Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.
стр. 9486
وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسى من أهل بيتك، وأن أؤمّن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شىء من أمرك، ثم لا أتبع أحدا منهم بشىء كان منه أبدا، فإن أردت أن تتوثّق لنفسك فوجّه من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به والسلام.
فكتب إليه محمد: بسم الله الرحمن الرحيم (طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)
«١» ، وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علىّ، فإن الحق حقنا، وإنما ادّعيتم هذا الأمر لنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا «٢» ، فإن أبانا عليا كان الوصى، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء، ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمتّ أحد من بنى هاشم بمثل الذى نمتّ به من القرابة والسابقة والفضل- وإنا بنو أم رسول الله ﷺ فاطمة بنت عمرو «٣» فى الجاهلية،
стр. 9487
وبنو بنت رسول الله ﷺ فاطمة في الإسلام- دونكم إنّ الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيّين محمد ﷺ أفضلهم، ومن السّلف أوّلهم إسلاما على بن أبى طالب، ومن الازواج أفضلهم خديجة الطاهرة، وأوّل من صلى إلى القبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، ومن المولودين فى الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإنّ عبد المطلب ولد حسنا مرّتين، وإنّ رسول الله ﷺ ولدنى مرّتين، من قبل حسن وحسين، وإنى أوسط بنى هاشم نسبا، وأصرحهم أما وأبا «١» ، لم تعرّق فيّ العجمة، ولم تنازع فيّ أمّهات الأولاد، فما زال يختار لى الآباء والأمّهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لى في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابا في النار، فلك ذمّة الله علىّ، إن دخلت في طاعتى، وأجبت دعوتى، أن أؤمّنك على نفسك ومالك، وعلى كل حدث «٢» أحدثته، إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمنى من ذلك، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتنى من الأمان والعهد ما أعطيته رجالا قبلى، فأى الأمانات تعطينى؟ أمان ابن هبيرة!! أم أمان عمّك عبد الله بن على!! أم أمان أبى مسلم!! فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو أيوب الموريانى: دعنى
стр. 9488
أجبه عنه، قال: لا، إذا تقارعنا على الأحساب دعنى وإياه، ثم كتب إليه المنصور:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغنى كلامك، وقرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء، لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة «١» والأولياء، لأن الله جعل العم أبا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، ولو كان اختار الله لهن على قدر قرابتهنّ، لكانت آمنة أقربهنّ رحما، وأعظمهنّ حقا، وأولى من يدخل الجنة غدا، ولكن اختيار الله لخلقه على علمه فيما قضى فيهم «٢» واصطفائه لهم؛ وأمّا ما ذكرت من فاطمة أم أبى طالب وولادتها، فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام، لا بنتا ولا ابنا، ولو أن رجلا رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله، ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، لكنّ الأمر لله يختار لدينه من يشاء، قال الله (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)
«٣» ، ولقد بعث الله محمدا ﷺ وله عمومة أربعة، فأنزل الله (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)
«٤» ، فأنذرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبى، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه، فلم يجعل بينه وبينهما إلّا ولا ذمة ولا ميراثا؛ وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا، وابن خير الأشرار، وليس
стр. 9489
فى الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغى لمؤمن- يؤمن بالله- أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
«١» ؛ وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين، وأن النبىّ ولدك مرتين، فخير الأوّلين والآخرين رسول الله ﷺ لم يلده هاشم إلا مرة، ولا عبد المطلب إلا مرة؛ وزعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا، وأنه لم تلدك العجم، ولم تعرّق «٢» فيك أمّهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرا، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا!! فإنك قد تعدّيت طورك، وفخرت على من هو خير منك- نفسا وأبا وأوّلا وآخرا «٣» - إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وما خيار بنى أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمّهات الأولاد، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله ﷺ أفضل من على بن حسين، وهو لأم ولد ولهو خير من جدّك حسن بن حسن «٤» ، وما كان فيكم بعده مثل محمد بن على، وجدّته أم ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدّته أم ولد، وهو خير منك؛ وأما قولك إنكم بنو رسول الله ﷺ فإن الله تعالى يقول في كتابه (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ... )
«٥» ،
стр. 9490
ولكنكم بنو ابنته وإنها لقرابة قريبة، ولكنّها لا تجوّز الميراث ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة فكيف يورّث بها، ولقد طلبها أبوك بكل وجه، فأخرج فاطمة رضى الله عنها نهارا، ومرّضها سرا ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا الشيخين، ولقد جاءت السنة التى لا اختلاف فيها بين المسلمين: أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورّثون؛ وأمّا ما فخرت به من علىّ وسابقته، فقد حضرت رسول الله ﷺ الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه «١» ، وكان في الستّة فتركوه كلهم دفعا له «٢» ، ولم يروا له حقا فيها؛ وأما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقتل عثمان وهو له متّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعته وأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده؛ ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضى بهما، وأعطاهما عهد الله وميثاقه «٣» ، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا من غير حله «٤» ، فإن كان لكم فيها شىء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه، حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه؛
стр. 9491
ثم خرجتم على بنى أمية، فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوكم بلا وطاء فى المحامل، كالسبى المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم وطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنّينا سلفكم وفضّلناه فاتخذت ذلك علينا حجة، وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضّلناه للتقدمة منّا له، على حمزة والعباس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلّما منهم مجتمعا عليهم بالفضل، وابتلى أبوك بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا عليهم «١» وذكرناهم فضله، وعنّفناهم وظلّمناهم بما نالوا منه. ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية زمزم، فصارت للعباس من بين إخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة، فلم يتوسل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلا يأبينا، حتى نعشهم «٢» الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد النبى ﷺ غيره، فكانت وراثته من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بنى هاشم، فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، وميراث النبى ﷺ له، والخلافة في
стр. 9492
ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام- فى دنيا ولا آخرة- إلا والعباس وارثه ومورّثه. أمّا ما ذكرت من بدر فإنّ الاسلام جاء، والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التى أصابته، ولولا أن العبّاس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب وعقيل جوعا، وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين، فأذهب عنكم العار والسّبة، وكفاكم النفقة والمؤونة، ثم فدا عقيلا يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر، وفديناكم وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
وكان محمد قد استعمل الحسن «١» بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، وموسى ابن عبد الله على الشام، فأما الحسن والقاسم فسارا إلى مكة، فخرج إليها السرىّ بن عبد الله، عامل المنصور على مكة، فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه، ودخل الحسن «٢» مكة وأقام بها يسيرا، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله يأمره بالمسير إليه فيمن معه، ويخبره بمسير عيسى ابن موسى إليه ليحاربه، فسار إليه من مكة هو والقاسم، فبلغه بنواحى قديد قتل محمد، فهرب هو وأصحابه وتفرّقوا، فلحق الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم، واختفى القاسم بالمدينة
стр. 9493
حتى أخذت له ابنة عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر امرأة عيسى الأمان له ولإخوته معاوية وغيره، وأما موسى بن عبد الله فسار نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد القسرى، فانسل منه رزام بتيماء، وسار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسرى، فظهر محمد بن عبد الله على ذلك فحبس محمد القسرى، ووصل موسى إلى الشام فرأى منهم سوء ردّ غليه وغلظة، فكتب إلى محمد:
أخبرك أنى لقيت الشام وأهله، فكان أحسنهم قولا الذى قال:
والله لقد مللنا البلاء، وضقنا حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجة؛ ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا أو أمسينا من غد ليرفعنّ أمرنا؛ فكتبت إليك، وقد غيّبت وجهى، وخفت على نفسى.
ثم رجع إلى المدينة، وقيل أتى البصرة، وأرسل صاحبا له يشترى له طعاما فاشتراه، وجاء به على حمّال أسود، فأدخله الدار التى سكنها وخرج، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار، وأخذ موسى وابنه عبد الله وغلامه فحملوا إلى محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس، فلما رأى موسى قال: لا قرّب الله قرابتكم، ولا حيّا وجوهكم، تركت البلاد كلها إلا بلدا أنا فيه!! فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير المؤمنين، وإن أطعته قطعت أرحامكم، ثم أرسلهم إلى المنصور، فأمر بضرب موسى وابنه كل واحد خمسمائة سوط فلم يتأوّها، فقال المنصور: عذرت أهل الباطل في صبرهم، فما بال هؤلاء!! فقال موسى: أهل الحق أولى بالصبر، ثم أخرجهم وأمر بهم فسجنوا.
стр. 9494
ذكر مسير عيسى بن موسى لقتال محمد بن عبد الله بن حسن وقتل محمد
قال «١» : ثم إن المنصور أحضر ابن اخيه عيسى بن موسى بن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس، وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد ابن عبد الله بن حسن، فقال: شاور عمومتك يا أمير المؤمنين، قال: فأين قول ابن هرمة:
نزور امرأ لا يمخض القوم سرّه ... ولا ينتجى الأدنين فيما يحلول
إذا ما أتى شيئا مضى كالذى أتى ... وإن قال إنى فاعل فهو فاعل
فقال المنصور: أمض أيها الرجل- فو الله ما يراد غيرى وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا، فسار وسيّر معه الجنود، وكان عيسى ولى عهد المنصور إذ ذاك؛ فقال المنصور حين سار عيسى:
لا أبالى أيهما قتل صاحبه؛ وبعث معه محمد بن أبى العباس السفاح، وكثير بن حصين العبدى، وحميد بن قحبطة، وهزار مرد وغيرهم، وقال له المنصور حين ودّعه: يا عيسى، إنّى أبعثك إلى ما بين هذين، وأشار إلى ما بين جنبيه «٢» ، فإن ظفرت بالرجل فاغمد سيفك، وابذل الأمان، وإن تغيّب فضمنهم إياه فإنّهم يعرفون مذاهبه، ومن لقيك من آل أبى طالب، فاكتب إلىّ باسمه، ومن لم يلقك فاقبض ماله، وكان جعفر الصادق تغيّب عنه، فقبض ماله، فلما قدم المنصور
стр. 9495
المدينة قال له جعفر في معنى ماله، فقال: قبضه مهديّكم، فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق الحرير، منهم عبد العزيز ابن المطلب المخزومى، وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى، وكتب إلى عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه، فخرج هو وعمر «١» بن محمد ابن عمر، وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل فأتوا عيسى.
قال: ولما بلغ محمدا قرب عيسى من المدينة، استشار أصحابه فى الخروج من المدينة والمقام بها، فأشار بعضهم بالخروج عنها، وبعضهم بالمقام بها، لقول رسول الله ﷺ : رأيتنى في درع حصينة فأوّلتها المدينة، فأقام ثم استشارهم في حفر خندق رسول الله ﷺ ، فقال له جابر بن أنس- رئيس سليم- يا أمير المؤمنين: نحن أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع، فلا تخندق الخندق، فإن رسول الله ﷺ خندقه لمّا أعلمه الله به، وإن خندقته لم يحسن القتال رجالة، ولم توجّه لنا الخيل بين الأزقة، وأن الذين نخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم؛ فقال له أحد بنى شجاع: خندق رسول الله ﷺ فاقتد أنت به، وتريد أن تدع أثر رسول الله ﷺ لرأيك!! قال:
إنه والله- يا ابن شجاع- ما شىء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم، وما شىء أحبّ إلينا من مناجزتهم، فقال محمد: إنما اتبعنا
стр. 9496
فى الخندق أثر رسول الله ﷺ ، فلا يردّنى أحد عنه فلست بتاركه، فأمر به فحفر، وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق «١» ، الذى حفره رسول الله ﷺ للأحزاب، وسار عيسى حتى نزل الأعوص، وكان محمد قد جمع الناس وأخذ عليهم الميثاق:
ألا يخرج منهم أحد، ثم خطبهم فقال:
إنّ عدوّ الله وعدوّكم قد نزل الأعوص، وإنّ أحق الناس بالقيام بهذا الأمر، لأبناء المهاجرين والأنصار، ألا وإنّا قد جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق، وعدوّكم في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده، وأنّه قد بدا لى أن آذن لكم، فمن أحبّ منكم أن يقيم أقام، ومن أحبّ أن يظعن ظعن؛ فخرج عالم كثير، وخرج ناس من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، وبقى محمد في شرذمة يسيرة «٢» ، فأمر أبا القلمّس بردّ من قدر عليه، فأعجزه كثير منهم فتركهم.
قال: وكان المنصور قد أرسل ابن الأصم مع عيسى بن موسى ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من المدينة، فقال ابن الأصم: إن الخيل لا عمل لها مع الرجّالة، وإنى أخاف إن كشفوكم كشفة «٣» أن يدخلوا عسكركم، فتأخّروا إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف وهو على أربعة أميال من المدينة، وقال: ولا يهرول الراجل أكثر من
стр. 9497
ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل، وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء ابن أزهر- على ستة أميال من المدينة- فأقاموا بها، وقال:
أخاف أن ينهزم محمد فيأتى مكة، فيردّه هؤلاء، فكانوا بها حتى قتل محمد، وأرسل عيسى إلى محمد يخبره أن المنصور أمّنه وأهله، فأعاد الجواب: يا هذا، إن لك برسول الله ﷺ قرابة قريبة، وإنى أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيّه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإنى والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه، وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله: فتكون شر قتيل، أو تقتله «١» فيكون أعظم لوزرك. فلما بلغته الرسالة قال عيسى: ليس بيننا وبينه إلا القتال؛ وقال محمد للرسول: علام تقتلونى؟ وإنما أنا رجل فرّ من أن يقتل، قال: إن القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك، على ما قاتل عليه خير آبائك طلحة والزبير، على نكث بيعتهم وكيد ملكه.
قال، ونزل عيسى بالجرف لاثنتى عشرة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وذلك يوم السبت، فأقام السبت والأحد وغدا يوم الإثنين فوقف على سلع، فنظر إلى المدينة ومن فيها، ونادى يا أهل المدينة: إن الله تعالى حرّم دماء بعضنا على بعض، فهلمّوا إلى الأمان، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن «٢» ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن،
стр. 9498
خلوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا وإمّا له. فشتموه فانصرف من يومه وعاد من الغد، وقد فرّق القوّاد من سائر جهات المدينة، وأخلى ناحية مسجد أبى الجرّاح وهو على بطحان، أخلى تلك الناحية لخروج من ينهزم، وبرز محمد في أصحابه ورايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وكان شعاره: أحد أحد، فبرز أبو القلمّس وهو من أصحاب محمد، فبرز إليه أخو أسد، فاقتتلوا طويلا فقتله أبو القلمّس، وبرز إليه آخر فقتله، وقال حين ضربه: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيرا من ألف فاروق، وقاتل محمد يومئذ قتالا عظيما، فقتل بيده سبعين رجلا، وأمر عيسى حميد بن قحبطة فتقدم في مائة «١» كلهم راجل سواه، فزحفوا حتى بلغوا جدارا دون الخندق، عليه ناس من أصحاب محمد، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق، ونصب عليه أبوابا وعبر هو وأصحابه عليها، فجازوا الخندق وقاتلوا من وراءه أشد قتال من بكرة النهار إلى العصر، وأمر عيسى أصحابه فألقوا الحقايب وغيرها في الخندق، وجعل الأبواب عليها وجازت الخيل، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانصرف محمد فاغتسل وتحنط ثم رجع، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبى أنت وأمّى، والله مالك بما ترى طاقة أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإنّ معه جلّ أصحابك!! فقال: لو خرجت لقتل أهل المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، وأنت منى في سعة فاذهب حيث شئت، فمشى معه قليلا ثم رجع عنه، وتفرّق عنه جل أصحابه، حتى بقى في ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا، فقال بعض أصحابه: نحن اليوم بعدة
стр. 9499
أهل بدر؛ وصلّى محمد الظهر والعصر، وكان معه عيسى بن خضير وهو يناشده: إلا ذهب إلى البصرة أو غيرها، ومحمد يقول: لا والله لا تبتلون بى مرّتين، ولكن اذهب أنت حيث شئت، فقال ابن خضير: وأين المذهب عنك!؟ ثم مضى فأحرق الديوان، الذى فيه أسماء من بايعهم، وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباس بن عثمان، وقتل ابن مسلم بن عقبة المرسى، ومضى إلى محمد بن خالد القسرى وهو محبوس ليقتله فعلم به، فردم الأبواب دونه فلم يقدر على قتله، وكان محمد بن عبد الله قد حبس محمد بن خالد بعد ما أطلقه، ورجع عيسى بن خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل، وتقدّم حميد بن قحطبة، وتقدّم محمد بن عبد الله فلما صار ببطن مسيل سلع عرقب فرسه، وعرقب بنو شجاع الجهنيون «١» دوابّهم، ولم يبق أحد منهم إلا كسر جفن سيفه، فقال لهم محمد: قد بايعتمونى ولست بارحا حتى أقتل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنت له، واشتد القتال فهزموا أصحاب عيسى بن موسى مرّتين أو ثلاثا، فقال يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «٢» : ويل أمّه فتحا، لو كان له رجال!! وصعد نفر من أصحاب عيسى على جبل سلع، وانحدروا منه إلى المدينة، وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس «٣»
стр. 9500
بخمار أسود فرفع على منارة مسجد رسول الله ﷺ ، فقال أصحاب محمد بن عبد الله: دخلت المدينة فهربوا، فقال يزيد:
لكل قوم جبل يعصمهم، ولنا جبل لا نؤنى إلا منه!! - يعنى سلعا، وفتح بنو أبى عمرو الغفاريّون طريقا في بنى غفار لأصحاب عيسى، فدخلوا منه أيضا وجاءوا من وراء أصحاب محمد، ونادى محمد حميد بن قحطبة: أبرز إلىّ فأنا محمد بن عبد الله، فقال حميد:
قد عرفتك، وأنت الشريف ابن الشريف، الكريم ابن الكريم، والله، لا أبرز إليك وبين يدىّ من هؤلاء الأغمار واحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك، وجعل حميد يدعو ابن خضير إلى الأمان، وابن خضير يحمل على الناس راجلا، لا يصفى إلى أمانه وهو يأخذهم بين يديه، فضربه رجل من أصحاب عيسى على إليته فحلها، فرجع إلى أصحابه فشدّها بثوب، ثم عاد إلى القتال، فضربه إنسان على عينه فغاص «١» السيف، وسقط فابندروه فقتلوه وأخذوا رأسه، وكأنه باذنجانة مفلقة من كثرة الجراح فيه، فلما قتل تقدّم محمد فقاتل على جيفته، فجعل يهدّ الناس هدا، وكان أشبه الناس بقتال حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، ولم يزل محمد يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وجعل يذبّ عن نفسه، ويقول: ويحكم ابن نبيّكم مجرّح مظلوم، فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل إليه فأخذ رأسه وأتى به عيسى، وهو لا يعرف من كثرة الدماء؛ وقيل إن عيسى بن موسى اتّهم حميد بن قحطبة وكان على الخيل، فقال
стр. 9501
له: ما أراك تبالغ!! فقال له: اتتهمنى!! فو الله لأضربنّ محمدا حين أراه بالسيف أو أقتل دونه، قال: فمرّ به وهو مقتول فضربه ليبرّ يمينه، وقيل بل رمى بسهم وهو يقاتل، فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره، وهو ذو الفقار، سيف على بن أبى طالب رضى الله عنه، وقيل بل أعطاه رجلا من التجار، كان معه وله عليه «١» أربعمائة دينار، وقال خذه فإنّك لا تلقى أحدا من آل أبى طالب إلا أخذه وأعطاك حقّك، فلم يزل عنده حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة، فأخبر به فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار، ولم يزل معه حتى أخذه منه المهدى، ثم صار إلى الهادى فجرّبه فى كلب فانقطع السيف؛ وقيل بل بقى إلى أيام الرشيد، وكان يتقلّده وكان به ثمانى عشرة فقارة.
قال: ولما أتى عيسى برأس محمد قال لأصحابه: ما تقولون فيه؟
فوقعوا فيه، فقال بعضهم: كذبتم ما لهذا قاتلناه، ولكنّه خالف أمير المؤمنين، وشقّ عصا المسلمين، وإن كان لصوّاما قوّاما فسكتوا.
وأرسل عيسى بن موسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبى الكرام بن عبد الله بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، وأرسل معه رؤوس بنى شجاع، فأمر المنصور برأس محمد فطيف به في الكوفة وسيّره إلى الآفاق. قال: ولمّا رأى المنصور رؤوس بنى شجاع قال: هكذا فليكن الناس! طلبت محمدا فاشتمل عليه
стр. 9502
هؤلاء، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا. وكان مقتل محمد وأصحابه يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان خمس وأربعين ومائة.
قال «١» : وكان المنصور قد بلعه أن عيسى بن موسى قد هزم، فقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟
ما أتى «٢» لذلك بعد. ثم بلغه أنّ محمدا هرب، فقال: كلّا، إنّا أهل بيت لا نفرّ، فجاءته بعد ذلك الرؤوس. قال: ولما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب عنده، فلما رأى الرأس عظم عليه وتجلّد خوفا من المنصور، فالتفت المنصور إليه وقال: أهو هو؟ قال: نعم، ولوددت أن الله تعالى قاده إلى طاعتك، ولم تكن فعلت به كذا، قال: وأنا وإلّا فأم موسى طالق، ولكنه أراد قتلنا فكانت نفسنا أكرم علينا من نفسه.
قال: وأرسل عيسى بن موسى ألوية فنصبت في مواضع بالمدينة، ونادى مناديه: من دخل تحت لواء منها فهو آمن؛ وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفّين، ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها، فاحتمله قوم من الليل فواروه سرا، وبقى الآخرون ثلاثا، ثم أمر بهم عيسى فألقوا في مقابر اليهود، ثم ألقوا بعد ذلك في خندق ذباب، فأرسلت زينب بنت عبد الله،
стр. 9503
أخت محمد- وابنته «١» فاطمة إلى عيسى: إنّكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه، فلو أذنتم لنا في دفنه!! فأذن لهما فدفن بالبقيع. قال: وقطع المنصور الميرة عن المدينة في البحر، ثم أذن فيها المهدى.
قال: ورد الخبر بقتل محمد بن عبد الله على أخيه إبراهيم بالبصرة يوم العيد، وكان إبراهيم قد استولى على البصرة، فخرج فصلى بالناس، ونعاه على المنبر وأظهر الجزع عليه.
قال: وكان محمد بن عبد الله بن حسن أسمر شديد السمرة سمينا شجاعا كثير الصوم والصلاة شديد القوّة رحمه الله تعالى. قال:
وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد فقال: فتنة يقتل فيها محمد، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق، وحوافر فرسه في ماء. قال: وقال محمد بن عبد الله لعبد الله بن عامر السّلمى: تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمى عند أحجار الزيت، قال:
فو الله لقد أطلّتنا سحابة فلم تمطرنا، وتجاوزتنا إلى عيسى وأصحابة فظفروا، وقتلوا محمدا ورأيت دمه عند أحجار الزيت، وكان محمد بلقّب المهدى ﵀.
стр. 9504
ذكر تسمية المشهورين ممن كان مع محمد بن عبد الله بن حسن
كان معه من بنى هاشم أخوه موسى بن عبد الله بن حسن، وحسين «١» وعلى ابنا زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ ولمّا بلغ المنصور أن ابنى زيد أعانا محمدا عليه قال: عجبا لهما!! قد خرجا علىّ وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه وأحرقناه كما أحرقه؛ وكان معه حمزة بن عبد الله بن محمد بن على بن الحسين، وعلى وزيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، وكان أبوهما مع المنصور، والحسن «٢» ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر، والمرجّى على بن جعفر بن إسحاق بن على بن عبد الله بن جعفر، وكان أبوه مع المنصور «٣» ؛ وكان معه من غيرهم:
محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص، ومحمد بن عجلان، وعبد الله «٤» بن عمر بن حفص بن عاصم أخذ أسيرا، فأتى به المنصور فقال له: أنت الخارج علىّ؟ قال: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد، وكان معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن
стр. 9505
أبى سبرة، وعبد الواحد بن أبى عون- مولى الأزد، وعبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وعبد العزيز بن محمد الدّراوردى، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الله بن عطاء بن يعقوب، مولى بنى سباع، وإبراهيم وإسحاق وربيعة «١» وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء، وعيسى بن خضير وعثمان بن خضير، وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير هرب بعد مقتل محمد، فأتى البصرة فأخذ منها وأتى به المنصور، فقال له:
هيه يا عثمان، أنت الخارج علىّ مع محمد!! قال: بايعته أنا وأنت بمكة، فوفيت ببيعتى وغدرت ببيعتك، قال: يا ابن اللخناء، قال:
ذاك من قامت عنه الاماء يعنى المنصور، فأمر به فقتل، وكان مع مجمد عبد العزيز بن عبد الله «٢» بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأخذ أسيرا فأطلقه المنصور؛ وعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطبع؛ وعلى بن المطّلب بن عبد الله بن حنطب؛ وإبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير؛ وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدى بن الخيار، وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم.
стр. 9506
ذكر ظهور ابراهيم بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب أخى محمد
كان ظهوره بالبصرة في أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب، فحكت جارية له أنّهم لم تقرّهم أرض خمس سنين، مرة بفارس، ومرة بكرمان، ومرة بالجبل، ومرة بالحجاز، ومرة باليمن، ومرة بالشام، ثم إنّه قدم الموصل وقدمها المنصور في طلبه، فحكى إبراهيم عن نفسه قال: اضطرّنى الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور، ثم خرجت وقد كفّ الطلب، وكان قوم من أهل العسكر يتشيّعون، فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم عليهم ليثبوا بالمنصور فقدم عسكر أبى جعفر وهو ببغداد وقد خطّها، وكانت له مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه، فنظر فيها فقال: يا مسيّب قد رأيت إبراهيم في عسكرى، وما في الأرض أعدى لى منه، فانظر أىّ رجل يكون؟ ثم إنّ المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، فخرج إبراهيم ينظر إليها مع الناس، فوقعت عليه عين المنصور، فجلس إبراهيم وذهب في الناس، فأتى فاميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له، وجدّ المنصور فى طلبه ووضع الرصد بكل مكان، فثبت «١» إبراهيم مكانه، فقال له صاحبه سفيان بن حيّان العمىّ «٢» : قد نزل بنا ما ترى، ولا بد
стр. 9507
من المخاطرة، قال: فأنت وذاك، فأقبل سفيان إلى الربيع، فسأله الإذن على المنصور فأدخله إليه، فلمّا رآه شتمه فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، غير أنى أتيتك تائبا ولك عندى كلّ ما تحبّ، وأنا آتيك بإبراهيم بن عبد الله، إنّى قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا، فاكتب لى جوازا ولغلام معى، واحملنى على البريد ووجّه معى جندا، فكتب له جوازا ودفع إليه جندا، وقال له: هذه ألف دينار «١» فاستعن بها، قال: لا حاجة لى فيها، فأخذ منها ثلاثمائة دينار، وأقبل والجند معه فدخل البيت على إبراهيم، وعلى إبراهيم جبة صوف وقباء كأقبية الغلمان، فصاح به فوثب فجعل يأمره وينهاه، وسار على البريد، وقيل لم يركب البريد، وسار حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع جوازه إليه، فلما جازها قال له الموكّل بالقنطرة: ما هذا غلام وإنّه لإبراهيم بن عبد الله، اذهب راشدا فأطلقهما، فركبوا سفينة حتى قدموا البصرة، فجعل يأتى بالجند الدار لها بابان، فيقعد البعض منهم على أحد البابين، ويقول:
لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه وبقى وحده، وبلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة، فأرسل إلى الجند فجمعهم، وطلب العمىّ فأعجزه وكان إبراهيم قد قدم الأهواز قبل ذلك فاختفى عند الحسن بن حبيب «٢» ،
стр. 9508
وكان محمد بن حصين يطلبه، فقال يوما: إنّ أمير المؤمنين كتب إلى يخبرنى أن المنجّمين أخبروه: أنّ إبراهيم نازل بالأهواز، وهو في جزيرة بين نهرين، وقد طلبته في الجزيرة وليس هناك، وقد عزمت أن أطلبه غدا بالمدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعنى بقوله- بين نهرين- بين دجيل والمسرقان، فرجع الحسن بن حبيب إلى إبراهيم فأخبره، وأخرجه إلى ظاهر البلد، ولم يطلبه محمد ذلك اليوم، فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم، فأدخله البلد وهما على حمارين وقت العشاء الآخرة، فلحقه أوائل خيل ابن الحصين، فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول، فسأل ابن الحصين الحسن بن حبيب عن مجيئه، فقال: جئت من عند بعض أهلى، فمضى وتركه، ورجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه وأدخله إلى منزله، فقال له إبراهيم: والله لقد بلت دما، فأتيت الموضع فرأيته وقد بال دما، ثم إن إبراهيم قدم البصرة، قيل قدمها في سنة خمس وأربعين ومائة، بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة، وقيل قدمها فى سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكان الذى أقدمه وتولى أمره- فى قول بعضهم- يحيى بن زياد بن حيان «١» النبطى، وأنزله في داره في بنى ليث، وقيل نزل في دار أبى فروة، ودعا الناس إلى بيعة أخيه، وكان أوّل من بايعه نميلة بن مرّة العبشمى، وعفو الله بن سفيان،
стр. 9509
وعبد الواحد بن زياد، وعمرو «١» بن سلمة الهجيمى، وعبد الله «٢» ابن يحيى بن حصين الرّقاشى، وندبوا الناس، فأجابهم المغيرة بن الفزع «٣» وأشباه له، وأجابه أيضا عيسى بن يونس، ومعاذ بن معاذ، وعبّاد بن العوّام، وإسحاق بن يوسف الأزرق، ومعاوية بن هشيم ابن «٤» بشير، وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم، حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف، وشهر أمره فقالوا له: لو كنت تحوّلت إلى وسط البصرة، أتاك الناس وهم مستريحون، فتحوّل فنزل دار أبى مروان- مولى بنى سليم- فى مقبرة بنى يشكر.
وكان سفيان بن معاوية- أمير البصرة- قد مالأ على أمره، ولما ظهر أخوة محمد كتب إليه يأمره بالظهور، فوجم لذلك واغتمّ، فجعل بعض أصحابه يسهّل عليه دلك، وقال له: قد اجتمع لك عالم من الناس، فطابت نفسه، وكان المنصور بظاهر الكوفة في قلة من العساكر، وقد أرسل ثلاثة من القوّاد إلى سفيان بن معاوية بالبصرة مددا له، ليكونوا عونا له على إبراهيم، إن ظهر، فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه، فجمع القوّاد عنده، وظهر إبراهيم أول شهر
стр. 9510
رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، فغنم دوابّ أولئك الجند، وصلّى بالناس الصبح بالجامع، وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصنا، فحضره فطلب سفيان منه الأمان، فأمّنه إبراهيم ودخل إلى الدار، ففرشوا له حصيرا فهبّت الريح فقلبته قبل أن يجلس، فتطيّر الناس لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيّر وجلس عليه مقلوبا، وحبس القوّاد وحبس أيضا سفيان بن معاوية في القصر وقيّده بقيد خفيف، ليعلم المنصور أنه محبوس، وبلغ جعفرا ومحمدا، ابنى سليمان بن على ظهور إبراهيم، فأتيا في ستمائة رجل، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء ابن القاسم الجزرى في خمسين رجلا فهزمهما، ونادى منادى إبراهيم:
لا يتبع منهزم ولا يذفف «١» على جريح، ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن على بن عبد الله بن العباس؛ وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى بالأمان وألّا يعرض لهم أحد، فصفت له البصرة ووجد في بيت ما لها ألفى ألف درهم، فقوى بذلك وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين درهما.
فلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة إلى الأهواز، فبلغها في مائتى رجل، وكان فيها محمد بن الحصين عاملا للمنصور، فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا، فانهزم ابن الحصين ودخل المغيرة الأهواز؛ وقيل إنّما سيّر إبراهيم المغيرة إلى الأهواز بعد مسيره من البصرة إلى باخمرى، وسيّر إبراهيم إلى فارس عمرو بن سدّاد، فقدمها وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا على بن عبد الله بن العباس، فبلغهما دنو
стр. 9511
عمرو- وهما باصطخر- فقصدا دار بجرد فتحصّنا بها، فصارت فارس في يد عمرو، وأرسل إبراهيم، هارون بن سعد «١» العجلىّ في سبعة عشر ألفا إلى واسط، وبها هارون بن حميد الإيادي من قبل المنصور- فملكها العجلىّ، وأرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلىّ «٢» فى خمسة، آلاف وقيل في عشرين ألفا، وكانت بينهم وقعات ثم تهادنوا على ترك الحرب، حتى ينظروا ما يكون من إبراهيم والمنصور، فلما قتل إبراهيم هرب هارون بن «٣» سعد عنها، واختفى حتى مات.
قال: ولم يزل إبراهيم بالبصرة، يفرّق العمّال والجيوش حتى أتاه نعى أخيه محمد قبل الفطر بثلاثة أيام، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار، فصلى بهم وأخبرهم بقتل محمد، فازدادوا في قتال المنصور بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة نميلة، وخلف ابنه حسنا معه.
ذكر مسير ابراهيم ومقتله
قال: ثم عزم إبراهيم على المسير، فأشار عليه أصحابه البصريون أن يقيم ويرسل الجنود، فيكون، إذا انهزم لك جند أمددنهم بغيرهم، فخيف مكانك واتقاك عدوك، وجبيت الأموال وثبتت وطأتك، فقال من عنده من أهل الكوفة: إنّ بالكوفة أقواما لو رأوك ماتوا دونك،
стр. 9512
وإن لم يروك قعدت «١» بهم أسباب شى؛ فسار عن البصرة إلى الكوفة، وكان المنصور- لما بلغه ظهور إبراهيم- فى قلة من العسكر فقال: والله ما أدرى كيف أصنع!! ما في عسكرى إلا ألفا رجل، فرّقت جندى!! فمع المهدى بالرىّ ثلاثون ألفا، ومع محمد بن الأشعث بأفريقية أربعون ألفا، والباقون مع عيسى بن موسى، والله:
لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكرى ثلاثون ألفا، ثم كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بالعود مسرعا، فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرة فتركها، وعاد وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الرىّ، فقال له المنصور: اعمد إلى إبراهيم ولا يروعنّك جمعه، فو الله- إنّهما جملا بنى هاشم المقتولان، فثق بما أقول، وضمّ إليه غيره من القوّاد.
وكتب إلى المهدى يأمره بانفاذ خزيمة بن خازم إلى الأهواز، فسيّره فى أربعة آلاف فارس فوصلها، وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثا، وتوالت على المنصور الفتوق: من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمداين والسواد، وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل، ينتظرون به صيحة، فلما توالت الأخبار عليه بذلك أنشد:
وجعلت نفسى للرماح دريّة ... إن الرئيس بمثل ذاك فعول «٢»
стр. 9513
ثم إن المنصور رمى كل ناحية بحجرها، وبقى على مصلّاه خمسين يوما، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبة ملوّنة، قد «١» اتسخ جيبها، ما غيّرها ولا هجر المصلى، إلا أنه، إذا ظهر للناس لبس السواد، فإذا فارقهم رجع إلى هيئته، وأهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمة «٢» الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد، فلم ينظر إليهما، فقيل له: إنّهما قد ساءت ظنونهما، فقال: ليست هذه أيام نساء، ولا سبيل إليهما حتى أنظر: أرأس «٣» إبراهيم لى أم رأسى له؟ قال الحجّاح بن قتيبة: لما تتابعت الفتوق على المنصور، دخلت مسلما عليه وقد أتاه خبر البصرة والأهواز وفارس، وعساكر إبراهيم قد عظمت، وبالكوفة مائة ألف سيف بازاء عسكره، تنتظر صيحة واحدة فيثبون به؛ فرأيته أحوذيا «٤» مشمرا قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها، فقام بها ولم تقعد به نفسه، وإنّه لكما قال الأوّل:
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
وصيّرته ملكا هماما
стр. 9514
ثم وجّه المنصور إلى إبراهيم، عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا، وعلى مقدّمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف، وقال له- لمّا ودّعه-:
إنّ هؤلاء الخبثاء- يعنى المنجّمين- يزعمون أنّك إذا لاقيت إبراهيم، تجول أصحابك جولة حين تلقاه، ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك.
قال: ولمّا سار إبراهيم عن البصرة مشى ليلة في عسكره سرا، فسمع أصوات الطنابير، ثم فعل ذلك ليلة أخرى فسمعها أيضا، فقال:
ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا، وسمع وهو ينشد في طريقه أبيات القطامىّ:
أمور لو تدبّرها حليم ... إذا لنهى وهيّب ما استطاعا
ومعصية الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرّة منه استماعا
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتباعا
ولكنّ الأديم إذا تفرّى ... بلى وتعيّبا غلب الصّناعا
فعلموا أنّه نادم على مسيره، وكان ديوانه قد أحصى مائة ألف، وقيل كان معه في طريقه عشرة آلاف، وقيل له في طريقه ليأخذ غير الوجه الذى فيه عيسى بن موسى ويقصد الكوفة، فإن المنصور لا يقوم له وينضاف أهل الكوفة إليه، ولا يبقى للمنصور مرجع دون حلوان، فلم يفعل، وقيل له ليبيّت عيسى بن موسى، فقال: أكره البيات إلا بعد الإنذار، وقال له بعض أهل الكوفة: إئذن لى بالمسير إلى الكوفة، أدعو الناس سرا ثم أجهر، فإذا سمع المنصور الهيعة بأرجاء الكوفة، لم يردّ وجهه شىء دون حلوان، فاستشار إبراهيم بشير الرحّال، فقال: لو وثقنا بالذى تقول لكان رأيا، ولكنّا لا نأمن أن
стр. 9515
تجيئك منهم طائفة، فيرسل إليهم المنصور الخيل، فيأخذ البرىء والصغير والمرأة، فيكون ذلك تعرّضا للمآثم، فقال الكوفى: كأنّكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتوقون قتل الضعيف والصغير والمرأة، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث سراياه، فيقاتل ويكون نحو هذا، فقال بشير: أولئك كفار وهؤلاء مسلمون، فاتّبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرا، وهى من الكوفة على ستة عشر فرسخا، مقابل عيسى بن موسى، فأرسل إليه سلم بن قتيبة يقول: إنك قد أصحرت «١» ، ومثلك أنفس به عن الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من وجه واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه، فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم؟! لا والله لا نفعل؛ قال: فنأتى أبا جعفر، قالوا:
ولم وهو في أيدينا، متى أردناه؟! فقال إبراهيم للرسول: أتسمع، فارجع راشدا.
ثم إنّهم تصافوا، فصفّ إبراهيم أصحابه صفا واحدا، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، فإنّ الصفّ إذا انهزم بعضه تداعى سائره، فقال الباقون: لا نصفّ إلا صفّ أهل الإسلام، يعنى قول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ)
«٢» ، ثم التقوا
стр. 9516
واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة، فلا يلوون عليه، وأقبل حميد منهزما فقال له عيسى: الله الله والطاعة، فقال لا طاعة فى الهزيمة، ومرّ الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير، فقيل له: لو تنحّيت عن مكانك حتى يثوب إليك الناس، فتكرّ بهم؟ فقال:
لا أزول عن مكانى هذا أبدا حتى أقتل أو يفتح الله على يدى، والله لا ينظر أهل بيتى إلى وجهى أبدا وقد انهزمت عن عدوّهم، وجعل يقول لمن يمرّ به: اقرأوا أهل بيتى السلام، وقولوا لهم لم أجد فداء أفديكم به أعزّ من نفسى، وقد بذلتها دونكم، فبينما هم كذلك لا يلوى أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان بن على من ظهور أصحاب إبراهيم، ولا يشعر باقى أصحابه الذين يتّبعون المنهزمين، حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم، فعطفوا نحوه ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمّت الهزيمة، وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم، فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة فعادوا بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة، وقيل أربعمائة، فقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وجاء إبراهيم سهم عائر «١» فوقع في حلقه فنحره، فتنحّى عن موقفه وقال: أنزلونى، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول: وكان
стр. 9517
أمر الله قدرأ مقدورأ، أردنا أمرا وأراد الله غيره، واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة لأصحابه:
شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدّوا عليهم فقاتلوهم أشد القتال، حتى أفرجوهم عن إبراهيم وخلصوا إليه وحزّوا رأسه، فأتوا «١» به عيسى بن موسى، فأراه ابن أبى الكرام الجعفرىّ، فقال: نعم هو رأسه «٢» ، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى المنصور، وكان مقتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذى القعدة سنة خمس وأربعين ومائة، وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام.
وقيل كان سبب انهزام أصحاب إبراهيم، أنّهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم نادى منادى إبراهيم: ألا تتبعوا مدبرا فرجعوا، فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنّوهم منهزمين، فعطفوا في آثارهم وكانت الهزيمة. قال: وبلغ المنصور الخبر بهزيمة أصحابه أولا، فعزم على اتيان الرىّ، فأتاه نوبخت المنجّم فقال: يا أمير المؤمنين، الظفر لك، وسيقتل إبراهيم فلم يقبل منه، فبينما هو كذلك إذ أتاه الخبر بقتل إبراهيم، فتمثل:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
فأقطع المنصور نوبخت ألفى جريب بنهر جوبر «٣» ، وحمل رأس
стр. 9518
إبراهيم إلى المنصور، فوضع بين يديه فلما رآه بكى، حتى جرت دموعه على خد إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنت لهذا كارها، ولكنك ابتليت بى وابتليت بك، ثم جلس مجلسا عاما وأذن للناس، فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم، ويسىء القول فيه ويذكر فيه القبيح، التماسا لرضا المنصور، والمنصور ممسك متغيّر لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانى، فوقف فسلّم ثم قال: عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، وغفر له ما فرط فيه من حقك، فاستقرّ لون المنصور وأقبل عليه، وقال: مرحبا أبا خالد ههنا، فعلم الناس «١» أن ذلك يرضيه، فقالوا مثل قوله. قيل ولما وضع الرأس بين يدى المنصور بصق في وجهه رجل من الحرس، فأمر به المنصور فضرب بالعمد، فهشمت أنفه ووجهه، وضرب حتى خمد وأمر به فجروا برجله فألقوه خارج الباب.
قال: وممّا رثى به محمد بن عبد الله وأخوه إبراهيم قول عبد الله ابن مصعب بن ثابت:
يا صاحبىّ دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما
وقفا بقبر ابن النبىّ فسلّما ... لا بأس أن تقفا به فتسلّما
قبر تضمّن خير أهل زمانه ... حسبا وطيب سجية وتكرّما
رجل نفى بالعدل جور بلاده ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما
стр. 9519
لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشة فما
لو أعظم الحدثان شيئا قبله ... بعد النبىّ به لكنت المعظما
أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحدا لكان قصاره أن يسلما
ضحّوا بإبراهيم خير ضحيّة ... فتصرّمت أيامه وتصرّما
بطلا يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشا رعشا ولا مستسلما
حتى مضت فيه السيوف وربما ... كانت حتوفهم السيوف وربّما
أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسّما
ونساؤهم في دورهنّ نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنّما
يتوسّلون بقتلهم ويرونه ... شرفا لهم عند الامام ومغنما
والله لو شهد النبىّ محمد ... صلّى الإله على النبىّ وسلّما
إشراع أمّته الأسنّة لابنه ... حتى تقطر من ظباتهم دما
حقا لأيقن أنّهم قد ضيّعوا ... تلك القرابة واستحلّوا المحرما
هذا ما كان من أخبار محمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم رحمهما الله تعالى، ثم لم يتحرك بعدهم أحد من الطالبيين إلى أن ظهر الحسين بن على بن الحسن.
стр. 9520
ذكر ظهور الحسين بن على بن الحسن بن الحسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنه وهو المقتول بفخ «١»
كان ظهوره بالمدينة في ذى القعدة سنة تسع وستين ومائة في خلافة الهادى موسى، وسبب ذلك أن الهادى استعمل على المدينة عمر ابن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلما وليها أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ومسلم بن جندب الشاعر الهذلى، وعمر بن سلام مولى آل عمر، على شراب لهم، فأمر بهم فضربوا جميعا، وجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة، فجاء الحسين بن على إلى العمرى، وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم! لأنّ أهل العراق لا يرون به بأسا، فلم تطوف بهم؟ فأمر بهم فردّوا وحبسهم؛ ثم إن الحسين ابن على هذا ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفلا الحسن بن محمد فأخرجه العمرى من الحبس، وكان قد ضمن بعض آل أبى طالب بعضا، وكانوا يعرضون، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، فأحضر العمرى الحسين بن على ويحيى بن عبد الله وسألهما عنه وأغلظ لهما، فحلف له يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه به، أو يدقّ عليه باب داره حتى يعلم أنه جاءه به، فلمّا خرجا قال له الحسين:
стр. 9521
سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسنا؟ حلفت له بشىء لا تقدر عليه، فقال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف، فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد، وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى أو «١» بمكة في الموسم، فقال يحيى: قد كان ذلك فانطلقا، وعملا في ذلك من ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ضرب على العمرى باب داره فلم يجده، وجاعوا فاقتحموا المسجد بعد الصبح، فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس فبايعوه: على كتاب الله وسنة نبيّه ﷺ ، للمرتضى من آل محمد، وجاء خالد البربرى «٢» فى مائتين من الجند، وجاء العمرى ووزير بن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشّروى ومعهم ناس كثير، فدنا خالد منهم فقام إليه يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار له إدريس من خلفه فضربه فصرعه ثم قتلاه، وانهزم أصحابه ودخل العمرى في المسودّة، فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال وكان فيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفا، وتفرّق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم، فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بنى العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا، ثم إن مباركا التركى أتى شيعة بنى العباس من الغد- وكان قدم حاجا- فقاتل معهم فاقتتلوا أشد قتال إلى منتصف النهار، ثم تفرّقوا ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد،
стр. 9522
وواعد مبارك الناس الرواح إلى القتال، فلمّا غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فقاتلوا شيئا من قتال إلى المغرب ثم تفرّقوا، وقيل إن مباركا أرسل إلى الحسين يقول له: والله لئن أسقط من السماء فيتخطفنى الطير أيسر علىّ من أن تشوكك شوكة، أو تقطع من رأسك شعرة، ولكن لا بدّ من الإعذار، فبيّتنى فإنى منهزم عنك، فوجّه إليه حسين أو خرج إليه في نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبّروا، فانهزم هو وأصحابه، وأقام الحسين وأصحابه أياما يتجهّزون، فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما، ثم خرجوا لست بقين من ذى القعدة، فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه الطعام الذى كانوا يأكلون وآثارهم، فدعوا عليهم.
ولما فارق الحسين المدينة قال: يا أهل المدينة، لا خلف الله عليكم بخير، فقالوا: بل أنت، لا خلف الله عليك بخير، ولا ردّك إلينا، وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فغسله أهل المدينة. قال: ولما أتى الحسين مكة فنودى: أيما عبد أتانا فهو حرّ، فأتاه العبيد، فانتهى الخبر إلى الهادى؛ وكان قد حجّ تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن على، والعباس ابن محمد بن على، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادى إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب، وكان قد سار من البصرة بجماعة وسلاح لخوف الطريق، فاجتمعوا بذى طوى، وكانوا قد أحرموا بعمرة، فلما قدموا مكة طافوا وسعوا وحلّوا من العمرة، وعسكروا بذى طوى وانضمّ إليهم من حجّ من شيعتهم ومواليهم وقوّادهم، والتقوا واقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين،
стр. 9523
وقتل منهم وجرح، وانصرف «١» محمد بن سلمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون حال الحسين «٢» ، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى، البشرى؛ هذا رأس الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولا، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا الأمان، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله ابن العباس فقتلاه، فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدا، وأخذ رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيّفا، وفيها رأس سليمان بن عبد الله ابن حسن بن حسن بن على، وأخذت «٣» أخت الحسين فتركت عند زينب بنت سليمان، واختلط المنهزمون بالحاج، وأتى الهادى بستة أسرى، فقتل بعضهم واستبقى بعضهم، وغضب على موسى ابن عيسى كيف قتل الحسن بن محمد، وقبض أمواله فلم تزل بيده حتى مات، وغضب على مبارك التركى، وأخذ ماله وجعله سائس الدوابّ، فبقى كذلك حتى مات الهادى، وأفلت من المنهزمين إدريس ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على «٤» ، فأتى مصر وعلى بريدها واضح، مولى صالح بن المنصور، وكان شيعيا فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة وليلة، فاستجاب له من بها من البربر، فضرب الهادى عنق واضح وصلبه، وقيل إن
стр. 9524
الرشيد هو الذى قتله، وأن الرشيد دسّ إلى إدريس الشمّاخ اليمامىّ، مولى المهدى، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم وعظمه وآثره على نفسه، فمال إليه إدريس وأنزله عنده، ثم إن إدريس شكا إليه مرضا في أسنانه، فوصف له دواء وجعل فيه سما، وأمره أن يستن «١» به عند طلوع الفجر فأخذه منه، وهرب الشمّاخ ثم استعمل إدريس الدواء فمات منه، فولى الرشيد الشمّاخ بريد مصر. قال: ولما مات إدريس ابن عبد الله خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس، وأعقب بها وملكوها، ونازعوا بنى أميّة في إمارة الأندلس، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار الأندلس فلا فائدة في إعادته. قال: وحملت الرؤوس إلى الهادى، فلمّا وضع رأس الحسين بين يديه قال: كأنّكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت!! إنّ أقلّ ما أجزيكم أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئا.
قال: وكان الحسين شجاعا كريما، قدم على المهدى فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه، إلا وبرا «٢» ليس تحته قميص، وهذا غاية في الجود ونهاية في الكرم والإيثار، رحمه الله تعالى وغفر له.
стр. 9525
ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بن الحسن «١» ابن الحسن بن على بن أبى طالب
كان ظهوره في خلافة الرشيد بن المهدى في سنة ست وسبعين ومائة ببلاد الديلم، واشتدت شوكته وكثرت جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتمّ الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى في خمسين ألفا، وولاه جرجان «٢» وطبرستان والرى وغيرها وحمل معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به وحذره، وأشار عليه وبسط أمله، ونزل الفضل بالطالقان «٣» ، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم، على أن يسهّل له خروج يحيى بن عبد الله، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه، يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بنى هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن على، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسرّ به وعظمت منزلة الفضل عنده، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحبّ وأمر له بمال كثير، ثم حبسه الرشيد بعد ذلك فمات في
следующие страницы →