Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسنا؟ حلفت له بشىء لا تقدر عليه، فقال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف، فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد، وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى أو «١» بمكة في الموسم، فقال يحيى: قد كان ذلك فانطلقا، وعملا في ذلك من ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ضرب على العمرى باب داره فلم يجده، وجاعوا فاقتحموا المسجد بعد الصبح، فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس فبايعوه: على كتاب الله وسنة نبيّه ﷺ ، للمرتضى من آل محمد، وجاء خالد البربرى «٢» فى مائتين من الجند، وجاء العمرى ووزير بن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشّروى ومعهم ناس كثير، فدنا خالد منهم فقام إليه يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار له إدريس من خلفه فضربه فصرعه ثم قتلاه، وانهزم أصحابه ودخل العمرى في المسودّة، فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال وكان فيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفا، وتفرّق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم، فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بنى العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا، ثم إن مباركا التركى أتى شيعة بنى العباس من الغد- وكان قدم حاجا- فقاتل معهم فاقتتلوا أشد قتال إلى منتصف النهار، ثم تفرّقوا ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد،
стр. 9522
وواعد مبارك الناس الرواح إلى القتال، فلمّا غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فقاتلوا شيئا من قتال إلى المغرب ثم تفرّقوا، وقيل إن مباركا أرسل إلى الحسين يقول له: والله لئن أسقط من السماء فيتخطفنى الطير أيسر علىّ من أن تشوكك شوكة، أو تقطع من رأسك شعرة، ولكن لا بدّ من الإعذار، فبيّتنى فإنى منهزم عنك، فوجّه إليه حسين أو خرج إليه في نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبّروا، فانهزم هو وأصحابه، وأقام الحسين وأصحابه أياما يتجهّزون، فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما، ثم خرجوا لست بقين من ذى القعدة، فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه الطعام الذى كانوا يأكلون وآثارهم، فدعوا عليهم.
ولما فارق الحسين المدينة قال: يا أهل المدينة، لا خلف الله عليكم بخير، فقالوا: بل أنت، لا خلف الله عليك بخير، ولا ردّك إلينا، وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فغسله أهل المدينة. قال: ولما أتى الحسين مكة فنودى: أيما عبد أتانا فهو حرّ، فأتاه العبيد، فانتهى الخبر إلى الهادى؛ وكان قد حجّ تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن على، والعباس ابن محمد بن على، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادى إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب، وكان قد سار من البصرة بجماعة وسلاح لخوف الطريق، فاجتمعوا بذى طوى، وكانوا قد أحرموا بعمرة، فلما قدموا مكة طافوا وسعوا وحلّوا من العمرة، وعسكروا بذى طوى وانضمّ إليهم من حجّ من شيعتهم ومواليهم وقوّادهم، والتقوا واقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين،
стр. 9523
وقتل منهم وجرح، وانصرف «١» محمد بن سلمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون حال الحسين «٢» ، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى، البشرى؛ هذا رأس الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولا، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا الأمان، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله ابن العباس فقتلاه، فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدا، وأخذ رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيّفا، وفيها رأس سليمان بن عبد الله ابن حسن بن حسن بن على، وأخذت «٣» أخت الحسين فتركت عند زينب بنت سليمان، واختلط المنهزمون بالحاج، وأتى الهادى بستة أسرى، فقتل بعضهم واستبقى بعضهم، وغضب على موسى ابن عيسى كيف قتل الحسن بن محمد، وقبض أمواله فلم تزل بيده حتى مات، وغضب على مبارك التركى، وأخذ ماله وجعله سائس الدوابّ، فبقى كذلك حتى مات الهادى، وأفلت من المنهزمين إدريس ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على «٤» ، فأتى مصر وعلى بريدها واضح، مولى صالح بن المنصور، وكان شيعيا فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة وليلة، فاستجاب له من بها من البربر، فضرب الهادى عنق واضح وصلبه، وقيل إن
стр. 9524
الرشيد هو الذى قتله، وأن الرشيد دسّ إلى إدريس الشمّاخ اليمامىّ، مولى المهدى، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم وعظمه وآثره على نفسه، فمال إليه إدريس وأنزله عنده، ثم إن إدريس شكا إليه مرضا في أسنانه، فوصف له دواء وجعل فيه سما، وأمره أن يستن «١» به عند طلوع الفجر فأخذه منه، وهرب الشمّاخ ثم استعمل إدريس الدواء فمات منه، فولى الرشيد الشمّاخ بريد مصر. قال: ولما مات إدريس ابن عبد الله خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس، وأعقب بها وملكوها، ونازعوا بنى أميّة في إمارة الأندلس، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار الأندلس فلا فائدة في إعادته. قال: وحملت الرؤوس إلى الهادى، فلمّا وضع رأس الحسين بين يديه قال: كأنّكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت!! إنّ أقلّ ما أجزيكم أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئا.
قال: وكان الحسين شجاعا كريما، قدم على المهدى فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه، إلا وبرا «٢» ليس تحته قميص، وهذا غاية في الجود ونهاية في الكرم والإيثار، رحمه الله تعالى وغفر له.
стр. 9525
ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بن الحسن «١» ابن الحسن بن على بن أبى طالب
كان ظهوره في خلافة الرشيد بن المهدى في سنة ست وسبعين ومائة ببلاد الديلم، واشتدت شوكته وكثرت جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتمّ الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى في خمسين ألفا، وولاه جرجان «٢» وطبرستان والرى وغيرها وحمل معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به وحذره، وأشار عليه وبسط أمله، ونزل الفضل بالطالقان «٣» ، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم، على أن يسهّل له خروج يحيى بن عبد الله، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه، يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بنى هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن على، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسرّ به وعظمت منزلة الفضل عنده، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحبّ وأمر له بمال كثير، ثم حبسه الرشيد بعد ذلك فمات في
стр. 9526
حبسه؛ وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه وعلى أبى البخترى القاضى، فقال محمد: الأمان صحيح، فحاجّه الرشيد، فقال محمد: وما يصنع بالأمان؟ لو كان محاربا ثم ولّى كان آمنا، وقال أبو البخترى: هذا أمان منتقض من وجه كذا، فمزقه الرشيد، وقد ذكرنا خبر يحيى في حبسه فيما تقدّم من كتابنا هذا، عند ذكرنا لأخبار القبض على البرامكة في أيام الرشيد، وأن الرشيد كان قد حبسه عند جعفر، فأطلقه جعفر بغير أمر الرشيد، وقيل بل أخبره بوفاته، ثم نقله إلى خراسان وأودعه عند أميرها على ابن عيسى بن ماهان، وأوصاه به أن يكون عنده موسعا عليه واستكتمه أمره، فكتب علىّ بذلك إلى الرشيد، فكان ذلك سبب زوال نعمة البرامكة، وقد تقدّم ذكر هذه القصّة هناك مبسوطة، ولا فائدة في تكرار ذلك واعادته، فلنذكر خلافه من أخبار من ظهر من الطالبيين.
стр. 9527
ذكر ظهور محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم ابن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب «١» رضى الله عنه وهو المعروف بابن طباطبا
كان ظهوره بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ومائة، فى خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون، وخرج يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكان القيمّ بأمره في الحرب أبو السرايا السرى بن منصور، وهو من ولد هانىء بن قبيصة ابن هانىء بن مسعود الشيبانى، فلما اشتد أمر محمد أراد أن يستقل بالأمر دون أبى السرايا، فسقاه أبو السرايا سما فمات، فى مسهّل شهر رجب من السنة المذكورة، وقد ذكرنا خبره مبيّنا في أخبار المأمون ابن الرشيد. ولما مات محمد بن إبراهيم نصب أبو السرايا مكانه غلاما أمرد يقال له:
محمد بن محمد بن زيد بن على بن الحسين بن على «٢» وصار الحكم لأبى السرايا، واستعمل العمّال على البصرة والأهواز وفارس ومكة واليمن، وانتشر الطالبيون في البلاد وقوى أمرهم، إلى أن قتل أبو السرايا وذلك في المحرم سنة مائتين، فاستعيدت البلاد من الطالبيين على ما قدّمناه في أخبار أبى السرايا في خلافة المأمون.
стр. 9528
ذكر ظهور ابراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ابن على بن الحسين «١» بن على بن أبى طالب وما كان من أمره
كان ظهوره بمكة في سنة مائتين في خلافة المأمون، وكان أبو السرايا قد ولاه اليمن، فأتاه الخبر بمقتل أبى السرايا وهو بمكة، فسار إلى اليمن وبها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملا للمأمون، فلمّا بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار نحو مكة، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن، وسبى وأخذ الأموال، ولم يتمّ أمره ولا أمر غيره ممّن كان أبو السرايا استعملهم، وقد «٢» ذكرنا خبر الحسين بن الحسن الأفطس ومحمد بن جعفر وما كان من أمرهما بمكة في أخبار المأمون، ولا فائدة في اعادته «٣» ، وقد ذكرنا أيضا خبر محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب وخروجه بالطالقان، وما كان من أمره في أخبار المعتصم بالله بن الرشيد في سنة تسع عشرة ومائتين.
стр. 9529
ذكر ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين «١» ابن زيد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب وهو المكنى بأبى الحسين
وكان ظهوره بالكوفة في سنة خمسين ومائتين في خلافة المستعين بالله، وسبب ظهوره أنه نالته ضائقة، ولزمه دين ضاق به ذرعا، فلقى عمر بن فرج وهو يتولى أمر الطالبيين، فكلمه في صلته فأغلظ له عمر، وحبسه فلم يزل محبوسا حتى كفله أهله، فأطلق وسار إلى بغداد، فأقام بها سنة ثم رجع إلى سامرّا، فلقى وصيفا فكلمه في رزق يجريه له، فأغلظ له وصيف وقال: لأى «٢» شىء يجرى على مثلك؟
فانصرف إلى الكوفة وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمى، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبو الحسين جمعا كثيرا كثيرا من الأعراب وأهل الكوفة، وأتى الفلّوجة فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد الله، فكتب محمد بن عبد الله إلى أيوب «٣» وعبد الله بن محمود السرخسى، عامله على معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على حرب يحيى. قال: ومضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة فأخذ ما كان فيه، وهو ألفا دينار وسبعون ألف درهم، وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجون وأخرج من فيها،
стр. 9530
وأخرج العمّال عن الكوفة، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسى فيمن معه، فضربه يحيى على وجهه ضربة أثخنه بها، فانهزم عبد الله، وأخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدوابّ والمال، وخرج يحيى إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من الزيدية وغيرهم إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان فكثر جمعه، فوجّه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين «١» بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوّة، فسار إليه ونزل في مقابلته ولم يقدم عليه، وسار يحيى والحسين فى أثره حتى نزل الكوفة، ولقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس قبل دخولها، فقاتلة فانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهى فوافاه الحسين بها، واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ودعا بالكوفة إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، واجتمع الناس إليه، وتولاه العامّة من أهل بغداد، ولا يعلم أنّهم تولوا أحدا من أهل بيته سواه، وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممّن له تدبير وبصيرة في تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم، وأقام الحسين بشاهى فأراح واستراح، واتصلت به الأمداد، ويحيى بالكوفة يعدّ الرجال ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية ممّن لا علم لهم بالحرب بمعاجله الحسين بن إسماعيل، وألحّوا عليه فزحف إليه في ليلة الإثنين لثلاث عشره ليلة خلت من شهر رجب من السنة، ومعهم الهيضم العجلى وغيره، ورجاله من أهل الكوفة ليس لهم علم بالحرب
стр. 9531
ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم وصبّحوا حسينا وهو مستريح، فثاروا بهم فى الغلس، فركب أصحاب الحسين وحملوا عليهم فانهزموا، ووضعوا فيهم السيف وأسروا منهم، فكان أوّل من أسر الهيضم العجلى، وانكشف العسكر عن يحيى وعليه جوشن، وقد تقطر «١» به فرسه، فوقف عليه ابن لخالد بن عمران يقال له خير «٢» ، فلم يعرفه وظنه من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن، فأمر رجلا فنزل إليه وأخذ رأسه، فعرفه رجل وسيّر الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فبعث محمد الرأس إلى المستعين، فنصب بسامرّا ثم حط وسيّر إلى بغداد لينصب بها، فلم يقدر محمد بن طاهر على ذلك لكثرة من اجتمع من الناس، فلم ينصبه وخاف أن يأخذوه، فجعله في صندوق في بيت السلاح، ووجّه الحسين بن إسماعيل رؤوس من قتل ومن أسر إلى بغداد فحبسوا بها، وكتب محمد بن عبد الله فيهم فأمر بتخليتهم ودفن الرؤوس.
قال: ولما ورد الخير بقتل يحيى على محمد بن عبد الله جلس ليهنأ بذلك، فدخل عليه داود بن الهيثم الجعفرى فقال: أيها الأمير، إنّك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله ﷺ حيا لعزى به، فما ردّ محمد عليه شيئا، وأكثر الشعراء المراثى في يحيى، لما كان عليه من حسن السيرة والديانة، فمن ذلك قول بعضهم:
بكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند المصقول
стр. 9532
وبكته العراق شرقا وغربا ... وبكاه الكتاب والتنزيل
والمصلّى والبيت والركن والحج ... ر جميعا له عليه عويل
كيف لم تسقط السماء علينا ... يوم قالوا أبو الحسين قتيل
وبنات النبىّ يندبن شجوا ... موجعات دموعهن همول
قطّعت وجهه سيوف الأعادى ... بأبى وجهه الوسيم الجميل
إنّ يحيى أبقى بقلبى غليلا ... سوف يودى بالجسم ذاك الغليل
قتله مذكر لقتل على ... وحسين ويوم أو ذى الرسول
صلوات الإله «١» وقفا عليهم ... ما بكى موجّع وحن ثكول
ذكر ظهور الحسين بن محمد
وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين في زمن الخلف الذى وقع بين المستعين والمعتز، ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين، اسمه الحسين ابن محمد «٢» بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب، واستخلف بها محمد بن جعفر العلوى، فوجّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان، وكان العلوىّ بسواد الكوفة في جماعة من بنى أسد ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة، وهو أحمد بن نصر «٣» بن حمزة بن مالك الخزاعى إلى قصر ابن هبيرة، فاجتمع
стр. 9533
وهشام بن أبى دلف العجلى فسارا إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهما ووعدوهم النصرة، فقاتلهم مزاحم وكان قد سيّر قائدا مع جماعة، فأتى الكوفة من الجهة الأخرى، فأطبقوا عليهم فلم يفلت منهم أحد، ودخل الكوفة فرماه أهلها بالحجارة فأحرقها بالنار، وأحرق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التى فيها العلوى، فهرب وأقام مزاحم بالكوفة.
ذكر خبر اسماعيل بن يوسف بن ابراهيم ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على
كان ظهوره بمكة في سنة إحدى وخمسين ومائتين، ولما ظهر هرب عاملها، وانتهب إسماعيل داره ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتى ألف دينار، وخرج منها بعد أن نهبها وأحرق بعضها في شهر ربيع الأوّل، بعد أن أقام بها خمسين يوما، وصار إلى المدينة فتوارى عاملها، ثم رجع إلى مكة في شهر رجب، فحصرهم حتى غلت الأسعار، ولقى أهل مكة منه كل بلاء، ثم سار إلى جدّة بعد مقامه سبعة وخمسين يوما، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، ثم وافى عرفة وبها محمد بن عيسى «١» الملقب كعب البقر، وعيسى بن
стр. 9534
محمد المخزومى كان المعتز قد وجّههما إليها، فقاتلهما إسماعيل، وقتل من الحاج نحو ألف ومائة انسان، وسلب الناس فهربوا إلى مكة، ولم يقفوا بعرفة ليلا ولا نهارا، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدّة فجبى «١» أموالها.
ذكر ظهور على بن زيد العلوى بالكوفة وخروجه عنها
كان ظهوره في سنة ست وخمسين ومائتين واستولى على الكوفة، وأزال عنها نائب الخليفة المعتمد على الله واستقرّ بها، فسيّر إليه المعتمد الشاه بن ميكال في جيش كثيف، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت جيوش المعتمد، وقتل جماعة منهم، فسيّر لمحاربته كنجور «٢» التركى، وأمره «٣» أن يدعوه إلى الطاعة ويبذل له الأمان، ففعل ذلك فطلب علىّ أمورا لم؟؟؟ نجبه كنجور «٤» إليها، فخرج علىّ عن الكوفة إلى القادسية فعسكر بها، ودخل كنجور الكوفة في ثالث شوال من السنة، ومضى على بن زيد إلى خفّان، ثم دخل البرّ إلى بلاد بنى أسد وكان قد صاهرهم، فأقام هناك ثم فارقهم وصار إلى جهة «٥» ، فبلغ كنجور خبره فسار إليه من الكوفة في سلخ ذى الحجة، فواقعة فانهزم علىّ وقتل نفر من أصحابه، ولم يزل علىّ بن زيد إلى سنة ستين فقتله صاحب الزنج. فلنذكر أخبار دولتهم بطبرستان.
стр. 9535
ذكر أخبار الدولة العلويه بطبرستان الداعى الى الحق الحسن بن زيد
كان ظهور هذه الدولة في سنة خمسين ومائتين في خلافة المستعين بالله، وأول من ظهر منهم الداعى إلى الحق: الحسن بن زيد بن محمد ابن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب «١» رضى الله عنهما، وكان سبب ظهوره أنّ محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين بالله من صوافى السلطان بطبرستان، قطائع منها قطيعة بقرب ثغر الديلم، وهى كلار وسالوس؛ وكان بجوارها أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم ليس لأحد عليها ملك، إنما هى موتان، وهى ذات عيون وأشجار وكلأ، فوجّه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع، وهو جابر بن هارون النصرانى، وكان عامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله بن طاهر، خليفة عن محمد بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان، محمد بن أوس البلخى، وقد فرّق محمد بن أوس هذا أولاده فى مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء فتأذى بهم الرعيّة، وشكوا سوء سيرتهم وسيرة أبيهم وسيرة سليمان، ثم دخل محمد بن أوس بلاد الديلم، وهم مسالمون لأهل طبرستان، فسبى منهم وقتل، وساء ذلك أهل طبرستان، ولما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطع لمحمد
стр. 9536
ابن عبد الله عدا على تلك الأرض المباحة، فحازها إلى كلاروسالوس، وكان في تلك الناحية أخوان لهما بأس ونجدة، مذكوران ببذل الطعام وشدة الطعان، يقال لأحدهما محمد والآخر جعفر ابنا رستم، فأنكرا ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين «١» فى تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما جابر وهرب منهما ولحق بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا من جاورهم من الديلم يذكرونهم العهد الذى بينهم ويعتذرون ممّا فعله محمد بن أوس بهم من السبى والقتل، واتفقوا على المعاونة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره، ثم أرسل ابنا رستم إلى رجل من الطالبيين- اسمه محمد بن إبراهيم- كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له فامتنع من ذلك، وقال: ولكنّى أدلّكم على رجل منّا، هو أقوم بهذا الأمر منى، فدلّهم على الحسن بن زيد وهو إذ ذاك بالرىّ، فوجّهوا إليه برسالة محمد بن إبراهيم يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليها وقد اجتمعت كلمة الديلم وأهل كلاروسالوس على بيعته، فبايعوه وطردوا عمّال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان.
وانضم إلى الحسن بن زيد أيضا أهل جبال طبرستان، فتقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل طبرستان. وهى أقرب المدن إليهم.
وأقبل ابن أوس من سارية لدفعهم عنها. والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا.
فتوجه الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها، فلما سمع ابن أوس
стр. 9537
الخبر- وهو مشغول بحرب أصحاب الحسن- لم تكن له همّة إلا النجاة بنفسه، فهرب ولحق بسليمان إلى سارية، واستولى الحسن على آمل، وكثر جمعه وأتاه كل طالب نهب وفتنة. فأقام بآمل أياما ثم سار نحو سارية لحرب سليمان بن عبد الله، فالتقوا خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فسار بعض قوّاد الحسن نحو سارية فدخلها، فلما سمع سليمان الخبر انهزم هو ومن معه، وترك أهله وعياله وأثقاله بها، واستولى الحسن وأصحابه على جميع ذلك، وسيّر إليه أولاده وأهله في مركب إلى جرجان، وقيل إنّ سليمان إنّما انهزم اختيارا، لأن الطاهريّة كلها كانت تتشبع، فلما أقبل الحسن نحو طبرستان تأثم «١» سليمان من قتاله لشدة تشيعه، وقال:
نبّئت خيل ابن زيد أقبلت حينا ... تريدنا لتحسّينا الأمرّينا
يا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لى ولجمع الطاهريّينا
أما أنا فإذا اصطفت كتائبهم ... أكون من بينهم رأس الموّلينا
والعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطمّييينا
فلما التقوا انهزم سليمان، قال «٢» : ولما اجتمعت طبرستان للحسن بن زيد وجّه إلى الرىّ جندا مع رجل من أهله، يقال له الحسن بن زيد أيضا، فملكها وطرد عامل الطاهرية عنها، واستخلف بها رجلا من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.
قال: وورد خبر الحسن على المستعين بالله، ومدبّر أمره يومئذ
стр. 9538
وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح، فوجّه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن بن زيد عنها، وما عدا همذان فأمره إلى محمد بن طاهر.
قال: ولما استقرّ محمد بن جعفر الطالبى بالرىّ، ظهر منه أمور كرهها أهل الرىّ، ووجّه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قائدا يقال له ابن ميكال، فى جمع من الجند إلى الرىّ، فالتقى هو ومحمد ابن جعفر الطالبى خارج الرىّ، فأسر محمد وانهزم جيشه، ودخل ابن ميكال إلى الرىّ وأقام بها، فوجّه إليه الحسن بن زيد عسكرا، مع قائد من قوّاده يقال له واجن، فالتقوا واقتتلوا فانهزم ابن ميكال واعتصم بالرىّ، فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الرىّ في يد أصحاب الحسن بن زيد.
ثم ظهر بالرى في سنة خمسين ومائتين أيضا
أحمد بن عيسى بن على بن حسين (الصغير) بن على بن حسين ابن «١» على بن أبى طالب رضى الله عنه، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على «٢» [بن أبى طالب] ، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الرىّ صلاة العيد، ودعا إلى الرضا من آل محمد، فحاربه محمد بن على بن طاهر، فانهزم ابن طاهر وصار إلى قزوين.
стр. 9539
ثم مسك أحمد في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وسيّر إلى نيسابور، وكان الذى ظفر به عبد الله بن عزيز.
وفي سنة احدى وخمسين ومائتين
رجع سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى طبرستان بجمع كثير، ففارقها الحسن بن زيد ولحق بالديلم، ودخلها سليمان وقصد سارية، وأتاه أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوا، ونهى أصحابه عن القتل والنهب، ثم فارقها سليمان وعاد الحسن بن زيد إليها، فسار مفلح إليه من قبل موسى بن بغا في سنة خمس وخمسين ومائتين، وحاربه فانهزم الحسن ولحق بالديلم، ودخل مفلح آمل وأحرق منازل الحسن، وسار إلى الديلم في طلبه، ثم كتب إليه موسى بن بغا بالقدوم عليه إلى الرىّ، فسار إليه ثم سار إلى سامرّا.
ذكر ملك الحسن بن زيد جرجان
وفي سنة سبع وخمسين ومائتين قصد الحسن جرجان واستولى عليها، وكان محمد بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان- لما بلغه عزم الحسن على قصد جرجان- جهّز العساكر، وأخرج عليها الأموال الكثيرة، وسيّرها لحفظ جرجان، فلم يقوموا بحرب الحسن، وظفر بهم وملك البلد وقتل كثيرا من العساكر، وغنم هو وأصحابه ما معهم، فضعف حينئذ محمد بن طاهر، وانتقض عليه كثير من الأعمال التى يجبى خراجها إليه، ولم يبق في يده إلا بعض خراسان، وأكثرها بيد المتغلبين كيعقوب بن الليث الصفّار وغيره.
стр. 9540
وفيها فارق عبد العزيز بن أبى دلف الرىّ من غير سبب يعلم وأخلاها، فأرسل الحسن بن زيد القاسم بن على بن القاسم العلوى، فغلب عليها فأساء السيرة في أهلها، وخلع أبواب المدينة- وكانت من حديد- وسيّرها إلى الحسن، وبقى كذلك نحو سنتين «١» .
وفي سنة تسع وخمسين ومائتين
غلب الحسن بن زيد على قومس، ودخلها أصحابه، وفي سنة ستين ومائتين دخل يعقوب بن الليث الصفار طبرستان، وانهزم الحسن إلى أرض الديلم على ما نذكره في أخبار الدولة الصفارية.
ذكر وفاة الحسن بن زيد وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنه سبعين ومائتين، فكانت مدة ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام- وقيل- واثنى عشر يوما، وكان مهيبا عظيم الخلق. حكى صاحب كنوز المطالب في بنى أبى طالب «٢» عن الصولى: أن الحسن عطس يوما عطسة، وكان رجل يؤذن في المنارة ففزع فسقط منها إلى الأرض فمات. قال:
وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين، وكان في آخر عمره يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط. وكان جوادا ممدوحا، امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم، وفيه يقول محمد بن إبراهيم الجرجانى وقد افتصد:
стр. 9541
إنّما غيّب الطبيب شبا «١» ال ... مبضع عندى في مهجة الإسلام
سرّت الأرض حين صبّ عليها ... دم خير الورى وأعلى الأنام
وكان متواضعا لله . حكى عنه أنه مدحه شاعر فقال الله فرد وابن زيد فرد، فردّ فقال: بفيك الكثكث يا كذّاب!! لم لا قلت: الله فرد وابن زيد عبد، ثم نزل عن مكانه وخرّ ساجد الله تعالى، وألصق خدّه بالتراب وحرم ذلك الشاعر. وكان عالما بالشعر «٢» والعربية.
فمدحه شاعر فقال:
لا تقل بشرى ولكن «٣» بشريان ... غرّة الداعى ويوم المهرجان
فقال: كان الواجب أن تفتح الأبيات بغير لا، لأن الشاعر المجيد يتخيّر لأول القصيدة، ما يعجب السامع ويتبرّك به، ولو ابتدأت بالمصراع الثانى لكان أحسن، فقال الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجلّ من لا إله إلا الله وأوّلها لا، فقال له الحسن: أصبت، وأجازه. وأهدى إليه أبو العمر الطبرى سهمين في بعض الأعياد عليهما مكتوب:
أهديت للداعى إلى الحق ... سهمى فتوح الغرب والشرق
زجّاهما «٤» النصر وريشاهما ... ريشا جناحى طائر المسبق
أيّد هذا للفال بالصدق ... هما بشيرا دعوة الحق «٥»
стр. 9542
فسرّه الفأل، وأعطاه عشرة آلاف درهم. وحكى عنه أنه غنى عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب، التى أوّلها:
وأنا الأخضر من يعرفنى ... أخضر الجلدة من بيت العرب
فلما وصل إلى قوله:
برسول الله وابنى عمّه ... وبعبّاس بن عبد المطّلب
غيّر البيت فقال: لا بعبّاس بن عبد المطّلب، فغضب الحسن وقال: يا ابن اللخناء، أتهجو بنى عمّنا بين أيدينا، وتغيّر ما مدحوا به؟!، إن فعلتها مرة ثانية لأجعلنّها آخر غنائك.
وكان الحسن شاعرا فمن شعره:
لم نمنع الدنيا لفضل بها ... ولا لأنّا لم نكن أهلها
لكن لنعطى الفوز في جنّة ... ما إن رأى ذو بصر مثلها
هاجرها خير الورى جدّنا ... فكيف نرجو بعده وصلها
وله أشعار مستحسنة تركناها اختصارا، وكان كاتبه سعيد بن محمد الطبرى. قال: ولما مات قام بالأمر بعده أخوه محمد بن زيد.
ذكر أخبار محمد بن زيد
لما مات الحسن كان أخوه هذا بجرجان، وكان في مرضه قد أمر صهره محمد بن إبراهيم العلوى- أن يكتب إلى أخيه محمد بن زيد ليسارع بالحضور، فينتصب في المملكة، فتباطأ، فلما توفى الحسن انتصب محمد ابن إبراهيم مكانه، وتلقّب بالقائم بالحق، فبلغ الخبر محمد بن
стр. 9543
زيد فسار من جرجان، فلمّا قرب هرب محمد بن إبراهيم إلى سالوس، فأنفد في أثره سريّة فأدرك وقتل، ولبس محمد بن زيد القلنسوة وتلقّب بالداعى.
واستقامت له طبرستان وذلك في بقية رجب سنة سبعين ومائتين، ووصل إلى الرى في جموع كثيرة، فلما كان في سنة إثنتين وسبعين ومائتين فى جمادى الأولى، سار اذكوتكين- صاحب الرى- من قزوين إلى الرى، ومعه أربعة آلاف فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم والطبرية والخراسانية عالم كثير، فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر محمد وتفرّقوا، وقتل منهم ستة آلاف وأسر ألفان، وغنم اذكوتكين من أموالهم وأثقالهم ودوابّهم ما لم ير مثله.
قال «١» : وجلس اذكوتكين بالمصلّى، ليضرب أعناق الأسرى بين يديه، فمن عجيب ما اتفق أنّ ديلميا قدّم ليضرب عنقه، فوثب على السيّاف واستلب السيف من يده، وعلاه به فقتله ومرّ هاربا فلم يلحق، واذكوتكين ينظر إليه ويضحك؛ ودخل «٢» اذكوتكين الرىّ وأقام بها، وأخذ من أهلها مائة ألف دينار، وفرّق عمّاله على أعمال الرى.
стр. 9544
وفي سنة خمس وسبعين ومائتين
استولى رافع بن هرثمة- أمير خراسان- على جرجان، وأزال عنها محمد بن زيد، فسار محمد إلى استراباد فحصره بها رافع نحو سنتين، فغلت الأسعار بحيث إنّه عدم المأكل، وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة «١» ، ففارقها محمد ليلا في نفر يسير، فبعث رافع إليه عسكرا فتحاربا، وسار محمد عن سارية وطبرستان في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين.
ثم سار إلى الديلم فدخل رافع خلفه، فوصل إلى حدود قزوين، وعاد إلى الرىّ وأقام إلى سنة تسع «٢» وسبعين، حتى توفى المعتمد على الله، ودام محمد إلى أن قتل، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 9545
ذكر مقتل محمد بن زيد وشىء من أخباره
كان مقتله سنة ثمان وثمانين ومائتين «١» ، وكان سبب قتله أنه اتّصل به أنّ إسماعيل بن أحمد السامانى- صاحب ما وراء النهر- أسر عمرو بن الليث الصفار- أمير خراسان- فخرج من طبرستان ظنا منه أن إسماعيل السامانى لا يتجاوز عمله ولا يقصد خراسان، وأنّه «٢» لا دافع له عن ملك خراسان، فلما انتهى إلى جرجان أرسل إليه إسماعيل- وقد استولى على خراسان- يقول له: ألّا يتجاوز عمله، ولا يقصد خراسان «٣» وترك جرجان له، فأبى محمد ذلك، فندب إسماعيل محمد بن هارون؛ فكان محمد هذا يخلف رافع بن هرثمة أيام ولايته خراسان، فجمع محمد جمعا كثيرا من فارس وراجل، وسار نحو محمد بن زيد فالتقوا على باب جرجان، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم محمد بن هارون أولا، ثم رجع وقد تفرّقت عساكر محمد بن زيد في الطلب، فلما رأوه قد رجع ولّوا هاربين، وقتل منهم خلق كثير، وأصاب محمد بن زيد ضربات، وأسر ابنه زيد وغنم ابن هارون معسكره وما فيه، ثم مات محمد بن زيد بعد أيام من الجراحات التى أصابته، فدفن على باب جرجان.
وقيل: كانت الوقعة التى جرح فيها يوم الجمعة لخمس ليال
стр. 9546
خلون من شوال سنة سبع وثمانين، ومات بعد ذلك بيوم، وكانت مدة قيامه- بعد وفاة أخيه- نحوا من ثمانية عشر سنة.
وكان أديبا شاعرا فاضلا حسن السيرة، قال أبو عمرو الاستراباذى:
كنت أورد على محمد بن زيد أخبار العباسيين، فقلت له: إنّهم قد لقّبوا أنفسهم، فإذا ذكرتهم عندك أسميهم أو ألقبهم؟ فقال:
الأمر موسع عليك، سمّهم ولقّبهم بأحسن ألقابهم واسمائهم وأحبّها إليهم. قال: وحمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد السامانى- لمّا أسر- فأكرمه، وكتب إليه المكتفى كتابا في حمله إليه فدافع عنه، وهو القائل:
ولقد تقول عصابة ملعونة ... غوغاء ما خلقت لغير جهنّم
من لم يسبّ بنى النبى محمد ... ويرى قتالهم فليس بمسلم
عجبا لأمّة جدّنا يجفوننا ... وتجيرنا منهم رجال الديلم
ولم يزل عند آل سامان مكرّما إلى أن مات في سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
ولمّا مات محمد بن زيد وأسر ابنه زيد «١» بن محمد، قام بالأمر ابن ابنه المهدى أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن زيد، وخطب له ببلاد الديلم، وكانت له خطوب وحروب لم نر من دوّن فيها شيئا فنورده، ولا وقفنا على تاريخ وفاته.
стр. 9547
قالوا: ثم كانت بين الحسنيين والحسينيين حروب على الإمارة بطبرستان والديلم، إلى أن استقرت الإمارة في بنى الحسين، وأول من قام منهم: الحسن بن على الأطروش.
ذكر أخبار الناصر للحق
هو الحسن بن على بن الحسن بن على بن عمر بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب «١» رضى الله عنه ويعرف بالأطروش، كان استيلاؤه على طبرستان في سنة إحدى وثلاثمائة، وذلك أنه لما قتل محمد ابن زيد استعمل إسماعيل بن أحمد السامانى محمد بن هارون على طبرستان، وأمره بقتل من وجد من العلويّة فهربوا في البلاد، وكان الحسن بن علىّ هذا شيخا من شيوخ الزيدية، شديد الصحبة لمحمد ابن زيد، وكان قد دخل خراسان سرا ليدعو الناس إليه، فجرت عليه مكاره وحبس، ثم هرب من السجن وعاد إلى محمد بن زيد،
стр. 9548
وشهد معه الحرب الذى قتل فيها؛ وكان سبب صممه أنّه ضرب في حرب مع محمد بن زيد بسيف على رأسه فطرش.
فلما وقع عليه الطلب وعلى أمثاله هرب، ودخل إلى بلاد الديلم، وأقام عند ملكهم جستان بن وهسوزان بن المرزبان «١» فأكرمه، وأنزله فأخذ في دعاء الديلم إلى الإسلام، فأسلم جمهورهم، وجعل يتنقّل على قراهم ويدعو، ثم دخل إلى بلاد الجيل، ودعاهم فأسلم «٢» أكثرهم، ووقعت دعوته على حدّ النهر باسباذروذ «٣» ، فاجتمع أهل دعونه عليه، وعاد من بلاد الجيل فيمن جمع، فلما دخل بلاد الديلم وجد جستان على خلاف ما فارقه عليه، لأنّه فارقه على أنّه معلم، يدعو الناس لا طالب مملكة، فمنعه جستان من الأعشار والصدقات، فوقع بينهما حرب كانت الهزيمة فيها على جستان، ثم ألجأه الأمر إلى مسالمة الناصر والدخول في طاعته.
وأقام الناصر في هرسم «٤» قاعدة مملكة الديلم، واتفق أنّ محمد
стр. 9549
ابن هارون السرخسى- نائب إسماعيل بن أحمد على طبرستان- تخوّف منه، فهرب واستأمن إلى الحسن، وتسلّم طبرستان وجرجان محمد ابن «١» على المعروف بصعلوك السامانى وكان في عسكر كثيف، واتصل السرخسى بالناصر في عسكر قوى فاستظهر به، واجتمعا على لقاء صعلوك، فاحتال عليهما صعلوك، حتى افترقا بحيلة غريبة، فلما افترقا مضى السرخسى إلى نواحى الرىّ، ورجع الناصر إلى بلاد الديلم، ولم يتمّ له أمر، ثم أنفذ كرّة ثانية جيشا مع كالى والحسن بن الفيرزان، فهزمهما صعلوك وقتلا في الوقعة، ثم خرج الناصر بنفسه إلى سالوس، وسار إليه صعلوك ومعه اصفهبد شهريار «٢» من الخراسانية، فالتقوا وكان مع الناصر كما ذكر المكثّر عشرة آلاف رجل من الديلم والجيل، وأكثرهم رجّالة ليس معهم من الخيل والأسلحة إلا القليل، وعدّة الخراسانية نيّف وثلاثون ألف رجل على غاية القوّة والمنعة، فهزمهم الناصر وقتل منهم مقتلة عظيمة، وألجأهم إلى بحر طبرستان، فكان من غرق أمثال من قتل، قال الصابى في الكتاب التاجى: يقال إنّ المفقودين كانوا نيّفا على عشرين ألفا، وقال حمزة بن الحسن الأصفهانى: كانوا سبعة آلاف «٣» رجل، وكانت الوقعة في سنة ثلاثمائة، ودخل الناصر مدينة آمل في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثمائة.
стр. 9550
ولما دخل طبرستان وملكها فوّض أمر الجيش إلى الحسن بن القاسم العلوى، فاستبدّ بالأمر واصطنع الرجال ووسّع عليهم في العطاء، وقبض على الناصر وحبسه، فاستكبر الديلم هذا الفعل، وحضروا إلى القاسم العلوى وطالبوه بإخراجه إليهم، ووثب إليه ليلى بن النعمان وأخوه- وهما من أكبر القوّاد- وقالا له: إن أفرجت عنه الساعة وإلا قتلناك، فأخرجه لهم وهرب إلى بلاد الجيل، فأطاعوه فتلقّب بالداعى، فتكلّم الناس عند الناصر في أن يردّه ويولّيه جيشه وعهده، وكان الناصر قد ولّى ليلى بن النعمان الجيش، فأجاب وعاد الحسن بن القاسم فوفّى له الناصر بذلك، وزوّجه بإبنة ولده على بن الناصر «١» ، واستمرت الحال على ذلك إلى أن توفى الناصر، وكانت وفاته في شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله من العمر تسع وسبعون سنة، وكانت مدة مملكته المستقيمة الدائمة إلى حين وفاته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياما.
وكان الحسن الناصر شاعرا ظريفا كثير المجون حسن النادرة وهو الذى حرّر مذهب الزيدية وألّف فيه، وكان يقول: بزر القز ليس بمال، والديلم ليسوا بعسكر، أما البزر فلأنّه إذا أقبل الربيع صار بعوضا، وأما الديلم فلسرعة تنقّلهم من عسكر إلى عسكر. وكان يقول لأصحابه: من قتل منكم مقبلا فهو مؤمن، ومن قتل منكم مدبرا فهو كافر، فإذا أتى بجريح جرح مقبلا نثر عليه الكافور المسحوق، فيجد
стр. 9551
راحة ويسكن ألمه، وإذا أتى بجريح جرح مدبرا نثر عليه ملحا فيشتد أمره، فيقول: قد بان لكم أن المؤمن ينتفع بالدواء لإيمانه، والكافر لا ينتفع به لكفره.
وكان له من الأولاد أبو الحسن على، وأبو القاسم جعفر، وأبو الحسين أحمد. ولما مات الحسن الناصر قام بالأمر بعده.
الحسن بن القاسم «١» الداعى العلوى
وهو ولى العهد، ولبس القلنسوة، وكان أوّل ما بدأ به أن بعث أبا القاسم جعفر وأبا الحسين أحمد- ولدى الناصر- إلى جرجان لانتزاعها من أيدى الخراسانية، فلقيهما دونهما دونها إلياس بن محمد ابن اليسع الصفدى- والى جيش خراسان- بموضع يقال له سيما له «٢» فلما اصطّف الجيشان برزبين الصفّين ودعا إلى المبارزة، فبرز إليه من جيش ولدى الناصر بويه بن فناخسره- جد عضد الدولة- فقتله وانفض جيش الخراسانية، فبعث إليهما بعد ذلك الأمير نصر بن أحمد السامانى جيشا عليه سيمجور الدواتى، فلقياه بحلالين «٣» من سواد جرجان فهزماه،
стр. 9552
فوقف غير بعيد وتجمّعت الخراسانية كعادتهم في ذلك، فكرّ راجعا إليهم فهزمهم أقبح هزيمة، وقتل الديلم أفظع قتل، وانهزموا وسلكوا مضايق ليأمنوا جولان الخيل، فوصلوا جرجان فتجمّع الديلم بها، وأخلوها قاصدين طبرستان وقد اتفق رأيهم على خلع الداعى، فخلعوه في الطريق وبايعوا أبا القاسم جعفر بن الناصر، وألبسوه القلنسوة، وقيل إن المبايع أبو الحسين أحمد، وبالجملة فالأمير على الجيش أبو الحسين؛ ولما وصلا في جيوشهما إلى آمل لقيهما الداعى دونها، وخرج هاربا إلى بلاد الجيل، وملكا طبرستان مديدة، ثم كرّ راجعا- وقد احتشد- فلقياه فهزمهما، فمضيا إلى بلاد الجيل واحتشدا، وعادا فحاربهما الداعى حربا شديدا ثم انهزم واستوليا على عسكره، وهرب وحيدا متنكرا يريد بلاد الجيل، واخترق بلاده الديلم فأسره بعضهم ثم منّ عليه وأطلقه، فانتهى إلى بلاد الجيل وأقام عندهم.
واتفقت وفاة أبي الحسين فجأة، وتلاه أخوه أبو القاسم بعده، فبقى أمر الديلم بطبرستان بغير مدبّر، فعقدوا الإمرة عليهم لليلى»
ابن النعمان، فقام بأمرهم وهو يدعو للداعى إلى أن قتل بنيسابور «٢» ، قتله حمّويه بن على صاحب جيش نصر بن أحمد السامانى، فعقدوا بعده لعلى بن خورشيد فعاجلته المنيّة، فعزموا على الحسن بن كالى، فأشار عليهم بأخيه ماكان بن كالى، وهو أشجع أهل الديلم بالانفاق، فلما ولى عليهم اجتمع هو وأخوه على نصب أبى علىّ محمد بن أبى الحسين
стр. 9553
ابن الناصر، فنصبوه فجرى على يده قتل الحسن بن كالى بسارية، وكان ما كان بآمل، ثم سقط بعد ذلك أبو على في الميدان فهلك، ولمّا اتصل بما كان ما جرى على أخيه كاتب الداعى يستدعيه، فوافى في عسكر قوى واجتمع معه وملك طبرستان، ثم سار ومعه ما كان إلى جرجان فملكها، وأقام الداعى بجرجان، وكانت في نفسه حفائظ على الديلم لنصرتهم عليه أولاد الناصر، فعمل دعوة لهم جعل يستدعيهم واحدا واحدا فيقتله، ففطنوا لذلك وهربوا إلى خراسان، ودخلوا في طاعة نصر بن أحمد السامانى، وسوّدوا أعلامهم وقدّموا على أنفسهم أسفار بن شيرويه الجيلى «١» ، وبعث معهم نصر بن أحمد جيشا كثيفا، وساروا فدخلوا جرجان، وسار الداعى منها إلى طبرستان ثم إلى الرىّ، واجتمع فيها بما كان وأمره أن يمضى إلى طبرستان لدفع أسفار عنها، فعلم أنّه لا طاقة له بذلك، فقال له: الرأى أن تمضى أنت فإنك الإمام، ولو قد رأتك الديلم لانفضّوا إليك، فاضطر الداعى إلى ذلك، وسار ووقعت الحرب بينه وبين الخراسانية، فانهزم جيشه وكان مرداويج بن زيار الجيلى يراصده، فأمكنته فرصة منه فرماه فأشواه، وولّى منهزما ودخل آمل واستتر بها، فتتبّع الديلم أثر دمه، وأظهره لهم أهل البلد، فبادروا إلى الدار التى دلوهم عليها وهجموها، فلما رآهم بادر إلى الصلاة فقتلوه، وكان مقتله يوم الثلاثاء لست بقين من شهر رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة في أيام
стр. 9554
المقتدر بالله، فكانت مدة مملكته ثنتى عشرة سنة وشهرا وأياما، على ما فيها من الإختلاف عليه وقيام من ذكرنا.
ملك أسفار جرجان
ولما قتل الداعى ملك أسفار جرجان، وأبو موسى هارون بن بهرام طبرستان، والدعوة فيها لنصر بن أحمد السامانى، فأجمع رأيهما على نصب أبى جعفر محمد بن أحمد الناصر بآمل، فنصباه وألبساه القلنسوة، والدعوة لنصر لم تقطع، وبلغ نصرا الخبر فأنكر على أسفار غاية الإنكار، وأمره بالقبص عليه والبعث به إليه، ففعل أسفار ذلك وبلغ ما كان الخبر وهو بالرى، فسار إلى طبرستان فهرب هارون منها إلى الديلم، وأظهر ما كان ما هو عليه من التشيّع، ونصب إسماعيل بن جعفر بن الناصر، فتوفى بعد مدّة ووقعت فترة لم يل فيها أحد من العلويين، ثم تخلّص بعد ذلك أبو الفضل جعفر بن محمد ابن الحسين «١» بن على بن الحسن بن على بن عمر بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب من حبس نصر بن أحمد، وهو ممّن قبض عليه أسفار بن شيرويه مع أبى جعفر محمد بن الناصر، وسار إلى بلد الجيل وابتدأ في الدعاء لنفسه بها في سنة عشرين وثلاثمائة ونعت نفسه بالثائر في الله، وكان ذا حزم وتدبير، وساعدته الأقدار فخرج من بلد الجيل، قاصدا طبرستان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة
стр. 9555
وبها الأستاذ أبو الفضل بن العميد، وزير ركن الدولة بن بوية، وأبو الحسن على بن كامه، من قبل ركن الدولة، فاستظهر عليهما وملك البلاد، وانصرفا إلى الرىّ فأعاد ركن الدولة بن بويه أبا الحسن على بن كامة في جيش، وكتب إلى الحسن «١» بن الفيروزان- صاحب جرجان- يأمره بمعاونته ففعل، وسار إلى طبرستان في بقية سنة سبع وثلاثين، فرحل الثائر عنها وقصد الجيل، ثم خرج كرّة ثانية، واتفق مع وشمكير ولم يتم لهما أمر، ثم خرج ثالثة إلى طبرستان لاجئا إلى ركن الدولة بن بويه فنصره، وأقام مدة بها، ثم عاد إلى بلاد الجيل وملك هرسم، ولم يخرج منها إلا في سنة خمسين وثلاثمائة، فإنّه صار إلى نواحى أذربيجان زائرا للمرزبان «٢» بن مسافر، وعاد فأقام بهرسم من بلاد الجيل إلى أن توفى بها، وكانت وفاته في سنة خمسين وثلاثمائة.
وملك بعده جماعة من العلويين بلاد الجيل، ولم يكن لأحد منهم دولة قائمة في بلد مشهور، فيعتنى بأمرهم وتدوّن أخبارهم، وإنما كانوا بتلك الناحية شبه الأعيان والأكابر، لا كالملوك والخلفاء، ثم ظهر بعد ذلك أبو عبد الله محمد الحسنى
стр. 9556
ذكر ظهور أبى عبد الله محمد بن الحسين الحسنى المعروف بابن الداعى
قال ابن الأثير «١» : كان ظهوره في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وذلك أنه هرب من بغداد وسار نحو الديلم، فاجتمع عليه عشرة آلاف رجل، فهرب ابن الناصر العلوى من بين يديه، وتلقّب ابن الداعى بالمهدى لدين الله، وعظم شأنه وهزم قائدا من قواد وشمكير.
ثم أظهر النسك والعبادة ولبس الصوف، وحارب ابن وشمكير فهزمه في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وعزم على المسير إلى طبرستان وكتب إلى العراق كتابا يدعوهم إلى الجهاد، هذا ما أورده ابن الأثير «٢» فى خبره، ولم يذكر خبر وفاته، إلا أنّه لم يتم له أمر، ولا ظهر لغيره من أهل هذا البيت بعد ذلك بهذه الناحية ذكر، ولا كانت لهم مملكة فى جهة من الجهات، إلا ما نورده من أخبار العبيديين، الذين ملكوا المغرب والديار المصرية وغيرها، وانتسبوا إلى على بن أبى طالب ونفاهم أكثر الناس- بل عامّتهم- عن هذا النسب الشريف، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى من أخبارهم.
стр. 9557
الباب الثامن من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار صاحب الزنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل
وإنما أفردنا هؤلاء بباب، لأنّهم ممن شاع ذكرهم وعظم محلّهم وطار اسمهم، واستولوا على كثير من البلاد وهزموا الجيوش، وأهمّ الخلافة أمرهم، وطالت مدتهم ولم يكونوا في أيام خليفة واحد، فنذكرهم في حوادث دولته، وإنما هم في أيام جماعة من الخلفاء، فلو ذكرناهم في حوادث أيامهم لانقطعت أخبارهم، وعسر على المطالع معرفتها، فلذلك أفردناهم لتكون أخبارهم سياقة، لا تنقطع بغيرها من الأخبار.
стр. 9558
ذكر أخبار صاحب الزنج وابتداء أمره وسبب خروجه
كان خروجه في شوّال سنة خمس وخمسين ومائتين- فى خلافة المهتدى بالله- بفرات البصرة، وزعم أنّه على بن محمد بن أحمد بن على بن عيسى بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، وجمع الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ، وعبر دجلة فنزل الدينارى.
قال أبو جعفر «١» الطبرى: وكان اسمه على بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس، وأمّه ابنة «٢» على بن رحيب بن محمد بن حكيم من أهل الكوفة، وهو أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك، مع زيد بن على بن الحسين، فلما قتل زيد هرب والتحق بالرى، فجاء إلى قرية ورزنين فأقام بها، وجدّه عبد الرحيم رجل من عبد القيس، كان مولده بالطالقان وقدم العراق، واشترى جارية فأوكدها محمدا أباه.
قال: وكان صاحب الزنج هذا في ابتداء أمره متصلا بجماعة من حاشية المنتصر، منهم غانم الشطرنجى وسعيد الصعير، وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره، ثم إنّه شخص من سامرّا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى
стр. 9559
بها أنّه على بن عبد الله «١» بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله ابن عباس بن على بن أبى طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعة جماعة كثيره من أهلها ومن غيرها، فجرى بين الطائفتين عصبيّة قتل فيها جماعة.
قال: وكان أهل البحرين قد أخلّوه محل نبى، وجبا الخراج ونفذ فيهم حكمه، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه، ثم تنكّر له منهم جماعة، فانتقل عنهم إلى الأحسّاء، ونزل على قوم يقال لهم بنو الشمّاس من بنى سعد بن تميم فأقام فيهم، وفي صحبته جماعة من البحرين، منهم يحيى بن محمد الأزرق البحرانى، وسليمان بن جامع- وهو قائد جيشه وكان ينتقل في البادية فذكر عنه أنه قال: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إمامتى، ظاهرة للناس، منها إنى لقّنت سورا من القرآن فجرى بها لسانى، فى ساعة واحدة وحفظتها في دفعة واحدة، منها سبحان «٢» والكهف وص، ومنها أنى فكرت في الموضع الذى أقصده حيث نبت بى البلاد فأظلتنى غمامة، وخوطبت منها فقيل لى: اقصد البصرة، وقيل عنه إنه قال لأهل الباديه إنّه يحيى بن عمر أبو الحسين، المقتول بالكوفه، فخدع أهلها فأتاه منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى الرّدم «٣» من البحرين، فكانت بينهم وقعة عظيمة، وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، قتلوا قتلا ذريعا فتفرّقت الأعراب عنه، فسار ونزل البصرة
стр. 9560
فى بنى ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة منهم على بن أبان المهلبى، وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين، وعاملها يوم ذاك محمد ابن رجاء الحضارىّ.
فوافق قدومه فتنة أهل البصرة، بالبلالية والسعديّة، فطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم يدعوهم فلم يجبه «١» من أهل البلد أحد، وطلبه ابن رجاء فهرب، فأخذ جماعة ممن كانوا يميلون إليه وحبسهم، وكان ممّن حبس ابنه وابنته وزوجته وجارية له حاملا منه، وسار يريد بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن جامع، وبريش «٢» القريعى، فلما صار بالبطيحة نذر به وبأصحابة، فدخل بغداد فأقام بها حولا، فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كل واحد منهم، فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم جعفر بن محمد الصّوحانى، ومحمد بن القاسم، ومشرق ورفيق غلاما يحيى بن عبد الرحمن، فسمّى مشرفا حمزة وكناة أبا أحمد، وسمّى رفيقا جعفرا وكنّاه أبا الفضل، واتفق عزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء البلالية والسعدية فأخرجوا من كان في الحبس، فخلص أهله فيهم، فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان رجوعه في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه على بن
следующие страницы →