمى ٧٦
ذكر ولاية عمر بن حفص هزار مرد ٧٩
ذكر ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة ٨٥
ذكر ولاية داود بن يزيد بن حاتم ٨٨
ذكر ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة ٨٨
ذكر ولاية نصر بن حبيب المهلبى ٨٩
ذكر ولاية الفضل بن روح ٩٠
ذكر أخبار عبد الله بن الجارود ٩٢
ذكر ولاية هرثمة بن أعين ٩٥
ذكر ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم العكى ٩٦
ذكر ابتداء دولة بنى الأغلب ١٠٠
ذكر ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمى ١٠٠
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب ١٠٥
стр. 9452
ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب ١٠٧
ذكر ولاية أبى عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب ١١٧
ذكر ولاية أبى العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب ١١٨
ذكر ولاية أبى إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب ١٢٣
ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب ١٢٥
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب المكنى بأبى الغرانيق ١٢٥
ذكر ولاية أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب ١٢٧
ذكر انتقال إبراهيم إلى تونس ١٣٣
ذكر اعتزال إبراهيم الملك وزهده وغزوه ووفاته ١٣٥
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب ١٤٣
ذكر ولاية أبى مضر زيادة الله بن أبى العباس ١٤٥
ذكر انهزام زيادة الله إلى المشرق وانقراض دولة بنى الأغلب ١٤٩
ذكر ما كان من أخبار زيادة الله وقتله عبد الله بن الصائغ ومسيره إلى بلاد المشرق ووفاته ١٥٠
ذكر أخبار من ملك المغرب بعد بنى الأغلب إلى أن قامت دولة بنى زيرى بن مناد ١٥٤
ذكر ابتداء دولة بنى زيرى بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم إلى انقضاء دولتهم ١٥٦
ذكر أخبار زيرى بن مناد ١٥٩
ذكر بناء مدينة أشير ١٦٠
ذكر الحرب بين زيرى وزناته ١٦٣
ذكر مقتل زيرى ١٦٥
ذكر أخبار أبى الفتوح يوسف بلكين بن زيرى بن مناد ١٦٧
ذكر ولاية أبى الفتوح يوسف بلكين بلاد المغرب ١٦٩
ذكر ولاية عبد الله بن محمد الكاتب ١٧١
стр. 9453
ذكر أخبار خلف بن خير ١٧٣
ذكر وفاة أبى الفتوح يوسف ١٧٦
ذكر ولاية أبى الفتح المنصور بن يوسف بلكين بن زيرى ١٧٧
ذكر مقتل عبد الله بن محمد وولده يوسف ١٨٠
ذكر أخبار أبى الفهم حسن بن نصرويه الخراسانى ١٨٢
ذكر وفاة المنصور أبى الفتح بن يوسف ١٨٤
ذكر ولاية أبى مناد باديس بن أبى الفتح المنصور بن يوسف ١٨٥
ذكر خروج محمد بن أبى العرب إلى زناته ١٨٦
ذكر خلاف حماد بن يوسف وأخيه إبراهيم على ابن أخيهما الأمير باديس ١٩٢
ذكر وفاة باديس ١٩٧
ذكر ولاية أبى تميم المعز بن أبى مناد باديس بن المنصور بن يوسف ابن زيرى ١٩٩
ذكر قتل الروافض ٢٠١
ذكر مسير المعز لحرب حماد ٢٠٤
ذكر الصلح بين المعز وحماد عم أبيه ٢٠٦
ذكر مقتل القائد محمد بن حسن ٢٠٧
ذكر خروج العرب إلى المغرب والسبب الموجب لذلك ٢٠٩
ذكر وفاة القائد بن حماد وولاية ابنه وقتله وولاية بلكين بن محمد ٢١١
بقية أخبار المعز بن باديس ٢١٢
ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب عليه ٢١٤
ذكر انتقال المعز إلى المهدية ومحاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها ٢١٧
ذكر وفاة المعز بن باديس ٢١٨
ذكر ولاية تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن يوسف بن زيرى ٢١٩
ذكر خروج حمو عن طاعة الأمير تميم وحربه وانهزامه ٢١٩
стр. 9454
ذكر الحرب بين بنى حماد والعرب وانتصار العرب عليهم ٢٢٠
ذكر بناء مدينة بجاية والسبب فيه ٢٢٣
ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس ٢٢٨
ذكر استيلاء مالك بن علوى الصخرى على القيروان وأخذها منه، وعودها إلى تميم ٢٢٩
ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها ٢٢٩
ذكر خبر شاه ملك التركى ودخوله إلى إفريقية وغدره بيحيى بن تميم ٢٣٠
ذكر خلافة مثنى بن تميم على أبيه ٢٣٢
ذكر ملك تميم مدينة قابس ٢٣٣
ذكر وفاة تميم بن المعز ٢٣٥
ذكر ولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور يوسف بن زيرى ٢٣٧
ذكر وفاة يحيى بن تميم وشىء من أخباره ٢٣٩
ذكر ولاية على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن يوسف ابن زيرى ٢٤١
ذكر حصار رافع المهدية وانهزامه ٢٤٣
ذكر ولاية الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى ٢٤٥
ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة ٢٤٥
ذكر ملك الفرنج مدينة طرابلس ٢٤٦
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة المهدية وسفاقس وسوسة ٢٤٧
ذكر انقراض دولة بنى زيرى من إفريقية وما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية ٢٥٠
ذكر ما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية ٢٥١
ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم ٢٥٣
ذكر ولاية أبى بكر بن عمر اللمتونى ٢٥٧
ذكر مقتل الجوهر الجدالى ٢٥٨
стр. 9455
ذكر خروج الملثمين إلى السوس أولا وثانيا ومقتل عبد الله بن ياسين ٢٥٩
ذكر استيلائه على مدينة سجلماسة ٢٦٠
ذكر ولاية يوسف بن تاشفين ٢٦٢
ذكر بناء مدينة مراكش ٢٦٢
ذكر ما قيل فى سبب لثام المرابطين ٢٦٣
نرجع إلى أخبار يوسف بن تاشفين ٢٦٥
ذكر استيلائه على مدينة اغرناطة من جزيرة الأندلس ٢٦٧
ذكر ملك أمير المسلمين جزيرة الأندلس ٢٦٩
ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا ٢٧١
ذكر ولاية أمير المسلمين من قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله ٢٧٢
ذكر ولاية على بن يوسف بن تاشفين ٢٧٣
ذكر محاربة الفرنج خذلهم الله تعالى وانهزامهم ٢٧٣
ذكر الفتنة بقرطبة ٢٧٤
ذكر ولاية تاشفين بن على بن يوسف بن تاشفين ٢٧٦
اسحق بن على ٢٧٦
ذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم ٢٧٧
ذكر أخبار المهدى محمد بن تومرت ٢٧٧
ذكر خبر أبى عبد الله الونشريسى ٢٨٣
ذكر ترتيب أصحاب المهدى ٢٨٧
ذكر حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبى عبد الله الونشريسى ٢٨٧
ذكر وفاة المهدى محمد بن تومرت ٢٨٩
ذكر ولاية عبد المؤمن بن على ٢٨٩
ذكر خروجه للغزو وما فتحه من البلاد ومن أطاعه من القبائل ٢٩٠
ذكر استيلاء عبد المؤمن على تلمسان وفاس ومكناسة وسلاوسبته ٢٩٤
ذكر ملك عبد المؤمن مراكش وقتله اسحق بن على وانقراض دولة الملثمين ٢٩٦
стр. 9456
ذكر ظفره بدكالة ٢٩٩
ذكر ملكه جزيرة الأندلس ٣٠٠
ذكر حصار الفرنج مدينة قرطبة ورجوعهم عنها ٣٠١
ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بنى حماد وانقراض دولتهم ٣٠٢
ذكر ظفره بصنهاجة وملكه قلعة حماد ٣٠٤
ذكر الحرب بين عبد المؤمن والعرب وظفر عساكر عبد المؤمن بهم ٣٠٥
ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد بعد أبيه ٣٠٧
ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد وأعماله ٣٠٨
ذكر ملكه مدينة المرية من الفرنج وأغرناطة من الملثمين ٣٠٩
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وجميع بلاد إفريقية ٣١٠
ذكر ايقاع عبد المؤمن بالعرب ٣١٥
ذكر وفاة عبد المؤمن بن على وشىء من أخباره ٣١٨
ذكر ولاية أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على ٣٢١
ذكر عصيان عمارة مع مفتاح بن عمرو وقتالهم وقتل مفتاح ٣٢٢
ذكر غزوة الفرنج ٣٢٤
ذكر ملك أبى يعقوب مدينة قفصة ٣٢٥
ذكر وفاة أبى يعقوب يوسف ٣٢٦
ذكر ولاية أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ٣٢٨
ذكر أخبار الملثمين وما ملكوه من إفريقية واستعادة ذلك منهم ٣٢٨
ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين ٣٣١
ذكر غزوة الفرنج بالأندلس والوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة ٣٣٢
ذكر ما فعله الملثم بافريقية ٣٣٦
ذكر وفاة أبى يوسف يعقوب ٣٣٨
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على الملقب الناصر لدين الله ٣٣٩
ذكر وفاة أبى عبد الله محمد وشىء من أخباره ٣٤٣
стр. 9457
ذكر ولاية يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن على ٣٤٣
ذكر وفاة يوسف بن محمد ٣٤٥
ذكر ولاية أبى محمد عبد العزيز بن يوسف بن عبد المؤمن ٣٤٥
جامع أخبار دولة الموحدين ٣٤٩
ذكر تسمية ملوك بنى مرين ٣٥١
ذكر أخبار جزيرة صقلية ٣٥٣
أول من غزا جزيرة صقلبة فى الإسلام ٣٥٣
ذكر ولاية محمد بن أبى الحوارى ٣٥٧
ذكر فتح مدينة بلرم ٣٦٠
ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن الأغلب، وولاية العباس بن الفضل بن يعقوب ٣٦٠
ذكر فتح قصريانة وهى دار مملكة الروم بجزيرة صقلية ٣٦١
ذكر ولاية حسن بن أحمد بن أبى خنزير ٣٦٦
ذكر ولاية أبى سعيد موسى بن أحمد ٣٦٧
ذكر ما فتح من بلاد قلورية ٣٦٨
ذكر فتح قلعة طبرمين ٣٧٠
ذكر فتح رمطة وما كان بسبب ذلك من حروب ٣٧٠
ذكر وقعة الحفرة على رمطة ٣٧١
ذكر اخلاء طبرمين ورمطة ٣٧٤
ذكر ولاية أبى القاسم نيابة عن أخيه أحمد واستقلاله ٣٧٥
ذكر ولاية أبى الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة ٣٧٦
ذكر وثوب أهل صقلية بالأمير جعفر واخراجه ٣٧٧
ذكر ولاية الأمير تأييد الدولة أحمد الأكحل ٣٧٨
ذكر استيلاء الفرنج- خذلهم الله- على جزيرة صقلية ٣٨١
ذكر أخبار جزيرة اقريطش ٣٨٤
ذكر تنصر أهل اقريطش ٣٨٧
ذكر ما استولى عليه الفرنج- خذلهم الله من- البلاد الإسلامية بجزيرة الأندلس بعد أخذ طليطلة ٣٨٨
стр. 9458
الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيين فى الدولة الأموية والدولة العباسية فقتل دونها، وذلك بعد مقتل الحسين بن على ابن أبى طالب رضى الله عنهما
ذكر ظهور زيد بن على بن الحسن ومقتله ٤٠١
ذكر مسير يحيى بن زيد بن على إلى خراسان ومقتله ٤٠٨
ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ٤١٠
ذكر غلبته على فارس وأخذها منه وقتله ٤١٥
مراجع التحقيق ٤٢١
стр. 9459
الجزء الخامس والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
هذا هو الجزء الخامس والعشرون من نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين النويرى، يروعنا منه منهج المؤرخ النزيه، عفة في اللفظ وحيدة في الحكم ودقة في النقل، تلاحظ عفة اللفظ بخاصة وأنت تقارن لفظه وهو يتحدث عن القرمطة بلفظ غيره من المؤرخين الذين سبقوه دون استثناء، هذا بالإضافة إلى أسلوب في العرض فريد في زمنه، وإلى تضمّنه لنقول تبيّن عقائد وآراء عبثت بها الأساطير، نقلها عن الشريف محمد بن على العلوى المعروف بأخى محسن، وهو مؤرخ ضاعت- أو بتعبير أدق- لم يصلنا من كتبه إلا شىء يسير.
وهذا الجزء أيضا ثمرة لثلاث مخطوطات محفوظة بدار الكتب المصرية برقمى ٥٤٩، ٥٥١ معارف عامة ورقم ٦٩٩ تاريخ (الخزانة التيمورية) ، ولقد رمزت للأولى بحرف ك وللثانية بحرف اوللثالثة بحرف ت. أما المخطوطة ت فلولا ما فيها من سقط في مواضع مختلفة لكانت فائدتها محققة، أما المخطوطتان ك، افقد سبق لى أن تحدثت عنهما وأنا أقدم الجزء الثانى والعشرين، ويزيدنى هذا الجزء اقتناعا بأن المخطوطة ايتميز ناسخها بالدقة والأمانة في النقل، هذه الدقة
стр. 9460
فى النقل ورسم الحروف ثمرة عناية ناسخ يعمل للسلطان، ترى ذلك واضحا- على غلاف النصف الأول من هذا الجزء- بالقول قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم والخاقان المعظم مالك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان ابن السلطان السلطان محمود، وقفا شرعيا لمن طالع وتبصّر واعتبر وتذكر أجزل الله تعالى لواءه وأوفره، حرره الفقير أحمد شيخ زادة المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين غفر لهما.
ومما هو جدير بالذكر، أنّه رغم هذا الوقف فقد تداولتها أيد بيعا وشراء، كما يتبين ذلك مما على غلافها، ومهما يكن من أمر هذا التداول فإنه لم يؤثر على المخطوطة تأثيرا يفسدها، وكل ما طرأ هو رغبة في تجليد ترتّب عليها تأثير المادة الملصقة على الصفحة الأولى، فذهبت أنصاف سطورها، وهو شىء يمكن تداركه بيسر.
وأخيرا أرجو أن أكون قد أديت واجبى، والله ولى التوفيق.
القاهرة في مايو سنة ١٩٦٢ م د. محمد جابر الحينى
стр. 9461
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
الباب السابع فى أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبيين فى مدة الدولتين الأموية والعباسية
محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب وأخوه ابراهيم
ونحن نذكر سبب ظهورهما وما كان من أمرهما وما اتفق لأولاد الحسن رضى الله عنه بسبب ذلك، ثم نذكر ظهور محمد وما اتفق له.
إلى أن قتل، وظهور إبراهيم بعده، وما كان من خبره وحروبه ومقتله، وما يتصل بذلك فنقول:
كان سبب ظهورهما أنّ محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن «١» ابن على هذا، كان يدّعى أنّ أبا جعفر المنصور كان ممّن بايعه، لمّا تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، عند اضطراب «٢» .
أمر مروان بن محمد الحمار، فلما قامت الدولة العباسية وبويع السفاح، واتفق حج المنصور في سنة ست وثلاثين ومائة سأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله الحارثى: ما يهمك من أمرهما؟ أنا آتيك بهما،
стр. 9462
وكان معه بمكة، فردّه المنصور إلى المدينة، فلما استخلف المنصور لم يكن همّه إلا أمر محمد، والمسألة عنه وما يريد، فدعا بنى هاشم رجلا رجلا يسأل كل واحد سرا عنه، فكلهم يقول قد علم أنّك عرفته بطلب هذا الأمر، فهو يخافك على نفسه، وهو لا يريد لك خلافا، وما أشبه هذا الكلام، إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب «١» فإنّه أخبره خبره، وقال: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنّه لا ينام عنك، فأيقظ بكلامه «٢» من لم ينم عنه، وزاده ذلك حرصا على طلبه، وشدة في طلبه، وكان موسى بن عبد الله بن حسن يقول بعد ذلك: اللهم اطلب حسن بن زيد «٣» بدمائنا.
ثم ألحّ المنصور على عبد الله بن حسن في إحضار ابنه محمد سنة حج، فقال عبد الله لسليمان بن على بن عبد الله بن عبّاس: يا أخى بيننا من الصهر «٤» والرحم ما تعلم، فما ترى؟ فقال سليمان: والله لكأنّى أنظر إلى أخى عبد الله بن على حين حال الستر «٥» بيننا وبينه، وهو يشير إلينا، إن هذا الذى فعلتم بى، فلو كان المنصور عافيا عن أحد عفا عن عمّه، يشير إلى خبر المنصور لما حبس عمه عبد الله بن على،
стр. 9463
فقبل عبد الله بن حسن رأى «١» سليمان، وعلم أنه قد صدقه ولم يظهر ابنه.
ثم شرع المنصور في إعمال الفكرة، والتوصل إلى أن يطلع على حقيقة خبر محمد بن عبد الله، وجعل عليه العيون والمراصد، وتوصل بكل طريق «٢» ، حتى إنه اشترى رقيقا من رقيق الأعراب، وأعطى الرجل منهم البعير، والرجل البعيرين، والرجل الزود «٣» ، وفرّقهم في طلب محمد في ظهر المدينة، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمارّ وكالضال فيسألون عنه؛ وبعث المنصور عينا وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم ومسارعتهم، وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرجل المدينة فدخل على عبد الله «٤» بن حسن، [و] سأله عن ابنه محمد فكتم خبره، فتردّد إليه الرجل وألحّ في المسالة فذكر له أنه في جبل جهينة، وقال له: أمرر بعلى بن حسن، الرجل الصالح الذى يدعى الأغرّ، وهو بذى الإبر، فهو يرشدك إليه، فأتاه فأرشده، وكان للمنصور كاتب على سرّه يتشيع، فكتب إلى عبد الله بن حسن يخبره بخبر ذلك العين، فلما قدم الكتاب ارتاع له، وبعث إلى محمد ابنه وإلى على بن حسن يحذرهما الرجل، وأرسل بذلك أبا هبّار، فخرج أبو هبّار فنزل بعلى بن حسن وأخبره، ثم سار إلى محمد بن عبد الله في
стр. 9464
موضعه الذى هو به، فإذا هو جالس في كهف ومعه جماعة من أصحابه، وذلك العين معهم أعلاهم صوتا وأشدّهم انبساطا، فلما رأى أبا هبّار خافه، فقال أبو هبار لمحمد: إنّ لى حاجة، فقام معه فأخبره الخبر، قال: فما الرأى؟ قال: أرى إحدى ثلاث، قال: وما هى؟ قال:
تدعنى أقتل هذا الرجل، قال: ما أنا بمقارف دما إلا مكرها، قال:
أثقله حديدا، وتنقله معك حيث تنقّلت، قال: وهل بنا فراغ مع الخوف والإعجال «١» ؟ قال: تشدّه وتودعه عند بعض أهلك من جهينة قال: هذه إذن، فرجعا فلم يريا الرجل، فقال محمد: أين الرجل؟
قالوا: قام بركوة فيها ماء وتوارى، فطلبوه فلم يجدوه فكأنّ الأرض التأمت عليه، وسعى على قدميه حتى اتصل بالطريق، فمرّ به أعرابى معه حمولة إلى المدينة، فقال له: فرّغ هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلا لصاحبتها، ولك كذا وكذا ففعل، وحمله حتى أقدمه المدينة، ثم قدم على المنصور فأخبره الخبر كله، ونسى اسم أبى هبّار وكنيته، فقال: وبر «٢» ، فكتب أبو جعفر في طلب وبر المرّى، فحمل إليه فسأله عن قصة محمد، فحلف أنه لا يعرف من ذلك شيئا، فأمر به فضرب سبعمائة سوط، وحبس حتى مات المنصور.
ثم أحضر المنصور عقبة بن سلم الأزدى، فقال له: إنى أريدك لأمر أنا به معنى، لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه، وإن كفيتنيه
стр. 9465
رفعتك؟ فقال: أرجو أن أصدق ظنّ أمير المؤمنين فيّ، قال: فاخف شخصك واستر أمرك، وأتنى يوم كذا وكذا في وقت كذا، فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إنّ بنى عمّنا قد أبوا إلا كيدا لملكنا واغتيالا له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكتبى وبمال وألطاف، حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تعلم حالهم فإن كانوا نزعوا «١» عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر، فاشخص حتى تلقى عبد الله ابن حسن متخشعا متقشفا، فإن جبهك- وهو فاعل- فاصبر وعاوده «٢» ، حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما قبله فعجّل إلىّ؛ فشخص عقبة حتى قدم على عبد الله بن حسن، فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره، وقال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل يتردد إليه حتى قبل كتابه وألطافه وأنس به، فسأله عقبه الجواب فقال: أمّا الكتاب فإنّى لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابى إليهم، فأقرهم السلام وأعلمهم أنّ ابنىّ خارجان لوقت كذا وكذا، فرجع عقبة إلى المنصور وأعلمه الخبر، فأنشأ المنصور الحجّ، وقال لعقبة: إذا لقينى بنو حسن فيهم عبد الله بن حسن، فأنا مكرمه ورافع مجلسه وداع بالغذاء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف بصره عنك، فاستدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك، حتى يملأ عينه منك ثم حسبك، وإياك أن يراك ما دام يأكل؛ وخرج
стр. 9466
المنصور إلى الحج، فلما لقيه بنو حسن أجلس عبد الله إلى جانبه، ثم دعا بالغداء فأصابوا منه ثم رفع، فأقبل المنصور على عبد الله بن حسن فقال له: قد علمت ما أعطيتنى من العهود والمواثيق ألا تبغينى سوءا.
ولا تكيد لى سلطانا، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين، فلحظ.
المنصور عقبة بن سلم، فاستدار حتى وقف بين يدى عبد الله، فأعرض عنه، فاستدار حتى قام وراء ظهره فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه فملا عينه منه، فوثب حتى قعد بين يدى المنصور، وقال: أقلنى يا أمير المؤمنين أقالك الله، قال: لا أقالنى الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه.
وكان محمد قد قدم قبل ذلك البصرة فنزلها في بنى راسب، يدعو إلى نفسه، وقيل نزل على عبد الله بن شيبان- أحد بنى مرّة بن عبيد، ثم خرج منها، فبلغ المنصور مقدمه البصرة، فسار إليها مجدا «١» .
فلقيه عمرو بن عبيد «٢» ، فقال له: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا، قال: لا، قال: فأقتصر على قولك وأنصرف؟
قال: نعم، وكان محمد قد سار عنها قبل مقدم المنصور، فرجع المنصور واشتد الخوف على محمد وإبراهيم ابنى عبد الله، فخرجا حتى أتيا عدن، ثم صارا إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة.
وكان المنصور حجّ سنة أربعين ومائة، فقسم أموالا عظيمة في آل أبى طالب، فلم يظهر محمد وإبراهيم، فسأل أباهما عبد الله عنهما فقال: لا علم لى بهما، فتغالظا فأمصّه المنصور، فقال امصص كذا وكذا
стр. 9467
من أمك!! فقال عبد الله: يا أبا جعفر بأى أمهاتى نمصّنى!! أبفاطمة بنت رسول الله ﷺ ؟! أم بفاطمة بنت الحسين بن على؟! أم بأم إسحاق بنت طلحة؟! أم بخديجة بنت خويلد؟! قال لا بواحدة منهن، ولكن بالجرباء بنت قسامة بن زهير، وهى امرأة من طيىء «١» ، فقال المسيّب بن زهير «٢» : يا أمير المؤمنين دعنى أضرب عنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه، وقال: هبه لى يا أمير المؤمنين، فأنا أستخرج لك ابنيه، فخلّصه.
وكان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله قد تغيّبا حين حجّ المنصور سنة أربعين ومائة عن المدينة، وحجّا أيضا، فاجتمعوا كلهم بمكة وأرادوا اغتيال المنصور، فقال لهم الأشتر عبد الله بن محمد: أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا والله لا أقتله عيلة أبدأ حتى أدعوه، فنقض «٣» ما كانوا أجمعوا عليه، وكان قد دخل معهم قائد من قواد المنصور من أهل خراسان- اسمه خالد بن حسّان يدعى أبا العساكر- على ألف رجل، فنمى الخبر إلى المنصور فطلب القائد فلم يظفر به، وظفر بأصحابه فقتلهم، وأما القائد فإنه لحق بمحمد بن عبد الله فسيّره إلى خراسان، ومعه ابنه عبد الله بن محمد، ثم إن المنصور حث زياد بن عبيد الله على طلب محمد وإبراهيم، فضمن له ذلك ووعده به، فقدم محمد بن عبد الله المدينة قدمة، فبلغ ذلك زيادا فتلطّف له وأعطاه الأمان، على أن يظهر وجهه للناس، فوعده محمد ذلك، فركب
стр. 9468
زياد مغلسا ووعد محمدا سوق الظهر، وركب محمد فتصايح الناس: يا أهل المدينة، المهدىّ المهدىّ، فوقف هو وزياد فقال زياد: يا أيها الناس هذا محمد بن عبد الله بن حسن، ثم قال: إلحق بأى بلاد الله شئت، فتوارى محمد؛ وسمع المنصور الخبر فأرسل أبا الأزهر في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين ومائة إلى المدينة، وأمره: أن يستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطّلب، وأن يقبض زيادا وأصحابه ويسير بهم إليه، فقدم أبو الأزهر المدينة ففعل ما أمره، وأخذ زيادا وأصحابه وسار بهم نحو المنصور، وخلّف زياد ببيت مال المدينة ثمانين ألف دينار، فسجنهم المنصور ثم منّ عليهم بعد ذلك.
واستعمل المنصور على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى، وأمره بطلب محمد بن عبد الله وبسط يده بالنفقة في طلبه، فقدم المدينة في شهر رجب سنة إحدى وأربعين ومائة، فأخذ المال، ورفع فى محاسبته أموالا كثيرة أنفقها في طلب محمد، فاستبطاه المنصور وأتهمه، فكتب إليه يأمره بكشف المدينة وأعراضها، فطاف ببيوت الناس فلم يجد محمدا، فلما رأى المنصور ما قد أخرج من الأموال ولم يظفر بمحمد استشار أبا السّعلاء «١» - رجلا من قيس عيلان- فى أمر محمد وأخيه، فقال: أرى أن تستعمل رجلا من ولد الزبير أو طلحة فإنهم يطلبونهما بذحل «٢» ، ويخرجونهما إليك، فقال: قاتلك الله، ما
стр. 9469
أجود ما رأيت!! والله ما خفى علىّ هذا، ولكنّى أعاهد الله ألّا أنتقم من بنى عمى وأهل بيتى بعدوّى وعدوّهم، ولكنّى أبعث عليهم صعيليكا من العرب يفعل بهم ما قلت، فاستشار يزيد بن أسيد «١» السّلمى، وقال له: دلّنى على فتى مقلّ من قيس أغنيه وأشرّفه، وأمكنه من سيد اليمن- يعنى ابن القسرى- «٢» ، قال: نعم، رياح بن عثمان بن حيّان المرىّ، فسيّره المنصور أميرا على المدينة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومائة؛ وقيل إنّ رياحا ضمن للمنصور أن يخرج محمدا وإبراهيم ابنى عبد الله، إن استعمله على المدينة، فاستعمله عليها، فسار حتى دخلها، فلما دخل دار مروان، وهى التى كان ينزلها الأمراء قال لحاجب كان له، يقال له أبو البخترى، هذه دار مروان؟
قال: نعم، قال أما إنّها محلال «٣» مظعان، ونحن أول من يظعن منها، فلما تفرّق الناس عنه قال لحاجبه أبى البخترى: خذ بيدى فدخل على هذا الشيخ- يعنى عبد الله بن الحسن- فدخلا عليه، فقال له رياح: أيها الشيخ، إن أمير المؤمنين- والله- ما استعملنى لرحم قريبة، ولا ليد سلفت إليه منّى، والله لا لعبت بى كما لعبت بزياد وابن القسرى، والله لأزهقنّ نفسك أو لتأتينّى بابنيك محمد وإبراهيم، فرفع عبد الله رأسه إليه وقال نعم، أما والله إنّك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة، قال، أبو البخترى:
стр. 9470
فانصرف- والله- رياح آخذا بيدى أجد برديده، وإنّ رجليه لتخطّان الأرض ممّا كلمه، قال: «١» فقلت له: إن هذا ما اطلع على الغيب، قال: إيها ويلك، فو الله ما قال إلا ما سمع، فذبح كما نذبح الشاة، ثم إنه دعا القسرى وسأله عن الأموال، فضربه وسجنه، وجدّ رياح في طلب محمد، فأخبر أنّه في شعب من شعاب رضوى، جبل جهينة، وهو في عمل ينبع، فأمر عامله بطلب محمد.
فطلبه بالخيل والرجل، ففزع منه محمد فهرب راجلا فأفلت، وله ابن صغير ولد في خوفه ذلك، وهو مع جارية له. فسقط من الجبل فتقطع، فقال محمد:
منخرق السربال «٢» يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
قال «٣» : وبينا رياح يسير بالحرّة إذ لقى محمدا، فعدل محمد إلى بئر هناك فجعل يستقى، فقال رياح: قاتله الله أعرابيا ما أحسن ذراعه «٤» .
стр. 9471
ذكر حبس أولاد الحسن
قد ذكرنا أن المنصور حبس عبد الله بن حسن، وقيل إن رياحا هو الذى حبسهم، حكى عن على بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على أنه قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: من كان ههنا من بنى حسن «١» فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة، وخرجوا من باب مروان، ثم قال: من كان ههنا من بنى حسن فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة، ودخل الحدادون من باب «٢» مروان، فدعا بالقيود فقيدهم وحبسهم، وكانوا: عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن على، وحسن وإبراهيم ابنى حسن، وحسن بن جعفر بن حسن ابن حسن «٣» ، وسليمان وعبد الله ابنى داود بن حسن بن حسن، ومحمد وإسماعيل وإسحاق بنى إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس ابن حسن بن حسن «٤» ، فلما حبسهم لم يكن فيهم على بن حسن بن حسن بن على العابد، فلما كان الغد بعد الصبح وإذا برجل قد أقبل متلففا، فقال له رياح: مرحبا بك ما حاجتك؟ قال: جئتك لتحبسنى مع قومى، فإذا هو على بن حسن بن حسن، فحبسه معهم.
وكان محمد قد أرسل ابنه عليا إلى مصر يدعو إليه، فبلغ خبره
стр. 9472
عامل مصر، وقيل له إنّه على الوثوب بك، والقيام عليك بمن شايعه، فقبضه وأرسله إلى المنصور، فاعترف له وسمّى أصحاب أبيه، وكان فيمن سمّى عبد الرحمن بن أبى الموال «١» وأبو جبير «٢» ، فضربهما المنصور وحبسهما وحبس عليا، فبقى محبوسا إلى أن مات؛ وكتب المنصور إلى رياح أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان المعروف بالديباج، وكان أخا عبد الله بن حسن بن حسن لأمه- أمهما جميعا فاطمة بنت الحسين بن على رضى الله عنهما؛ فأخذه معهم، وقيل إن المنصور حبس عبد الله بن حسن بن حسن بن على وحده وترك باقى أولاد حسن، فترك حسن بن حسن بن حسن خضابه حتى نصّل حزنا على أخيه عبد الله، فكان المنصور يقول: ما فعلت الحادّة؟ ومرّ حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن وهو يعلف إبلا فقال: أتعلف إبلك وعبد الله محبوس!! يا غلام- أطلق عقلها ففعل، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها بعير، فلما طال حبس عبد الله بن حسن قال عبد العزيز بن سعيد للمنصور:
أتطمع في خروج محمد وإبراهيم وبنو حسن مخلّون؟! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد، فكان ذلك سبب حبس الباقين في سنة أربع وأربعين «٣» .
стр. 9473
ذكر حملهم الى العراق
قال المؤرخ «١» : ولما حجّ المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة «٢» ومالك بن أنس إلى بنى الحسن وهم في الحبس، يسألهم «٣» أن يدفعوا إليه محمدا وإبراهيم ابنى عبد الله، فدخلا عليهم وعبد الله قائم يصلى فأبلغاهم الرسالة، فقال حسن بن حسن أخو عبد الله: هذا عمل ابنى المشئومة!! أما والله ما هذا عن رأينا ولا عن ملأ منّا ولا لنا فيه حيلة «٤» فقال له أخوه إبراهيم: علام تؤذى أخاك في ابنيه؟! وتؤذى ابن أخيك في أمه؟! ثم فرغ عبد الله من صلاته فأبلغاه الرسالة، فقال:
والله، لا أرد عليكما حرفا، إن أحبّ أن يأذن لى فألقاه فليفعل، فانطلق الرسولان إلى المنصور فأبلغاه قوله، فقال: أراد أن يسحرنى لا والله لا ترى عينه عينى حنى «٥» يأتينى بابنيه، وكان عبد الله بن حسن لا يحدّث أحدا قط إلا فتله «٦» عن رأيه.
ثم سار المنصور لوجهه، فلما حجّ ورجع لم يدخل المدينة ومضى إلى
стр. 9474
الربذة، فخرج إليه رياح إلى الربذة فردّه إلى المدينة، وأمره بإشخاص بنى حسن إليه، ومعهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخو بنى حسن لأمهم، فرجع رياح وأخذهم وسار بهم إلى الربذة، وجعلت القيود فى أرجلهم وأعناقهم، وجعلهم في محامل بغير وطاء، ولما خرج بهم رياح من المدينة وقف جعفر بن محمد من خلف ستر يراهم ولا يرونه، وهو يبكى ودموعة تجرى على لحيته وهو يدعو الله، ثم قال: والله، لا تحفظ. لله حرمة بعد هؤلاء، ولما ساروا كان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله يأتيان كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويستأذنانه في الخروج، فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك وقال لهما إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين، فلما وصلوا إلى الربذة أدخل محمد بن عبد الله العثمانى على المنصور، وعليه قميص وإزار رقيق، فلما وقف بين يديه قال: أيها باديوث، قال محمد: سبحان الله!! والله لقد عرفتنى بغير ذلك صغيرا وكبيرا، قال: فممّن حملت ابنتك رقيّة؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد أعطيتنى الأيمان ألّا تغشنى، ولا تمالىء علىّ عدوا، وأنت ترى ابنتك حاملا وزوجها غائب!! فأنت بين أن تكون حانثا أو ديوثا، وأيم الله إنى لأهمّ برجمها، قال محمد:
أما أيمانى فهى علىّ؛ إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، وأما ما رميت به هذه الجارية فإنّ الله قد أكرمها بولادة رسول الله ﷺ إيّاها، ولكنى ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين
стр. 9475
غفلة منّا، فاغتاظ «١» المنصور من كلامه، وأمر بشق ثيابه «٢» وإزاره «٣» فبدت عورته، ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفترى عليه لا يكنّى «٤» ، فأصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك!! اكفف عن وجهى، فإنّ له حرمة برسول الله ﷺ ، فأغرى المنصور فقال للجلاد: الرأس الرأس، فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا، وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت، ثم أخرج وكأنه زنجى من الضرب، وكان من أحسن الناس، وكان يكنى الديباج لحسنه، فلما أخرج وثب إليه مولى له فقال: ألا أطرح ردائى عليك، قال: بلى جزيت خيرا، والله لشق إزارى أشدّ علىّ من الضرب. وكان سبب أخذه أنّ رياحا قال للمنصور: يا أمير المؤمنين، أمّا أهل خراسان فشيعتك، وأمّا أهل العراق فشيعة آل أبى طالب، وأما أهل الشام فو الله ما علىّ عندهم إلا كافر، ولكن محمد بن عبد الله العثمانى لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم أحد، فوقعت في نفس المنصور فأمر به فأخذ معهم، وكان حسن الرأى فيه قبل ذلك.
ثم إنّ أبا عون كتب إلى المنصور أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا «٥»
стр. 9476
عنّى، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله العثمانى، فأمر المنصور به فقتل، وأرسل رأسه إلى خراسان، وأرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله، وأنّ أمّه فاطمة بنت الحسين بن على، فلما قتل قال أخوه عبد الله بن الحسن: إنّا لله!! إن كنّا لنأمن به في سلطانهم، ثم قد قتل بنا في سلطاننا. قال: ثم سار بهم المنصور من الربذة فمرّ بهم وهو على بغلة شقراء، فناداه عبد الله بن حسن: يا أبا جعفر؛ ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر، فأخسأه «١» أبو جعفر وتغل عليه ومضى، فلما قدموا إلى الكوفة قال عبد الله لمن معه: ألا ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية!! قال:، فلقيه الحسن وعلىّ ابنا «٢» حى مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك يا ابن رسول الله، فمرنا بالذى تريد، قال: قد قضيتما ما عليكما، ولن تغنيا في هؤلاء شيئا فانصرفا، فانصرفا، ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقىّ الكوفة، وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن حسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ قال: نعم، قال: لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحدا، ثم أمر به فبنى عليه أسطوانة وهو حىّ، فمات فيها، وهو أول من مات منهم، ثم عبد الله بن حسن، ثم مات على بن حسن؛ وقيل إن المنصور أمر بهم فقتلوا، وقيل بل أمر بهم فسقوا السمّ، وقيل وضع المنصور على عبد الله من قال له: إنّ ابنه محمدا قد خرج وقتل، فانصدع قلبه فمات والله أعلم، ولم ينج
стр. 9477
منهم إلا سليمان وعبد الله ابنا داود بن حسن بن حسن، وجعفر بن حسن «١» ، وبقيّتهم ماتوا في حبس المنصور.
ذكر ظهور محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب
كان ظهوره بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل بل كان في رابع عشر رمضان منها. وكان سبب خروجه أن المنصور لما حمل أهله إلى العراق، وسار من الربذة، ردّ رياحا إلى المدينة أميرا عليها، فألحّ في طلب محمد، وأرهقه الطلب يوما فتدلى في بئر في المدينة، يناول أصحابه الماء، وانغمس في الماء إلى حلقه، وكان بدنه لا يخفى لعظمه، وبلغ رياحا خبره أنه بالمذاد، فركب نحوه في جنده، فتنحّى محمد عن طريقه واختفى في دار الجهنيّة، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان، فلما اشتد الطلب على محمد خرج قبل وقته، وكان قد واعد أخاه إبراهيم أنّه يخرج لوقت عيّنه بالمدينة، ويخرج إبراهيم بالبصرة، وقيل بل خرج لميعاده مع أخيه، وإنما أخوه تأخر لجدرى لحقه.
وكان عبيد الله بن عمرو بن أبى ذؤيب «٢» وعبد الحميد بن جعفر يقولون لمحمد بن عبد الله: ما تنتظر بالخروج؟ فو الله ما على هذه
стр. 9478
الأمة انتقام منك، اخرج ولو لوحدك «١» ، فحرّكه ذلك للخروج أيضا، وأتى رياحا الخبر: أنّ محمدا خارج الليلة، فأحضر محمد ابن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضى المدينة والعباس بن عبد الله ابن الحارث بن العباس وغيرهما عنده، فصمت طويلا ثم قال لهم:
يا أهل المدينة؛ أمير المؤمنين يطلب محمدا في شرق الأرض وغربها، وهو بين أظهركم، أقسم بالله: لئن خرج لأقتلنكم أجمعين، وقال لمحمد بن عمران: أنت قاضى أمير المؤمنين فادع عشيرتك، فجمع بنى زهرة فجاءوا في جمع كبير، فأجلسهم بالباب، وأرسل فأخذ نفرا من العلويين وغيرهم، فيهم: جعفر بن محمد بن على بن الحسين «٢» ، وحسين بن على بن حسين بن على، وحسن بن على بن حسين بن على»
، ورجال من قريش فيهم: إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد، فبيناهم عنده إذ ظهر محمد فسمعوا التكبير، فقال ابن مسلم بن عقبة المرّى: أطعنى في هؤلاء واضرب أعناقهم، فقال له الحسين بن على بن الحسين بن على:
والله، ما ذاك إليك، إنّا لعلى السمع والطاعة، وأقبل محمد من المذاد فى مائة وخمسين رجلا في بنى سلمة تفاؤلا بالسلامة، وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه، وممّن كان فيه محمد بن خالد بن عبد
стр. 9479
الله القسرى وابن أخيه النّذير بن يزيد ورزام «١» فأخرجهم، وجعل على الرجّالة خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير «٢» ، وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه: لا تقتلوا لا تقتلوا، فامتنع منهم رياح فدخلوا من باب المقصورة، وأخذوا رياحا أسيرا وأخاه عباسا وابن مسلم ابن عقبة المرّى، فحبسهم في دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية- عدوّ الله أبى جعفر؛ ما لم يخف عليكم، من بنائه القبة الخضراء التى بناها معاندة لله في ملكه، وتصغيرا للكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال، أنا ربكم الأعلى، وإنّ أحقّ الناس بالقيام في هذا الأمر «٣» أبناء المهاجرين والأنصار المواسين، اللهم إنّهم قد أحلّوا حرامك وحرّموا حلالك، وأمّنوا من أخفت، وأخافوا من أمّنت؛ اللهم فاحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا؛ أيها الناس: إنّى والله ما خرجت بين أظهركم، وأنتم عندى أهل قوّة ولا شدّة، ولكنّى اخترتكم لنفسى، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا أخذ لى فيه البيعة.
وكان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد الله على ألسن قواده،
стр. 9480
يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه، فكان محمد يقول هذا، ويقول: لو التقينا مال القوّاد كلهم إلىّ، واستولى محمد على المدينة.
واستعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومى، وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدّراوردى، وعلى الشرط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة؛ وقيل كان على شرطته عبد الحميد بن جعفر فعزله، وأرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز:
إن «١» كنت لأظنّك ستنصرنا وتقوم معنا، فاعتذر إليه وقال أفعل، ثم انسلّ منه وأتى مكة، ولم يتخلّف عن محمد أحد من وجوه الناس، إلا نفر منهم الضحّاك بن عثمان بن عبد الله بن حزام «٢» ، وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد، وأبو سلمة بن عبيد الله بن الله بن «٣» عمر، وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير «٤» .
وكان أهل المدينة «٥» قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع
стр. 9481
محمد، وقالوا: إنّ في أعناقنا بيعة لأبى جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين؛ وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته، وأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وكان شيخا كبيرا، فدعاه إلى بيعته فقال: يا ابن أخى أنت والله مقتول فكيف أبايعك!! فارتدع الناس عنه قليلا، وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد، فأتت حمّادة ابنة معاوية إلى إسماعيل بن عبد الله، وقالت له يا عم: إن إخوتى قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنّك إن قلت هذه المقالة ثبّطت الناس عنهم، فيقتل ابن خالى وإخوتى، فأبى إسماعيل إلا النهى عنه، فيقال إن حمّادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد الله «١» ابن إسماعيل، وقال: أتأمر بقتل أبى وتصلّى عليه!! فنحّاه الحرس وصلّى عليه محمد.
ولما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسرى في حبس رياح فأطلقه، قال محمد بن خالد: لما سمعت دعوة محمد الى دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حق، والله لأبلينّ الله فيها بلاء حسنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّك قد خرجت بهذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه أحد، مات أهله جوعا وعطشا، فانهض معى فإنما هى عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف، فأبى علىّ، فبينما أنا عنده إذ قال:
ما وجدنا من حرّ المتاع «٢» شيئا أجود من شىء وجدناه عند ابن أبى
стр. 9482
فروة ختن أبى الخصيب «١» ، وكان انتهبه، قال، فقلت له: ألا أراك قد أبصرت حرّ المتاع، فكتبت إلى المنصور فأخبرته بقلة من معه، فأخذنى محمد فحبسنى حتى أطلقنى عيسى بن موسى بعد قتله إياه «٢» .
وكان رجل من آل أويس بن أبى سرح العامرى- عامر بن لؤى- اسمه الحسين بن صخر بالمدينة لمّا ظهر محمد، فسار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة «٣» أيام، فقدم ليلا فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى علموا به فأدخلوه، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال: لا بدّلى منه، فدخل الربيع على المنصور فأخبره خبره، وأنّه قد طلب مشافهته فأذن له، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، قال:
قتلته والله؛ إن كنت صادقا، قال: أخبرنى من «٤» معه؟ فسمّى له من معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قال: أنت رأيته؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله ﷺ جالسا، فأدخله أبو جعفر بيتا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار- غلام عيسى ابن موسى يلى أمواله بالمدينة، فأخبره بأمر محمد وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسى فقال: لأوطئنّ الرجال عقبيك ولأغنينّك، وأمر له بتسعة آلاف درهم، لكل ليلة ألف درهم، وأشفق من محمد، فقال له الحارثى المنجّم: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك منه؟! فو الله لو ملك
стр. 9483
الأرض ما لبث إلا تسعين يوما، فأرسل المنصور إلى عمّه عبد الله بن على وهو محبوس: إن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشر به علينا، وكان ذا رأى عندهم، فقال: إن المحبوس محبوس الرأى، فأرسل إليه المنصور: لو جاءنى حتى يضرب بابى ما أخرجتك، وأنا خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك، فأعاد إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتى الكوفة، فاجثم «١» على أكبادهم فإنّهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه، أو أتاها من وجه من الوجوه، فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر إليك وكان بالرىّ، واكتب إلى أهل الشام فمرهم: أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما حمل البريد، فأحسن جوائزهم ووجّههم مع سلم، ففعل. وقيل أرسل المنصور إلى عبد الله إخوته يستشيرونه فى أمر محمد، وقال لهم: لا يعلم عبد الله أنّى أرسلتكم إليه، فلمّا دخلوا عليه قال: لأمر ما جئتم، ما جاء بكم جميعا وقد هجرتمونى جميعا؟! قالوا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشىء، فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد بن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعا- يعنى المنصور؟ قالوا: لا ندرى والله، قال: إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال، وليعط الأجناد، فإن غلب فما أسرع ما يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم.
стр. 9484
قال «١» : ولمّا ورد الخبر على المنصور بخروج محمد، كان قد خطّ مدينة بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع ابن عبيد الله بن عبد المدان «٢» ، فقال له المنصور: إنّ محمدا قد خرج بالمدينة، فقال عبد الله: هلك والله وأهلك، خرج في غير عدد ولا رجال. حدّثنى سعيد بن عمر بن جعدة المخزومى قال: كنت مع مروان يوم الزاب واقفا فقال لى مروان «٣» : من هذا الذى يقاتلنى؟
قلت: عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس، قال: وددت والله أن على بن أبى طالب يقاتلنى مكانه، إن عليا وولده لاحظ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بنى هاشم وابن عم رسول الله ﷺ ، ومعه ريح الشام ونصر الشام، يا ابن جعدة: تدرى ما حملنى على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله «٤» بعدى، وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله، قال ابن جعدة: لا، قال: وجدت الذى يلى هذا الأمر عبد الله وعبيد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك فعقدت له، فاستخلفه المنصور على صحة ذلك فحلف له فسرّى عنه.
стр. 9485
قال: ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبى أيوب وعبد الملك:
هل من رجل تعرفانه بالرأى نجمع رأيه إلى رأينا؟ قالا بالكوفة:
بديل بن يحيى، وكان السفاح يشاوره، فأرسل إليه، وقال له:
إنّ محمدا قد ظهر بالمدينة! قال: فاشحن الأهواز بالجنود، قال:
إنّه إنما ظهر بالمدينة، قال: قد فهمت، وإنما الأهواز الباب الذى تؤتون منه، فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك، قال:
فعاجله بالجنود واشغل الأهواز عليه، وشاور المنصور أيضا جعفر بن حنظلة البهرانى عند ظهور محمد قال: وجّه الجند إلى البصرة، قال:
انصرف عنّى حتى أرسل إليك، فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه، فقال له ذلك فقال: إياها خفت، بادره بالجنود، قال:
وكيف خفت البصرة؟ قال: لأن محمدا ظهر بالمدينة وليسوا أهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبى طالب، فلم يبق إلا البصرة.
ثم إن المنصور كتب إلى محمد بن عبد الله كتابا ابتدأه بأن قال:
بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
«١» ، ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله ﷺ أن أؤمّنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج
стр. 9486
وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسى من أهل بيتك، وأن أؤمّن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شىء من أمرك، ثم لا أتبع أحدا منهم بشىء كان منه أبدا، فإن أردت أن تتوثّق لنفسك فوجّه من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به والسلام.
فكتب إليه محمد: بسم الله الرحمن الرحيم (طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)
«١» ، وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علىّ، فإن الحق حقنا، وإنما ادّعيتم هذا الأمر لنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا «٢» ، فإن أبانا عليا كان الوصى، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء، ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمتّ أحد من بنى هاشم بمثل الذى نمتّ به من القرابة والسابقة والفضل- وإنا بنو أم رسول الله ﷺ فاطمة بنت عمرو «٣» فى الجاهلية،
стр. 9487
وبنو بنت رسول الله ﷺ فاطمة في الإسلام- دونكم إنّ الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيّين محمد ﷺ أفضلهم، ومن السّلف أوّلهم إسلاما على بن أبى طالب، ومن الازواج أفضلهم خديجة الطاهرة، وأوّل من صلى إلى القبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، ومن المولودين فى الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإنّ عبد المطلب ولد حسنا مرّتين، وإنّ رسول الله ﷺ ولدنى مرّتين، من قبل حسن وحسين، وإنى أوسط بنى هاشم نسبا، وأصرحهم أما وأبا «١» ، لم تعرّق فيّ العجمة، ولم تنازع فيّ أمّهات الأولاد، فما زال يختار لى الآباء والأمّهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لى في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابا في النار، فلك ذمّة الله علىّ، إن دخلت في طاعتى، وأجبت دعوتى، أن أؤمّنك على نفسك ومالك، وعلى كل حدث «٢» أحدثته، إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمنى من ذلك، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتنى من الأمان والعهد ما أعطيته رجالا قبلى، فأى الأمانات تعطينى؟ أمان ابن هبيرة!! أم أمان عمّك عبد الله بن على!! أم أمان أبى مسلم!! فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو أيوب الموريانى: دعنى
стр. 9488
أجبه عنه، قال: لا، إذا تقارعنا على الأحساب دعنى وإياه، ثم كتب إليه المنصور:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغنى كلامك، وقرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء، لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة «١» والأولياء، لأن الله جعل العم أبا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، ولو كان اختار الله لهن على قدر قرابتهنّ، لكانت آمنة أقربهنّ رحما، وأعظمهنّ حقا، وأولى من يدخل الجنة غدا، ولكن اختيار الله لخلقه على علمه فيما قضى فيهم «٢» واصطفائه لهم؛ وأمّا ما ذكرت من فاطمة أم أبى طالب وولادتها، فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام، لا بنتا ولا ابنا، ولو أن رجلا رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله، ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، لكنّ الأمر لله يختار لدينه من يشاء، قال الله (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)
«٣» ، ولقد بعث الله محمدا ﷺ وله عمومة أربعة، فأنزل الله (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)
«٤» ، فأنذرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبى، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه، فلم يجعل بينه وبينهما إلّا ولا ذمة ولا ميراثا؛ وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا، وابن خير الأشرار، وليس
стр. 9489
فى الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغى لمؤمن- يؤمن بالله- أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
«١» ؛ وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين، وأن النبىّ ولدك مرتين، فخير الأوّلين والآخرين رسول الله ﷺ لم يلده هاشم إلا مرة، ولا عبد المطلب إلا مرة؛ وزعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا، وأنه لم تلدك العجم، ولم تعرّق «٢» فيك أمّهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرا، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا!! فإنك قد تعدّيت طورك، وفخرت على من هو خير منك- نفسا وأبا وأوّلا وآخرا «٣» - إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وما خيار بنى أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمّهات الأولاد، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله ﷺ أفضل من على بن حسين، وهو لأم ولد ولهو خير من جدّك حسن بن حسن «٤» ، وما كان فيكم بعده مثل محمد بن على، وجدّته أم ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدّته أم ولد، وهو خير منك؛ وأما قولك إنكم بنو رسول الله ﷺ فإن الله تعالى يقول في كتابه (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ... )
«٥» ،
стр. 9490
ولكنكم بنو ابنته وإنها لقرابة قريبة، ولكنّها لا تجوّز الميراث ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة فكيف يورّث بها، ولقد طلبها أبوك بكل وجه، فأخرج فاطمة رضى الله عنها نهارا، ومرّضها سرا ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا الشيخين، ولقد جاءت السنة التى لا اختلاف فيها بين المسلمين: أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورّثون؛ وأمّا ما فخرت به من علىّ وسابقته، فقد حضرت رسول الله ﷺ الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه «١» ، وكان في الستّة فتركوه كلهم دفعا له «٢» ، ولم يروا له حقا فيها؛ وأما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقتل عثمان وهو له متّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعته وأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده؛ ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضى بهما، وأعطاهما عهد الله وميثاقه «٣» ، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا من غير حله «٤» ، فإن كان لكم فيها شىء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه، حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه؛
следующие страницы →